تفسير سورة آل عمران الآية ١٩٥ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩٥

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أو أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللهِ واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَوابِ ﴾ "اسْتَجابَ" اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أجابَ، فَلَيْسَ اسْتَفْعَلَ عَلى بابِهِ مِن طَلَبِ الشَيْءِ بَلْ هو كَما قالَ الشاعِرُ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ لَمْ يُجِبْهُ.

وقَوْلُهُ: "أنِّي" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنَّ" مُفَسِّرَةً، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "أيْ"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "إنِّي" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وهَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أيْ: هَذا فِعْلُهُ مَعَ الَّذِينَ يَتَّصِفُونَ بِما ذَكَرَ.

ورُوِيَ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، قَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرِجالَ في الهِجْرَةِ ولَمْ يَذْكُرِ النِساءَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» ونَزَلَتْ آياتٌ في مَعْناها فِيها ذِكْرُ النِساءِ.

وقَوْلُهُ: "مِن ذَكَرٍ" تَبْيِينٌ لِجِنْسِ العامِلِ، وقالَ قَوْمٌ: "مِن" زائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ النَفْيِ مِنَ الكَلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي في الأجْرِ وتَقَبُّلِ العَمَلِ، أيْ إنَّ الرِجالَ والنِساءَ في ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ.

وبَيَّنَ تَعالى حالَ المُهاجِرِينَ، ثُمَّ الآيَةُ بَعْدُ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ مَن أُوذِيَ في اللهِ تَعالى، وهاجَرَ أيْضًا إلى اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ اسْمُ الهِجْرَةِ وفَضْلُها الخاصُّ بِها قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ الفَتْحِ فالمَعْنى باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَهْجُرُ وطَنَهُ وقَرابَتَهُ في اللهِ كَأنَّ الوَطَنَ والقَرابَةَ يَهْجُرُونَهُ أيْضًا فَهي مُهاجَرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ عِبارَةُ إلْزامِ ذَنْبٍ لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ المُهاجِرِينَ إنَّما أخْرَجَهم سُوءُ العِشْرَةِ وقَبِيحُ الأفْعالِ فَخَرَجُوا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ إلْزامِ الذَنْبِ لِلْكُفّارِ قِيلَ: ( أخْرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ) ﴿ وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

وإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ الفَخْرِ والقُوَّةِ عَلى الأعْداءِ تَمَسَّكَ بِالوَجْهِ الآخَرِ مِن أنَّهم خَرَجُوا بِرَأْيِهِمْ، فَمِن ذَلِكَ «إنْكارُ النَبِيِّ  عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ حِينَ أنْشَدَهُ: ..............

∗∗∗ ورَدَّنِي إلى اللهِ مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "أنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ"؟» إنْكارًا عَلَيْهِ.

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: في عُصْبَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا زالُوا فَما زالَ أنْكاسٌ ولا كُشُفٌ ∗∗∗ عِنْدَ اللِقاءِ ولا مِيلٌ مَعازِيلُ وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَقاتَلُوا وقُتِلُوا" بِتَخْفِيفِ التاءِ وضَمِّ القافِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَقاتَلُوا وقُتِّلُوا" بِتَشْدِيدِ التاءِ وهي في المَعْنى كالأُولى في المُبالَغَةِ في القَتْلِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَقُتِلُوا وقاتَلُوا" يَبْدَآنِ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ التَوْبَةِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وابْنَ عامِرٍ يُشَدِّدانِ في التَوْبَةِ.

ومَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ هَذِهِ: ألّا تُعْطِيَ الواوَ رُتْبَةً لِأنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلًا في المَعْنى، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَطْفُ بِالفاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُتِلُوا وقاتَلَ باقِيهِمْ، فَتُشْبِهُ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ  ﴾ عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى أنَّ القَتْلَ وقَعَ بِالرِبِّيِّينَ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: و"قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، و"قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةُ المَعْنى مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْفَضْلَيْنِ عَلى التَرْتِيبِ المُتَعارَفِ.

وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: "وَقَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ "وَقاتَلُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قُتِّلُوا" بِضَمِّ القافِ وشَدِّ التاءِ "وَقاتَلُوا"، وهَذِهِ يَدْخُلُها إمّا رَفْضُ رُتْبَةِ الواوِ، وإمّا أنَّهُ قاتَلَ مَن بَقِيَ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لَأُكَفِّرَنَّ" لامُ القَسَمِ.

و"ثَوابًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: "صُنْعَ اللهِ" و ﴿ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
التربيع الأول اليوم 7.5 / 29.5
الإضاءة 51%
البدر بعد 7 يوم
لا إله إلا الله