الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة ق
تفسيرُ سورةِ ق كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 63 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ ق هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، رَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ ق هَوَّنَ اللهُ عَلَيْهِ المَوْتَ وسَكَراتِهِ".» قوله عزّ وجلّ: ﴿ ق والقُرْآنِ المَجِيدِ ﴾ ﴿ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ﴿ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ﴾ ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ ﴾ ﴿ والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: [ق] اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، وقالَ أيْضًا: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، وقالَ قَتادَةُ والشَعْبِيُّ: هو اسْمُ السُورَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: هُمُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُنْيا، وهو فِيما يَزْعُمُونَ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، مِنها خُضْرَةُ السَماءِ وخُضْرَةُ البَحْرِ.
و"المَجِيدُ": الكَرِيمُ في أوصافِهِ الَّذِي جَمَعَ كُلَّ عِلِيٍّ، و[ق] -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ- مُقْسَمٌ بِهِ وبِالقُرْآنِ المَجِيدِ، وجَوابُ القَسَمِ مُنْتَظَرٌ، واخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: جَوابُهُ ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ ، وقِيلَ: الجَوابُ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى ﴾ ، وقالَ الزَهْراوِيُّ، عن سَعِيدٍ الأخْفَشِ: الجَوابُ ﴿ قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ ﴾ ، وضَعَّفَهُ النُحاسُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ مِنَ النُحاةِ: الجَوابُ "بَلْ عَجِبُوا"، والمَعْنى: لَقَدْ عَجِبُوا قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَوابَ القَسَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ ، وفي هَذِهِ الأقْوالِ تَكَلُّفٌ وتَحَكُّمٌ عَلى اللِسانِ، وقالَ الزَجّاجُ، والمُبَرِّدُ، والأخْفَشُ: الجَوابُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "ق والقُرْآنُ المَجِيدُ لَتُبْعَثُنَّ"، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ الَّذِي يَقَعُ عنهُ الإضْرابُ بِـ "بَلْ"،كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والقُرْآنِ المَجِيدِ ما رَدُّوا أمَرَكَ بِحُجَّةٍ، أو ما كَذَبُوكَ بِبُرْهانٍ، ونَحْوُ هَذا مِمّا لا بُدَّ لَكَ مِن تَقْدِيرِهِ بَعْدَ الَّذِي قَدَّرَ الزَجّاجُ ؛ لِأنَّك إذا قُلْتَ "الجَوابُ "لَتُبْعَثُنَّ" فَلا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تُقَدِّرَ خَبَرًا عنهُ يَقَعُ الإضْرابُ، وهَذا الَّذِي جَعَلْناهُ جَوابًا وجاءَ في المُقَدَّرِ أخْصَرُ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى [ق]: إنَّهُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الكَلِمَةِ نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافِ..................
واخْتَلَفُوا بَعْدُ، فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هو دالٌّ عَلى أسْماءِ اللهِ تَعالى هِيَ: قادِرٌ وقاهِرٌ وقَرِيبٌ وقاضٍ وقابِضٌ.
وقِيلَ: المَعْنى: قُضِيَ الأمْرُ مِن رِسالَتِكَ ونَحْوِهِ.
"والقُرْآنُ المَجِيدُ"، فَجَوابُ القَسَمِ في الكَلامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ق]، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: قِفْ عِنْدَ أمْرِنا، وقِيلَ: المَعْنى: قُهِرَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، وهَذا أيْضًا وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قِيامُهم مِنَ القُبُورِ حَقٌّ "والقُرْآنِ المَجِيدِ"، فَيَكُونُ أوَّلَ السُورَةِ مِنَ المَعْنى الَّذِي اطَّرَدَ بَعْدُ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ، فَثَمَّ كَلامٌ مُضْمَرٌ وقَعَ عنهُ الإضْرابُ، وهو خَبَرٌ عنهُمْ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما كَذَّبُوكَ بِبُرْهانٍ، أوَنَحْوِ هَذا مِمّا يَلِيقُ مُظْهَرًا.
وقَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ: "ق" بِسُكُونِ الفاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا يَجُوزُ غَيْرُها إلّا جَوازَ سُوءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ تَحْسُنُ مَعَ أنْ تَكُونُ [ق] حَرْفًا دالًّا عَلى كَلِمَةٍ.
وقَرَأ الثَقَفِيُّ، وعِيسى: "قافَ" بِفَتْحِ الفاءِ، وهَذِهِ تَحْسُنُ مَعَ القَوْلِ بِأنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ أو لِلَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قافِ" بِكَسْرِ الفاءِ، وهي في رُتْبَةِ الَّتِي قَبْلَها في أنَّ الحَرَكَةَ لِلِالتِقاءِ، وفي أنَّها اسْمٌ لِلْقُرْآنِ، و"المَجِيدِ" الكَرِيمِ الأوصافِ الكَثِيرِ الخَيْرِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ في "عَجِبُوا"، لِمَن هُوَ؟
فَقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: هو لِجَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنُهم وكافِرُهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مَفْطُورٍ عَجِبَ مِن بَعْثَةِ بِشْرٍ رَسُولًا لِلَّهِ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ نَظَرُوا واهْتَدَوْا، والكافِرُونَ بَقُوا في عَمايَتِهِمْ وصُمُّوا وحاجُّوا بِذَلِكَ العَجَبِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الضَمِيرُ في "عَجِبُوا" لِلْكافِرِينَ، كَرَّرَ الكَلامَ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً، والإشارَةُ بِـ "هَذا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى نَفْسِ مَجِيءِ البَشَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القَوْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ الإنْذارُ وهو الخَبَرُ بِالبَعْثِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ ما يَأْتِي بَعْدُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أئِذا"، وقَرَأ الأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "إذا" عَلى الخَبَرِ دُونَ اسْتِفْهامٍ، والعامِلُ في "إذا" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنُبْعَثُ إذًا؟
وإلى هَذا الفِعْلِ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: "ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ"، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أإذا مِتْنا بَعْدَ رَجْعِنا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ "رَجْعٌ بَعِيدٌ" عَلى هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو "بَعْدُ" ويَحِلُّ مَحَلَّ الجَوابِ لِقَوْلِهِمْ: "إذا".
وَ"الرَجْعُ" مَصْدَرُ رَجَعَتْهُ، وقَوْلُهُمْ: "بَعِيدٌ" مَعْناهُ: بَعِيدٌ في الأفْهامِ والفِكْرِ كَوْنُهُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى -رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ- بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما تَأْكُلُ الأرْضُ مِنَ ابْنِ آدَمَ وما تُبْقِي مِنهُ، وإنَّ ذَلِكَ في الكِتابِ، وكَذَلِكَ يَعُودُ في الحَشْرِ مَعْلُومًا ذَلِكَ كُلُّهُ، و"الحَفِيظُ": الجامِعُ الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ، وقالَ الرُمّانِيُّ: حَفِيظٌ: مَنِيعٌ مِن أنْ يَذْهَبَ بِبِلًى ودُرُوسٍ، ورُوِيَ في الخَبَرِ الثابِتِ أنَّ الأرْضَ تَأْكُلُ ابْنَ آدَمَ إلّا عَجَبُ الذَنَبِ وهو عَظَمٌ كالخَرْدَلَةِ فَمِنهُ يَرْكَبُ ابْنُ آدَمَ، وحِفْظُ ما تَنْقُصُ الأرْضُ إنَّما هو لِيَعُودَ بِعَيْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا هو الحَقُّ، وذَهَبَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ إلى أنَّ الأجْسادَ المَبْعُوثَةَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ هَذِهِ، وهَذا عِنْدِي خِلافٌ لِظاهِرِ كِتابِ اللهِ تَعالى، ولَوْ كانَتْ غَيْرُها فَكَيْفَ كانَتْ تَشْهَدُ الجُلُودُ والأيْدِي والأرْجُلُ عَلى الكَفَرَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ أجْسادَ الدُنْيا هي الَّتِي تَعُودُ؟
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: المَعْنى: ما تَنْقُصُ مِن لُحُومِهِمْ وأبْشارِهِمْ وعِظامِهِمْ، وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ" ﴾ أيْ: ما يَحْصُلُ في بَطْنِ الأرْضِ مِن مَوْتاهُمْ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ مُضَمِّنُهُ الوَعِيدُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أيْضًا -فِيما حَكى الثَعْلَبِيُّ -: مَعْناهُ: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ بِالإيمانِ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ، وهَذا قَوْلٌ أجْنَبِيٌّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَبْلُ وبَعْدُ.
وقَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: "بَلْ كَذَّبُوا" مُضْمَرٌ عنهُ وقَعَ الإضْرابُ، تَقْدِيرُهُ: ما أجادُوا النَظَرَ، أو نَحْوَ هَذا، والَّذِي يَقَعُ عنهُ الإضْرابُ بِـ "بَلْ" الأغْلَبُ فِيهِ أنَّهُ مَنفِيٌّ تَقْضِي "بَلْ" بِفَسادِهِ، وقَدْ يَكُونُ أمْرًا مُوجِبًا تَقْضِي "بَلْ" بِتَرْكِ القَوْلِ فِيهِ لا بِفَسادِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لَمّا" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي كَقَوْلِهِمْ: "أعْطَيْتُهُ لِما سَألَ"، وكَما في التارِيخِ "لِخَمْسٍ خَلَوْنَ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ................
∗∗∗ إذا هَبَّتْ لِقارِبِها الرِياحُ و"المَرِيجُ" مَعْناهُ: المُخْتَلِطُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أيْ: بَعْضُهم يَقُولُ ساحِرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ كاهِنٌ، وبَعْضُهم شاعِرٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَخْلِيطِهِمْ، وكَذَلِكَ عادَتْ فِكْرَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُخْتَلِطَةً في نَفْسِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَرِيجُ: المُنْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْتَبِسُ، والمَرِيجُ: المُضْطَرِبُ أيْضًا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ومِنهُ في الحَدِيثِ: « "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ،» ومِنَ الأوَّلِ: "مَرَجَ البَحْرَيْنِ"، وقالَ الشاعِرُ: مَرِجَ الدِينُ فَأعْدَدْتُ لَهُ ∗∗∗ مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ ثُمَّ دَلَّ تَعالى عَلى العِبْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَلَمْ يَنْظُرُوا ﴾ الآيَةُ.
و"زَيَّنّاها" مَعْناهُ: بِالنُجُومِ، و"الفُرُوجُ": الفُطُورُ خِلالَها وأثْناءَها، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وحَكى النَقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُعْطِي أنَّ السَماءَ مُسْتَدِيرَةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما حُكِيَ إذا تُدُبِّرَ اللَفْظُ وما يَقْتَضِي.
و"الرَواسِي": الجِبالُ، و"الزَوْجُ": النَوْعُ، و"البَهِيجُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هو الحَسَنُ المَنظِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: ﴿ تَبْصِرَةً وذِكْرى ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، و"المُنِيبُ": الراجِعُ إلى الحَقِّ عن فِكْرَةٍ ونَظَرٍ، قالَ قَتادَةُ: هو المُقْبِلُ بِقَلْبِهِ إلى اللهِ وخَصَّ تَعالى هَذِهِ الصُنَيْفَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا مِن حَيْثُ هي المُنْتَفِعَةُ بِالتَبْصِرَةِ والذِكْرى، وإلّا فَهَذِهِ المَخْلُوقاتُ هي تَبْصِرَةٌ وذِكْرى لِكُلِّ بَشَرٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "تَبْصِرَةً وذِكْرى" مَفْعُولانِ مِن أجْلِهِما، وهَذا مُحْتَمَلٌ، والأوَّلُ أرْجَحُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ ﴾ ﴿ والنَخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ ﴿ رِزْقًا لِلْعِبادِ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ ﴾ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَسِّ وثَمُودُ ﴾ ﴿ وَعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ ﴾ ﴿ وَأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ ﴾ ﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَّلْنا مِنَ السَماءِ ماءً مُبارَكًا ﴾ قِيلَ: يَعْنِي جَمِيعَ المَطَرِ، كُلُّهُ يَتَّصِفُ بِالبَرَكَةِ، وإنَّ ضَرَّ بَعْضُهُ أحْيانًا فَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ الضُرِّ الخاصِّ البَرَكَةُ العامَّةُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كانَ النَبِيُّ إذا جاءَ المَطَرُ فَسالَتِ المَيازِيبُ قالَ: "لا مَحْلَ عَلَيْكُمُ العامُّ"،» وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ماءً مُبارَكًا" يُرِيدُ بِهِ ماءً مَخْصُوصًا خالِصًا لِلْبَرَكَةِ يُنْزِلُهُ اللهُ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ، ولَيْسَ كُلُّ المَطَرِ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ.
وحَبَّ الحَصِيدِ هو البُرُّ والشَعِيرُ ونَحْوُهُ مِمّا هو نَباتٌ مُحَبَّبٌ يُحْصَدُ، و"الحَصِيدُ" صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: حَبَّ الحَصِيدِ الحِنْطَةُ.
وَ "باسِقاتٍ" مَعْناهُ: طَوِيلاتٌ ذاهِباتٌ في السَماءِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي نَوْفَلٍ في ابْنِ هُبَيْرَةَ: يابْنَ الَّذِينَ بِجِدِّهِمْ بَسَقَتْ عَلى قَيْسٍ فَزارَهْ ورَوى قُطْبَةُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قَرَأ: "باصِقاتٌ" بِالصادِ،» قالَ أبُو الفَتْحِ: الأصْلُ السِينُ، وإنَّما الصادُ بَدَلٌ مِنها لِاسْتِعْلاءِ القافِ.
و"الطَلْعُ" أوَّلُ ظُهُورِ التَمْرِ في الكُفُرّى وهو أبْيَضٌ مُنَضَّدٌ كَحَبِّ الرُمّانِ، فَما دامَ مُلْتَصِقًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهو نَضِيدٌ، فَإذا خَرَجَ مِنَ الكُفُرّى تَفَرَّقَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ.
و"رِزْقًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والضَمِيرُ فِي: "بِهِ" عائِدٌ عَلى المَطَرِ، ووَصَفَ البَلْدَةَ بِـ "مَيِّتٍ" عَلى تَقْدِيرِ القُطْرِ والبَلَدِ، وقَرَأ الناسُ: "مَيِّتًا" مُخَفَّفًا، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وخالِدٌ: "مَيِّتًا" بِالتَثْقِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَبارَكَ وتَعالى مَوْضِعَ الشَبَهِ فَقالَ: "كَذَلِكَ الخُرُوجُ"، وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها إنَّما هي أمْثِلَةٌ وأدِلَّةٌ عَلى البَعْثِ، و"الخُرُوجُ" يُرِيدُ بِهِ مِنَ القُبُورِ.
و"أصْحابُ الرَسِّ" قَوْمٌ كانَ لَهم بِئْرٌ عَظِيمَةٌ وهي الرَسّ، وكُلُّ ما لَمْ يُطْوَ مِن بِئْرٍ أو مَعْدِنٍ أو نَحْوِهِ فَهو رَسٌّ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِلنّابِغَةِ الجَعْدِيِّ: سَبَقْتَ إلى فَرَطٍ ناهِلٍ ∗∗∗ تَنابِلَةً يَحْفُرُونَ الرِساسا وَجاءَهم نَبِيٌّ يُسَمّى حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ فِيما رُوِيَ، فَجَعَلُوهُ في الرَسِّ ورَدَمُوا عَلَيْهِ فَأهْلَكَهُمُ اللهُ تَعالى، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: أصْحابُ الرَسِّ هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أصْحابَ الأُخْدُودِ لَمْ يُكَذِّبُوا نَبِيًّا، إنَّما هو مَلِكٌ أحْرَقَ قَوْمًا، وقالَ الضَحّاكُ: الرَسُّ بِئْرٌ قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسٍ، قالَ مُنْذِرٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهم قَوْمُ عادٍ.
و"الأيْكَةِ" شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ مِن "الأيْكَةِ" غَيْرُ مُعَرَّفَتَيْنِ لِأنَّ، "أيْكَةَ" اسْمٌ عَلَمٌ كَطَلْحَةَ، يُقالُ: أيْكَةُ ولَيْكَةُ، فَهي كالألِفِ واللامِ في الشَمْسِ والقَمَرِ وفي الصِفاتِ الغالِبَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ: "الأيْكَةَ" بِالهَمْزِ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وطَلْحَةُ.
و"قَوْمُ تُبَّعٍ" هم حَمِيرٌ، و"تُبَّعٍ" اسْمٌ فِيهِمْ، يَذْهَبُ تَبَعٌ ويَجِيءُ تَبَعٌ، مِثْلُ كِسْرى في الفَرَسِ وقَيْصَرَ في الرُومِ، وكانَ أسْعَدُ أبُو كَرْبٍ أحَدُ التَبابِعَةِ رَجُلًا صالِحًا صَحِبَ حَبْرَيْنِ فَتَعَلَّمَ مِنهُما دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ إنْ قَوْمَهُ أنْكَرُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَنَدَبَهم إلى مُحاجَّةِ الحَبْرَيْنِ فَوَقَعَتْ بَيْنَهم مُجادَلَةٌ عَظِيمَةٌ، واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَدْخُلُوا جَمِيعُهُمُ النارَ الَّتِي في القُرْبانِ فَمَن أكَلَتْهُ فَهو المُبْطِلُ، فَدَخَلُوا فاحْتَرَقَ قَوْمُ تُبَّعٍ وخَرَجَ الحَبْرانِ تَعْرَقُ جِباهُهُما، فَهَلَكَ القَوْمُ المُخالِفُونَ وآمِنَ سائِرُ قَوْمِ تُبَّعٍ بِدِينِ الحِبْرَيْنِ، وفي الحَدِيثِ اخْتِلافٌ كَثِيرٌ أثْبَتُّ أصَحَّ ذَلِكَ عَلى ما في سِيَرِ ابْنِ هِشامٍ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "لا تَلْعَنُوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ"،» وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ تُبَّعًا كانَ نَبِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: "كُلٌّ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ: كُلُّهُمْ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ "كُلٍّ" عَلَيْهِ إيجازًا والوَعِيدُ الَّذِي حَقَّ: هو ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ وإهْلاكِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَفي هَذا تَخْوِيفُ مَن كَذَّبَ مُحَمَّدًا .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ ﴾ تَوْقِيفٌ لِلْكُفّارِ وتَوْبِيخٌ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ الواضِحَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّ جَوابَهم عَلى هَذا التَوْقِيفِ هُوَ: لَمْ يَقَعْ عِيٌّ، ثُمَّ هم مَعَ ذَلِكَ في لَبْسٍ مِنَ الإعادَةِ، وهَذا تَناقُضٌ، يُقالُ: عَيِيَ يَعْيا إذا عَجَزَ عَنِ الأمْرِ، ويُدْغَمُ هَذا الفِعْل الماضِي مِن هَذا الفِعْلِ، ولا يُدْغَمُ المُسْتَقْبَل مِنهُ، فَيُقالُ: عَيَّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: عَيُّوا بِأمْرِهِمْ كَما ∗∗∗ عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ و"الخَلْقُ الأوَّلُ" إنْشاءُ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ عَلى التَدْرِيجِ المَعْلُومِ، وقالَ الحَسَنُ: الخَلْقُ الأوَّلُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكاهُ الرُمّانِيُّ، و"اللَبْسُ": الشَكُّ والرَيْبُ واخْتِلاطُ النَظَرِ، و"الخَلْقُ الجَدِيدُ": البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ ﴾ ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ هَذِهِ آياتٌ فِيها إقامَةُ حُجَجٍ عَلى الكُفّارِ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ، و"الخَلْقُ" إنْشاءُ الشَيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ وتَرْتِيبٍ حُكْمِيٍّ، و"الإنْسانَ": اسْمُ الجِنْسِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هَنا آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ و"تُوَسْوِسُ" مَعْناهُ: تَتَحَدَّثُ في فِكْرَتِها، وسُمِّيَ صَوْتُ الحُلِيِّ وسُوَسَةً لِخَفائِهِ، والوَسْوَسَةُ إنَّما تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الخَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ ﴾ عِبارَةٌ عن قُدْرَةِ اللهِ عَلى العَبْدِ، وَكَوْنُ العَبْدِ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ والعِلْمِ، قَدْ أُحِيطَ بِهِ، فالقُرْبُ هو بِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ؛ إذْ لا يَنْحَجِبُ عن عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى باطِنٌ ولا ظاهِرٌ، وكُلُّ قَرِيبٍ مِنَ الأجْرامِ فَبَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِ الإنْسانِ حَجْبٌ، و"الوَرِيدُ" عِرْقٌ كَبِيرٌ في العُنُقِ، يُقالُ: إنَّهُما ورِيدانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ، قالَ الفَرّاءُ: هو ما بَيْنَ الحُلْقُومِ والعِلْباوَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: الوَرِيدُ: الوَتِينُ، قالَ الأشْرَمُ: هو نَهْرُ الجَسَدِ، هو في القَلْبِ الوَتِينُ، وفي الظَهْرِ الأبْهَرُ، وفي الذِراعِ والفَخْذِ: الأكْحَلُ والنَسا، وفي الخِنْصَرِ: الأُسَيْلِمُ، "والحَبَلُ" اسْمٌ مُشْتَرَكٌ فَخَصَّصَهُ بِالإضافَةِ إلى الوَرِيدِ، ولَيْسَ هَذا بِإضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، بَلْ هي كَإضافَةِ الجِنْسِ إلى نَوْعِهِ، كَما تَقُولُ: لا يَجُوزُ حَيُّ الطَيْرِ بِلَحْمِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: العامِلُ فِي: "إذْ" هو "أقْرَبُ"، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ يَتَلَقّى، ويَحْسُنُ هَذا المَعْنى لِأنَّهُ أخْبَرَ خَبَرًا مُجَرَّدًا بِالخَلْقِ، والعِلْمُ بِخَطِراتِ الأنْفُسِ، والقُرْبُ بِالقُدْرَةِ والمِلْكِ، فَلَمّا تَمَّ الإخْبارُ، أخْبَرَ بِذِكْرِ الأحْوالِ الَّتِي تُصَدِّقُ هَذا الخَبَرَ وتُبَيِّنُ وُرُودَهُ عِنْدَ السامِعِ، فَمِنها: ﴿ إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ ﴾ ، ومِنها مَجِيءُ سَكْرَةِ المَوْتِ، ومِنها النَفْخُ في الصُورِ، ومِنها مَجِيءُ كُلِّ نَفْسٍ.
و"المُتَلَقِّيانِ": المَلِكانِ المُوَكِّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ، مَلَكُ اليَمِينِ الَّذِي يَكْتُبُ الحَسَناتِ، ومَلَكُ الشِمالِ الَّذِي يَكْتُبُ السَيِّئاتِ، قالَ الحَسَنُ: الحَفَظَةُ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ بِالنَهارِ واثْنانِ بِاليَلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ الحَدِيثُ « "يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَهارِ"...» الحَدِيثُ بِكامِلِهِ.
ويُرْوى أنَّ مَلَكَ اليَمِينِ أمِيرٌ عَلى مَلَكِ الشِمالِ، وأنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ يَقُولُ مَلَكُ اليَمِينِ لِلْآخَرِ: تُثْبَتُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، رَواهُ إبْراهِيمُ التِيْمِيُّ وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، و"قَعِيدٌ" مَعْناهُ: قاعِدٌ، وقالَ قَوْمٌ هو بِمَنزِلَةِ "أكِيلٌ" فَهو بِمَعْنى مَقاعِدٌ وقالَ الكُوفِيُّونَ: أرادَ "قُعُودًا" فَجُعِلَ الواحِدُ مَوْضِعَ الجِنْسِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ المَقاعِدَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قُعُودِ الإنْسانِ، والقاعِدُ يَكُونُ قاعِدًا عَلى كُلِّ هَيْئاتِ الإنْسانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: قَعِيدٌ رَصْدٌ، ومَذْهَبٌ سِيبَوَيْهِ أنَّ التَقْدِيرَ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِمالِ قَعِيدٌ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الآخَرِ عن ذِكْرِ الأوَّلِ، ومِثْلُهُ عِنْدَهُ: ....................
وعِزَّةُ مَمْطُولٍ مُعَنًّى غَرِيمُها ومِثْلُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: إنِّي ضَمِنتُ لِمَن أتانِي ما جَنى ∗∗∗ وأبِي فَكانَ وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورٍ وهَذِهِ الأمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ، ومَذْهَبُ المُبَرِّدِ أنَّ التَقْدِيرَ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِمالِ، فَأخِرُّ "قَعِيدٌ" عن مَكانِهِ، ومَذْهَب الفَرّاءِ أنَّ لَفْظَ "قَعِيدٌ" يَدُلُّ عَلى الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ غَيْرِ الظاهِرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: يَكْتُبُ المَلِكانِ الكَلامَ، فَيُثْبِتُ اللهُ مِن ذَلِكَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ ويَمْحُو غَيْرَ ذَلِكَ، وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ.
قالَ أبُو الجَوْزاءِ، ومُجاهِدٌ: يَكْتُبانِ عَلَيْهِ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ، وَقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ خَيْرٍ أو شَرٍّ، وأمّا ما خَرَجَ عن هَذا فَإنَّهُ لا يَكْتُبُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِجَمَلِهِ: "حَلْ"، فَقالَ مَلِكُ اليَمِينِ: لا أكْتُبُها، وقالَ مَلِكُ الشِمالِ: لا أكْتُبُها، فَأوحى اللهُ تَعالى إلى مَلَكِ الشِمالِ أنِ اكْتُبْ ما تَرَكَ مَلَكُ اليَمِينِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن هِشامٍ الحِمْصِيِّ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ إذا اعْتُبِرَتْ فَهي بِحَسَبَ مَشِيئَتِهِ بِبَعِيرِهِ، فَإنْ كانَ في طاعَةٍ فَإنْ "حَلَّ" حَسَنَةً، وإنْ كانَ في مَعْصِيَةٍ فَهي سَيِّئَةٌ، والمُتَوَسِّطُ بَيْنَ هَذَيْنَ عَسِيرُ الوُجُودِ، ولا بُدَّ أنْ يَقْتَرِنَ بِكُلِّ أحْوالِ المَرْءِ قَرائِنُ تُخَلِّصُها لِلْخَيْرِ أو لِخِلافِهِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: قالَ النَبِيُّ : «إنَّ مَقْعَدَ المَلَكَيْنِ عَلى الثَنِيَّتَيْنِ، فَقَلَمُهُما اللِسانُ ومِدادُهُما الرِيقُ،» وقالَ الضَحّاكُ والحَسَنُ: مَقْعَدُهُما تَحْتَ الشَعْرِ، وكانَ الحَسَنُ يُحِبُّ أنْ يُنَظِّفَ عُنْفُقَتَهُ لِذَلِكَ، قالَ الحَسَنُ: حَتّى إذا ماتَ المَرْءُ طُوِيَتْ صَحِيفَتُهُ، وقِيلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ ، عَدَلَ واللهِ مَن جَعَلَهُ حَسِيبَ نَفْسِهِ.
و"الرَقِيبُ": المُراقِبُ، و"العَتِيدُ": الحاضِرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَجاءَتْ" عَطْفٌ عِنْدِي- عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "إذْ يَتَلَقّى"، فالتَقْدِيرُ: وإذْ تَجِيءُ سَكْرَةُ المَوْتِ، وجَعَلَ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا وتَثْبِيتًا لِلْأمْرِ، وهو أحَثُّ عَلى الِاسْتِعْدادِ واسْتِشْعارِ القُرْبِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ العَرَبِ في ذَلِكَ، ويُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ ﴾ ، ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ فَإنَّها صَيْرُورَةٌ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ ﴾ بِإدْغامِ التاءِ في السِينِ، وسَكْرَةُ المَوْتِ: ما يَعْتَرِي الإنْسانُ عِنْدَ نِزاعِهِ، والناسُ فِيها مُخْتَلِفَةٌ أحْوالُهُمْ، لَكِنْ لِكُلِّ واحِدٍ سَكْرَةٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ «يَقُولُ: في "إنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَراتٌ"» وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِلِقاءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وفَقْدِ الحَياةِ الدُنْيا، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ"، وقَرَأها ابْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ، ويُرْوى أنَّ أبا بَكْرٍ الصَدِيقَ قالَها لِابْنَتِهِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وذَلِكَ أنَّها قَعَدَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ تَبْكِي وهو يُنازِعُ فَقالَتْ: لَعَمْرُكَ ما يُغْنِي الثَراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَدْرُ فَفَتَحَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَيْنَهُ وقالَ: لا تَقُولِي هَكَذا وقُولِي: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ"، وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَلى مَشاهِيرِ القُرّاءِ: ﴿ وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ﴾ فَقالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ عَلَّقْتَ الباءَ بِـ "جاءَتْ" كَما تَقُولُ: "جِئْتُ بِزَيْدٍ"، أيْ: سُقْتُهُ، وإنْ شِئْتَ كانَتْ بِتَقْدِيرٍ: ومَعَها المَوْتُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: "وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ" -فَقالَ الطَبَرِيُّ - وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، الحَقُّ: اللهُ تَعالى، وفي إضافَةُ السَكْرَةِ إلى اسْمِ اللهِ تَعالى بُعْدٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ سائِغًا مِن حَيْثُ هي خَلْقٌ لَهُ، ولَكِنَّ فَصاحَةَ القُرْآنِ ورَصْفَهُ لا يَأْتِي فِيهِ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: وجاءَتْ سَكْرَةُ فِراقِ الحَياةِ بِالمَوْتِ، وفِراقِ الحَياةِ حَقٌّ يَعْرِفُهُ الإنْسانُ ويَحِيدُ مِنهُ بِأمَلِهِ، ومَعْنى هَذا الحَيْدِ أنَّهُ يَقُولُ: أعِيشُ كَذا وكَذا، فَمَتى فَكَّرَ في قُرْبِ المَوْتِ حادَ بِذِهْنِهِ وأمَلِهِ إلى مَسافَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الزَمَنِ، وأيْضًا فَحَذَرُ المَرْءِ وتَحَرُّزاتُهُ ونَحْوُ هَذا حَيْدٌ كُلُّهُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في النَفْخِ في الصُوَرِ مِرارًا، و"يَوْمُ الوَعِيدِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وأضافَهُ إلى الوَعِيدِ تَخْوِيفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ﴾ ، قَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَحا" بِالحاءِ مُثَقَّلَةً، و"السائِقُ": الحاثُّ عَلى السَيْرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في السائِقِ والشَهِيدِ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: مَلَكانِ مُوَكَّلانِ بِكُلِّ إنْسانٍ، أحَدُهُما يَسُوقُهُ، والآخَرُ مِن حَفَظَتِهِ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ العَمَلُ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ النَبِيُّ ، قالَ: وقِيلَ: الشَهِيدُ الكِتابُ الَّذِي يَلْقاهُ مَنشُورًا، وقالَ بَعْضُ النُظّارِ: "سائِقٌ" اسْمُ جِنْسٍ، و"شَهِيدٌ" كَذَلِكَ، فالساقَةُ لِلنّاسِ مَلائِكَةٌ يُوَكَّلُونَ بِذَلِكَ، والشُهَداءُ الحَفَظَةُ في الدُنْيا وكُلُّ ما يَشْهَدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: السائِقُ مَلَكٌ، والشَهِيدُ جَوارِحُ الإنْسانِ، وهَذا يَبْعُدُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما لِأنَّ الجَوارِحَ إنَّما تَشْهَدُ بِالمَعاصِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُّ نَفْسٍ" يَعُمُّ الصالِحِينَ، فَإنَّما مَعْناهُ: وشَهِيدٌ بِخَيْرِهِ، وشَرِّهِ، ويَقْوى فِي: "شَهِيدٌ" اسْمُ الجِنْسِ، فَتَشْهَدُ بِالخَيْرِ المَلائِكَةُ والبِقاعُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ إنْسٌ ولا جِنٌّ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"،» وكَذَلِكَ تَشْهَدُ بِالشَرِّ المَلائِكَةُ والبِقاعُ والجَوارِحُ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السائِقُ مَلَكٌ والشَهِيدُ العَمَلُ، وقالَ ابْنُ مُسْلِمٍ: السائِقُ شَيْطانٌ، حَكاهُ عنهُ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ في كِتابِ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ، وهو ضَعِيفٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَدِيدِ ﴾ ﴿ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لَقَدْ كُنْتِ" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مُخاطَبَةِ النَفْسِ، وكَذَلِكَ كَسْرُ الكافاتِ بَعْدُ، وقالَ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "لَقَدْ كُنْتَ" الآيَةُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ الغافِلِ مِن ذَوِي الَّتِي مَعَها السائِقُ والشَهِيدُ إذا حَصَلَ بَيْنَ يَدَيِ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، وعايَنَ الحَقائِقَ الَّتِي كانَ لا يُصَدِّقُ بِها في الدُنْيا ويَتَغافَلُ عنها وعَنِ النَظَرِ فِيها: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، فَلَمّا كُشِفَ الغِطاءُ عنكَ الآنَ احْتَدَّ بَصَرُكَ، أيْ: بَصِيرَتُكَ، وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ حَدِيدُ الذِهْنِ والفُؤادِ" ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو بَصَرُ العَيْنِ: أيِ: اشْتَدَّ التِفاتُهُ إلى مِيزانِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ كُنْتَ" الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ، والمَعْنى أنَّهُ خُوطِبَ بِهَذا في الدُنْيا، أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ، في غَفْلَةٍ عن مَعْرِفَةِ هَذا القَصَصِ والغَيْبِ حَتّى أرْسَلْناكَ وأنْعَمْنا عَلَيْكَ وعَلَّمْناكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ.
وهَذا التَأْوِيلُ يَضْعُفُ مِن وُجُوهٍ: أحُدُّها أنَّ "الغَفْلَةَ" إنَّما تُنْسَبُ أبَدًا إلى مُقَصِّرٍ، ومُحَمَّدٌ لا تَقْصِيرَ لَهُ قَبْلَ بَعْثِهِ ولا بَعْدَهُ، وثانِيها أنَّ قَوْلَهُ تَعالى -بَعْدَ هَذا- "وَقالَ قَرِينُهُ" يَقْتَضِي أنَّ الضَمِيرَ إنَّما يَعُودُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهَذا الَّذِي يُقالُ لَهُ: ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وإنْ جَعَلْناهُ عائِدًا عَلى ذِي النَفْسِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، جاءَ هَذا الِاعْتِراضُ لِمُحَمَّدٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ غَيْر مُتَمَكِّنٍ، فَتَأمَّلْهُ، وثالِثُها أنَّ مَعْنى تَوْقِيفِ الكافِرِ وتَوْبِيخِهِ عَلى حالِهِ في الدُنْيا يَسْقُطُ، وهو أجْرى في الآيَةِ وأولى بِالرَصْفِ، والوَجْهُ عِنْدِي ما قالَهُ الحَسَنُ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إنَّها مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ ذِي النَفْسِ المَذْكُورَةِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
و ﴿ فَكَشَفْنا عنكَ غِطاءَكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ، قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَرِينُهُ مِن زَبانِيَةِ جَهَنَّمَ، أيْ قالَ: هَذا العَذابُ الَّذِي لِهَذا الإنْسانِ الكافِرِ حاضِرٌ عَتِيدٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفِي هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الكافِرِ واسْتِعْجالٌ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: بَلْ قَرِينُهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِسَوْقِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا الكافِرُ الَّذِي جُعِلَ إلى سَوْقِهِ، فَهو لَدَيَّ حاضِرٌ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: "وَقالَ قَرِينُهُ" شَيْطانُهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما أوقَعُ فِيهِ أنَّ القَرِينَ في قَوْلِهِ: "رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ" هو شَيْطانُهُ في الدُنْيا ومُغْوِيهِ بِلا خِلافٍ، ولَفْظَةُ القَرِينِ اسْمُ جِنْسٍ، فَسائِقُهُ قَرِينٌ، وصاحِبُهُ مِنَ الزَبانِيَةِ قَرِينٌ، وكاتِبُ سَيِّئاتِهِ في الدُنْيا قَرِينٌ، وتَحْتَمِلُهُ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: هَذا الَّذِي أحْصَيْتُهُ عَلَيْهِ عَتِيدٌ لَدَيَّ، ومُوجِبٌ عَذابَهُ.
ومُماشِي الإنْسانَ في طَرِيقِهِ قَرِينٌ، وقالَ الشاعِرُ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي والقَرِينُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ القَرِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ إذِ المُقارَنَةُ تَكُونُ عَلى أنْواعٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَرِينُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَمَلُهُ قَلْبًا وجَوارِحًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ألْقِيا في جَهَنَّمَ" مَعْناهُ: يُقالُ: ألْقِيا في جَهَنَّمَ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَن يُقالُ ذَلِكَ؟
فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو قَوْلٌ لِمَلَكَيْنِ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: هو قَوْلٌ لِلسّائِقِ والشَهِيدِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَأْمُورَ بِإلْقاءِ الكافِرِ في النارِ اثْنانِ، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لا نَظَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألْقِيا"، وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو قَوْلٌ لِلْقَرِينِ، إمّا السائِقُ وإمّا الَّذِي هو مِنَ الزَبانِيَةِ حَسَبَما تَقَدَّمَ، واخْتَلَفَ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "ألْقِيا" وهى مُخاطَبَةٌ لِواحِدٍ، فَقالَ المُبَرِّدُ: مَعْناهُ: ألْقِ ألْقِ، فَإنَّما أرادَ تَثْنِيَةَ الأمْرِ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا فَرَدَّ التَثْنِيَةَ إلى الضَمِيرِ اخْتِصارًا كَما قالَ: ..............
∗∗∗ لَفْتَكَ لَأْمَيْنِ عَلى نابِلٍ يُرِيدُ: ارْمِ ارْمِ.
وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ: "ألْقَيْنَ"، فَعَوَّضَ مِنَ النُونِ ألِفًا كَما تُعَوَّضُ مِنَ التَنْوِينِ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ العَرَبِ: هَذا جَرى عَلى عادَةِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّها كانَ الغالِبُ عِنْدَها أنْ يَتَرافَقَ في الأسْفارِ ونَحْوِها ثَلاثَةٌ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُخاطِبُ اثْنَيْنِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِها وأشْعارِها حَتّى صارَ عُرْفًا في المُخاطَبَةِ، فاسْتُعْمِلَ في الواحِدِ، ومِن هَذا قَوْلُهم في الأشْعارِ: خَلِيلِي، وصاحِبِي، وقِفا نَبْكِ ونَحْوِهِ، وقَدْ جَرى المُحَدِّثُونَ عَلى هَذا الرَسْمِ، فَيَقُولُ الواحِدُ: حَدَّثَنا، -وَإنْ كانَ قَدْ سَمِعَ وحْدَهُ-، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَجّاجِ: يا حَرَسَيَّ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهو دَلِيلٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنْ تَزْجُرانِي بِابْنِ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا وَقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ألْقِيًا" بِتَنْوِينِ "ألْقِيا".
و"كَفّارٍ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، و"عَنِيدٍ" مَعْناهُ: عانَدَ عَنِ الحَقِّ أيْ: مُنْحَرِفٌ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" لَفْظٌ عامٌّ لِلْمالِ والكَلامِ الحَسَنِ والتَعاوُنِ عَلى الأشْياءِ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا التَخْصِيصُ ضَعِيفٌ، و"مُعْتَدٍ" مَعْناهُ: بِلِسانِهِ ويَدِهِ، و"مُرِيبٍ" مَعْناهُ: مُتَلَبِّسٌ بِما يَرْتابُ بِهِ، أرابَ الرَجُلُ إذا أتى بِرِيبَةٍ ودَخَلَ فِيها.
قالَ الثَعْلَبِيُّ: قِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ الحَسَنُ: "مُرِيبٍ": شاكٍّ في اللهِ تَعالى ودِينِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِي" بَدَلًا مِن "كَفّارٍ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ مِن حَيْثُ تُخَصَّصُ "كَفّارٍ" بِالأوصافِ المَذْكُورَةِ فَجازَ وصْفُهُ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِي" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَألْقِياهُ"، ودَخَلَتِ الفاءُ لِلْإبْهامِ الَّذِي في "الَّذِي" فَحَصَلَ الشَبَهُ بِالشَرْطِ، وفي هَذا نَظَرٌ، ويَقْوى عِنْدِي أنْ يَكُونَ "الَّذِي" ابْتِداءً، ويَتَضَمَّنُ القَوْلُ حِينَئِذٍ بَنِي آدَمَ والشَياطِينَ المُغْوِينَ لَهم في الدُنْيا، ولِذَلِكَ تَحَرَّكَ القَرِينُ الشَيْطانُ المُغْوِي في الدُنْيا فَرامَ أنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ وَيُخَلِّصَها بِقَوْلِهِ لِرَبِّهِ: ﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ في نَفْيِ الإطْغاءِ عن نَفْسِ جُمْلَةٍ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ أطْغاهُ بِالوَسْوَسَةِ والتَزَيُّنِ، وأطْغاهُ اللهُ تَعالى بِالخَلْقِ، والِاخْتِراعِ حَسَبَ سابِقِ قَضائِهِ الَّذِي هو عَدْلٌ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ويُوصَفُ بِالضَلالِ البَعِيدِ مُبالَغَةً، أيْ لِتَعَذُّرِ رُجُوعِهِ إلى الهُدى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ مَعْناهُ: قالَ اللهُ تَعالى لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ بِهَذا النَوْعِ مِنَ المُقاوَلَةِ الَّتِي لا تُفِيدُ شَيْئًا إذْ قَدِ اسْتَوْجَبَ جَمِيعُكُمُ النارَ.
وقَدْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ تَقَعُ الخُصُومَةُ لَدَيْهِ في الظُلاماتِ ونَحْوِها مِمّا فِيهِ اقْتِصاصٌ واقْتِضاءٌ، فَأيَّدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ ﴾ ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى:"لا تَخْتَصِمُوا" يُرِيدُ تَعالى بِذَلِكَ مُخاطَبَةَ جَمِيعِ القُرَناءِ؛ إذْ هو أمْرٌ شائِعٌ لا يَقِفُ عَلى اثْنَيْنِ فَقَطْ، وهَذا كَما يَقُولُ الحاكِمُ لِخَصْمَيْنِ: لا تُغْلِظُوا عَلَيَّ، يُرِيدُ الخَصْمَيْنِ ومَن هو في حُكْمِهِما، وتَقَدَّمَتْهُ إلى الناسِ بِالوَعِيدِ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ والكُتُبُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ ﴾ ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ ﴾ ﴿ مَن خَشِيَ الرَحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ ﴿ ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ المَعْنى: قَدْ قَدَّمْتُ بِالوَعِيدِ أنِّي أُعَذِّبُ الكُفّارَ في نارِي فَلا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ولا يَنْقُصُ ما أبْرَمَهُ كَلامِي، ثُمَّ أزالَ مَوْضِعَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ، أيْ: هَذا عَدْلٌ فِيهِمْ؛ لِأنِّي أعْذَرْتُ وأمْهَلْتُ وأنْعَمْتُ بِالإدْراكاتِ وهَدَيْتُ السَبِيلَ والنَجْدَيْنِ وبَعَثْتُ الرُسُلَ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ أيْ: ما يُكَذَّبُ لَدَيَّ لِعِلْمِي بِجَمِيعِ الأُمُورِ، فَتَكُونُ الإشارَةُ -عَلى هَذا- إلى كَذِبِ الَّذِي قالَ: "مآأطْغَيْتُهُ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ ﴾ ، يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في الظَرْفِ قَوْلُهُ تَعالى: "بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ"، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "نَقُولُ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، وَرَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "قَدَّمْتُ" وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "وَما أنا"، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "يَقُولُ"، عَلى مَعْنى: يَقُولُ اللهُ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: "يُقالُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ: "هَلِ امْتَلَأْتِ" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ، واخْتَلَفَ الناسُ هَلْ وقَعَ هَذا التَقْرِيرُ فامْتَلَأتْ أو هي لَمْ تَمْتَلِئْ؟
فَقالَ بِكُلِّ وجْهِ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وبِحَسَبَ ذَلِكَ تَأوَّلُوا قَوْلَها: "هَلْ مِن مَزِيدٍ"، فَمَن قالَ إنَّها امْتَلَأتْ جَعَلَ قَوْلَها: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ ونَفْيَ المَزِيدِ، أيْ: وهَلْ عِنْدِي مَوْضِعٌ يُزادُ فِيهِ شَيْءٌ؟
ونَحْوُ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مَنزِلًا"،» وهو تَأْوِيلُ الحَسَنِ، وعَمْرٍو، وواصِلٍ.
ومَن قالَ إنَّها كانَتْ غَيْرَ مَلْأى جَعَلَ قَوْلَها: "هَلْ مِن مَزِيدٍ" عَلى مَعْنى السُؤالِ والرَغْبَةِ في الزِيادَةِ، قالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: المَعْنى وتَقُولُ خَزَنَتُها، والقَوْلُ إنَّها القائِلَةُ أظْهَرُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِ جَهَنَّمَ، هَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ؟
أيْ: حالُها حالُ مَن لَوْ نَطَقَ لَقالَ كَذا وكَذا، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى: شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُرى وَمَجْرى قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: .............
∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهُ.
والَّذِي يَتَرَجَّحُ في قَوْلِ جَهَنَّمَ: ﴿ هَلْ مِن مَزِيدٍ ﴾ أنَّها حَقِيقَةٌ، وأنَّها قالَتْ ذَلِكَ وهي غَيْرُ مَلْأى، وهو قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ المُتَواتِرُ، قَوْلُ النَبِيِّ : « "يَقُولُ اللهُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأتِ؟
فَتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ؟
حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ، قَطْ، ويَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ"،» وقَدِ اضْطَرَبَ الناسُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، وذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّ "الجَبّارَ" اسْمُ جِنْسٍ، وأنَّهُ يُرِيدُ المُتَجَبِّرِينَ مِن بَنِي آدَمَ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَعُدُّ مِنَ الجَبابِرَةِ طائِفَةً يَمْلَأُ بِهِمْ جَهَنَّمَ آخِرًا، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ جِلْدَةَ الكافِرِ يَصِيرُ غِلَظُها أرْبَعِينَ ذِراعًا،» ويَعْظُمُ بَدَنُهُ عَلى هَذِهِ النِسْبَةِ، وهَذا كُلُّهُ مِن مِلْءِ جَهَنَّمَ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الجَبّارَ اسْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا هو الصَحِيحُ، فَإنَّ في الحَدِيثِ الصَحِيحِ « "فَيَضَعُ رَبُّ العالَمِينَ فِيها قَدَمَهُ"،» وتَأْوِيلُ هَذا أنَّ "القَدَمَ" ما قُدِّمَ لَها مِن خَلْقِهِ وجَعَلَهم في عِلْمِهِ مِن ساكِنِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ، فالقَدَمُ ما قُدِّمَ مِن شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: صِلْ لِرَبِّكَ واتَّخِذْ قَدَمًا ∗∗∗ يُنْجِيكَ يَوْمَ العِثارِ والزَلَلِ ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ......................
∗∗∗ ويُنْشِئُ المُلْكَ لِمَلْكٍ ذِي قَدَمِ أيْ: ذِي شَرَفٍ مُتَقَدِّمٍ، وهَذا التَأْوِيلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، وعَنِ النَضِرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وهو قَوْلُ الأُصُولِيِّينَ، وفي كِتابِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ: « "فَيَضَعُ الجَبّارُ فِيها رِجْلَهُ"،» ومَعْناهُ الجَمْعُ الَّذِي أعَدَّ لَها، يُقالُ لِلْجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الناسِ: "رِجْلٌ" تَشْبِيهًا بِرِجْلِ الجَرادِ، قالَ الشاعِرُ: فَمَرَّ بِها رِجْلٌ مِنَ الناسِ وانْزَوى ∗∗∗ إلَيْهِمْ مِنَ الحَيِّ اليَمانِيِّ أرْجُلُ.
وَمَلاكُ النَظَرِ في هَذا الحَدِيثِ أنَّ الجارِحَةَ والتَشْبِيهَ وما جَرى مَجْراهُ مُنْتَفٍ كُلَّ ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا إخْراجُ ألْفاظٍ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ السائِغَةِ في كَلامِ العَرَبِ.
و"أُزْلِفَتِ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "غَيْرَ بَعِيدٍ" تَأْكِيدٌ وبَيانٌ أنَّ هَذا التَقْرِيبَ هو في المَسافَةِ، لِأنَّ "قُرِّبَتْ" كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى بِالوَعْدِ والإخْبارِ، فَرَفَعَ الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ: "غَيْرَ بَعِيدٍ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا ما تُوعَدُونَ" الآيَةُ.
يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ عِنْدَ إزْلافِ الجَنَّةِ: هَذا هو الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، أيْ: هَذا هو الَّذِي تُوعَدُونَ بِهِ أيُّها الناسُ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ، و"الأوّابُ": الرَجّاعُ إلى الطاعَةِ وإلى مَراشِدِ نَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ: الأوّابُ المُسَبِّحُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ ، وقالَ الشَعْبِيُّ، ومُجاهِدٌ، هو الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ، وقالَ المُحاسَبِيُّ: هو الراجِحُ بِقَلْبِهِ إلى اللهِ تَعالى، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ الَّذِي إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ تَعالى مِمّا جَرى في ذَلِكَ المَجْلِسِ، وكَذَلِكَ كانَ النَبِيُّ يَفْعَلُ.
و"الحَفِيظُ" مَعْناهُ: لِأوامِرِ اللهِ تَعالى فَيَمْتَثِلُها، ولِنَواهِيهِ فَيَتْرُكُها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حَفِيظٌ لِذُنُوبِهِ حَتّى يَرْجِعَ عنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن خَشِيَ الرَحْمَنَ بِالغَيْبِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن نَعْتِ "الأوّابِ" أو بَدَلًا مِن "كُلِّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: يُقالُ لَهُمْ: "ادْخُلُوها بِسَلامٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً فَيَكُونُ الجَوابُ: يُقالُ لَهُمْ: "ادْخُلُوها بِسَلامٍ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالغَيْبِ" مَعْناهُ: غَيْرُ مُشاهَدٍ لَهُ، إنَّما يُصَدِّقُ رَسُولَهُ ويَسْمَعُ كِتابَهُ، وجاءَ مَعْناهُ: يَوْمُ القِيامَةِ، و"المُنِيبُ" الراجِعُ إلى الخَيْرِ والمائِلُ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ادْخُلُوها" تَقْدِيرٌ يُقالُ لَهُمْ، أو فَيُقالُ لَهُمْ، عَلى ما تَقَدَّمَ.
و"سَلامٍ" مَعْناهُ: بِأمْنٍ وسَلامَةٍ مِن جَمِيعِ الآفاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى قَبْلُ في أمْرِ الكُفّارِ: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ ﴾ خَبَرٌ بِأنَّهم يُعْطُونَ آمالَهم أجْمَعَ، ثُمَّ أبْهَمَ تَعالى الزِيادَةَ الَّتِي عِنْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُنَعَّمِينَ، وكَذَلِكَ هي مُبْهَمَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ ، وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ الحَدِيثُ الصَحِيحُ قَوْلُهُ : « "يَقُولُ اللهُ تَعالى: أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْ ما أطْلَعْتُهم عَلَيْهِ"،» وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في تَعْيِينِ هَذا المَزِيدِ أحادِيثَ مُطَوَّلَةً وأشْياءَ ضَعِيفَةً؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ﴾ وهم يُعِينُونَها تَكَلُّفًا وتَعَشُّقًا، ورُوِيَ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وأنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ المَزِيدَ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ تَعالى بِلا كَيْفٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألْقى السَمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ﴾ ﴿ وَمِنَ اللَيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُجُودِ ﴾ "كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي خَبَرِيَّةٌ، والمَعْنى: كَثِيرًا أهْلَكْنا قَبْلَهم.
و"القَرْنُ": الأُمَّةُ مِنَ الناسِ الَّذِينَ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ قَدْرٌ مِنَ الزَمانِ، واخْتَلَفَ الناسُ في ذَلِكَ القَدْرِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، و"شِدَّةُ البَطْشِ" هي بِكَثْرَةِ القُوَّةِ والأمْوالِ والمُلْكِ والصِحَّةِ والأذْهانِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "فَنَقَّبُوا" بِشَدِّ القافِ المَفْتُوحَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى القُرُونِ الماضِيَةِ، والمَعْنى: ولَجُوا البِلادَ مِن أنْقابِها، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ عَلى أنْقابِ المَدِينَةَ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُها الطاعُونُ ولا الدَجّالُ"،» والمُرادُ تَطَوَّفُوا ومَشَوْا طَماعِيَةً في النَجاةِ مِنَ الهَلَكَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيِّ: نَقَّبُوا في البِلادِ مَن حَذِرِ المَوْ ∗∗∗ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ يَعْمُرَ، ونَصّارُ بْنُ يَسارٍ، وأبُو العالِيَةِ: "فَنَقَّبُوا" بِشَدِّ القافِ المَكْسُورَةِ عَلى الأمْرِ لِهَؤُلاءِ الحاضِرِينَ، و: ﴿ هَلْ مِن مَحِيصٍ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا مَحِيصَ، و"المَحِيصُ" مَوْضِعُ الحَيْصِ وهو الرَوَغانُ والحِيادُ، قالَ قَتادَةُ: حاصَ الكَفَرَةُ فَوَجَدُوا أمْرَ اللهِ مُتَّبِعًا مُدْرَكًا، وفي صَدْرِ البُخارِيِّ: "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ" وقالَ ابْنُ عَبْدِ شَمْسٍ في وصْفِ ناقَتِهِ: إذا حاصَ الدَلِيلُ رَأيْتَ مِنها جُنُوحًا لِلطَّرِيقِ عَلى اتِّساقِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عُبَيْدٍ عنهُ-: "فَنَقَبُوا" بِفَتْحِ القافِ وتَخْفِيفِها، وهي بِمَعْنى التَشْدِيدِ، واللَفْظَةُ أيْضًا قَدْ تُقالُ بِمَعْنى البَحْثِ والطَلَبِ، تَقُولُ: نَقَّبَ عن كَذا أيِ اسْتَقْصى عنهُ، ومِنهُ "نَقِيبُ القَوْمِ" لِأنَّهُ الَّذِي يَبْحَثُ عن أُمُورِهِمْ ويُباحِثُ عنها، وهَذا عِنْدِي تَشْبِيهٌ بِالدُخُولِ مِنَ الأنْقابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى ﴾ يَعْنِي إهْلاكَ مَن مَضى، و"الذِكْرى": التَذْكِرَةُ، و"القَلْبُ" عِبارَةٌ عَنِ العَقْلِ إذْ هو مَحَلُّهُ، والمَعْنى: لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ واعٍ يَنْتَفِعُ بِهِ، وقالَ الشِبْلِيُّ: مَعْناهُ: قَلْبٌ حاضِرٌ مَعَ اللهِ تَعالى لا يَغْفُلُ عنهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ألْقى السَمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ مَعْناهُ: صَرَفَ سَمْعَهُ إلى هَذِهِ الأنْباءِ الواعِظَةِ، وأنْتَبَهَ في سَماعِها، فَذَلِكَ إلْقاءٌ لَهُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾ ، أيْ: أثْبَتَها عَلَيْكَ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: قَوْلُهُ تَعالى: "ألْقى السَمْعَ" وقَوْلُهُ: "فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ"، وقَوْلُهُ: ﴿ سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ ، هي مِمّا قَلَّ اسْتِعْمالُها الآنَ وبَعُدَتْ مَعانِيهِ.
وقَوْلُ هَذا القائِلِ ضَعِيفٌ، بَلْ هي بَيِّنَةُ المَعانِي، وقَدْ مَضَتْ في مَوْضِعِها، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهُوَ شَهِيدٌ" قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: وهو مُشاهَدٌ مُقْبِلٌ عَلى الأمْرِ غَيْرُ مُعَرَّضٍ ولا مُتَفَكِّرٍ في غَيْرِ ما يَسْمَعُ، وقالَ قَتادَةُ: هي إشارَةٌ إلى أهْلِ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَذِهِ العِبْرَةَ لَتَذْكِرَةٌ لِمَن لَهُ فَهْمٌ فَيَتَدَبَّرُ الأمْرَ، أو لِمَن سَمِعَها مِن أهْلِ الكِتابِ فَيَشْهَدُ بِصِحَّتِها لِعِلْمِهِ بِها مِن كِتابِ التَوْراةِ وسائِرِ كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ، فـَ "شَهِيدٌ" عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مِنَ المُشاهَدَةِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مِنَ الشَهادَةِ، وقَرَأ السُدِّيُّ: "أو ألْقى السَمْعَ"، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أيْ: أُلْقِيَ السَمْعُ مِنهُ، حَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّ قِراءَةَ السُدِّيِّ ذُكِرَتْ لِعاصِمٍ فَمَقَتَ السُدِّيَّ وقالَ: ألَيْسَ اللهُ تَعالى يَقُولُ: "يُلْقُونَ السَمْعَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ...
خَبَرٌ مُضَمِّنُهُ الرَدُّ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشْياءَ كُلَّها في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ ﴾ ، واللُغُوبُ: الإعْياءُ والنَصَبُ والسَأمُ، يُقالُ: لَغَبَ الرَجُلُ يَلْغُبُ إذا أعْيا، وقَرَأ السِلْمِيُّ، وطَلْحَةُ: "لَغُوبٌ" بِفَتْحِ اللامِ.
وتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ بِأنَّ بَدْءَ خَلْقِ الأشْياءِ كانَ يَوْمَ الأحَدِ، وفي كِتاب مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ لِثابِتٍ حَدِيثٌ مُضَمِّنُهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ السَبْتِ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَأجْمَعُوا عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ خُلِقَ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَمَن قالَ إنَّ البَداءَةَ يَوْمَ السَبْتِ جَعَلَ خَلْقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ كَخَلْقِ بَنِيهِ لا يُعَدُّ مَعَ الجُمْلَةِ الأُولى، وجَعَلَ اليَوْمَ الَّذِي كَمُلَتِ المَخْلُوقاتُ عِنْدَهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ أهْلُ الكِتابِ لِقَوْلِهِمْ: ثُمَّ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ، وهَذِهِ المَقالَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ كانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وقالَ النُظّارُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ يُرادُ بِهِ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم مِنَ الكَفَرَةِ، وعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأقْوالِ الزائِفَةِ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ قَوْلُ مَن قالَ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، و"سَبِّحْ" مَعْناهُ: صِلْ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِحَمْدِ رَبِّكَ" الباءُ لِلِاقْتِرانِ، أيْ: سَبِّحْ سُبْحَةً يَكُونُ مَعَها حَمْدٌ، ومِثْلُهُ: "تَنْبُتُ بِالدُهْنِ" عَلى بَعْضِ الأقْوالِ فِيها، و"قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ" هي الصُبْحُ "وَقَبْلَ الغُرُوبِ" هي العَصْرُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والناسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "قَبْلَ الغُرُوبِ" الظُهْرُ والعَصْرُ، و"مِنَ اللَيْلِ" هي صَلاةُ العِشاءَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي العِشاءُ فَقَطْ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي صَلاةُ اللَيْلِ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأدْبارَ السُجُودِ"، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، والأوزاعِيُّ: هي الرَكْعَتانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، عَنِ ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عَنِ النَبِيِّ ، كَأنَّهُ رُوعِيَ إدْبارَ صَلاةِ النَهارِ كَما رُوعِيَ إدْبارَ النُجُومِ في صَلاةِ اللَيْلِ فَقِيلَ: هي الرَكْعَتانِ مَعَ الفَجْرِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ "أدْبارَ السُجُودِ" الوِتْرُ، حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: هي النَوافِلُ إثْرَ الصَلَواتِ، وهَذا جارٍ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: هي صَلاةُ اللَيْلِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ ﴾ رَكْعَتا الفَجْرِ، "وَقَبْلَ الغُرُوبِ" الرَكْعَتانِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وقالَ بَعْضُ التابِعِينَ: رَأيْتُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَهُبُّونَ إلَيْها كَما يَهُبُّونَ إلى المَكْتُوبَةِ، وقالَ قَتادَةُ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا يُصَلِّي الرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ إلّا أنَسًا وأبا بَرْزَةَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعِيسى، وشِبْلٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ:"وَإدْبارَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلَيْهِ وقْتٌ ثُمَّ حُذِفَ الوَقْتُ، كَما قالُوا: جِئْتُكَ مَقْدِمَ الحَجِّ وخَفُوقَ النَجْمِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ الباقُونَ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "وَأدْبارَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهو جَمْعٌ دُبُرٍ كَطُنُبٍ وأطْنابٍ، أيْ: وفي أدْبارِ السُجُودِ، أيْ في أعْقابِهِ، قالَ أوسُ بْنُ حَجَرٍ: ؎ عَلى دُبُرِ الشَهْرِ الحَرامِ فَأرْضُنا ∗∗∗ وما حَوْلَها جَدْبٌ سَنِينٌ تَلْمَعُ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمَ الخُرُوجِ ﴾ ﴿ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عنهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ﴾ ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "واسْتَمِعْ" هو بِمَنزِلَةٍ، "وانْتَظِرْ"، وذَلِكَ أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُؤْمَرْ بِأنْ يَسْتَمِعَ في يَوْمِ النِداءِ لِأنَّ كُلَّ مَن فِيهِ يَسْتَمِعُ، وإنَّما الآيَةُ في مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ لِمُحَمَّدٍ تَحَسَّسْ وتَسَمَّعْ هَذا اليَوْمَ وارْتَقِبْهُ فَإنَّ فِيهِ تَبْيِينُ صِحَّةِ ما قُلْتَهُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تَعِدُهُ بِوُرُودِ فَتْحٍ: اسْتَمِعْ كَذا وكَذا، أيْ كُنْ مُنْتَظِرًا لَهُ مُسْتَمِعًا، فَعَلى هَذا فَنَصَبَ "يَوْمَ" إنَّما هو عَلى المَفْعُولِ الصَرِيحِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "المُنادِي" بِالياءِ وصْلًا ووَقْفًا عَلى الأصْلِ الَّذِي هو ثُبُوتُها؛ إذًا الكَلامُ غَيْرُ تامٍّ، وإنَّما الحَذْفُ أبَدًا في الفَواصِلِ وفى الكَلامِ التامِّ تَشْبِيهًا بِالفَواصِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ بِالوَقْفِ بِغَيْرِ ياءٍ لِأنَّ الوَقْفَ مَوْضِعُ تَغْيِيرٍ، ألا تَرى أنَّها تُبَدَّلُ مِنَ التاءِ فِيهِ الهاءُ في نَحْوِ " طَلْحَةُ " و" حَمْزَةُ "، ويُبَدِّلُ مِنَ التَنْوِينِ الألِفُ، ويَضْعُفُ فِيهِ الحَرْفُ كَقَوْلِكَ: هَذا فَوْجٌ، ويُحْذَفُ فِيهِ الحَرْفُ فِي القَوافِي.
وقَرَأ الباقُونَ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ، وأيْضًا فَإنَّ الياءَ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ، فَوَجَبَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ مُعاقِبِ التَنْوِينِ، وهُما الألِفُ واللامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ ﴾ ، قِيلَ وصَفَهُ بِالقُرْبِ مِن حَيْثُ يَسْمَعُ جَمِيعَ الخَلائِقِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ : «أنَّ مَلَكًا يُنادِي مِنَ السَماءِ: أيَّتُها الأجْسامُ الهامِدَةُ، والعِظامُ البالِيَةُ، والرِمَمُ الواهِيَةُ، هَلُمَّ إلى الحَشْرِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.» وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: المَكانُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ، واخْتَلَفُوا في مَعْنى صِفَتِهِ بِالقُرْبِ، فَقالَ قَوْمٌ: وصْفُها بِذَلِكَ لِقُرْبِها مِنَ النَبِيِّ أيْ: مِن مَكَّةَ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: وصْفُها بِالقُرْبِ مِنَ السَماءِ، ورُوِيَ أنَّها أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وهَذا الخَبَرُ إنْ كانَ بِوَحْيٍ، وإلّا فَلا سَبِيلَ لِلْوُقُوفِ عَلى صِحَّتِهِ.
و"الصَيْحَةُ" هي صَيْحَةُ المُنادِي، و"الخُرُوجِ" هو مِنَ القُبُورِ، و: "يَوْمَهُ" هو يَوْمَ القِيامَةِ، و"يَوْمُ الخُرُوجِ" في الدُنْيا هو يَوْمُ العِيدِ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ولَأنْتَ أحْسُنُ إذْ بَرَزَتْ لَنا يَوْمَ الخُرُوجِ بِساحَةِ القَصْرِ مِن دُرَّةٍ أغْلى بِهامِلِكَ مِمّا تَرَبَّبَ حائِرُ البَحْرِ قَوْلُهُ تَعالى: "يَوْمَ تَشَقَّقُ"، العامِلُ في "يَوْمَ" هو "المَصِيرُ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ الشِينِ، والباقُونَ خَفَّفُوها.
و"سِراعًا" حالٌ، قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هي مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عنهُمْ"، والعامِلُ في الحالِ "تَشَقَّقُ"، وقالَ بَعْضُهُمُ التَقْدِيرُ: يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عنهم يَخْرُجُونَ سِراعًا، فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في "يَخْرُجُونَ"، والعامِلُ "يَخْرُجُونَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِ الكَفَرَةِ: ﴿ ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ لِلْكَفَرَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ ﴾ فَقالَ قَتادَةُ: نَهى اللهُ تَعالى عَنِ التَجَبُّرِ، وتَقَدَّمَ فِيهِ، فَمَعْناهُ: وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُتَعَظِّمٍ، مِنَ الجَبَرُوتِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَلِّطٍ تَجَبُّرَهم عَلى الإيمانِ، ويُقالُ: جَبَرْتُهُ عَلى كَذا، أيْ قَسَرْتُهُ، فَـ "جَبّارٌ" مُبالَغَةٌ مِن جَبَرَ، وأنْشَدَ المُفَضَّلُ: عَصَيْنا عَزْمَةَ الجَبّارِ حَتّى ∗∗∗ صَحِبْنا الخَوْفَ إلْفًا مُعَلِّمِينا قالَ: أرادَ بِالجَبّارِ النُعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ لِوِلايَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ نَصْبَ "عَزْمَةَ" عَلى المَصْدَرِ وأرادَ: عَصَيْنا مُقْدِمِينَ عَزْمَةَ جَبّارٍ، فَمَدَحَ نَفْسَهُ وقَوْمَهُ بِالعُتُوِّ والِاسْتِعْلاءِ، أخْلاقُ الجاهِلِيَّةِ والحَياةِ الدُنْيا، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما «أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ خَوَّفْتَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ .» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا سَبَبًا فَإنَّهُ لَمّا أعْلَمَهُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُسَلَّطٍ عَلى جَبْرِهِمْ أمَرَهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى تَذْكِيرِ الخائِفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ ق