الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٨٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ .
اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة" (١) وتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة.
وقال: نزلت في أبي جهل (٢) ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾ (٣) قال ابن عباس: يريد الشرك بالله (٤) قال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة (٥) فقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس.
والأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك (٦) ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ : أي يزيد عملًا إلى عمل.
قال: والشفع الزيادة (٧) (٨) واعتمد في ذلك على ما رواه أبو الدرداء (٩) أنه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك" (١٠) ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾ هي الدعوة عليه بضد ذلك.
ويؤكد هذا التفسير ما روي عن بعضهم أنه قال: كانت اليهود تدعو على المسلمين، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية (١١) وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هذه الشفاعة بين الناس بعضهم لبعض (١٢) قال الكلبي: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ يصلح بين اثنين يكن له أجرٌ منها ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾ يمشي بالنميمة وبالغيبة يكن له إثمٌ فيها (١٣) وقال مجاهد: (شفاعة حسنة) و (شفاعة سيئة): شفاعة الناس بعضهم لبعض (١٤) قال الحسن: ويجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة كان له فيها أجران، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ ﴾ ولم يقل: (من يُشَفَّع) (١٥) يؤيد (١٦) : "اشفعوا تؤجروا" (١٧) وأما الكفل فقال أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ، ومنه قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ ، معناه: حظَّين (١٨) وقال الزجاج.
الكفل في اللغة النصيب، أخذ من قولهم.
أكفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبتُ عليه، وإنما قيل له كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله، إنما استعمل نصيبًا من الظهر (١٩) وقال ابن المظفر: الكفل من الأجر والإثم الضِّعف، يقال: له كفلان من الأجر، ولا يقال: هذا كفل فلان، حتى تكون هيَّأت لغيره مثله، كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل: كفل ولا نصيب، ولكن: حظ (٢٠) فأما المفسرون فقال مجاهد: الكفل: النصيب (٢١) (٢٢) وقال الحسن والكلبي وقتادة ومقاتل: الكفل الوزر والإثم (٢٣) فالقول الأول مثل قول أهل اللغة، والقول الثاني معناه: حظ من الإثم والوزر، والحظ من الإثم والوزر وزر وإثم، فلذلك قيل في تفسير الكفل: الإثم والوزر.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ .
اختلفوا في معنى المقيت، فقال الفراء: المقيت المقتدر، والمقدِّر أيضًا، كالذي يُعطي كل رجل قوته (٢٤) ونحو ذلك قال عبد الله بن مسلم: المقيت المقتدر، أقات على الشيء، إذا اقتدر عليه، وأنشد: وذي ضِغْنٍ كففتُ النفس عنهُ ...
وكُنتُ على مساءتِه مُقِيتًا (٢٥) قال أبو بكر: على هذا أهل اللغة، قال بعض فصحاء المعمرين: ثم بعد الممات ينشر من ...
على النشر يا بني مُقيتُ (٢٦) معناه: من هو مقتدر.
ويقوي هذا القول ما قاله ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ : "يريد قادرًا" (٢٧) (٢٨) (٢٩) تجلَّد ولا تجزع وكن ذا حفيظةٍ ...
فإني على (...) لمقيت (٣٠) أي: قادر.
وقال آخرون: المُقيت الحفيظ.
وهو قول ابن عباس (٣١) (٣٢) واختيار أبي إسحاق (٣٣) (٣٤) وقال الكلبي في قوله: ﴿ مُقِيتًا ﴾ مجازيًا بالحسنة والسيئة (٣٥) وحُكي بعضهم أن هذا من القوت، ومعنى المقيت الذي عليه قوت كل دابة ورزقها (٣٦) قال الفراء: يقال: أقات الشيء إقاتة، وقات أهله يقوتهم قياتة وقوتًا، والقوت الاسم، وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" و"يقيت" (٣٧) قال أبو بكر: وعلى هذا القول قوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ علي زائدة للتوكيد، ومن شأنهم أن يزيدوا ﴿ عَلَى ﴾ للتوكيد، وأنشد لحميد (٣٨) (٣٩) قال: أراد كل أفنان العضاه تروق، وأكد الكلام بعلى.
وقال: المقيت الشهيد وهذا عائد إلى معنى الحفيظ (٤٠) (١) لم أقف عليه.
وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) لم أقف عليه، وقد فسر ابن جرير الآية بنحو ذلك.
انظر: "تفسير الطبري" 5/ 185، و"زاد المسير" 2/ 150.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) في المخطوط: (للضحاك)، والظاهر أن لا مكان لحرف الجر.
(٧) من "تهذيب اللغة" 2/ 1897 (شفع)، وانظر: "اللسان" 4/ 2290 (شفع).
(٨) انظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، وفي "تفسير مقاتل" 1/ 394 " ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ لأخيه بخير" فليس فيه تخصيص الدعاء.
(٩) هو الصحابي الجليل عويمر بن عامر (وقيل: ابن مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد) ابن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها، وآخى رسول الله بينه وبين سلمان الفارسي.
توفي سنة 32 هـ أو 33 هـ انظر: "الاستيعاب" 3/ 298، و"أسد الغابة" 4/ 318، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 235، و"الإصابة" 3/ 45.
(١٠) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم (2732)، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.
(١١) انظر: "النكت والعيون" 1/ 510، و"زاد المسير" 2/ 150، و"التفسير الكبير" 10/ 207.
(١٢) أخرج الأثر عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، الطبري 5/ 186.
وأخرجه أيضاً عن الحسن، ومجاهد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 335، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 167.
أما الكلبي فيرى أن المراد بالشفاعة: الإصلاح بين اثنين.
كما سيأتي عند المؤلف.
(١٣) "بحر العلوم" 1/ 372، و"زاد المسير" 2/ 150، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(١٤) "تفسيره" 1/ 167، وأخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.
(١٥) أخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.
(١٦) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "ويزيد" والصواب ما أثبته.
انظر: "الوسيط" 2/ 640.
(١٧) الحديث عن أبي موسى الأشعري أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ الآية 7/ 80، ومسلم في كتاب: (2627) البر والصلة، باب: استحباب الشفاعة ولفظه: "اشفعوا فلتؤجروا" الحديث.
(١٨) "مجاز القرآن" 1/ 135، وفسر الكفل بالنصيب، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 280.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل)، و"زاد المسير" 2/ 150.
(٢٠) "العين" 5/ 373، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل).
(٢١) لم أقف عليه.
(٢٢) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 186، 187، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336.
(٢٣) أخرجه عن قتادة: الطبري 5/ 186، 187، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور"، وعن الحسن انظر: "تفسير الهواري" 1/ 404، و"النكت والعيون" 1/ 512، وعن الكلبي، انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، وعن مقاتل انظر "تفسيره" 1/ 394.
(٢٤) "معاني القرآن" 1/ 280.
(٢٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 129.
ونسب البيت للزبير بن عبد المطلب كما في الطبري 5/ 188، و"النكت والعيون" 1/ 513، والقرطبي 5/ 296، وجاء في "زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336 أنه لأحيحة الأنصاري، وفي "اللسان" 6/ 3769 (قوت) نسب لأبي قبيس بن رفاعة.
و"ضغن" من الضغن وهو الحقد.
انظر: "اللسان" 5/ 2592 (ضغن).
(٢٦) في "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت) وفي الشطر الأول: "ينشرني من" وفي الشطر الثاني: "هو على النشر ...
"، وكذا في "اللسان" 6/ 3769 (فوت)، ولم أقف على قائله.
(٢٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 151، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، و"الدر المنثور" 2/ 336.
(٢٨) أخرج ذلك بنحوه: الطبري 8/ 584، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 151، و"الدر المنثور" 2/ 136.
(٢٩) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 147.
(٣٠) لم أقف عليه، وما بين القوسين غير واضح في المخطوط.
(٣١) "تفسيره" ص 152، وأخرجه الطبري 5/ 187.
(٣٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 151.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85.
(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت)، و"زاد المسير" 2/ 151.
(٣٥) انظر: "النكت والعيون" 1/ 513، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(٣٦) انظر: "بحر العلوم" 1/ 373.
(٣٧) "معاني القرآن" 1/ 280.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 160، عن عبد الله بن عمرو ما وكذا الحاكم في "مستدركه" 1/ 415، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣٨) هو أبو المثنى حميد بن ثور بن حزن الهلالي، تقدمت ترجمته.
(٣٩) البيت في "أدب الكاتب" ص 418، و"المسائل الحلبيات" ص 270، و"أسد الغابة" 2/ 60.
و"سرحة مالك" امرأته.
والسرحة في الأصل نوع من شجر العضاه، والأفنان: الأنواع، والعضاه: نوع من الشجر له شوك عظيم، وتروق: تفوق كل الأنواع.
(٤٠) لم أقف على قول ابن الأنباري.
<div class="verse-tafsir"