تفسير سورة الحديد الآية ٢٥ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 57 الحديد > الآية ٢٥

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌۭ ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ قال مقاتل بن حيان: البينات: الإخلاص لله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ ، والكتاب يتضمن الأحكام.

قوله تعالى: ﴿ وَالْمِيزَانَ ﴾ قال قتادة وابن حيان: الميزان: العدل (٥) ويكون المعنى على.

هذا وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ  ﴾ وقد مر.

وقال مقاتل بن سليمان: يعني الموازين (٦) (٧) وعلى هذا المعنى أنزلنا معهم الكتاب ووضعنا الميزان فيكون من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا (٨) وأكلت خبزًا ولبنًا.

وقد مر في مواضع، يدل على صحة هذا قوله: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ  ﴾ .

قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: ليتبعوا ما أمروا به من الطاعة والعدل فتعملوا بينهم بالعدل.

﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ قال الكلبي: أنزل الله على آدم القلاة والمطرقة والكلبتين (٩) وروي عن ابن عباس: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة (١٠) ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أن النبي -  - قال: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح" (١١) وذهب قوم إلى أن معنى أنزلنا الحديد أنشاناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ وهو معنى قول مقاتل يقول: بأمرنا كان الحديد (١٢) وقال قطرب: معنى أنزلنا هيأنا وخلقنا من التنزل - يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسنًا (١٣) قوله تعالى: ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ قال أبو إسحاق: يمتنع به ويحارب (١٤) (١٥) وقال مقاتل: بأس شديد للحرب (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ قال المقاتلان والكلبي: ما ينتفعون به في معايشهم مثل السكاكين والفأس والمبرد (١٨) وقال عطاء عن ابن عباس: لأن كل شيء خلقه الله من حجر أو شجر لا يصلح إلا بالحديد (١٩) وقال أبو إسحاق: يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به (٢٠) قال صاحب النظم قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ كل هذا معترض بين قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ لا يتصل بإنزال الحديد وهو نسق على قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ (٢١) والمعنى: أنزلنا الكتاب والميزان لتعامل بالعدل وليعلم الله من ينصره وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بنصرة دينه ورسله وامتحن الناس بذلك الأمر، فمن (٢٢) ولأبي النصر عبد الجبار بن محمد العتبي الكاتب -رحمه الله- فصل في هذه الآية خلاف ما ذكره صاحب النظم؛ وهو أنه قال: كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ لجمعه بين الكتاب، والميزان، والحديد، على تنافر طردها من المناسبة، وبعدها قبل الرؤية والاستنباط عن المشاكلة والمقاربة، وسألت عنه عدة من أعيان العلماء بالتفسير والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر، وينقع الغلة، حتى أعملت التفكر، وأنعمت التوبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويريهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد خطر فيه التعادي والتظالم، والتباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما لِصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة العدل التي يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمم الله -عَزَّ وَجَلَّ- اتخاذ الآلة التي هي الميزان فيما يأخذونه ويعطونه لئلا يتظالموا لمخالفته فيهلكوا به إذا لم يكن ينتظم لهم عيش مع شيوع ظلم البعض منهم للبعض، ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ  ﴾ وذلك أنه تعالى جعل السماء سببًا للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات فكان ما يخرج منها من أغذية العباد مضطرًا إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن ذلك إلا بالآلة المذكورة، فنبه الله -عَزَّ وَجَلَّ- على موقع الفائدة فيه والفائدة به بتكرير ذكره هذا في الكتاب والميزان، ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية، إنما تحفظ العامي على ابتغاها ويضطر العالم إلى التزام أحكامها بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد ونزع من صفقه الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، وهذا السيف هو الحديد الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة النقوب، متدانية الجيوب، حكمة المطالع، مقومة المبادئ والمقاطع.

انتهى كلامه.

وهذا الذي ذكره من أن المراد بالحديد السيف هو معنى ما ذكرنا من قول المفسرين في تفسير قوله: ﴿ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ قد مضى الكلام في بيان هذا العلم في مواضع، والمفسرون يقولون: وليرى الله من ينصره وينصر دينه، كقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ  ﴾ .

﴿ وَرُسُلَهُ ﴾ أي يقاتل مع رسله في سبيله ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ أي ولم ير الله ولا أحكام الآخرة وإنما يحمد إذا أطاع بالغيب، كما قال الله تعالى {يُؤَمنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3].

﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ ﴾ في أمره، ﴿ عَزِيزٌ ﴾ في ملكه.

قال مقاتل (٢٣) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 24.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 299.

(٣) يظهر من قول المؤلف "والمعدل الوجه" سقط في العبارة قبل قوله: قال مقاتل بن حيان.

ولعل العبارة كما في "تفسير مقاتل بن سليمان" هكذا (قال مقاتل بن سليمان: البينات: يعني الآيات).

(٤) في (ك): (كقوله).

(٥) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 275 ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299.

(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299، والذي في "تفسير مقاتل" أن المراد بالميزان يعني العدل.

انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.

(٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 26.

(٨) ورد في "البيت" في "الخصائص" 2/ 431، و"الخزانة" 3/ 139، و"إيضاح الشعر" للفارسي ص 573، و"الإنصاف" ص 613، ونسبه إلى ذي الرمة وليس في ديوانه.

وفي "أوضح المسالك" 2/ 245، رقم (258) قال محققه: ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين، ثم ذكر ثلاثة تخريجات للبيت ومن قال بكل قول.

وتمام البيت: حتى شتت حمالة عيناها وانظر: "زاد المسير" 8/ 212، و"البحر المحيط" 1/ 247، و"شذرات الذهب" الشاهد رقم (115).

(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 136، والقلاة هي السَّندان وهي الصَّلاءَةُ، و"اللسان" 6/ 215 (سند).

والكلبتان: الآلة التي تكون مع الحدادين، "اللسان" 2/ 284 (كلب).

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 241 - 242، والميقَعةُ: ما دُفعَ به السيف، وقيل: الميقعة المسن الطويل، و"اللسان" 3/ 968 (وقع).

(١١) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 70 ب، وقال ابن حجر: وفي إسناده من لا أعرفه.

"تخريج أحاديث الكشاف" 4/ 164، وفي "ضعيف الجامع" 3/ 77: موضوع، وفي "الطب النبوي" لابن القيم ص 396، قال: ذكره البغوي مرفوعًا والموقف أشبه.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 300، و"التفسير الكبير" 29/ 242.

(١٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 129.

(١٥) انظر؛ "تنوير المقباس" 5/ 364، و"معالم التنزيل" 4/ 300، وعبارتهما (قوة شديدة).

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.

(١٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"جامع البيان" 27/ 137.

(١٨) في (ك): (المدّ)، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 364.

(١٩) لم أجده.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 126.

(٢١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 261، و"الدر المصون" 1/ 253.

(٢٢) (فمن) زيادة يقتضيها السياق.

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و "معالم التنزيل" 4/ 30.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر