الآية ٢٥ من سورة الحديد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 57 الحديد > الآية ٢٥ من سورة الحديد

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌۭ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الحديد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الحديد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) أي : بالمعجزات ، والحجج الباهرات ، والدلائل القاطعات ، ( وأنزلنا معهم الكتاب ) وهو : النقل المصدق ) والميزان ) وهو : العدل .

قاله مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما .

وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة ، كما قال : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) [ هود : 17 ] ، وقال : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) [ الروم : 30 ] ، وقال : ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) [ الرحمن : 7 ] ; ولهذا قال في هذه الآية : ( ليقوم الناس بالقسط ) أي : بالحق والعدل وهو : اتباع الرسل فيما أخبروا به ، وطاعتهم فيما أمروا به ، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق ، كما قال : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) [ الأنعام : 115 ] أي : صدقا في الإخبار ، وعدلا في الأوامر والنواهي .

ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوءوا غرف الجنات ، والمنازل العاليات ، والسرر المصفوفات : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) [ الأعراف : 43 ] .

وقوله : ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) أي : وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه ; ولهذا أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية ، وكلها جدال مع المشركين ، وبيان وإيضاح للتوحيد ، وتبيان ودلائل ، فلما قامت الحجة على من خالف ، شرع الله الهجرة ، وأمرهم بالقتال بالسيوف ، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده .

وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود ، من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن حسان بن عطية ، عن أبي المنيب الجرشي الشامي ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم " ولهذا قال تعالى : ( فيه بأس شديد ) يعني : السلاح كالسيوف ، والحراب ، والسنان ، والنصال ، والدروع ، ونحوها .

( ومنافع للناس ) أي : في معايشهم كالسكة ، والفأس ، والقدوم ، والمنشار ، والإزميل ، والمجرفة ، والآلات التي يستعان بها في الحراثة ، والحياكة ، والطبخ ، والخبز ، وما لا قوام للناس بدونه ، وغير ذلك .

قال علباء بن أحمد ، عن عكرمة ، أن ابن عباس قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم : السندان ، والكلبتان ، والميقعة ، يعني المطرقة .

رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .

وقوله : ( وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ) أي : من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسله ، ( إن الله قوي عزيز ) أي : هو قوي عزيز ، ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس ، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: لقد أرسلنا رسلنا بالمفصَّلات من البيان والدلائل، وأنـزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.

كما حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ( الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) قال: الميزان: العدل.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنـزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ) بالحق (1) ؛ قال: الميزان: ما يعمل الناس، ويتعاطون عليه في الدنيا من معايشهم التي يأخذون ويعطون، يأخذون بميزان، ويعطون بميزان، يعرف ما يأخذ وما يعطي.

قال: والكتاب فيه دين الناس الذي يعملون ويتركون، فالكتاب للآخرة، والميزان للدنيا.

وقوله: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) يقول تعالى ذكره: ليعمل الناس بينهم بالعدل.

وقوله: (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يقول تعالى ذكره: وأنـزلنا لهم الحديد فيه بأس شديد، يقول: فيه قوّة شديدة، ومنافع للناس، وذلك ما ينتفعون به منه عند لقائهم العدوّ، وغير ذلك من منافعه.

وقد حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن علباء بن أحمر، عن عكرِمة عن ابن عباس، قال: ثلاثة أشياء نـزلت مع آدم صلوات الله عليه: السندان والكلبتان، والميقعة، والمطرقة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) قال: البأس الشديد: السيوف والسلاح الذي يقاتل الناس بها، (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) بعد، يحفرون بها الأرض والجبال وغير ذلك.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: قوله: (وَأَنـزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) وجنُة وسلاح، وأنـزله ليعلم الله من ينصره.

وقوله: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ) يقول تعالى ذكره: أرسلنا رسلنا إلى خلقنا وأنـزلنا معهم هذه الأشياء ليعدلوا بينهم، وليعلم حزب الله من ينصر دين الله ورسله بالغيب منه عنهم.

وقوله: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) يقول تعالى ذكره: إن الله قويّ على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره ونهيه، عزيز في انتقامه منهم، لا يقدر أحد على الانتصار منه مما أحلّ به من العقوبة.

------------------------ الهوامش: (1) ‌لعله والميزان، والميزان بالحق

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي : بالمعجزات البينة ، والشرائع الظاهرة .

وقيل : الإخلاص لله تعالى في العبادة ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، بذلك دعت الرسل : نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم .وأنزلنا معهم الكتاب أي : الكتب ، أي : أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم والميزان قال ابن زيد : هو ما يوزن به ويتعامل ليقوم الناس بالقسط أي : بالعدل في معاملاتهم .

وقوله : بالقسط يدل على أنه أراد الميزان المعروف وقال قوم : أراد به العدل .

قال القشيري : وإذا حملناه على الميزان المعروف ، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب :علفتها تبنا وماء بارداويدل على هذا قوله تعالى : والسماء رفعها ووضع الميزان ثم قال وأقيموا [ ص: 235 ] الوزن بالقسط وقد مضى القول فيه .

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : الحديد ، والنار ، والماء ، والملح .

وروى عكرمة عن ابن عباس قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام : الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج ، وعصا موسى وكانت من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع مع طول موسى ، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء : السندان ، والكلبتان ، والميقعة وهي المطرقة ، ذكره الماوردي .

وقال الثعلبي : قال ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين : السندان ، والكلبتان ، والميقعة ، والمطرقة ، والإبرة .

وحكاه القشيري قال : والميقعة ما يحدد به ، يقال : وقعت الحديدة أقعها أي : حددتها .

وفي الصحاح : والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه ، وخشبة القصار التي يدق عليها ، والمطرقة والمسن الطويل .

وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء .فيه بأس شديد أي : لإهراق الدماء .

ولذلك نهى عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء ; لأنه يوم جرى فيه الدم .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم .

وقيل : أنزلنا الحديد أي : أنشأناه وخلقناه ، كقوله تعالى : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج وهذا قول الحسن .

فيكون من الأرض غير منزل من السماء .

وقال أهل المعاني : أي : أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه .

فيه بأس شديد يعني السلاح والكراع والجنة .

وقيل : أي : فيه من خشية القتل خوف شديد .ومنافع للناس قال مجاهد : يعني جنة .

وقيل : يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد ، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه .وليعلم الله من ينصره أي : أنزل الحديد ليعلم من ينصره .

وقيل : هو عطف على قوله تعالى : ليقوم الناس بالقسط أي : أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب ، وهذه الأشياء ، ليتعامل الناس بالحق ، وليعلم الله من ينصره وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب قال ابن عباس : ينصرونهم لا يكذبونهم ، ويؤمنون بهم بالغيب أي : وهم لا يرونهم .

إن الله قوي عزيز قوي في أخذه عزيز أي : منيع غالب .

وقد تقدم .

وقيل : بالغيب بالإخلاص .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته.{ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ } وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، { وَالْمِيزَانَ } وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود [والمواريث وغير ذلك]، وذلك { لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } من آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك.{ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد.{ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضروريا.{ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي: لا يعجزه شيء، ولا يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب، وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ) بالآيات والحجج ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ) يعني : العدل .

وقال مقاتل بن سليمان : هو ما يوزن به أي : ووضعنا الميزان كما قال : " والسماء رفعها ووضع الميزان " ( الرحمن - 7 ( ليقوم الناس بالقسط ) ليتعاملوا بينهم بالعدل .

( وأنزلنا الحديد ) روي عن ابن عمر يرفعه : إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : الحديد والنار والماء والملح وقال أهل المعاني معنى قوله : " أنزلنا الحديد " [ أنشأنا وأحدثنا أي : أخرج لهم الحديد ] من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه .

وقال قطرب هذا من النزل كما يقال : أنزل الأمير على فلان نزلا حسنا فمعنى الآية : أنه جعل ذلك نزلا لهم .

ومثله قوله : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ( الزمر - 6 ) .

( فيه بأس شديد ) قوة شديدة يعني : السلاح للحرب .

قال مجاهد : فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب ( ومنافع للناس ) مما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها إذ هو آلة لكل صنعة ( وليعلم الله ) أي : أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلم الله وليرى الله ( من ينصره ) أي : دينه ( ورسله بالغيب ) أي : قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة ، وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب ( إن الله قوي عزيز ) قوي في أمره ، عزيز في ملكه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لقد أرسلنا رسلنا» الملائكة إلى الأنبياء «بالبينات» بالحجج القواطع «وأنزلنا معهم الكتاب» بمعنى الكتب «والميزان» العدل «ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد» أخرجناه من المعادن «فيه بأس شديد» يقاتل به «ومنافع للناس وليعلم الله» علم مشاهدة، معطوف على ليقوم الناس «من ينصره» بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره «ورسوله بالغيب» حال من هاء ينصره، أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه «إن الله قوي عزيز» لا حاجة له إلى النصرة لكنها تنفع من يأتي بها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحات، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وأنزلنا الميزان؛ ليتعامل الناس بينهم بالعدل، وأنزلنا لهم الحديد، فيه قوة شديدة، ومنافع للناس متعددة، وليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق من ينصر دينه ورسله بالغيب.

إن الله قوي لا يُقْهَر، عزيز لا يغالَب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يرسل رسله إلى الناس ، ليهدوهم إلى طريق الحق ، وأن الناس منهم من اتبع الرسل ، ومنهم من أعرض عنهم ، ومنهم من ابتدع أموراً من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها .

.

.

.

فقال - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا .

.

.

) .المراد بالبينات فى قوله - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات ) الحجج والدلائل التى تشهد لهم بأنهم رسل من عند الله - تعالى - وتدخل فيها المعجزات دخولا أوليا .والمراد بالكتاب : جنس الكتب .

وتشمل التوراة والإنجيل وغيرهما .والميزان : الآلة المعروفة بين الناس لاستعمالها فى المكاييل وغيرها .

.

.

والمراد بها العدل بين الناس فى أحكامهم ومعاملاتهم .وشاع إطلاق الميزان على العدل ، باستعارة لفظ الميزان على العدل ، على وجه تشبيه المعقول بالمحسوس ، والمراد بإنزاله ، تبليغه ونشره بين الناس .أى : بالله لقد أرسلنا رسلنا ، وأيدناهم بالحجج والبراهين الدالة على صدقهم ، وأنزلنا معهم كبتنا السماوية ، بأن بلغناهم إياها عن طريق وحينا ، وأنزلنا معهم العدل بأن أرشدناهم إلى طرقه ، وإلى إعطاء كل ذى حق حقه .قال ابن كثير : يقول الله - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات ) أى : بالمعجزات ، والحجج الباهرات ، والدلائل القاطعات ( وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب ) وهو النقل الصدق ( والميزان ) وهو العدل أو وهوالحق الذى تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة .وأكد - سبحانه - هذا الإرسال ، للرد على أولئك الجاحدين الذين أنكروا نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ولبيان أنه واحد من هؤلاء الرسل الكرام ، وأن رسالته إنما هى امتداد لرسالتهم .

.

.

وقوله - تعالى - : ( لِيَقُومَ الناس بالقسط ) علة لما قبله .

أى : أرسلنا الرسل .

وأنزلنا الكتاب وشرعنا العدل ، ليقوم الناس بنشر ما يؤدى إلى صلاح بالهم ، واستقامة أحوالهم ، عن طريق التزامهم بالحق والقسط فى كل أمورهم .قال الآلوسى : " والقيام بالقسط " أى : بالعدل ، يشمل التسوية فى أمور التعامل باستعمال الميزان ، وفى أمور المعاد باحتذاء الكتاب ، وهو - أى : القسط - لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغى الاتصاف به ، معاشا ومعادا .وقوله - تعالى - : ( وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) معطوف على ما قبله .والمراد بإنزال الحديد : خلقه وإيجاده .

وتهيئته للناس ، والإنعام به عليهم ، كما فى قوله - سبحانه - ( وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ) والمراد بالبأس الشديد : القوة الشديدة التى تؤدى إلى القتل وإلحاق الضرر بمن توجه إليه ، أى : لقد أرسلنا رسلنا بالأدلة الدالة على صدقهم ، وأنزلنا معهم ما يرشد الناس إلى صلاحهم .وأوجدنا الحديد ، وأنعمنا به عليكم ، ليكون قوة شديدة لكم فى الدفاع عن أنفسكم ، وفى تأديب أعدائكم ، وليكون كذلك مصدر منفعة لكم فى مصالحكم وفى شئون حياتكم .فمن الحديد تكون السيوف وآلات الحرب .

.

ومنه - ومعه غيره - تتكون القصور الفارهة ، والمبانى العالية الواسعة ، والمصانع النافعة .

.

.

وآلات الزراعة والتجارة .فالآية الكريمة تلفت أنظار الناس إلى سنة من سنن الله - تعالى - قد أرسل الرسل وزودهم بالهدايات السماوية التى تهدى الناس إلى ما يسعدهم ..

.

وزودهم - أيضا - بالقوة المادية التى تحمى الحق الذى جاءوا به ونرد كيد الكائدين له فى نحورهم ، وترهب كل من يحاول الاعتداء عليه ، كما قال - تعالى - : ( وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ) ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : ما ملخصه : أى : وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق ، وعانده بعد قيام الحجة عليه ، ولهذا أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاث عشرة سنة ، تنزل عليه السور المكية ، لبيان أن دين الله حق .فلما قامت الحجة على من خالفه ، شرع الله القتال بعد الهجرة ، حماية للحق ، وأمرهم بضرب رقاب من عاند الحق وكذبه .وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بعث بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له .

وجعل رزقى تحت ظل رمحى ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرى ، ومن تشبه بقوم فهو منهم " .ولهذا قال - تعالى - : ( وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) يعنى السلاح كالسيف والحراب .( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) أى : فى معايشهم كالفأس والقدوم .

.

.

وغير ذلك .هذا ، ومن المفسرين الذين فصلوا القول فى منافع الحديد ، وفى بيان لماذا خصه الله - تعالى - بالذكر : الإمام الفخر الرازى فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله الله سهل الوجدان ، كثير الوجود .

والذهب لما كانت حاجة الناس إليه قليلة ، جعله الله - تعالى - عزيز الوجود .وبهذا تتجلى رحمة الله على عباده ، فإن كل شىء كانت حاجتهم إليه أكثر جعل الحصول عليه أيسر .فالهواء - وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه - جعل الله تعالى - الحصول عليه سهلا ميسورا .

.

.

فعلمنا من ذلك أن كل شىء كانت الحاجة إليه أكثر ، كان وجدانه أسهل .ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله - تعالى - أشد من الحاجة إلى كل شىء ، فنرجوه من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا ، كما قال الشاعر :سبحان من خص العزيز بعزة ...

والناس مستغنون عن أجناسهوأذل أنفاس الهواء وكل ذى ...

نفس ، فمحتاج إلى أنفاسهوقوله : - سبحانه - : ( وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب .

.

) معطوف على محذوف يدل عليه السياق .والمراد بقوله : ( وَلِيَعْلَمَ ) أى : وليظهر علمه - تعالى - للناس ، حتى يشاهدوا آثاره .أى : وأنزل - سبحانه - الحديد لكى يستعملوه فى الوجوه التى شرعها الله وليظهر - سبحانه - أثر علمه حتى يشاهد الناس ، من الذى سيتبع الحق منهم ، فينصر دين الله - تعالى - وينصر رسله ، ويستعمل نعمه فيما خلقت له حالة كونه لا يرى الله - تعالى - بعينيه ، وإنما يتبع أمره ، ويؤمن بوحدانيته ووجوده وعلمه وقدرته ..

.

عن طريق ما أوحاه - سبحانه - إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - .فقوله : ( بالغيب ) حال من فاعل ( يَنصُرُهُ ) .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) أى : أن الله - تعالى - هو المتصف بالقوة التى ليس بعدها قوة وبالعزة التى لا تقاربها عزة .وختمت الآية بهذا الختام ، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل ، ولإنزال الكتب والحديد الذى فيه بأس شديد ومنافع للناس .فكان هذا الختام تعليل لما قبله .

أى : لأن الله - تعالى - قوى فى أخذه عزيز فى انتقامه فعل ما فعل من إرسال الرسل ، ومن إنزال الحديد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات ﴾ وفي تفسير البينات قولان: الأول: وهو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة والثاني: وهو قول مقاتل بن حيان: أي أرسلناهم بالأعمال التي تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله، والأول هو الوجه الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ .

واعلم أن نظير هذه الآية قوله: ﴿ الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان  ﴾ وقال: ﴿ والسماء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان  ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه: أحدها: وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين: أحدهما: فعل ما ينبغي فعله والثاني: ترك ما ينبغي تركه، والأول هو المقصود بالذات، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد، لأن الترك كان حاصلاً في الأزل، وأما فعل ما ينبغي فعله، فإما أن يكون متعلقاً بالنفس، وهو المعارف، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال النفسانية، لأن يتميز الحق من الباطل، والحجة من الشبهة، والميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية، فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق، والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص، وأما الجديد ففيه بأس شديد، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي، والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية، والميزان إلى القوة العملية، والحديد إلى دفع مالا ينبغي، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية، ثم رعاية المصالح الجسمانية، ثم الزجر عما لا ينبغي، روعي هذا الترتيب في هذه الآية.

وثانيها: المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم: إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد.

وثالثها: الأقوام ثلاثة: أما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب، فينصفون ولا ينتصفون، ويحترزون عن مواقع الشبهات، وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون، فلابد لهم من الميزان، وإما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر.

ورابعها: الإنسان، إما أن يكون في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام المقربين، فهاهنا لا يسكن إلا إلى الله، ولا يعمل إلا بكتاب الله، كما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ وإما أن يكون في مقام الطريقة وهو مقام النفس اللوامة، ومقام أصحاب اليمين، فلابد له من الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط، ويبقى على الصراط المستقيم وإما أن يكون في مقام الشريعة وهو مقام النفس الأمارة، وهاهنا لابد له من حديد المجاهدة والرياضات الشاقة.

وخامسها: الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فلابد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج، فلابد وأن ينفى من الأرض بالحديد.

وسادسها: أن الدين هو إمالأصول وإما الفروع، وبعبارة أخرى: إما المعارف وإما الأعمال، فالأصول من الكتاب، وأما الفروع: فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل، والحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين.

وسابعها: الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف، وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف، ووجوه المناسبات كثيرة، وفيما ذكرناه تنبيه على الباقي.

المسألة الثانية: ذكروا في: إنزال الميزان وإنزال الحديد، قولين: الأول: أن الله تعالى أنزلهما من السماء، روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح، وقال: مر قومك يزنوا به، وعن ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من الحديد السندان والكلبتان والمقمعة والمطرقة والإبرة، والمقعمة ما يحدد به، ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد والنار والماء والملح والقول الثاني: أن معنى هذا الإنزال الإنشاء والتهيئة، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ قال قطرب: ﴿ أنزلناها  ﴾ أي هيأناها من النزل، يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً، ومنهم من قال هذا من جنس قوله: علفتها تبناً وماء بارداً، وأكلت خبزاً ولبناً.

المسألة الثالثة: ذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط، والقسط والإقساط هو الإنصاف وهو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك، والعادل مقسط قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين  ﴾ والقاسط الجائر قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً  ﴾ وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه، وفيه أيضاً منافع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ  ﴾ ومنها أن مصالح العالم، إما أصول، وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يجلس فيه، والإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل، وذلك الانتظام لابد وأن يفضي إلى المزاحمة، ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض، وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد، وذلك في كرب الأراضي وحفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لابد من خبزها وتنقيتها، وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم الحبوب لابد من طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم لابد من خبزها ولا يتم إلا بالنار، ولا بد من المقدحة الحديدية، وأما الفواكه فلابد من تنظيفها عن قشورها، وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد، وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، وأما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد، وأما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد، وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد، ويظهر أيضاً أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيء من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله سهل الوجدان، كثير الوجود، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر، جعل وجدانه أسهل، ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء، فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة لمات الإنسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجداناً، وهيأ أسباب التنفس وآلاته، حتى إن الإنسان يتنفس دائماً بمقتضى طبعه من غير حاجة فيه إلى تكلف عمل، وبعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلاً من تحصيل الهواء، وبعد الماء الطعام، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء، جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة والعزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد، كان وجدانه أسهل، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جداً، لا جرم كانت عزيزة جداً، فعلمنا أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شيء فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجداناً، قال الشاعر: سبحان من خص العزيز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى وليعلم الله من ينصره، أي ينصر دينه، وينصر رسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب أي غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿ إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ  ﴾ .

المسألة الثانية: احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله ﴾ والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم، فكأنه تعالى قال: ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره.

المسألة الثالثة: قال الجبائي: قوله تعالى: ﴿ لِيَقُومَ الناس بالقسط ﴾ فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه: أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود، وأن الجمع بين الضدين محال، وأن المحال غير مراد.

المسألة الرابعة: لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة، كما يقع من منافق أو ممن مراده المنافع في الدنيا، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب، ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا يمانع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا ﴾ يعني الملائكة إلى الأنبياء ﴿ بالبينات ﴾ بالحجج والمعجزات ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب ﴾ أي الوحي ﴿ والميزان ﴾ روى أنّ جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به ﴿ وَأَنزْلْنَا الحديد ﴾ قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقعة والمطرقة، والإبرة.

وروى: ومعه المرّ والمسحاة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح» وعن الحسن ﴿ وَأَنزَلْنَا الحديد ﴾ : خلقناه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ﴾ [الزمر: 60] وذلك أنّ أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ وهو القتال به ﴿ ومنافع لِلنَّاسِ ﴾ في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها؛ أو ما يعمل بالحديد ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينصرونه ولا يبصرونه ﴿ إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ ﴾ غني بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه عنهم، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا ﴾ أيِ المَلائِكَةَ إلى الأنْبِياءِ أوِ الأنْبِياءَ إلى الأُمَمِ.

﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالحُجَجِ والمُعْجِزاتِ.

﴿ وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ ﴾ لِيُبَيِّنَ الحَقَّ ويُمَيِّزَ صَوابَ العَمَلِ.

﴿ والمِيزانَ ﴾ لِتُسَوّى بِهِ الحُقُوقُ ويُقامَ بِهِ العَدْلُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ ﴾ وإنْزالُهُ إنْزالَ أسْبابِهِ والأمْرِ بِإعْدادِهِ، وقِيلَ: أُنْزِلَ المِيزانُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ العَدْلُ.

لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ لِتُقامَ بِهِ السِّياسَةُ وتُدْفَعَ بِهِ الأعْداءُ كَما قالَ: ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ فَإنَّ آلاتِ الحُرُوبِ مُتَّخَذَةٌ مِنهُ.

﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ إذْ ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ آلاتُها.

﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ ﴾ بِاسْتِعْمالِ الأسْلِحَةِ في مُجاهَدَةِ الكُفّارِ والعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ فَإنَّهُ حالٌ يَتَضَمَّنُ تَعْلِيلًا، أوِ اللّامُ صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ أنْزَلَهُ لِيَعْلَمَ اللَّهُ.

﴿ بِالغَيْبِ ﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في يَنْصُرُهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ ﴾ عَلى إهْلاكِ مَن أرادَ إهْلاكَهُ.

﴿ عَزِيزٌ ﴾ لا يَفْتَقِرُ إلى نُصْرَةٍ وإنَّما أمَرَهم بِالجِهادِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَسْتَوْجِبُوا ثَوابَ الِامْتِثالِ فِيهِ.

﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوَّةَ والكِتابَ ﴾ بِأنِ اسْتَنْبَأْناهم وأوْحَيْنا إلَيْهِمُ الكُتُبَ.

وَقِيلَ: المُرادُ الكِتابُ الخَطُّ.

﴿ فَمِنهُمْ ﴾ فَمِنَ الذُّرِّيَّةِ أوْ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِمْ أرْسَلْنا.

﴿ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ خارِجُونَ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ والعُدُولِ عَنِ السُّنَنِ المُقابِلَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ الغَلَبَةَ لِلضَّلالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} يعني أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء {بالبينات} بالحجج والمعجزات {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب} أي الوحي وقيل الرسل الأنبياء والأول أولى لقوله مَعَهُمْ لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب {والميزان} رُوي أن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال مرقومك يزنوا به {لِيَقُومَ الناس} ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء {بالقسط} بالعدل ولا يظلم أحدا أحداً {وَأَنزْلْنَا الحديد} قيل نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان والكلبتان والميقعة والطرقة والابرة وروي ومعه المرو والمسحاق وعن الحسن وأنزلنا الحديد خلقناه {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} وهو القتال به {ومنافع لِلنَّاسِ} في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها أو ما يعمل بالحديد {وليعلم الله من ينصره ورسله}

باتسعمال لاسيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين وقال الزجاج ليعلم الله من يقاتل مع رسوله في سبيله بالغيب غائباً عنهم {إِنَّ الله قَوِىٌّ} يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته {عَزِيزٌ} يربط بعزته جأش من يتعرض لتصرفه والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة الأحكام والحدود ويأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والطغيان واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل ويحصل بها التساوي والتعادل وهي الميزان ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلهة الموضوعة للتعامل بالتسوية إن تحص العامة على

اتباعهما بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعنَدَ ونزع عن صفقة الجماعة اليد وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا ﴾ أيْ مِن بَنِي آدَمَ كَما هو الظّاهِرُ ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ أيِ الحُجَجِ والمُعْجِزاتِ ﴿ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ ﴾ أيْ جِنْسَ الكِتابِ الشّامِلِ لِلْكُلِّ، والظَّرْفُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنهُ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مُقارَنَةً بِتَنْزِيلِ الِاتِّصالِ مَنزِلَةَ المُقارَنَةِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ الآلَةَ المَعْرُوفَةَ بَيْنَ النّاسِ كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، وإنْزالُهُ إنْزالُ أسْبابِهِ، ولَوْ بَعِيدَةٌ، وأمْرُ النّاسِ بِاتِّخاذِهِ مَعَ تَعْلِيمِ كَيْفِيَّتِهِ.

﴿ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ ﴾ عِلَّةٌ لِإنْزالِ الكِتابِ والمِيزانِ والقِيامِ بِالقِسْطِ أيْ بِالعَدْلِ يَشْمَلُ التَّسْوِيَةَ في أُمُورِ التَّعامُلِ بِاسْتِعْمالِ المِيزانِ، وفي أُمُورِ المَعادِ بِاحْتِذاءِ الكِتابِ وهو لَفْظٌ جامِعٌ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ ما يَنْبَغِي الِاتِّصافُ بِهِ مَعاشًا ومَعادًا.

﴿ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: أيْ خَلَقْناهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ  ﴾ وهو تَفْسِيرٌ يُلازِمُ الشَّيْءَ فَإنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُنَزَّلٌ بِاعْتِبارِ ثُبُوتِهِ في اللَّوْحِ وتَقْدِيرُهُ مَوْجُودًا حَيْثُ ما ثَبَتَ فِيهِ.

وقالَ قُطْرُبٌ: هَيَّأْناهُ لَكم وأنْعَمْنا بِهِ عَلَيْكم مِن نَزَلَ الضَّيْفُ ﴿ فِيهِ بَأْسٌ ﴾ أيْ عَذابٌ ﴿ شَدِيدٌ ﴾ لِأنَّ آلاتِ الحَرْبِ تُتَّخَذُ مِنهُ، وهَذا إشارَةٌ إلى احْتِياجِ الكِتابِ والمِيزانِ إلى القائِمِ بِالسَّيْفِ لِيَحْصُلَ القِيامُ بِالقِسْطِ فَإنَّ الظُّلْمَ مِن شِيَمِ النُّفُوسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ أيْ في مَعايِشِهِمْ ومَصالِحِهِمْ إذْ ما مِن صَنْعَةٍ إلّا والحَدِيدُ أوْ ما يُعْمَلُ بِهِ آلَتُها لِلْإيماءِ إلى أنَّ القِيامَ بِالقِسْطِ كَما يَحْتاجُ إلى الوازِعِ وهو القائِمُ بِالسَّيْفِ يَحْتاجُ إلى ما بِهِ قِوامُ التَّعايُشِ، ومَن يَقُومُ بِذَلِكَ أيْضًا لِيَتِمَّ التَّمَدُّنُ المُحْتاجُ إلَيْهِ النَّوْعُ، ولِيَتِمَّ القِيامُ بِالقِسْطِ، كَيْفَ وهو شامِلٌ أيْضًا لِما يَخُصُّ المَرْءَ وحْدَهُ، والجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ أوِ الحالُ لِأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّعْلِيلِ أيْ لِيَنْفَعَهم ولِيَعْلَمَ اللَّهُ تَعالى عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِاسْتِعْمالِ آلاتِ الحَرْبِ مِنَ الحَدِيدِ في مُجاهَدَةِ أعْدائِهِ والحَذْفُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الثّانِيَ هو المَطْلُوبُ لِذاتِهِ وأنَّ الأوَّلَ مُقَدِّمَةٌ لَهُ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْ ولِيَعْلَمَ إلَخْ أنْزَلَهُ أوْ مُقَدَّمٌ والواوُ عاطِفَةٌ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها وقَدْ حُذِفَ المَعْطُوفُ وأُقِيمَ مُتَعَلِّقُهُ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْصُرُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ غائِبًا مِنهم أوْ غائِبِينَ مِنهُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْلِيفَهُمُ الجِهادَ وتَعْرِيضَهم لِلْقِتالِ لَيْسَ لِحاجَتِهِ سُبْحانَهُ في إعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ إلى نُصْرَتِهِمْ بَلْ إنَّما هو لِيَنْتَفِعُوا بِهِ ويَصِلُوا بِامْتِثالِ الأمْرِ فِيهِ إلى الثَّوابِ وإلّا فَهو جَلَّ وعَلا غَنِيٌّ بِقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ عَنْهم في كُلِّ ما يُرِيدُ.

هَذا وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ رُسُلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْ أرْسَلْناهم إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفَسَّرَ - البَيِّناتِ - كَما فَسَّرْنا بِناءً عَلى المَلائِكَةِ تُرْسَلُ بِالمُعْجِزاتِ كَإرْسالِها بِالحُجَجِ لِتُخْبِرَ بِأنَّها مُعْجِزاتٌ وإلّا فَكانَ الظّاهِرُ الِاقْتِصارَ عَلى الحُجَجِ وإنْزالُ الكِتابِ أيِ الوَحْيِ مَعَ أُولَئِكَ الرُّسُلِ ظاهِرٌ، وإنْزالُ المِيزانِ بِمَعْنى الآلَةِ عِنْدَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ: «رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلَ بِالمِيزانِ فَدَفَعَهُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا بِهِ» .

وفَسَّرَهُ كَثِيرٌ بِالعَدْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في إنْزالِ الحَدِيدِ نَزَلَ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ المِيقَعَةُ والسِّنْدانُ والكَلْبَتانِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ ومَعَهُ المُرُّ والمِسْحاةُ، وقِيلَ: نَزَلَ ومَعَهُ خَمْسَةُ أشْياءَ مِنَ الحَدِيدِ السِّنْدانُ والكَلْبَتانِ والإبْرَةُ والمِطْرَقَةُ والمِيقَعَةُ، وفُسِّرَتْ بِالمِسَنِّ، وتَجِيءُ بِمَعْنى المِطْرَقَةِ أوِ العَظِيمَةِ مِنها، وقِيلَ: ما تُحَدُّ بِهِ الرَّحى، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ بِالباسِنَةِ وهي آلاتُ الصُّنّاعِ، وقِيلَ: سِكَّةُ الحَرْثِ ولَيْسَ بِعَرَبِيٍّ مَحْضٍ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ - لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ - عِلَّةً لِإنْزالِ المِيزانِ فَقَطْ وجُوِّزَ ما ذَكَرْناهُ وهو الأوْلى فِيما أرى، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يعني: لا يحب الذين يبخلون.

يعني: يمسكون أموالهم، ولا يخرجون منها حق الله تعالى وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ويقال: الذين يَبْخَلُونَ.

يعني: يكتمون صفة محمد  ، وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل.

يعني: يكتمون صفة النبيّ  ونعته.

وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني: يعرض عن النفقة.

ويقال: يعرض عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ يعني: غنيٌّ عن نفقتهم، وعن إيمانهم، الْحَمِيدُ في فعاله.

قرأ حمزة، والكسائي، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بنصب الخاء، والباء.

وقرأ الباقون: بضم الباء، وإسكان الخاء، ومعناهما واحد.

قرأ نافع، وابن عامر: فَإِنَّ الله الغنى الحميد الذي لا غني مثله.

والباقون: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بإثبات هو.

ثم قال: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر، والنهي، والحلال، والحرام، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ يعني: أنزلنا عليهم الكتاب ليعلموا أمتهم وَالْمِيزانَ يعني: العدل.

ويقال: هو الميزان بعينه، أنزل على عهد نوح  لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ يعني: لكي يقوم الناس بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني: وجعلنا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يعني: فيه قوة شديدة في الحرب.

وعن عكرمة أنه قال: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني: أنزل الله تعالى الحديد لآدم  ، العلاة، والمطرقة، والكلبتين فيه بأس شديد.

ثم قال عز وجل: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ يعني: في الحديد مَنافِعُ لِلنَّاسِ مثل السكين، والفأس، والإبرة.

يعني: من معايشهم.

وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يعني: ولكن يعلم الله من ينصره على عدوه وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ بقتل أعداءه كقوله: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويقال: لكي يرى الله من استعمل هذا السلام في طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله  بالغيب.

يعني: يصدق بالقلب إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ في أمره عَزِيزٌ في ملكه.

ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ يعني: بعثناهما إلى قومهما، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا يعني: في نسليهما النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وكان فيهم الأنبياء مثل موسى، وهارون، وداود، ويونس، وسليمان، وصالح، ونوح، وإبراهيم عليهم السلام فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: كثير من ذريتهم تاركون للكتاب.

قوله عز وجل: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ يعني: وصلنا، وأَتْبَعْنَا على آثارهم بِرُسُلِنا واحداً بعد واحد وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: وأرسلنا على آثارهم بعيسى ابن مريم وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يعني: أعطيناه الإنجيل وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يعني: الذين آمنوا به، وصدقوه، واتبعوا دينه، رَأْفَةً وَرَحْمَةً يعني: المودة.

والمتوادين الذين يود بعضهم بعضاً.

ويقال: الرأفة على أهل دينهم، يرحم بعضهم بعضاً، وهم الذين كانوا على دين عيسى، لم يتهوَّدوا، ولم يتنصروا.

ثم استأنف الكلام فقال: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها يعني: ابتدعوا رهبانية مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني: لم تكتب عليهم الرهبانية إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وذلك أنه لما كثر المشركون، خرج المسلمون منهم، فهربوا، واعتزلوا في الغيران، واتبعوا الصوامع، فطال عليهم الأمد، ورجع بعضهم عن دين عيسى بن مريم، وابتدعوا النصرانية.

قال الله تعالى: ابْتَدَعُوها يعني: الرهبانية، والخروج إلى الصوامع، والتبتل للعبادة مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني: ما أوجبنا عليهم، ولم نأمرهم إلا ابتغاء رضوان الله.

يعني: أمرناهم بما يرضي الله تعالى لا غير ذلك.

ويقال: ابْتَدَعُوها لطلب رضى الله تعالى فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها يعني: لم يحافظوا على ما أوجبوا على أنفسهم.

ويقال: فما أطاعوا الله حين تهودوا، وتنصَّروا.

قال الله تعالى: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ في الآخرة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: عاصين.

وهم الذين تهودوا.

وفي هذه الآية دليل وتنبيه للمؤمنين أن من أوجب على نفسه شيئاً، لم يكن واجباً عليه أن يتبعه، ولا يتركه، فيستحق اسم الفسق.

وروي عن بعض الصحابة أنه قال: عليكم بإتمام هذه التراويح، لأنها لم تكن واجبة عليكم.

فقد أوجبتموها على أنفسكم فإنكم إن تركتموها صرتم فاسقين ثم قرأ هذه الآية وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عائشة قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خِطِيئَةٌ» «١» ، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرةَ قال:

لَمَّا نَزَلَتْ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» «٢» ، انتهى، وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فالله المسئول أَنْ ينفع به كُلَّ مَنْ حَصَّله أو نظر فيه.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ: يدلُّ على أَنَّ الفرحَ المنهيَّ عنه إنَّما هو ما أَدَّى إلى الاختيال والفخر، وأَمَّا الفَرَحُ بنعم اللَّه المقترن بالشكر والتواضع، فَإنَّه لا يستطيع أَحَدٌ دَفْعَهُ عن نفسه، ولا حرجَ فيه، واللَّه أعلم.

وقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ قال بعضهم: هو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هم الذين يبخلون، وقال بعضهم: هو في موضع نصب صِفَةً ل كُلَّ، وإنْ كان نكرةً فهو يُخَصَّصُ نوعاً ما فيسوغُ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهبُ الأخفش، والْكِتابَ هنا: اسم جنس لجميع الكتب المُنَزَّلَةِ، وَالْمِيزانَ: العدل/ في تأويل الأكثرين.

وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ عَبَّرَ سبحانه عن خلقه الحديدَ بالإنزال كما قال:

وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ [الزمر: ٦] الآية، قال جمهورٌ من المفسرين: الحديد هنا أراد به جِنْسَهُ من المعادن وغيرها، وقال حُذَّاقٌ من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأَنَّ اللَّه أخبر أَنَّهُ أرسل رُسُلاً، وأنزل كتباً، وعدلاً مشروعاً، وسلاحاً يُحَارَبُ به مَنْ عاند، ولم يقبل هدى اللَّه إذْ لم يبقَ له عذر، وفي الآية- على هذا التأويل- حَضٌّ على القتال في سبيل اللَّه وترغيبٌ فيه.

وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يقوِّي هذا التأويل.

وقوله: بِالْغَيْبِ معناه: بما سمع من الأَوصاف الغائبة عنه فآمن بها، وباقي الآية بين.

وقوله سبحانه: وقَفَّيْنا معناه: جئنا بهم بعد الأولِينَ، وهو مأخوذ من القفا، أي:

جيء بالثاني في قَفَا الأَوَّلِ، فيجيء الأول بين يدي الثاني، وقد تقدم بيانه.

وقوله سبحانه: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً: الجعل في هذه الآية بمعنى الخلق.

وقوله: ابْتَدَعُوها: صفة لرهبانية، وخَصَّها بِأَنَّها ابْتُدِعَتْ لأََنَّ الرأفة والرحمةَ في القلب، لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها، وَأَمَّا الرهبانيةُ فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضعٌ لِلتَّكَسُّبِ، ونحو هذا عن قتادة «١» ، والمراد بالرأفة والرحمة حُبُّ بعضهم في بعض وتوادُّهُم، والمراد بالرهبانية: رَفْضُ النساء، واتخاذ الصوامع والديارات، والتفردُ للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يَفْرِضِ اللَّه ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك ابتغاءَ رضوان اللَّه هذا تأويل جماعة، وقرأ ابن مسعود «٢» : / «مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنِ ابتدعوها» وقال مجاهد «٣» : المعنى: كتبناها عليهم ابتغاءَ رضوان اللَّه، فالاستثناء على هذا مُتَّصِلٌ، واخْتُلِفَ في الضمير الذي في قوله: فَما رَعَوْها مَنِ المراد به؟

فقال ابن زيد وغيره «٤» : هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانِيَّة، وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوّع ونفل، وأنّه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بِالآياتِ والحُجَجِ ﴿ وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ ﴾ بِبَيانِ الشَّرائِعِ، والأحْكامِ.

وفي "المِيزانِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلُ يَكُونُ المَعْنى: وأمَرْنا بِالعَدْلِ.

وعَلى الثّانِي: ووَضَعْنا المِيزانَ، أيْ: أمَرْنا بِهِ ﴿ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ: لِكَيْ يَقُومُوا بِالعَدْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ مَعَ آدَمَ السِّنْدانَ، والكَلْبَتَيْنِ، والمِطْرَقَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى "أنْزَلْنا" أنْشَأْنا وخَلَقْنا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وذَلِكَ أنَّهُ يُمْتَنَعُ بِهِ، ويُحارَبُ بِهِ ﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ في أدَواتِهِمْ، وما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن آنِيَةٍ وغَيْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَقُومَ النّاسُ ﴾ والمَعْنى: لِيَتَعامَلَ النّاسُ بِالعَدْلِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ "مَن يَنْصُرُهُ" بِالقِتالِ في سَبِيلِهِ، ونُصْرَةِ دِينِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ في الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ بِذَلِكَ.

وقَدْ سَبَقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ في مَواضِعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالغَيْبِ ﴾ أيْ: ولَمْ يَرَ اللَّهَ، ولا أحْكامَ الآخِرَةِ، وإنَّما يَجْهَدُ ويُثابُ مَن أطاعَ بِالغَيْبِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ الناسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا وإبْراهِيمَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُبُوَّةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ﴾ اخْتَلَفَ النُحاةُ في إعْرابِ "الَّذِينَ"، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ عنهم مَحْذُوفٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ والذَمُّ، وحَذْفُهُ عَلى جِهَةِ الإبْهامِ كَنَحْوِ حَذْفِ الجَوابِ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ  ﴾ الآيَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هم رُفِعَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ "أعْنِي" أو نَحْوِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو في مَوْضِعِ صِفَةٍ لِـ "كُلِّ" لِأنَّ "كُلَّ" وإنْ كانَ نَكِرَةً فَهو تَخْصِيصٌ لَنَوْعِ ما، يَسُوغُ لِذَلِكَ وصْفُهُ بِالمَعْرِفَةِ، وهَذا مَذْهَبُ الأخْفَشِ.

و"يَبْخَلُونَ" مَعْناهُ: بِأمْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الحَسَنِةِ مِن إيمانِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْمُرُونَ الناسَ بِالبُخْلِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَصِفَهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ بِألْسِنَتِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم يُقْتَدى بِهِمْ في البُخْلِ فَهم لِذَلِكَ كَأنَّهم يَأْمُرُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ: "بِالبُخْلِ" بِفَتْحِ الخاءِ والباءِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ وأهْلُ العِراقِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ ﴾ بِإثْباتِ "هُوَ"، وكَذَلِكَ فِي"إمامِهِمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فَإنَّ اللهَ الغَنِيَّ الحَمِيدَ" بِتَرْكِ "هُوَ"، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، وكَذَلِكَ في إمامِهِمْ وهَذا لَمْ يَثْبُتْ قِراءَةَ إلّا وقَدْ قُرِئَ عَلى النَبِيِّ  ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَهو في القِراءَةِ الَّتِي ثَبَتَ فِيها يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً؛ لِأنَّ حَذْفَ الِابْتِداءِ غَيْرُ سائِغٍ.

و"الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، و"المِيزانَ": العَدْلُ في تَأْوِيلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ المَوازِينَ المُصَرَّفَةَ بَيْنَ الناسِ، وهَذا خَيْرٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَقُومَ الناسُ بِالقِسْطِ ﴾ يُقَوِّي القَوْلَ الأوَّلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ"، عَبَّرَ تَعالى عن خَلْقِهِ واتِّخاذِهِ بِالإنْزالِ، كَما قالَ في الثَمانِيَةِ الأزْواجِ مِنَ الأنْعامِ وأيْضًا فَإنَّ الأمْرَ بِكَوْنِ الأشْياءِ لَمّا كانَ يَلْقى مِنَ السَماءِ، جَعَلَ الكُلَّ نُزُولًا مِنها، وقالَ جُمْهُورُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الحَدِيدَ هُنا أرادَ بِهِ جِنْسَهُ مِنَ المَعادِنِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ السِنْدانِ والكَلْبَتانِ والمِيقَعَةُ.

قالَ حُذّاقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ بِهِ السِلاحَ، ويَتَرَتَّبُ مَعْنى الآيَةِ: فَإنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ أرْسَلَ رُسُلًا، وأنْزَلَ كُتُبًا وعَدْلًا مَشْرُوعًا، وسِلاحًا، يُحارَبُ بِها مَن عانَدَ ولَمْ يَهْتَدِ بِهَدْيِ اللهِ، فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- حَضٌّ عَلى القِتالِ وتَرْغِيبٌ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ ﴾ يُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ اللهُ" أيْ: لِيَعْلَمَهُ مَوْجُودًا، فالتَغَيُّرُ لَيْسَ في عِلْمِ اللهِ، بَلْ في هَذا الحَدَثِ الَّذِي خَرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالغَيْبِ" مَعْناهُ: بِما سَمِعَ مِنَ الأوصافِ الغائِبَةِ فَآمَنَ بِها لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلَيْها، ثُمَّ وصَفَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ بِالقُوَّةِ والعِزَّةِ لِيُبَيِّنَ أنَّهُ لا حاجَةَ بِهِ إلى النُصْرَةِ لَكِنَّها نافِعَةٌ مِن عَظَّمَ بِها نَفْسَهُ مِنَ الناسِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى رِسالَةَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ تَشْرِيفًا لَهُما بِالذِكْرِ، ولِأنَّهُما مِن أوَّلِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعَمَهُ عَلى ذُرِّيَّتِهِما، وقَوْلُهُ تَعالى: "والكِتابَ" يَعْنِي الكُتُبَ الأرْبَعَةَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ مِنهم مَن فَسَقَ وعَنَدَ، فَكَذَلِكَ -بَلْ أحْرى- جَمِيعُ الناسِ ولِذَلِكَ يُشْرَعُ السِلاحُ لِلْقِتالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي ناشئ عما تقدم من التحريض على الإِنفاق في سبيل الله وعن ذكر الفتح وعن تذييل ذلك بقوله: ﴿ ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ﴾ [الحديد: 24]، وهو إعذار للمتولين من المنافقين ليتداركوا صلاحهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتدبر في هدي القرآن وإنذار لهم إن يرعووا وينصاعوا إلى الحجة الساطعة بأنه يكون تقويم عوجهم بالسيوف القاطعة وهو ما صرح لهم به في قوله في سورة [الأحزاب: 60، 61] ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً ﴾ وقوله في سورة [التحريم: 9] ﴿ يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ لئلا يحسبوا أن قوله: ﴿ ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ﴾ [الحديد: 24] مجرد متاركة فيطمئنوا لذلك.

وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق راجع إلى ما تضمنه الخبر من ذكر ما في إرسال رسل الله وكتبه من إقامة القسط للناس، ومن التعريض بحمل المعرضين على السيف إن استمروا على غلوائهم.

وجمع (الرسل) هنا لإِفادة أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، وأن مكابرة المنافقين عماية عن سنة الله في خلقه فتأكيد ذلك مبني على تنزيل السامعين منزلة من ينكر أن الله أرسل رسلاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم لأن حالهم في التعجب من دعواه الرسالة كحال من ينكر أن الله أرسل رسلاً من قبل.

وقد تكرر مثل هذا في مواضع من القرآن كقوله تعالى: ﴿ قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ﴾ [آل عمران: 183].

والبينات: الحجج الدالّة على أن ما يدعون إليه هو مراد الله، والمعجزات داخلة في البينات.

وتعريف ﴿ الكتاب ﴾ تعريف الجنس، أي وأنزلنا معهم كتباً، أي مثل القرآن.

وإنزال الكتاب: تبليغ بواسطة المَلك من السماء، وإنزال الميزان: تبليغ الأمر بالعدل بين الناس.

والميزان: مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما، قال تعالى: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ [النساء: 58].

وهذا الميزان تبيّنه كُتب الرسل، فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر كقوله تعالى: ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ﴾ [النساء: 105] وليس المراد أن الله ألهمهم وضع آلات الوزن لأن هذا ليس من المهم، وهو مما يشمله معنى العدل فلا حاجة إلى التنبيه عليه بخصوصه.

ويتعلق قوله: ﴿ ليقوم الناس بالقسط ﴾ بقوله: ﴿ وأنزلنا معهم ﴾ .

والقيام: مجاز في صلاح الأحوال واستقامتها لأنه سبب لتيسير العمل وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ في أوائل [البقرة: 3].

والقسط: العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور لاختصاصه بالعدل بين متنازعين، وأما القسط فهو إجراء أمور الناس على ما يقتضيه الحق فهو عدل عام بحيث يقدر صاحب الحق منازعاً لمن قد احتوى على حقه.

ولفظ القسط مأخوذ في العربية من لفظ قسطاس اسم العدل بلغة الرُّوم، فهو من المعرّب وروي ذلك عن مجاهد.

والباء للملابسة، أي يكون أمر الناس ملابساً للعدل ومماشياً للحق، وإنزال الحديد: مستعار لخلق معدنه كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ [الزمر: 6]، أي خلق لأجلكم وذلك بإلهام البشر استعماله في السلاح من سيوف ودروع ورماح ونبال وخُوذ وَدَرَق ومَجَانّ.

ويجوز أن يراد بالحديد خصوص السلاح المتخذ منه من سيوف وأسنة ونبال، فيكون إنزاله مستعاراً لمجرد إلهام صنعه، فعلى الوجه الأول يكون ضمير ﴿ فيه بأس شديد ﴾ عائداً إلى الحديد باعتبار إعداده للبأس فكأن البأس مظروف فيه.

والبأس: الضر.

والمراد بأس القتل والجرح بآلات الحديد من سيوف ورماح ونبال، وبأسُ جُرأة الناس على إيصال الضر بالغير بواسطة الواقيات المتخذة من الحديد.

والمنافع: منافع الغالب بالحديد من غنائم وأسرى وفتح بلاد.

ويتعلق قوله: ﴿ للناس ﴾ بكلَ من ﴿ بأس ﴾ و ﴿ منافع ﴾ على طريقة التنازع، أي فيه بأس لِنَاس ومنافع لآخرين فإن مصائب قوم عند قوم فوائد.

والمقصود من هذا لفت بصائر السامعين إلى الاعتبار بحكمة الله تعالى من خَلق الحديد وإلهاممِ صنعه، والتنبيه على أن ما فيه من نفع وبأس إنما أريد به أن يوضع بأسه حيث يستحق ويوضع نفعه حيث يليق به لا لتجعل منافعه لمن لا يستحقها مثل قطّاع الطريق والثوار على أهل العدل، ولتجهيز الجيوش لحماية الأوطان من أهل العدوان، وللادخار في البيوت لدفع الضاريات والعاديات على الحُرم والأموال.

وكان الحكيم (انتيثنوس) اليوناني تلميذ سقراط إذا رأى امرأة حالية متزينة في أثينا يذهب إلى بيت زوجها ويسأله أن يريه فرسه وسلاحه فإذا رآهما كاملين أذن لامرأته أن تتزين لأن زوجها قادر على حمايتها من داعرٍ يغتصبها، وإلا أمرها بترك الزينة وترك الحلي.

وهذا من باب سد الذريعة، لا ليجعل بأسه لإِخضاد شوكة العدل وإرغام الآمرين بالمعروف على السكوت، فإن ذلك تحريف لما أراد الله من وضع الأشياء النافعة والقارة، قال تعالى: ﴿ والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205]، وقال على لسان أحد رسله ﴿ إن أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت ﴾ [هود: 88].

وقد أومَا إلى هذا المعنى بالإِجمال قوله: ﴿ وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ﴾ ، أي ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره، فأطلق فعل ﴿ ليعلم ﴾ على معنى ظُهور أثر العلم كقول إياس بن قبيصة الطائي: وأقبلتُ والخطيُّ يخطر بيننا *** لأَعْلَمَ مَن جَبانُها من شُجاعها أي ليظهر للناس الجبان والشجاع، أي فيعلموا أني شجاعهم.

ونصرُ الناس الله هو نصرهم دينه، وأما الله فغني عن النصر، وعطف ﴿ ورسله ﴾ ، أي من ينصر القائمين بدينه، ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى الله عليه وسلم بعده ونصر ولاة أمور المسلمين القائمين بالحق.

وأعظم رجل نصر دين الله بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق في قتاله أهل الردة رضي الله عنه.

وقوله: ﴿ بالغيب ﴾ يتعلق ب ﴿ ينصره ﴾ ، أي ينصره نصراً يدفعه إليه داعي نفسه دون خشية داع يدعوه إليه، أو رقيب يرقب صنيعه والمعنى: أنه يجاهد في سبيل الله والدفاع عن الدين بمحض الإِخلاص.

وقد تقدم ذكر الحديد ومعدنه وصناعته في تفسير قوله تعالى: ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ في سورة [الكهف: 96].

وجملة إن الله قوي عزيز } تعليل لجملة ﴿ أرسلنا رسلنا بالبينات ﴾ إلى آخرها، أي لأن الله قوي عزيز في شؤونه القدسية، فكذلك يجب أن تكون رسله أقوياء أعزة، وأن تكون كتبه معظمة موقرة، وإنما يحصل ذلك في هذا العالم المنوطة أحداثه بالأسباب المجعولة بأن ينصره الرسل وأقوام مخلصون لله ويُعينوا على نشر دينه وشرائعه.

والقوي العزيز: من أسمائه تعالى.

فالقوي: المتصف بالقوة، قال تعالى: ﴿ ذو القوة المتين ﴾ [الذاريات: 58] وتقدم القوي في قوله: ﴿ إن الله قوي شديد العقاب ﴾ [الأنفال: 52].

والعزيز: المتصف بالعزة، وتقدمت في قوله: ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ في سورة يونس وقوله: ﴿ فاعلموا أن الله عزيز حكيم ﴾ [البقرة: 209].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مَعَ آدَمَ.

رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَلاثُ أشْياءٍ نَزَلَتْ مَعَ آدَمَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ، كانَ أشَدَّ بَياضًا مِنَ الثَّلْجِ، وعَصا مُوسى وكانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ، طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ مِثْلَ طُولِ مُوسى، والحَدِيدُ، أُنْزِلَ مَعَهُ ثَلاثَةُ أشْياءَ: السِّنْدانُ والكْلَبْتانِ والمِيقَعَةُ وهي المِطْرَقَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأرْضِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ مِنَ السَّماءِ، فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْزَلْنا ﴾ مَحْمُولًا عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أيْ أظْهَرْناهُ.

الثّانِي: لِأنَّ أصْلَهُ مِنَ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ فَيَنْعَقِدُ في الأرْضِ جَوْهَرُهُ حَتّى يَصِيرَ بِالسَّبْكِ حَدِيدًا.

﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ بِسِلاحِهِ وآلَتِهِ تَكُونُ الحَرْبُ الَّتِي هي بَأْسٌ شَدِيدٌ.

الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ مِن خَشْيَةِ القَتْلِ خَوْفًا شَدِيدًا.

﴿ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما تَدْفَعُهُ عَنْهم دُرُوعُ الحَدِيدِ مِنَ الأذى وتُوَصِّلُهم إلى الحَرْبِ والنَّصْرِ.

الثّانِي: ما يُكَفُّ عَنْهم مِنَ المَكْرُوهِ بِالخَوْفِ مِنهُ.

وَقالَ قُطْرُبٌ: البَأْسُ السِّلاحِ، والمَنفَعَةُ الآلَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ قال: العدل.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ﴾ قال: جنة وسلاح.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ وأنزلنا الحديد ﴾ الآية قال: إن أول ما أنزل الله من الحديد الكلبتين والذي يضرب عليه الحديد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الأيام فقال: السبت عدد، والأحد عدد، والاثنين يوم تعرض فيه الأعمال، والثلاثاء يوم الدم، والأربعاء يوم الحديد ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ﴾ والخميس يوم تعرض فيه الأعمال، والجمعة يوم بدأ الله الخلق وفيه تقوم الساعة.

قوله تعالى: ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه ﴾ الآية.

أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر من طرق «عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله: قلت: لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال: هل تدري أي عرا الإِيمان أوثق؟

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أوثق عرا الإِيمان الولاية في الله بالحب فيه والبغض فيه، قال: هل تدري أي الناس أفضل؟

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أفضل الناس عملاً إذا تفقهوا في الدين، يا عبد الله هل تدري أي الناس أعلم؟

قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً بالعمل، وإن كان يزحف على استه، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فِرْقةً نجا منها ثلاث وهلك سائرها فُرْقَةً، وزت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال، وترهبوا فيها وهم الذين قال الله: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ﴾ الذين آمنوا بي وصدقوني ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ الذين كفروا بي وجحدوني» .

وأخرج النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإِنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرأون التوراة والإِنجيل فقيل لملوكهم: ما نجد شيئاً أشد من شتم يشتمنا هؤلاء انهم يقرؤون ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [ المائدة: 44] ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ [ المائدة: 45] ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ [ المائدة: 47] مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإِنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟

دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئاً ترفع به طعامنا وشرابنا، ولا ترد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش ونشرب مما تشرب فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا وقالت طائفة: ابنوا لنا ديوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول، فلا نَرِد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك فأنزل الله: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ﴾ قال: والآخرون ممن تعبد من أهل الشرك وفني من قد فني منهم قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان ونتخذ ديوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإِيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق منهم إلا القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته، وجاء السائح من سياحته وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ أجرين بإيمانهم بعيسى ونصب أنفسهم والتوراة والإِنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ القرآن واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو يعلى عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ﴿ رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ﴾ » .

وأخرج البيهقي في الشعب عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن جبير عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه وابن نصر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن الله كتب عليكم صيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها وتلا هذه الآية ﴿ ورهبانية ابتدعوها ﴾ .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ورهبانية ابتدعوها ﴾ قال: ذكر لنا أنهم رفضوا النساء واتخذوا الصوامع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ قال مقاتل بن حيان: البينات: الإخلاص لله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلى ذلك دعت الرسل (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ ، والكتاب يتضمن الأحكام.

قوله تعالى: ﴿ وَالْمِيزَانَ ﴾ قال قتادة وابن حيان: الميزان: العدل (٥) ويكون المعنى على.

هذا وأمرنا بالعدل، وهذا كقوله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ  ﴾ وقد مر.

وقال مقاتل بن سليمان: يعني الموازين (٦) (٧) وعلى هذا المعنى أنزلنا معهم الكتاب ووضعنا الميزان فيكون من باب: علفتها تبنًا وماء باردًا (٨) وأكلت خبزًا ولبنًا.

وقد مر في مواضع، يدل على صحة هذا قوله: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ  ﴾ .

قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: ليتبعوا ما أمروا به من الطاعة والعدل فتعملوا بينهم بالعدل.

﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ قال الكلبي: أنزل الله على آدم القلاة والمطرقة والكلبتين (٩) وروي عن ابن عباس: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة (١٠) ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أن النبي -  - قال: "إن الله -عَزَّ وَجَلَّ- أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد، والنار، والماء، والملح" (١١) وذهب قوم إلى أن معنى أنزلنا الحديد أنشاناه وأحدثناه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ وهو معنى قول مقاتل يقول: بأمرنا كان الحديد (١٢) وقال قطرب: معنى أنزلنا هيأنا وخلقنا من التنزل - يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسنًا (١٣) قوله تعالى: ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ قال أبو إسحاق: يمتنع به ويحارب (١٤) (١٥) وقال مقاتل: بأس شديد للحرب (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ قال المقاتلان والكلبي: ما ينتفعون به في معايشهم مثل السكاكين والفأس والمبرد (١٨) وقال عطاء عن ابن عباس: لأن كل شيء خلقه الله من حجر أو شجر لا يصلح إلا بالحديد (١٩) وقال أبو إسحاق: يستعملونه في أدواتهم وما ينتفعون به (٢٠) قال صاحب النظم قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ كل هذا معترض بين قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ لا يتصل بإنزال الحديد وهو نسق على قوله: ﴿ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ (٢١) والمعنى: أنزلنا الكتاب والميزان لتعامل بالعدل وليعلم الله من ينصره وذلك أن الله تعالى أمر في كتابه بنصرة دينه ورسله وامتحن الناس بذلك الأمر، فمن (٢٢) ولأبي النصر عبد الجبار بن محمد العتبي الكاتب -رحمه الله- فصل في هذه الآية خلاف ما ذكره صاحب النظم؛ وهو أنه قال: كان يختلج في صدري معنى قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ لجمعه بين الكتاب، والميزان، والحديد، على تنافر طردها من المناسبة، وبعدها قبل الرؤية والاستنباط عن المشاكلة والمقاربة، وسألت عنه عدة من أعيان العلماء بالتفسير والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب يزيح العلة، ويشفي الصدر، وينقع الغلة، حتى أعملت التفكر، وأنعمت التوبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، ويريهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد خطر فيه التعادي والتظالم، والتباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما لِصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع النصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة العدل التي يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل، فألهمم الله -عَزَّ وَجَلَّ- اتخاذ الآلة التي هي الميزان فيما يأخذونه ويعطونه لئلا يتظالموا لمخالفته فيهلكوا به إذا لم يكن ينتظم لهم عيش مع شيوع ظلم البعض منهم للبعض، ويدل على هذا المعنى قوله جل ذكره: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ  ﴾ وذلك أنه تعالى جعل السماء سببًا للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات فكان ما يخرج منها من أغذية العباد مضطرًا إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن ذلك إلا بالآلة المذكورة، فنبه الله -عَزَّ وَجَلَّ- على موقع الفائدة فيه والفائدة به بتكرير ذكره هذا في الكتاب والميزان، ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية، إنما تحفظ العامي على ابتغاها ويضطر العالم إلى التزام أحكامها بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد ونزع من صفقه الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، وهذا السيف هو الحديد الذي وصفه الله بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة النقوب، متدانية الجيوب، حكمة المطالع، مقومة المبادئ والمقاطع.

انتهى كلامه.

وهذا الذي ذكره من أن المراد بالحديد السيف هو معنى ما ذكرنا من قول المفسرين في تفسير قوله: ﴿ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ قد مضى الكلام في بيان هذا العلم في مواضع، والمفسرون يقولون: وليرى الله من ينصره وينصر دينه، كقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ  ﴾ .

﴿ وَرُسُلَهُ ﴾ أي يقاتل مع رسله في سبيله ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ أي ولم ير الله ولا أحكام الآخرة وإنما يحمد إذا أطاع بالغيب، كما قال الله تعالى {يُؤَمنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3].

﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ ﴾ في أمره، ﴿ عَزِيزٌ ﴾ في ملكه.

قال مقاتل (٢٣) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 24.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 299.

(٣) يظهر من قول المؤلف "والمعدل الوجه" سقط في العبارة قبل قوله: قال مقاتل بن حيان.

ولعل العبارة كما في "تفسير مقاتل بن سليمان" هكذا (قال مقاتل بن سليمان: البينات: يعني الآيات).

(٤) في (ك): (كقوله).

(٥) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 275 ، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299.

(٦) انظر: "الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 299، والذي في "تفسير مقاتل" أن المراد بالميزان يعني العدل.

انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.

(٧) انظر: "جامع البيان" 27/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 26.

(٨) ورد في "البيت" في "الخصائص" 2/ 431، و"الخزانة" 3/ 139، و"إيضاح الشعر" للفارسي ص 573، و"الإنصاف" ص 613، ونسبه إلى ذي الرمة وليس في ديوانه.

وفي "أوضح المسالك" 2/ 245، رقم (258) قال محققه: ولم أقف له على نسبة إلى قائل معين، ثم ذكر ثلاثة تخريجات للبيت ومن قال بكل قول.

وتمام البيت: حتى شتت حمالة عيناها وانظر: "زاد المسير" 8/ 212، و"البحر المحيط" 1/ 247، و"شذرات الذهب" الشاهد رقم (115).

(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 136، والقلاة هي السَّندان وهي الصَّلاءَةُ، و"اللسان" 6/ 215 (سند).

والكلبتان: الآلة التي تكون مع الحدادين، "اللسان" 2/ 284 (كلب).

(١٠) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 241 - 242، والميقَعةُ: ما دُفعَ به السيف، وقيل: الميقعة المسن الطويل، و"اللسان" 3/ 968 (وقع).

(١١) أخرجه الثعلبي في "تفسيره" 12/ 70 ب، وقال ابن حجر: وفي إسناده من لا أعرفه.

"تخريج أحاديث الكشاف" 4/ 164، وفي "ضعيف الجامع" 3/ 77: موضوع، وفي "الطب النبوي" لابن القيم ص 396، قال: ذكره البغوي مرفوعًا والموقف أشبه.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.

(١٣) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 70 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 253، و"معالم التنزيل" 4/ 300، و"التفسير الكبير" 29/ 242.

(١٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 129.

(١٥) انظر؛ "تنوير المقباس" 5/ 364، و"معالم التنزيل" 4/ 300، وعبارتهما (قوة شديدة).

(١٦) انظر: "تفسير مقاتل" 142 أ.

(١٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 658، و"جامع البيان" 27/ 137.

(١٨) في (ك): (المدّ)، وانظر: "تنوير المقباس" 5/ 364.

(١٩) لم أجده.

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" 5/ 126.

(٢١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 261، و"الدر المصون" 1/ 253.

(٢٢) (فمن) زيادة يقتضيها السياق.

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 142 ب، و "معالم التنزيل" 4/ 30.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان ﴾ الكتاب هنا جنس الكتب الميزان العدل وقيل: الميزان الذي يوزن به، ورُوي أن جبريل نزل بالميزان ودفعه إلى نوح وقال له: مر قومك يزنوا به ﴿ وَأَنزَلْنَا الحديد ﴾ خبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال وقيل: بل أنزله حقيقة، لأن أدم نزل من الجنة ومعه المطرقة والإبرة ﴿ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ﴾ يعني أنه يعمل من سلاح للقتال ولذلك قال: وليعلم الله من ينصره ورسله والمنافع للناس: سكك الحرث والمسامير وغير ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أخذ ﴾ مجهولاً ﴿ ميثاقكم ﴾ بالرفع: أبو عمرو ﴿ وكل ﴾ بالرفع: ابن عامر ﴿ انظرونا ﴾ من الأنظار: حمزة ﴿ الأماني ﴾ بسكون الياء: يزيد ﴿ لا تؤخذ ﴾ بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب ﴿ وما نزل ﴾ بالتشديد مجهولاً: عباس ﴿ نزل ﴾ بالتخفيف من النزول: نافع وحفص.

الباقون: بالتشديد ﴿ ولا تكونوا ﴾ على الخطاب: رويس ﴿ المصدقين والمصدقات ﴾ بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد ﴿ بما أتاكم ﴾ مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

الوقوف: ﴿ الأرض ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال أن يكون قوله ﴿ يحيى ﴾ مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله ﴿ له ﴾ والجار عاملاً فيها.

﴿ ويميت ﴾ ج ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والباطن ﴾ ج ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ كنتم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ في الليل ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ كبير ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ وقاتل ﴾ ط ﴿ وقاتلوا ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله ﴿ وله أجر ﴾ أو بقوله ﴿ بشراكم ﴾ أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ج وإن وصل وقف على ﴿ نوركم ﴾ لأن ﴿ يوم ﴾ قد يتعلق بالنور فيوقف على ﴿ نوركم ﴾ وقد يتعلق بقوله ﴿ قيل ارجعوا ﴾ ﴿ نوراً ﴾ ط ﴿ باب ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ مولاكم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط إلا لمن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ على النهي ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ الصديقون ﴾ ه والوصل أولى ومن وقف على ﴿ الصديقين ﴾ لم يقف على ﴿ ربهم ﴾ ﴿ ونورهم ﴾ ط ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ والأولاد ﴾ ط ﴿ حطاماً ﴾ ط ﴿ ورضوان ﴾ ط ﴿ الغرور ﴾ ه ﴿ ورسله ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ نبرأها ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا ﴿ أتاكم ﴾ ط ﴿ فخور ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالبخل ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل ﴿ بالغيب ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ مهتد ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر ﴿ رعايتها ﴾ ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله ﴿ فآتينا ﴾ ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله ﴿ فمنهم مهتد ﴾ ﴿ أجرهم ﴾ ه ط لما مر ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ ويغفر لكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو ﴿ سبحان ﴾ وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي.

وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله  مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد.

وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه.

قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان.

وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل.

قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال.

وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه  قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً.

والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب  على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو.

قلت: إنه  متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة.

أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً.

قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع.

وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ } [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " " لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله" ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له.

وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب  ، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة.

قال: أما البحث عن كونه  آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه  يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه  إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً.

فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة.

إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه  وذلك محال.

وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه.

وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير.

قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه.

قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية.

وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً.

قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين.

واختلفوا في معنى كونه  آخراً على وجوه أحدها: أنه  يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ.

قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً.

وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً.

أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً.

وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة.

قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة.

ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب.

قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس.

وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو  أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه  ، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله  لحلها وبيانها فالشكر على آلائه.

أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده.

والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً.

وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي.

قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به.

وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله ﴿ يعلم ما يلج ﴾ فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة.

وقوله ﴿ وهو معكم ﴾ معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله ﴿ له ملك السموات والأرض ﴾ وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله ﴿ يحي ويميت ﴾ والثاني في العقبى لقوله ﴿ وإلى الله ترجع الأمور ﴾ قوله ﴿ مستخلفين فيه ﴾ أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله  لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين.

قوله ﴿ لا تؤمنون ﴾ حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع.

والواو في قوله ﴿ والرسول ﴾ للحال من ضمير ﴿ لا تؤمنون ﴾ فهما حالان متداخلتان.

وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم  ﴾ ، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه.

استدل القاضي بقوله ﴿ وما لكم ﴾ على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض.

والبحث في أمثاله مذكور في مواضع.

والضمير في قوله ﴿ ليخرجكم ﴾ لله  أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ﴿ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح ﴾ أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله ﴿ أولئك ﴾ الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله  " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" " ﴿ أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ﴾ وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين ﴿ وكلاً وعد الله الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات.

ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله.

وقد مر في أواخر "البقرة".

قال أهل السنة: إنه  كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة.

وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة.

وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه.

ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال ﴿ يوم ترى ﴾ يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه.

عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك.

هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله  .

وإنما قال ﴿ بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.

ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة ﴿ بشراكم اليوم جنات ﴾ قوله ﴿ يوم يقول ﴾ بدل من قوله ﴿ يوم ترى ﴾ ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً.

قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه  يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين ﴿ انظرونا ﴾ لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار.

قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: ظاهرات الجمال والحسن ينظرن *** كما ينظر الأراك الظباء والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل.

ومن قرأ ﴿ انظرونا ﴾ أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم.

قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله.

ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء.

ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا ﴿ نقتبس من نوركم ﴾ والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار ﴿ قيل ارجعوا وراءكم ﴾ أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا ﴿ فالتمسوا نوراً ﴾ بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله ﴿ يخادعون الله وهو خادعهم  ﴾ وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف ﴿ باطنه ﴾ أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة ﴿ فيه الرحمة وظاهره ﴾ وهو ما ظهر لأهل النار ﴿ من قبله ﴾ أي من جهته ﴿ العذاب ﴾ قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين ﴿ ارجعوا ﴾ منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله ﴿ بسور ﴾ صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله ﴿ ألم نكن معكم ﴾ مرافقتهم في الظاهر.

ومعنى ﴿ فتنتم ﴾ محنتم ﴿ أنفسكم ﴾ بالنفاق وأهلكتموها ﴿ وتربصتم ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿ وارتبتم ﴾ وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد  أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ بكثرة الآمال وطول الآجال ﴿ حتى جاء أمر الله ﴾ بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار ﴿ وغرّكم بالله ﴾ الشيطان ﴿ الغرور ﴾ فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ فدية ﴾ قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به ﴿ ولا من الذين كفروا ﴾ في الظاهر.

فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم ﴿ مأواكم النار هي مولاكم ﴾ وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم.

قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم".

قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي  بقوله  " من كنت مولاه فعلى مولاه" " فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً.

قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال.

قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى.

وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله  ﴿ يغاثوا بماء كالمهل  ﴾ ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء.

قوله  ﴿ ألم يأن للذين آمنوا ﴾ من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته.

قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع.

وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين.

روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية.

وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.

وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين.

وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة.

وقوله ﴿ لذكر الله ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن ﴿ وما نزل من الحق ﴾ وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء.

ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة.

ومن قرأ ﴿ ولا تكونوا ﴾ بالتاء الفوقانية فهي الناهية.

ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع.

وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي  ، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول ﴿ وكثير منهم فاسقون ﴾ خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر.

قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق.

قوله ﴿ اعلموا أن الله يحيي الأرض ﴾ فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات.

ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله ﴿ إن المصدقين ﴾ وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله ﴿ وأقرضوا الله ﴾ لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا.

والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك.

وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب.

ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه.

وقال ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله.

ثم حث على الجهاد بقوله ﴿ والشهداء ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ عند ربهم ﴾ وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني ﴿ لهم أجرهم ونورهم ﴾ ويجوز أن يكون قوله ﴿ عند ربهم ﴾ حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر.

وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ومن جعل ﴿ الشهداء ﴾ عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله.

قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد.

وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك.

وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده.

وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه.

وعن الأصم.

إن المؤمن قائم لله  بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة.

ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه.

ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون".

ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس.

ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله ﴿ وفي الآخرة عذاب شديد ﴾ للكافرين ﴿ ومغفرة من الله ورضوان ﴾ للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة.

فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة.

ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك ﴿ أعدت للمتقين الذين ينفقون  ﴾ إلأى آخره.

وههنا قال ﴿ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ﴾ ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال ﴿ وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ﴾ فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به.

وفي لفظ ﴿ سابقوا ﴾ ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ ﴿ سارعوا ﴾ هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة ﴾ أي لا يوجد مصيبة ﴿ في الأرض ﴾ من القحط والوباء والبلاء ﴿ ولا في أنفسكم ﴾ من المرض والفتن ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال " جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " ولم يقل إلى الأبد.

وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال ﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله  ﴾ والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله ﴿ اعلموا إنما الحياة الدنيا ﴾ إلى آخره قوله ﴿ من قبل أن نبرأها ﴾ من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات ﴿ إن ذلك ﴾ الإثبات أو الحفظ ﴿ على الله يسير ﴾ وإن كان عسيراً على غيره.

ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً ﴿ لكيلا تأسوا ﴾ أي لكيلا تحزنوا ﴿ على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه.

روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر.

والباقي ظاهر وقد مر في النساء.

والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي ﴿ ومن يتول ﴾ عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه ﴿ فإن الله هو الغني ﴾ عن طاعة المطيعين ﴿ الحميد ﴾ في ذاته وإن لم يحمده الحامدون.

وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد  وبخلوا ببيان نعته.

ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم.

يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به.

وروي عن النبي  أن الله  أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض.

أنزل الحديد والنار والماء والملح.

وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً".

وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه.

أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً.

وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق.

وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف.

وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر.

واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة.

وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة.

وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد.

وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة.

أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف.

وسابعها الكتاب للعلماء.

والميزان للعوام والسيف للملوك.

قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها.

أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة.

أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها.

ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل.

قال بعضهم: سبحان من خص الفلز بعزه *** والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي *** نفس فمحتاج إلى أنفاسه نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس.

قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله ﴿ وليعلم الله ﴾ ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها.

ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى ﴿ بالغيب ﴾ غائباً عنهم.

قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله ﴿ إن الله قوي عزيز ﴾ رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء.

وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي.

عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في ﴿ فمنهم ﴾ للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال.

والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله  في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد  ﴿ رحماء بينهم  ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على ﴿ جعلنا ﴾ لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء.

قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل.

مجعولاً لله  ؟

قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي  قال "يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى  وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله ﴿ وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ﴾ " الآية قال العلماء: لم يرد الله  بقوله ﴿ ابتدعوها ﴾ طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها.

والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي.

وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب.

وقوله ﴿ إلا ابتغاء رضوان الله ﴾ استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله.

وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج.

وفي قوله ﴿ فما رعوها حق رعايتها ﴾ أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً  فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية.

وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد  بعد أن استقاموا على الطريقة.

ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون.

ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أي بعيسى ﴿ اتقوا الله وآمنوا برسوله ﴾ محمد  ﴿ يؤتكم كفلين ﴾ نصيبين ﴿ من رحمته ﴾ لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد  ﴿ ويجعل لكم نوراً تمشون به ﴾ وهو النور المذكور في قوله ﴿ يسعى نورهم ﴾ أو النور المذكور في قوله ﴿ أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس  ﴾ ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد  والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله  يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين  ﴾ وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة.

ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية.

قوله ﴿ لئلا يعلم ﴾ الآية.

أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم ﴿ أهل الكتاب ﴾ الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين.

والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد  فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين ﴿ وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ وقيل: غير زائدة والضمير في ﴿ لا يقدرون ﴾ للرسول وأصحابه.

والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي  والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً  ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أرسلنا بما يبين ويوضح أنهم رسل الله، وأن تلك الآيات التي أتوا بها من عند الله لا باختراع من عندهم؛ لما هي خارجة عن وسع البشر.

والثاني: ما يبين صدق الرسل في خبرهم، وعدلهم في حكمهم، أو يبين ما لهم وما عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ، وقال في ية أخرى: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ  ﴾ ، ثم يحتمل ﴿ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ : الموازين المعروفة التي بها تستوفى الحقوق فيما بين الناس، وبها يوفَّى وبها تحفظ حقوق الأموال التي بينهم وحدودها.

فإن كان المراد هذا فكانه قال: وأنزلنا معهم الكتاب الذي به يحفظ الدين وحدوده، والميزان الذي به يحفظ حدود الأموال، لا يزاد على الحق، ولا ينقص منه، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد بالميزان: الحكمة؛ إذ ذكره على إثر الكتاب؛ كقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ ؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ﴿ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ ؛ فيكون الكتاب ما يحفظ حدود الأفعال والأقوال، وتكون الحكمة ما يقوم الناس بها بالقسط.

أو أن تكون الحكمة ما أودع في الكتاب من المعاني.

وقال الحسن في قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ  ﴾ : إنهما واحد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أنزل ما ذكر من الكتاب والميزان؛ ليلزم الناس القيام بالعدل، وقد ألزمهم ذلك بما أنزل عليهم من الكتاب والميزان وبين الحدود.

والثاني: أنزل ما ذكر؛ ليقوم الناس بالقسط؛ على وجود القيام بالعدل.

فإن كان المراد منه الوجود فهو راجع إلى خاص من الناس، وإن كان على الإلزام فهو راجع إلى الكل وهو كقوله  : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ، فإن كان على وجود العبادة فهو يرجع إلى خاص من الناس، وإن كان المراد بقوله: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ، أي: لأمرهم وإلزامهم فهو للك؛ فإنه قد خلقهم ليأمرهم ويلزمهم، وقد أمرهم وألزمهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ ، خص الله  ذكر الحديد بما جعل فيه من البأس من بين غيره من الأشياء، وإن كان يشاركه غيره في احتمال الأذى والضرر به مما يطعن به فينفذ ويضرب به، ويستعمل في الحروب والقتال؛ [لأمرين:] أحدهما: أنه هو الكامل في الظفر والنفاذ والجرح، وإن كان قد يتحقق من غيره؛ ولذلك اعتاده الناس آلة القتال والحرب؛ فيكون البأس فيه أشد.

والثاني: لما يتحصن به باتخاذ الدرع؛ لقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ  ﴾ ؛ لهذا اختص الحديد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ جعل الله  في الحديد منافع ليست تلك في غيره، وهو ما يتخذ منه ما يحرز به ويخاط من الخفاف وغيره، مما لا يحتمل هذا النوع لغيره، وكذلك حوائج الخلق لا تقوم في سائر أنواع الحرف والأعمال من التجارة والزارعة والبناء وغيرها [إلا به].

وفيه خصوصية في حق المحن، وهو ما يظهر عند فرض القتال صدق إيمان المحقق ونفاق المرتاب؛ بقوله: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً  ﴾ ، ونحو ذلك، فظهر الصادق من الكاذب في الحروب، وإنما ذلك بالحديد؛ فصار مخصوصا في حق المحنة وغيرها من المنافع، حتى لا يلتثم أمر من أمور المعاش إلا به؛ فلذلك خص، والله أعلم.

وقال أهل التأويل: أنزل من السماء المطرقة والفلاة والكلبتين.

وعندنا ليس على حقيقة الإنزال من السماء كذلك.

ومعنى قوله  : ﴿ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ ﴾ ، أي: خلقنا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ ، أي: خلقها، وقوله  : ﴿ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ومعلوم أنه لم ينزل اللباس على ما هو عليه؛ ولكن معناه: خلقه لباسا لهم؛ كذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ يحتمل ﴿ مَن يَنصُرُهُ ﴾ أي: دينه أو أراد بإضافة النصر إلى نفسه نصر رسوله محمد وسائر رسله عليهم الصلاة والسلام.

ثم نصر الرسل مرة يكمون بتبليغ ما أمروا إلى قومهم، ينصرونهم، ويعينونهم على ذلك، ونصر دينه إظهاره في الخلق والذب عن أهله المعونة لهم؛ هذا يحتمل، وعلى هذا يخرج قوله  : ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد من إضافة النصر إليه نصر أنفسهم ودينهم، إذ هم المنتفعون بذلك، ولهم يحصل ذلك النفع وتلك المعونة، لكنه بفضله وكرمه، سمى ذلك: نصره، وأضافه إلى نفسه، على ماجعل لأعمالهم التي يعملونها لأنفسهم ثوابا، وذكر لهم على ذلك أجرا، كأنهم عاملون له، وهم المنتفعون بها، المحتاجون إليها، فعلى ذلك جائز أن يكون ما عملوا لأنفسهم سماه: نصرا له وإن كان ذلك النصر لهم، وأنه ناصر الكل؛ حيث قال: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ ، أخبر إنه إذا نصرهم لا غالب لهم سواه، وإذا خذلهم لا ناصر لهم دونه، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ليعلم من قد علم أنه ينصر: ناصراً وليعلم من قد علم بالغيب أنه يكون كائنا شاهدا، والتغيير على المعلوم لا على العلم.

والثاني: يريد بالعلم المعلوم، وذلك جائز في اللغة، ذكر العلم والفعل على إرادة المعلوم والمفعول؛ نحو مايقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله؛ لأن الصلاة لا تكون أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز ﴾ ذكر هذا؛ ليعلم أنه لم يأمر فيما أمرهم من القتال والنصر لحاجة نفسه، ولا استعملهم فيما استعمل من النصر والمعونة لنفسه، ولا أن يكتسب بذلك العز لنفسه؛ حيث أخبر أنه قوي بنفسه عزيز بذاته، ولكن أمرهم بما أمر، واستعملهم فيما استعمل؛ لنصر أنفسهم ولقوتهم، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ ﴾ ، وإنما ذكر نوحا وإبراهيم - والله أعلم - لما أخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب؛ وإلا قد ذكر الرسل بجملتهم في قوله  : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ؛ فدخل نوح وإبراهيم - عليهما السلام - في قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، ثم ذكر أن منهم من اهتدى - أي: من قومهم - وكثير منهم فاسقون بقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَفَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، يخبر رسوله عليه الصلاة والسلام أنه قد كان في قومهم من اتبعهم؛ فصاروا مهتدين، ومنهم من ترك اتباعهم، وخرجوا من أمر الله؛ فصاروا فاسقين، يصبره، ويسكن قلبه على ما كان في قوم من تقدم من الرسل من المجيبين لرسله والتاركين للإجابة كقومك، أي: لست أنك بأول من كذب ورد قوله؛ تعنتا وعنادا، والله الهادي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا ﴾ أخبر أنه جعل في ذريتهما النبة والكتاب، وبعث منهم رسلا.

ذكر في الآية الأولى أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولم يذكر الرسالة، وذكر في هذه الآية الرسالة فيهم وفي ذريتهم، أي: أسلنا رسولا على أثر رسول، وأتبعنا بعضهم بضعا: من قفا يقفو.

ثم ذكر أنه قفى بعيسى بن مريم؛ لأن عيسى -  - من أولاد إسحاق -  - وبعث محمدا  من بعد، وهو من ولد إسماعيل،  .

وقال بعض أهل التأويل: وقفينا أي أتبعنا، ويقال: قفيت فلانا، أي: عينته وسميته، وقفوته أقفوه قفوا وقفيا، واقتفيت به، أي: لزمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ ، وصف الله  الذين اتبعوا الرسل وآمنوا بهم بالرحمة والرأفة فيما بينهم، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ ، وققال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك؛ وذلك لأن السبب الذي جمعهم واحد، وهو التوحيد والإسلام.

قي: كيف وقع بينهم من العداوة والبغضاء ما وقع وسبب الجمع قائم، حتى استحل بعضهم قتال بعض من نحو الخوارج والمعتزلة؟

قيل: إنما وقع ذلك فيما بينهم وإن كان سبب الجمع قائما؛ لما كانت تلك الألفة والرأفة بلطف من الله  ، وقد زال ذلك اللطف وارتفع، وحديث بينهم ما حدث.

أو نقول: إن الخوارج قد أحدثوا من أنفسهم أشياء حتى سموا المسلمين كفرة بما ارتكبوا الكبائر، حتى نصبوا القتال والحرب معهم، وكذلك المعتزلة سموا أصحاب الكبائر: فسقة وفجرة ومنزلتهم بين الكفر والإيمان ومن سمّى آخر: كافرا أو فساقا، فلا شك أن يحدث بينهما عداوة وتباغض، فما حدث بيننا وبينهم من العداوة بتسيمتهم إيانا فسقة وفجرة وكفرة بارتكاب الكبائر، وإن كان السبب الذي جمعهم قائما عندنا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية، ذكر في القصة أن في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - كان من بني إسرائيل ملوك غيروا التوراة والإنجيل، وبقي منهم أناس مؤمنون بعيسى -  - ويعملون بما في الكتب، فهم هؤلاء الملوك أن يقتلوهم لإبائهم اتباعهم والعود إلى مذهبهم، فخرجوا من بينهم، فترهبوا؛ رجاء أن يتخلصوا منهم، فذلك ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: فرضنا عليهم تلك الرهبانية، ولم نأمرهم بها، ولكن فرض عليهم وكتب في الجملة أن يطلبوا رضوان اله فابتدعوا تلك الرهبانية؛ رجاء أن يكون فيه رضوان الله، والله أعلم.

قال: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ ، أخبر أنهم ابتدعوا شيئا لم يكتب عليهم، ثم ذكر أنهم لم يرعوه حق رعايته، ذمهم، لتركهم الرعاية لما بتدعوه، ففيه دلالة أن من افتتح أمراً لم يفرض عليه من صلاة أو صوم أو نحو ذلك، ثم لميقم بوفائه وإتمامه، لحقه ذم كما لحق هؤلاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ أخبر أن الذين آمنوا وثبتوا على الإيمان أنه يؤتيهم أجرهم، أي يوجب لهم أجرهم، ﴿ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ، أي: كافرون.

كذلك ذكر في حرف ابن مسعود  : (وكثير منهم كافرون).

وذكر أن بعضا بعدما ترهبوا اشتد عليهم الترهيب؛ فعادوا، ورجعوا، ودخلوا في دين أولئك الملوك، والله أعلم.

قال القتبي: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ﴾ : أي: العبادة، يعني: الخوف.

و ﴿ ٱبتَدَعُوهَا ﴾ الابتداع أن تفعل شيئا لم يفعل قبلك، يقال منه: أبدعت، وابتدعت، وبدعت أيضا.

وقيل: الرهبانية اسم مبني من الرهبة، لما فرط فيه وقد نهى الله عنه بقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ  ﴾ ويقال: دين الله بين المقصر والغالي.

وقوله: ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: ما أمرناهم بها، ولله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحة والبراهين الجلية، وأنزلنا معهم الكتب، وأنزلنا معهم الميزان؛ ليقوم الناس بالعدل، وأنزلنا الحديد فيه بأس قوي، فمنه يُصْنَع السلاح، وفيه منافع للناس في صناعاتهم وحرفهم، وليعلم الله علمًا يظهر للعباد من ينصره من عباده بالغيب، إن الله قوي عزيز لا يغلبه شيء، ولا يعجز عن شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.WaOdY"

مزيد من التفاسير لسورة الحديد

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله