تفسير سورة القلم الآية ٤٨ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 68 القلم > الآية ٤٨

فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌۭ ٤٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ قال مقاتل: اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت (١) ﴿ وَلَا تَكُنْ ﴾ في الضجر والعجلة ﴿ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ﴾ يعني يونس بن متى.

قال الكلبي ومقاتل: يقول: لا تضجر كما ضجر، ولا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب (٢) ﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ ، والعامل في (إذ) معنى قوله: ﴿ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ﴾ (٣) ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  ﴾ .

وقوله ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ أي مملوء غمًّا وكربًا (٤) ﴿ كَظِيمٌ ﴾ ، وقد مر (٥) قوله تعالى: ﴿ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: رحمة من ربه (٦) (٧) ﴿ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ ﴾ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض.

وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ ﴾ (٨) ﴿ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ قال ابن عباس والحسن (٩) (١٠) وقال الكلبي: (مذموم) ملوم مبعد من كل خير (١١) وقال مقاتل: يذم ويلام (١٢) قال أبو إسحاق: المعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم؛ لأن النعمة قد شملته (١٣) ﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ قال ابن عباس: فاستخلصه واصطفاه الله (١٤) ﴿ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ قال ابن عباس: رد إليه الوحي وشفعه في قومه وفي نفسه (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال الأخفش: (إن) مخففة من الثقيلة كما تقول: إن كان عبدُ الله لظريفًا.

فمعناه (١٦) (١٧) وقوله: ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾ من أزلقه عن موضعه إذا رماه ونحاه، وهذه (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١)  - بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا ويقولون (٢٢) (٢٣) (٢٤) قالوا: ذكر الله شدة نظرهم إليه للإصابة بالعين.

وأما أهل التحقيق من المفسرين وأصحاب العربية فإنهم ذهبوا إلى غير هذا.

قال الفراء: إن كادوا ليزلقونك.

أي ليرمونك ويزيلونك (٢٥) (٢٦) وقال المبرد: أي يحدون النظر إليك حتى يكاد يزلقك نظرهم.

وهذا كلام معروف عند العرب.

وقال أبو إسحاق: مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك.

وهذا مستعمل في الكلام.

يقول القائل: نظر إلى فلان نظرًا يكاد يصرعني (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال ابن قتيبة: ليس يريد الله عز وجل في هذا الموضع أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يزلقك أي يسقطك كما قال الشاعر (٣٠) يتقارضون إذا التقوا في موطن ...

نظرًا يزيل مواطئ الأقدام وقال أبو علي: معنى ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾ أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء كما قال: ينظر الأعداء المنابذون، وأنشد البيت الذي أنشده ابن قتيبة (٣١) ﴿ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ﴾ ، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين إنما تكون مع الإجاب والاستحسان، ولا تكن مع الكراهية والبغض، ويدل على ما ذكرناه قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴾ أي: ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن (٣٢) ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ يعني القرآن ﴿ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين (٣٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"التفسير الكبير" 30/ 98.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 310، و"جامع البيان" 29/ 29.

(٣) انظر: "البحر المحيط" 8/ 317.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 211.

(٥) عند تفسيره الآية (84) من سورة يوسف.

قال: الكظيم: الساكت على غيظه، يقال: ما يكظم فلان على حرة إذا كان لا يحتمل شيئًا وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا حزنًا ممسكًا عليه.

وانظر: "اللسان" 3/ 265، و"المفردات" (432) (كظم).

(٦) (ك): (ربك).

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"تفسير مقاتل" 164/ ب، و"جامع البيان" 29/ 29، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ أ.

(٨) عند تفسيره الآية (145) سورة الصافات.

قال: العراء: المكان الخالي.

قال أبو عبيدة: وإنما قيل له: عراء، لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

وقال الليث: العراء: الأرض الفضاء التي لا تستر بشيء.

(٩) (س): (والحسن) زيادة.

(١٠) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، وذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 408 عن ابن عباس ومجاهد والسدي قوله: (وهو مغموم).

(١١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 164/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 384.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 211.

(١٤) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.

(١٥) انظر: "زاد المسير" 8/ 343، و"التفسير الكبير" 30/ 99.

(١٦) (ك): (معناه).

(١٧) انظر: "معاني القرآن" 2/ 712.

(١٨) (ك): (بهذه).

(١٩) قرأ الجمهور ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ ﴾ بضم الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ ﴾ بفتح الياء.

وهما لغتان، يقال: أزلق يزلق، وزلق يزلق، والمعنى واحد.

انظر: "حجة القراءات" (718)، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" (422).

(٢٠) الشتر: انقلاب في جفن العين قلما يكون خلقة.

والشتر مخففة: فعلك بها.

"اللسان" 2/ 268 (شتر).

(٢١) لغتان: تقول: حزنني يحزنني حزنًا فأنا محزون.

ويقولون: أحزنني فأنا محزن وهو محزن.

"اللسان" 1/ 627 (حزن).

(٢٢) (ك): (قال ويقولون).

(٢٣) (ك): (يصيبونه).

(٢٤) وهو قول قتادة، والنضر بن شميل، والأخفش، والسدي، وغيرهم.

انظر: "جامع البيان" 29/ 30، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 409، ورجحه.

(٢٥) (ك): (ويزلقونك).

(٢٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 179.

(٢٧) (س): من قوله (لشدة نظره إلى وهو بين) إلى هنا زيادة.

(٢٨) (ك): (معه)، (س): (معي).

(٢٩) انظر: "معاني القرآن" 5/ 212.

(٣٠) البيت ورد غير منسوب في "تفسير غريب القرآن" (482)، و"مشكل القرآن" (170 - 171)، و"البيان والتبيين" 1/ 11، و"الكشاف" 4/ 478، و"زاد المسير" 8/ 344، و"اللسان" 3/ 60 (قرض)، و"البحر المحيط" 8/ 317 ومعنى (يتقارضون) أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظر عداوة وبغضاء.

(٣١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 312 - 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 256.

(٣٢) نسبه الرازي إلى الجبائي ثم قال: واعلم أن هذا السؤال ضعيف؛ لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته وايراده للدلائل.

انظر: "التفسير الكبير" 30/ 100، ونسبه القرطبي في "جامعه" 18/ 255 للقشيري.

قلت: بل حال المشركين في مكة مع القرآن والنبي -  - يدل على غاية الاستحسان ونهاية التعجب ولم ينسبوه -  - إلى السحر والكهانة وغير ذلك إلا لشدة تأثيره على السامع، وقد بذلوا كل ما في وسعهم لصد القادمين إلى مكة من ملاقاة النبي -  - أو سماعه وما ذاك إلا خشية دخول الناس في هذا الدين وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا  ﴾ ، وليس في الآية ما يمنع الجمع بين نظر العداوة والبغضاء، ونظر الحسد والإصابة بالعين، والله أعلم.

(٣٣) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 385.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده