الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 22 الحج > الآية ٧٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ قال أبو إسحاق: لما عبدوا من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر وما لم ينزل به حجة، أعلمهم الله الجواب فيما جعلوه له مثلاً، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ﴾ يعني الأصنام (١) قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل (٢) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ وهو يعني كفار مكة ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ يعني ذكر شبه الصنم ﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾ .
ثم أخبر عنه فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ يعني: تعبدون من دون الله من الأصنام، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة ﴿ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا ﴾ لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابًا في صغره وقلته.
وقال الأخفش في هذه الآية: إن قيل فأين (٣) ﴿ ضُرِبَ مَثَلٌ ﴾ ؟
قلت: ليس هاهنا مثل؛ لأن المعنى أن الله تعالى قال: ضرب لي مثل، أي: شبه بي الأوثان، ثم قال: فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم، إنهم لن يقدروا على خلق ذباب ولو اجتمعوا له، أي: فكيف تُضرب هذه الآلهة في ضعفها وعجزها مثلاً لله وهو رب كل شيء ليس له شبه ولا مثل (٤) وتأويل الآية: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي، فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ .
الآية.
والذُّبَاب اسم واحد للذكر والأنثى، وجمعه القليل: أذِبَّة، والكثير: ذِبَّان مثل غُراب وأغْرِبَة وغِرْبان (٥) قال الزجاجي (٦) (٧) وأصل (ذب ب) (٨) (٩) (١٠) (١١) قوله: ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ أي: إن سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم لا يقدرون أن يستردوا وينزعوا ذلك من الذباب.
ومعنى الاستنقاذ والإنقاذ: التخليص (١٢) ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ .
قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم الزعفران فيجف، ويأتي الذباب فيختلسه (١٣) ﴿ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا ﴾ يريد من العطر ﴿ لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ﴾ يريد الذباب.
وقال السدي عن أصحابه: كانوا يجعلون للأصنام طعامًا فيقع عليه الذباب فيأكل، فلا يستطيع أن يستنقذه منه (١٤) وقال مقاتل: أي فكيف (١٥) (١٦) وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذين عُبدوا من دونه لا يقدرون على خلق واحد قليل ضعيف من خلقه ولا على استنقاذ تافه حقير منه (١٧) قوله: ﴿ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ قال ابن عباس: ﴿ الطَّالِبُ ﴾ : الصنم، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ : الذباب.
هذا قوله في رواية عطاء (١٨) وهو قول الكلبي، وابن زيد (١٩) (٢٠) ﴿ الطَّالِبُ ﴾ هو (٢١) ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ هو الذباب.
وعلى هذا معنى الآية: ضعف ﴿ الطَّالِبُ ﴾ الذي هو الصنم فلم يطلب ما سلب منه، وضعف المطلوب منه وهو الذباب السالب.
وهذا القول اختيار الفراء، فقال: ﴿ الطَّالِبُ ﴾ : الآلهة، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ الذباب، وفيه معنى المثل (٢٢) وروى عن ابن عباس: ﴿ الطَّالِبُ ﴾ : الذباب، ﴿ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ : الصنم (٢٣) وقال الضحاك: يعني العابد والمعبود (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.
(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.
(٣) في (ظ)، (د)، (ع): (أين).
(٤) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 637 مع تصرف.
وقول الأخفش هذا محل نظر، فإن == الظاهر المتبادر أن في الآية مثلا، والضارب للمثل هو الله -عز وجل- ضرب مثلا لما يعبد من دونه.
انظر "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 390، والألوسي 17/ 200.
وانظر: شرح الإمام ابن القيم لهذا المثل في كتابه "إعلام الموقعين" 1/ 181 فقد بين -رحمه الله- أنه حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قبله، ثم شرع في بيان المثل.
(٥) هذا كلام الطبري 17/ 203 والثعلبي 3/ 56 ب لكن ليس عندهما للذكر والأنثى.
وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 451/ 14 (ذب)، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 (ذبب)، "لسان العرب" 1/ 382 (ذبب).
(٦) في (أ): (الزجاج)، والأظهر ما في باقي النسخ لأن هذا الكلام ليس موجودًا في كتاب "معاني القرآن".
والزجاجي هو: عبد الرحمن بن إسحاق، أبو القاسم الزجاجي، أحد أئمة العربية.
لزم أبا إسحاق الزجاج -وإليه ينسب- حتى برع في النحو، وأخذ عن أبي بكر بن السراج وعلي بن سليمان الأخفش وغيرهما.
صنف "الجمل في النحو" الكتاب المشهور -وبه يعرف- وغيره من المصنفات.
توفي سنة 339 هـ وقيل 340 هـ.
"طبقات النحويين واللغويين" ص 129، "نزهة الألباء" ص 306، "إنباه الرواة" 2/ 160، "سير أعلام النبلاء" 15/ 475، "بغية الوعاة" 2/ 77.
(٧) لم أجده.
(٨) في (أ): (ذب).
(٩) في (أ): (موضع)، وهو ساقط من (ظ).
(١٠) (في): ساقطة من (أ).
(١١) انظر (ذبب) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 414، "الصحاح" للجوهري 1/ 126 - 127، "مقاييس اللغة" لابن فارس 2/ 348 - 349 (ذب)، "لسان العرب" 1/ 384 (ذبب).
(١٢) انظر (نقذ) في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 74، "الصحاح" للجوهري 2/ 572، "لسان العرب" 3/ 516.
(١٣) ذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.
(١٤) رواه ابن أبي حاتم عنه كما في "الدر المنثور" 6/ 75.
وذكره عنه البغوي 5/ 400، وابن الجوزي 5/ 452، والقرطبي 12/ 97.
(١٥) في (أ): (كيف).
(١٦) "تفسيرمقاتل" 2/ 28 ب.
(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 438.
(١٨) ذكره ابن الجوزي 5/ 452 عن عطاء، عن ابن عباس.
ورواه الطبري 17/ 203 هذا القول عن ابن عباس من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 75 وعزاه لابن جرير وابن المنذر.
(١٩) ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.
(٢٠) "تفسير مقاتل" 2/ 28 ب.
(٢١) (هو): ساقطة من (ظ).
(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 230.
(٢٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 ب.
(٢٤) ذكره عنه الثعلبي 3/ 56 أ.
(٢٥) (إليه): ساقطة من (ظ).
(٢٦) رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 75.
قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين" 1/ 182 - بعد ذكره للأقوال المتقدمة في معنى الطالب والمطلوب-: والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمُستلِب والمُستلَب.
<div class="verse-tafsir"