الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ٣٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةقوله تعالي: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ الآية.
اختلف النحويون في وجه رفعها: فقال سيبويه والأخفش وكثير من البصريين: ارتفع (السارقُ والسارقةُ) على معنى: ومما نقُصّ عليك ونوحي إليك السارق والسارقة.
قالوا: ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ﴾ وقوله: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ .
قال سيبويه: والاختيار في هذا النصب في العربية كما تقول: زيدا أضربه.
وأبت العامة القراءة إلا بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر (١) ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾ أيضًا (٢) فالاختيار عند سيبويه النصب في هذا.
قال أبو إسحاق: والجماعة أولى بالاتباع، والدليل على أن القراءة الجيدة بالرفع قوله تعالى: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ﴾ لم يقرأه أحد: واللذين (٣) قال المبرد (٤) ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ رفعًا بالابتداء؛ لأن قصد ليس إلى أحد بعينه، فليس هو مثل قولك: زيدًا أضربه، إنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنا فاجلده (٥) وهذا قول الفراء؛ لأنه قال: وإنما يختار العرب الرفع في: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ لأنهما غير مؤقتين، فوجها توجيه الجزاء، كقولك: من سرق فاقطعوا يده، و (من) لا يكون إلا رفعا، ولو أردت سارقًا بعينه وسارقة بعينها كان النصب وجه الكلام (٦) قال الزجاج: وهذا القول هو المختار (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ .
دخلت الفاء في خبر السارق للشرط المنوي؛ لأن المعنى: من سرق فاقطعوا يده (٨) ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ ، ومثله: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ﴾ .
والمراد بالأيدي في هذه الآية: الأيمان، قاله الحسن والسدي والشعبي (٩) وكذلك هو في قراءة عبد الله: (فاقطعوا أيمانهما) (١٠) وإنما قال: ﴿ أَيْدِيَهُمَا ﴾ ولم يقل: يديهما؛ لأنه أراد يمينًا من هذا، أو يمينًا من هذه (١١) قال الفراء: وكل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافًا إلى اثنين فصاعدًا جمع، فقيل: هُشّمت رؤوسهما، ومُلِئتَ ظهورهما وبطونهما ضربًا، ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .
قال: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) فتخَالَسَا نفسَيهِمَا بنَوافذٍ (١٦) لأنه الأصل، ويجوز هذا أيضاً فيما ليس من خلق الإنسان، كقولك للاثنين: خليتما نساءكما، وأنت تريد امرأتين، وخرقتما قمصكما.
قال: ويجوز التوحيد أيضاً لو قلت في الكلام: السارق والسارقة فاقطعوا يمينهما، جاز؛ لأن المعنى: اليمين من كل واحد منهما، كما قال الشاعر: كُلُوا في نِصفِ بَطنِكم تَعِيشُوا (١٧) ويجوز في الكلام أن تقول: ائتني برأس شاتين، وبرأسي شاة، فمن قال: برأس شاتين، أراد الرأس من كل شاة، ومن قال: برأسي شاة، أراد رأسي هذا الجنس (١٨) وقال الزجاج: إنما جمع ما كان في الشيء منه واحد عند الإضافة إلى اثنين؛ لأن الإضافة تبين أن المراد بذلك الجمع التثنية لا الجمع، وذلك أنك إذا قلت: أشبعت بطونهما، علم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمع؛ لأنك إذا ثنّيت الواحد فقد جمعت واحداً إلى واحد، (وربما كان لفظ الجمع أخف من لفظ الاثنين، فيختار لفظ الجمع ولا يشتبه ذلك بالتثنية عند الإضافة إلى اثنين (١٩) ظَهْراهُما مِثل ظُهُور التُّرسَينْ (٢٠) فجاء باللغتين (٢١) (٢٢) (قال (٢٣) (٢٤) قال أبو علي: (..) (٢٥) (٢٦) ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ألا ترى أنها لو أريدت بذلك لم يكونوا ليدعوا نص القرآن إلى غيره.
وهذا يدل على أن جمع اليد في هذه الآية على حد جمع القلب في قوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .
ودلت قراءة عبد الله على أن المراد بالأيدي الأيمان (٢٧) فإن قيل: إن قراءة عبد الله لا تُعلم اليوم قراءة، لانقطاع النقل، فلا يلزم به حجة.
قيل: قراءته تكون حجة في إيجاب العمل، كما أنه لو روى خبرًا أن المراد بالأيدي التخصيص والقصر على الأيمان وجب المصير إليه، فكذلك إذا رُوي عنه على أنه قرآن وجب قبوله والعمل به، وكان أولى من الخبر الذي يرويه.
قال أهل العلم: هذه الآية مجملة في إيجاب القطع على السارق، وتفصيل ذلك مأخوذ من السنة (٢٨) أما السارق الذي يجب عليه القطع فهو البالغ العاقل (٢٩) والمسروق يجب أن تكون قيمته ربع دينار (٣٠) فإذا أخرجه من حرز مثله، بعد أن لا يكون له شبهة فيه وجب القطع، والشبهة مثل شبهة المملوك في مال السيد، والولد مع الوالد، والوالد مع الولد، وكذلك شبهة المضطر عند المخمصة، وخوف التلف.
ولذلك رفع عمر - - القطع عام الرمادة (٣١) هذا جملة مذهب الشافعي - - (٣٢) وعند أبي حنيفة - - لا يجب القطع فيما دون عشرة دراهم (٣٣) وعند مالك - - يقطع في ثلاثة دراهم فصاعد (٣٤) ودليل الشافعي ما روى الزهري عن عمرة (٣٥) : كان يقطع في ربع دينار فصاعد (٣٦) وهذا مذهب الأوزاعي وإسحاق (٣٧) وذهب ابن عباس وابن الزبير إلى ظاهر الآية، فأوجبا القطع في القليل.
قال ابن عباس: في دانِق (٣٨) (٣٩) والقطع يكون من المفصل بين الكف والساعد (٤٠) (٤١) (٤٢) وعند أبي حنيفة لا يقطع في الثالثة (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ﴾ .
قال الزجاج: نصب؛ لأنه مفعول له (٤٥) (٤٦) ﴿ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ﴾ ، وإن شئت كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه: ﴿ فَاقْطَعُوا ﴾ لأن المعنى: ﴿ فَاقْطَعُوا ﴾ جازوهم ونكلوا بهم (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: (عزيز) في انتقامه، (حكيم) فيما أوجبه من قطع يده (٤٨) قال الأصمعي: كنت أقرأ سورة المائدة وبجنبي أعرابي فقرأت هذه الآية، فقلت: (نكالًا من الله والله غفور رحيم) سهوًا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟
قلت: كلام الله.
قال: أعِد.
فأعدت: والله غفور رحيم.
فقال: ليس هذا كلام الله.
فتنبهت وقرأت: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فقال: أصبت، هذا كلام الله.
فقلت له: أتقرأ القرآن؟
قال: لا.
قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟
فقال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع (٤٩) (١) هو أبو عمر عيسى بن عمر الهمداني الكوفي الأعمى القارئ الثقة، قرأ على == عاصم بن أبي النجود وغيره وقرأ عليه الكسائي وغيره، وكان مقرئ الكوفة بعد حمزة توفي -رحمه الله- سنة 156 هـ.
انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 119، "غاية النهاية" 1/ 612، "التقريب" ص 440 (5314).
(٢) "الكتاب" 1/ 142 - 144، "معاني الزجاج" 2/ 171، 172، بتصرف، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 477، 478.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.
(٤) لا يزال المؤلف ينقل من "معاني الزجاج" 2/ 172.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 306، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 228.
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 172.
(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 349، "البحر المحيط" 3/ 482.
(٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 228، "بحر العلوم" 1/ 433.
(١٠) أخرج ذلك الطبري في "تفسيره" 6/ 228، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 433، و"النكت والعيون" 2/ 35، والبغوي في "تفسيره" 3/ 51.
(١١) في (ش): (هذا).
(١٢) في (ش): (اثنان اثنان)، وما أثبته هو الموافق لـ "معاني القرآن".
(١٣) في (ش): (كذلك).
(١٤) في "معاني القرآن" 1/ 307 التثنية.
(١٥) هو أبو ذؤيب، تقدمت ترجمته.
(١٦) عجز البيت كما عند الفراء: كنوافذ العبط التي لا ترقع وهو في "ديوان الهذليين" 1/ 20.
والبيت في وصف فارسين يتنازلان، وتخالسا نفسيهما أراد كل واحد منهما اختلاس نفس الآخر وانتهاز الفرصة للقضاء عليه، والنوافذ الطعنات النافذة، والعبط جمع عبيط وهو ما يشق.
(١٧) عجزه كما عند الفراء: فان زمانكم زمن خميص وهو في "الكتاب" 1/ 210 ولا يعرف قائله.
والخميص من المخمصة وهي الجوع.
والشاهد منه أنه استعمل المفرد للجمع: بطنكم والمراد: بطونكم.
(١٨) "معاني القرآن" 1/ 306 - 308 بتصرف، وانظر: "الكتاب" 1/ 210، "زاد المسير" 2/ 349.
(١٩) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".
(٢٠) رجز لخطام المجاشعي أو لهميان بن قحافة وهو في "الكتاب" 2/ 48، "معاني الفراء" 3/ 17، يصف فيه فلاتين، وقبله: وَمهَمهين قَذِفين مَرْتَين ...
جِبتُهما بالنَّعت لا بِالنَّعتَين ظهرهما ................
(٢١) وشبه الفلاتين بالترسين في الاستواء.
والشاهد منه أنه ثَنَّى وجَمَع المضاف للمثنى.
(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 173، وانظر: "الكتاب" 2/ 48، 49.
(٢٣) ساقط من (ش).
(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 173، وانظر: "الكتاب" 2/ 48، 49.
(٢٥) ما بين القوسين بياض في النسختين.
(٢٦) ساقط من (ج).
(٢٧) تقدم تخريج هذه القراءة قريبًا، ولم أقف على قول أبي علي.
(٢٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 350.
(٢٩) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 167.
(٣٠) هذا ما عليه أكثر العلماء، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 229، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، "زاد المسير" 2/ 350، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 160، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣١) قال ابن منظور: سمي بذلك لأن الناس والأموال هلكوا فيه كثيراً، وقيل: هو لجدب تتابع فصير الأرض والشجر مثل لون الرماد، والأول أجود.
"اللسان" 3/ 1727 (رمد).
(٣٢) انظر: "الأم" 6/ 147 - 149، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، و"التفسير الكبير" 11/ 226، 227، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 229، و"بحر العلوم" 1/ 434، والبغوي في "تفسيره" 3/ 52، و"زاد المسير" 2/ 351، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63 - 64.
(٣٤) انظر: "المدونة" 4/ 413، والطبري في "تفسيره" 6/ 229، "زاد المسير" 2/ 351، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 160، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣٥) هي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت من الرواية عن عائشة - ا-، وهي فقيهة ثقة أخرج حديثها الجماعة، ماتت == -رحمها الله- قبل سنة 100هـ، وقيل بعدها.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 507، "التقريب" ص 750 (8643).
(٣٦) أخرجه البخاري (6789) كتاب الحدود، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ 8/ 16، 17، ومسلم (1684) كتاب الحدود، باب: حد السرقة ونصابها 3/ 1312 (ح 1).
(٣٧) ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 161 عن إسحاق.
(٣٨) لم أقف عليه.
وقد أخرج الطبري في "تفسيره" عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ أخاص أم عام؟
فقال: بل عام.
"جامع البيان" 6/ 229.
وهذا يحتمل أنه أراد القلة أو هو موافق لما تقدم من أقوال العلماء، انظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 63.
(٣٩) قال السمرقندي: ورُوي عن ابن الزبير أنه قطع في نَعلٍ ثمنه درهم "بحر العلوم" 1/ 433.
هذا ما وجدته عن ابن الزبير.
(٤٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 354.
(٤١) هذا قول مالك والشافعي.
انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 53، "زاد المسير" 2/ 354.
(٤٢) هذا إذا كان القتل ثابتًا، مع أنه لم يثبت، انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 172.
(٤٣) وهو قول أحمد أيضًا.
انظر: البغوي في "تفسيره" 3/ 54، "زاد المسير" 2/ 354.
(٤٤) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 165.
(٤٥) في "معاني الزجاج" 2/ 174: به.
(٤٦) عند الزجاج: بجزاء.
(٤٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 174، وانظر: القرطبي في "تفسيره" 6/ 174.
(٤٨) أي: يد السارق.
(٤٩) ذكره في "الوسيط" 3/ 876، وانظر: "زاد المسير" 2/ 354.
<div class="verse-tafsir"