الآية ١٩٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩٥ من سورة آل عمران

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَـٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ثَوَابًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم ) أي : فأجابهم ربهم ، كما قال الشاعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب قال سعيد بن منصور : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن سلمة ، رجل من آل أم سلمة ، قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله ، لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء ؟

فأنزل الله [ عز وجل ] ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) إلى آخر الآية .

وقالت الأنصار : هي أول ظعينة قدمت علينا .

وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة ، ثم قال : صحيح على شرط البخاري ، ولم يخرجاه .

وقد روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم سلمة قالت : آخر آية أنزلت هذه الآية : ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ) إلى آخرها .

رواه ابن مردويه .

ومعنى الآية : أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا - مما تقدم ذكره - فاستجاب لهم ربهم - عقب ذلك بفاء التعقيب ، كما قال تعالى : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) [ البقرة : 186 ] .

وقوله : ( أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) هذا تفسير للإجابة ، أي قال لهم مجيبا لهم : أنه لا يضيع عمل عامل لديه ، بل يوفي كل عامل بقسط عمله ، من ذكر أو أنثى .

وقوله : ( بعضكم من بعض ) أي : جميعكم في ثوابي سواء ( فالذين هاجروا ) أي : تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران ، ( وأخرجوا من ديارهم ) أي : ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجئوهم إلى الخروج من بين أظهرهم ، ولهذا قال : ( وأوذوا في سبيلي ) أي : إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده ، كما قال تعالى : ( يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ) [ الممتحنة : 1 ] .

وقال تعالى : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) [ البروج : 8 ] .

وقوله : ( وقاتلوا وقتلوا ) وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله ، فيعقر جواده ، ويعفر وجهه بدمه وترابه ، وقد ثبت في الصحيح أن رجلا قال : يا رسول الله ، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ، أيكفر الله عني خطاياي ؟

قال : " نعم " ثم قال : " كيف قلت ؟

" : فأعاد عليه ما قال ، فقال : " نعم ، إلا الدين ، قاله لي جبريل آنفا " .

ولهذا قال تعالى : ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) أي : تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب ، من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

وقوله : ( ثوابا من عند الله ) أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم ، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا ، كما قال الشاعر : إن يعذب يكن غراما وإن يع ط جزيلا فإنه لا يبالي وقوله : ( والله عنده حسن الثواب ) أي : عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحا .

قال ابن أبي حاتم : ذكر عن دحيم بن إبراهيم : حدثنا الوليد بن مسلم ، أخبرني حريز بن عثمان : أن شداد بن أوس كان يقول : يا أيها الناس ، لا تتهموا الله في قضائه ، فإنه لا يبغي على مؤمن ، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله ، وإذا نزل به شيء مما يكره فليصبر وليحتسب ، فإن الله عنده حسن الثواب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: فأجاب هؤلاء الداعين= بما وصف من أدعيتهم أنهم دعوا به (1) = ربُّهم، بأني لا أضيع عمل عامل منكم عمل خيرًا، ذكرًا كان العامل أو أنثى.

* * * وذكر أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما بال الرجال يُذكرون ولا تذكر النساء في الهجرة "؟

فأنـزل الله تبارك وتعالى في ذلك هذه الآية.

8367 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، تُذكر الرجال في الهجرة ولا نذكر؟

فنـزلت: " أنّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى "، الآية.

(2) 8368 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت رجلا من ولد أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟

فأنـزل الله تبارك وتعالى: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ".

8369 - حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد بن موسى قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة: أنها &; 7-488 &; قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟

فأنـزل الله تعالى: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عملٍ عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ".

(3) * * * وقيل: " فاستجاب لهم " بمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعر: (4) وَدَاٍع دَعَـا يَـا مَـنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى? فَلَــم يَسْــتَجِبْهُ عِنْـدَ ذَاكَ مُجِـيبُ (5) بمعنى: فلم يجبه عند ذاك مجيب.

* * * وأدخلت " من " في قوله: " من ذكر أو أنثى " على الترجمة والتفسير عن قوله: (6) " منكم "، بمعنى: " لا أضيع عمل عامل منكم "، من الذكور والإناث.

وليست " من " هذه بالتي يجوز إسقاطها وحذفها من الكلام في الجحد، (7) لأنها دخلت بمعنى لا يصلح الكلام إلا به.

* * * وزعم بعض نحويي البصرة أنها دخلت في هذا الموضع كما تدخل في قولهم: " قد كان من حديث "، قال: و " من " ههنا أحسن، لأن النهي قد دخل في قوله: " لا أضيع ".

* * * وأنكر ذلك بعض نحويي الكوفة وقال: = لا تدخل " من " وتخرج إلا في موضع الجَحد.

(8) وقال: قوله: " لا أضيع عمل عامل منكم "، لم يدركه الجحد، لأنك لا تقول: " لا أضرب غلام رجل في الدار ولا في البيت "، فتدخل،" ولا "، (9) لأنه لم ينله الجحد، ولكن " مِنْ" مفسرة.

(10) * * * وأما قوله: " بعضكم من بعض "، فإنه يعني: بعضكم= أيها المؤمنون الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= من بعض، في النصرة والملة والدين، (11) وحكم جميعكم فيما أنا بكم فاعل، على حكم أحدكم في أني لا أضيع عمل ذكرٍ منكم ولا أنثى.

* * * &; 7-490 &; القول في تأويل قوله : فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فالذين هاجروا " قومَهم من أهل الكفر وعشيرتهم في الله، إلى إخوانهم من أهل الإيمان بالله، والتصديق برسوله، (12) " وأخرجوا من ديارهم "، وهم المهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بمكة=" وأوذوا في سبيلي"، يعني: وأوذوا في طاعتهم ربَّهم، وعبادتهم إياه مخلصين له الدين، وذلك هو " سبيل الله " التي آذى فيها المشركون من أهل مكة المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها (13) =" وَقَاتَلُوا " يعني: وقاتلوا في سبيل الله =" وقتلوا " فيها (14) =" لأكفرن عنهم سيئاتهم "، يعني: لأمحونها عنهم، ولأتفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولأغفرنها لهم (15) =" ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا "، يعني: جزاء لهم على ما عملوا وأبلوا في الله وفي سبيله (16) =" من عند الله "، يعني: من قبل الله لهم (17) =" والله عنده حسن الثواب "، يعني: أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه، وذلك ما لا يبلغه وصف واصفٍ، لأنه مما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، كما:- 8370 - حدثنا عبد الرحمن بن وهب قال، حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال، حدثني عمرو بن الحارث: أن أبا عشانة المعافري حدثه: أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ثلة تدخل الجنة لفقراء المهاجرين الذين تُتَّقَى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان، لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: " أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟

ادخلوا الجنة "، فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: " ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك، مَنْ هؤلاء الذين آثرتهم علينا " فيقول الرب جل ثناؤه: " هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي".

فتدخل الملائكة عليهم من كل باب: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ .

(18) [سورة الرعد: 24] * * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " وقاتلوا وقتلوا ".

* * * فقرأه بعضهم: ( " وَقَتَلُوا وَقُتِّلُوا " ) بالتخفيف، بمعنى: أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين.

* * * وقرأ ذلك آخرون: ( وَقَاتَلُوا وَقُتِّلُوا ) بتشديد " قتَلوا "، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقتَّلهم المشركون، بعضًا بعد بعض، وقتلا بعد قتل.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين: ( وَقَاتَلُوا وَقَتَلُوا ) بالتخفيف، بمعنى: أنهم قاتلوا المشركين وقَتَلوا.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: " وَقُتِلُوا " بالتخفيف." وقاتلوا "، بمعنى: أن بعضهم قُتِل، وقاتل من بقي منهم.

* * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها، إحدى هاتين القراءتين، وهي: " وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا " بالتخفيف، أو " وَقَتَلُوا " بالتخفيف " وَقَاتَلُوا " لأنها القراءة المنقولة نقل وراثةٍ، وما عداهما فشاذ.

وبأيّ هاتين القراءتين التي ذكرت أني لا أستجيز أن أعدوَهما، قرأ قارئ فمصيب في ذلك الصوابَ من القراءة، لاستفاضة القراءة بكل واحدة منهما في قرأة الإسلام، مع اتفاق معنييهما.

------------------ الهوامش : (1) في المطبوعة"فأجاب هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوا به ربهم..." وهو كلام لا يستقيم.

وفي المخطوطة: "فأجاب الله هؤلاء الداعين بما وصف الله عنهم أنهم دعوه به ربهم.." وهو أيضًا غير مستقيم ، والصواب الراجح ما أثبت.

لأن الله عدد أدعيتهم التي دعوه بها قبل في الآيات السالفة ، فكان صوابًا أن يذكرها إجمالا في بيان تفسير الآية.

وغير مستقيم في العربية أن يقال: "وصف عن فلان كذا" ، فلذلك رجحت قراءتها كما أثبت.

والناسخ كما ترى كثير السهو والغلط.

وسياق الكلام"فأجاب هؤلاء الداعين...

ربهم" برفع"ربهم" ، وما بينهما فصل في السياق ، وهو تأويل قوله: "فاستجاب لهم ربهم".

(2) الحديث: 8367 - هذا إسناد صحيح.

ومؤمل: هو ابن إسماعيل ، وهو ثقة ، كما ذكرنا في: 2057.

سفيان - هنا - : هو الثوري ، وإن كان مؤمل يروى أيضا عن ابن عيينة.

ولكن بين أنه الثوري في رواية الحاكم ، كما سنذكر في التخريج ، إن شاء الله.

والحديث رواه الطبري أيضا ، فيما يأتي في تفسير الآية: 25 من سورة الأحزاب (ج22 ص8 بولاق) ، عن ابن حميد ، عن مؤمل ، بهذا الإسناد.

وذكره سببًا لنزول تلك الآية.

والحديث مروي على أنه سبب في نزول هذه الآية وتلك.

فرواه الحاكم في المستدرك 2: 416 ، من طريق الحسين بن حفص ، عن سفيان بن سعيد [وهو الثوري] ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم سلمة ، قالت: "قلت: يا رسول الله ، يذكر الرجال ولا يذكر النساء؟

فأنزل الله عز وجل: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات" الآية ، وأنزل: "أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى".

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

والحسين بن حفص الهمداني الإصبهاني: ثقة ، كما ذكرنا في شرح: 2435.

وقد ذكر ابن كثير رواية الطبري الأخرى ، في سورة الأحزاب 6: 533 ، غير منسوب.

ورواه أحمد في المسند 6: 301 (حلبى) ، سببًا لنزول آية الأحزاب.

رواه من وجهين ، جمعهما في إسناد واحد: من رواية عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، ومن رواية عبد الرحمن بن شيبة المكي الحجبي = كلاهما عن أم سلمة.

ثم أعاده مرة أخرى ، ص: 305 من الوجهين ، فرقهما إسنادين.

ورواه المزي في تهذيب الكمال ، في ترجمة"عبد الرحمن بن شيبة" ، بإسناده إليه.

وذكر الحافظ في تهذيب التهذيب أن النسائي رواه في التفسير من طريق عبد الرحمن.

فهو في السنن الكبرى.

ورواه الطبري ، فيما سيأتي (ج22 ص8 بولاق) ، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أم سلمة - سببًا لنزول آية الأحزاب.

ويحيى بن عبد الرحمن: تابعي ثقة جليل رفيع القدر.

وذكر ابن كثير 6: 533 أنه رواه النسائي من طريقه ثم أشار إلى رواية الطبري إياه.

وانظر أيضا الدر المنثور 5: 200.

فالحديث في الموضعين في الطبري ، من طريق مجاهد = مختصر.

وانظر الروايتين التاليتين لهذا.

(3) الحديثان: 8368 ، 8369 - الرجل من ولد أم سلمة: أبهم هنا ، ولكنه عرف من إسناد آخر.

وكذلك ذكره الترمذي في روايته مبهمًا.

فرواه 4: 88 ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان -وهو ابن عيينة- بهذا الإسناد.

وكذلك أبهمه سعيد بن منصور: فرواه عن سفيان ، به.

فيما نقله عنه ابن كثير في التفسير 2: 326.

وبينه الحاكم في المستدرك.

فرواه 2: 300 ، من طريق يعقوب بن حميد: "حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سلمة بن أبي سلمة: رجل من ولد أم سلمة ، عن أم سلمة".

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ، ولم يخرجاه.

سمعت أبا أحمد الحافظ - وذكر في بحثين في كتاب البخاري: يعقوب عن سفيان ، ويعقوب عن الدراوردي = فقال أبو أحمد: هو يعقوب بن حميد".

والذهبي وافق الحاكم على أنه على شرط البخاري.

ويعقوب بن حميد بن كاسب: مضى توثيقه في: 4779 ، 4880 ، ومضى اعتراض الذهبي على الحاكم في تصحيح حديثه هناك.

فالعجب أن يوافقه هنا!

و"سلمة بن أبي سلمة" هذا: هو"سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة" ، نسب إلى جده الأعلى.

وبعضهم يذكر نسبه كاملا ، وبعضهم ينسبه لجده ، يقول: "سلمة بن عمر بن أبي سلمة".

وأم سلمة أم المؤمنين: هي أم جده"عمر بن أبي سلمة".

و"سلمة" هذا: مترجم في تهذيب التهذيب ، ولم يترجم في أصله"تهذيب الكمال".

وله ترجمة في الكبير للبخاري 2 / 2 / 81 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 166.

والحديث ذكره السيوطي 2: 112 ، دون التقيد بتابعي معين عن أم سلمة ، وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني.

(4) كعب بن سعد الغنوي.

(5) مضى البيت وتخريجه فيما سلف 1: 320 ، تعليق: 1 / 3: 483 ، تعليق: 1.

(6) "الترجمة": البدل ، كما سلف في 2: 340 ، تعليق: 1 ، ص: 374 ، 420 ، 424 - 426.

أما "التفسير" ، فكأنه عنى به"التبيين" ، ولم يرد التمييز ، وانظر فهرس المصطلحات في سائر الأجزاء السالفة.

(7) انظر زيادة"من" في الجحد فيما سلف 2: 126 ، 127 ، 442 ، 470 / 5: 586.

(8) انظر ما سلف 2: 127.

(9) في المطبوعة"فيدخل" بالياء ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وهذا صواب قراءتها.

(10) يعني بقوله"مفسرة" مبينة ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 .

(11) في المطبوعة: "والمسألة والدين" ، والصواب من المخطوطة.

(12) انظر تفسير"هاجر" فيما سلف 4: 317 ، 318.

(13) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف 3: 563 ، 583 ، 592 / 4: 318 / 5: 280 / 6: 230.

(14) في المطبوعة والمخطوطة: "وقتلوا: يعني ، وقتلوا في سبيل الله ، وقاتلوا فيها" قدم وأخر في سياق الآية ، وفي سياقة المعنى ، والصواب ما أثبت ، وإن كانت إحدى القراءات تجيز ما كان في المخطوطة ، وانظر القراآت في الآية بعد.

(15) انظر تفسير"التكفير" فيما سلف قريبًا ص: 482.

(16) انظر تفسير"الثواب" فيما سلف 2: 458 / 7: 262 ، 304.

(17) انظر تفسير"عند" فيما سلف 2: 501.

(18) الحديث: 8370 - أبو عشانة ، بضم العين المهملة وتشديد الشين المعجمة ، المعافري ، بفتح الميم: هو حي بن يؤمن بن عجيل المصري.

تابعي ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 110 ، وابن سعد 7 / 2 / 201 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 276.

والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2: 71- 72 ، من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن وهب -وهو عبد الله- بهذا الإسناد ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

ورواه أيضا الطبراني ، من طريق أحمد بن صالح ، عن ابن وهب - فيما نقل عنه ابن كثير 4: 519 ورواه أحمد في المسند ، بنحوه: 6570 ، من طريق معروف بن سويد الجذامي ، عن أبي عشانة المعافري.

ثم رواه - بنحوه أيضًا: 6571 ، من طريق ابن لهيعة ، عن أبي عشانة.

ورواه أبو نعيم في الحلية - مختصرًا - من طريق معروف بن سويد 1: 347.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10: 259 ، من روايتي المسند ، وذكر في الأولى أنه رواه أيضًا البزار ، والطبراني ، "ورجالهم ثقات".

وذكر في الثانية أنه رواه أيضًا الطبراني ، "ورجال الطبراني رجال الصحيح ، غير أبي عشانة ، وهو ثقة".

وذكره السيوطي 2: 112 ، ونسبه لابن جرير ، وأبي الشيخ ، والطبراني والحاكم"وصححه" ، والبيهقي في الشعب.

ثم ذكره مرة أخرى 4: 57- 58 ، ونسبه لأحمد ، والبزار ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، والحاكم"وصححه" ، وابن مردويه ، وأبي نعيم في الحلية ، والبيهقي في شعب الإيمان.

ولم يذكره ابن كثير في هذا الموضع ، بل ذكره في ذاك الموضع ، في تفسير سورة الرعد ، كما أشرنا إليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أي أجابهم .قال الحسن : ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم .وقال جعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد .قيل : وكيف ذلك ؟

قال : اقرءوا إن شئتم " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " إلى قوله : " إنك لا تخلف الميعاد " [ آل عمران : 191 - 194 ] ." أني " أي بأني .وقرأ عيسى بن عمر " إني " بكسر الهمزة , أي فقال : إني .وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله , ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء ؟

فأنزل الله تعالى : " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من : ذكر أو أنثى " الآية .وأخرجه الترمذي .ودخلت " من " للتأكيد ; لأن قبلها حرف نفي .وقال الكوفيون : هي للتفسير ولا يجوز حذفها ; لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به , وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد .

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ابتداء وخبر , أي دينكم واحد .وقيل : بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشبه ذلك .وقال الضحاك : رجالكم شكل نسائكم في الطاعة , ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة ; نظيرها قوله عز وجل : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " [ التوبة : 71 ] .ويقال : فلان مني , أي على مذهبي وخلقي .

فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ابتداء وخبر , أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة .

وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي في طاعة الله عز وجل .

وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا أي وقاتلوا أعدائي ."وقتلوا " أي في سبيلي .وقرأ ابن كثير وابن عامر : " وقاتلوا وقتلوا " على التكثير .وقرأ الأعمش " وقتلوا وقاتلوا " لأن الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول .وقيل : في الكلام إضمار قد , أي قتلوا وقد قاتلوا ; ومنه قول الشاعر : تصابى وأمسى علاه الكبر أي وقد علاه الكبر .وقيل : أي وقد قاتل من بقي منهم ; تقول العرب : قتلنا بني تميم , وإنما قتل بعضهم .وقال امرؤ القيس : فإن تقاتلونا نقتلكم وقرأ عمر بن عبد العزيز : " وقتلوا وقتلوا " خفيفة بغير ألف .

لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ أي لأسترنها عليهم في الآخرة , فلا أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها .

وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مصدر مؤكد عند البصريين ; لأن معنى " لأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار " لأثيبنهم ثوابا .الكسائي : انتصب على القطع .الفراء : على التفسير .

وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ أي حسن الجزاء ; وهو ما يرجع على العامل من جراء عمله ; من ثاب يثوب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا، { بعضكم من بعض } أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب، { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا } فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله.

{ لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله } الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل.

{ والله عنده حسن الثواب } مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فاستجاب لهم ربهم أني ) أي : بأني ، ( لا أضيع ) لا أحبط ، ( عمل عامل منكم ) أيها المؤمنون ( من ذكر أو أنثى ) قال مجاهد : قالت أم سلمة يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية ( بعضكم من بعض ) قال الكلبي : في الدين والنصرة والموالاة ، وقيل : كلكم من آدم وحواء ، وقال الضحاك : رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة ، كما قال : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " ( التوبة - 71 ) .

( فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي ) أي : في طاعتي وديني ، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة ، ( وقاتلوا وقتلوا ) قرأ ابن عامر وابن كثير " وقتلوا " بالتشديد وقال الحسن : يعني أنهم قطعوا في المعركة ، والآخرون بالتخفيف وقرأ أكثر القراء : ( وقاتلوا وقتلوا ) يريد أنهم قاتلوا العدو ثم أنهم قتلوا وقرأ حمزة والكسائي ( وقتلوا وقاتلوا ) وله وجهان أحدهما : معناه وقاتل من بقي منهم ، ومعنى قوله ( وقتلوا ) أي : قتل بعضهم تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم والوجه الآخر ( وقتلوا ) وقد قاتلوا ، ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ) نصب على القطع قاله الكسائي ، وقال المبرد : مصدر أي : لأثيبنهم ثوابا ، ( والله عنده حسن الثواب ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاستجاب لهم ربهم» دعاءهم «أنِّي» أي بأني «لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم» كائن «من بعض» أي الذكور من الإناث وبالعكس والجملة مؤكدة لما قبلها أي هم سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها، نزلت لما قالت أم سلمة يا رسول الله إني لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء «فالذين هاجروا» من مكة إلى المدينة «وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي» ديني «وقاتلوا» الكفار «وَقُتِلُوا» بالتخفيف والتشديد وفي قراءة بتقديمه «لأكفِّرنَّ عنهم سيئاتهم» أسترها بالمغفرة «ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا» مصدر من معنى لأكفرن مؤكد له «من عند الله» فيه التفات عن التكلم «والله عنده حسن الثواب» الجزاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأجاب الله دعاءهم بأنه لا يضيع جهد مَن عمل منهم عملا صالحًا ذكرًا كان أو أنثى، وهم في أُخُوَّة الدين وقَبول الأعمال والجزاء عليها سواء، فالذين هاجروا رغبةً في رضا الله تعالى، وأُخرجوا من ديارهم، وأوذوا في طاعة ربهم وعبادتهم إيّاه، وقاتلوا وقُتِلوا في سبيل الله لإعلاء كلمته، ليسترنَّ الله عليهم ما ارتكبوه من المعاصي، كما سترها عليهم في الدنيا، فلا يحاسبهم عليها، وليدخلنَّهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار جزاء من عند الله، والله عنده حسن الثواب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لقد كانت نتيجة دعواتهم ، أن أجاب الله لهم سؤالهم وحقق لهم مطالبهم فقال - تعالى - { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } !!

.قال الحسن البصرى : " ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم " .وقال جعفر الصادق : " من حزبه أمر فقال خمس مرات { رَبَّنَآ } أنجاه الله مما يخالف ، وأعطاه ما أراد ، قيل : وكيف ذلك؟

قال : اقرءوا أن شئتم قوله - تعالى - { الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً } .

.

.

إلخ فإن هؤلاء الأخيار قد نادوا ربهم خمس مرات فأجاب الله لهم دعاءهم .ودلت الفاء فى قوله { فاستجاب } على سرعة الإجابة ، لأن الفاء للتعقيب ، فهم لأنهم دعوا الله بقلب سليم ، أجاب الله لهم دعاءهم بدون إبطاء .واستجاب هنا بمعنى أجاب عند جمهور العلماء ، إن السين والتاء للتأكيد ، مثل استوقد واستخلص .وقال بعضه : إن استجاب أخص من أجاب ، لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعى إليه ، وأجاب أعم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد .والمعنى : أن الله - تعالى - قد بشر هؤلاء الأخيار برضاه عنهم ، بأن أخبرهم بأنه قد أجاب لهم دعاءهم ، وأنه - سبحانه - لا يضيع عمل عامل منهم ، بل سيجازيهم بالجزاء الأوفى ، وسيمنحهم من الثواب .

فوق ما عملوا لأنه هو الكريم الوهاب ، ولن يفرق فى عطائه بين ذكر وأنثى ، لأن الذكر من الأثنى والأنثى من الذكر وقد خلقهم جميعا من نفس واحدة .وفى التعبير باللفظ السامى { رَبُّهُمْ } إشارة إلى أن الذى سيجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم ، والرحيم بهم .ومعنى { أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ } لا أزيل ثواب عمل أى عامل منكم ، بل أكافئه عليه بما يستحقه ، وأعطيه من ثوابى ورحمتى ما يشرح صدره ، ويدخل البهجة والسرور على نفسه .وقوله { مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } بيان لعامل ، وتأكيد عمومه ، أى لا اضيع عمل أى شخص عامل سواء أكان هذا العامل ذكراً أم أنثى .ومعنى { بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، كلكم بنو آدم وهذه جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده من أجر جزاء أعمالهم الصالحة .روى الترمذى عن أم سلمة قالت : يا رسول الله ، لا أسمع الله - تعالى - ذكر النساء فى الهجرة ، فأنز الله - تعالى - { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ } .ثم بين - سبحانه - الأعمال الصالحة التى استحق بها هؤلاء الأبرار حسن الثواب منه - سبحانه - فقال : { فالذين هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } .أى فالذين هاجروا بأن تركوا أوطانهم التى أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل إعلاء كلمة الله ، وأخرجوا من ديارهم ، فرارا بدينهم من ظلم ظالمين ، واعتداء المعتدين ، { وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي } أى تحملوا الأذى والاضطهاد فى سبيل الحق الذى آمنوا به { وَقَاتَلُواْ } أعداء الله { وَقُتِلُواْ } وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل .هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك ، وعدهم الله - تعالى - بالأجر العظيم فقال : { لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } أى لأمحون عنهم ما ارتكبوه من سيئات ، ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا { وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } أى تجرى من تحت قصورها الأنهار التى فيها العسل المصفى ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين .وقوله { ثَوَاباً مِّن عِندِ الله والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } أى لأثيبنهم ثوابا عظيما من عندى ، والله - تعالى - عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منح هؤلاء الأخيرا ذلك الأجر الجزيل لأنهم قد هاجروا من الأرض التى أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة الله ، وأخرجوا منها مضطرين لا مختارين فرارا بدينهم ، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها وقال : " يا مكة والله لأنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت " .ولأنهم قد تحملوا ما تحملوا من الأذى فى سبيل الله ، ولأنهم قد جاهدوا أعداء الله وأعداءهم حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله .وقوله { الذين هَاجَرُواْ } مبتدأ ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له ، والتفخيم لشأنه .

وخبره قوله { لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } .وقوله { وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ } معطوف على { هَاجَرُواْ } .

وجمع بينهما للإشعار بأنهم قد تركوا أوطانهم تارة باختيارهم ليبحثوا عن مكان أصلح لنماء دعوتهم ، وانتشار الحق الذى اعتنقوه ، وتارة بغير اختيارهم بل تركوها مجبرين ومضطرين بعد أن ألجأهم أعداؤهم إلى الخروج منها بسبب ما نالهم منهم من ظلم واعتداء .وقوله { وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي } معطوف على ما قبله .

والمراد من الإيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإخراج من الديار ، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من جهة المشركين .وجمع - سبحانه - بين قوله { وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ } للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا وأنهم لن يصيبهم إلا أحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة ، وقوله : { لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } جواب قسم محذوف ، أى والله لأكفرن عنهم سيئاتهم .وقدّم - سبحانه - تكفير سيئاتهم على إدخالهم الجنة ، لأن التخلية - كما يقولون - مقدمة على التحلية ، فهو أولا طهرهم من الذنوب والآثام ونقاهم منها ، ثم أدخلهم بعد ذلك جنته وأعطاهم فيها ما لا عين رأت ، ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .وقوله { ثَوَاباً } مصدر مؤكد لما قبله ، لأن المعنى لأثيبنهم على ما عملوه ثوابا عظيما .وقوله { مِّن عِندِ الله } صفة لقوله { ثَوَاباً } وهو وصف مؤكد؛ لأن الثواب لا يكون إلا من عنده - تعالى - ، لكنه صرح به - سبحانه - تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه .وقوله { والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } تذييل مقرر لمضمون ما قبله .وقد ختم - سبحانه - الآية بهذه الجملة الكريمة لبيان اختصاصه بالثواب الحسن كأن كل جزاء للأعمال فى الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده - سبحانه - فى الآخرة لعباده المتقين .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد دعت المؤمنين إلى الإكثار من ذكر الله وإلى التفكر السليم فى عجائب صنعه ، وساقت لنا ألوانا من الدعوات الطيبات الخاشعات التى تضرع بها الأخيار إلى خالقهم ، وبينت لنا الثواب الجزيل والعطاء العظيم الذى منحه الله لهم فى مقابل إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وأنه لا يرد دعاء الأبرار من عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض  ﴾ إلى قوله: ﴿ لأيات لأُوْلِى الألباب  ﴾ ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله: ﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله قياما ﴾ وعلى التفكر وهو قوله: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك  ﴾ ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد  ﴾ بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال: ﴿ فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: يقال استجابه واستجاب له، قال الشاعر: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ  ﴾ .

المسألة الثالثة: أني لا أضيع: قرئ بالفتح، والتقدير: بأني لا أضيع، وبالكسر على إرادة القول، وقرئ ﴿ لاَ أُضِيعُ ﴾ بالتشديد.

المسألة الرابعة: من: في قوله: ﴿ مّن ذِكْرِ ﴾ قيل للتبيين كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  ﴾ وقيل: إنها مؤكدة للنفي بمعنى: عمل عامل منكم ذكر أو أنثى.

المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل، والاضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله: ﴿ لاَ أُضِيعُ ﴾ نفي للنفي فيكون اثباتا، فيصير المعنى: اني أوصل ثواب جميع أعمالهم اليكم، اذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا، وبمعصيته استحق عقابا، فلابد من وصولهما اليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله الى العقاب وهو باطل بالاجماع، أو يقدم العقاب ثم ينقله الى الثواب وهو المطلوب.

المسألة السادسة: جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الاعمال اليهم.

فان قيل: القوم أولا طلبوا غفران الذنوب، وثانيا إعطاء الثواب فقوله: ﴿ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ ﴾ إجابة لهم في إعطاء الثواب، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب؟

قلنا: إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله: ﴿ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ ﴾ اجابة لدعائهم في المطلوبين.

وعندي في الآية وجه آخر: وهو أن المراد من قوله: ﴿ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ ﴾ أني لا أضيع دعاءكم، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء، فكان المراد منه أنه حصلت اجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه.

وأما قوله تعالى: ﴿ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ﴾ فالمعنى: أنه لا تفاوت في الاجابة وفي الثواب بين الذكر والانثى اذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالاعمال، لا بسائر صفات العاملين، لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب، ومثله قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وروي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ ففيه وجوه: أحسنا أن يقال: ﴿ مِنْ ﴾ بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.

قال القفال: هذا من قولهم: فلان مني أي على خلقي وسيرتي، قال تعالى: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «من غشنا فليس منا» وقال: «ليس منا من حمل علينا السلاح» فقوله: ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه؟

ثم قال تعالى: ﴿ فالذين هاجروا وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِى وقاتلوا وَقُتِلُواْ لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ثواباً من عندالله ﴾ والمراد من قوله: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد من الذين أُخرجوا من ديارهم الذين ألجأهم الكفار الى الخروج، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لانهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار، فكانوا أفضل وقوله: ﴿ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِى ﴾ أي من أجله وسببه ﴿ وقاتلوا وَقُتِلُواْ ﴾ لان المقاتلة تكون قبل القتال، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو ﴿ وَقَاتِلُواْ ﴾ بالالف أولا ﴿ وَقُتّلُواْ ﴾ مخففة، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وَقَاتِلُواْ ﴾ أولا ﴿ وَقُتّلُواْ ﴾ مشددة قيل: التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب  ﴾ وقيل: قطعوا عن الحسن، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ وَقُتّلُواْ ﴾ بغير ألف أولا ﴿ وَقَاتِلُواْ ﴾ بالالف بعده وفيه وجوه: الأول: أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله: ﴿ واسجدى واركعى  ﴾ والثاني: على قولهم: قتلنا ورب الكعبة، اذا ظهرت أمارات القتل، أو اذا قتل قومه وعشائره.

والثالث: باضمار قد أي قتلوا وقد قاتلوا.

ثم ان الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة: أولها: محو السيئات وغفران الذنوب وهو قوله: ﴿ لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم ﴾ وذلك هو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا  ﴾ .

وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله: ﴿ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: وآتنا ما وعدتنا على رسلك.

وثالثها: أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ وهو الذي قالوه: ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة ﴾ لانه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته، واذا قال السلطان العظيم لعبده: اني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله: ﴿ ثَوَاباً ﴾ مصدر مؤكد، والتقدير: لأثيبنهم ثوابا من عند الله، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويبا من عند الله، لان قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم.

ثم قال: ﴿ والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب ﴾ وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات، عالما بكل المعلومات، غنياً عن الحاجات، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان، فكان عنده حسن الثواب.

روي عن جعفر الصادق أنه قال: من حزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، قال: لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات: ربنا، ثم أخبر أنه استجاب لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يقال: استجاب له واستجابه.

فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ ﴿ أَنّى لاَ أُضِيعُ ﴾ قرئ بالفتح على حذف الياء، وبالكسر على إرادة القول.

وقرئ: ﴿ لا أضيّع ﴾ ، بالتشديد ﴿ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ﴾ بيان لعامل ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر، أي من أصله، أو كأنه منه لفرط اتصالكم واتحادكم.

وقيل المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله عباده العاملين وروي: أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول الله، إني أسمع الله تعالى يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء.

فنزلت ﴿ فالذين هاجروا ﴾ تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له والتفخيم، كأنه قال: فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة، وهي المهاجرة عن أوطانهم فارّين إلى الله بدينهم من دار الفتنة، واضطرّوا إلى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشؤا بما سامهم المشركون من الخسف ﴿ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِى ﴾ من أجله وبسببه، يريد سبيل الدين ﴿ وقاتلوا وَقُتِلُواْ ﴾ وغزوا المشركين واستشهدوا.

وقرئ: ﴿ وقتلوا ﴾ ، بالتشديد.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ على التقديم بالتخفيف والتشديد ﴿ وقتلوا، وقتلوا ﴾ ، على بناء الأول للفاعل والثاني للمفعول.

﴿ وقتلوا ﴾ ، ﴿ وقاتلوا ﴾ ، على بنائهما للفاعل ﴿ ثَوَاباً ﴾ في موضع المصدر المؤكد بمعنى إثابة أو تثويباً ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ لأن قوله: ﴿ لاكَفّرَنَّ.....

عَنْهُمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ ﴾ في معنى، لأثيبنهم.

﴿ وَعِندَهُ ﴾ مثل: أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، كما يقول الرجل: عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

وهذا تعليم من الله كيف يدعي وكيف يبتهل إليه ويتضرّع.

وتكرير ﴿ رَبِّنَا ﴾ من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال المشاق في دين الله، والصبر على صعوبة تكاليفه، وقطع لأطماع الكسالى المتمنين عليه، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولاً إليه، بالعمل بالجهل والغباوة.

وروي عن جعفر الصادق رضي الله عنه: من حزبه أمر فقال خمس مرات ﴿ رَبِّنَا ﴾ أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية.

وعن الحسن: حكى الله عنهم أنهم قالوا خمس مرات ﴿ رَبِّنَا ﴾ ثم أخبر أنه استجاب لهم، إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد من تقديمه بين يدي الدعاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ إلى طُلْبَتِهِمْ، وهو أخَصُّ مَن أجابَ ويُعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ.

﴿ أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ ﴾ أيْ بِأنِّي لا أُضَيِّعُ.

وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ بَيانٌ عامِلٍ.

﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ لِأنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، أوْ لِأنَّهُما مِن أصْلٍ واحِدٍ، أوْ لِفَرْطِ الِاتِّصالِ والِاتِّحادِ، أوْ لِلِاجْتِماعِ والِاتِّفاقِ في الدِّينِ.

وهي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيَّنَ بِها شَرِكَةَ النِّساءِ مَعَ الرِّجالِ فِيما وعَدَ لِلْعُمّالِ.

رُوِيَ « (أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ الرِّجالَ في الهِجْرَةِ ولا يَذْكُرُ النِّساءَ فَنَزَلَتْ.» ﴿ فالَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ إلَخْ، تَفْصِيلٌ لِأعْمالِ العُمّالِ وما أُعِدَّ لَهم مِنَ الثَّوابِ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، والمَعْنى فالَّذِينَ هاجَرُوا الشِّرْكَ أوِ الأوْطانَ والعَشائِرَ لِلدِّينِ.

﴿ وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ومِن أجْلِهِ ﴿ وَقاتَلُوا ﴾ الكُفّارَ.

﴿ وَقُتِلُوا ﴾ في الجِهادِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا والثّانِي أفْضَلُ.

أوْ لِأنَّ المُرادَ لِما قُتِلَ مِنهم قَوْمٌ قاتَلَ الباقُونَ ولَمْ يَضْعُفُوا.

وشَدَّدَ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ قُتِّلُوا لِلتَّكْثِيرِ.

﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ لَأمْحُوَنَّها.

﴿ وَلأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ أُثِيبُهم بِذَلِكَ إثابَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَفَضُّلًا مِنهُ، فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ.

﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ عَلى الطّاعاتِ قادِرٌ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ} أي أجاب يقال استجاب له واستجابه {إني} يأنى {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ} منكم صفة لعامل {من ذكر أو أنثى} بيان لعامل {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر كلكم بنوا آدم لو بعضكم من بعض في النصرة والدين وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله عباده العاملين عن جعفر الصادق رضى الله عنه من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أتجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ الآيات {فالذين هاجروا} مبتدأ وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له كأنه قال فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم إلى حيث يأمنون عليه فالهجرة كائنة في آخر الزمان كما كانت في أول الإسلام {وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم} التي ولدوا فيها ونشئوا {وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى} بالشتم والضرب ونهب المال يريد سبيل الدين {وقاتلوا وقتلوا} وغروا المشركين واستشهدوا وقتّلوا مكي وشامي وقتلوا وقاتلوا على التقديم والتأخير حمزة وعلي وفيه دليل على أن الواو لا توجب الترتيب والخبر {لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} وهو جواب قسم محذوف {ثَوَاباً} فى موضع المصدر

آل عمران (١٩٥ _ ١٩٩)

المؤكد يعني إثابة أو تثويباً {مِنْ عِندِ الله} لأن قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم {والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب} أي يختص به ولا يقدر عليه غيره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ الِاسْتِجابَةُ الإجابَةُ، ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ الإجابَةَ تُطْلَقُ عَلى الجَوابِ ولَوْ بِالرَّدِّ، والِاسْتِجابَةُ الجَوابُ بِحُصُولِ المُرادِ لِأنَّ زِيادَةَ السِّينِ تَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ هو لِطَلَبِ الجَوابِ، والمَطْلُوبُ ما يُوافِقُ المُرادَ لا ما يُخالِفُهُ، وتَتَعَدّى بِاللّامِ وهو الشّائِعُ، وقَدْ تَتَعَدّى بِنَفْسِها كَما في قَوْلِهِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ وغَيْرُهُ: في التَّعْدِيَةِ إلى الدّاعِي، وأمّا إلى الدُّعاءِ فَشائِعٌ بِدُونِ اللّامِ مِثْلُ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ ولِهَذا قِيلَ: إنَّ هَذا البَيْتَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ، والفاءَ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ إمّا عَلى الِاسْتِئْنافِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ولا ضَيْرَ في اخْتِلافِهِما صِيغَةً لِما أنَّ صِيغَةَ المُسْتَقْبَلِ هُناكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُناسِبِ لِمَقامِ الدُّعاءِ، وصِيغَةُ الماضِي هُنا لِلْإيذانِ بِتَحْقِيقِ الِاسْتِجابَةِ وتَقَرُّرِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ أيْ دَعَوْا بِهَذِهِ الأدْعِيَةِ ﴿ فاسْتَجابَ لَهُمْ ﴾ إلَخْ.

وإنْ قُدِّرَ ذَلِكَ القَوْلُ المُقَدَّرُ حالًا فَهو عَطْفٌ عَلى (يَتَفَكَّرُونَ) بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِما وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( رَبَّنا ) إلَخْ، فَإنَّ الِاسْتِجابَةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى دَعَواتِهِمْ لا عَلى مُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ، وحَيْثُ كانَتْ مِن أوْصافِهِمُ الجَمِيلَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى أعْمالِهِمْ بِالآخِرَةِ اسْتَحَقَّتِ الِانْتِظامَ في سِلْكِ مَحاسِنِهِمُ المَعْدُودَةِ في أثْناءِ مَدْحِهِمْ وأمّا عَلى كَوْنِ المَوْصُولِ نَعْتًا لِأُولِي الألْبابِ فَلا مَساغَ لِهَذا العَطْفِ لِما عَرَفْتَ سابِقًا، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، والمَشْهُورُ العَطْفُ عَلى المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ وهو المُنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، وفي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا مُضافًا ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا أسْمَعُ اللَّهُ تَعالى ذَكَرَ النِّساءَ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُمْ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ»، فَقالَتِ الأنْصارُ: هي أوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتْ عَلَيْنا.

ولَعَلَّ المُرادَ أنَّها نَزَلَتْ تَتِمَّةً لِما قَبْلَها.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها أنَّها قالَتْ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ .

﴿ أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ ﴾ أيْ بِأنِّي، وهَكَذا قَرَأ أُبَيٌّ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَخَرَّجَهُ العَلّامَةُ شَيْخُ الإسْلامِ عَلى أنَّ الباءَ لِلسَّبَبِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهُمْ ﴾ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَضِيعُ عَمَلٌ عامِلٌ مِنهم أيْ سُنَّتُهُ السُّنِّيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى ذَلِكَ، وجُعِلَ التَّكَلُّمُ في ( أنِّي ) والخِطابُ في ( مِنكم ) مِن بابِ الِالتِفاتِ، والنُّكْتَةُ الخاصَّةُ فِيهِ إظْهارُ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الِاسْتِجابَةِ وتَشْرِيفُ الدّاعِينَ بِشَرَفِ الخِطابِ، والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ السَّبَبِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِجابَةِ، والإشْعارُ بِأنَّ مَدارَها أعْمالُهُمُ الَّتِي قَدَّمُوها عَلى الدُّعاءِ لا مُجَرَّدَ الدُّعاءِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّها صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا إمّا مِن فاعِلِ (اسْتَجابَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) والتَّقْدِيرُ مُخاطِبًا لَهم بِأنِّي، أوْ مُخاطَبِينَ بِأنِّي إلَخْ، وقِيلَ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَجابَ لِأنَّ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَيْنِ أنَّهُ قُرِئَ (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وفِيها يَتَعَيَّنُ إرادَةُ القَوْلِ ومَوْقِعُهُ الحالُ أيْ قائِلًا إنِّي أوْ مَقُولًا لَهم (إنِّي) إلَخْ، وتَوافُقُ القِراءَتَيْنِ خَيْرٌ مِن تَخالُفِهِما، وهَذا التَّوافُقُ ظاهِرٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وصاحِبُ القِيلِ وإنِ اخْتُلِفَ فِيهِما شِدَّةً وضَعْفًا، وأمّا عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ فالظُّهُورُ لا يَكادُ يَظْهَرُ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ ظاهِرٍ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ: (لا أُضَيِّعُ) بِالتَّشْدِيدِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَعْدِ العامِلِينَ عَلى العُمُومِ مَعَ الرَّمْزِ إلى وعِيدِ المُعْرِضِينَ غايَةُ اللُّطْفِ بِحالِ هَؤُلاءِ الدّاعِينَ لا سِيَّما وقَدْ عَبَّرَ هُناكَ عَنْ تَرْكِ الإثابَةِ بِالإضاعَةِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِإضاعَةِ حَقِيقَةٍ إذِ الأعْمالُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ حَتّى يَلْزَمَ مِن تَخَلُّفِهِ عَنْها إضاعَتُها، ولَكِنْ عَبَّرَ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الإثابَةِ حَتّى كَأنَّها واجِبَةٌ عَلَيْهِ تَعالى - كَذا قِيلَ - والمَشْهُورُ أنَّ الإضاعَةَ في الأصْلِ الإهْلاكُ ومِثْلُها التَّضْيِيعُ، ويُقالُ: ضاعَ يَضِيعُ ضَيْعَةً وضَياعًا بِالفَتْحِ إذا هَلَكَ، واسْتُعْمِلَتْ هُنا بِمَعْنى الإبْطالِ أيْ لا أُبْطِلُ عَمَلَ عامِلٍ كائِنٍ مِنكم ﴿ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ بَيانٌ لِعامِلٍ، وتَأْكِيدٌ لِعُمُومِهِ إمّا عَلى مَعْنى شَخْصٍ عامِلٍ أوْ عَلى التَّغْلِيبِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن مِنكم بَدَلَ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إذْ هُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(مِن) إمّا ابْتِدائِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن أصْلِ بَعْضٍ، أوْ بِدُونِهِ لِأنَّ الذَّكَرَ مِنَ الأُنْثى والأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، وإمّا اتِّصالِيَّةٌ والِاتِّصالُ إمّا بِحَسَبِ اتِّحادِ الأصْلِ، أوِ المُرادُ بِهِ الِاتِّصالُ في الِاخْتِلاطِ أوِ التَّعاوُنِ، أوِ الِاتِّحادُ في الدِّينِ حَتّى كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الآخَرِ لِما بَيْنَهُما مِن أُخُوَّةِ الإسْلامِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ انْتِظامِ النِّساءِ في سِلْكِ الدُّخُولِ مَعَ الرِّجالِ في الوَعْدِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا أوْ صِفَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في العَمَلِ، وتَعْدادٌ لِبَعْضِ أحاسِنِ أفْرادِهِ مَعَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ.

وأصْلُ المُهاجِرَةِ مِنَ الهِجْرَةِ وهو التَّرْكُ، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في المُهاجَرَةِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ أيْ تَرْكُ الأُولى لِلثّانِيَةِ مُطْلَقًا، أوْ لِلدِّينِ عَلى ما هو الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ الشَّرْعِ، والمُتَبادِرُ في الآيَةِ هو هَذا المَعْنى، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ عَطْفُ تَفْسِيرٍ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ تِلْكَ المُهاجَرَةَ كانَتْ عَنْ قَسْرٍ واضْطِرارٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ آذَوْهم وظَلَمُوهم حَتّى اضْطُرُّوا إلى الخُرُوجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هاجَرُوا الشِّرْكَ وتَرَكُوهُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ وأُخْرِجُوا ﴾ إلَخْ تَأْسِيسًا ﴿ وأُوذُوا في سَبِيلِي ﴾ أيْ بِسَبَبِ طاعَتِي وعِبادَتِي ودِينِي وذَلِكَ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ مِنَ الإيذاءِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا كانَ يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ ﴿ وقاتَلُوا ﴾ أيَّ الكُفّارَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وقُتِلُوا ﴾ اسْتُشْهِدُوا في القِتالِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالعَكْسِ، ولا إشْكالَ فِيها لِأنَّ الواوَ لا تُوجِبُ تَرْتِيبًا، وقُدِّمَ القَتْلُ لِفَضْلِهِ بِالشَّهادَةِ هَذا إذا كانَ القَتْلُ والمُقاتَلَةُ مِن شَخْصٍ واحِدٍ، أمّا إذا كانَ المُرادُ قُتِلَ بَعْضٌ وقاتَلَ بَعْضٌ آخَرَ ولَمْ يَضْعُفُوا بِقَتْلِ إخْوانِهِمْ فاعْتِبارُ التَّرْتِيبِ فِيها أيْضًا لا يَضُرُّ، وصَحَّحَ هَذِهِ الإرادَةَ أنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ بِكُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ بَلْ عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِاتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المَوْصُولِ بِواحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ، أوْ بِاثْنَيْنِ مِنها، أوْ بِأكْثَرَ فَحِينَئِذٍ يَتَأتّى ما ذُكِرَ إمّا بِطْرِيقِ التَّوْزِيعِ أيْ مِنهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا ومِنهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا، أوْ بِطْرِيقِ حَذْفِ بَعْضِ المَوْصُولاتِ مِنَ البَيْنِ - كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ - أيْ والَّذِينَ قُتِلُوا والَّذِينَ قاتَلُوا، ويُؤَيِّدُ كَوْنُ المَعْنى عَلى اتِّصافِ الكُلِّ بِالكُلِّ في الجُمْلَةِ أنَّهُ لَوْ كانَ المَعْنى عَلى اتِّصافِ كُلِّ فَرْدٍ بِالكُلِّ لَكانَ قَدْ أُضِيعَ عَمَلُ مَنِ اتُّصِفَ بِالبَعْضِ مَعَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ قُتِلُوا وقَدْ قاتَلُوا فَقَدْ مُضْمَرَةٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ - مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ الكَلامُ الجَلِيلُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ (قُتِّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَأُكَفِّرَنَّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، وزَعَمَ ثَعْلَبٌ أنَّ الجُمْلَةَ لا تَقَعُ خَبَرًا ووَجَّهَهُ أنَّ الخَبَرَ لَهُ مَحَلٌّ وجَوابَ القَسَمِ لا مَحَلَّ لَهُ - وهو الثّانِي - فَإمّا أنْ يُقالَ: إنَّ لَهُ مَحَلًّا مِن جِهَةِ الخَبَرِيَّةِ ولا مَحَلَّ لَهُ مِن جِهَةِ الجَوابِيَّةِ، أوِ الَّذِي لا مَحَلَّ لَهُ الجَوابُ والخَبَرُ مَجْمُوعُ القَسَمِ وجَوابِهِ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الجُمْلَةِ إنْشائِيَّةً لِتَأْوِيلِها بِالخَبَرِ أوْ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في أمْثالِهِ، والتَّكْفِيرُ في الأصْلِ السِّتْرُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ ولِاقْتِضائِهِ بَقاءَ الشَّيْءِ المَسْتُورِ - وهو لَيْسَ بِمُرادٍ - فَسَّرَهُ هُنا بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِالمَحْوِ، والمُرادُ مِن مَحْوِ السَّيِّئاتِ مَحْوُ آثارِها مِنَ القَلْبِ، أوْ مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ، وإثْباتُ الطّاعَةِ مَكانَها كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ والمُرادُ مِنَ السَّيِّئاتِ فِيما نَحْنُ فِيهِ الصَّغائِرُ لِأنَّها الَّتِي تُكَفَّرُ بِالقُرُباتِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنِ العُلَماءِ، لَكِنْ بِشَرْطِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ كَما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ جُمْهُورِ أهْلِ السُّنَّةِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَها ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» .

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ الصَّغائِرَ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِمُجَرَّدِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ ولا دَخْلَ لِلْقُرُباتِ في تَكْفِيرِها، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ وحَمَلَهُ الجُمْهُورُ عَلى مَعْنى نُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم بِحَسَناتِكم وأوْرَدُوا عَلى المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ قَدْ ورَدَ: «صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفارَّةُ سَنَتَيْنِ»، «وصَوْمُ يَوْمِ عاشُوراءَ كَفارَّةُ سَنَةٍ» .

ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ كَثِيرٌ، فَإذا كانَ مُجَرَّدُ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُكَفِّرًا فَما الحاجَةُ لِمَقاساتِ هَذا الصَّوْمِ مَثَلًا ؟

وإنَّما لَمْ تُحْمَلِ السَّيِّئاتُ عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ لِأنَّها لا بُدَّ لَها مِنَ التَّوْبَةِ ولا تُكَفِّرُها القُرُباتُ أصْلًا في المَشْهُورِ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ عَلى الخاصَّةِ والعامَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ويَلْزَمُ مِن تَكْفِيرِ الكَبائِرِ بِغَيْرِها بُطْلانُ فَرْضِيَّتِها وهو خِلافُ النَّصِّ.

وقالَ ابْنُ الصَّلاحِ في فَتاوِيهِ: قَدْ يُكَفِّرُ بَعْضُ القُرُباتِ كالصَّلاةِ مَثَلًا بَعْضَ الكَبائِرِ إذا لَمْ يَكُنْ صَغِيرَةٌ، وصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأنَّ الطّاعاتِ لا تُكَفِّرُ الكَبائِرَ لَكِنْ قَدْ تُخَفِّفُها، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ القُرْبَةَ تَمْحُو الخَطِيئَةَ سَواءٌ كانَتْ كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ﴾ وقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أتْبِعِ السَّيِّئاتِ الحَسَنَةَ تَمْحُها» .

وفِيهِ بَحْثٌ إذِ الحَسَنَةُ في الآيَةِ والحَدِيثِ بِمَعْنى التَّوْبَةِ إنْ أُخِذَتِ السَّيِّئَةُ عامَّةً.

ولا يُمْكِنُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَمْلُها عَلى الظّاهِرِ لِما أنَّ السَّيِّئَةَ حِينَئِذٍ تَشْمَلُ حُقُوقَ العِبادِ والإجْماعِ عَلى أنَّ الحَسَناتِ لا تُذْهِبُها وإنَّما تُذْهِبُها التَّوْبَةُ بِشُرُوطِها المُعْتَبَرَةِ المَعْلُومَةِ، وأيْضًا لَوْ أُخِذَ بِعُمُومِ الحُكْمِ لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الفَسادُ مِن عَدَمِ خَوْفٍ في المَعادِ عَلى أنَّ في سَبَبِ النُّزُولِ ما يُرْشِدُ إلى تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةً ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ، فَدَعاهُ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ لَهُ خاصَّةً يا رَسُولِ اللَّهِ ؟

فَقالَ: بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً».

ووَجْهُ الإرْشادِ إمّا إلى تَخْصِيصِ الحَسَنَةِ بِالتَّوْبَةِ فَهو أنَّهُ جاءَهُ تائِبًا ولَيْسَ في الحَدِيثِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَدَرَ مِنهُ حَسَنَةٌ أُخْرى، وإمّا عَلى تَخْصِيصِ السَّيِّئَةِ بِالصَّغِيرَةِ فَلِأنَّ ما وقَعَ مِنهُ كانَ كَذَلِكَ لِأنَّ تَقْبِيلَ الأجْنَبِيَّةِ مِنَ الصَّغائِرِ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ: إنَّ الحَسَنَةَ تُكَفِّرُ الصَّغِيرَةَ ما لَمْ يُصِرَّ عَلَيْها سَواءٌ فَعَلَ الكَبِيرَةَ أمْ لا مَعَ القَوْلِ الأصَحِّ بِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغِيرَةِ واجِبَةٌ أيْضًا، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِكَبِيرَةٍ لِجَوازِ تَعْذِيبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وقِيلَ: الواجِبُ الإتْيانُ بِالتَّوْبَةِ أوْ بِمُكَفِّرِها مِنَ الحَسَنَةِ، وفي المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ.

ولَعَلَّ التَّوْبَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تُفْضِي إلى إتْمامِهِ، هَذا ورُبَّما يُقالُ: إنَّ حَمْلَ السَّيِّئاتِ هُنا عَلى ما يَعُمُّ الكَبائِرَ سائِغٌ بِناءً عَلى أنَّ المُهاجَرَةَ تَرْكُ الشِّرْكِ وهو إنَّما يَكُونُ بِالإسْلامِ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ في السَّيِّئاتِ شَبَهُ التَّوْزِيعِ بِأنْ يُؤْخَذَ مِن أنْواعِ مَدْلُولِها مَعَ كُلِّ وصْفٍ ما يُناسِبُهُ، ويَكُونُ هَذا تَصْرِيحًا بِوَعْدِ ما سَألَهُ الدّاعُونَ مِن غُفْرانِ الذُّنُوبِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ بِالخُصُوصِ بَعْدَ ما وُعِدَ ذَلِكَ بِالعُمُومِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا عَلى ما فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الإسْلامَ يَجُبُ ما قَبْلَهُ مُطْلَقًا، وفِيهِ خِلافٌ، فَقَدْ قالَ الزَّرْكَشِيُّ: إنَّ الإسْلامَ المُقارِنَ لِلنَّدَمِ إنَّما يُكَفِّرُ وِزْرَ الكُفْرِ لا غَيْرَ، وأمّا غَيْرُهُ مِنَ المَعاصِي فَلا يُكَفَّرُ إلّا بِتَوْبَةٍ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ كَما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ، واسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنْ أحْسَنَ في الإسْلامِ لَمْ يُؤاخَذْ بِالأوَّلِ ولا بِالآخِرِ، وإنْ أساءَ في الإسْلامِ أُخِذَ بِالأوَّلِ والآخِرِ».

ولَوْ كانَ الإسْلامُ يُكَفِّرُ سائِرَ المَعاصِي لَمْ يُؤاخَذْ بِها إذا أسْلَمَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ مِن شَبَهِ التَّوْزِيعِ يُهَوَّنُ أمْرُ الخِلافِ كَما لا يَخْفى عَلى أرْبابِ الإنْصافِ فَتَدَبَّرْ.

﴿ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ إشارَةٌ إلى ما عَبَّرَ عَنْهُ الدّاعُونَ فِيما قَبْلُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، أوْ رَمْزٌ إلى ما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ عَلى القَوْلِ الآخَرِ ﴿ ثَوابًا ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ لَأُثِيبَنَّهم بِذَلِكَ، فَوَضَعَ ثَوابًا مَوْضِعَ الإثابَةِ وإنْ كانَ في الأصْلِ اسْمًا لِما يُثابُ بِهِ كالعَطاءِ لِما يُعْطى، وقِيلَ: إنَّهُ تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ مِن جَنّاتٍ لِوَصْفِها، أوْ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ أيْ مُثابًا بِها أوْ مُثابِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن جَنّاتٍ، وقالَ الكِسائِيُّ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِثَوابًا وهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ الثَّوابَ لا يَكُونُ إلّا مِن عِنْدِهِ تَعالى لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ تَعْظِيمًا لِلثَّوابِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، ولا يَرِدُ أنَّ المَصْدَرَ إذا وُصِفَ كَيْفَ يَكُونُ مُؤَكِّدًا، لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ أنَّ الوَصْفَ المُؤَكِّدَ لا يُنافِي كَوْنَ المَصْدَرِ مُؤَكِّدًا.

وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِثَوابًا بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ (195) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( عِنْدَهُ ) و(حُسْنُ الثَّوابِ) مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، والكَلامُ مُخْرَجٌ مُخْرَجَ قَوْلِ الرَّجُلِ: عِنْدِي ما تُرِيدُ يُرِيدُ اخْتِصاصَهُ بِهِ وتَمَلُّكَهُ لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فَلَيْسَ مَعْنًى عِنْدَهُ ﴿ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ أنَّ الثَّوابَ بِحَضْرَتِهِ وبِالقُرْبِ مِنهُ عَلى ما هو حَقِيقَةُ لَفْظِ عِنْدَهُ، بَلْ مَثَّلَ هُناكَ كَوْنَهُ بِقُدْرَتِهِ وفَضْلِهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ يَكُونُ بِحَضْرَةِ أحَدٍ لا يَدَّعِيهِ لِغَيْرِهِ، والِاخْتِصاصُ مُسْتَفادٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ حَتّى لَوْ لَمْ يُجْعَلْ ﴿ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا كانَ الِاخْتِصاصُ بِحالِهِ، وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ مَزِيدَ فَضْلِ المُهاجِرِينَ ورِفْعَةَ شَأْنِهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لَفُقَراءُ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ تُتَّقى بِهِمُ المَكارِهُ إذا أُمِرُوا سَمِعُوا وأطاعُوا، وإنْ كانَتْ لِرَجُلٍ مِنهم حاجَةٌ إلى السُّلْطانِ لَمْ تُقْضَ حَتّى يَمُوتَ وهي في صَدْرِهِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى يَدْعُو يَوْمَ القِيامَةِ الجَنَّةَ فَتَأْتِي بِزَخْرَفَتِها وزِينَتِها فَيَقُولُ: أيْنَ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي وجاهَدُوا في سَبِيلِي، ادْخُلُوا الجَنَّةَ، فَيَدْخُلُونَها بِغَيْرِ عَذابٍ ولا حِسابٍ، وتَأْتِي المَلائِكَةُ فَيَسْجُدُونَ ويَقُولُونَ: رَبَّنا نَحْنُ نُسَبِّحُ لَكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ونُقَدِّسُ لَكَ ما هَؤُلاءِ الَّذِينَ آثَرْتَهم عَلَيْنا ؟

فَيَقُولُ: هَؤُلاءِ عِبادِي الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِي وأُوذُوا في سَبِيلِي، فَتَدْخُلُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ مَن كُلِّ بابٍ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم.

ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ يعني: نعت محمد  وصفته وَلا تَكْتُمُونَهُ عنهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ليبيننه للناس ولا يكتمونه، كلاهما بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بكتمان نعت محمد  وصفته ثَمَناً قَلِيلًا أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ يعني: بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة لاَ تَحْسَبَنَّ يقول: لا تظنن يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا يقول: يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيرّوا من نعته وصفته، وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك: إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك: أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟

فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا.

فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما أعطاهم الملوك وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه.

ويقال: كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، ويريدون أن يحمدوا بذلك.

قال الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يقول فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي دائم لا يخرجون منه أبدا.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: جميع من فى السموات والارض عبيده وفي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النبات وغيره.

ويقال: هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شىء قدير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  أن يأتيهم بآية لصحة دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خلقين عظيمين.

ويقال: فيما خلق في السموات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يقول: وذهاب الليل ومجيء النهار، ويقال اختلاف لونيهما لَآياتٍ أي لعبرات لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أي يصلون لله قياماً إن استطاعوا على القيام، وقعوداً إن لم يستطيعوا القيام وَعَلى جُنُوبِهِمْ إن لم يستطيعوا القعود لزمانة.

ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: 41] ثم قال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يعتبرون في خلقهما.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي، عن أبي حباب، عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فسلمنا عليها فقالت: من هؤلاء؟

فقلت: عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير.

فقالت: مرحباً بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟

فقال عبيد: زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله  ، فبكت بكاء شديداً ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: «يَا عَائِشَةُ أَتَأْذَنِينَ لِي أنْ أَعْبُدَ رَبِّي» فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب هواك.

فقام إلى قربة ماء فتوضأ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، فبكى حتى روت الدموع الأرض.

ثم أتاه بلال بعد ما أذن للفجر، فلما رآه يبكي قال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخر؟

فقال: «يَا بِلالُ أفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً، وَمَا لِي لا أبْكِي وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

- إِلَى قَوْلُهُ- فَقِنا عَذابَ النَّارِ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» .

وروي عن رسول الله  أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخالق» .

وقال  : «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» .

ثم قال تعالى عز وجل: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلاً عبثاً بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عذاب النار.

وقال الزجاج: معنى سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي صدَّقْنا رسلك، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وفضحته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني: ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم، ويقولون أيضاً: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ يعني محمداً يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بتوحيد ربكم، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا.

وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله  ، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك.

وقال الضحاك: ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية، وكفر عنا سيئاتنا، يعني: ما عملوا في حال الإسلام.

ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد.

ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين.

ويقولون أيضا: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك.

ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- عليهم السلام- للمؤمنين.

ثم قال تعالى: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فأخبر الله عن فعلهم، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.

روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يعني رجلاً أو امرأة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النَّسَاءِ فأنزل الله تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى.

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين.

وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة.

ويقال: بعضكم على إثر بعض، ويقال بعضكم على دين بعض.

فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: إن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي عُذّبوا في طاعتي وَقاتَلُوا مع رسول الله  المشركين وَقُتِلُوا أي قتلهم المشركون.

قرأ حمزة والكسائي: وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: وقاتلوا وقتلوا، إلا ابن كثير وابن عامر قرءا وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم، ثم ذكر ثوابهم فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله.

وقال الزجاج: إنما صار نصباً لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ولأثيبنهم ثواباً.

وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصباً على التفسير.

وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء وهو الجنة.

ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: نُزُلًا: معناه تَكْرِمَةً.

وقوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ يحتملُ أن يريد: خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد: خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدّنيا، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم:

«الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ/، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» «١» قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل: المعنى أنها سِجْنُ المؤمن لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة.

وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره: هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد- عليه السلام-، وأصحمة «٢» : تفسيره بالعربيّة:

عَطِيَّة قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ: نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ: نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب «٢» .

وقوله سبحانه: لاَ يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا: مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل: معناه مصابرةُ الأعداء قاله زيدُ بْنُ أسلم «٣» ، وقيل: معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «٤» ، أي: لا تسأَمُوا وانتظروا الفرج، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:

«انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ» «٥» .

قال الفَخْر «٦» : والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر.

انتهى.

وقوله: وَرابِطُوا: معناه عند الجُمْهُور: رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي: ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ: وروى مسلمٌ في «صحيحه» ، عن سلمان، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان» «٧» ، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن

صحيحٌ «١» ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال: «ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ» «٢» ، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ» «٣» ، وروى مسلم والبخاريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا» «٤» .

انتهى.

وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها.

قال صاحبُ «التَّذْكرة» : وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا» ، أراه قال:

«من عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا ...

» «٥» الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً.

انتهى.

والرباط: هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام/ مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ:

قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن» لأبي حَيَّان: معنى: رابطوا:

دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ.

انتهى.

وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، أنَّ هذه الآيةَ: اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه «١» .

انتهى.

وقوله سبحانه: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمد لله حقّ حمده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ «رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أسْمَعُ ذِكْرَ النِّساءِ في الهِجْرَةِ بِشَيْءٍ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» واسْتَجابَ: بِمَعْنى أجابَ.

والمَعْنى: أجابَهم بِأنْ قالَ لَهُمْ: إنِّي لا أُضيِعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم، ذَكَرًا كانَ أمْ أُنْثى.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بَعْضُكم مِن بَعْضٍ في الدِّينِ، والنُّصْرَةِ والمُوالاةِ.

والثّانِي: حُكْمُ جَمِيعِكم في الثَّوابِ واحِدٌ، لِأنَّ الذُّكُورَ مِنَ الإناثِ، والإناثُ مِنَ الذُّكُورِ.

والثّالِثُ: كُلُّكم مِن آَدَمَ وحَوّاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ أيْ: تَرَكُوا الأوْطانَ والأهْلَ والعَشائِرَ ﴿ وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن مَكَّةَ بِأذى المُشْرِكِينَ، فَهاجَرُوا، ﴿ (وَقاتَلُوا ﴾ المُشْرِكِينَ ﴿ وَقُتِلُوا) .

﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "وَقاتَلُوا وقُتِّلُوا" مُشَدَّدَةَ التّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: "وَقاتَلُوا وقُتِلُوا" خَفِيفَةً.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقُتِلُوا وقاتَلُوا" .

قالَ أبُو عَلِيٍّ: تَقْدِيمُ "قُتِلُوا" جائِزٌ، لِأنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلًا في المَعْنى، مُؤَخَّرًا في اللَّفْظِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ مَعْنى: (لَأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ): لَأُثِيبَنَّهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أو أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللهِ واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَوابِ ﴾ "اسْتَجابَ" اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أجابَ، فَلَيْسَ اسْتَفْعَلَ عَلى بابِهِ مِن طَلَبِ الشَيْءِ بَلْ هو كَما قالَ الشاعِرُ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ لَمْ يُجِبْهُ.

وقَوْلُهُ: "أنِّي" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنَّ" مُفَسِّرَةً، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "أيْ"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "إنِّي" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وهَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أيْ: هَذا فِعْلُهُ مَعَ الَّذِينَ يَتَّصِفُونَ بِما ذَكَرَ.

ورُوِيَ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، قَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرِجالَ في الهِجْرَةِ ولَمْ يَذْكُرِ النِساءَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» ونَزَلَتْ آياتٌ في مَعْناها فِيها ذِكْرُ النِساءِ.

وقَوْلُهُ: "مِن ذَكَرٍ" تَبْيِينٌ لِجِنْسِ العامِلِ، وقالَ قَوْمٌ: "مِن" زائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ النَفْيِ مِنَ الكَلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي في الأجْرِ وتَقَبُّلِ العَمَلِ، أيْ إنَّ الرِجالَ والنِساءَ في ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ.

وبَيَّنَ تَعالى حالَ المُهاجِرِينَ، ثُمَّ الآيَةُ بَعْدُ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ مَن أُوذِيَ في اللهِ تَعالى، وهاجَرَ أيْضًا إلى اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ اسْمُ الهِجْرَةِ وفَضْلُها الخاصُّ بِها قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ الفَتْحِ فالمَعْنى باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَهْجُرُ وطَنَهُ وقَرابَتَهُ في اللهِ كَأنَّ الوَطَنَ والقَرابَةَ يَهْجُرُونَهُ أيْضًا فَهي مُهاجَرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ عِبارَةُ إلْزامِ ذَنْبٍ لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ المُهاجِرِينَ إنَّما أخْرَجَهم سُوءُ العِشْرَةِ وقَبِيحُ الأفْعالِ فَخَرَجُوا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ إلْزامِ الذَنْبِ لِلْكُفّارِ قِيلَ: ( أخْرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ) ﴿ وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

وإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ الفَخْرِ والقُوَّةِ عَلى الأعْداءِ تَمَسَّكَ بِالوَجْهِ الآخَرِ مِن أنَّهم خَرَجُوا بِرَأْيِهِمْ، فَمِن ذَلِكَ «إنْكارُ النَبِيِّ  عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ حِينَ أنْشَدَهُ: ..............

∗∗∗ ورَدَّنِي إلى اللهِ مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ  : "أنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ"؟» إنْكارًا عَلَيْهِ.

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: في عُصْبَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا زالُوا فَما زالَ أنْكاسٌ ولا كُشُفٌ ∗∗∗ عِنْدَ اللِقاءِ ولا مِيلٌ مَعازِيلُ وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَقاتَلُوا وقُتِلُوا" بِتَخْفِيفِ التاءِ وضَمِّ القافِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَقاتَلُوا وقُتِّلُوا" بِتَشْدِيدِ التاءِ وهي في المَعْنى كالأُولى في المُبالَغَةِ في القَتْلِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَقُتِلُوا وقاتَلُوا" يَبْدَآنِ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ التَوْبَةِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وابْنَ عامِرٍ يُشَدِّدانِ في التَوْبَةِ.

ومَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ هَذِهِ: ألّا تُعْطِيَ الواوَ رُتْبَةً لِأنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلًا في المَعْنى، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَطْفُ بِالفاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُتِلُوا وقاتَلَ باقِيهِمْ، فَتُشْبِهُ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ  ﴾ عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى أنَّ القَتْلَ وقَعَ بِالرِبِّيِّينَ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: و"قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، و"قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةُ المَعْنى مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْفَضْلَيْنِ عَلى التَرْتِيبِ المُتَعارَفِ.

وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: "وَقَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ "وَقاتَلُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قُتِّلُوا" بِضَمِّ القافِ وشَدِّ التاءِ "وَقاتَلُوا"، وهَذِهِ يَدْخُلُها إمّا رَفْضُ رُتْبَةِ الواوِ، وإمّا أنَّهُ قاتَلَ مَن بَقِيَ.

واللامُ في قَوْلِهِ: "لَأُكَفِّرَنَّ" لامُ القَسَمِ.

و"ثَوابًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: "صُنْعَ اللهِ" و ﴿ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

دلّت الفاء على سرعة الإجابة بحصول المطلوب، ودلّت على أنّ مناجاة العبد ربّه بقلبه ضرب من ضروب الدعاء قابل للإجابة.

و (استجاب) بمعنى أجاب عند جمهور أيمّة اللغة، فالسين والتاء للتأكيد، مثل: استوقد واستخلص.

وعن الفرّاء، وعليّ بن عيسى الربعي: أنّ استجاب أخصّ من أجاب لأنّ استجاب يقال لمن قَبِل ما دُعِي إليه، وأجاب أعمّ، فيقال لمن أجاب بالقبول وبالردّ.

وقال الراغب: الاستجابة هي التحرّي للجواب والتهيُّؤ له، لكن عبّر به عن الإجابة لقلّة انفكاكها منها.

ويقال: استجاب له واستجابه، فعدّي في الآية باللام، كما قالوا: حَمِدَ له وشكر له، ويعدّي بنفسه أيضاً مثلهما.

قال كعب بن سعد الغنوي، يرثي قريباً له: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب وتعبيرهم في دعائهم بوصف ﴿ ربنا ﴾ دون اسم الجلالة لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب، ومحبّة الخير له، ومن الاعتراف بأنّهم عبيده ولتتأتّى الإضافة المفيدة التشريف والقرب، ولردّ حسن دعائهم بمثله بقولهم: «ربَّنا، ربَّنا».

ومعنى نفي إضاعة عملهم نفي إلغاء الجزاء عنه: جَعله كالضائع غير الحاصل في يد صاحبه.

فنفي إضاعة العمل وعد بالاعتداد بعملهم وحسبانه لهم، فقد تضمّنت الاستجابة تحقيق عدم إضاعة العمل تطميناً لقلوبهم من وَجل عدم القبول، وفي هذا دليل على أنّهم أرادوا من قولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ [آل عمران: 194] تحقيق قبول أعمالهم والاستعاذة من الحَبَط.

وقوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ بيان لعَامِللٍ ووجه الحاجة إلى هذا البيان هنا أنّ الأعمال التي أتوا بها أكبرها الإيمان، ثم الهجرة، ثم الجهاد، ولمّا كان الجهاد أكثر تكرّراً خيف أن يتوهّم أنّ النساء لا حظّ لهنّ في تحقيق الوعد الذي وعد الله على ألسنة رسله، فدفع هذا بأنّ للنساء حظّهنّ في ذلك فهنّ في الإيمان والهجرة يساوين الرجال، وهنّ لهنّ حظّهنّ في ثواب الجهاد لأنّهن يقمن على المرضى ويُداوين الكلْمى، ويسقين الجَيش، وذلك عمل عظيم به استبقاء نفوس المسلمين، فهو لا يقصر عن القتال الذي به إتلاف نفوس عدوّ المؤمنين.

وقوله: ﴿ بعضكم من بعض ﴾ (من) فيه اتّصالية أي بعضُ المستجاب لهم مُتّصل ببعض، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أنّ شأنهم واحد وأمرهم سواء.

قال تعالى: ﴿ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر ﴾ [التوبة: 67] إلخ...

وقولهم: هو منّي وأنا منه، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة: فإنّي لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي *** وقد حملها جمهور المفسّرين على معنى أنّ نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد، وعلى هذا فمَوقع هذه الجملة موقع التعليل للتعميم في قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي لأنّ شأنكم واحد، وكلّ قائم بما لو لم يقم به لضاعت مصلحة الآخر، فلا جرم أن كانوا سواء في تحقيق وعد الله إيّاهم، وإن اختلفت أعمالهم وهذا كقوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ [النساء: 32].

والأظهر عندي أن ليس هذا تعليلاً لمضمون قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ بل هو بيان للتساوي في الأخبار المتعلّقة بضمائر المخاطبين أي أنتم في عنايتي بأعمالكم سواء، وهو قضاء لحقّ ما لهم من الأعمال الصالحة المتساوين فيها، ليكون تمهيداً لبساط تمييز المهاجرين بفضل الهجرة الآتي في قوله: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ ، الآيات.

وقوله: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ تفريع عن قوله: ﴿ لا أضيع عمل عامل ﴾ وهو من ذكر الخاصّ بعد العامّ للاهتمام بذلك الخاصّ، واشتمل على بيان ما تفاضلوا فيه من العمل، وهو الهجرة التي فاز بها المهاجرون.

والمهاجَرة: هي ترك الموطن بقصد استيطان غيره، والمفاعلة فيها للتقوية كأنّه هَجر قومه وهَجَروه لأنّهم لم يحرصوا على بقائه، وهذا أصل المهاجرة أن تكون لمنافرة ونحوها، وهي تصدق بهجرة الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة وبهجرة الذين هاجروا إلى المدينة.

وعطف قوله: ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ على ﴿ هاجروا ﴾ لتحقيق معنى المفاعلة في هاجر أي هاجروا مهاجرة لزّهم إليها قومهم، سواء كان الإخراج بصريح القول أم بالإلجاء، من جهة سوء المعاملة، ولقد هاجر المسلمون الهجرة الأولى إلى الحبشة لما لاقوه من سوء معاملة المشركين، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته إلى المدينة والتحق به المسلمون كلّهم، لما لاقوه من أذى المشركين.

ولا يوجد ما يدلّ على أنّ المشركين أخرجوا المسلمين، وكيف واختفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى المدينة يدلّ على حرص المشركين على صدّه عن الخروج، ويدلّ لذلك أيضاً قول كعب: في فتيةٍ من قريششٍ قال قائلهم *** ببطْن مكّةَ لمَّا أَسلموا زُولوا أي قال قائل من المسلمين اخرُجوا من مكّة، وعليه فكلّ ما ورد ممّا فيه أنّهم أخرجوا من ديارهم بغير حقّ فتأويله أنه الإلجاء إلى الخروج، ومنه قول ورقة ابن نوفل: «يا ليْتني أكون معكَ إذ يُخْرِجُك قومُك»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: " أوَ مُخْرِجيّ هُم؟

فقال: مَا جاء نَبيء بمثللِ ما جئْتَ به إلاّ عُودي " وقوله: ﴿ وأَوذوا في سبيلي ﴾ أي أصابهم الأذى وهو مكروه قليل من قول أو فعل.

وفهم منه أنّ من أصابهم الضرّ أولى بالثواب وأوفى.

وهذه حالة تصدق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها.

وقوله: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ جُمع بينهما للإشارة إلى أنّ للقسمين ثواباً.

وقرأ الجمهور: وقاتلوا وقُتلوا.

وقَرَأ حَمزَة، والكسائي، وخلف: وقُتلوا وقاتلوا عكس قراءة الجمهور ومآل القراءتين واحد، وهذه حالة تصدق على المهاجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا.

وقوله: ﴿ لأكفرن عنهم سيئاتهم ﴾ إلخ مؤكّد بلام القسم.

وتكفير السيّئات تقدّم آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ حَكى مُجاهِدٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أُمُّ سَلَمَةَ قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بالُ الرِّجالِ يُذْكَرُونَ في الهِجْرَةِ دُونَ النِّساءِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ أيِ الإناثُ مِنَ الذُّكُورِ، والذُّكُورُ مِنَ الإناثِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت «يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء!

فأنزل الله: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ إلى آخر الآية قالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا» .

وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت: آخر آية نزلت هذه الآية ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ إلى آخرها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: ما من عبد يقول: يا رب يا رب يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه.

فذكر للحسن فقال: أما تقرأ القرآن ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ [ آل عمران: 193] إلى قوله: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: هم المهاجرون أخرجوا من كل وجه.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ثلة الجنة الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره.

إذا أُمِروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وقُتِلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟!

أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، ويأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟

فيقول: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي.

فتدخل الملائكة عليهم من كل باب ﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ [ الرعد: 24] » .

وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟

قلت: الله ورسوله أعلم!

قال: المهاجرون، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فتقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟

قالوا: بأي شيء نحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك!

قال: فيفتح لهم فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخل الناس» .

وأخرج أحمد عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخلت الجنة فسمعت فيها حشفة بين يدي فقلت: ما هذا؟

قال: بلال، فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين، ولم أر أحداً أقل من الأغنياء والنساء.

قيل لي: أما الأغنياء فهم بالباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير» .

وأخرج أحمد عن أبي الصديق عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بأربعمائة عام، حتى يقول المؤمن الغني: يا ليتني كنت نحيلاً.

قيل: يا رسول الله صفهم لنا قال: هم الذين إذا كان مكروه بعثوا له، وإذا كان مغنم بعث إليه سواهم، وهم الذين يحجبون عن الأبواب» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن سعيد بن عامر بن حزم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء الجنة بخمسين سنة، حتى إن الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ بيده فيستخرج» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: يجمعون فيقول أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟

فيبرزون.

فيقال: ما عندكم؟

فيقولون: يا رب ابتلينا فصبرنا وأنت أعلم، وَوَلَّيْتَ الأموال والسلطان غيرنا.

فيقال: صدقتم.

فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمن، وتبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان.

قيل: فأين المؤمنون يومئذ؟

قال: يوضع لهم كراسي من نور، ويظلل عليهم الغمام، ويكون ذلك اليوم أقصر عليهم من ساعة من نهار.

والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن شداد بن أوس قال: يا أيها الناس لا تتهموا الله في قضائه فإن الله لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيء يكره فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي ﴾ أي: بِأنِّي.

وقوله تعالى: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ أي: في الدِّينِ والنُصْرَةِ، والمُوَالاة.

معناه: بعضكم يوالي بعضًا؛ كما ذكرنا في قوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ  ﴾ .

هذا قولُ الكَلبِيِّ (١) (٢) وقيل (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا ﴾ .

أحسنُ (٤) ﴿ قَاتَلُوا ﴾ على ﴿ قُتِلُوا ﴾ (٥) ﴿ وَقُتِّلُواْ ﴾ -مُشَدَّدَة- (٦) ﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ  ﴾ ، ومَنْ خَفَّفَ؛ فإن التخفيف يقع على القليل والكثير.

وقرأ حمزة، والكسائيُّ (٧) ﴿ وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا ﴾ ، ولها وجهان: أحدهما: أن المعطوف بالواو، هو الأوَّلُ في المعنى، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في اللفظ؛ لأن (٨) (٩) والثاني: أن المُرادَ بقوله: ﴿ وَقتُلُواْ ﴾ ، أي: قُتِلَ بعضُهم، ثم قاتل مَنْ بَقِيَ منهم، ولم يَهِنُوا، ولم يَضْعُفوا، لِلْقَتْلِ الذي وَقَعَ بهم (١٠) وقوله تعالى: ﴿ ثَوَابًا مِّن عِندِ اَللَّهِ ﴾ قال الزجاجُ (١١) (١٢) ﴿ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ ﴾ : لأُثِيبَنَّهُمْ.

قال: ومثله: ﴿ كِتَابَ اللهِ ﴾ (١٣) ﴿ صُنْعَ اللهِ ﴾ (١٤) (١٥) (١) قوله، في: تفسير "بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 174أ.

(٢) وهو قول: ابن عباس، والحسن، وقتادة، واختيار الطبري.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 216، و"النكت والعيون" 1/ 443، و"زاد المسير" 1/ 375.

(٣) هذا القول، أورده الطبري في تفسيره؛ مِن تتمة القول الأول، ولم يفصل بينهما.

انظر: "تفسيره" 4/ 216.

وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 174 أ، وصَدّره بـ (قيل) ولم ينسبه لقائل.

(٤) من قوله: (أحسن ..) إلى (..

للقتل الذي وقع بهم): نقله -بالمعنى- من "الحجة" للفارسي 3/ 117.

(٥) هي قراءة نافع، وعاصم، وأبي عمرو.

انظر: "السبعة" 221، و"القراءات" للأزهري 1/ 135، و"الحجة" للفارسي 3/ 117، و"الكشف" لمكي 1/ 373، و"التيسير" للداني 93.

(٦) انظر: المصادر السابقة.

(٧) انظر: المصادر السابقة، و"النشر" 2/ 246.

(٨) في (ج): (فإن).

(٩) في (ج): (لا توجب).

(١٠) استشهد الفارسي في هذا الموضع بقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ .

(١١) في "معاني القرآن" له 1/ 500.

نقله عنه بتصرف واختصار.

(١٢) المصدر المؤكِّد، هو المفعول المطلق.

وفي نصبه وجوه أخرى؛ منها: أنه منصوب على التمييز، الذي يسميه الفراء (التفسير).

وقيل: منصوب على القطع؛ أي: الحال.

وقيل غير ذلك.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 251، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 387، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 185، و"الدر المصون" 3/ 543 - 544.

(١٣) سورة النساء: 24.

﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ ، لأن قبلها جاء قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾ إلى آخر الآية 23 من سورة النساء.

(١٤) سورة النمل: 88.

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾ .

(١٥) انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 381، و"المسائل الحلبيات" 303، وانظر: تفسير قوله تعالى: ﴿ كِتَابًا مُّؤَجَّلاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَمِعْنَا مُنَادِياً ﴾ هو النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ أي على ألسنة رسلك ﴿ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ﴾ من لبيان الجنس، وقيل زائدة لتقدّم النفي ﴿ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ﴾ النساء والرجال سواء في الأجور والخيرات ﴿ وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم ﴾ هم المهاجرون آذاهم المشركون بمكة حتى خرجوا منها ﴿ ثَوَاباً ﴾ منصوباً على المصدرية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.

والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.

الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.

﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.

الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.

الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.

﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.

﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.

﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.

﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.

﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  .

فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.

أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.

فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .

وعن علي "أن النبي  كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك  ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.

وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.

وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.

وباقي التفسير قد مرهناك.

ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.

فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.

وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.

والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال  : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.

وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.

والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.

وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.

وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله  : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.

فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره  محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .

ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته  منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.

ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز  ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.

ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد  وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.

فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.

عن النبي  : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه  : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.

وعنه  : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.

وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.

و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.

بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.

قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله  فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.

وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.

وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله  ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.

والباطل في اللغة الذاهب الزائل.

الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.

والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً  ﴾ ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.

ثم لما وصف ذاته  بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه  خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.

قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.

وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.

والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله  مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.

ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله  عباده في حسن الطلب.

قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.

عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.

وقيل: أهانه.

وقيل: فضحه.

وقيل: أهلكه.

وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي  مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.

وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا  ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.

وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.

وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.

وقوله: ﴿ يوم لا يخزي  ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.

ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.

واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي  ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.

والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.

أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.

وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.

وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.

وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.

وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.

قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.

وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.

والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله  ﴿ ادع إلى سبيل ربك  ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله  ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله  ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي  ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى  ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.

وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.

وقيل: معناه لأجل الإيمان.

ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.

﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.

وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.

وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه  أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي  لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.

﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.

وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.

وقيل: النصر على الأعداء.

وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.

أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.

أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.

وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.

ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.

والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.

عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله  حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.

أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.

قال  : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.

روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.

ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول  أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.

وقيل: أي قطعوا.

ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.

وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.

وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.

وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.

وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.

ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.

وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله  اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.

عن الحسن: أخبر الله  أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ثم إنه  لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.

قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.

والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.

قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.

والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.

والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.

والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق  ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.

وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .

ثم إنه  لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى  فأسلموا.

وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله  في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله  للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.

قالوا: ومن هو؟

قال: النجاشي: فخرج رسول الله  إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .

واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.

والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.

أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.

ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.

الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.

ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.

فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.

ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.

ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.

ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.

وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.

ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.

وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.

وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله  في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.

ولما كثر ترغيب الله  في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.

أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال  : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم  ﴾ وعن النبي  : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله  غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .

وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.

التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.

وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.

سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.

ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.

فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.

﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال  : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ هذا يدل أن الوعد لهم كان مقروناً بشرط السؤال؛ لأنه قال: ﴿ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ ﴾ ، والاستجابة تكون على أثر السؤال؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ...

﴾ الآية [البقرة: 186].

وقوله  : ﴿ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ﴾ .

قيل: من الخلق كلهم، لكن جعل جزاء أعمال الكفرة في الدنيا؛ كقوله  : ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ  ﴾ وأمَّا المؤمنون: في الدنيا والآخرة، وأمّا الكفار فإنما يعطيهم ابتداء ليس بجزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ ، أي: نردها عليهم، وهم لا يبخسون أرزاقهم.

وقيل: قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ - إشارة إلى المؤمنين خاصَّة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ الآية [التوبة: 71].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي...

﴾ الآية: الذين هاجروا: إلى الله  ورسوله طوعاً، ﴿ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ ﴾ ، أي: اضطروهم حتى خرجوا من ديارهم فهاجروا، ﴿ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي ﴾ ، أي: في طاعتي، ﴿ وَقَـٰتَلُواْ ﴾ : حتى ﴿ وَقُتِلُواْ ﴾ .

ويحتمل هذا كله أنْ هاجر بَعْضٌ طوعاً، وبعض أُخرجوا من ديارهم حتى هاجروا، وقاتل بعضٌ حتى قتلوا، وقاتل بعض ولم يُقْتلوا، وقُتِل بعض.

وقوله: ﴿ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ...

﴾ الآية.

تأويلها ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأجاب ربهم دعاءهم: بأني لا أضيع ثواب أعمالكم قَلَّت أو كثرت، سواء كان العامل ذكرًا أو أنثى، فحكم بعضكم من بعض في الملة واحد، لا يُزاد لذَكَرٍ، ولا يُنقص لأنثى، فالذين هاجروا في سبيل الله، وأخرجهم الكفار من ديارهم، وأصابهم الأذى بسبب طاعتهم لربهم، وقاتلوا في سبيل الله وقُتِلُوا لتكون كلمة الله هي العليا -لأغفِرن لهم سيئاتهم يوم القيامة، ولأتجاوزن عنها، ولأُدخلنهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ثوابًا من عند الله، والله عنده الجزاء الحسن الذي لا مثل له.

<div class="verse-tafsir" id="91.B8zpq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنها جاءت بعد أفاعيل أهل الكتاب وغيرهم مع المؤمنين، فهي تدل على أن أولئك المجادلين لو كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض لكفوا من غرورهم ولعلموا أنه يليق بحكمته تعالى أن يرسل إلى الناس رسولًا من أنفسهم، ولكنه جعل الآية مطلقة موجهة إلى أولي الألباب ليطلق النظر لكل عاقل.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ السماوات ما علاك مما تراه فوقك، والأرض ما تعيش عليه، والخلق التقدير والترتيب لا الإيجاد من العدم كما اصطلح عليه في علم الكلام فذلك لا يتضمن معنى النظام والإتقان وهو ما هي عليه الواقع ونفس الأمر، وبعد ما ذكر خلق السماوات والأرض لفت العقول إلى أمر مما يكون في الأرض وهو اختلاف الليل والنهار، فإن هذا الاختلاف قائم بنظام في طول الليل والنهار وقصرهما وتعاقبهما وهذا أمر عظيم سواء كان سببه ما كانوا يعتقدون من أنه حادث من حركة الشمس، أو ما يعتقدون الآن من أن سببه حركة الأرض تحت الشمس ومن الحكم في ذلك ما نراه في أجسامنا وعقولنا من تأثير حرارة الشمس ورطوبة الليل وكذا في تربية الحيوانات والنبات وغير ذلك، ولو كان الليل سرمدًا والنهار سرمدًا لفاتت.

وهذه الآيات تظهر لكل أحد على قدر علمه وفهمه وجودة فكره، فأما علماء الهيئة فإنهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل، وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعية والأجرام الرفيعة وما فيها من الحسن والروعة، وخص أولي الألباب بالذكر مع أن كل الناس أولي ألباب لأن من اللب ما لا فائدة فيه كلب الجوز ونحوه إذا كان عفنا، وكذا تفسد ألباب بعض الناس وتعفن فهي لا تهتدي إلى الاستفادة من آيات الله في خلق السماوات والأرض وغيرهما، وإنما سمي العقل لبًا لأن؛ اللب هو محل الحياة من الشيء وخاصته وفائدته، وإنما حياة الإنسان الخاصة به هي حياته العقلية، وكل عقل متمكن من الاستفادة من النظر في هذه الآيات والاستدلال بها على قدرة الله وحكمته ولكن بعضهم لا ينظر ولا يتفكر وإنما العقل الذي ينظر ويستفيد ويهتدي هو الذي وصف أصحابه بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ  ﴾ والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد بالذكر ذكر القلوب وهو إحضار الله تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع، وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان.

والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر فكأين من عالم يقضي ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس، ويعرف من نظامها وسننها وشرائعها ما لا يعرف الناس، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية.

ثم إن ذكر الله تعالى لا يكفي في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكير فيها فلابد من الجمع بين الذكر والفكر، فقد يذكر المؤمن بالله ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته، وبذلك قال: ﴿ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار  ﴾ أي مع التفكير في خالقهما، أما الذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض وهم غافلون عن خالقهما، ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة الله  ، فمثلهم كمثل من يطبخ طعامًا شهيًا يغذي جسده ولكنه لا يرقى به عقله.

هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله  ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمه الله وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم، فطي هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعلم المؤمنين كيف يخاطبون الله تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنه يقول هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى الله في هذه الأحوال، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال، وكون هذا ضربًا من ضروب التعليم والارشاد، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه فذكر الله حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.

أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا فمعناه أن هذا الإبداع في الخلق والاتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفنانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، كلما ازداد تفكيرًا ازداد علمًا، حتى إنه لا حد يُعْرف لفهمه وعلمه ولا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا ثم يذهب سدى، ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء، ومعناه جنبنا السيئات، ووفقنا للأعمال الصالحات، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.

ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلًا، وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية، يتوجهون إليه قائلين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار والحكم والدلائل على قدرته وعزته فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجا له منه إلا إليه، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه أي أذله وأهانه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  ﴾ وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعًا لأعمالهم وبيانًا لعلة دخولهم وهو جورهم وميلهم عن طريق الحق، فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة كما قال المفسرين فإن هذا التخصيص لا حاجة إليه، ولا دليل عليه، وإنما سببه ولوع الماس بإخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم، كذلك فعل السابقون، واتبع سننهم اللاحقون، فكل ظالم يؤخذ بظلمه، ويعاقب على قدره، ولا يجد له نصيرًا يحميه من أثر ذنبه.

ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة الله تعالى وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم له وما يترتب على ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا  ﴾ المنادي للإيمان هو الرسول، وذكره بوصف المنادي تفخيمًا لشأن هذا النداء، وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان أنهم بعد الذكر والفكر والوصول منها إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الانبياء كما تلبث قوم واستكبر آخرون، بل بادروا وسارعوا إليه لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا إليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة بالله تعالى وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتها دلالة مجملة مبهمة، والأنبياء يزيدونها ويوحيه الله إليهم بيانًا وتفصيلًا.

وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم ويصح أن يكون المراد بالمنادي نبينا  خاصة.

وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ومن وصلت إليه دعوته بعده ويتحمل أن يكون قولهم فآمنا مرادًا به إيمان جديد غير الإيمان الذي استفادوه من التفكر والذكر وهو الإيمان التفصيلي الذي أشرنا إليه آنفًا، ويحتمل أن يكون سمعوا دعوة الرسول أولًا وآمنوا به ثم نظروا وذكروا وتفكروا فاهتدوا إلى ما اهتدوا إليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم فذكروا النتيجة، ثم اعترفوا بالوسيلة، ولا ينافي ذلك تاخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر.

﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا  ﴾ تفيد الفاء في قوله ﴿ فَاغْفِرْ  ﴾ اتصال هذا الدعاء بما قبله وكون الإيمان سببًا له، والمراد بالإيمان الإذعان للرسل في النفس والعمل، لا دعوى الإيمان باللسان مع خلو القلب من الاذعان الباعث على العمل، ولأجل هذا اسشعروا الخوف من الهفوات والسيئات فطلبوا المغفرة والتفكير.

وقال بعض المفسرين إن المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر.

وعندي أن الذنوب هي التقصير في عبادة الله تعالى وكل معاملة بين العبد وربه، والسيئات هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضًا، فالذنب معناه الخطيئة، وأما السيئة فهي ما يسوء فاشتقاقها من الإساءة يشعر بما قلناه، وغفر الذنوب عبارة عن سترها وعدم العقوبة عليها البتة، وتكفير السيئات عبارة عن حطها وإسقاطها فكل من الطلبين مناسب لما ذكرنا من المعنيين ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ  ﴾ أي أمتنا على حالتهم وطريقتهم، يقال: أنا مع فلان أي على رأيه وسيرته ومذهبه في عمله، والأبرار هم المحسنون في أعمالهم.

﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ  ﴾ ، على رسلك معناه لأجل رسلك، أي لأجل اتباعهم والإيمان بهم.

فالكاف للتعليل، واستشكل البعض هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن الله لا يخلف الميعاد، والمختار عندي في الجواب عنه أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة الله تعالى واستشعار عظمته وسلطانه، وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، فطلبوا المغفرة والتفكير والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد الله من استجابوا للرسل ونصروهم وأحسنوا اتباعهم.

﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ أي لا تذلنا.

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى  ﴾ استجاب دعاءهم لصدقهم في الإيمان والذكر والفكر والتقديس والتنزيه، والوصول إلى معرفة الحياة الآخرة، وصدق الرسل وإيمانهم بهم وشعورهم بعد ذلك كله بأنهم ضعفاء مقصرون في الشكر محتاجون مغفرته لهم وفضله عليهم وإحسانه بهم بإيتائهم ما وعدهم، ولكن هذه الاستجابة لم تكن بعين ما طلبوا كما طلبوا ولذلك صورها وبيّن كيفيتها، وهذا التصوير لحكمة عالية وهي أن الاستجابة ليست إلا توفية كل عامل جزاء عمله لينبههم بذكر العمل والعامل، إلى أن العبرة في الظن بالنجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما هي بإحسان العمل والإخلاص فيه، فإن الإنسان قد تغشه نفسه فيظن أنه محسن وليس بمحسن وأنه مخلص وما هو بمخلص، وأن حوله وقوته قد فنيا في حول الله وقوته وأنه لا يريد إلا وجهه تعالى في كل حركة وسكون، ويكون في الواقع ونفس الأمر مغرورًا مرائيًا.

وذكر أن الذكر والأنثى متساويان عند الله تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغتر الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها، ولا تسيء المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسًا عليها يقتضي أن يكون أرفع منزلة عند الله تعالى منها، وقد بيّن تعالى علة هذه المساواة بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق.

لم يكتف بربط الجزاء بالعمل حتى يبين أن العمل الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات ودخول الجنة فقال: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ ذكر الإخراج من الديار بعد الهجرة من باب التفصيل بعد الإجمال، فالهجرة إنما كانت وتكون بالإخراج من الديار، وتستتبع ما ذكر في قوله: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا  ﴾ من الإيذاء والقتال، وقرئ وقتلوا بتشديد التاء للمبالغة فمن لم يحتمل القتل بل والتقتيل في سبيل الله تعالى ويبذل محجته لله  فلا يطمعن بهذه المثوبة المؤكدة في قوله: ﴿ لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ﴾ ومثل هذه الآية الآيات الكثيرة الواردة في صفحات المؤمنين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ  ﴾ إلخ السورة وغير ذلك.

هكذا يذكر الله تعالى صفات المؤمنين لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها بهذه الأعمال والصفات، فإن رأيناها تحتمل الإيذاء في سبيل الله حتى القتل فلنبشرها بالصدق منها، والرضوان منه تعالى، وإلا فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا ينجي عنده غيرها.

وإنما كلف الله المؤمنين الصادقين الموقنين المخلصين هذا التكليف الشاق لأن قيام الحق مرتبط به وإنما سعادتهم -من حيث هم مؤمنون- بقيام الحق وتأييده، والحق في كل زمان ومكان محتاج إلى أهله لينصروه على أهل الباطل الذين يقاومونه.

والحق والباطل يتصارعان دائمًا ولكل منهما حزب ينصره فيجب على أنصار الحق أن لا يفشلوا ولا ينهزموا، بل عليهم أن يثبتوا ويصبروا، حتى تكون كلمته العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وانظر إلى حال المؤمنين اليوم تجدهم يتعللون بأن هذه الآيات نزلت في أناس مخصوصين كأنهم يترقبون أن يستجيب الله لهم ويعطيهم ما وعد المؤمنين من غير أن يقوموا بعمل مما أمر به المؤمنين، ولا أن يتصفوا بوصف مما وصفهم به من حيث هم مؤمنون وما علق عليه وعده بمثوبتهم، بل وإن اتصفوا بضده وهو ما توعد عليه بالعذاب الشديد، وهذا منتهى الغرور.

﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ  ﴾ إن هذا تأكيد لما قبله من كون الثواب من عند الله ليبين أن هذا الجزاء بمحض الفضل والكرم الإلهي وأنه يقع بإرادته واختياره تعالى وإن كان جزاء على عمل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله