الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٨٥ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 103 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ) أي : من سعى في أمر ، فترتب عليه خير ، كان له نصيب من ذلك ( ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) أي : يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته ، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء " .
وقال مجاهد بن جبر : نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض .
وقال الحسن البصري : قال الله تعالى : ( من يشفع ) ولم : من يشفع .
وقوله : ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) قال ابن عباس ، وعطاء ، وعطية ، وقتادة ، ومطر الوراق : ( مقيتا ) أي : حفيظا .
وقال مجاهد : شهيدا .
وفي رواية عنه : حسيبا .
وقال سعيد بن جبير ، والسدي ، وابن زيد : قديرا .
وقال عبد الله بن كثير : المقيت : الواصب وقال الضحاك : المقيت : الرزاق .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الرحيم بن مطرف ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن إسماعيل ، عن رجل ، عن عبد الله بن رواحة ، وسأله رجل عن قول الله : ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) قال : يقيت كل إنسان على قدر عمله .
القول في تأويل قوله : مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها "، من يَصِرْ، يا محمد، شفعًا لوتر أصحابك، فيشفعهم في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله، وهو " الشفاعة الحسنة " (51) =" يكن له نصيب منها "، يقول: يكن له من شفاعته تلك نصيب - وهو الحظ (52) - من ثواب الله وجزيل كرامته =" ومن يشفع شفاعة سيئة، يقول: ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به، فيقاتلهم معهم، وذلك هو " الشفاعة السيئة " =" يكن له كِفل منها ".
يعني: بـ " الكفل "، النصيب والحظ من الوزر والإثم.
وهو مأخوذ من " كِفل البعير والمركب "، وهو الكساء أو الشيء يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة.
يقال منه: " جاء فلان مكتَفِلا "، إذا جاء على مركب قد وطِّئَ له -على ما بيّنا- لركوبه.
(53) * * * وقد قيل إنه عنى بقوله: " من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها " الآية، شفاعة الناس بعضهم لبعض.
وغير مستنكر أن تكون الآية نـزلت فيما ذكرنا، ثم عُمَّ بذلك كل شافع بخير أو شر.
* * * وإنما اخترنا ما قلنا من القول في ذلك، لأنه في سياق الآية التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بحضّ المؤمنين على القتال، فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، والوعيد لمن أبى إجابته، أشبه منه من الحثّ على شفاعة الناس بعضهم لبعض، التي لم يجر لها ذكر قبل، ولا لها ذكرٌ بعد.
ذكر من قال ذلك في شفاعة الناس بعضهم لبعض.
10015 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة "، قال: شفاعة بعض الناس لبعض.
10016 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
10017 - حدثت عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن قال: من يُشَفَّع شفاعة حسنة كان له فيها أجران، ولأن الله يقول: " من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها "، ولم يقل " يشفَّع ".
(54) 10018 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن قال: " من يشفع شفاعة حسنة "، كتب له أجرها ما جَرَت منفعتها.
10019 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سئل ابن زيد عن قول الله: " من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها "، قال: الشفاعة الصالحة التي يشفع فيها وعمل بها، هي بينك وبينه، هما فيها شريكان=" ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها "، قال: هما شريكان فيها، كما كان أهلها شريكين.
ذكر من قال: " الكفل ": النصيب.
10020 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها "، أي حظ منها=" ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها "، و " الكفل " هو الإثم.
10021 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " يكن له كفل منها "، أما " الكفل "، فالحظ.
10022 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " يكن له كفل منها "، قال: حظ منها، فبئس الحظ.
10023 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " الكفل " و " النصيب " واحد.
وقرأ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [سورة الحديد: 28].
* * * القول في تأويل قوله : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " وكان الله على كل شيء مقيتًا ".
فقال بعضهم تأويله: وكان الله على كل شيء حفيظًا وشهيدًا.
*ذكر من قال ذلك: 10024 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " وكان الله على كل شيء مقيتًا " يقول: حفيظًا.
10025 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " مقيتًا " شهيدًا.
10026 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل اسمه مجاهد، عن مجاهد مثله.
10027 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " مقيتًا " قال: شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا.
10028 - حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم قال، حدثنا عبد الرحمن بن شريك قال، حدثنا أبي، عن خصيف، عن مجاهد أبي الحجاج: " وكان الله على كل شيء مقيتًا "، قال: " المقيت "، الحسيب.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: القائم على كل شيء بالتدبير.
*ذكر من قال ذلك: 10029 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: " وكان الله على كل شيء مقيتًا "، قال: " المقيت "، الواصب.
(55) وقال آخرون: هو القدير.
*ذكر من قال ذلك: 10030 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وكان الله على كل شيء مقيتًا "، أما " المقيت "، فالقدير.
10031 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وكان الله على كل شيء مقيتًا " قال: على كل شيء قديرًا،" المقيت " القدير.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من هذه الأقوال، قولُ من قال: معنى " المقيت "، القدير.
وذلك أن ذلك فيما يُذكر، كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (56) وَذِي ضِغْــنٍ كَــفَفْتُ النَّفْسَ عَنْـهُ وَكُــنْتُ عَــلَى مَسَــاءتِهِ مُقِيتَـا (57) أي: قادرًا.
وقد قيل إن منه قول النبي صلى الله عليه وسلم:- 10032 -" كفى بالمرء إثما أن يُضِيعَ من يُقيت ".
(58) في رواية من رواها: " يُقيت "، يعني: من هو تحت يديه وفي سلطانه من أهله وعياله، فيقدّر له قوته.
يقال= منه." أقات فلان الشيء يقتيه إقاتة " و " قاته يقوته قياتةً وقُوتًا "، و " القوت " الاسم.
وأما " المقيت " في بيت اليهوديّ الذي يقول فيه: (59) لَيْــتَ شِــعْرِي, وَأَشْـعُرَنَّ إِذَا مَـا قَرَّبُوهَـــا مَنْشُـــورَةً وَدُعِيــتُ (60) !
أَلِـيَ الْفَضْـلُ أَمْ عَـلَيَّ إذا حُوسِـبْتُ? إِنِّــي عَــلَى الْحِسَــابِ مُقِيــتُ (61) = فإن معناه: فإنّي على الحساب موقوف، وهو من غير هذا المعنى.
(62) ---------------------- الهوامش : (51) انظر تفسير"الشفاعة" فيما سلف 2: 31 ، 32 / 5: 382- 384 ، 395.
(52) انظر تفسير"النصيب" فيما سلف: 472 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(53) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 135.
(54) الأثر: 10016- كان في المطبوعة: "كان له أجرها وإن لم يشفع ، لأن الله يقول: .." وهو نص ما في الدر المنثور 2: 187.
وأثبت ما في المخطوطة.
والظاهر أنه تصرف من السيوطي ، وتبعه ناشر المطبوعة الأولى.
والصواب ما في المخطوطة ، إلا أنه ينبغي أن تقرأ"يشفع" الأولى في قول الحسن مشددة الفاء بالبناء للمجهول.
ويعني الحسن: أن الشافع لأخيه إذا استجيبت شفاعته كان له أجران ، أجر عن الخير الذي ساقه إلى أخيه ، وأجر آخر هو مثل أجر المشفوع إليه في فعله ما فعل من الخير.
(55) يقال: "وصب الرجل على ماله يصب" (مثل: وعد يعد): إذا لزمه وأحسن القيام عليه.
(56) لم أجده للزبير ، بل وجدته لأبي قيس بن رفاعة ، مرفوع القافية في طبقات فحول الشعراء لابن سلام: 243 ، ومراجعه هناك.
ونسبه في الدر المنثور 2: 187 ، 188 إلى أحيحة ابن الجلاح الأنصاري.
(57) اللسان (قوت) ، وانظر طبقات فحول الشعراء: 242 ، 243 والتعليق عليه هناك.
(58) الحديث: 10032- رواه أحمد في مسنده ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رقم: 6495 ، 6819 ، 6828 ، 6842 ، والحاكم في المستدرك 1: 415 ، وهو حديث صحيح ، وروايته"يقوت".
(59) هو السموأل بن عادياء اليهودي.
(60) ديوانه: 13 ، 14 ، والأصمعيات: 85 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 135 ، وطبقات فحول الشعراء للجمحي: 236 ، 237 ، اللسان (قوت) وغيرها.
وقوله: "ليت شعري": أي ليتني أعلم ما يكون.
وقوله: "وأشعرن" استفهام ، أي: وهل أشعرن.
وقوله: "قربوها منشورة" يعني: صحف أعماله يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وفي البيت روايات أخر.
(61) يعني بالفضل: الخير والجزاء الحسن والإنعام من الله."أم على": أم على الإثم المستحق للعقوبة.
(62) هذا المعنى الذي قاله أبو جعفر ، هو قول أبي عبيدة ، وهو أحسن ما قيل في معنى"المقيت" في هذا البيت.
وانظر اعتراض المعترضين على البيت ، واختلافهم في تفسيره في مادة (قوت) من لسان العرب.
قوله تعالى : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتافيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : من يشفع أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد ؛ ومنه الشفيع ؛ لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا .
ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة .
وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها .
والشفع ضم واحد إلى واحد .
والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك ؛ فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك ، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له .الثانية : واختلف المتأولون في هذه الآية ؛ فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم ؛ فمن يشفع لينفع فله نصيب ، ومن يشفع ليضر فله كفل .
وقيل : الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة ، والسيئة في المعاصي .
فمن شفع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر ، ومن سعى بالنميمة والغيبة أثم ، وهذا قريب من الأول .
وقيل : يعني بالشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين ، والسيئة الدعاء عليهم .
وفي صحيح الخبر : ( من دعا بظهر الغيب استجيب له وقال الملك آمين ولك بمثل ) .
هذا هو النصيب ، وكذلك في الشر ؛ بل يرجع شؤم دعائه عليه .
وكانت اليهود تدعو على المسلمين .
وقيل : المعنى من يكن شفعا لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر ، ومن يكن شفعا لآخر في باطل يكن له نصيبه من الوزر .
وعن الحسن أيضا : الحسنة ما يجوز في الدين ، والسيئة ما لا يجوز فيه .
وكأن هذا القول جامع .
والكفل الوزر والإثم ؛ عن الحسن وقتادة .
السدي وابن زيد هو النصيب .
واشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط .
يقال : اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه .
ويقال له : اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر [ ص: 255 ] كله بل استعمل نصيبا من الظهر .
ويستعمل في النصيب من الخير والشر ، وفي كتاب الله تعالى يؤتكم كفلين من رحمته .
والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يشفع ؛ لأنه تعالى قال من يشفع ولم يقل يشفع .
وفي صحيح مسلم اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب .الثالثة : قوله تعالى : وكان الله على كل شيء مقيتا ( مقيتا ) معناه مقتدرا ؛ ومنه قول الزبير بن عبد المطلب :وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتاأي قديرا .
فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قوته ؛ ومنه قوله عليه السلام : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقيت .
على من رواه هكذا ، أي من هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره ؛ ذكره ابن عطية .
يقول منه : قته أقوته قوتا ، وأقته أقيته إقاتة فأنا قائت ومقيت .
وحكى الكسائي : أقات يقيت .
وأما قول الشاعر :.
.
.
إني على الحساب مقيت فقال فيه الطبري : إنه من غير هذا المعنى المتقدم ، وإنه بمعنى الموقوف .
وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ .
وقال الكسائي : المقيت المقتدر .
وقال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت ، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان .
وقال الفراء : المقيت الذي يعطي كل رجل قوته .
وجاء في الحديث : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت و " يقيت " ذكره الثعلبي : وحكى ابن فارس في المجمل : المقيت المقتدر ، والمقيت الحافظ والشاهد ، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة .
والله أعلم .
المراد بالشفاعة هنا: المعاونة على أمر من الأمور، فمن شفع غيره وقام معه على أمر من أمور الخير -ومنه الشفاعة للمظلومين لمن ظلمهم- كان له نصيب من شفاعته بحسب سعيه وعمله ونفعه، ولا ينقص من أجر الأصيل والمباشر شيء، ومَنْ عاون غيره على أمر من الشر كان عليه كفل من الإثم بحسب ما قام به وعاون عليه.
ففي هذا الحث العظيم على التعاون على البر والتقوى، والزجر العظيم عن التعاون على الإثم والعدوان، وقرر ذلك بقوله: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } أي: شاهدًا حفيظًا حسيبًا على هذه الأعمال، فيجازي كُلًّا ما يستحقه.
قوله عز وجل : ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) أي : نصيب منها ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشفاعة الحسنة هي الإصلاح بين الناس ، والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين الناس .
وقيل : الشفاعة الحسنة هي حسن القول في الناس ينال به الثواب والخير ، والسيئة هي : الغيبة وإساءة القول في الناس ينال به الشر .
وقوله ( كفل منها ) أي : من وزرها ، وقال مجاهد : هي شفاعة الناس بعضهم لبعض ، ويؤجر الشفيع على شفاعته وإن لم يشفع .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا سفيان الثوري ، عن أبي بردة ، أخبرني جدي أبو بردة ، عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه ، فقال : " اشفعوا لتؤجروا ليقضي الله على لسان نبيه ما شاء " .
قوله تعالى : ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : مقتدرا مجازيا ، قال الشاعر : وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتا وقال مجاهد : شاهدا : وقال قتادة : حافظا ، وقيل : معناه على كل حيوان مقيتا أي : يوصل القوت إليه .
وجاء في الحديث " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ويقيت " .
«من يشفع» بين الناس «شفاعة حسنة» موافقة للشرع «يكن له نصيب» من الأجر «منها» بسببها «ومن يشفع شفاعة سيئة» مخالفة له «يكن له كفل» نصيب من الوزر «منها» بسببها «وكان الله على كل شيء مقيتا» مقتدرا فيجازي كلَّ أحد بما عمل.
من يَسْعَ لحصول غيره على الخير يكن له بشفاعته نصيب من الثواب، ومن يَسْعَ لإيصال الشر إلى غيره يكن له نصيب من الوزر والإثم.
وكان الله على كل شيء شاهدًا وحفيظًا.
ثم رغب - سبحانه المؤمنين فى الخير ، وحذرهم من التوسط فى الشر ، فقال : ( مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ) .والشفاعة : هى التوسط بالقول فى وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية ، أو إلى إنقاذه من مضرة .
وهى مأخوذة من الشفع وهو الزوج فى العدد ضد الوتر .
فكأن المشفوع له كان وترا فجعله الشفيع شفعا .والنصيب : الحظ من كل شئ .
والكفل : الضعف والنصيب والحظ .قال الجمل : واستعمال الكفل فى الشر أكثر من استعمال الصيب فيه وإن كان كل منهما قد يستعمل فى الخير كما قال - تعالى - ( يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ) ولقلة استعمال النصيب فى الشر وكثرة استعمال الكفيل فيه غاير بينهما فى الآية الكريمة حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع الحسنة .والمعنى : من يشفع شفاعة حسنة ، أى يتوسط فى أمر يترتب عليه خير ( يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ) أى : يكن له ثواب هذه الشفاعة الحسنة .
( وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ) وهى ما كانت فى غير طريق الخير ( يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ) أى : يكن له نصيب من وزرها وإثمها ، لأن سعى فى الفساد ولم يسع فى الخير .وإطلاق الشفاعة على السعى فى الشر من باب المشاكلة ، لأن الشافعة لا تطلق إلا على الوساط فى الخير .والآية الكريمة وإن كانت واردة على سبيل التعميم فى بيان جزاء كل شفاعة حسنة أو كل شفاعة سيئة ، إلا أن المقصود بها قصدا أوليا ترغيب المؤمنين فى أن يعاون بعضهم بعضا على الجهاد فى سبيل الله ، وفى انضمام بعضهم إلى بعض من أجل نصرة الحق ، وتهديد المنافقين الذين كان يشفع بعضهم لبعض لكى يأذن لهم النبى صلى الله عليه وسلم فى التخلف عن الجهاد .
وقد رجح هذا الاتجاه الإِمام ابن جرير فقال ما ملخصه :يعنى - سبحانه - بقوله ( مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ) من يصر يا محمد شفعا لوتر أصحابك ، فيشفعهم فى جهاد عدوهم وقتالهم فى سبيل الله ، وهو الشفاعة الحسنة لم يكن له نصيب منها ، أى يكن له من شفاعته تلك نصيب ، وهو الحظ من ثواب الله وجزيل كرامته .
ومن يشفع وتر أهل الكفر بالله على المؤمنين به ، فيقاتلهم وذلك هو الشفاعة السيئة يكن له كفل منها .
يعن بالكفل : النصيب والحظ من الوزر والإِثم ، وهو مأخوذ من كفل البعير والمركب ، وهو الكساء أو الشئ يهيأ عليه شبيه بالسرج على الدابة .
يقال : جاء فلان مكتفلا : إذا جاء على مركب قد وطئ له .
.
وقد قيل : إن الآية عنى بها شفاعة الناس بعضهم لبعض .
وغير مستنكر أن تكون الآية نزلت فيما ذكر ، ثم عم بذلك كل شافع بخير أو شر .وإنما اخترنا ما قلنا من القول فى ذلك؛ لأنه فى سياق الآية التى أمر الله نبيه فيها بحض المؤمنين على القتال .
فكان ذلك بالوعد لمن أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوعيد لمن أبى إجابته أشبه منه من الحث على شفاعة الناس بعضهم لبعض التى لم يجر لها ذكر قبل .
ولا لها ذكر بعد .وقوله ( وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ) تذييل قصد به تعريف الناس أنه - سبحانه - سيجازى كل إنسان بعمله ، حتى يكثروا من فعل الخير ويقلعوا عن فعل الشر .ومقيتا : أى مقتدرا .
من أقات على الشئ اقتدر عليه .
ومنه قول الزبير ابن عبد المطلب :وذى ضغن كففت النفس عنه ...
وكنت على مساءته مقيتاًأى : وكنت على رد إساءته مقتدراً .أو مقيتا : معناها حفيظا من القوت وهو ما يمسك الرق من الرزق وتحفظ به الحياة : والمعنى : وكان الله تعالى - وما زال على كل شئ مقتدرا لا يعجزه شئ ، وحفيظا على أحوال الناس لا يغيب عنه شئ من ذلك ، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب .هذا وقد وردت أحاديث متعددة فى الحض على الشفاعة الحسنة ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابى موسى الأشعرى قال : " " كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال : " اشفعوا تؤجروا ويقضى الله على لسانه نبيه ما أحب " " .قال صاحب الكشاف : والشفاعة الحسنة هى التى روعى بها حق مسلم ، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير ، وابتغى بها وجه الله ، ولم تؤخذ عليها رشوة ، وكانت فى أمر جائز ، ولا فى حد من حدود الله ولا فى حق من الحقوق - يعنى الواجبة عليه - والسيئة ما كانت بخلاف ذلك .
وعن مسروق : أنه شفع شفاعته .
فأهدى إليه المشفوع له جارية .
فغضب وردها .
وقال : لو علمت ما فى قلبك ما تكلمت فى حاجتك .
ولا أتكلم فيما بقى منها .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها: الأول: أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها، والغرض منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما.
الثاني: أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على الجهاد ذكر أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب، ثم بين في هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام: حرضهم على الجهاد، فإن لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم الثواب، فكان هذا ترغيبا من الله لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع اليه عند طاعتهم أجر عظيم، وما كان يرجع اليه من معصيتهم شيء من الوزر، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم ألبتة في المعصية، فلا جرم يرجع اليه من طاعتهم أجر ولا يرجع اليه من معصيتهم وزر.
الثالث: يجوز أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن اذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله، فأما اذا كانت وسيلة الى معصيته كانت محرمة منكرة.
الرابع: يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة، فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها.
المسألة الثانية: الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو أن يصير الإنسان نفسه شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها.
إذا عرفت هذا فنقول: في الشفاعة المذكورة في الآية وجوه: الأول: أن المراد منها تحريض النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على الجهاد، وذلك لأنه اذا كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفعا لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد، وأيضا فالتحريض على الشيء عبارة عن الأمر به لا على سبيل التهديد، بل على سبيل الرفق والتلطف، وذلك يجري مجرى الشفاعة.
الثاني: أن المراد منه ما ذكرنا من أن بعض المنافقين كان يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول عليه الصلاة والسلام في التخلف عن الجهاد، أو المراد به أن بعض المؤمنين كان يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث في أن يحصل له ما يحتاج إليه من آلات الجهاد.
الثالث: نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما معناه أن الشفاعة الحسنة هاهنا هي أن يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالمحبة للكفار وترك إيذائهم: الرابع: قال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما تكون بالدعاء، واحتج بما روى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك له ولك مثل ذلك» فهذا هو النصيب، وأما الشفاعة السيئة فهي ما روي أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: السام عليكم، والسام هو الموت، فسمعت عائشة رضي الله عنها فقالت عليكم السام واللعنة، أتقولون هذا للرسولا فقال صلى الله عليه وسلم: «قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم»، فنزلت هذه الآية.
الخامس: قال الحسن ومجاهدي والكلبي وابن زيد: المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم لبعض، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة، ثم قال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿ مَّن يَشْفَعْ ﴾ ولم يقل: ومن يشفع، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام: «اشفعوا تؤجروا».
وأقول: هذه الشفاعة لابد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها، وذلك التعلق حاصل بالوجهين الأولين، فأما الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل، وإلا صارت هذه الآية أجنبية عما قبلها، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين الأولين في اللفظ فهذا جائز؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.
المسألة الثالثة: قال أهل اللغة: الكفل: هو الحظ ومنه قوله تعالى: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ أي حظين وهو مأخوذ من قولهم: كفلت البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه.
وإنما قيل: كفلت البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر، وإنما استعمل نصيبا من الظهر.
قال ابن المظفر: لا يقال: هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله، وكذا القول في النصيب، فإن أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب.
فان قيل: لم قال في الشفاعة الحسنة: ﴿ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا ﴾ وقال في الشفاعة السيئة: ﴿ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ﴾ وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة؟
قلنا: الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة، وحمي الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به، ويقال للضامن: كفيل.
وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم كهاتين».
فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه، إذا ثبت هذا فنقول: ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا ﴾ أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده، والمقصود حصول ضد ذلك ﴿ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيء مُّقِيتاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في المقيت قولان: الأول: المقيت القادر على الشيء، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب.
وذي ضغن كففت النفس عنه *** وكنت على إساءته مقيتا وقال آخر: ليت شعري وأشعرن إذا ما *** قربوها منشورة ودعيت إلي الفضل أم علي إذا حو *** سبت أني على الحساب مقيت وأنشد النضر بن شميل: تجلد ولا تجزع وكن ذا حفيظة *** فاني على ما ساءهم لمقيت الثاني: المقيت مشتق من القوت، يقال: قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته، واسم ذلك الشيء هو القوت، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة، ثم قال القفال رحمه الله: وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه.
المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَيء مُّقِيتاً ﴾ تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الازل، وليست صفة محدثة، فقوله: ﴿ كَانَ ﴾ مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا، يدل على أنه كان حاصلا من الازل إلى الأبد.
<div class="verse-tafsir"
الشفاعة الحسنة: هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير.
وابتغي بها وجه الله ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حدّ من حدود الله ولا في حق من الحقوق.
والسيئة: ما كان بخلاف ذلك.
وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية، فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها وقيل: الشفاعة الحسنة: هي الدعوة للمسلم، لأنها في معنى الشفاعة إلى الله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له و قال له الملك: ولك مثل ذلك، فذلك النصيب» ، والدعوة على المسلم بضد ذلك ﴿ مُّقِيتاً ﴾ شهيداً حفيظاً.
وقيل: مقتدراً.
وأقات على الشيء، قال الزبير بن عبد المطلب: وَذِي ضِغْنٍ نَفَيْتُ السُّوءَ عَنْهُ ** وَكُنْتُ عَلَى إِسَاءَتِهِ مُقِيتاً وقال السموأل: أَلِي الْفَضْلُ أَمْ عَلَيّ إِذَا حُو ** سِبْتُ إِنِّي عَلَى الْحِسَابِ مُقِيتُ واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ﴾ راعى بِها حَقَّ مُسْلِمٍ ودَفَعَ بِها عَنْهُ ضَرًّا أوْ جَلَبَ إلَيْهِ نَفْعًا ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الدُّعاءُ لِمُسْلِمٍ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ وقالَ لَهُ المَلَكُ ولَكَ مِثَلُ ذَلِكَ» .
﴿ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ﴾ وهو ثَوابُ الشَّفاعَةِ والتَّسَبُّبِ إلى الخَيْرِ الواقِعِ بِها.
﴿ وَمَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ﴾ يُرِيدُ بِها مُحَرَّمًا.
﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ نَصِيبٌ مِن وِزْرِها مُساوٍ لَها في القَدْرِ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ مُقْتَدِرًا مِن أقاتَ عَلى الشَّيْءِ إذا قَدِرَ قالَ: وذِي ضُغْنٍ كَفَفْتُ الضُّغْنَ عَنْهُ ∗∗∗ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتًا أوْ شَهِيدًا حافِظًا، واشْتِقاقُهُ مِنَ القُوتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{من يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً} هي الشفاعة في دفع شر أو جلب نفع مع جوازها شرعاً {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا} من ثواب الشفاعة {وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً} هي خلاف الشفاعة الحسنة قال ابن عباس رضى الله عنهما مالها مفسر غيرى معناه ن أمر بالتوحيد وقاتل أهل الكفر وضده السيئة وقال الحسن هو المشي بالصلح وضده النميمة {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} نصيب {وَكَانَ الله على كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} مقتدراً من أقات على الشئ اقتدر عليه أو حفيظاً من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها
﴿ ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً ﴾ وهي ما كانَتْ بِخِلافِ الحَسَنَةِ، ومِنها الشَّفاعَةُ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى، فَفي الخَبَرِ: ««مَن حالَتْ شَفاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى فَقَدَ ضادَّ اللَّهَ في مُلْكِهِ، ومَن أعانَ عَلى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ في سُخْطِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَنْزِعَ»» واسْتُثْنِي مِنَ الحُدُودِ القِصاصُ، فالشَّفاعَةُ في إسْقاطِهِ إلى الدِّيَةِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ السُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فالتَّعْبِيرُ بِالنَّصِيبِ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ وبِالكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ لِلتَّفَنُّنِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ النَّصِيبَ يَشْمَلُ الزِّيادَةَ، والكِفْلَ هو المِثْلُ المُساوِي، فاخْتِيارُ النَّصِيبِ أوَّلًا؛ لِأنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ يُضاعَفُ، والكِفْلِ ثانِيًا لِأنَّ مَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ لا يُجْزى إلّا مِثْلَها، فَفي الآيَةِ إشارَةُ إلى لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِعِبادِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الكِفْلَ - وإنْ كانَ بِمَعْنى النَّصِيبِ - إلّا أنَّهُ غَلَبَ في الشَّرِّ، ونَدَرَ في غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ فَلِذا خُصَّ بِالسَّيِّئَةِ تَطْرِيَةً وهَرَبًا مِنَ التَّكْرارِ.
﴿ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ أيْ: مُقْتَدِرًا، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ حِينَ سَألَهُ عَنْهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أُحَيْحَةَ الأنْصارِيِّ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ (مُقِيتًا) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ الحَفِيظُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ القُوتِ، فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّهُ المُجازِي، أيْ: يُجازِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وأصْلُهُ مَقُوتٌ، فَأُعِلَّ، كَمُقِيمٍ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها عَلى سائِرِ التَّفاسِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها قال الضحاك: يعني مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً في الإسلام، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي من سنّ في الإسلام سنة قبيحة محدثة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
وقال الكلبي: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يعني: يصلح بين اثنين يكن له أجر منها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يمشي بالنميمة والغيبة، يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها يعني إثم منها.
وقال مجاهد: إنما هي شفاعة في الناس بعضهم لبعض، يعني يشفع لأخيه المسلم في دفع المظلمة عنه.
وروى سفيان عن عمرو بن دينار أن النبيّ قال: «اشْفَعُوا إِلَيَّ تُؤْجَرُوا فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي الأمْرَ فَأَمْنَعُهُ كَيْ مَا تَشْفَعُوا فَتُؤْجَرُوا» .
وقال الحسن: الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها، والكفل في اللغة النصيب.
كقوله تعالى: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: 28] ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً والمقيت المقتدر.
يقال: أقات على الشيء يعني اقتدر.
ويقال: المقيت الشاهد على الشيء، الحافظ له، ويقال: مقيتاً يعني: بيده الرزق وعليه قوت كل دابة، كقوله تعالى وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: 10] .
قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ يعني إذا سلم عليكم فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أي ردوا جوابها بأحسن منها أَوْ رُدُّوها أي مثلها، فأمر الله تعالى المسلمين برد السلام، بأن يردوا بأحسن منها، وهو أن يقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أو يرد مثله، فيقول: وعليكم السلام، وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها لأهل الذمة، فيقول لهم: وعليكم، وروي عن رسول الله : أن رجلاً دخل عليه، وقال: السلام عليكم، فقال له: «وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» .
ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فقال: «لَكَ عِشْرُونَ حَسَنَةً» .
ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فقال: «لَكَ ثَلاثُونَ حَسَنَةً» .
وروي عنه أنه نهى أن ينقص الرجل من سلامه أو من ردّه، وهو أن يقول: السلام عليك، ولكن ليقل: السلام عليكم.
ويقال: إنما ذلك للمؤمنين، لأن المؤمن لا يكون وحده ولكن يكون معه الملائكة.
وفي هذه الآية دليل أن السلام سنة، والرد واجب لأن الله تعالى أمر بالرد، والأمر من الله تعالى واجب ويقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها يعني إذا أهدي إليكم بهدية، فكافئوا بأفضل منها أو مثلها.
وهذا التأويل ذكر عن أبي حنيفة.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أي مجازياً.
قوله تعالى: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ نزلت في شأن الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه لَيَجْمَعَنَّكُمْ وهذه لام القسم، وكل لام بعدها نون مشددة فهي لام القسم.
وقوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قال بعضهم: إلى صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم يوم القيامة.
ويقال: ليجمعنكم في الموت وفي قبوركم إلى يوم القيامة، ثم يبعثكم لاَ رَيْبَ فِيهِ أي لا شك فيه، وهو البعث.
يعني: لا شك فيه عند المؤمنين، ويقال: يعني لا ينبغي أن يشك فِيهِ.
ثم قال تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أي من أوفى من الله قولاً وعهداً.
قرأ حمزة والكسائي: (وَمِنْ أزدق) بالزاي.
وقرأ الباقون: أَصْدَقُ وأصله الصاد، إلا أنه لقرب مخرجيهما يجعل مكانه زاي.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا لأنَّه لا وَجْهَ له فإنَّه لولا فَضْلُ اللَّهِ ورحْمَتُهُ، لاتبعوا الشيْطَانَ كلُّهم.
انتهى، وهو حَسَنٌ، وأما قوله: «لا وَجْهَ له» ، ففيه نظَرٌ، فقد وجَّهه العلماءُ بما لا نُطِيلُ بذكْره.
وقوله تعالى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
الآية: هذا أمر في ظاهر اللّفظ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَحْده، لكن لم نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ، أنّ القتال فرض على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، دون الأُمَّة مُدَّةً مَّا، والمعنى، واللَّه أعلَمُ أنه خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اللفظِ، وهو مثالُ مَا يُقَالُ لكلِّ واحدٍ في خاصَّة نَفْسه، أي: أنْتَ، يا محمَّد، وكلُّ واحدٍ من أمَّتك القولُ لَهُ: فقاتِلْ في سبيلِ اللَّه، لا تُكَلَّف إلاَّ نَفْسَكَ، ولهذا ينبغي لكلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يستَشْعِرَ أنْ يُجَاهِدَ، ولو وحْدَه ومِنْ ذلك قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وَاللَّهِ، لأُقَاتِلَنَّكُمْ حتى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي «١» » «٢» ، وقولُ أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) وَقْتَ الرِّدَّةِ: «وَلَوْ خَالَفَتْنِي يَمِينِي، لَجَاهَدتُّهَا بِشِمَالِي» ، وعسى إذا وردَتْ من اللَّه تعالى، فقال عكرمة وغيره: هي واجِبَةٌ بفَضْلِ اللَّه ووَعْده الجميلِ «٣» ، قلْتُ: أيْ: واقعٌ مَّا وعَدَ به سبحانه، والتنكيلُ: الأخْذُ بأنواع العذاب.
وقوله سبحانه: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ...
الآية: قال مجاهدٌ وغيره: هي في شَفَاعَاتِ النَّاس بينهم في حوائجهم، فَمَنْ يشفعْ لينفَع، فلَهُ نصيبٌ، ومَنْ يشفعْ ليضُرَّ، فله «٤» كِفْلٌ، والكِفْلُ: النَّصيبُ، ويستعمل في الخَيْرِ وفي الشَّرِّ، وفي كتاب اللَّه تعالى:
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨] ، وروى أبو داود، عن أبي أُمَامَةَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
أنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً، فأهدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أتى بَاباً عظيما من أبواب الرّبا» «١» .
انتهى.
ومُقِيتاً: معناه: قديراً ومنه قولُ الزُّبَيْر بْنِ عبدِ المُطَّلِبِ: [الوافر]
وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْه ...
وَكُنْتُ على إسَاءَتِهِ مُقِيتَا «٢»
أيْ: قديراً.
وقيل: مُقِيتاً: معناه شهيداً، وقيل: حفيظاً.
وذهب مقاتلٌ إلى أنه الذي يَقُوتُ كلَّ حيوان، قال الداوديّ: قال الكلبيُّ المَقِيتُ هو المُقْدِرُ بلُغَة قُرَيْشٍ.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ...
الآية: قالتْ فرقةٌ: معنى الآية: تخييرُ الرَّادِّ فإذا قال البادئ: «السَّلاَمُ عَلَيْكَ» ، فللرادِّ أنْ يقولَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ» فقطْ، وهذا هو الرَّدُّ، وله أنْ يقولَ: «وعَلَيْكَ السَّلاَمُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ» ، وهذا هو التحيَّة بأحْسَنَ، ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ وغيره انتهاء السَّلام إلى البَرَكة، وقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إذا حُيِّيتم بتحيةٍ، فإن نَقَص المسلِّمُ مِنَ النهاية، فحَيُّوا بأحْسَنَ منها، وإن انتهى، فردُّوها، كذلك قال عطاءٌ، والآيةُ في المؤمنين خاصَّةً، ومَنْ سَلَّم من غيرهم، فيقالُ لَهُ: «عَلَيْكَ» كما»
في الحديث «٤» ، وفي
أبي داود، والترمذيّ، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بالسَّلاَمِ» «١» .
انتهى.
وأكثرُ أهل العلْمِ على أنَّ الابتداءَ بالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مؤكَّدة، وَرَدُّه «٢» فريضةٌ لأنه حقٌّ من الحقوقِ قاله الحسن وغيره، قال «٣» النوويُّ: وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ فِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَسْتَقْبِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُصَافِحُهُ، فَيُصَلِّيَانِ على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حتى تُغْفَرَ ذُنُوبُهُمَا، مَا تقدّم منها وما تأخّر» «٤» ، وروّينا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ﴾ في المُرادِ بِالشَّفاعَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها شَفاعَةُ الإنْسانِ لِلْإنْسانِ، لِيَجْتَلِبَ لَهُ نَفْعًا، أوْ يُخَلِّصُهُ مِن بَلاءٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها الإصْلاحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الدُّعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: مَن يَصِرْ شَفَعا لِوِتْرِ أصْحابِكَ يا مُحَمَّدُ، فَيُشَفِّعُهم في جِهادِ عَدْوِّهِمْ وقِتالِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَفِي الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها الدُّعاءُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وكانَتِ اليَهُودُ تَفْعَلُهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى مَن يَشْفَعُ وِتْرَ أهْلِ الكُفْرِ، فَيُقاتِلُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: و"الكِفْلُ" في اللُّغَةِ: النَّصِيبُ، وأُخِذَ مِن قَوْلِهِمْ: اكْتَفَلَتِ البَعِيرُ: إذْ أدَرْتَ عَلى سَنامِهِ، أوْ عَلى مَوْضِعِ مَن ظَهْرُهُ كِساءٌ، ورَكِبَتْ عَلَيْهِ.
وإنَّما قِيلَ لَهُ: كَفَلَ، لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلِ الظَّهْرَ كُلَّهُ، وإنَّما اسْتَعْمَلَ نَصِيبًا مِنهُ.
وفي "المُقِيتِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المُقْتَدِرُ، قالَ أُحَيْحَةُ بْنُ الجِلاحِ: وذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مَقِيتًا وَإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والخَطابِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَفِيظُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.
وقالَ: هو بِالحَفِيظِ أشْبَهُ، لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، يُقالُ: قَتَّ الرَّجُلُ أقْوَتُّهُ قُوتًا: إذا حَفِظَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ بِما يَقُوتُهُ.
والقُوتُ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يَحْفَظُ نَفْسَهُ [وَلا فَضْلَ فِيهِ عَلى قَدْرِ الحِفْظِ]، فَمَعْنى المَقِيتِ: الحافِظُ الَّذِي يُعْطِي الشَّيْءَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِنَ الحِفْظِ.
قالَ الشّاعِرُ: ألِي الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ أنِّي عَلى الحِسابِ مَقِيتُ والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّهِيدُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الحَسِيبُ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: الرَّقِيبُ، رَواهُ أبُو شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ.
والسّادِسُ: الدّائِمُ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ.
والسّابِعُ: أنَّهُ مُعْطِي القُوتَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وقالَ الخَطابِيُّ: المَقِيتُ يَكُونُ بِمَعْنى: مُعْطِي القُوتَ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ قاتَهُ وأقاتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللهِ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا ﴾ ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أو رُدُّوها إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ هَذا أمْرٌ في ظاهِرِ اللَفْظِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وحْدَهُ، لَكِنْ لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَبِيِّ دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً ما، المَعْنى -واللهُ أعْلَمُ- أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اللَفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ: ﴿ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ ﴾ ، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ ولَوْ وحْدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "واللهِ لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي"» وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقْتَ الرِدَّةِ: "وَلَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي".
وخَلَطَ قَوْمٌ في تَعَلُّقِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: "فَقاتِلْ" بِما فِيهِ بُعْدٌ، والوَجْهُ أنَّها عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وهي دالَّةٌ عَلى اطِّراحِ غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ خَصَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمْرِ بِالتَحْرِيضِ، أيْ: حُثَّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِيامِ بِالفَرْضِ الواجِبِ عَلَيْهِمْ.
و"عَسى" إذا ورَدَتْ مِنَ اللهِ تَعالى، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: إنَّها واجِبَةٌ، لِأنَّها مِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ، فَفَضْلُ اللهِ تَعالى يُوجِبُ وُجُوبَها، وفي هَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ، ثُمَّ قَوّى -بَعْدَ ذَلِكَ- قُلُوبَهم بِأنْ عَرَّفَهم شِدَّةَ بَأْسِ اللهِ، وأنَّهُ أقْدَرُ عَلى الكَفَرَةِ، وأشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمُ، التَنْكِيلُ: الأخْذُ بِأنْواعِ العَذابِ وتَرْدِيدُهُ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً ﴾ الآيَةُ.
أصْلُ الشَفاعَةِ والشُفْعَةِ ونَحْوِها مِنَ: الشَفْعِ، وهو الزَوْجُ في العَدَدِ، لِأنَّ الشافِعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُذْنِبِ والشَفِيعَ ثانٍ لِوَتْرِ المُشْتَرِي.
واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: مَن يَشْفَعْ وتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، أو مَن يَشْفَعْ وتْرَ الكُفْرِ بِالمَعُونَةِ عَلى الإسْلامِ.
ودَلَّهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ القِتالِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ: هي في شَفاعاتِ الناسِ بَيْنَهم في حَوائِجِهِمْ، فَمَن يَشْفَعُ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعُ لِيَضُرَّ فَلَهُ كِفْلٌ.
وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: الشَفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطاعَةِ، والسَيِّئَةُ هي في المَعاصِي،.
وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
والكِفْلُ: النَصِيبُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَصِيبِ مِنَ الخَيْرِ ومِنَ الشَرِّ، وفي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ .
و"مُقِيتًا" مَعْناهُ: قَدِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو الزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَفْسَ عنهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا أيْ: قَدِيرًا، وعَبَّرَ عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: بِحَفِيظٍ وشَهِيدٍ.
وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: بِأنَّهُ الواصِبُ القَيِّمُ بِالأُمُورِ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ، ومِنهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ « "كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَن يُقِيتُ"،» عَلى مَن رَواها هَكَذا، أيْ: مَن هو تَحْتَ قُدْرَتِهِ وفي قَبْضَتِهِ مِن عِيالٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ إلى أنَّهُ الَّذِي يَقُوتُ كُلَّ حَيَوانٍ، وهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أقاتَ بِمَعْنى قاتَ، وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "مَن يُقِيتُ" مِن أقاتَ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ: أقاتَ يُقِيتُ، فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: لَيْتَ شِعْرِي وأشْعُرَنَّ إذا ∗∗∗ ما قَرَّبُوها مَطْوِيَّةً ودُعِيتُ ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ؟
إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى المُتَقَدِّمِ، وإنَّهُ بِمَعْنى: مَوْقُوفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ فاعِلٍ بِمَعْنى بِناءِ مَفْعُولٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذا حُيِّيتُمْ" الآيَةُ، التَحِيَّةُ وزْنُها تَفْعِلَةٌ مِن: حَيِيَ، وهَذا هو الأغْلَبُ مِن مَصْدَرِ فَعِلَ في المُعْتَلِّ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ، أمّا أنَّ الرَدَّ عَلى المُشَمِّتِ فَمِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَحِيَّةِ وهَذا هو مَنحى مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عنهُ، واللهُ أعْلَمُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَحِيَّةُ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: سَلامٌ عَلَيْكَ، فَيَجِبُ عَلى الآخَرِ أنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، قالَ الرادُّ: عَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ، فَإنْ قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكاتُهُ فَقَدِ انْتَهى، ولَمْ يَبْقَ لِلرّادِّ أنْ يُحَيِّيَ بِأحْسَنَ مِنها، فَهاهُنا يَقَعُ الرَدُّ المَذْكُورُ في الآيَةِ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ هَذِهِ القالَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ، فَإنْ نَقَصَ المُسَلِّمُ مِنَ النِهايَةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ، وإنِ انْتَهى فَرُدُّوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ تَخْيِيرُ الرادِّ، فَإذا قالَ البادِئُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَلِلرّادِّ أنْ يَقُولَ، وعَلَيْكَ السَلامُ، فَقَطْ، وهَذا هو الرَدُّ، ولَهُ أنْ يَقُولَ: وعَلَيْكَ السَلامُ ورَحْمَةُ اللهِ، وهَذا هو التَحِيَّةُ بِأحْسَنَ مِنها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِالآيَةِ: إذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَإنْ كانَتْ مِن مُؤْمِنٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها، وإنْ كانَتْ مِن كافِرٍ فَرُدُّوا عَلى ما قالَ رَسُولُ اللهِ أنْ يُقالَ لَهُمْ: « "وَعَلَيْكُمْ".» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: انْتَهى السَلامُ إلى البَرَكَةِ، وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ألّا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِسَلامٍ، فَإنْ سَلَّمَ أحَدٌ ساهِيًا أو جاهِلًا فَيَنْبَغِي أنْ يَسْتَقِيلَهُ سَلامُهُ، وشَذَّ قَوْمٌ في إباحَةِ ابْتِدائِهِمْ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّ بِهِ يُتَصَوَّرُ إذْلالُهم.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا، وقالَ عَطاءٌ: الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ خاصَّةً، ومَن سَلَّمَ مِن غَيْرِهِمْ قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ، كَما في الحَدِيثِ.
وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَلامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ، لِأنَّهُ حَقٌّ مِنَ الحُقُوقِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ.
و"حَسِيبًا" مَعْناهُ: حَفِيظًا، وهو فَعِيلٌ مِنَ الحِسابِ، وحَسُنَتْ هاهُنا هَذِهِ الصِفَةُ إذْ مَعْنى الآيَةِ في أنْ يَزِيدَ الإنْسانُ أو يَنْقُصَ أو يُوَفِّيَ قَدْرَ ما يَجِيءُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف فيه معنى التذييل والتعليل لقوله: ﴿ لا تُكَلَّفُ إلاّ نَفْسَك وحرّض المؤمنين ﴾ [النساء: 84] وهو بشارة للرسول عليه الصلاة والسلام بأن جهاد المجاهدين بدعْوته يناله منه نصيب عظيم من الأجر، فإنّ تحريضه إيّاهم وساطة بهم في خيرات عظيمة، فجاءت هذه الآية بهذا الحكم العامّ على عادة القرآن في انتهاز فرص الإرشاد.
ويعلم من عمومها أنّ التحريض على القتال في سبيل الله من الشفاعة الحسنة، وأنّ سعي المثبطين للناس من قبيل الشفاعة السيّئة، فجاءت هذه الآية إيذاناً للفريقين بحالتهما.
والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسّط في الخير والترهيب من ضدّه.
والشفاعة: الوساطة في إيصال خير أو دفع شرّ، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا، وتقدّمت في قوله تعالى: ﴿ ولا يُقبل منها شفاعة ﴾ في سورة البقرة (48)، وفي الحديث " اشفعوا فلْتؤجروا ".
ووصفُها بالحسنة وصف كاشف؛ لأنّ الشفاعة لا تطلق إلاّ على الوساطة في الخير، وأمّا إطلاق الشفاعة على السعي في جلب شرّ فهو مشاكلة، وقرينتها وصفها بسيّئة، إذ لا يقال (شفع) للذي سعى بجلب سوء.
والنصيب: الحظّ من كلّ شيء: خيراً كان أو شراً، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿ أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا ﴾ في سورة البقرة (202).
والكِفل بكسر الكاف وسكون الفاء الحَظْ كذلك، ولم يتبيّن لي وجه اشتقاقه بوضوح.
ويستعْمل الكفل بمعنى المِثل، فيؤخذ من التفسيرين أنّ الكفل هو الحظّ المماثل لِحظّ آخر، وقال صاحب «اللسان»: لا يقال هذا كفل فلان حتّى يكون قدْ هيّئ لغيره مثله، ولم يعزُ هذا، ونسبه الفخر إلى ابن المظفّر، ولم يذكر ذلك أحد غير هذين فيما علمت، ولعلّه لا يساعد عليه الاستعمال.
وقد قال الله تعالى: ﴿ يُؤتكم كفلين من رحمته ﴾ [الحديد: 28].
وهل يحتجّ بما قاله ابن المظفّر وابن المظفّر هو محمد بن الحسن بن المظفّر الحاتمي الأديب معاصر المتنبي.
وفي مفردات الراغب أنّ الكفل هو الحظّ من الشرّ والشدّة، وأنّه مستعار من الكِفل وهو الشيء الرديء، فالجزاء في جانب الشفاعة الحسنة بأنّه نصيب إيماء إلى أنّه قد يكون له أجرٌ أكثر من ثواب من شفع عنده.
وجملة ﴿ وكان الله على كلَ شيء مقيتاً ﴾ تذييل لجملة ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ الآية، لإفادة أنّ الله يجازي على كلّ عمل بما يناسبه من حُسْن أو سوء.
و ﴿ المقيت ﴾ الحافظ، والرقيب، والشاهد، والمقتدر.
وأصله عند أبي عبيدة الحافظ.
وهو اسم فاعل من أقات إذا أعطى القُوت، فوزنه مُفعِل وعينه واو.
واستعمل مجازاً في معاني الحفظ والشهادة بعلاقة اللزوم، لأنّ من يقيت أحداً فقد حفظه من الخصاصة أو من الهلاك، وهو هنا مستعمل في معنى الإطلاع، أو مضمّن معناه، كما ينبيء عنه تعديته بحرف (على).
ومن أسماء الله تعالى المُقيت، وفسّره الغزالي بمُوصل الأقوات.
فيؤول إلى معنى الرازق، إلاّ أنّه أخصّ، وبمعنى المستولي على الشيء القادر عليه، وعليه يدلّ قوله تعالى: ﴿ وكان الله على كلّ شيء مقيتاً ﴾ فيكون راجعاً إلى القدرة والعلم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها ﴾ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَسْألَةُ الإنْسانِ في صاحِبِهِ أنْ يَنالَهُ خَيْرٌ بِمَسْألَتِهِ أوْ شَرٌّ بِمَسْألَتِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّ الشَّفاعَةَ الحَسَنَةَ الدُّعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَفي الكِفْلِ تَأْوِيلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الوِزْرُ والإثْمُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ النَّصِيبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُقْتَدِرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: حَفِيظًا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والزَّجّاجِ.
والثّالِثُ: شَهِيدًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: حَسِيبًا، وهو قَوْلُ ابْنِ الحَجّاجِ، ويُحْكى عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والخامِسُ: مُجازِيًا، وأصْلُ المُقِيتِ القُوتُ، فَسُمِّيَ بِهِ المُقْتَدِرُ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعْطاءِ القُوتِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا في كُلِّ مُقْتَدِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن قُوتٍ وغَيْرِهِ، كَما قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها ﴾ في المُرادِ بِالتَّحِيَّةِ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الدُّعاءُ بِطُولِ الحَياةِ.
والثّانِي: السَّلامُ تَطَوُّعٌ مُسْتَحَبٌّ، ورَدُّهُ فَرْضٌ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فَرْضَ رَدِّهِ عامٌّ في المُسْلِمِ والكافِرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في المُسْلِمِينَ دُونَ الكافِرِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأحْسَنَ مِنها ﴾ يَعْنِي الزِّيادَةَ في الدُّعاءِ.
﴿ أوْ رُدُّوها ﴾ يَعْنِي بِمِثْلِها، ورَوى الحَسَنُ «أنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ : (وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: (السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ) فَقالَ النَّبِيُّ : وعَلَيْكم (فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَدَدْتَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي وقُلْتَ لِلثّالِثِ: وعَلَيْكم، فَقالَ: إنَّ الأوَّلَ سَلَّمَ وأبْقى مِنَ التَّحِيَّةِ شَيْئًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ بِأحْسَنَ مِمّا جاءَ بِهِ، كَذَلِكَ الثّانِي، وإنَّ الثّالِثَ جاءَ بِالتَّحِيَّةِ كُلِّها، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ).» وَقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرُدُّ بِأحْسَنَ مِنها عَلى أهْلِ الإسْلامِ، أوْ مِثْلِها عَلى أهْلِ الكُفْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ بِالسَّلامِ فَإنْ بَدَءُوكم فَقُولُوا: عَلَيْكم» (.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَفِيظًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: مُحاسِبًا عَلى العَمَلِ لِلْجَزاءِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّالِثُ: كافِيًا، وهو قَوْلُ البَلْخِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ وفي تَسْمِيَةِ القِيامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ فِيهِ مِن قُبُورِهِمْ.
والثّانِي: لِأنَّهم يَقُومُونَ فِيهِ لِلْحِسابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ من يشفع شفاعة حسنة...
﴾ الآية.
قال: شفاعة بعض الناس لبعض.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يشفع، لأن الله يقول: ﴿ من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ﴾ ولم يقل يشفع.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: من يشفع شفاعة حسنة كتب له أجره ما جرت منفعتها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يكن له نصيب منها ﴾ قال: حظاً منها.
وفي قوله: ﴿ كفل منها ﴾ قال: الكفل هو الإثم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي والربيع في قوله: ﴿ كفل منها ﴾ قالا: الحظ.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: الكفل والنصيب واحد، وقرأ ﴿ يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ قال: حفيظاً.
وأخرج أبو بكر ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطبراني في الكبير والطستي في مسائله عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ مقيتاً ﴾ قال: قادراً مقتدراً.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول أحيحة بن ألأنصاري: وذي ضغن كففت النفس عنه ** وكنت على مساءته مقيتا وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل عن رجل عن عبد الله بن رواحة.
أنه سأله رجل عن قول الله: ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ قال: يقيت كل إنسان بقدر عمله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ مقيتاً ﴾ قال: شهيداً حسيباً حفيظاً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مقيتاً ﴾ قال: قادراً.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: المقيت القدير.
وأخرج عن ابن زيد.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: المقيت الرزاق.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ .
اختلفوا في هذه الشفاعة، ما هي، وما معناها، فقال ابن عباس في رواية عطاء: "يريد من يوحد الله مخلصًا يكن له نصيب منها، يريد الجنة" (١) وتفسير هذا القول ما قال الضحاك: من آمن بالتوحيد، وقاتل أهل الكفر، فقد شفع شفاعة حسنة.
وقال: نزلت في أبي جهل (٢) ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾ (٣) قال ابن عباس: يريد الشرك بالله (٤) قال الضحاك: يعني من آمن بالشرك، وكفر بالتوحيد، فقد شفع شفاعة سيئة (٥) فقول الضحاك تفسير لقول ابن عباس.
والأصل في الشفاعة الشفع الذي هو ضد الوتر، وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة، فمعنى الشفاعة على ما ذكر الضحاك (٦) ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما رواه المنذري عن أبي الهيثم في قوله: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ : أي يزيد عملًا إلى عمل.
قال: والشفع الزيادة (٧) (٨) واعتمد في ذلك على ما رواه أبو الدرداء (٩) أنه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك: ولك مثل ذلك" (١٠) ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾ هي الدعوة عليه بضد ذلك.
ويؤكد هذا التفسير ما روي عن بعضهم أنه قال: كانت اليهود تدعو على المسلمين، فتوعدهم الله تعالى بهذه الآية (١١) وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هذه الشفاعة بين الناس بعضهم لبعض (١٢) قال الكلبي: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ يصلح بين اثنين يكن له أجرٌ منها ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً ﴾ يمشي بالنميمة وبالغيبة يكن له إثمٌ فيها (١٣) وقال مجاهد: (شفاعة حسنة) و (شفاعة سيئة): شفاعة الناس بعضهم لبعض (١٤) قال الحسن: ويجوز في الدين أن يشفع فيه، فهو شفاعة حسنة كان له فيها أجران، وإن لم يشفع، لأن الله تعالى يقول: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ ﴾ ولم يقل: (من يُشَفَّع) (١٥) يؤيد (١٦) : "اشفعوا تؤجروا" (١٧) وأما الكفل فقال أبو عبيدة والفراء وجميع أهل اللغة: الكفل الحظ، ومنه قوله: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ ، معناه: حظَّين (١٨) وقال الزجاج.
الكفل في اللغة النصيب، أخذ من قولهم.
أكفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساءً وركبتُ عليه، وإنما قيل له كفل، واكتفل البعير، لأنه لم يستعمل الظهر كله، إنما استعمل نصيبًا من الظهر (١٩) وقال ابن المظفر: الكفل من الأجر والإثم الضِّعف، يقال: له كفلان من الأجر، ولا يقال: هذا كفل فلان، حتى تكون هيَّأت لغيره مثله، كالنصيب، فإذا أفردت فلا تقل: كفل ولا نصيب، ولكن: حظ (٢٠) فأما المفسرون فقال مجاهد: الكفل: النصيب (٢١) (٢٢) وقال الحسن والكلبي وقتادة ومقاتل: الكفل الوزر والإثم (٢٣) فالقول الأول مثل قول أهل اللغة، والقول الثاني معناه: حظ من الإثم والوزر، والحظ من الإثم والوزر وزر وإثم، فلذلك قيل في تفسير الكفل: الإثم والوزر.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ .
اختلفوا في معنى المقيت، فقال الفراء: المقيت المقتدر، والمقدِّر أيضًا، كالذي يُعطي كل رجل قوته (٢٤) ونحو ذلك قال عبد الله بن مسلم: المقيت المقتدر، أقات على الشيء، إذا اقتدر عليه، وأنشد: وذي ضِغْنٍ كففتُ النفس عنهُ ...
وكُنتُ على مساءتِه مُقِيتًا (٢٥) قال أبو بكر: على هذا أهل اللغة، قال بعض فصحاء المعمرين: ثم بعد الممات ينشر من ...
على النشر يا بني مُقيتُ (٢٦) معناه: من هو مقتدر.
ويقوي هذا القول ما قاله ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ : "يريد قادرًا" (٢٧) (٢٨) (٢٩) تجلَّد ولا تجزع وكن ذا حفيظةٍ ...
فإني على (...) لمقيت (٣٠) أي: قادر.
وقال آخرون: المُقيت الحفيظ.
وهو قول ابن عباس (٣١) (٣٢) واختيار أبي إسحاق (٣٣) (٣٤) وقال الكلبي في قوله: ﴿ مُقِيتًا ﴾ مجازيًا بالحسنة والسيئة (٣٥) وحُكي بعضهم أن هذا من القوت، ومعنى المقيت الذي عليه قوت كل دابة ورزقها (٣٦) قال الفراء: يقال: أقات الشيء إقاتة، وقات أهله يقوتهم قياتة وقوتًا، والقوت الاسم، وجاء في الحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" و"يقيت" (٣٧) قال أبو بكر: وعلى هذا القول قوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ علي زائدة للتوكيد، ومن شأنهم أن يزيدوا ﴿ عَلَى ﴾ للتوكيد، وأنشد لحميد (٣٨) (٣٩) قال: أراد كل أفنان العضاه تروق، وأكد الكلام بعلى.
وقال: المقيت الشهيد وهذا عائد إلى معنى الحفيظ (٤٠) (١) لم أقف عليه.
وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) لم أقف عليه، وقد فسر ابن جرير الآية بنحو ذلك.
انظر: "تفسير الطبري" 5/ 185، و"زاد المسير" 2/ 150.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) في المخطوط: (للضحاك)، والظاهر أن لا مكان لحرف الجر.
(٧) من "تهذيب اللغة" 2/ 1897 (شفع)، وانظر: "اللسان" 4/ 2290 (شفع).
(٨) انظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، وفي "تفسير مقاتل" 1/ 394 " ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ لأخيه بخير" فليس فيه تخصيص الدعاء.
(٩) هو الصحابي الجليل عويمر بن عامر (وقيل: ابن مالك أو ثعلبة أو عبد الله أو زيد) ابن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها، وآخى رسول الله بينه وبين سلمان الفارسي.
توفي سنة 32 هـ أو 33 هـ انظر: "الاستيعاب" 3/ 298، و"أسد الغابة" 4/ 318، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 235، و"الإصابة" 3/ 45.
(١٠) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم (2732)، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.
(١١) انظر: "النكت والعيون" 1/ 510، و"زاد المسير" 2/ 150، و"التفسير الكبير" 10/ 207.
(١٢) أخرج الأثر عن الحسن، ومجاهد، وابن زيد، الطبري 5/ 186.
وأخرجه أيضاً عن الحسن، ومجاهد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 335، وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 167.
أما الكلبي فيرى أن المراد بالشفاعة: الإصلاح بين اثنين.
كما سيأتي عند المؤلف.
(١٣) "بحر العلوم" 1/ 372، و"زاد المسير" 2/ 150، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(١٤) "تفسيره" 1/ 167، وأخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.
(١٥) أخرجه الطبري 5/ 186، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 335.
(١٦) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "ويزيد" والصواب ما أثبته.
انظر: "الوسيط" 2/ 640.
(١٧) الحديث عن أبي موسى الأشعري أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ﴾ الآية 7/ 80، ومسلم في كتاب: (2627) البر والصلة، باب: استحباب الشفاعة ولفظه: "اشفعوا فلتؤجروا" الحديث.
(١٨) "مجاز القرآن" 1/ 135، وفسر الكفل بالنصيب، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 280.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل)، و"زاد المسير" 2/ 150.
(٢٠) "العين" 5/ 373، و"تهذيب اللغة" 4/ 3166 (كفل).
(٢١) لم أقف عليه.
(٢٢) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 186، 187، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336.
(٢٣) أخرجه عن قتادة: الطبري 5/ 186، 187، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور"، وعن الحسن انظر: "تفسير الهواري" 1/ 404، و"النكت والعيون" 1/ 512، وعن الكلبي، انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، وعن مقاتل انظر "تفسيره" 1/ 394.
(٢٤) "معاني القرآن" 1/ 280.
(٢٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 129.
ونسب البيت للزبير بن عبد المطلب كما في الطبري 5/ 188، و"النكت والعيون" 1/ 513، والقرطبي 5/ 296، وجاء في "زاد المسير" 2/ 150، و"الدر المنثور" 2/ 336 أنه لأحيحة الأنصاري، وفي "اللسان" 6/ 3769 (قوت) نسب لأبي قبيس بن رفاعة.
و"ضغن" من الضغن وهو الحقد.
انظر: "اللسان" 5/ 2592 (ضغن).
(٢٦) في "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت) وفي الشطر الأول: "ينشرني من" وفي الشطر الثاني: "هو على النشر ...
"، وكذا في "اللسان" 6/ 3769 (فوت)، ولم أقف على قائله.
(٢٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 151، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91، و"الدر المنثور" 2/ 336.
(٢٨) أخرج ذلك بنحوه: الطبري 8/ 584، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 512، و"زاد المسير" 2/ 151، و"الدر المنثور" 2/ 136.
(٢٩) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 147.
(٣٠) لم أقف عليه، وما بين القوسين غير واضح في المخطوط.
(٣١) "تفسيره" ص 152، وأخرجه الطبري 5/ 187.
(٣٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 151.
(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85.
(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 85، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3069 (قوت)، و"زاد المسير" 2/ 151.
(٣٥) انظر: "النكت والعيون" 1/ 513، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 91.
(٣٦) انظر: "بحر العلوم" 1/ 373.
(٣٧) "معاني القرآن" 1/ 280.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" 2/ 160، عن عبد الله بن عمرو ما وكذا الحاكم في "مستدركه" 1/ 415، وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣٨) هو أبو المثنى حميد بن ثور بن حزن الهلالي، تقدمت ترجمته.
(٣٩) البيت في "أدب الكاتب" ص 418، و"المسائل الحلبيات" ص 270، و"أسد الغابة" 2/ 60.
و"سرحة مالك" امرأته.
والسرحة في الأصل نوع من شجر العضاه، والأفنان: الأنواع، والعضاه: نوع من الشجر له شوك عظيم، وتروق: تفوق كل الأنواع.
(٤٠) لم أقف على قول ابن الأنباري.
<div class="verse-tafsir"
﴿ شفاعة حَسَنَةً ﴾ هي الشفاعة في مسلم لتفرج عنه كربة، أو تدفع مظلمة أو يجلب إليه خيراً، والشفاعة السيئة بخلاف ذلك وقيل: الشفاعة الحسنة هي الطاعة والشفاعة السيئة هي المعصية، والأول أظهر، والكفل هو النصيب ﴿ مُّقِيتاً ﴾ قيل: قديراً، وقيل: حفيظاً، وقيل: الذي يقيت الحيوان أي يرزقهم القوت.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ومن أصدق ﴾ وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الصاد الزاي: علي ورويس وحمزة غير العجلي.
﴿ حصرت صدورهم ﴾ وبابه مدغماً: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.
وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ﴿ حصرة صدورهم ﴾ بالنصب والتنوين.
الوقوف: ﴿ القرآن ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ أذاعوا به ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج ط لأن قوله: ﴿ لا تكلف ﴾ يحتمل الاستئناف والحال أي قاتل غير مكلف.
﴿ إلاّ نفسك ﴾ ط لعطف قوله: ﴿ وحرض ﴾ على قوله: ﴿ فقاتل ﴾ .
﴿ المؤمنين ﴾ ج لأنّ ﴿ عسى ﴾ مستأنف لفظاً ومتصل معنى لأنه لترجية نجح ما أمر به.
﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ تنكيلاً ﴾ ه ﴿ نصيب منها ﴾ ط لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ كفل منها ﴾ ط ﴿ مقيتاً ﴾ ه ﴿ ردوها ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ بما كسبوا ﴾ ط ﴿ من أضلّ الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ وجدتموهم ﴾ ص ﴿ نصيراً ﴾ ه ط ﴿ أو يقاتلوا قومهم ﴾ ط ﴿ فلقاتلوكم ﴾ ط ﴿ السلم ﴾ لا لأن ما بعده جواب "فإن".
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ قومهم ﴾ ط ﴿ أركسوا فيها ﴾ ج ﴿ ثقفتموهم ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه.
التفسير: لما حكي عن المنافقين ما حكى وكان السبب فيه اعتقادهم أنه غير محق في ادعاء الرسالة، أمرهم بالتفكر والتدبر وهو النظر في عواقب الأمور وأدبارها، ومنه قول أكثم: لا تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها.
ويقال في فصيح الكلام: لو استقبلت من أمري ما استبدرت.
أي لو عرفت في صدره ما عرفت من عاقبته.
وظاهر الآية يدل على أنه احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد وإلا انقطع النظم.
ودلالة القرآن على صدق النبي من ثلاثة أوجه: الفصاحة والاشتمال على الغيوب والسلامة من الاختلاف وهو المقصود من الآية.
واختلف المفسرون في المراد من سلامته من الاختلاف.
فقال أبو بكر الأصم: معناه / أن المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكايد، والرسول كان يخبرهم عنها حالاً فحالاً.
فقيل لهم: إن ذلك لو لم يحصل بإخبار الله لم يطرد صدقه ولظهر أنواع الاختلاف والتفاوت.
وقال أكثر المتكلمين: المراد تجاوب معانيه وتلاؤم مقاصده مع أنه مشتمل على علوم كثيرة وفنون غزيرة، ولو كان من عند غير الله لم يخل من تناقض واضطراب.
والذي تظن به التناقض كقوله: ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ مع قوله: ﴿ لنسألنهم أجمعين ﴾ أو كقوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ مع قوله: ﴿ كأنها جان ﴾ ليس بذاك عند التدبر وملاحظة شروط التناقض من اتحاد الزمان والمكان وغيرهما وقال أبو مسلم: المراد صحة نظمه وكون كله بل كل جزء من أجزائه وأبعاضه بالغاً حد الإعجاز.
ومن المعلوم أن الإنسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة إذا كتب كتاباً طويلاً مشتملاً على المعاني الكثيرة فلا بد أن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قوياً متيناً وبعضه سخيفاً نازلاً، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه معجز من عند الله .
وفي الآية دلالة على وجوب النظر والاستدلال أعني التدبر فيما إليه سبيل.
وقال الجبائي: فيها دلالة على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله لأن فعل العبد لا ينفك عن التفاوت والاختلاف.
والجواب أنه لا يلزم من كون كلامه غير متفاوت ولا مختلف أن لا تكون أفعاله مختلفة بحسب اختلاف المظاهر والقوابل.
سلمنا لكن اختلافه وهو كونه غير مطابق للأغراض والمقاصد الإنسانية قد يكون بحسب نظرنا لا بحسب الأمر نفسه.
ثم حكى عن المنافقين - وقيل عن ضعفة المسلمين - أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوا به وأفشوه.
يقال: أذاع السر وأذاع به لغتان.
ويجوز أن يكون معنى أذاع به فعل به الإذاعة وهو أبلغ.
ولا يخفى ما في ذلك الإفشاء من الضرر من جهة أن الإرجاف لا ينفكعن الكذب، ومن جهة أن تلك الزيادات إن كانت في جانب الأمن ولم تقع أورثت شبهة لضعفة المسلمين في صدق الرسول، لأن المنافقين كانوا يروونها عن الرسول، وإن كانت في جانب الخوف حصل اضطراب في الضعفة ووقعوا في الحيرة، وأيضاً البحث عن الإرجاف موجب ظهور الأسرار وذلك لا يوافق مصلحة المدينة فربما وصل الخبر إلى الكفار فاستعدوا للقتال أو تحصنوا.
وفي معنى الآية أقوال: الأول: ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله وإلى أولي الأمر - وهم كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - ﴿ لعلمه ﴾ لعلم تدبير ما أخبروا به ﴿ الذين يستنبطونه ﴾ الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها، وأصل الاستنباط إخراج النبط وهو الماء يخرج من / البئر أول ما تحفر فاستعير لاستخراج المعاني.
والتدبير الثاني: كانوا يقفون من رسول الله وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار فيذيعونه فتعود إذاعتهم مفسدة.
فقيل لهم: لو فوضوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وكانوا كأن لم يسمعوا العلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه.
الثالث: كانوا يسمعون من أفواه بعض المنافقين شيئاً من خبر السرايا غير معلوم الصحة فيذيعونه فقيل لهم: لو سكتوا حتى سمعوه من الرسول وأولي الأمر لعلمه صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع فالمستنبطون هم المذيعون.
ومعنى يستنبطونه منهم يتلقونه من الرسول وأولي الأمر ويستخرجون علمه من جهنم.
قالت العلماء: في الآية دلالة على أن القياس حجة لأنهم أمروا أن يرجعوا في معرفة الوقائع إلى أولي الأمر من المستنبطين.
فرواية النص لا تكون استنباطاً فهو إذن رد واقعة إلى نظيرها وهو القياس.
واعترض بأنا لا نسلم أن المستنبطين هم العلماء وأولو الآراء بل هم المذيعون كما في القول الثالث.
سلمنا لكن الآية نزلت في الحروب، ولا يلزم من جواز الاستنباط في الوقائع المتعلقة بها جواز الاستنباط في الوقائع الشرعية.
فإن قيس أحد البابين على الآخر كان إثباتاً للقياس الشرعي بالقياس الشرعي.
سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون المراد استخراج الأحكام الشرعية من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص أو بالبراءة الأصلية أو بحكم العقل كما يقول الأكثرون إن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة وكل هذه الأمور ليست من القياس الشرعي في شيء؟
سلنما أن القياس الشرعي داخل في الآية.
لكن بشرط كونه مفيداً "للعلم" بدليل قوله ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه ﴾ ولا نزاع في مثله إنما النزاع في أن القياس المفيد للظن هل هو حجة أن لا.
وأجيب بأن صرف المستنبطين إلى المذيعين ليس بالقوي إذ لو كان المراد ذلك لكان الأليق بنظم الكلام أن يقال: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لعلموه من غير إقامة المظهر مقام المضمر.
وعن الثاني بأن الأمن او الخوف عام في كل ما يتعلق بباب التكليف.
ولئن سلم أنه مخصوص بأمور الحرب فإذا عرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي لزم جواز التمسك به في سائر الوقائع إذ لا قائل بالفرق.
ألا ترى أن من قال القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت إليه؟
وعن الثالث أن شيئاً من ذلك لا يسمى استنباطاً.
وعن الرابع أن العلم قد يراد به الظن الغالب.
سلمنا لكن القياس الشرعي عندنا يفيد العلم لأنه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الأصل معلل بكذا ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع، حصل ظن أن حكم الله في الفرع مساوٍ لحكمه في الصل، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن وهذا معنى قولهم: "الظن واقع في طريق الحكم" والحكم مقطوع به كأنه قال: مهما / غلب على ظنك كذا في الواقعة الفلانية فاعلم قطعاً أن حكمي فيها كذا.
أما قوله ﴿ لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً ﴾ فظاهره يقتضي إشكالاً وهو أن قليلاً من الناس لا يحتاج في عدم اتباع الشيطان إلى فضل الله ورحمته، لكن الاحتياج بالنسبة إلى كل واحد من الناس ثابت بالاتفاق فهذا تناقض.
فذكر المفسرون في إزالة التناقض وجوهاً الأول: أن الاستثناء راجع إلى قوله: ﴿ أذاعوا به ﴾ كأنه أخرج بعض المنافقين من هذه الإذاعة كما أخرجهم في قوله: ﴿ بيت طائفة ﴾ الثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ لعلمه ﴾ يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلاّ قليلاً.
قال الفراء والمبرد: القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله.
وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، قال الزجاج: هذا غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه إلاّ البالغ في البلادة.
والإنصاف أن الاستنباط لو حمل على مجرد تفرق الأخبار والأراجيف فكلام الزجاج الصحيح وإن كان محمولاً على استخراج الأحكام الشرعية كما مر فالحق ما ذكره الفراء والمبرد.
الثالث: أن الاستثناء مصروف إلى ما يليه كما هو حق النسق لأن الفضل والرحمة مفسران بشيء خاص وفيه وجهان: أحدهما قول جماعة من المفسرين أن المراد إنزال القرآن وبعثة محمد والتقدير: لولا بعثة محمد وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان ولكفرتم بالله إلاّ القليل منكم فإن ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ما كان يكفر بالله وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد .
وثانيهما قول أبي مسلم أن المراد بالفضل والرحمة ههنا نصرته ومعونته اللذان تمناهما المنافقون بقولهم: ﴿ فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ والتقدير: لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لتركتم الدين إلاّ القليل منكم وهم أهل البصائر والعزائم، ومن أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقاً حصول الدولة في الدنيا، فلا تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقاً، ولا انقطاع النصر والغلبة يدل على كونه باطلاً، بل الأمر في كونه حقاً وباطلاً مبني على الدليل وهذا أحسن الوجوه.
قوله: ﴿ فقاتل ﴾ قيل: إنه جواب لقوله: ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ كأنه قال: إن أردت الفوز فقاتل.
وقيل: إنه متصل بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين كذا وكذا فلا تعتد بهم ولا تلتفت إليهم بل قاتل فإنك لا تؤاخذ إلاّ بفعلك، فإذا أديت فرضك لم تكلف فرض غيرك، ويعلم من قوله: ﴿ وحرض المؤمنين ﴾ أن الواجب على الرسول إنما هو الجهاد وتحريض الناس على الجهاد أي الحث والإحماء عليه، فإذا أتى بالأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركاً شيء.
واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول من فروض الكفايات، فما لم يغلب على الظن أنه مفيد لم يجب / بخلاف رسول الله فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وبدليل قوله ههنا: ﴿ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ﴾ وعسى من الله جزم لأن الرجاء عليه محال فهو إطماع وإطماع الكريم إيجاب فلزمه الجهاد وإن كان وحده فلا جرم أنه قال في بدر الصغرى: " لأخرجن وحدي" فخرج وتبعه سبعون راكباً، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، ثم إنه كف بأس المشركين وألقى الرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه حتى ندموا وترك الحرب في تلك السنة.
وفي الآية دليل على أنه كان أشجع الخلق لأنه لم يأمره بالقتال وحده إلاّ أنه كذلك.
وقيل: اقتدى به أبو بكر حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ومن عرف أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحدث شيء إلاّ بقضاء الله سهل عليه الفوت وكان بمعزل عن تقية الموت.
﴿ والله أشد بأساً ﴾ من قريش ﴿ وأشد تنكيلاً ﴾ تعذيباً لأن عذاب الله دائم وعذاب غيره غير دائم، وعذاب غير الله يخلصه الله عنه وعذاب الله لا يقدر أحد على تخليصه منه، وعذاب غير الله يكون من وجه واحد وعذاب الله يصل إلى جميع الأبعاض والأجزاء ويشمل الروح والجسم فهذا طرف من الفرق والله أعلم بكنه عذابه ونعوذ بالله من عقابه.
قوله : ﴿ من يشفع شفاعة حسنة ﴾ وجه نظمه يعرف من تفسيره وذلك أنه قيل: المراد منه تحريض النبي إياهم على الجهاد، لأنه إذا كان يأمرهم بالغزو فقد جعل نفسه شفيعاً لهم في تحصيل الأغراض المتعلقة بالجهاد.
وأيضاً التحريض وهو الحث على سبيل الرفق والتلطف والتهديد جار مجرى الشفاعة.
وقيل: كان بعض المنافقين يشفع لمنافق آخر في أن يأذن له الرسول في التخلف عن الجهاد، وكان بعض المؤمنين يشفع لمؤمن آخر عند مؤمن ثالث أن يحصل له عدّة الجهاد فنزلت.
ونقل الواحدي عن ابن عباس أن الشفاعة الحسنة ههنا هي ان يشفع إيمانه بالله بقتال الكفار، والشفاعة السيئة أن يشفع كفره بالله بمحبة الكفار وترك إيذائهم.
وقال مقاتل: الشفاعة إلى الله إنما هي دعوة الله المسلم لما روي عن النبي : " "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك" " فذلك النصيب والدعوة على المسلم بضد ذلك.
وقال الحسن ومجاهد والكلبي وابن زيد: هي مطلق الشفاعة والحسنة منها هي التي بها روعي حق مسلم ودفع بها عنه شر أو جلب إليه خير وابتغى بها وجه الله ولم يؤخذ عليها رشوة كانت في أمر حائز لا في حد من حدود الله ولا في إبطال حق من الحقوق، والسيئة ما كان بخلاف ذلك، وعلى هذا فوجه النظم أن التحريض على الجهاد بعث على الفعل الحسن وأنه نوع شفاعة كما مر في القول / الأول.
وعن مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال: لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها.
قال أهل اللغة: الكفل أيضاً النصيب فهل لاختلاف اللفظين فائدة؟
فأجيب بأن الكفل اسم للنصيب الذي يكون عليه اعتماد الإنسان ومنه يقال "كفل البعير واكتفله" إذا أدار حول سنامه كساء وركب.
والكفيل الضامن لأن الغريم اعتمد عليه.
والتقدير من يشفع شفاعة سيئة يكن له منها نصيب يعتمد عليه ويكون له ذخيرة في معاشه ومعاده والغرض التهكم وحصول ضد ذلك مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ ﴿ وكان الله على كل شيء مقيتاً ﴾ أي مقتدراً وحفيظاً.
واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها.
والغرض أنه قادر على كل المقدورات حفيظ لجميع المعلومات فيجازي كل شافع بما يليق بحاله، ثم لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضاً بأن الأعداء لو رضوا بالمسالمة أو ألقوا في المبارزة بالسلم فقابلوهم بالإكرام وأيضاً السلام دعاء بالسلامة والدعاء نوع من الشفاعة والتحية تفعلة من الحياة ويجيء الناقص من باب التفعيل على "تفعلة" مثل: تسلية وتعزية.
لكنه أدغم ههنا لاجتماع المثلين.
وكانت العرب تقول عند التلاقي حياك الله.
دعاء له بالحياة فأبدل الله ذلك بالسلام، ولعمري إن هذا أحسن لأن الحياة إن لم تكن مقرونة بالسلامة لم يعتد بها بل لعل الموت خير منها، ولأن السلام اسم من اسماء الله فالابتداء به أولى، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع وقد سلم الله عليك يا مؤمن في اثني عشر موضعاً في الأزل ولهذا سمى نفسه بالسلام، وعلى لسان نوح: ﴿ يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك ﴾ والمراد أمة محمد عليك على لسان جبريل: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام ﴾ قال المفسرون إنه خاف على أمته أن يصيروا مثل أمة موسى وعيسى فقال الله : لا تهتم بذلك فإني وإن أخرجتك من الدنيا إلاّ إني جعلت جبرائيل خليفة لك ينزل إلى أمتك كل ليلة قدر ويبلغهم السلام مني.
وسلم عليك على لسان موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وسلم عليك على لسان محمد : ﴿ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ﴾ وأمر محمداً بالسلام عليك: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ وأمر المؤمنين بالسلام: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ وسلم عليك على لسان ملك الموت: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ﴾ قيل: إن ملك الموت يسلم في أذن المسلم: السلام يقرئك السلام ويقول: أجبني فإني مشتاق إليك واشتاقت الجنات والحور العين إليك، فإذا سمع المؤمن البشارة يقول لملك الموت: لا هدية أعز من روحي فاقبض روحي هدية لك.
وسلم عليك من الأرواح الطاهرة: ﴿ وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ﴾ وسلم عليك على لسان خزنة الجنة: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ وسلم عليك على لسان الملائكة في الجنة: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم ﴾ وسلم عليك على لسان أهل الجنة: ﴿ تحيتهم يوم يلقونه سلام ﴾ وسلم عليك إلى الأبد: ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ ولما أراد إكرام يحيى وعده بالسلام في مواطن ثلاثة هي أشد الأوقات حاجة إلى السلام فقال: ﴿ وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً ﴾ ولما ذكر تعظيم محمد قال: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ {الأحزاب:56] وعن عبد الله بن سلام قال: لما سمعت بقدوم رسول الله دخلت في غمار الناس فأول ما سمعت عنه: " يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " وكانت تحية النصارى وضع اليد على الفم، وتحية اليهود الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس الانحناء، وتحية الجاهلية "حياك الله"، وتحيتهم للملوك "أنعم صباحاً" فشتان ما بين تحياتهم وتحيتنا "السلام عليك ورحمة الله وبركاته" وفي هذا دليل على أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها.
ومما يدل على فضيلة السلام عقلاً أن الوعد بالنفع قد يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر، وأما الوعد بترك الضرر فإنه يقدر عليه لا محالة والسلام يدل عليه فهو أفضل أنواع التحية.
قال بعض العلماء: فمن دخل بيتاً وجب عليه أن يسلم على الحاضرين لقوله : ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ وقال : "أفشوا السلام" والأمر للوجوب، ولأن السلام بشارة بالسلامة وإزالة الضرر وهو واجب لقوله: " "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ولأنه من شعائر الإسلام وإظهار شعائر الإسلام واجب.
وعن ابن عباس والنخعي وأكثر العلماء أن السلام سنة.
وأما الجواب فواجب بالإجماع لأن ترك الجواب إهانة والإهانة ضرر والضرر حرام ولقوله : ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ وظاهر الأمر الوجوب وعن ابن عباس: ما من / رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ولا يردون عليه إلاّ نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة.
قال العلماء: الأحسن أن يزيد في جواب السلام والرحمة، وإن ذكر في الابتداء السلام والرحمة زاد في جوابه البركة، وإن ذكر المجموع أعادها فقط فإن منتهى الأمر في السلام أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لأن هذا القدر هو الوارد في التشهد.
وروي "أن رجلاً قال لرسول الله : السلام عليك يا رسول الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
وجاء ثالث وقال السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال: وعليك فقال: نقصتني فأين قول الله: ﴿ فحيوا بأحسن منها ﴾ فقال: إنك لم تترك لي فضلاً فرددت عليك مثله" .
فقوله : ﴿ أو ردوها ﴾ أي أجيبوها بمثلها، ورد السلام كرّه ورجعة إما إشارة إلى هذه الصورة وإما إلى التخيير بين الزيادة وتركها، ورد الجواب فرض على الكفاية إذا قام به بعض سقط عن الباقين.
والأولى أن يقوم به الكل إكثاراً للإكرام، والأحسن أن يدخل حرف العطف فيقول: وعليكم السلام.
وهو واجب على الفور بقدر ما يعهد بين الإيجاب والقبول في العقود فإن أخر عن ذلك كان ابتداء سلام لا جواباً وإذا ورد عليه سلام في كتاب فجوابه بالكتابة أيضاً واجب لقوله: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا ﴾ ومن قال لآخر أقرىء فلاناً عني السلام وجب عليه أن يفعل.
قال العلماء: المبتدىء يقول السلام عليكم والمجيب يقول: وعليكم السلام ليقع الابتداء والاختتام بذكر الله.
فإن خالف المبتدىء فليكن الاختتام بحاله.
ويجوز "سلام عليكم" بل قالوا إنه أولى من المعرف لأن المنكر في القرآن أكثر، وإن المنكر ورد من الله والملائكة والمؤمنين، والمعرف ورد في تسليم الإنسان على نفسه، قال موسى: ﴿ والسلام على من اتبع الهدى ﴾ وقال عيسى: ﴿ والسلام عليّ يوم ولدت ﴾ وأيضاً المعرف يدل على أصل الماهية والمنكر على الماهية مع وصف الكمال.
ومن السنة أن يسلم الراكب لزيادة هيبته على الماشي، وراكب الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر احتراماً للجماعة، والقائم على القاعد لأنه الواصل إليه لأن القائم أهيب ومن السنة الجهر بالسلام لأنه أقوى في إدخال السرور في القلب.
ومنها الابتداء به إظهاراً للتواضع، ومنها الإفشاء والتعميم لأن التخصيص إيحاش، والمصافحة عند السلام عادة النبي : " إذا تصافح المسلمان تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر " ومن استقبله رجل واحد فليقل: سلام عليكم وليقصد الرجل والملكين لأنه إذا سلم عليهما ردا السلام عليه، ومن سلم الملك عليه فقد سلم من عذاب / الله، ومن دخل بيتاً خالياً فليسلم ويكون كأنه سلام من الله على نفسه، أو سلام على من فيه من مؤمني الجن، أو طلب السلامة ببركة اسم السلام ممن في البيت من الشياطين والمؤذيات.
ولو قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين كان حسناً، ومن السنة أن يكون المبتدىء بالسلام على الطهارة وكذا المجيب.
روي أن واحداً سلم على رسول الله وهو في قضاء الحاجة فقام وتيمم ثم رد الجواب.
وإذا دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فلا ينبغي أن يسلم لاشتغال الناس بالاستماع، فإن سلم ورد بعضهم فلا بأس، ولو اقتصروا على الإشارة كان أحسن.
ومن دخل الحمام فرأى الناس متزرين سلم عليهم فإن لم يكونوا مترزين لم يسلم عليهم.
والأولى ترك السلام على القارىء كيلا يقطع عليه باشتغاله بالجواب، وكذا القول فيمن كان مشتغلاً برواية الحديث ومذاكرة العلم أو بالأذان أو الإقامة.
ولا يسلم على المشغول بالأكل هكذا أطلق وحمله بعضهم على ما إذا كانت اللقمة في فيه.
ولا يسلم على قاضي الحاجة قال أبو يوسف: ولا على لاعب النرد ولا على المغني ومطير الحمام وكل من كان مشتغلاً بنوع معصية، ولا مانع من السلام على من هو في مساومة أو معاملة.
وإذا دخل الرجل بيته سلم على امرأته فإن حضرت أجنبية هناك لم يسلم عليها، وإذا سلمت الأجنبية عليه وكان يخاف في رد الجواب عليها تهمة أو فتنة لم يجب الرد بل الأولى أن لا يفعل.
وحيث قلنا لا يسلم فلو سلم لم يجب عليها الرد لأنه أتى بفعل منهي عنه فكان وجوده كعدمه.
وروي عن النبي أنه قال: " لا يبتدأ اليهودي بالسلام " وعن أبي حنيفة أنه قال: لا تبتدئه بسلام في كتاب ولا في غيره.
وعن أبي يوسف: لا تسلم عليهم ولا تصافحهم وإذا دخلت فقل: السام على من اتبع الهدى.
ولا بأس في الدعاء له بما يصلحه في دنياه، ورخص بعض العلماء في ابتداء السلام عليهم إذا دعت إلى ذلك حاجة، أما إذا سلموا علينا فقال أكثر العلماء ينبغي أن نقول: وعليك لما روي أن اليهود تقول للمسلمين: السلام عليكم، وعن الحسن: يجوز أن يقول للكافر وعليك السلام ولا يقل: ورحمة الله.
لأنها استغفار.
وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه عليك السلام ورحمة الله فقيل له في ذلك؟
فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟
واعلم أن مذهب أبي حنيفة أن من وهب لغير ذي رحم محرم فله الرجوع فيها ما لم يثب منها، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها.
وقال الشافعي: له الرجوع في حق الولد وليس له الرجوع في حق الأجنبي.
واحتج لأبي حنيفة بالآية وذلك أن التحية تشمل جميع أنواع الإكرام فتشمل الهبة ومقتضاها وجوب / الرد إذا لم يصر مقابلاً بالأحسن، فإذا لم يثبت الوجوب فلا أقل من الجواز، وقال الشافعي: هذا الأمر محمول على الندب بدليل أنه لو أثيب بما هو أقل منه سقطت مكنة الرد بالإجماع مع أن ظاهر الآية يقتضي أن يثاب بالأحسن.
ثم احتج الشافعي على قوله بما روي عن ابن عباس وابن عمر أن النبي قال: " لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلاّ الوالد فيما يعطي ولده " ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيباً ﴾ فيحاسبكم على محافظة حقوق التحية وغيرها، فكونوا على حذر من مخالفته.
ثم أكد الوعيد بقوله: ﴿ الله لا إله إلاّ هو ليجمعنكم ﴾ فالأول توحيد والثاني عدل كأنه يقول: من سلم عليكم وحياكم فاقبلوا سلامة وأكرموه وعاملوه بناء على الظاهر فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا اله إلاّ هو، وإنما تنكشف بواطن الخلق للخلق في يوم القيامة الذي يجمع فيه الأولون والآخرون للجزاء والحساب.
وقوله: ﴿ لا إله إلاّ هو ﴾ إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر: ﴿ ليجمعنكم ﴾ والتقدير الله والله ليجمعنكم إلى يوم القيامة أي ليضمنكم إليه ويجمعن بينكم وبينه بأن يبعثكم فيه، والقيامة والقيام كالطلابة والطلاب وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب.
قال : ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ ﴿ ومن أصدق من الله حديثاً ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، وذلك أن الصدق من صفات الكمال والكمال للواجب أولى وأحق وأقدم وأتم من غيره، والمعتزلة نفوا عنه الكذب بناء على أنه قبيح، ومن كذب لم يكذب إلاّ لأنه محتاج إلى أن يكذب لجر منفعة أو دفع مضرة، أو هو غني عنه إلاّ أنه يجهل غناه أو هو جاهل بقبحه، أو هو سفيه لا يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب أحلى على حنكه من الصدق، وكل هذه الأمور من الحكيم قبيح يجب تنزيهه عنها، واعلم أن المسائل الأصولية قسمان منها ما العلم بصحة النبوة يحتاج إلى العلم بصحته كعلمنا بافتقار العالم إلى صانع عالم بكل المعلومات قادر على كل الممكنات، فهذا القسم يمتنع إثباته بالقرآن والخبر وإلاّ وقع الدور.
ومنها غير ذلك كإثبات الحشر والنشر فإنه يمكن إثباته بالقرآن والحديث فاعلم.
ثم عاد إلى حكاية أحوال المنافقين فقال: ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ وهو منصوب على الحال والعامل معنوي مثل: ما لك قائماً أي ما تصنع؟
وقيل: نصب على أنه خبر "كان" أي ما لكم كنتم في شأن المنافقين فئتين؟
استفهام على سبيل الإنكار أي لا تختلفوا في كفرهم، ولكن اقطعوا بنفاقهم فقد ظهرت دلائل ذلك وانكشفت جلية الحال.
وذلك أنها نزلت "في قوم من العرب أتوا رسول الله بالمدينة فأسلموا وأصابوا وباء المدينة وحماها فقالوا: يا رسول الله نريد أن نخرج إلى الصحراء فأذن لنا فيه فأذن لهم.
فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين.
فتكلم المؤمنون فيهم فقال بعضهم: نافقوا.
وقال بعضهم: هم مسلمون.
فبين الله نفاقهم" .
وقال مجاهد وقتادة: هم قوم هاجروا من مكة ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا.
وعن زيد بن ثابت: هم الذين تخلفوا يوم أحد وقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم.
وطعن بعضهم في هذا القول بأن نسق الكلام وهو قوله: ﴿ حتى يهاجروا في سبيل الله ﴾ يأباه إذ الهجرة تكون من مكة إلى المدينة.
وعن عكرمة: هم قوم أخذوا أموال المشركين وانطلقوا بها إلى اليمامة.
وقيل: هم العرنيون الذين أغاروا على السرح وقتلوا يساراً مولى النبي .
وقال ابن زيد: نزلت في أهل الإفك.
قال الحسن: سماهم المنافقين وإن أظهروا الكفر باعتبار حالهم التي كانوا عليها.
﴿ والله أركسهم ﴾ الركس والإركاس رد الشيء مقلوباً.
ويقال للرفث الركس لأنه رد إلى حالة خسيسة وهي حال النجاسة ويسمى رجيعاً أيضاً لذلك والمراد ردهم إلى أحكام الكفار من الذل والصغار والسبي والقتل ﴿ بما كسبوا ﴾ أي ما أظهروا من الارتداد بعدما كانوا على النفاق ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ لأن المخلوق لا يقدر على تبديل خلق الخالق وعلى خلاف مقتضى إرادته ومشيئته.
وهذا ظاهر في المقصود.
والمعتزلة يقولون: قوله: ﴿ أركسهم بما كسبوا ﴾ أي بسبب كسبهم وفعلهم ينفي القول بأن ضلالهم حصل بخلق الله فإذن المراد من إضلال الله حكمه بضلالهم كما يقال: فلان يكفر فلاناً أي ينسبه إلى الكفر ويحكم عليه بذلك.
أو المراد إضلالهم عن طريق الجنة وهو مفسر بمنع الألطاف.
ثم ذكر أنهم بالغوا في الكفر إلى أن تمنوا أن تصيروا كفاراً فكيف تطمعون في إيمانهم وهو قوله: ﴿ ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ﴾ أي في الكفر.
والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلاّ أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لتقدم ذكرهم.
وقوله: ﴿ فتكونون ﴾ عطف على ﴿ تكفرون ﴾ .
﴿ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا ﴾ أي حتى يضموا إلى إيمانهم المهاجرة الصحيحة المعتمدة وهي الهجرة في سبيل الله لا لغرض من الأغراض الفانية مثل قوله : " "أنا بريء من كل مسلم قام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله يوم فتح مكة "لا هجرة / بعد الفتح ولكن جهاد ونية" .
وعن الحسن: إن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائماً.
قال المحققون: الهجرة في سبيل الله تشمل الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان، والانتقال من أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين بل هذا أقدم وأهم لقوله : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الإيمان المظاهر بالهجرة الصحيحة فحكمهم حكم سائر المشركين ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ﴾ في الحل أو في الحرم ﴿ ولا تتخذوا منهم ﴾ في هذه الحالة ﴿ ولياً ﴾ يتولى شيئاً من مهماتكم ﴿ ولا نصيراًً ﴾ ينصركم على أعدائكم بل جانبوهم مجانبة كلية.
ثم لما أمر بقتل هؤلاء الكفار استثنى عنه موضعين: الأول ﴿ إلا الذين يصلون ﴾ أي ينتهون ويتصلون ﴿ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ والمعنى أن من دخل في عهد من كان داخلاً في عهدكم فهم أيضاً داخلون في عهدكم.
قال القفال: وقد يدخل في الآية أن يقصد قوم حضرة الرسول فيتعذر عليهم ذلك المطلوب فيلتجئوا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد إلى أن يجدوا السبيل إليه.
والقوم هم الأسلميون وذلك أنه وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال.
وقال ابن عباس: هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح.
وقال مقاتل: هم خزاعة وخزيمة.
وههنا نكتة وهي أنه رفع السيف عمن التجأ إلى الكفار المصالحين فلان يدفع النار عمن التجأ إلى محبة الله ومحبة رسوله كان أولى.
وعن أبي عبيدة: المراد بالوصلة الانتساب.
يقال: وصلت إلى فلان واتصلت به إذا انتهيت إليه.
وأعترض عليه بأن أهل مكة أكثرهم كانوا متصلين بالرسول من جهة النسب مع أنه كان قد أباح دم الكفار منهم.
الاستثناء الثاني قوله: ﴿ أو جاؤكم ﴾ وفي العطف وجهان: أحدهما أن يكون معطوفاً على صفة قوم والمعنى إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو إلى قوم جاؤوكم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم.
وثانيهما العطف على صلة الذين كأنه قيل: الذين يتصلون بالمعاهد أو إلى الذين لا يقاتلونكم وهذا أنسب بقوله في صفتهم ﴿ فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ﴾ إلى آخر الآية.
إذ بين أن كفهم عن القتال سبب استحقاقهم لنفي التعرض لهم بالاستقلال لا بواسطة الاتصال.
ومعنى ﴿ حصرت صدورهم ﴾ ضاقت.
والحصر الضيق والانقباض وهو في موضع الحال بإضمار "قد" بدلالة قراءة من قرأ / ﴿ حصرة ﴾ .
وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف منصوب على الحال أي جاؤوكم قوماً حصرت.
وقيل: هو بيان لجاؤوكم.
وقوله: ﴿ أن يقاتلوكم ﴾ أي عن أن يقاتلوكم.
ثم هؤلاء الجاؤون من الكفار أو من المؤمنين قال الجمهور: هم من الكفار بنو مدلج جاءوا رسول الله غير مقاتلين.
وعلى هذا يلزم النسخ لأن الكافر وإن ترك القتال جاز قتله، وقال أبو مسلم: إنه لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر وهما طائفتان: إحداهما الذين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة إلاّ أنه كان في طريقهم كفار غالبون فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص.
والثانية من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه لأنه يخاف الله فيه، ولا يقاتل الكفار أيضاً لأنهم أقاربه أو لأنه بقي أولاده وأزواجه بينهم فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه.
فهذان الفريقان من المشركين لا يحل قتالهم وإن كان لم يوجد منهم الهجرة ومقاتلة الكفار، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ ولو شاء الله لسلطهم عليكم ﴾ أي لو شاء لقوّى قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم إن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم.
وعلى الأول معناه أن ضيق صدورهم عن قتالكم لأن الله قذف الرعب في قلوبهم، ولو قوّى قلوبهم لتسلطوا عليكم ولقاتلوكم وهو جواب "لو" على التكرير أو البدل.
قال الكعبي: إنه أخبر أنه لو شاء لفعل وهذا ينبىء عن القدرة على الظلم وهو صحيح عندنا ولا يدل على أنه فعل الظلم وأراده والنزاع فيه ﴿ فإن اعتزلوكم ﴾ أي فإن لم يتعرضوا لكم ﴿ وألقوا إليكم السلم ﴾ أي الانقياد والاستسلام ﴿ فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ﴾ فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم ﴿ ستجدون آخرين ﴾ هم قوم من أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ﴿ كلما ردوا إل الفتنة ﴾ كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين ﴿ أركسوا فيها ﴾ أي ردوا مقلوبين منكوسين فيها.
وهذه استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين، لأن من وقع في حفر منكوساً تعذر خروجه ﴿ فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ﴾ أي ولم يلقوا ولم يكفوا ﴿ فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ حيث تمكنتم منهم.
قال الأكثرون: وفيه دليل على أنهم إذا اعتزلوا قتالنا وطلبوا الصلح منا وكفوا أيديهم عن إيذائنا لم يجز لنا قتالهم ولا قتلهم.
وهذا مبني على أن المعلق بكلمة "إن" على الشرط يعدم عند الشرط.
أما قوله: ﴿ سلطاناً ﴾ فمعناه حجة واضحة لانكشاف حالهم في الكفر والغدر، أو تسلط ظاهر حيث أذنا لكم في قتلهم.
قوله : وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾ .
لم يذكر ما تلك الشفاعة التي يشفع؛ فيحتمل الشفاعة الحسنة: هي الدعاء له بالمغفرة والرحمة، وهو لذلك مستوجب؛ فيكون له بذلك نصيب.
والشفاعة السيئة: هي الدعاء عليه باللعن والمقت، وهو لذلك غير مستوجب؛ فيكون له بذلك نصيب.
وقيل: هو كقول العرب: "الدالّ على الخير كفاعله"، من دل آخر على الخير؛ فله في ذلك نصيب، وكذلك من دل آخر على الشر.
ويحتمل: الشفاعة الحسنة: في مظلمة، يسعى في دفع مظلمة عن أخيه المسلم، وهي شفاعة حسنة؛ فله في ذلك نصيب.
ويحتمل: الشفاعة السيئة: هي أن يسعى في فساد أمر يلحقه من ذلك نقمة ومظلمة؛ فله في ذلك إثم.
وقيل: الشفاعة الحسنة: هي التي ينتفع بها وعمل بها، هي بينك وبينه، هما فيها شريكان، والشفاعة [السيئة] هي التي تضر به، هما فيها شريكان.
ويحتمل: أن تكون الشفاعة الحسنة: كل صانع معروف، وكل آمر به، والشفاعة السيئة: كل صانع منكر، وآمر به؛ فهما شريكان في ذلك: الآمر والفاعل جميعاً.
ويحتمل ما روي عن رسول الله قال: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَالدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ، وَاللهُ يُحِبُّ إِغَاثَةَ اللَّهْفَانِ" وعن الحسن - - قال: قال رسول الله : "لاَ صَدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ اللِّسَانِ؛ قيل: وما صدقة اللسان يا رسول الله؟
قال: الشَّفَاعَةُ تُجْرِيهَا إِلَى أَخِيكَ، وترفع عنه ثقل الكريهة وتحقن بها الدم" والكفل والنصيب واحد.
وقيل: الكفل: الجزاء، وهو واحد.
وقيل: الكفل: الإثم، ولكن ليس إثمه خاصة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ .
والشفاعة من أعظم ما احتيج إليها؛ إذ قد جاء القرآن بها، والآثار عن رسول الله ، والشفاعة في المعهود من الأمر تكون عند زلات يُستَوْجَبُ بها المقت والعقوبة؛ فيعفي عن مرتكبها بشفاعة الأخيار وأهل الرضا بهم، ثم كانت الصغائر منَّا لا يجوز التعذيب عليها عند القائلين بالخلود بالكبائر، والكبائر مما يعفي عنها بالشفاعة؛ فإذن يبطل عظيم ما جاء من القرآن والآثار في الامتنان، ويسقط ما جبل عليه أهل العلم بالله وبرحمته، ويبطل رجاء المسلمين بشفاعة [الرسل - عليهم السلام -] ولا قوة إلا بالله.
وقال بعضهم: الشفاعة تخرج على وجهين: الأول: على ذكر محاسن أحد عند آخر؛ ليقرر له عنده المنزلة والرتبة.
والثاني: أن يدعو له؛ فالأول هو الذي يحتمل توجيه الشفاعة إليه، والثاني قد بين بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلْعَظِيمُ ﴾ وقوله - -: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ ، والخوف يدل على وجهين: الشفاعة؛ لأن المرتضى هو ذو منزلة وقدْر، وهو ممن تضمنته آية شفاعة الملائكة؛ فيقال: الوجه الأول في الآخرة لا معنى له؛ لوجهين: أحدهما: أنه في تقرير الأمر عند من يجهله، والله - جل ثناؤه - هو العليم بحقيقة ذلك، بل غيره مما يجوز عليهم خفاء الحقائق؛ كقوله : ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ...
﴾ الآية [المائدة: 109]، وقال عيسى - -: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ...
﴾ الآية [المائدة: 117]؛ وكأن في ذلك أن الحقائق في ذلك عند الله، وهم تبرءوا عن العلم بذلك، وأقروا بأن الله هو المنفرد بعلم ذلك، وبالله التوفيق.
والثاني: أن ثمة كتباً يقرأ فيها أعمال بني آدم وما سبق منهم من صغير وكبير؛ فهي الكافية في التقدير إن كان في حق الاحتجاج، وإن كان في حق الإعلام - فعلم الله بهم مغنٍ عن ذلك، ولا قوة إلا بالله.
وأما الدعاء: فكذلك نقول بالدعاء لمن له ذلك الوصف، ويشفع له فيما كان في ذلك منه من المآثم والذنوب، لا أنه إذا كان كل أفعالهم ذلك، فيشفع لهم؛ لأنه لا يجوز في الحكمة تعذيبهم، على ما ذكر من الأفعال، بل لهم عليها أعظم الثواب، وأرفع المأوى.
وطلب الشفاعة والمغفرة لمثله يصح من وجوه: أحدها: أن ذلك لا يجوز في الحكمة؛ فكأنهم طلبوا منه ألا يجور ولا يسفه، وذلك لأفسق الخلق يخرج مخرج السفيه، فضلا عن أن يتضرع إلى الله به، جل الكريم الحليم عن هذا الوصف.
والثاني: أن يخلق في مثله؛ إذ هو مثاب غير معاقب، يلقى ذلك منه بالشكر والحمد، وفي الدعاء كتمان ذلك وكفرانه، ومحال الإذن في مثله، وبالله التوفيق.
والثالث: أن ذلك في الموعود له بالجنة والمبشر بها؛ فطلب مثله يوجب الجهالة بذلك، لا أن يكون الوقت لم يبين، يكون ذلك في الاستعجال، وهو قولنا في أصحاب الكبائر: إنهم لو عُذِّبوا بقدْر الذنوب - لكان ذلك في الحكمة عدلاً، فيشفع لسائلهم بالفضل والإحسان دون العدل والاستيفاء، ولا قوة إلا بالله.
والأصل: أنها مقادير للعقوبات، [و] إنما يعرف من يعرف مقادير الأجرام، وليس مِنَ الخلائق [مَنْ] يحتمل تركيبه احتمال العلم بمقاديرها؛ إذ لا أحد يبلغ في معرفة تعظيم الله كُنْه عظمته؛ ليعرفوا قدر الخلاف لأمره - جل وعلا - وما كان هذا سبيله - [فحق القول الاتباع] أن الله لا يجزي بالسيئة إلا مثلها.
ثم معلوم أن لا سيئة أعظم من الكفر، وجعل مثلها من الجزاء: الخلود في النار، ممن ألزم ذلك لما دونه وصف الله - - أنه يجزي بالسيئة أكثر من مثلها، والله - عز وجل - أخبرنا أنه لا يجزي ذلك، [والله أعلم].
وقوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً...
﴾ يكون فيما بين المرء والرب: يشفع إليه بالمغفرة لأحد والتجاوز عن المذنب؛ ليكون له نصيب منها.
ويحتمل: أن يكون الله - - برحمته يرحمه على أخيه بالشفاعة إليه - بالتجاوز عنه والمغفرة.
ويحتمل: أن يكون الله - - إذا غفر له يجعل له في شفيعه شفاعة؛ يهبه له كما وهب الأول له، وفي السيئة فيما يلعنه، أو يدعو الله عليه بالهلاك عن غير استحقاق، أو عليه في بقائه ضرر يكون له نصيب منها يلعن لآخر، أو أحداً يلعنه ويدعو عليه به أن يعاقبه بإساءته إلى أخيه في طلب الهلاك له بلا معنى له.
وقوله - عز وجل - أيضاً: ﴿ مَّن يَشْفَعْ...
﴾ الآية، يحتمل فيما بينه وبين ربه يشفع له: بخير إليه من عفو وتجاوز، أو يسوء إليه من لعنه أو هلاكه، والنصيب منها بوجهين: أحدهما: المغفرة في الأول هي برحمته أخاه وإشفاقه عليه، أو يعطي المشفوع له الشفاعة؛ فيكون ذلك له نصيباً منها، وفي الثاني: يجزيه بإساءته إلى من لعنه ودعا عليه بالهلاك بلا استحقاق نفس الأول، أو [واحداً بمثله فيه]، والله أعلم.
ويحتمل: فيما بينه وبين الناس، ثم يكون ذلك بوجوه: أحدها: بما يشفع إلى من بين أخاه وآخر سواء في دفع ذلك وحلت التحية أو الألفة، أو إلى ضد ذلك يشفع في إقالة عثرة، أو ينم بينهما؛ لإلقاء عداوة، أو يشفع إليه بالدلالة على ملهوف في إغاثة، أو مظلوم في نكبة، أو يصنع معروفاً أو نكبة، يبعث ذلك على خير أو شر، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ .
قيل: هو الحافظ، وهو قول ابن عباس.
وقيل: ﴿ مُّقِيتاً ﴾ : حسيباً، وقيل: شهيداً، وقيل: ﴿ مُّقِيتاً ﴾ أي: مقتدراً، مجازياً بالحسنة والسيئة.
وروي عن رسول الله : "مَنِ اسْتَأْكَلَ بِمُسْلِمٍ أَكْلَةً - أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ -أَقَامَهُ اللهُ - تَعَالَى - مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، وَمَنْ تَتَبْعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ - تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ - يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ" وعن الفَرَّاء والكسائي قالا: الْمُقيت: المقتدر؛ من "أَقَاتَ، يُقِيت إِقاتة".
وقيل: الْمُقِيت مشتقة من الْقُوتِ؛ يقول: رِزْق كل دابة على الله - - حتى تستوفي أكلها ورزقها.
وقيل: مقيتاً: راحما يكلؤهم ويرزقهم.
وقال أبو بكر الكسائي: وهو مأخوذ من الكتب السابقة، ليس هو بلساننا؛ فنحن لا نتأوله؛ فلعله على خلاف ما نتأوله، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
من يسعى لجلب الخير للغير؛ يكن له حظ من الثواب، ومن يسعى لجلب الشر للغير؛ يكن له حظ من الإثم، وكان الله على كل ما يعمله الإنسان شهيدًا وسيجازيه عليه.
فمن كان منكم سببًا في حصول خير فله منه حظ ونصيب، ومن كان سببًا في حصول شر فإنه يناله منه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.Z61PY"
حمل المفسر (الجلال) وغيره الشفاعة على ما يكون بين الناس في شؤونهم الخاصة من المعايش.
وهو خطأ فإن هذا التخصيص يذهب بما فيه الآية من القوة والحرارة ويخرجها من السياق، والصواب أنها أعم، فالمقصود أولًا وبالذات الشفاعة المتعلقة بالحرب، وقد علمنا أن الآيات في المبطئين عن القتال والذين يبيتون ما لا يرضي الله تعالى من خلاف ما أمر به الرسول ، ومن ذلك ضروب الاعتذار التي كانوا يعتذرون بها، وقد يكون هذا الاعتذار بواسطة بعض الناس الذين يرجى السماع لهم والقبول منهم، وهو عين الشفاعة.
وبعد أن علم الله المؤمنين طريقة الشفاعة الحسنة والسيئة، وهي من أسباب التواصل بين الناس، علمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم الضعفاء والأقوياء في الإيمان وحس الأدب بينهم وبين من يلقونه في أسفارهم فقال: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ .
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ : لمعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، وفيه تأكيد لأمر هذه الصلة بين الناس.
<div class="verse-tafsir"