الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 20 طه > الآيات ٩٢-٩٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةقوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي ﴾ ﴿ قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ فِي سَرْدِ القِصَصِ اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ فَوَجَدَ الأمْرَ كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى لَهُ، فَجَعَلَ يُؤَنِّبُ هارُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِحَذْفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِها في الوَصْلِ، ويَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ الياءِ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ بِبَنِي إسْرائِيلَ نَحْوَ جَبَلِ الطُورِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِّي لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَشَتْ مَعِي طائِفَةٌ وأقامَتْ طائِفَةٌ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، فَتَفَرَّقَ الجَمْعُ، فَخِفْتُ لَوْمَكَ عَلى التَفْرِيقِ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "ألّا تَتَّبِعَنِ" أيْ ألّا تَسِيرَ بِسَيْرِي وعَلى طَرِيقَتِي في الإصْلاحِ والتَسْدِيدِ، فَيَجِيءُ اعْتِذارُ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَعْنى: إنِ الأمْرَ كانَ مُتَفاقِمًا، فَلَوْ تَقَوَّيْتُ عَلَيْهِ وقَعَ القِتالُ واخْتِلافُ الكَلِمَةِ فَكانَ تَفْرِيقًا بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما لا يَنْتُ جُهْدِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَتَّبِعَنِ" بِمَعْنى: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَبَّعَنِي.
واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ دُخُولِ "لا"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وذَهَبَ حُذّاقُ النُحاةِ إلى أنَّها مُؤَكِّدَةٌ، وأنَّ في الكَلامِ فِعْلًا مُقَدَّرًا، كَأنَّهُ قالَ: ما مَنعُكَ ذَلِكَ، أو خَصَّكَ، أو نَحْوَ هَذا عَلى "ألّا تَتَّبِعَنِ"؟
وما قَبْلُ وما بَعْدُ يَدُلُّ عَلى هَذا ويَقْتَضِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يابْنَ أُمْ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "يا بْنَ أُمّا" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا: وبَناهُ كَخَمْسَةَ عَشَرَ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يا بْنَ أُمْ" بِالكَسْرِ عَلى حَذْفِ الياءِ تَخْفِيفًا، وهو شاذٌّ لِأنَّها لَيْسَتْ كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامِي، وإنَّما هي كالياءِ في قَوْلِكَ: يا غُلامَ غُلامِي، وهَذِهِ ياءٌ لا تُحْذَفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْمَيْنِ اِسْمًا واحِدًا ثُمْ أضافَ إلى نَفْسِهِ فَحَذَفَ الياءَ كَما تُحْذَفُ مِنَ الأسْماءِ المُفْرَدَةِ إذا أُضِيفَتْ، نَحْوَ يا غُلامُ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ هارُونُ أخا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلّا مِن أُمِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ شَقِيقَهُ، وإنَّما دَعاهُ بِأُمِّهِ لِأنَّ التَداعِيَ بِالأُمْ أشْفَقُ وأشَدُّ اسْتِرْحامًا، وأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلِحْيَةِ هارُونَ غَضَبًا، وكانَ حَدِيدَ الخُلُقِ عَلَيْهِ السَلامُ.
<div class="verse-tafsir"