الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٩١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةوقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ أي: لليهود، و ﴿ إِذَا ﴾ عند النحويين وقت للفعل الذي هو جواب، كما تقول: إذا جئتني وصلتك، أخبرتَ أنك تصلُهُ وقت مجيئه، وليس كذلك إنْ، لأنك إذا قلت: إن جئتني وصلتك، يصلح أن تصلَه بعد وقت المجيء (١) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ يعني القرآن، ﴿ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ ، يعني التوراة (٢) ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ ، قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون هذا إخبارًا من الله عز وجل عن اليهود، وتم الكلام عند قوله: ﴿ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ ، ثم ابتدأ بالإخبار عنهم، فقال: (٣) ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ (٤) (٥) (٦) (٧) فمن قال: لأقومنّ، أراد: قلت له: قل لأقومن، ومن قال بالتاء، أخرجه على معنى الخطاب.
ومن قال بالياء، أخرجه على لفظ عبد الله؛ لأنه غائب، قال الشاعر (٨) يا ليت شعري عنك دَخْتَنُوس (٩) أتحلِقُ القرونَ أم تَمِيسُ ...
لا، بل تَميسُ إنّها عروسُ (١٠) فقدم أفعالًا على المخاطبة، ثم رجع إلى الغيبة على ما وصفنا.
ومعنى ﴿ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ بما سواه، قال الفراء: وذلك كثير في العربية يتكلم الرجل بالكلام الحسن، فيقول السامع: ليس وراء هذا الكلام شيء، يريد ليس سوى هذا الكلام شيء (١١) ويحتمل ﴿ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ بما بعده، أي: ما بعد التوراة، يريد: الإنجيل والقرآن، وهذا كقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ ، أي: ما بعده، وما سواه.
وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾ [[جزء من آية وردت في سورة [المؤمنون: 7]، [المعارج: 31]]] مثله (١٢) ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ قال: بما سواه (١٣) ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ ﴾ وقوله ﴿ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ وقولِه: ﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ﴾ ، إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اَلحَقُّ ﴾ (هو) كناية عما في قوله: ﴿ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ .
و (ما وراءه)، يجوز أن يكون واقعًا على الإنجيل والقرآن، فأفرد الله القرآن بقوله: (وَهُوَ الْحَقّ) تفصيلًا له وتخصيصًا (١٤) ويجوز أن يكون (هو) كناية عن محمد ؛ لأن الله تعالى لما ذكر الإنزال والمنزِّل دلّا على المُنزَّل عليه، فكان كالظاهر.
قال أبو إسحاق: في قوله: ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ دلالة على أنهم قد كفروا بما معهم، إذ كفروا بما يُصَدِّق مَا معهم.
قال: ونصبت ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ على الحال (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ ﴾ هذا تكذيب من الله تعالى لهم في قولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ ، أي: أيّ كتاب جوّز فيه قتل نبي، وأيّ دين وإيمان جوّز فيه ذلك (١٦) وأضاف القتل هاهُنا إلى المخاطبين، وإن كان آباؤهم قَتَلوا؛ لأنهم كانوا يتولّون الذين قَتَلوا فهم على مذهبهم، وإذا كانوا على ذلك المذهب فقد شركوهم.
قال ابن عباس: كلما عُمِلَت مَعصِية، فمن أنكرها برئ، ومن رضي بها كان كمن شهدها (١٧) وقال ابن الأنباري: تأويله: فلم توليتم آباءكم القاتلين ورضيتم ما كانوا عليه، وصوبتم أفعالهم.
والمراد بلفظ الاستقبال هاهنا: المضي (١٨) ﴿ مِنْ قَبلُ ﴾ ، ودليل هذا قوله: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾ .
ومما وضع فيه المستقبل موضع الماضي قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ ، وسنذكره في موضعه، ومثل هذا قولك للرجل تعنفه بما سلف من قبيح فعله: ويحك لم تكذب؟
لم تُبَغِّض نفسك إلى الناس؟، كأنه قيل: لم هذا من شأنك (١٩) إذا ما انْتَسَبْنا لم تلدني لئيمةٌ ...
ولم تَجِدِي من أن تُقِرِّي بها بُدَّا (٢٠) يعني: أن الولادة قد مضت، وقد عبَّر عنها بجواب الجزاء، وذلك يكون في الاستقبال، كما تقول: إذا ما جئتني لم أضربْك، لم يوجد المجيء ولا الضرب (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ إِن كنُتُم مُّؤمِنِينَ ﴾ (إِنْ) بمعنى الشرط، وجوابها قبلها، يراد به: إن كنتم مؤمنين، فلم تقتلون أنبياء الله؛ لأنه ليس سبيل المؤمنين أن تقتلوا الأنبياء، ولا أن يتولوا قاتليهم (٢٤) (١) ينظر في معاني إذا "مغني اللبيب" 1/ 87 - 101.
(٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1033.
(٣) ساقطة من (ش).
(٤) في (ش): (تكفرون).
(٥) في (ش): (تكون).
(٦) في (ش): (ونكفر).
(٧) من قوله: كما تقول العرب ..
ساقطة من (ش).
(٨) البيتان للقيط بن زُرارة كما في "اللسان" 3/ 1728، "تهذيب اللغة" 2/ 1467، ورواية التهذيب: ياليت شعري اليوم ...
إذا أتاهها الخبر.
ومعنى المرموس: المكتوم، وتميسُ: تتبختر.
(٩) في (ش): (وختنوس).
(١٠) الرجز للقيط بن زرارة، في "لسان العرب" 6/ 101 مادة: (رمس)، و"تاج العروس" 8/ 279 (دختنس)، و"المعجم المفصل" 10/ 282.
(١١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 60.
(١٢) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 307.
(١٣) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3879، "اللسان" 8/ 4807، وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 25، "البحر المحيط" 1/ 307.
(١٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1033، "البحر المحيط" 1/ 307.
(١٥) "معاني القرآن" 1/ 174 بتصرف، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1034.
(١٦) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1034.
(١٧) ذكره في "الوسيط" ولم أجده عنه في التفاسير المسندة، وفي معناه حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله : "إنها ستكون أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 8/ 621 وقوله : "إن الخطيئة إذا عملت في الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن حضرها، ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها" رواه أبو داود.
(١٨) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 25 - 26.
(١٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 60 - 61 ونقله الطبري في تفسيره 1/ 420.
(٢٠) البيت لزائد بن صعصعة الفقعسي يُعَرِّض بزوجته، وكانت أمها سرية، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 61، 178، ولم ينسبه وكذا الطبري في "تفسيره" 1/ 328، 420، 3/ 73.
(٢١) من قوله: (يعني أن الولادة) ساقط من (ش).
(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 61، ومن قوله: (يعنىِ أن الولادة) إلى قوله: (ولا الضرب) من كلام الواحدي، في "تفسيره".
(٢٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 61 ونقله الطبري في تفسيره عنه 1/ 42 ذكر جوابًا آخر وهو أن معناه: فلم قتلتم أنبياء الله من قبل، كقوله: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ أي: ما تلت، وكقول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني ...
فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني يريد بقوله: (ولقد أمر): ولقد مررت.
اهـ.
قال في "البحر المحيط" 1/ 307 نقلًا عن ابن عطية: وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر، ألا ترى أن حاضري محمد ولما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء.
(٢٤) استظهر هذا الوجه أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 307 وقال: ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد، لكن حذف الشرط من الأول وأبقي جوابه، وهو فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثاني وأبقي شرطه.
<div class="verse-tafsir"