الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 43 الزخرف > الآية ١٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ ﴾ قال أبو إسحاق: الجعل هاهنا في معنى القول والحكم على الشيء، يقول: قد جعلت زيدًا أعلم الناس، أي قد وصفته بذلك وحكمت به.
قوله: ﴿ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾ (١) ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، وفي قوله: (عند الرحمن) دلالة على رفع المنزلة، والتقريب كما قال: {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [النساء: 172].
وهذا من القرب في المنزلة والرفعة في الدرجة، وليس من قرب المسافة (٢) (٣) وقال المبرد: هذه القراءة أنبأ عن صحة كذبهم مما اختاره القسم (٤) (٥) ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ ، (فعند) على ما ذكره المبرد ينبئ عن العلم لا عن الدنية (٦) واختلفوا في قوله: ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ فقرأه العامة من الشهود، ويدل عليه قوله: ﴿ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ﴾ ، وقرأ نافع: (أَأشْهِدُوا) على أفعلوا بضم الهمزة وسكون الشين وقبلها همزة الاستفهام مفتوحة، ثم خففت الهمزة الثانية من غير أن يدخل بينهما الفاء.
وروى المسيبي عنه بإدخال الألف بين الهمزتين، و (شهد) الذي يراد به حضر يتعدَّى إلى مفعول به من غير حرف جر كقوله: شَهدنا فَمَا تَلْقَى لَنَا مِنْ كَتِيْبَةٍ ...
يَدَ الدَّهرِ إلَّا جبْرئيلٌ أمَامُها (٧) وهذا محذوف المفعول التقدير فيه: شهدنا المعركة أو من اجتمع لقتالها، وهذا الضرب يتعدَّى إلى مفعول واحد، فإذا نقل بالهمز تعدَّى إلى مفعولين تقول: شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها، ومن ذلك قوله: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٨) ﴿ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ﴾ من الشهادة التي هي الحضور، كأنهم وبِّخوا على أن قالوا ما لم يحضروا له، مما حُكْمُه أن يُعْلم بالمشاهدة، ومن قرأ: (أَأشْهِدوا) فالمعنى: أو أحضروا ذلك (٩) ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، وقال المبرد: القراءتان تؤولان إلى معنى؛ لأنه لا يشهد هذا الموضع أحد إلا أن يشهده الله (١٠) (١١) قال ابن عباس: يريد أحضروا أو عاينوا خلقهم.
قال الكلبي ومقاتل: لما جعلوا الملائكة بنات الله سألهم النبي - - فقال: "ما يدريكم أنهم إناث؟
" قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا أنهم إناث، فقال الله: ﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ ﴾ أي: ستحفظ شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة (١٢) (١) لعل في الكلام سقطًا هاهنا، فكأن المؤلف يشير إلى القراءة الأخرى، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر: ﴿ عِندَ الرَّحْمَنِ ﴾ بالنون، وقرأ الباقون: ﴿ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾ بالباء، ومما يقوى ذلك أنه غالباً ما ينقل عن "الحجة" لأبي علي الفارسي وهي هكذا في "الحجة" بنفس الشواهد انظر: "الحجة" 6/ 140.
وقال في "الوسيط" 4/ 67 بعد هذا المقطع: وقرئ ﴿ عِندَ الرَّحْمَنِ ﴾ وكل صواب.
(٢) انظر: "الحجة" 6/ 140، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 256.
(٣) انظر: "اختيار" أبي عبيد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 102، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 72.
(٤) كذا رسمها، ولعله سقط لفظ (الأول).
(٥) كذا رسمها، ولعل الصواب (يرونهم).
(٦) قال الطبري: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.
"تفسير الطبري" 13/ 58، ولم أقف على قول المبرد.
(٧) البيت لحسان بن ثابت في ملحقات "ديوانه" 1/ 522، وينسب البيت لكعب بن مالك.
انظر: "الخزانة" 1/ 199، "اللسان" (جبر) 4/ 114، "الحجة" 6/ 142.
(٨) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 142، وفيها: أو من اجتمع لقتالنا، بدل قتالها، وكتاب: التذكرة في القراءات 2/ 666، "الكشف" لمكي 2/ 257.
(٩) كذا رسمها في الأصل وفي "الحجة" (أأشهدوا)، فالمعنى: أأحضروا ذلك، انظر: 6/ 146.
(١٠) لم أقف على قول المبرد، وقد ذكر نحو ذلك النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 104.
(١١) كذا رسمها في الأصل، وفي "إعراب القرآن" للنحاس (لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا).
(١٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 490، "تفسير مقاتل" 3/ 791، "تفسير البغوي" 7/ 209، "تفسير الوسيط" 4/ 68.
<div class="verse-tafsir"