الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 20 طه > الآية ٥٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءة﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ﴾ فلنقابلن ما جئتنا به من السحر بسحر مثله ﴿ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا ﴾ الموعد في اللغة: يجوز أن يكون اسمًا للوعد فيكون مصدرًا، ويجوز أن يكون اسمًا لمكان الوعد (١) ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ﴾ .
فالموعد هاهنا ينبغي أن يكون مكانًا؛ لأن جهنم مكان، ويجوز أن يكون الموعد اسمًا لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ ، والذي في هذه الآية هو المصدر: اجعل بيننا وبينك وعدًا، ويدل على هذا قوله: ﴿ لَا نُخْلِفُهُ ﴾ أي: لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف: أن يعد العدة فلا ينجزها.
وقوله تعالى: ﴿ مَكَانًا سُوًى ﴾ ينتصب على الظرف للوعد (٢) ﴿ لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ ﴾ وإذا وصف لم يجز أن يتعلق به بعد الوصف له شيء منه؛ لأنه لا يوصف الاسم قبل تمامه، وكذلك لا يعطف عليه ولا يؤكد ولا يخبر عنه، والوصف والعطف والتوكيد والخبر كل هذا يؤذن بتمام الاسم، فلا يجوز أن يتعلق بالاسم بعد هذه الأشياء شيء، مثال ذلك أنك لا تقول: هذا ضارب ظريف زيدًا على أن ينصب زيدًا بضارب؛ لأنك وصفت الضارب فلا يتعلق به بعد الوصف شيء، وكذلك لا يجوز المعطي عمرًا زيدًا، على أن ينصب زيدًا بالمعطي؛ لأنك قد أخبرت عنه، ولا يجوز مررت بالضارب وعمرو زيدًا، ولا مررت بالضارب نفسه زيدًا؛ لأنك لا تؤكد ولا تعطف على الاسم وقد نفيت منه بقيه، وكذلك البدل لا يجوز أن يبدل من الاسم قبل تمامه كقولك: مررت بالضارب أخيك زيدًا، على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد جاء في الشعر شيء من هذا كقول بشر بن أبي خازم (٣) إِذَا فاقِدٌ خَطْباءَ فَرْخَين رَجَّعَتْ ...
ذَكَرتُ سُلَيمَى في الخَلِيطِ المُباين أعمل فاقدا بعد وصفه بخطباء.
وهذا الذي جاء منه في الشعر يحمل النحويون مثله على إضمار فعل آخر مثل الذي ظهر، كأنه قال بعد قوله خطباء: فقدت فرخين، ودل عليه فاقد، كذلك قوله تعالى: ﴿ مَكَانًا ﴾ لا يجوز على ما ذكرنا أن يتعلق بموعد، ولكنه يتعلق بمحذوف يدل عليه الظاهر، كأنه قيل: عدنا مكانا سوى، ويجوز أن يتعلق بالموعد المذكور في الآية؛ لأنه ظرف والظرف (٤) (٥) ومما جاء مثل هذا في التنزيل قوله تعالى: ﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ ، فالظرف الذي هو (إذ) يتعلق بالمقت الأول؛ لأن المعنى: لمقت الله إياكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم الآن، فقوله: ﴿ إِذْ تُدْعَوْنَ ﴾ يتعلق بالمقت الأول، وقد وقع بعد الاختلاف عنه بقوله أكبر من مقتكم الآن، وهذا يحمل على أحد الوجهين الذين ذكرناهما من تقدير الحذف، كأنه قيل: مقتكم إذ تدعون، أو على أنه ظرف يتجوز فيه.
قال أبو علي الفارسي: (ولم نعلم في التنزيل مجيء (٦) (٧) ﴿ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ﴾ ، فيكون مجيء الموعد اسمًا للزمان، كقولهم: كان هذا مقدم الحاج، ومبعث الجيوش، ومضرب الشُّوْل (٨) (٩) كُلَّمَا قُلْتُ: غَدًا مَوعِدنا ...
غَضِبَتْ هِنْدٌ وَقالَت بَعْدَ غَدْ والموعد في هذا البيت اسم للزمان، والكلام في انتصاب مكانًا على هذا الوجه يكون كما ذكرنا في الوجه الأول في موعد؛ لأن التقدير: اجعل بيننا وبينك وقت وعد، أو زمان وعد لا نخلفه نحن ولا أنت في مكان سوى.
والذي يختاره أبو علي في وجه نصب ﴿ مَكَانًا ﴾ : (أن يكون مفعولًا ثانيًا لجعلت بمنزلة قوله: ﴿ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ﴾ ، في أنه انتصب على أنه مفعول ثان لجعلت) (١٠) ﴿ مكانا سوى ﴾ ويقرأ: سُوى بالضم (١١) (١٢) وقال أبو عبيدة: (مكان سُوى وسِوى بضم أوله وبكسر، مثل: طُوى وطِوى وهو المكان المنصف فيما بين القريتين) (١٣) (١٤) وإِنَّ أَبانا كانَ حَلَّ بِبَلدَةٍ ...
سِوى بين قَيْسٍ عَيْلاَنَ والفِزْرِ فسِوى مثل: بِلى، وقِرى، ومِعى، ورِيي، وقِمع، وضِلع، وقِطع.
وسُوى بالضم مثل: ضُحى وسُدى وهُدى ومثل: صُرَد وحُطَم ونحو ذلك.
وقال أبو علي: (سِوى فِعَلْ من التسوية، فكأن المعنى: يستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، وهذا ما يقل في الصفات ومثله: قوم عِدىً، [وأما فُعَلْ فهو في الصفات أكثر من فِعَل نحو: دَليلٍ خُنَعْ] (١٥) (١٦) (١٧) فأما قول المفسرين فقال قتادة: (نصفا) (١٨) وقال مقاتل: (عدلا بيننا وبينك) (١٩) (٢٠) وقال مجاهد: (منصفا بيننا وبينك) (٢١) وقال ابن مسلم: (وسطًا بين القريتين) (٢٢) وقال ابن زيد: (مكانًا مستويًا يتبين الناس ما بيننا فيه) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال الكلبي: ((سوى) يعني سوى هذا المكان) (٢٦) وقال عطاء عن ابن عباس: ((مكانا سوى) يريد موضعًا معروفاً) (٢٧) وهذا القول يشبه معنى قول ابن زيد.
والقول ما عليه الجمهور.
ومعنى الآية: اجعل بيننا وبينك موعدًا لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه.
(١) انظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915، "القاموس المحيط" (وعده) 1/ 326، "الصحاح" (وعد) 2/ 551، "لسان العرب" (وعد) 8/ 4871، "المفردات في غريب القرآن" (وعد) ص 526.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 224، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 122، "إعراب القرآن" للنحاس3/ 42، "البحر المحيط" 6/ 253 (٣) البيت لبشر بن أبي خازم.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 225، "المقرب" لابن عصفور 1/ 124، "المقاصد النحوية" 3/ 560، "شرح شاهد الألفية" للعيني 3/ 560، "لسان العرب" (فقد) 6/ 3444، "مجمع البيان" 7/ 25.
(٤) في (ص): (والمظروف).
(٥) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 226.
(٦) في نسخة (س): (جيء).
(٧) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 226.
(٨) الشُّوْل من النوق: التي قد أتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها، فلم يبق في ضروعها إلا شَول من اللبن، أي: بقية وأما الناقة الشائل بغير هاء: فهي التي ضربها الفحل فشالت بذنبها، أي: رفعته تري الفحل أنها لا قح، وذلك آية لقاحها.
انظر: "تهذيب اللغة" (شال) 2/ 1811، "مقاييس اللغة" (شول) 3/ 230، "القاموس المحيط" (شالت) (1021)، "الصحاح" (شول) 5/ 1742، "لسان العرب" (شول) 4/ 2363.
(٩) البيت لعمرو بن أبي ربيعة.
انظر: "ديوانه" ص 323، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 228.
(١٠) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 228.
(١١) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: (مكانا سِوى) بكسر السين.
وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة: (مكانا سُوى) بضم السين.
انظر: "السبعة" ص 418، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 223، "المبسوط في القراءات" ص 248، "التبصرة" 259.
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.
(١٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 20.
(١٤) البيت لموسى بن جابر الحنفي.
انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 20، "جامع البيان" 16/ 134، "النكت والعيون" 3/ 408، "المحرر الوجيز" 10/ 43، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 224، "الخزانة" 1/ 146، "الأغاني" 10/ 107، "لسان العرب" (سوى) 4/ 2163.
(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.
(١٦) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 224.
(١٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 181، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 360 ن "الحجة للقراء السبعة" 5/ 224، "تهذيب اللغة" (سوى) 2/ 1795، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 279.
(١٨) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 176، "الدر المنثور" 4/ 540.
(١٩) "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "معالم التنزيل" 5/ 279، "تفسير مقاتل" ص 3.
(٢٠) "جامع البيان" 16/ 176، "بحر العلوم" 2/ 236، "النكت والعيون" 3/ 408، "الدر المنثور" 4/ 540.
(٢١) "جامع البيان" 16/ 176، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 42، "بحر العلوم" 2/ 346، "معالم التنزيل" 5/ 279، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 212.
(٢٢) "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "بحر العلوم" 2/ 346، "النكت والعيون" 3/ 408، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 205.
(٢٣) "جامع البيان" 16/ 176، "النكت والعيون" 3/ 408، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 212، "الدر المنثور" 4/ 540.
(٢٤) في (س): (شيء من الخفاء).
(٢٥) "التفسير الكبير" 22/ 72، "روح المعاني" 16/ 217.
(٢٦) "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "معالم التنزيل" 5/ 279، "القرطبي" 11/ 212.
(٢٧) ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "ابن كثير" 3/ 173، "الفتوحات الإلهية" 3/ 97، "روح المعاني" 16/ 217.
<div class="verse-tafsir"