الآية ٤٨ من سورة القلم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 68 القلم > الآية ٤٨ من سورة القلم

فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌۭ ٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٨ من سورة القلم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة القلم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( فاصبر ) يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم ; فإن الله سيحكم لك عليهم ، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ، ( ولا تكن كصاحب الحوت ) يعني : ذا النون ، وهو يونس بن متى عليه السلام حين ذهب مغاضبا على قومه ، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له ، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم ، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير ، الذي لا يرد ما أنفذه من التقدير ، فحينئذ نادى في الظلمات .

( أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [ الأنبياء : 87 ] .

قال الله ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) [ الأنبياء : 88 ] ، وقال تعالى : ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) [ الصافات : 143 ، 144 ] وقال هاهنا : ( إذ نادى وهو مكظوم ) قال ابن عباس ومجاهد والسدي : وهو مغموم .

وقال عطاء الخراساني وأبو مالك : مكروب .

وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) خرجت الكلمة تحف حول العرش ، فقالت الملائكة : يا رب ، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة ، فقال الله : أما تعرفون هذا ؟

قالوا : لا .

قال : هذا يونس .

قالوا : يا رب ، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة ؟

قال : نعم .

قالوا : أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟

فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء ; ولهذا قال تعالى : ( فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى " .

ورواه البخاري من حديث سفيان‌ الثوري وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة‌ .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدين، وامض لما أمرك به ربك، ولا يثنيك عن تبليغ ما أمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك.

وقوله: (وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ) الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن مَتَّى صلى الله عليه وسلم فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه: (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) يقول: إذ نادى وهو مغموم، قد أثقله الغمّ وكظمه.

كما حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) يقول: مغموم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (مَكْظُومٌ ) قال: مغموم.

وكان قتادة يقول في قوله: (وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ) : لا تكن مثله في العجلة والغضب.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) يقول: لا تعجل كما عَجِل، ولا تغضب كما غضب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فاصبر لحكم ربك أي لقضاء ربك .

والحكم هنا القضاء .

وقيل : فاصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة .

وقال ابن بحر : فاصبر لنصر ربك .

قال قتادة : أي لا تعجل ولا تغاضب فلا بد من نصرك .

وقيل : إنه منسوخ بآية السيف .ولا تكن كصاحب الحوت يعني يونس عليه السلام .

أي لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة .

وقال قتادة : إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره بالصبر ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت ; وقد مضى خبره في سورة " يونس ، والأنبياء ، والصافات " والفرق بين إضافة ذي وصاحب في سورة " يونس " فلا معنى للإعادة ." إذ نادى " أي حين دعا في بطن الحوت فقال : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .وهو مكظوم أي مملوء غما .

وقيل : كربا .

الأول قول ابن عباس ومجاهد .

والثاني قول عطاء وأبي مالك .

قال الماوردي : والفرق بينهما أن الغم في القلب ، والكرب في الأنفاس .

وقيل : مكظوم محبوس .

والكظم الحبس ; ومنه [ ص: 234 ] قولهم : فلان كظم غيظه ، أي حبس غضبه ; قاله ابن بحر .

وقيل : إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس ; قاله المبرد .

وقد مضى هذا وغيره في " يوسف " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلم يبق إلا الصبر لأذاهم، والتحمل لما يصدر منهم، والاستمرار على دعوتهم، ولهذا قال: { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } أي: لما حكم به شرعًا وقدرًا، فالحكم القدري، يصبر على المؤذي منه، ولا يتلقى بالسخط والجزع، والحكم الشرعي، يقابل بالقبول والتسليم، والانقياد التام لأمره.وقوله: { وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ } وهو يونس بن متى، عليه الصلاة والسلام أي: ولا تشابهه في الحال، التي أوصلته، وأوجبت له الانحباس في بطن الحوت، وهو عدم صبره على قومه الصبر المطلوب منه، وذهابه مغاضبًا لربه، حتى ركب في البحر، فاقترع أهل السفينة حين ثقلت بأهلها أيهم يلقون لكي تخف بهم، فوقعت القرعة عليه فالتقمه الحوت وهو مليم [وقوله] { إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ } أي: وهو في بطنها قد كظمت عليه، أو نادى وهو مغتم مهتم بأن قال { لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } فاستجاب الله له، وقذفته الحوت من بطنها بالعراء وهو سقيم، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فاصبر لحكم ربك ) اصبر على أذاهم لقضاء ربك ( ولا تكن ) في الضجر والعجلة ( كصاحب الحوت ) وهو يونس بن متى ( إذ نادى ) ربه [ في ] بطن الحوت ( وهو مكظوم ) مملوء غما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاصبر لحكم ربك» فيهم بما يشاء «ولا تكن كصاحب الحوت» في الضجر والعجلة وهو يونس عليه السلام «إذ نادى» دعا ربه «وهو مكظوم» مملوء غما في بطن الحوت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فاصبر -أيها الرسول- لما حكم به ربك وقضاه، ومن ذلك إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، ولا تكن كصاحب الحوت، وهو يونس -عليه السلام- في غضبه وعدم صبره على قومه، حين نادى ربه، وهو مملوء غمًّا طالبًا تعجيل العذاب لهم، لولا أن تداركه نعمة مِن ربه بتوفيقه للتوبة وقَبولها لَطُرِح مِن بطن الحوت بالأرض الفضاء المهلكة، وهو آتٍ بما يلام عليه، فاصطفاه ربه لرسالته، فجعله من الصالحين الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وما دام الأمر كما ذكرنا لك ( فاصبر ) أيها الرسول الكريم - لحكم ربك ، ولقضائه فيك وفيهم ، وسر فى طريقك التى كلفناك به ، وهو تبليغ رسالتنا إلى الناس .

.

وستكون العاقبة لك ولأتباعك .( وَلاَ تَكُن ) - أيها الرسول الكريم - ( كَصَاحِبِ الحوت ) وهو يونس - عليه السلام - .أى : لا يوجد منك ما وجد منه ، من الضجر ، والغضب على قومه الذين لم يؤمنوا ، ففارقهم دون أن يأهذ له ربه بمفارقتهم .

.والظرف فى قوله : ( إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) منصوب بمضاف محذوف ، وجملة ( وَهُوَ مَكْظُومٌ ) فى محل نصب على الحال من فاعل " نادى " .والمكظوم - بزنة مفعول - : المملوء غضبا وغيظا وكربا ، مأخوذ من كظم فلان السقاء إذا ملأه ، وكظم الغيظ إذا حبسه وهو ممتلئ به .أى : لا يكن حالك كحال صاحب الحوت ، وقت ندائه لربه - عز وجل - وهو مملوء غيظا وكربا ، لما حدث له مع قومه ، ولما أصابه من بلاء وهو فى بطن الحوت .وهذا النداء قد أشار إليه - سبحانه - فى آيات منها قوله - تعالى - :( وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين .

فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم وكذلك نُنجِي المؤمنين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريقة الكفار وفي زجرهم عما هم عليه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ ﴾ وفيه وجهان الأول: فاصبر لحكم ربك في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم والثاني: فاصبر لحكم ربك في أن أوجب عليك التبليغ والوحي وأداء الرسالة، وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من الأذى والمحنة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: العامل في ﴿ إِذْ ﴾ معنى قوله: ﴿ كصاحب الحوت ﴾ يريد لا تكن كصاحب الحوت حال ندائه وذلك لأنه في ذلك الوقت كان مكظوماً فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً.

المسألة الثانية: صاحب الحوت يونس عليه السلام، إذ نادى في بطن الحوت بقوله: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ مملوء غيظاً من كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبلى ببلائه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم ﴿ وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت ﴾ يعني: يونس عليه السلام ﴿ إِذْ نادى ﴾ في بطن الحوت ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ مملوء غيظاً، من كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه، حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه.

وقرأ ابن عباس وابن مسعود: ﴿ تداركته ﴾ .

وقرأ الحسن: ﴿ تداركه ﴾ ، أي تتداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى: لو أن كان يقال فيه تتداركه، كما يقال: كان زيد سيقوم فمنعه فلان، أي كان يقال فيه سيقوم.

والمعنى: كان متوقعاً منه القيام.

ونعمة ربه: أن أنعم عليه بالتوفيق للتوبة وتاب عليه.

وقد اعتمد في جواب ﴿ لولا ﴾ على الحال، أعني قوله: ﴿ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ يعني أنّ حاله كانت على خلاف الذمّ حين نبذ بالعراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذمّ.

روى أنها نزلت بأحد حين حل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل به، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا.

وقيل: حين أراد أن يدعو على ثقيف.

وقرئ: ﴿ رحمة من ربه ﴾ ﴿ فاجتباه رَبُّهُ ﴾ فجمعه إليه، وقربه بالتوبة عليه، كما قال: ﴿ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وهدى ﴾ [طه: 122] ﴿ فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين ﴾ أي من الأنبياء.

وعن ابن عباس: ردّ الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وهو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ ﴾ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ إذْ نادى ﴾ في بَطْنِ الحُوتِ.

﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ مَمْلُوءٌ غَيْظًا مِنَ الضَّجْرَةِ فَتُبْتَلى بِبَلائِهِ.

﴿ لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي التَّوْفِيقَ لِلتَّوْبَةِ وقَبُولَها وحَسُنَ تَذْكِيرُ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ، وقُرِئَ «تَدارَكَتْهُ» و «تَدارَكَهُ» أيْ تَتَدارَكُهُ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ بِمَعْنى لَوْلا أنْ كانَ يُقالُ فِيهِ تَتَدارَكُهُ.

﴿ لَنُبِذَ بِالعَراءِ ﴾ بِالأرْضِ الخالِيَةِ عَنِ الأشْجارِ.

﴿ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ مُلِيمٌ مَطْرُودٌ عَنِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ.

وهو حالٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْها الجَوابُ لِأنَّها المَنفِيَّةُ دُونَ النَّبْذِ.

﴿ فاجْتَباهُ رَبُّهُ ﴾ بِأنْ رَدَّ الوَحْيَ إلَيْهِ، أوِ اسْتَنْبَأهُ إنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا قَبْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ.

﴿ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ مِنَ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ بِأنْ عَصَمَهُ مِن أنْ يَفْعَلَ ما تَرَكَهُ أوْلى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى خَلْقِ الأفْعالِ والآيَةُ نَزَلَتْ حِينَ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يَدْعُوَ عَلى ثَقِيفٍ، وقِيلَ: بِأُحُدٍ حِينَ حَلَّ بِهِ ما حَلَّ فَأرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى المُنْهَزِمِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ} وهو إمهالهم وتأخير نصرتك علهيم لأنهم وإن أمهلوا لم يهملوا {وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت} كيونس عليه السلام في العجلة والغضب على القوم حتى لا تبتلى ببلائه والوقف على الحوت لأن إذ ليس بظرف لما تقدمه إذ النداء طاعة فلا ينهى عنه بل مفعول محذوف أي اذكر {إِذْ نادى} دعا ربه في بطن الحوت بلا إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين {وَهُوَ مَكْظُومٌ} مملوء غيظاً من كظم السقاء إذا ملأه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ وهو إمْهالُهم وتَأْخِيرُ نُصْرَتِكَ عَلَيْهِمْ.

رُوِيَ أنَّهُ  أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى ثَقِيفٍ لَمّا آذَوْهُ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ بِمَكَّةَ فَنَزَلَتْ وقِيلَ أرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَدْعُوَ عَلى الَّذِينَ انْهَزَمُوا بِأُحُدٍ حِينَ اشْتَدَّ بِالمُسْلِمِينَ الأمْرُ فَنَزَلَتْ وعَلَيْهِ تَكُونُ الآيَةُ مَدَنِيَّةً ﴿ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ ﴾ هو يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أنَّهُ المُرادُ مِن ذِي النُّونِ إلّا أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ ذِي وصاحِبٍ بِأنْ «ذِي» أبْلَغُ مِن صاحِبٍ قالَ ابْنُ حَجَرٍ لِاقْتِضائِها تَعْظِيمَ المُضافِ إلَيْها والمَوْصُوفِ بِها بِخِلافِهِ ومِن ثَمَّ قالَ سُبْحانَهُ في مَعْرِضِ مَدْحِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ وذا النُّونِ  ﴾ والنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِهِ ﴿ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ ﴾ إذِ النُّونُ لِكَوْنِهِ جُعِلَ فاتِحَةَ سُورَةٍ أفْخَمَ وأشْرَفَ مِن لَفْظِ الحُوتِ ونَقَلَ مِثْلَ ذَلِكَ السَّرْمِينِيُّ عَنِ العَلامَةِ السُّهَيْلِيِّ وفَرَّقَ بَعْضُهم بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَذْكُورٌ في حَواشِينا عَلى رِسالَةِ ابْنِ عِصامٍ في عِلْمِ البَيانِ ( إذْ ) نادى في بَطْنِ الحُوتِ ﴿ وهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ أيْ مَمْلُوءٌ غَيْظًا عَلى قَوْمِهِ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمّا دَعاهم إلى الإيمانِ وهو مِن كَظْمِ السِّقاءِ إذا مَلَأهُ ومِنِ اسْتِعْمالِهِ بِهَذا المَعْنى قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: وأنْتَ مِن حُبِّ ميِّ مُضْمِرٌ حُزْنًا عانِي الفُؤادِ قَرِيحَ القَلْبِ مَكْظُومُ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ نادى وعَلَيْها يَدُورُ النَّهْيُ لا عَلى النِّداءِ فَإنَّهُ آمِرٌ مُسْتَحْسَنٌ ولِذا لَمْ يُذْكِرِ المُنادى و( إذْ ) مَنصُوبٌ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ لا يَكُنْ حالُكَ كَحالِهِ وقْتَ نِدائِهِ أيْ لا يُوجَدُ مِنكَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الضَّجَرِ والمُغاضَبَةِ فَتُبْتَلى بِنَحْوِ بَلائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ يعني: دع هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقرآن.

ويقال: فوض أمرهم إليَّ، فإني قادر على أخذهم متى شئت.

سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني: سنأخذهم وسنأتيهم بالعذاب.

مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: نذيقهم من العذاب درجة، من حيث لا يعلمون أن العذاب نازل بهم.

وأصله في اللغة من الارتقاء في الدرجة.

وقال السدي: كلما جددوا معصية، جدد لهم نعمة وأنساهم شكرها، فذلك الاستدراج.

وَأُمْلِي لَهُمْ يعني: أمهل لهم وأؤجل لهم إلى وقت.

إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ يعني: عقوبتي شديدة إذا نزلت بهم لا يقدرون على دفعها.

ثم قال: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً؟

يعني: أتسألهم على الإيمان جملاً؟

فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ يعني: لأجل الغرم يمتنعون.

وهذا يرجع إلى قوله: أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ.

ثم قال: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ؟

يعني: اللوح المحفوظ.

فَهُمْ يَكْتُبُونَ يعني: ما يقولون.

ثم قال عز وجل: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني: على ما أمر ربك ولقضاء ربك.

وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يعني: لا تكن في قلة الصبر والضجر مثل يونس-  - إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ يعني: مكروباً في بطن الحوت، وقال الزجاج: مَكْظُومٌ أي مملوء غماً.

لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: لولا النعمة والرحمة التي أدركته من الله تعالى، لَنُبِذَ بِالْعَراءِ يعني: لطرح بالصحراء.

والصحراء هي الأرض التي لا يكون فيها نخل ولا شجر، يوارى فيها وَهُوَ مَذْمُومٌ يعني: يذم ويلام.

ولكن كان رحمة من الله تعالى، حيث نبذ بالعراء وهو سقيم وليس بمذموم.

قوله تعالى: فَاجْتَباهُ رَبُّهُ يعني: اختاره ربه للنبوة، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: من المرسلين، كقوله: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ .

ثم قال عز وجل: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أراد الذين كفروا.

لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ يعني: ليرهقونك بأبصارهم إن قدروا على ذلك.

ويقال: معناه إذا قرأت القرآن، فينظرون إليك نظراً شديداً بالعداوة، يكاد يزلقك أي: بالعداوة يسقطك من شدة النظر.

وذكر عن الفراء أنه قال: لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ يعني: يعتانونك يعني: يصيبونك بعيونهم.

وذلك أن رجلاً من العرب، كان إذا أراد أن يعتان شيئاً، يقبل على طريق الإبل إذا صدرت عن الماء، فيصيب منها ما أراد بعينه، فأرادوا أن يصيبوا النبيّ  .

قال الكلبي: لَيُزْلِقُونَكَ يعني: ليصرعونك.

لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ يعني: قراءتك القرآن، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ يعني: ما هذا القرآن إلا عظة للجن والإنس ويقال: عز وشرف للعالمين.

قرأ حمزة، وعاصم في رواية أبي بكر: إِنَّ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ بهمزتين، والباقون بهمزة واحدة، إلا ابن عامر، فإنه يقرأ إِن كَانَ بالمد.

فمن قرأ بهمزتين، فالألف الأولى للاستفهام، والثانية ألف إن.

ومن قرأ بهمزة واحدة معناه: لأن كان ذا مال أي: لا تطعه لماله وتحمل لأن كان ذا مال.

قال: أساطير الأولين.

قرأ نافع: لَيُزْلِقُونَكَ بنصب الياء، والباقون بالضم وهما لغتان، ومعناهما واحد والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الحديثِ: «فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَتَرْجِعُ أصْلاَبُ المُنَافِقِينَ والكُفَّارِ، كَصَيَاصِي البَقَرِ، عَظْماً وَاحِداً فَلا يَسْتَطِيعُونَ سُجُودًا» الحديث.

وقوله تعالى: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ يريد في دَارِ الدنيا، وَهُمْ سالِمُونَ مما نالَ عَظَامَ ظهورِهم مِنَ الاتِّصَال والعتوّ.

وقوله سبحانه: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ الآية، وَعِيدٌ وتهديدٌ والحديثُ المشَارُ إليه/ هو القرآن، وباقي الآية بيّن مِمّا ذُكِرَ في غير هذا الموضع، ثم أمَرَ اللَّه- تعالى- نبيَّه بالصَّبْرِ لِحُكْمِهِ وأنْ يَمْضِيَ لِمَا أُمِرَ بهِ من التبليغِ واحْتِمالِ الأذَى والمشقة، ونُهِيَ عَنِ الضَّجَرِ والعَجَلَةِ التي وَقَعَ فيها يونُسَ صلّى الله عليه وسلّم ثم اقْتَضَبَ القصَّةَ وذَكَرَ ما وَقَعَ في آخرها من ندائِه من بطن الحوت، وَهُوَ مَكْظُومٌ أي: وَهُو كَاظِمٌ لحُزْنِه ونَدَمِه، وقال الثعلبيّ، ونحوُه في البخاري: وَهُوَ مَكْظُومٌ أي: مملوءٌ غَمًّا وكَرْبَاً، انتهى وهُوَ أقْرَبُ إلى المعنى، وقال النَّقَّاشُ: المكظومُ الذي أُخِذَ بِكَظْمِه، وهي مَجَارِي القلبِ، وقرأ ابن مسعود «١» وغيره: «لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَتْهُ نِعْمَةُ» والنعمة التي تداركته هي الصَّفْحُ والاجتباء الذي سَبَقَ له عَنْدَ الله- عز وجل- لَنُبِذَ بِالْعَراءِ أي: لَطُرِحَ بالعرَاءِ وهُوَ الفَضَاءُ الَّذِي لاَ يُوارِي فيه جَبَلٌ ولاَ شَجَرٌ وقد نبذ يونس ع بالعَرَاءِ وَلَكِنْ غَيْر مَذْمُومٍ، وجاء في الحديث عن أسماء بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم كلمات أقولهنّ عند

الكَرْبِ أَوْ في الكَرْبِ، اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِه شَيْئاً» «١» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأخرجَهُ الطبرانيُّ في كتاب «الدعاء» ، انتهى من «السلاح» ، ثم قال تعالى لنبيه:

وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ المعنى يكادُوْنَ مِنَ الغَيْظِ والعداوةِ يُزْلِقُونَه فَيُذْهِبُونَ قدمَه مِنْ مَكَانِها، ويُسْقِطُونَه، قال عياض: وقَدْ رُوِيَ عن ابن عباس أنه قال: كلُّ مَا في القرآن: «كاد» فَهُو مَا لاَ يَكُونُ، قال تعالى: يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ [النور: ٤٣] ولم يذهبها وأَكادُ أُخْفِيها [طه: ١٥] وَلَمْ يَفْعَلْ، انتهى ذكره إثرَ قَوْلِه تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ [الإسراء: ٧٣] .

وقرأ الجمهور: «لَيُزْلِقُونَكَ» /- بِضَمِّ اليَاءِ- مِنْ: أزْلَقَ، ونَافِعٌ بِفَتْحِها «٢» ، من: زُلِقَتِ الرّجْلُ، وفي هذا المعنى قولُ الشاعر:

[الكامل]

يَتَقَارَضُونَ إذَا التقوا في مَجْلِس ...

نَظَراً يَزِلُّ مَوَاطِىءَ الأَقْدَامِ «٣»

وَذَهَبَ قَوْمٌ من المفسرينَ على أن المعنى: يأخذونَك بالعَيْنِ، وقال الحسَنُ: دَوَاءُ مَنْ أَصَابَتْهُ العينُ أن يقرأَ هذهِ الآيةَ «٤» ، والذِّكْرُ في الآيةِ: القرآنُ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ أيِ: اصْبِرْ عَلى أذاهم لِقَضاءِ رَبِّكَ الَّذِي هو آتٍ.

وقِيلَ: مَعْنى الأمْرِ بِالصَّبْرِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ ﴾ وهو يُونُسُ.

وفِيماذا نُهِيَ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العَجَلَةُ، والغَضَبُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: الضَّعْفُ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا لا يُخْرِجُ يُونُسَ مِن أُولِي العَزْمِ، لِأنَّها خَطِيئَةٌ.

وَلَوْ قُلْنا: إنَّ كُلَّ مُخْطِئٍ مِنَ الأنْبِياءِ لَيْسَ مِن أُولِي العَزْمِ، خَرَجُوا كُلُّهم إلّا يَحْيى.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عُقُوبَتِهِ إذْ لَمْ يَصْبِرْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَمْلُوءٌ غَمًّا وكَرْبًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَتْهُ" بِتاءٍ خَفِيفَةٍ، وبِتاءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الكافِ مَعَ تَخْفِيفِ الدّالِ.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "تَدّارَكَهُ" بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَعَ تَشْدِيدِ الدّالِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "تَتَدارَكَهُ" بِتاءَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ﴿ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ فَرَحِمَهُ بِها، وتابَ عَلَيْهِ مِن مَعاصِيهِ ﴿ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ ﴾ وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " العَراء " في [الصّافّاتِ: ١٤٥] .

ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ نُبِذَ غَيْرَ مَذْمُومٍ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ( نُبِذَ بِالعَراءِ ) وهِيَ: أرْضُ المَحْشَرِ، فالمَعْنى: أنَّهُ كانَ يَبْقى مَكانَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿ فاجْتَباهُ رَبُّهُ ﴾ أيِ: اسْتَخْلَصَهُ واصْطَفاهُ، وخَلَّصَهُ مِنَ الذَّمِّ "فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ" فَرَدَّ عَلَيْهِ الوَحْيَ، وشَفَّعَهُ في قَوْمِهِ ونَفْسِهِ "وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ" قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ الياءِ مِن أزْلَقْتُهُ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وأبانُ بِفَتْحِها مِن زَلَقْتُهُ أزْلِقُهُ، وهُما لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ في العَرَبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: زَلَقَ الرَّجُلُ رَأسَهُ وأزْلَقَهُ: إذا حَلَقَهُ.

وفي مَعْنى الآيَةِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ الكُفّارَ قَصَدُوا أنْ يُصِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ  بِالعَيْنِ، وكانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يَمْكُثُ اليَوْمَيْنِ والثَّلاثَةَ لا يَأْكُلُ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْفَعُ جانِبَ خِبائِهِ، فَتَمُرُّ بِهِ النَّعَمُ، فَيَقُولُ: لَمْ أرَ كاليَوْمِ إبِلًا ولا غَنَمًا أحْسَنَ مِن هَذِهِ، فَما تَذْهَبُ إلّا قَلِيلًا حَتّى يَسْقُطَ مِنها عِدَّةٌ، فَسَألَ الكَفّارُ هَذا الرَّجُلَ أنْ يُصِيبَ رَسُولَ اللَّهِ  بِالعَيْنِ، فَعَصَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ،» هَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ، وتابَعَهُ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ تَلَقَّفُوا ذَلِكَ مِن تَفْسِيرِهِ، مِنهُمُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ بِالعَداوَةِ نَظَرًا شَدِيدًا يَكادُ يُزْلِقُهُ مِن شِدَّتِهِ، أيْ: يُلْقِيهِ إلى الأرْضِ.

وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِ العَرَبِ.

يَقُولُ القائِلُ: نَظَرَ إلَيَّ فُلانٌ نَظَرًا كادَ يَصْرَعُنِي.

وأنْشَدُوا: يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَوْطِنٍ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِنَ الأقْدامِ أيْ: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ نَظَرًا شَدِيدًا بِالعَداوَةِ يَكادُ يُزِيلُ الأقْدامَ، وإلى هَذا ذَهَبَ المُحَقِّقُونَ، مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

ويَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ هَذا النَّظَرَ بِسَماعِ القُرْآنِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ﴾ والقَوْمُ كانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ أشَدَّ الكَراهَةِ، فَيُحِدُّونَ النَّظَرَ إلَيْهِ بِالبَغْضاءِ.

وإصابَةُ العَيْنِ، إنَّما تَكُونُ مَعَ الإعْجابِ والِاسْتِحْسانِ، لا مَعَ البُغْضِ، فَلا يُظَنُّ بِالكَلْبِيِّ أنَّهُ فَهِمَ مَعْنى الآيَةِ.

﴿ وَما هُوَ ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ ﴾ ﴿ لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ ﴾ ﴿ فاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِكْرَ ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴾ ﴿ وَما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ هَذِهِ "أمْ" الَّتِي تَتَضَمَّنُ الإضْرابَ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ لا عَلى جِهَةِ الرَفْضِ لَهُ، لَكِنَّ عَلى جِهَةِ التَرْكِ والإقْبالِ عَلى سِواهُ، وهَذا التَوْقِيفُ هو لِمُحَمَّدٍ  ، والمُرادُ بِهِ تَوْبِيخُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ سَألَهم أجْرًا فَأثْقَلَهم عَدَمُ ذَلِكَ لَكانَ لَهم بَعْضُ العُذْرِ في إعْراضِهِمْ وقَرارِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ مَعْناهُ: هَلْ لَهم عِلْمٌ بِما يَكُونُ فَيَدَّعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ الأمْرَ عَلى اخْتِيارِهِمْ جارٍ؟

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالصَبْرِ لِحُكْمِهِ، وأنْ يَمْضِيَ لِما أمَرَ بِهِ مِنَ التَبْلِيغِ واحْتِمالِ الأذى والمَشَقَّةِ، ونَهى عَنِ الضَجَرِ والعَجَلَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى القِصَّةَ بِاقْتِضابٍ وذَكَرَ ما وقَعَ في آخِرِها مِن نِدائِهِ مِن بَطْنِ الحُوتِ وهو مَكْظُومٌ، أيْ: غَيْظُهُ في صَدْرِهِ، وحَقِيقَةُ "الكَظْمِ" هو الغَيْظُ والحُزْنُ والنَدَمُ، فَحَمَلَ المَكْظُومَ عَلَيْهِ تَجَوُّزًا، وهو في الحَقِيقَةِ كاظِمٌ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وأنْتَ مِن حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حَزَنًا عانِي الفُؤادِ قَرِيحُ القَلْبِ مَكْظُومُ وقالَ النَقّاشُ: المَكْظُومُ الَّذِي أخَذَ بِكَظْمِهِ وهو مُجارِي القَلْبِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ "الكاظِمَةُ" وهي القَناةُ في جَوْفِ الأرْضِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ" أسْنَدَ الفِعْلَ دُونَ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ لِأنَّ تَأْنِيثَ النِعْمَةِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَتْهُ" عَلى إظْهارِ العَلامَةِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: "لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ" بِشَدِّ الدالِ عَلى مَعْنى: تَتَدارَكَهُ، وهي حِكايَةُ حالٍ تَأتِي فَلِذَلِكَ جاءَ بِالفِعْلِ مُسْتَقْبَلًا.

بِمَعْنى: لَوْلا أنْ يُقالَ فِيهِ: تَتَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَلانِ )، فَهَذا وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ، ثُمَّ أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ.

و"النِعْمَةُ" هي الصَفْحُ والتَوْبُ، والِاجْتِباءُ الَّذِي سَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ، و"العَراءُ": الأرْضُ الواسِعَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَيْءٌ يُوارى مِن بِناءٍ أو نَباتٍ أو غَيْرِهِ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَرَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالأرْضِ العَراءَ ثِيابِي وقَدْ نَبَذَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ بِالأرْضِ العَراءَ غَيْرَ مَذْمُومٍ.

و"اجْتَباهُ" مَعْناهُ: اخْتارَهُ واصْطَفاهُ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  بِحالِ نَظَرِ الكُفّارِ إلَيْهِ، وأنَّهم يَكادُونَ مِنَ الغَيْظِ والعَداوَةِ يَزْلِقُونَهُ فَيُذْهِبُونَ قَدَمَهُ مِن مَكانِها ويُسْقِطُونَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَيَزْلِقُونَكَ" بِضَمِّ الياءِ، مِن "أزَلَقَ"، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيَزْلِقُونَكَ" بِفَتْحِ الياءِ مِن "زَلِقَتِ الرِجْلُ"، يُقالُ: زَلِقَتِ الرِجْلُ -بِكَسْرِ اللامِ- وزَلَقَتْهُ بِفَتْحِها-، مِثْلُ: "حَزَنَ" و"حَزَنَتْهُ"، و"شَتَرَتِ العَيْنُ" و"شَتَرَتْها"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَيَزْهِقُونَكَ" بِالهاءِ، ورَوى النَخْعِيُّ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَيَنْفِدُونَكَ"، وفي هَذا المَعْنى الَّذِي في نَظَرِهِمْ مِنَ الغَيْظِ والعَداوَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: يَتَقارَضُونَ إذا التَقَوْا في مَجْلِسٍ ∗∗∗ نَظَرًا يُزِيلُ مَواطِئَ الأقْدامِ وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وذَكَرَهُ الفَرّاءُ - إلى أنَّ المَعْنى: يَأْخُذُونَكَ بِالعَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ اللَقْعَ بِالعَيْنِ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: كانَ رَجُلٌ يَتَجَوَّعُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ لا يَتَكَلَّمُ عَلى شَيْءٍ إلّا أصابَهُ بِالعَيْنِ، فَسَألَهُ الكُفّارُ أنْ يُصِيبَ النَبِيَّ  فَأجابَهم إلى ذَلِكَ لَكِنْ عَصَمَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  ، وقالَ الزَجّاجُ: كانَتِ العَرَبُ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَعْتانَ أحَدًا تَجَوَّعَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقالَ الحَسَنُ: دَواءُ مَن أصابَتْهُ العَيْنُ أنْ يَقْرَأ هَذِهِ الآيَةَ، و"الذِكْرُ" في الآيَةِ القُرْآنُ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ هَذا القُرْآنَ العَزِيزَ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، ووَعْظٌ لَهُمْ، وحَجَّةٌ عَلَيْهِمْ، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْنا بِهِ، وجَعَلَنا أهْلَهُ وحَمَلَتَهُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [القَلَمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على ما تقدم من إبطال مزاعم المشركين ومطاعنهم في القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وما تبعه من تكفل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بعاقبة النصر، وذلك أن شدته على نفس النبي صلى الله عليه وسلم من شأنها أن تُدخل عليه يَأْساً من حصول رغبته ونجاح سعيه، ففرع عليه تثبيتهُ وحثه على المصابرة واستمراره على الهَدْي، وتعريفه بأن ذلك التثبيت يرفع درجته في مقام الرسالة ليكون من أولي العزم، فذكَّره بمثَل يونس عليه السلام إذْ استعجل عن أمر ربّه، فأدبه الله ثم اجتباه وتاب عليه وجعله من الصالحين تذكيراً مراداً به التحذير.

والمراد بحكم الربّ هنا أمره وهو ما حُمله إياه من الإِرسال والاضطلاع بأعباء الدعوة.

وهذا الحكم هو المستقرأ من آيات الأمر بالدعوة التي أولها ﴿ ولربك فاصبر ﴾ [المدثر: 17] فهذا هو الصبر المأمور به في هذه الآية أيضاً.

ولا جرم أن الصبر لذلك يستدعي انتظار الوعد بالنصر وعدم الضجر من تأخره إلى أمده المقدر في علم الله.

وصاحب الحوت: هو يونس بن متَّى، وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى: ﴿ ووهبنا له إسحاق ﴾ إلي قوله: ﴿ ويونس ﴾ في سورة الأنعام (84 86).

والصاحب: الذي يصحب غيره، أي يكون معه في بعض الأحوال أو في معظمها، وإطلاقه على يونس لأن الحوت التقمه ثم قذفه فصار (صاحبُ الحوت)} لقباً له لأن تلك الحالة معيَّة قوية.

وقد كانت مؤاخذةُ يونس عليه السلام على ضجره من تكذيب قومه وهم أهل نِينَوى كما تقدم في سورة الصافات.

و ﴿ إذْ ﴾ طرف زمان وهو وجملته متعلق باستقرار منصوب على الحال أي في حالة وقت ندائه ربّه، فإنه ما نادى ربّه إلاّ لإِنقاذه من كربه الذي وقع فيه بسبب مغاضبته وضجره من قومه، أي لا يكن منك ما يلجئك إلى مثل ندائه.

والمكظوم: المحبوس المسدود عليه يقال: كظم الباب أغلقَه وكظَم النهر إذا سده، والمعنى: نادى في حال حبسه في بطن الحوت.

وجيء بهذه الحال جملة اسمية لدلالتها على الثبات، أي هو في حبس لا يرجى لمثله سراح، وهذا تمهيد للامتنان عليه بالنجاة من مثل ذلك الحبس.

وقوله: ﴿ لولا أن تداركه نعمة من ربّه لَنُبذ بالعراء ﴾ إلخ استئناف بياني ناشئ عن مضمون النهي من قوله: ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى ﴾ إلخ لأنه يتضمن التحذير من الوقوع في كرب من قبيل كرب يونس ثم لا يدري كيف يكون انفراجه.

و ﴿ أنْ ﴾ يجوز أن تكون مخففة من (أنَّ)، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة ﴿ تداركه نعمة من ربّه ﴾ خبرها.

ويجوز أن تكون مصدرية، أي لولا تدارك رحمة من ربّه.

والتدارك: تفاعل من الدرَك بالتحريك وهو اللحاق، أي أن يلحق بعضُ السائرين بعضاً وهو يقتضي تسابقهم وهو هنا مستعمل في مبالغة إدراك نعمة الله إياه.

والنبذ: الطرح والترك.

والعراء ممدوداً: الفضاء من الأرض الذي لا نبات فيه ولا بناء.

والمعنى: لنبذهُ الحوت أو البحر بالفضاء الخالي لأن الحوت الذي ابتلعه من النوع الذي يُرضع فراخه فهو يقترب من السواحل الخالية المترامية الأَطراف خوفاً على نفسه وفراخه.

والمعنى: أن الله أنعم عليه بأن أنبت عليه شجرة اليقطين كما في سورة الصافات.

وأُدمج في ذلك فضل التوبة والضراعة إلى الله، وأنه لولا توبته وضراعته إلى الله وإنعام الله عليه نعمة بعدَ نعمة لقذفه الحوت من بطنه ميتاً فأخرجه الموج إلى الشاطئ فلكان مُثْلة للناظرين أو حيّاً منبوذاً بالعراء لا يجد إسْعافاً، أو لَنجا بعد لأي والله غاضب عليه فهو مذموم عند الله مسخوط عليه.

وهي نعم كثيرة عليه إذ أنقذه من هذه الورطات كلها إنقاذاً خارقاً للعادة.

وهذا المعنى طوي طياً بديعاً وأشير إليه إشارة بليغة بجملة {لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء وهو مذموم.

وطريقة المفسرين في نشر هذا المطوي أن جملة وهو مذموم } في موضع الحال وأن تلك الحال قيد في جواب ﴿ لَولا ﴾ ، فتقدير الكلام: لولا أن تداركه نعمة من ربّه لنبذ بالعراء نبذاً ذميماً، أي ولكن يونس نبذ بالعراء غيرَ مذموم.

والذي حملهم على هذا التأويل أن نبذه بالعراء واقع فلا يستقيم أن يكون جواباً للشرط لأن ﴿ لولا ﴾ تقتضي امتناعاً لوُجودٍ، فلا يكون جوابها واقعاً فتعين اعتبار تقييد الجواب بجملة الحال، أي انتفى ذمه عند نبذه بالعراء.

ويلوح لي في تفصيل النظم وجه آخر وهو أن يكون جواب ﴿ لولا ﴾ محذوفاً دل عليه قوله ﴿ وهو مكظوم ﴾ مع ما تفيده صيغة الجملة الاسمية من تمكن الكظم كما علمت آنفاً، فتلك الحالة إذا استمرت لم يحصل نبذه بالعراء، ويكون الشرط ب ﴿ لولا ﴾ لاحقاً لجملة ﴿ إذ نادى وهو مكظوم ﴾ ، أي لبقي مكظوماً، أي محبوساً في بطن الحوت أبداً، وهو معنى قوله في سورة الصافات (143 144) ﴿ فلولا أنه كان من المسبّحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ﴾ ، وتجعل جملة ﴿ لَنُبِذ بالعراء وهو مذموم ﴾ استئنافاً بيانياً ناشئاً عن الإِجمال الحاصل من موقع ﴿ لَولا ﴾ .

واللام فيها لام القسم للتحقيق لأنه خارق للعادة فتأكيده لرفع احتمال المجاز.

والمعنى: لقد نبذ بالعراء وهو مذموم.

والمذموم: إمّا بمعنى المذنب لأن الذنب يقتضي الذمَّ في العاجل والعقاب في الآجل، وهو معنى قوله في آية الصافات (142) ﴿ فالتقمه الحوت وهو مُليم ﴾ وإِمّا بمعنى العيب وهو كونه عارياً جائعاً فيكون في معنى قوله: ﴿ فنبذناه بالعراء وهو سقيم ﴾ [الصافات: 145] فإن السقم عيب أيضاً.

وتنكير ﴿ نعمة ﴾ للتعظيم لأنها نعمة مضاعفة مكررة.

وفرع على هذا النفي الإِخبار بأن الله اجتباه وجعله من الصالحين.

والمراد ب ﴿ الصالحين ﴾ المفضلون من الأَنبياء، وقد قال إبراهيم عليه السلام ﴿ ربّ هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ﴾ [الشعراء: 83] وذلك إيماء إلى أن الصلاح هو أصل الخير ورفع الدرجات، وقد تقدم في قوله: ﴿ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين ﴾ في سورة التحريم (10).

قال ابن عباس: رد الله إلى يونس الوحي وشفعه في نفسه وفي قومه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِقَضاءِ رَبِّكَ.

الثّانِي: لِنَصْرِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَزِّي نَبِيَّهُ ويَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ، وأنْ لا يَعْجَلَ كَما عَجِلَ صاحِبُ الحُوتِ وهو يُونُسُ بْنُ مَتّى.

﴿ إذْ نادى وهو مَكْظُومٌ ﴾ أمّا نِداؤُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ ﴾ .

وفي مَكْظُومٍ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَغْمُومٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَكْرُوبٌ، قالَهُ عَطاءٌ وأبُو مالِكٍ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الغَمَّ في القَلْبِ، والكَرْبَ في الأنْفاسِ.

الثّالِثُ: مَحْبُوسٌ، والكَظْمُ الحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ كَظَمَ غَيْظَهُ أيْ حَبَسَ غَضَبَهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ وهو مَجْرى النَّفَسِ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

﴿ لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: النُّبُوَّةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: عِبادَتُهُ الَّتِي سَلَفَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: نِداؤُهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إخْراجُهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ لَنُبِذَ بِالعَراءِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَأُلْقِيَ بِالأرْضِ الفَضاءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ قَتادَةُ: بِأرْضِ اليَمَنِ.

الثّانِي: أنَّهُ عَراءٌ يَوْمَ القِيامَةِ وأرْضُ المَحْشَرِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

﴿ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى مُلِيمٍ.

الثّانِي: مُذْنِبٌ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ومَعْناهُ أنْ نَدَعَهُ مَذْمُومًا.

﴿ وَإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأبْصارِهِمْ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَيَصْرَعُونَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: لَيَرْمُقُونَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَيُزْهِقُونَكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ.

الرّابِعُ: لَيُنْفِذُونَكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: لَيَمَسُّونَكَ بِأبْصارِهِمْ مِن شِدَّةِ نَظَرِهِمْ إلَيْكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

السّادِسُ: لَيَعْتانُونَكَ، أيْ لَيَنْظُرُونَكَ بِأعْيُنِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَحُكِيَ أنَّهم قالُوا: ما رَأيْنا مِثْلَ حَجْمِهِ ونَظَرُوا إلَيْهِ لِيُعِينُوهُ، أيْ لِيُصِيبُوهُ بِالعَيْنِ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يُصِيبَ أحَدًا بِعَيْنٍ في نَفْسِهِ أوْ مالِهِ تَجُوعُ ثَلاثًا ثُمَّ يَتَعَرَّضُ لِنَفْسِهِ أوْ مالِهِ فَيَقُولُ: تاللَّهَ ما رَأيْتُ أقْوى مِنهُ ولا أشْجَعَ ولا أكْثَرَ مالًا مِنهُ ولا أحْسَنَ، فَيُصِيبُهُ بِعَيْنِهِ فَيَهْلَكَ هو ومالُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

﴿ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُحَمَّدٌ.

الثّانِي: القُرْآنُ.

﴿ وَما هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَرَفٌ لِلْعالَمِينَ، كَما قالَ تَعالى ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ  ﴾ .

الثّانِي: يُذَكِّرُهم وعْدَ الجَنَّةِ ووَعِيدَ النّارِ.

وَفي العالَمِينَ وجْهانِ: أحَدُهُما: الجِنُّ والإنْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: كُلُّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ الخَلْقِ مِمَّنْ يُعْرَفُ ولا يُعْرَفُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً» .

وأخرج ابن مندة في الرد على الجهمية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: يكشف الله عز وجل عن ساقه» وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن ساقيه تبارك وتعالى.

قال ابن منده: لعله في قراءة ابن مسعود ﴿ يكشف ﴾ بفتح الياء وكسر الشين.

وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه وابن عساكر عن أبي موسى «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن نور عظيم فيخرون له سجداً» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن مصور وابن منده والبيهقي في الأسماء والصفات من من طريق إبراهيم النخعي في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: قال ابن عباس يكشف عن أمر عظيم، ثم قال: قد قامت الحرب على ساق، قال: وقال ابن مسعود: يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن ويعصو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر: أصبر عناق أنه شر باق ** قد سن لي قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس: هذا يوم كرب وشدة.

وأخرج الطستي في مسائلة عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن شدة الآخرة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: قد قامت الحرب بنا على ساق وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة.

وأخرج ابن مندة عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن شدة الآخرة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن شدة الأمر وجده قال: وكان ابن عباس يقول: هي أشد ساعة تكون يوم القيامة.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: يريد القيامة والساعة لشدتها.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن منده من طريق عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ ﴿ يوم تكشف عن ساق ﴾ بفتح التاء، قال أبو حاتم السجستاني: أي تكشف الآخرة عن ساقها يستبين منها ما كان غائباً.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ بالياء ورفع الياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: إن العرب كانوا إذا اشتد القتال فيهم والحرب، وعظم الأمر فيهم قالوا لشدة ذلك: قد كشفت الحرب عن ساق، فذكر الله شدة ذلك اليوم بما يعرفون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه سئل عن قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ فغضب غضباً شديداً وقال: إن أقواماً يزعمون أن الله يكشف عن ساقه، وإنما يكشف عن الأمر الشديد.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ قال: هم الكفار كانوا يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون، ثم أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا، فإنه قال: ما كانوا يستطيعون السمع وهي طاعته، وما كانوا يبصرون وأما الآخرة فإنه قال: لا يستطيعون خاشعة أبصارهم.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: أخبرنا أن بين كل مؤمنين منافقاً يوم القيامة، فيسجد المؤمنان وتقسو ظهور المنافقين، فلا يستطيعون السجود ويزدادون لسجود المؤمنين توبيخاً وحسرة وندامة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن بلاء عظيم.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن أمر عظيم الشدة.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: عن الغطاء، فيقع من كان آمن به في الدنيا، فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون، لأنهم لم يكونوا آمنوا به في الدنيا، ولا يبصرونه ولا يستطيعون السجود وهم سالمون في الدنيا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ قال: أمر فظيع جليل، ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ قال: ذلكم يوم القيامة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يؤذن للمؤمنين يوم القيامة في السجود فيسجد المؤمنون وبين كل مؤمنين منافق، فيتعسر ظهر المنافق عن السجود، ويجعل الله سجود المؤمنين عليهم توبيخاً وصغاراً وذلاً وندامة وحسرة» وفي قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ قال: في الصلوات.

وأخرج ابن مردويه عن كعب الحبر قال: والذي أنزل التوراة على موسى والإِنجيل على عيسى والزبور على داود والفرقان على محمد أنزلت هذه الآيات في الصلوات المكتوبات حيث ينادي بهن ﴿ يوم يكشف عن ساق ﴾ إلى قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ الصلوات الخمس إذا نودي بها.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود ﴾ قال: الصلوات في الجماعات.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقد كانوا يدعون إلى السجود ﴾ قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الخلائق يوم القيامة ثم ينادي مناد: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون وأهل الكتاب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون الله وموسى، فيقال لهم: لستم من موسى وليس موسى منكم، فيصرف بهم ذات الشمال، ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون الله وعيسى.

فيقال لهم: لستم من عيسى وليس عيسى منكم، ثم يصرف بهم ذات الشمال، ويبقى المسلمون فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟

فيقولون: الله، فيقال لهم: هل تعرفونه؟

فيقولون: إن عرّفنا نفسه عرفناه، فعند ذلك يؤذن لهم في السجود بين كل مؤمنين منافق، فتقصم ظهورهم عن السجود، ثم قرأ هذه الآية ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ » .

وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبراني والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة، وينزل الله في ظلل من الغمام فينادي منادٍ يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى أليس ذلك من ربكم عدلاً؟

قالوا: بلى، قال: فينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يعبد في الدنيا ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا، فيتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويتمثل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير، حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى أهل الإِسلام جثوماً فيتمثل لهم الرب عز وجل، فيقول لهم: ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس؟

فيقولون: إن لنا ربّاً ما رأيناه بعد، فيقول: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟

قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه.

قال: وما هي؟

قال: ﴿ يكشف عن ساق ﴾ فيكشف عند ذلك عن ساق فيخر كل من كان يسجد طائعاً ساجداً، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يؤمرون فيرفعوا رؤوسهم، فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة، فإذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، فيمر ويمرون على الصراط والصراط كحدّ السيف دحض مزلة، فيقال لهم: انجوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملاً، يمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه يجر يداً ويعلق يداً، ويجر رجلاً ويعلق رجلاً، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أراناك.

لقد أعطانا الله ما لم يعط أحداً، فينطلقون إلى ضحضاح عند باب الجنة، فيغتسلون فيعود إليهم ريح أهل الجنة، وألوانهم، ويرون من خلل باب الجنة وهو يصفق منزلاً في أدنى الجنة فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نجيتكم من النار، فيقولون: ربنا أعطنا، حل بيننا وبين النار، هذا الباب لا نسمع حسيسها، فيقول لهم: لعلكم إن أُعْطِيتُمُوهُ أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟

قال: فيدخلون الجنة ويرفع لهم منزل أمام ذلك كان الذي رأوا قبل ذلك حلم عنده فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتكموه أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟

فيعطونه، ثم يرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كان الذي رأوا قبل ذلك حلم عند هذا الذي رأوا فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتكموه أن تسألوا غيره، فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره وأي منزل أحسن منه؟

ثم يسكتون فيقولون لهم: ما لكم لا تسألون فيقولون: ربنا قد سألناك حتى استحينا، فيقال لهم: ألم ترضوا أن أعطيكم مثل الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟

فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت رب العالمين؟» قال مسروق: فما بلغ عبد الله هذا المكان من الحديث إلا ضحك، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثه مراراً فما بلغ هذا المكان من الحديث إلا ضحك حتى تبدو لهواته، ويبدو آخر ضرس من أضراسه، يقول: الأسنان.

قال: «فيقول لا ولكني على ذلك قادر فاسألوني.

قالوا: ربنا ألحقنا بالناس.

فيقال لهم: الحقوا الناس، فينطلقون يرملون في الجنة حتى يبدو الرجل منهم في الجنة قصر درة مجوّف فيخر ساجداً، فيقال له: ارفع رأسك، فيرفع رأسه فيقول: رأيت ربي، فيقال له: إنما ذلك منزل من منازلك فينطلق ويستقبله رجل فيتهيأ للسجود فيقال له: ما لك؟

فيقول: رأيت ملكاً، فيقال له: إنما ذلك قهرمان من قهارمتك عبد من عبيدك فيأتيه فيقول: إنما أنا قهرمان من قهارمتك على هذا القصر تحت يدي ألف قهرمان، كلهم على ما أنا عليه، فينطلق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوّفة سقائفها وأغلاقها وأبوابها ومفاتيحها منها.

قال: فيفتح له القصر فتستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء سبعون ذراعاً فيها ستون باباً، كل باب يفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كل جوهرة سرر وأدراج ونصائف، وقال: وصائف، فيدخل، فإذا هو بحوراء عيناء عليها سبعون حلةٍ يرى مخ ساقها من وراء حللها كبدها مرآته وكبده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضت عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفاً عما كان قبل ذلك، فتقول: لقد ازددت في عيني سبعين ضعفاً ويقول لها مثل ذلك.

قال: فيشرف على ملكه مد بصره مسيرة مائة عام» ، قال: فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: ألا تسمع يا كعب ما يحدثنا به ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ما له، فكيف بأعلاهم؟

قال: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء فخلق لنفسه داراً بيده فزينها بما شاء وجعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ﴾ [ السجدة: 17] الآية، وخلق دون ذلك جنتين فزينهما بما شاء وجعل فيهما ما ذكر من الحرير والسندس والاستبرق، وأراهما من شاء من خلقه من الملائكة، فمن كان كتابه في عليين نزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عليين في ملكه لم يبقِ خيمة من خيام الجنة إلاّ دخلها من ضوء وجهه حتى إنهم ليستنشقون ريحه ويقولون: واهاً وهذه الريح الطيبة، ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عليين، فقال عمر: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها فقال كعب: يا أمير المؤمنين إن لجهنم زفرة ما من ملك ولا نبي إلاّ يخر لركبته حتى يقول إبراهيم خليل الله؛ رب نفسي نفسي، وحتى لو كان لك عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أن لن تنجو منها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن مسعود أنه ذكر عنده الدجال فقال: يفترق ثلاث فرق تتبعه فرقة تتبعه، وفرقة تلحق بأرض آبائها منابت الشيخ، وفرقة تأخذ شط الفرات فيقاتلها ويقاتلونه حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام، فيبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فرس أشقر أو أبلق فيقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم ن المسيح ينزل فيقتله ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيموجون في الأرض، فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله ﴿ وهم من كل حدب ينسلون ﴾ [ الأنبياء: 96] ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذه النغفة، فتدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيموتون منها، فتنتن الأرض منهم، فيجأر أهل الأرض إلى الله فيرسل الله ماء فيطهرها منهم ثم يبعث ريحاً فيها زمهرير باردة فلا تدع على وجه الأرض [ 7] إلا كفئت بتلك الريح ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فلا يبقى خلق الله في السموات والأرض إلا مات إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خلق إلا وفي الأرض منه شيء ثم يرسل الله ماء من تحت العرش منياً كمني الرجال، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ عبد الله ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ﴾ [ الروم: 48] ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها حتى تدخل فيه، فيقومون فيجيئون مجيئة رجل واحد قياماً لرب العالمين، ثم يتمثل الله للخلق فيلقاهم، فليس أحد من الخلق يعبد من دون الله شيئاً إلا هو متبع له يتبعه، فيلقى اليهود فيقول: ما تعبدون؟

فيقولون: نعبد عزيراً، فيقول: هل يسركم الماء؟

قالوا: نعم، فيريهم جهنم كهيئة السراب، ثم قرأ عبد الله ﴿ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً ﴾ [ الكهف: 100] ثم يلقى النصارى فيقولون ما كنتم تعبدون؟

قالوا: المسيح فيقول: هل يسركم الماء؟

قالوا: نعم، فيريهم جهنم كهيئة السراب، وكذلك كل من يعبد من دون الله شيئاً، ثم قرأ عبد الله ﴿ وقفوهم إنهم مسؤولون ﴾ [ الصافات: 24] حتى يمر المسلمون فيلقاهم فيقول: من تعبدون؟

فيقولون: نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، فينتهرهم مرة أو مرتين من تعبدون؟

فيقولون: نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، فيقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: سبحان الله إذا تعرف لنا عرفناه، فعند ذلك ﴿ يكشف عن ساق ﴾ فلا يبقى مؤمن إلاّ خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهورهم طبق واحد كأنما فيها السفافيد، فيقولون: «ربنا فيقول: قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون» ثم يؤمر بالصراط فيضرب على جهنم، فتمر الناس بأعمالهم يمر أوائلهم كلمح البصر أو كلمح البرق، ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك يجيء الرجل سعياً حتى يجيء الرجل مشياً حتى يجيء آخرهم رجل يتكفأ على بطنه، فيقول: يا رب أبطأت بي، فيقول: إنما أبطأ بك عملك ثم يأذن الله في الشفاعة فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى، أو قال عيسى، ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعاً لا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ [ الاسراء: 79] فليس من نفس إلا تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عملتم، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال: لولا أن منّ الله عليكم ثم يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيشفعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين، فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق برحمته، حتى ما يترك فيها أحداً فيه خير، ثم قرأ عبد الله يا أيها الكفار ﴿ ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ﴾ [ المدثر: 42] إلى قوله: ﴿ وكنا نكذب بيوم الدين ﴾ [ المدثر: 46] قال: ترون في هؤلاء أحداً فيه خير لا وما يترك فيها أحداً فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يخرج منها أحداً غير وجوههم وألوانهم فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع، فيقال له: من عرف أحداً فيخرجه فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحداً، فيقول الرجل للرجل: يا فلان أنا فلان، فيقول: ما أعرفك، فيقولون: ﴿ ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ﴾ [ المؤمنون: 107] فيقول: ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ [ المؤمنون: 108] فإذا قال ذلك أطبقت عليهم، فلم يخرج منهم بشر.

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ قال: تغاضب كما غاضب يونس.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ قال: لا تعجل كما عجل، ولا تغاضب كما غاضب.

وأخرج الحاكم عن وهب قال: كان في خلق يونس ضيق فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ منها تفسخ الربع، فقذفها من يديه وهرب، قال تعالى لنبيه ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهو مكظوم ﴾ قال: مغموم وفي قوله: ﴿ وهو مذموم ﴾ قال: مليم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وهو مكظوم ﴾ قال: مغموم.

قوله تعالى: ﴿ وإن يكاد الذين كفروا ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال: ينفذونك بأبصارهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ليزلقونك بأبصارهم ﴾ لينفذونك بأبصارهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال: لينفذونك بأبصارهم معاداة لكتاب الله ولذكر الله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن عطاء قال: كان ابن عباس يقرأ ﴿ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ﴾ قال: يقول: ينفذونك بأبصارهم من شدة النظر إليك، قال ابن عباس: فكيف يقولون أزلق السهم أو زهق السهم.

وأخرج أبو عبيدة في فضائله وابن جرير عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ ليزهقونك بأبصارهم ﴾ .

وأخرج البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر» .

وأخرج البزار عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ قال مقاتل: اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت (١) ﴿ وَلَا تَكُنْ ﴾ في الضجر والعجلة ﴿ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ﴾ يعني يونس بن متى.

قال الكلبي ومقاتل: يقول: لا تضجر كما ضجر، ولا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب (٢) ﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ ، والعامل في (إذ) معنى قوله: ﴿ كَصَاحِبِ الْحُوتِ ﴾ (٣) ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  ﴾ .

وقوله ﴿ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ أي مملوء غمًّا وكربًا (٤) ﴿ كَظِيمٌ ﴾ ، وقد مر (٥) قوله تعالى: ﴿ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: رحمة من ربه (٦) (٧) ﴿ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ ﴾ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض.

وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ ﴾ (٨) ﴿ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ قال ابن عباس والحسن (٩) (١٠) وقال الكلبي: (مذموم) ملوم مبعد من كل خير (١١) وقال مقاتل: يذم ويلام (١٢) قال أبو إسحاق: المعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم؛ لأن النعمة قد شملته (١٣) ﴿ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ قال ابن عباس: فاستخلصه واصطفاه الله (١٤) ﴿ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ قال ابن عباس: رد إليه الوحي وشفعه في قومه وفي نفسه (١٥) قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ قال الأخفش: (إن) مخففة من الثقيلة كما تقول: إن كان عبدُ الله لظريفًا.

فمعناه (١٦) (١٧) وقوله: ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾ من أزلقه عن موضعه إذا رماه ونحاه، وهذه (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١)  - بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا ويقولون (٢٢) (٢٣) (٢٤) قالوا: ذكر الله شدة نظرهم إليه للإصابة بالعين.

وأما أهل التحقيق من المفسرين وأصحاب العربية فإنهم ذهبوا إلى غير هذا.

قال الفراء: إن كادوا ليزلقونك.

أي ليرمونك ويزيلونك (٢٥) (٢٦) وقال المبرد: أي يحدون النظر إليك حتى يكاد يزلقك نظرهم.

وهذا كلام معروف عند العرب.

وقال أبو إسحاق: مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك.

وهذا مستعمل في الكلام.

يقول القائل: نظر إلى فلان نظرًا يكاد يصرعني (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال ابن قتيبة: ليس يريد الله عز وجل في هذا الموضع أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يزلقك أي يسقطك كما قال الشاعر (٣٠) يتقارضون إذا التقوا في موطن ...

نظرًا يزيل مواطئ الأقدام وقال أبو علي: معنى ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ﴾ أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء كما قال: ينظر الأعداء المنابذون، وأنشد البيت الذي أنشده ابن قتيبة (٣١) ﴿ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ﴾ ، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين إنما تكون مع الإجاب والاستحسان، ولا تكن مع الكراهية والبغض، ويدل على ما ذكرناه قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴾ أي: ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن (٣٢) ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ يعني القرآن ﴿ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين (٣٣) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"التفسير الكبير" 30/ 98.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 310، و"جامع البيان" 29/ 29.

(٣) انظر: "البحر المحيط" 8/ 317.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 211.

(٥) عند تفسيره الآية (84) من سورة يوسف.

قال: الكظيم: الساكت على غيظه، يقال: ما يكظم فلان على حرة إذا كان لا يحتمل شيئًا وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا حزنًا ممسكًا عليه.

وانظر: "اللسان" 3/ 265، و"المفردات" (432) (كظم).

(٦) (ك): (ربك).

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"تفسير مقاتل" 164/ ب، و"جامع البيان" 29/ 29، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ أ.

(٨) عند تفسيره الآية (145) سورة الصافات.

قال: العراء: المكان الخالي.

قال أبو عبيدة: وإنما قيل له: عراء، لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه.

وقال الليث: العراء: الأرض الفضاء التي لا تستر بشيء.

(٩) (س): (والحسن) زيادة.

(١٠) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، وذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 408 عن ابن عباس ومجاهد والسدي قوله: (وهو مغموم).

(١١) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.

(١٢) انظر: "تفسير مقاتل" 164/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 384.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 211.

(١٤) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.

(١٥) انظر: "زاد المسير" 8/ 343، و"التفسير الكبير" 30/ 99.

(١٦) (ك): (معناه).

(١٧) انظر: "معاني القرآن" 2/ 712.

(١٨) (ك): (بهذه).

(١٩) قرأ الجمهور ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ ﴾ بضم الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ ﴾ بفتح الياء.

وهما لغتان، يقال: أزلق يزلق، وزلق يزلق، والمعنى واحد.

انظر: "حجة القراءات" (718)، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" (422).

(٢٠) الشتر: انقلاب في جفن العين قلما يكون خلقة.

والشتر مخففة: فعلك بها.

"اللسان" 2/ 268 (شتر).

(٢١) لغتان: تقول: حزنني يحزنني حزنًا فأنا محزون.

ويقولون: أحزنني فأنا محزن وهو محزن.

"اللسان" 1/ 627 (حزن).

(٢٢) (ك): (قال ويقولون).

(٢٣) (ك): (يصيبونه).

(٢٤) وهو قول قتادة، والنضر بن شميل، والأخفش، والسدي، وغيرهم.

انظر: "جامع البيان" 29/ 30، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 409، ورجحه.

(٢٥) (ك): (ويزلقونك).

(٢٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 179.

(٢٧) (س): من قوله (لشدة نظره إلى وهو بين) إلى هنا زيادة.

(٢٨) (ك): (معه)، (س): (معي).

(٢٩) انظر: "معاني القرآن" 5/ 212.

(٣٠) البيت ورد غير منسوب في "تفسير غريب القرآن" (482)، و"مشكل القرآن" (170 - 171)، و"البيان والتبيين" 1/ 11، و"الكشاف" 4/ 478، و"زاد المسير" 8/ 344، و"اللسان" 3/ 60 (قرض)، و"البحر المحيط" 8/ 317 ومعنى (يتقارضون) أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظر عداوة وبغضاء.

(٣١) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 312 - 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 256.

(٣٢) نسبه الرازي إلى الجبائي ثم قال: واعلم أن هذا السؤال ضعيف؛ لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته وايراده للدلائل.

انظر: "التفسير الكبير" 30/ 100، ونسبه القرطبي في "جامعه" 18/ 255 للقشيري.

قلت: بل حال المشركين في مكة مع القرآن والنبي -  - يدل على غاية الاستحسان ونهاية التعجب ولم ينسبوه -  - إلى السحر والكهانة وغير ذلك إلا لشدة تأثيره على السامع، وقد بذلوا كل ما في وسعهم لصد القادمين إلى مكة من ملاقاة النبي -  - أو سماعه وما ذاك إلا خشية دخول الناس في هذا الدين وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا  ﴾ ، وليس في الآية ما يمنع الجمع بين نظر العداوة والبغضاء، ونظر الحسد والإصابة بالعين، والله أعلم.

(٣٣) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 385.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاصبر ﴾ يقتضي مسالمة للكفار، نسخت بالسيف ﴿ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت ﴾ هو يونس عليه السلام وسماه صاحب الحوت، لأن الحوت ابتلعه، وهو أيضاً ذو النون، والنون هو الحوت، وقد ذكرنا قصته في الأنبياء والصافات، فنهى الله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يكون مثله في الضجر والاستجعال، حين ذهب مغاضباً، وروي أن هذه الآية نزلت لما همَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على الكفار ﴿ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ هذا آخر ما جرى ليونس ونداؤه هو قوله في بطن الحوت.

لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت م الظالمين، والمكظوم الشديد الحزن ﴿ لَنُبِذَ بالعرآء وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ هو جواب لولا، والمنفي هو الذم لا نبذه بالعراء، فإنه قد قال في الصافات ﴿ فَنَبَذْنَاهُ بالعرآء ﴾ [الصافات: 145] فالمعنى لولا رحمة الله لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه نبذ هو غير مذموم، وقد ذكرنا العراء في الصافات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ن والقلم ﴾ مظهراً: يزيد وأبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وابن كثير ونافع وعاصم غير يحيى وحماد وغالب وهو الأصل للوقف.

ووجه الإخفاء نية الوصل ﴿ آن كان ﴾ بهمزتين: حمزة وأبو بكر وحماد ﴿ آن كان ﴾ بقلب الثانية ألفاً، ابن عامر ويزيد ويعقوب الباقون بهمزة واحدة ﴿ يبدلنا ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ لما تخيرون ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ ليزلقونك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع الآخرون: بالضم من الإزلاق.

الوقوف: ﴿ يسطرون ﴾ ه ط لأن ما بعده جواب القسم ﴿ لمجنون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وعطفاً على جواب القسم ﴿ ممنون ﴾ ه ج لذلك ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ ويبصرون ﴾ ج لأن ما بعد مفعول ﴿ المفتون ﴾ ه ﴿ سبيله ﴾ ط لاتفاق الجملتين ﴿ بالمهتدين ﴾ ه ﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ فيدهنون ﴾ ه ﴿ مهين ﴾ ه لا ﴿ بنميم ﴾ ه لا ﴿ أثيم ﴾ ه لا ﴿ زنيم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ أن كان ﴾ مستفهماً ﴿ وبنين ﴾ ه ومن قرأ مقصوراً يقف على البنين دون ﴿ زنيم ﴾ ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ الخرطوم ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لاحتمال أن يكون " إذ " ظرفاً ليكون وأن يكون مفعول " أذكر " محذوفاً ﴿ مصبحين ﴾ ه لا لتعلق أن المفسرة ﴿ صارمين ﴾ ه ﴿ يتخافتون ﴾ ه لا ﴿ مسكين ﴾ ه ﴿ قادرين ﴾ ه ﴿ الضالون ﴾ ه لا لعطف " بل " واتحاد المفعول ﴿ محرومون ﴾ ه ﴿ تسبحون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ يتلاومون ﴾ ه ﴿ طاغين ﴾ ه ﴿ راغبون ﴾ ه ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ أكبر ﴾ م ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ كالمجرمين ﴾ ه ط ﴿ مالكم ﴾ ص وقفة لطيفة لاستفهام آخر ﴿ تحكمون ﴾ ه ج ﴿ تدرسون ﴾ ه ج لأن ما بعده مفعول ﴿ تدرسون ﴾ وإنما كسرت " أن " لدخول اللام في خبرها ﴿ تخيرون ﴾ ه لا لأن " أم " معادل الاستفهام أو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ القيامة ﴾ لا لأن " أن " جواب الأيمان ﴿ تحكمون ﴾ ه ﴿ زعيم ﴾ ه لما مر في ﴿ تخيرون ﴾ ﴿ شركاء ﴾ ج للابتداء بأمر التعجيز مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ فلا يستطيعون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ ذلة ﴾ ط ﴿ سالمون ﴾ ه ﴿ بهذا الحديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ج للعطف ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ متين ﴾ ه ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ الحوت ﴾ م بناء على أن " إذ " مفعول " اذكر ﴿ مكظوم ﴾ ه ط ﴿ مذموم ﴾ ه ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ لمجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده مقول الكفار ﴿ للعالمين ﴾ ه.

التفسير: الأقوال المشتركة في فواتح نحو هذه السورة مذكورة.

أما المخصوصة بالمقام فعن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدى أن النون السمكة أقسم بالحوت الذي على ظهره الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى، أو بالحوت الذي احتبس يونس في بطنه، أو بالحوت بالذي لطخ سهم نمرود بدمه، اقوال.

عن ابن عباس في رواية الضحاك والحسن وقتادة أن النون هو الدواة.

قال: إذا ما الشوق برّح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم فيكون قسماً بالدواة والقلم العظيم النفع فيهما فإن التفاهم يحصل بالكتابة كما يحصل بالعبارة.

وعن بعض الثقات أن أصحاب السجر يستخرجون من بعض الحيتان شيئاً أسود كالنقس أو أشد سواداً منه يكتبون منه فيكون النون.

وهو الحوت عبارة عن الدواة، ويعضده ما روي ان النبي  قال "أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهو الدواة ثم قال اكتب ما هو كائن من عمل أو أثر أو رزق أو أجل فكتب ما هو كائن وما كان إلى يوم القيامة ثم ختم على القلم فلم ينطق إلى يوم القيامة" وعن معاوية بن قرة مرفوعاً أن النون لوح من نور تكتب الملائكة فيه يأمرهم الله به.

وقيل: نهر في الجنة.

اعترض النحويون على هذه الأقوال كلها أن اللفظ إن كان جنساً لزم الجر والتنوين وكذا إن كان علماً منصرفاً، وإن كان علماً غير منصرف لزم الفتح بتقدير حرف القسم، وقيل: النون آخر حرف من حروف الرحمن فإنه يجتمع من الروحم ون هذا الإسم الخاص.

أما القلم فالأكثرون على أنه جنس أقسم الله  بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض وقال آخرون: هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن " أول ما خلق الله القلم " والجوهرة التي وردت في الحديث " أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض" كلها واحدة ولعلك قد وقفت على تحقيق هذه المعاني في هذا الكتاب.

و" ما " في قوله ﴿ وما يسطرون ﴾ موصولة أو مصدرية والضمير لكل من يسطر أو للحفظة.

وقيل: أراد أصحاب القلم فحذف المضاف قال الزجاج: " أنت " اسم " ما " والخبر ﴿ بمجنون ﴾ وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ كلام وقع في البين والمعنى انتفى عنك الجنون بواسطة إنعام ربك عليك، أو انتفى عنك الجنون متلبساً بنعمة الله كما لو قلت: أنت عاقل بحمد الله أي ثبت لك العقل حال كونك متلبساً بحمد الله، أو أثبته لك حال كون التباسي بالحمد.

وقال عطاء وابن عباس: يريد بنعمة ربك عليك بالإيمان والنبوة وسائر الأخلاق الفاضلة.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة في حقه من الفصاحة وكمال العقل والاتصاف بكل ملكة وإذا كانت هذه النعمة ظاهرة فوجودها ينافي حصول الجنون وكلام العدى ضرب من الهذيان.

﴿ وإن لك ﴾ على احتمال أعباء النبوة ومشاق تبليغ الرسالة ﴿ لأجراً غير ممنون ﴾ قال الأكثرون: أي غير مقطوع كقوله ﴿ عطاء غير مجذوذ  ﴾ وعن مجاهد ومقاتل والكلبي أنه غير مكدر عليك بسبب المنة.

وقالت المعتزلة: في تقرير هذا الوجه أن له ممنا لأنه ثواب يستوجبه على عمله وليس بتفضل ابتداء، وضعف لأنه يلزم منه التكرار لأن الأجر عندهم شيء ينبىء عن كونه غير ممنون.

الحاصل أنه لا يمنعك نسبتهم إياك إلى الجنون عن الاشتغال بهذا الخطب الجسيم وهو دعاء الخلق إلى الدين القويم فإن لك بسببه ثواباً عظيماً.

﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ والخلق ملكة نفسانية يقدر معها على الإتيان بالفعل الجميل بمواتاة وسهولة، فإذا وصفه مع ذلك بالعظم وهو كونه على الوجه الأجمل والنهج الأفضل لم يكن خلق أحسن منه.

وفيه إشارة إلى أن نعم الله  كانت ظاهرة نفي الجنون عنه ودلالة على تكذيب الحساد لأن المجنون لا خلق له يحمد أو عليه يعتمد، والنبي  كان من حسن الخلق المتشابه بحيث كان مجمع أخلاق سائر الأنبياء وكان يوجد فيه ما كان متفرقاً فيهم، وإليه الإشارة بقوله ﴿ فبهداهم اقتده  ﴾ أي اقتد بكل منهم فيما اختص به من الخلق الكريم وفي قوله ﴿ لعلى ﴾ إشارة إلى أنه مستول على أحسن الأخلاق الفاضلة لا يزعه عنها وازع.

قال سعيد بن هشام: قلت لعائشة: أخبريني عن خلق رسول الله  قالت: كان خلقه القرآن.

وفي روياة: قرأت ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ \[المؤمنون: 1\] وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك، وقال أنس: خدمت رسول الله  عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لمَ فعلته ولا في شيء لم أفعله هلا فعلت، ثم سلى نبيه  وهدد أعداءه بقوله ﴿ فستبصر ﴾ يا محمد ما قدر لك من عز الدارين ﴿ ويبصرون ﴾ في الدنيا بالقتل والسبي كما في بدر أو في الآخرة.

قوله ﴿ بأيكم المفتون ﴾ قال الأخفش وأبو عبيدة وابن قتيبة: الباء صلة والمعنى أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون.

وقال الفراء والمبرد والحسن والضحاك عن ابن عباس: المفتون مصدر بمعنى المجنون كالمعقول والمجلود.

وقيل: الباء بمعنى " في" وعل هذا يجوز أن يكون الفتون بمعنى المجنون أي في أي الفريقين من يستحق هذا الاسم أو في أيهما الشيطان لأن الشيطان مفتون في دينه.

وكانت العرب تزعم أنه من يخبله الجن فقال الله  سيعلمون غداً بأيهم الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون وإختلاط العقل، وفيه تعريض بأبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما.

ثم أحال كيفية الحال إلى كمال علمه فقال ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي بمن جن ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ وهم العقلاء.

والأظهر أن يراد الضلال في غوائلهم والاهتداء في الدين وفيه وعد ووعيد.

قال المفسرون: إن المشركين أرادوا من النبي أن يعبد الله مدة وآلهتهم مدة وهم يعبدون الله مدة وآلهتهم مدة فأنزل الله  ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ وهو كالنتيجة لما تقدمه لأنه  حين وعده أنصار العز والرفعة في الدارين وأوعد أعداءه بضد ذلك وكان علمه شاملاً بحال الفريقين وجزائهما لم يبق لطاعة الأعداء وجه.

ثم ذكر تمنيهم فقال ﴿ ودوا لو تدهن ﴾ تلين وتصانع ﴿ فيدهنون ﴾ أي فهم يدهنون حينئذ لأن النفاق يجر النفاق أي ودوا ادهانك فهم الآين يدهنون طمعاً في ادهانك.

قال المبرد: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره إذا خان فيه وأظهر خلاف ما يضمر.

ثم حض النبي قائلاً ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين ﴾ لأن من أكثر الحلف بالله ولم يعرف قدر المعبود بالحق أذله الله.

وفيه إشارة إلى أن عزة النفس منوطة بتصحيح نسبة العبودية، ومهانة النفس مربوطة بالغفلة عن سر الربوبية.

وأيضاً الحلاف يتفق له الكذب كثيراً والكذب حقير عند الناس.

والهماز الذي يذكرالناس بالمكروه.

وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس.

﴿ مشاء بنميم ﴾ أي لأجل سعاية.

والنميم مصدر نم ينم ﴿ مناع للخير ﴾ أي للمال أو مناع أهل الخير وهو الإسلام فذكر الممنوع منه دون الممنوع فكأنه قال مناع من الخير ﴿ معتد ﴾ مجاوز في الظلم حده ﴿ أثيم ﴾ كثير الإثم ﴿ عتل ﴾ غليظ في الخلقة جاف في الخليقة.

الزنيم الدعي ومعنى ﴿ بعد ذلك ﴾ التبعيد في الرتبة أي مع الأوصاف المعدودة له هذا الوصف الذي هو أشنعها لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث جميع أخلاق الولد.

عن ابن عباس في رواية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسراً وله عشر بنين يقول لهم: من أسلم منكم منعته رفدي وفي رواية أخرى ليس من سنخهم ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من مولده ويقال: بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية.

وقوله ﴿ أن كان ﴾ بهمزة واحدة تقديره لأن كان أي لا تطع صاحب هذه المثالب لكثرة ماله وولده ومن قرأ بهمزتين فمعناه ألأن كان ﴿ ذا مال ﴾ كذب فمتعلق الجار مدلول.

قوله ﴿ إذا تتلى عليه آياتنا قال ﴾ وذلك أن قال لا يصلح أن يعمل فيه لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ولا قوله ﴿ يتلى ﴾ لأنه مضاف إليه.

عن مجاهد أنه الأسود بن عبد يغوث وعن السدى: الأخنس بن شريق أصله في ثقيف وعداده في زهرة.

وقيل: كان الوليد دعياً في قريش ﴿ سنسمه على الخرطوم ﴾ أي الأنف وفيه استخفاف به من جهة الوسم ومن جهة التعبير عن أنف الآدمي بالخرطوم الذي هو أنف الحيوانات المنكرة كالخنزير والفيل كما لو عبر عن شفاه الناس بالمشافر، وعن أيديهم وأرجلهم بالأظلاف والحوافر، ثم الأنف أكرم موضع من الوجه ولهذا قيل: الجمال في الأنف وله التقدم ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه الأنفة وقالوا: في الذليل " جدع أنفه ورغم أنفه " والوسم في الأنف إهانة فوق إهانة.

ومتى هذا الوسم؟

منهم من قال في الدنيا فعن ابن عباس خطم يوم بدر بالسيف فبقيت سمته على خرطومه.

وعن النضر بن شميل: الخرطوم الخمر أي سنسمه على شربها.

وسمي الخمر خرطوماً كما قيل لها السلافة وهو ما سلف عن عصير العنب، أو لأنها تطير في الخياشيم وتؤثر فيها.

ومنها من قال في الآخرة نعلمه فعبر عن سواد الوجه كله بسواد الخرطوم.

ومنهم من قال في الدارين أي سنشهره بهذه السمة وهي أنّه ﴿ حلاف ﴾ إلى ﴿ زنيم ﴾ فلا يخفى كما لا تخفى السمة علىالخرطوم.

ولا شك أن هذه الأوصاف الذميمة وتبعاتها بقيت في حق الوليد بن المغيرة في الدنيا والآخرة كالوسم على الأنف والوسم على الجبهة.

ثم بين أنه إنما أعطى رؤساء مكة الآلاء ليواظبوا على شكر نعم الله وإلا صب عليهم بدل الآلاء البلاء ومكان السراء والضراء.

وهذه صورة الابتلاء كما أنه كلف أصحاب الجنة ذات الثمار أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم، يروى أن واحداً من ثقيف وكان مسلماً كان ملك ضيعة فيها نخل وزروع بقرب صنعاء، وكان يجعل منها نصيباً وافراً للفقراء، فلما مات ورثها منه بنوه ثم قالوا: عيالنا كثير والمال قليل فلو فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا ﴿ ليصرمنها ﴾ أي ليقطعن ثمر نخيلها في وقت الصباح ﴿ ولا يستثنون ﴾ أي لا يقولون " إن شاء الله " وأصله من الثني وهو الرد كأن الحالف يرد انعقاد اليمين بالثنيا.

ولعلهم إنما لم يقولوا إن شاء الله لوثوقهم بالتمكن من صرامها.

هذا قول الأكثرين.

وزعم الآخرون أن المراد يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملته ذلك القدر الذي كان يدفع أبوهم إليهم ﴿ فطاف عليها ﴾ عذاب ﴿ طائف من ﴾ حكم ﴿ ربك ﴾ أو بعض من عذاب ربك، والطائف لا يكون إلا ليلاً.

قال الكلبي: أرسل الله عليها ناراً من السماء فاحترقت ﴿ وهم نائمون فأصبحت ﴾ الجنة ﴿ كالصريم ﴾ " فعيل " بمعنى " فاعل " أو معنى " مفعول " والأول قول من قال إنها لما احترقت صارت سوداء كالليل المظلم، أو سمي الليل صريما لأنه يصرم نور البصر فيقطعه أو لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقيل: النهار يسمى أيضاً صريماً لأن كل واحد من الملوين ينصرم بالآخر فالصريم بمعنى الصارم.

ووجه التشبيه أنها يبست وذهبت خضرتها أو لم يبق منها شيء من قولهم " صرم الإناء " إذا أفرغه.

والثاني وهو الأولى قول من قال إنها لما احترقت كانت شبيهة بالمصرومة في هلاك الثمرة وإن كان أثر الاحتراق مغايراً لأثر الصرم.

وقال الحسن: أي صرم عنها الخير: وقيل: الصريم من الرمل قطعة ضخمة تنصرم عن سائر الرمال وجمعه للصرائم شبهت الجنة وهي محترقة لا ثمر فيها ولا خير بالرملة المنقطعة عن الرمال وهي ما لا تنبت شيئاً ينتفع به.

قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض ﴿ اغدوا على حرثكم ﴾ وعنوا بالحرث الزرع والثمار والأعناب ولذلك قالوا ﴿ صارمين ﴾ لأنهم أرادوا قطع الثمار من هذه الأشجار وضمن الغدو معنى الإقبال فلهذا عدي بعلى أي أقبلوا على حرثكم باكرين، أو عبر عن الغدو لأجل الصرم بالغدو عليه كما قال: غدا عليهم العدو ﴿ يتخافتون ﴾ يتسارون فيما بينهم والنهي عن الدخول للمسكين نهي لأصحاب الجنة عن تمكين المسكين منه كأنهم قالوا فيما بينهم لا تمكنوه من الدخول.

قوله ﴿ وغدوا على حرد ﴾ هو المنع ومنه حاردت السنة إذا منعت خيرها، وحاردت الإبل إذا منعت درها، أي قادرين على منع المساكين لا غير يعني أنهم عزموا على حرمان المساكين مع كونهم قادرين على نفعهم.

وغدوا بحال فقر وذهاب ثمر لا يقدرون فيها إلا على النكد والمنع.

وفيه أنهم طلبوا حرمان الفقراء فعورضوا بنقيض مقصودهم فتعجلوا الحرمان والمسكنة.

ويجوز أن تكون المحاردة للجنة أي غدوا حاصلين على منع الجنة خيرها لا على إصابة النفع منها.

ويجوز أن لا يكون قوله ﴿ على حرد ﴾ صلة ﴿ قادرين ﴾ ولكن الكل يعود إلى قوله ﴿ أن اغدوا على حرثكم ﴾ أي عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرج وقوله ﴿ قادرين ﴾ يكون من باب عكس الكلام للتهكم أي قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين.

وقيل: الحرد بالتسكين والتحريك وهو الأكثر بمعنى الغضب أي لم يقدروا إلا على غضب بعضهم على بعض كقوله ﴿ يتلاومون ﴾ وقيل: الحرد القصد والسرعة قطا حراد أي سراع يعني وغدوا على حالة سرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم على صرامها ومنع خيرها من المساكين.

وقيل: حرد علم للجنة بعينها والمعنى كما تقدم لأن قوله ﴿ إنا لضالون ﴾ يحتمل أن يراد الضلال عن الطريق كأنهم لما رأوا جنتهم محترقة سبق إلى ذهنهم أنها ليست هي وأنهم ضلوا الطريق، فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا ﴿ بل نحن محرومون ﴾ حرمنا خيرها لشؤم عزمنا على البخل ومنع المساكين.

ويحتمل أن يراد الضلال عن الدين لأن منع حق الله نوع من الضلال.

ومعنى بل أنهم اعتقدوا كونهم قادرين على الانتفاع به ومنع الغير منها فقالوا: بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين.

﴿ قال أوسطهم ﴾ أي أعدلهم وخيرهم كما مر في قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً  ﴾ .

﴿ ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ قال الأكثرون: معنى التسبيح ههان الاستثناء لأنه  وبخهم بقوله ﴿ ولا يستثنون ﴾ والاستثناء نوع من التنزيه لأنه لو دخل في الوجود شيء على خلاف مشيئته كان نقصاً في كمال القدرة.

وعن الحسن: هو الصلاة كأنهم يتكاسلون فيها وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر.

وقال آخرون: إن أوسطهم كان يقول لهم عند عزمهم على منع حقوق الفقراء: لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من هذه العزيمة الخبيثة.

لم يلتفتوا إلى قوله إلا بعد خراب الجنة قائلين ﴿ سبحان ربنا ﴾ عن أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته.

قالت المعتزلة: سبحان الله عن الظلم وعن كل قبيح ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ بمنع المعروف وترك الاستثناء.

ومعنى ﴿ يتلاومون ﴾ يلوم بعضهم بعضاً يقول واحد لغيره: أنت أشرت علينا بهذا الرأي ويقول الآخر: أنت خوفتنا بالفقر.

ويقول الثالث: أنت الذي رغبتني في جمع المال.

ثم قالوا جميعاً ﴿ يا ويلنا إنا كنا طاغين ﴾ اعترافاً بالذنب ثم قووا رجاءهم قائلين ﴿ عسى ربنا ﴾ الآية.

سئل قتادة عنهم أهم من أهل الجنة أم من أهل النار؟

فقال: لقد كلفتني تعباً كأنه توقف في المسألة.

وعن مجاهد: إن هذه كانت توبة منهم فأبدلوا خيراً منها.

وعن ابن مسعود: بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً.

ثم هدد المكلفين بقوله ﴿ كذلك العذاب ﴾ أي مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة من القحط والقتل وبلونا أصحاب الجنة عذاب الدنيا ﴿ ولعذاب الآخرة ﴾ أشد وأعظم.

ثم مزج وعيد الأشقياء بوعد السعداء قائلاً ﴿ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ﴾ ليس فيها إلا النعيم الخالص لا يشوبه منغص كجنان الدنيا.

قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية قال كفار مكة للمسلمين: إن الله فضلنا عليكم في الدنيا فنفى الله معتقدهم بقوله ﴿ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ﴾ قال القاضي: فيه دليل واضح على أن وصفي المسلم والمجرم متنافيان فلا يكون الفاسق مسلماً.

وأجيب بأنه  لم ينف المماثلة من كل الوجوه لتماثلهما في الجوهرية والجسمية وسائر الأوصاف التي لا تكاد تحصر، فإذن المراد نفي التسوية في أثري الإسلام والإجرام ولا نزاع في ذلك فإن أثر أحدهما وعد وأثر الآخر وعيد أو يكون ثواب المسلم غير المجرم أكثرمن ثواب المسلم المجرم على أن المجرم في الآية يحتمل أن يراد به الكافر الذي ضرب مثل أصحابه الجنة فيه وفي أمثاله نظير الآية ﴿ أم نجعل المتقين كالفجار  ﴾ وقد مر في " ص ".

ثم قال لهم على طريقة الالتفات ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ هذا الحكم المعوج وتخير الشيء واختاره إذا أخذ خيره ﴿ أم لكم أيمان علينا ﴾ يقال لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به.

ومعنى ﴿ بالغة ﴾ مؤكدة مغلظة وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ يجوز أن يتعلق ببالغة أي هذه الإيمان في قوتها وكمالها بحيث تنتهي إلى يوم القيامة لم تبطل منها يمين على أن يحصل المقسوم عليه وهو قوله ﴿ إن لكم لما تحكمون ﴾ ثم قال لنبيه  أو لكل من يستأهل الخطاب ﴿ سلهم أيهم بذلك ﴾ الحكم ﴿ زعيم ﴾ أي كفيل بالإستدلال على صحته ﴿ أم لهم ﴾ ناس ﴿ شركاء ﴾ في هذا القول.

والمراد من الآيات أنه ليس لهم دليل عقلي في إثبات مذهبهم ولا نقلي وهو كتاب يدرسون ولا عهد لهم به عند الله ولا زعيم لهم يقوم به ولا لهم من يوافقهم من العقلاء، فدل ذلك على أنه باطل من كل الوجوه.

قوله ﴿ يوم يكشف ﴾ قيل: منصوب بقوله ﴿ فليأتوا ﴾ أي إن كانوا صادقين في أنها شركاء فليأتوا بها يوم القيامة لتنفعهم وتشفع لهم.

وقيل: بإضمار " اذكر" وقيل: التقدير يوم يكشف ﴿ عن ساق ﴾ كان كيت وكيت.

احتجت المشبهة على أن لله ساقاً وأيدوه بما يروى عن ابن مسعود مرفوعاً أنه يتمثل الحق يوم القيامة ثم يقول: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إذا عرفنا نفسه عرفناه فعند ذلك يكشف الرحمن عن ساقه، فأما المؤمنون فيخرون سجداً، وأما المنافقون فتكون ظهورهم كالطبق الواحد وذلك قوله ﴿ ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ حال كونهم ﴿ خاشعة أبصارهم ﴾ يعني يلحقهم ذل بسبب أنهم لم يكونوا مواظبين على خدمة مولاهم في حال السلامة ووجود الأصلاب والمفاصل على هيآتها المؤدية للركوع والسجود.

وقال أهل السنة: الدليل الدال على أنه  منزه عن الجسمية وعن كل صفات الحدوث وسمات الإمكان دل على أن الساق لم يرد بها الجارحة، فأولوه أنه عبارة عن شدة الأمر وعظم الخطب، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن ومثله.

" وقامت الحرب بنا على ساق".

ومعناه يوم يشتد الأمر ويتفاقم ولا كشف ثمة ولا ساق كما تقول للأقطع الشحيح " يده مغلولة " ولا يد ثمة ولا غل وإنما هو مثل في البخل، وهكذا في الحديث ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله.

قال في الكشاف: ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه لأنها ساق مخصوصة معهودة عنده وهي ساق الرحمن.

وإنما جاءت منكرة في التمثيل للدلالة على أنه أمر فظيع هائل: قلت: الإنصاف أن هذا لا يرد على المشبه فإن له أن يقول إنما نكر الساق لأجل التعظيم أي ساق لا يكتنه كنة عظمتها كما يقول غيره.

وقال أبو سعيد الضرير: ساق الشيء أصله الذي به قوامه كساق الشجر وساق الإنسان، فمعنى الآية يوم تظهر حقائق الأشياء، وأصولها.

وقيل: يكشف عن ساق جهنم أو عن ساق العرش أو عن ساق ملك مهيب.

وقال أبو مسلم: هذا في الدنيا لأنه تعالى قال في وصف ذلك اليوم ﴿ ويدعون إلى السجود ﴾ ولا ريب أن يوم القيامة ليس فيه تعبد وتكليف فهو زمان العجز، أو آخر أيام دنياه فإنه في وقت النزع ترى الناس يدعون إلى الصلاة بالجماعة إذا حضرت أوقاتها وهؤلاء لا يستطيعون الصلاة لأنه الوقت الذي لا ينفع نفساً إيمانها.

والتحقيق أن الذي ذكره محتمل إلا أن في تعليله ضعفاً فإنا نوافقه أن يوم القيامة ليس وقت تعبد وتكليف.

ولكن لا مانع من الدعاء إلى السجود للتوبيخ والتفضيح على رؤس الأشهاد.

وقال الجبائي: لما خصص عدم الاستطاعة بالآخرة دل على أنهم كانوا يستطيعون فيبطل هذا قول من قال لا قدرة له على الإيمان، والجمع بين المتنافيين محال فالاستطاعة في الدنيا أيضاً غير حاصلة على قول الجبائي.

والجواب الصحيح عندي أن عدم الاستطاعة في الدنيا لمانع آخر وهو أنه  لم يرد منهم الإيمان وعلم منهم الكفر وقدر لهم ذلك، وعدم الاستطاعة في الآخرة لمانع آخر له من السجود وهو لين المفاصل ومطاوعة الأعصاب وسلامة الفقر.

ثم خوفهم بنوع آخر قائلاً ﴿ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ﴾ وفيه تسلية للنبي  كأنه قال: حسبي مجازياً لمن يكذب بالقرآن فلا تشغل قلبك بشأنه.

وقوله ﴿ سنستدرجهم ﴾ إلى قوله ﴿ مبين ﴾ قد مر في آخر " الأعراف".

وقوله ﴿ أم تسألهم ﴾ إلى ﴿ يكتبون ﴾ قد مر في " الطور".

ثم أمر نبيه  بالصبر ونهاه عن الضجر في أمر التبليغ كحال يونس  وقد تقدم مراراً.

قال بعض العلماء: معنى قوله ﴿ كصاحب الحوت ﴾ أنه كان في ذلك الوقت مكظوماً أي مملوءاً من الغيظ فكأنه قيل: لا تكن مكظوماً أولا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة.

وقال جمع من المفسرين: أن الآية نزلت بأحد حين حل بالمؤمنين ما حل فأراد أن يدعو على من انهزم.

وقيل: نزلت حين أراد أن يدعو على ثقيف والنعمة التي تداركت يونس أي التحقت به وسدت خلته هي النبوة أو عبادته السابقة، أو قوله في بطن الحوت " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "، وهذه النعمة التوبة بالحقيقة.

وقد اعتمد في جواب لولا على الحال أعني قوله ﴿ وهو مذوم ﴾ والمعنى أن حاله كانت على خلاف الصبر حين نبذ بالعراء أي الفضاء كما مر في "الصافات".

لولا تسبيحه لكانت حاله على الذم.

ويل: أراد لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ثم نبذ بعراء القيامة أي بعرصتها مذموماً ﴿ فاجتباه ربّه ﴾ بقبول التوبة ﴿ فجعله من الصالحين ﴾ أي من الأنبياء عن ابن عباس: رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه.

ثم أخبر نبيه  عن حسد قومه وحرصهم على إيقاع المكروه به بعد أن صبره وشجعه فقال ﴿ وإن يكاد ﴾ هي مخففة من الثقيلة واللام دليل عليها.

زلقه وأزلقه بمعنى.

يقال زلق الرأس وأزلقه أي حلقه.

قال جار الله: يعني أنهم من شدة تخوفهم ونظرهم إليك سراً بعيون العداوة والبغضاء يكادون يزلون قدمك أو يهلكونك من قولهم " نظر إليّ نظرا يكاد يصرعني أو يكاد يأكلني " أي لو أمكنه بنظره الصرع أو الأكل لفعله.

ثم بين بقوله ﴿ لما سمعوا الذكر ﴾ أن هذا النظر كان يشتد منهم في حال قراءة النبي  القرآن حسداً على ما أوتي من النبوة.

﴿ ويقولون إنه لمجنون ﴾ حيرة في أمره وتنفيراً عنه مع علمهم بأنه أعقلهم.

ثم قال  ﴿ وما هو ﴾ أي القرآن ﴿ إلا ذكر ﴾ وموعظة ﴿ للعالمين ﴾ وفيه استجهال أن يجنبن من جاء بمثله من الآداب والحكم وأصول كل العلوم والمعارف.

واعلم أن للعقلاء خلافاً في أن الإصابة بالعين هل لها في الجملة حقيقة أم لا؟

وبتقدير كونها حقيقة فهل الآية مفسر بها أم لا؟

أما المقام الأول فقد شرحناه في أول " البقرة " في قوله ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ﴾ وفي يوسف في قوله ﴿ يا بني لا تدخلوا من باب واحد  ﴾ والذي نقوله ههنا: فمنهم من أنكر ذلك بناء على أن تأثير الجسم في الجسم لا يعقل إلا بواسطة المماسة وهو ضعيف لأن النفوس والأمزجة لها تأثيرات خاصة.

ويروى أنه  قال " العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر " وأما المقام الثاني فقد قال بعض المفسرين: كانت العين في بني أسد، وكان الرجل منهم يتجوع ويرتاض وثلاثة أيام فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله إلا عانه.

فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله  فقال: لم أر كاليوم رجلاً مثله.

فعصمه الله  .

طعن الجبائي في هذا التأويل وقال: الإصابة بالعين مقرونة باستحسان الشيء، والقوم كانوا يبغضون النبي  وأجيب بأنهم كانوا يبغضونه من حيث الدين إلا أنهم كانوا يستحسنون مصاحبته بإيراده الأعاجيب من الحجج والبيان وأنواع المعجزات.

وعن الحسن: دواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

فجائز أن يكون الحديث هو القرآن، وجائز أن يكون أريد البعث، وهو الغالب أن يكون هو المراد.

وقوله: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ قال القتبي: الاستدراج هو الاستدناء من المهلكة درجة فدرجة حتى يهلك.

وقيل: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ﴾ أي ننعم عليهم وننسيهم شكرها بالإملاء، وينزل بهم العذاب والهلاك إينما كانوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ .

فالأصل أن [الكيد والمكر] والاستدراج يقتضي معنى واحداً، وهو أن يأخذه من وجه أمنه ويراقب وجوه هلاكه، وهو يستعمل في الخلق على وجه يذم أهله، فهو - أيضاً - يضاف إلى الله  ، ليس على جعل ذلك اسماً له؛ إذ لا يجوز أن يسمى ماكراً كائداً مستدرجاً، وإنما يضاف إليه في حق الجزاء، وذلك الجزاء في الحقيقة، ليس بكيد؛ ولكن قد يجوز أن يسمى الجزاء باسم ما له الجزاء؛ كما يسمى [جزاء السيئة] سيئة وإن لم يكن الجزاء سيئة، كما سمى جزاء الاعتداء اعتداء، فكذلك سمي جزاء الكيد كيداً على هذا المعنى، لا أن يكون ذلك منه كيداً في الحقيقة.

أو نقول بأن الذم إنما يلحق الماكر والكائد إذا استعمله في وليه وصفيه، فأما إذا مكر بعدوه وكاد به، فذلك مما لا بأس به، ولا يذم عليه فاعله، وما أضيف من الكيد إلى الله  ؛ فذلك حال بأعدائه ليس بأوليائه؛ فلم يكن فيه إلحاق معنى مكروه بالله  .

ثم الأصل أن ينظر في الفعل لماذا أضيف إلى الله  بحقيقة أم بمجاز؟

فإن كانت الإضافة بحكم المجاز، فلا يجعل ذلك اسماً له؛ لأنه لا يجوز أن يقال: هو كاتب، نافخ روح، ولا كائد، ولا ماكر؛ إذ لا يتحقق ذلك منه، وما كانت إضافته لأجل التحقيق فإنه يستقيم أن يسمى به؛ لأنه يستقيم أن نسميه: منعما مفضلاً خالقاً، رحماناً؛ إذ الإنعام والإفضال والخلق موجود منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَتِينٌ ﴾ أي: قوي ثابت، فقوله  : ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ أي: كيدي لأوليائي على أعدائي ثابت، ليس ككيد الأعداء؛ لأن كيد الأعداء بكيد الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف، كما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ .

والأصل أن الكيد الذي أضيف إلى الله  حق، والحق قوي ثابت لا مدفع له، وكيد الشيطان باطل، وليس للباطل قرار، بل هو كما قال الله  : ﴿ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .

الأصل أن الرسل - عليهم الصلاة السلام - لم يكونوا يدعون الخلق إلى ما يستثقله عقل أو طبع، بل كانوا يدعونهم إلى ما يخف ويسهل على الطبع والعقل؛ ليكون أقرب إلى الإجابة له؛ لأنهم كانوا يدعونهم إلى التوحيد، وهم كانوا يعبدون غير واحد من الآلهة، وعبادة الواحد أيسر من عبادة عدد، وكانوا يدعونهم إلى الصدق وإلى مكارم الأخلاق، والإجابة بمثله أمر يسير؛ فيقول: أحملت عليهم أجراً فثقل عليهم ذلك حتى تركوا الإجابة لك مع تيسيره عليهم، فيخرج ذكر هذا مخرج تسفيه أحلامهم.

وقوله -  -: ﴿ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ .

فهذا يحتمل أوجهاً: أحدها: أن عندهم علم الغيب، فهم يكتبون، فهذا بالذي ادعوا أنا نجعل المسلمين كالمجرمين، وذلك مكتوب عندهم، أو عند سلفهم علم الغيب، فوجدوه في كتبهم، ويعلم به خلفهم ليخاصموك به، ثم هم قوم لم يكونوا يؤمنون بالكتب ولا بالرسل، فكيف يخاصمونك ويكذبونك فيما تخبرهم؟

وإنما يوصل إلى التكذيب بما ثبت من العلم بخلافه ويتأيد بأحد الوجهين اللذين ذكرناهما.

أو يكون هذا في موضع الاحتجاج عليهم حين زعموا أنا نعبد الأصنام؛ ليقربونا إلى الله زلفى، ويكونوا لنا شفعاء، فما الذي حملهم على هذه الدعوى أم عندهم علم الغيب فهم يكتبون؟!

أو أن يكون القوم قد ألزموا أنفسهم الدينونة بدين الله -  - وأقروا له بالألوهية، وذلك يلزمهم العمل بما فيه تبجيل الله  ، وما به يشكر الخلائق، وذلك لا يعرف إلا [بالرسل - عليهم السلام -] فقد عرفوا حاجة أنفسهم إلى من يعلمهم علم الغيب، فما لهم امتنعوا عن الإجابة [لرسول الله  ] مع حاجتهم إليه، أي: ما عندم علم الغيب؛ فيستغنون به عن الرسول،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ .

إن حكم الله  في الرسل ثلاث: أحدها: ألا يدعوا على قومهم بالهلاك، وإن اشتد أذاهم من ناحيتهم حتى يؤذن لهم.

والثاني: ألا يفارقوا قومهم وإن اشتد بهم البلاء إلا بإذن الله  .

والثالث: ألا يقصروا في التبليغ وإن خافوا على أنفسهم.

ثم من وراء هذا عليهم أمران: أحدهما: أنهم أمروا ألا يغضبوا إلا لله  .

والثاني: ألا يحزنوا لمكان أنفسهم إذا آذاهم قومهم، بل يحزنوا لمكان أولئك القوم إشفاقاً عليهم منه ورحمة بما يحل عليهم من العذاب بتكذيبهم الرسل، فهذا هو حكم ربه.

ويحتمل أن يكون قوله  : ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ أي: لا تجازهم بصنيعهم [ولا تستعجل] عليهم، بل اصبر لحكم ربك بما حكم عليهم من العذاب.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ .

قيل: نادى على قومه بالدعاء عليهم بالهلاك، لكنه لم يظهر دعاؤه على قومه عندنا، وإنما ظهرت منه المفارقة والمغاضبة على قومه بقوله: ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً  ﴾ ، ولم يكن له أن يفارقهم، فيقول: اصبر بما حكم عليك ربك من ترك المفارقة عن قومك، ولا تكن كصاحب الحوت الذي فارق قومه قبل مجيء الإذن له من الله  .

والثاني: أن يونس -  - لم يصبر على أذى قومه، بل فارقهم حتى ابتلي ببطن الحوت، ثم فزع بالدعاء إلى الله  ؛ ليخلصه من بطنه، فيقول: عليك بالصبر مع قومك، ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر مع قومه؛ فابتلي بما ذكر حتى احتاج إلى أن ينادي في الظلمات: ﴿ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، فتبتلى أنت أيضاً بمثل ما ابتلي هو به، ثم لا يجوز أن يلحقه [اللائمة] ويعاتب على ما دعا في بطن الحوت؛ لأن ذلك عذاب ابتلي به، ولا ينبغي للمرء أن يصبر على العذاب، بل عليه أن يبتهل إلى الله  ؛ ليكشف عنه، وإنما لحقه اللائمة بمفارقة قومه وتركه الصبر معهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ .

نعمة ربه: هو ما وفقه للتوبة والإنابة، وما قبل منه توبته، وكان له ألا يقبلها؛ إذ هو إنما أتى بالتوبة بعد أن صار إلى تلك المضايق، وابتلي بالشدائد وجاءه بأس الله  ، ومن حكمه أنه لا يقبل التوبة بعد نزول العذاب والشدة، ألا ترى إلى قوله  : ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، فإذا قبل توبته، كان فيه عظيم نعمة من الله  [عليه].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ ﴾ .

وهو المكان الخالي، ولو لم يتب الله  عليه، لكان يلبث في بطنه إلى يوم يبعثون، ثم ينبذ بعد ذلك بالعراء وهو مذموم، لكن الله  تفضل عليه بقبول توبته؛ فنبذه بالعراء، وهو سقيم أي: محموم؛ فقوله: ﴿ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾ ، لو عاقبه بالنبذ، ولكن إنما نبذ بالعراء بعد قبول التوبة؛ فلم يصر مذموماً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .

فنعمته عليه كانت من ثلاثة أوجه: أحدها: في تذكير الزلة، وذلك كان بالتقام الحوت إياه، وكان عنده أن مفارقته قومه لم تكن زلة؛ لأنه إنما فارقهم لأن قومه كانوا له أعداء في الدين، ففارقهم لينجو منهم، وليسلم له دينه ولا يسمع المكروه منهم في الله  .

والثاني: أن في مفارقته إياهم تخويفاً منه لهم وتهويلاً؛ لأن القوم كان لا يفارقهم نبيهم من بين أظهرهم إلا عندما يريد أن ينزل بهم العذاب، وذلك مما يدعوهم إلى الإقلاع عما هم فيه ويدعوهم إلى الفزع إلى الله  ، ومن خوف آخر بأمر يكون فيه دعاؤه إلى الهدى كان محموداً مصيباً؛ ولأن مفارقته إياهم هي التي دعتهم إلى الإسلام، فأسلموا لقوله: ﴿ فَآمَنُواْ فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ  ﴾ ، ومن كانت مفارقته لهذه الأوجه التي ذكرناها، لم تعد مفارقته زلة، بل عدت من أفضل شمائله، ولكن لحقته اللائمة مع هذا كله؛ لما ذكرنا أن الرسل لا يسعهم أن يفارقوا قومهم وإن اشتد عليهم الأذى من جهتهم إلا بعد وجود الإذن من الله  ، وكانت مفارقته تلك بغير إذن، والله أعلم.

ثم كان في ظنه أنه ليست تلك المفارقة زلة، ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ  ﴾ ، قيل: في التأويل: أي: لن نضيق عليه.

وقيل: أي: لن نعاقبه، فلولا أن عنده أن تلك المفارقة ليست بزلة وإلا كان لا يظن هذا؛ فتبين عنده بالتقام الحوت إياه وبما أفضى إليه من الشدائد أن تلك زلة منه، وتذكير الزلة من إحدى النعم.

والنعمة الثالثة: ما ذكرناها من توفيق الله  إياه بالتوبة، وإكرامه عليه بقبولها، ومن حكمه ألا يقبل التوبة ممن جاءه بأس الله، وأحاط به العذاب، وهو إنما فزع إلى التوبة بعدما عاين العذاب، وجاءه بأس الله  .

وجائز أن يكون حكمه هذا في الكفرة، ليس في المؤمنين؛ لأنه قال في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً  ﴾ ، ففيه إشارة إلى أن من سبق منه الإيمان قبل أن يأتيه آيات ربه أو سبق منه كسب الخير من بعد الإيمان؛ فإن إيمانه في ذلك الوقت ينفعه، وقال في أهل الكفر: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ  فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ  ﴾ ، فهذا حكمه في أهل الشرك، وقال: ﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ  ﴾ ، وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ  ﴾ ، فثبت أن ما ذكرنا من الحكم هو حكمه في أهل الكفر، ليس في أهل الإيمان، والعقل يدل على هذا، وذلك أن المؤمن قد علم أن الذي سبق منه زلة وارتكاب معصية؛ فهو ليس يحتاج إلى إثبات آيات فتنبهه على أن الذي فعله زلة، فجائز أن تقبل منه التوبة في ذلك الوقت كما تقبل منه قبل تلك الحالة، وأما الكافر فعنده أن ما سبق منه لم يكن زلة ومعصية؛ فيحتاج إلى آيات تنبهه على غفلته، وتذكره بأن الذي فعله معصية، فإذا نزل به البأساء والشدة، فذلك يمنعه عن النظر والتدبر؛ فلا يكون إيمانه عن تحقيق ويقين فلا ينفعه.

والثاني: أنه يفزع إلى التوبة والإيمان؛ ليدفع عن نفسه البأساء؛ لا ليدوم عليه لو كشف عنه العذاب؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ  ﴾ فهذا لا ينفعه إيمانه.

فإن قيل: إن قوم يونس -  - قد نفعهم إيمانهم وهم آمنوا بعدما أيقنوا بالعذاب.

فجوابه من وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون عذابهم موعوداً ولم يكن مشاهداً قريباً.

وجائز أن يكون الله علم صدقهم في إيمانهم لو مكثوا فكشف عنهم العذاب لما كانوا متحققين، وغيرهم كان يفزع إلى الإيمان؛ ليكشف عنه العذاب، ثم يعود إلى كفره؛ فلم يقبل منه.

وجائز أن يكون من حكم الله  ألا يقبل من أحد التوبة إذا حل به العذاب، ولكنه يقبلها من المؤمنين؛ إفضالا وإنعاماً، ولا يتفضل على الكافرين الذين آثروا الدنيا على الآخرة، وعلى قول المعتزلة: ليست لله  عليه نعمة ولا على أحد من أهل الإسلام؛ لأن من قولهم: إن الله  إذا علم من كافر أنه يسلم يوماً من الدهر وإن كان بعد ألف سنة، فليس له أن يميته قبل أن يسلم، وعليه أن يوفقه للتوبة، وعليه أن يقبل منه التوبة، فإذا كان هذا كله حقّاً عليه للعبد، لم يكن له موضع نعمة عليه في قبول التوبة؛ لأن من قضى حقّاً عليه وأوصله إلى مستحقه لم يعد ذلك منه إنعاماً؛ فلا يكون لقوله: ﴿ لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ معنى، وقد قال الله  : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ  ﴾ ، ولو كانت الهداية واجبة عليه، لم يكن [له عليهم] موضع امتنان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ .

أي: اختاره واصطفاه للرسالة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ  ﴾ .

[وقوله: ﴿ فَجَعَلَهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

فهذا وصف كل نبي في الآخرة].

وقوله -  -: ﴿ وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ...

﴾ \[الآية\].

منهم من يقول: هذا على التحقيق، وصرف ذلك إلى قوم بأعيانهم قد عرفوا بخبث الأعين وحلول الآفات بمن يعينونه من أهل الشرف والتبجيل، ثم الله -  - بفضله عصم رسوله  فلم يتهيأ لهم أن يعينوه، فكان فيه تقرير رسالته وآية نبوته عند أولئك الكفرة.

فإن قال قائل: إنهم كانوا يعدون رسول الله  من المجانين، ويقولون: إنه لمجنون، والمجنون لا يعان، وإنما يعان أهل الشرف والحجا وذوو الأحلام والنهى، فما أنكرت أنه سلم من الآفة حتى يقصد إليه بالعينة.

فجوابه أنهم وإن كانوا يعدونه من جملة المجانين، فإنهم سمعوا منه ذكراً عجباً وهو القرآن، ومن أعطي مثل ذلك الذكر والشرف، فهو مما يقصد إليه بالحسد، فكانوا يعينونه لذلك المعنى، ثم لم يضره كيدهم، ولا نفذت فيه حيلهم؛ فأوجب ذلك تنبيههم أنه رسول من الله  .

ومنهم من حمله على التمثيل ليس على التحقيق، فيقول: وإن يكاد الذين كفروا لشدة بغضهم وعداوتهم إياك، ليزلقونك بأبصارهم، كما يقال: نظر إلى فلان نظراً كاد أن يقتلني، فيقوله على التمثيل.

ثم قوله: ﴿ لَيُزْلِقُونَكَ ﴾ أي: يسقطونك ويصرعونك.

وقوله: ﴿ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكْرَ ﴾ وهو القرآن.

وقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ﴾ .

قد وصفنا أنهم لأي معنى كانوا ينسبونه إلى الجنون، وذكرنا ما يرد عليهم مقالتهم، وينفي عنهم الريب والإشكال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .

فجائز أن يكون الذكر هو القرآن، وجائز أن يكون أريد به رسول الله  إذ قد تقدم ذكرهما جميعاً؛ إذ كل واحد منهما ذكر، يذكر ما للخلق، وما على الخلق، وما ينتهي إليه عواقبهم، ويذكر ما يؤتى وما يتقى، والله أعلم [بالصواب].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاصبر -أيها الرسول- لما حكم به ربك من استدراجهم بالإمهال، ولا تكن مثل صاحب الحوت يونس  في التضجر من قومه؛ إذ نادى ربه وهو مكروب في ظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.

<div class="verse-tafsir" id="91.5dljz"

مزيد من التفاسير لسورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله