تفسير سورة القصص الآيات ٢٩-٣٥ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 28 القصص > الآيات ٢٩-٣٥

آخر تحديث 27 أكتوبر 2026 - 21:01

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ ﴾ رَوى ابْن عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ سُئِلَ: أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، قالَ: أوْفاهُما وأطْيَبهما» .

قالَ مُجاهِدٌ مَكَثَ بَعْدَ قَضاءِ الأجَلِ عِنْدَهم عَشْرًا أُخَرَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أقامَ عِنْدَهم بَعْدَ أنْ أدْخَلَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ سِنِينَ، وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ [طَهَ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ أوْ جَذْوَةٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: " جِذْوَةً " بِكَسْرِ الجِيمِ.

وقَرَأ عاصِمٌ بِفَتْحِها.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والوَلِيدُ عَنِ ابْن عامِرٍ بِضَمِّها، وكُلُّها لُغاتٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَذْوَةُ: قِطْعَةُ حَطَبٍ فِيها نارٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الحَطَبِ لَيْسَ فِيها لَهَبٌ، وهي مِثْلُ الجَذْمَةِ مِن أصْلِ الشَّجَرَةِ، قالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: باتَتْ حَواطِبُ لَيْلى يَلْتَمِسْنَ لَها جَزْلَ الجِذا غَيَّرَ خُوّارٍ ولا دَعْرِ والدَّعْرُ: الَّذِي قَدْ نَخِرَ، ومِنهُ رَجُلٌ داعِرٌ، أيْ: فاسِدٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ ﴾ وهو: جانِبُهُ ﴿ الأيْمَنِ ﴾ وهو الَّذِي عَنْ يَمِينِ مُوسى ﴿ فِي البُقْعَةِ ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ ﴿ المُبارَكَةِ ﴾ بِتَكْلِيمِ اللَّهِ مُوسى فِيها ﴿ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ أيْ: مِن ناحِيَتِها.

وفي تِلْكَ الشَّجَرَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] شَجَرَةُ العُنّابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَوْسَجَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النَّمْلِ: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ ﴾ أيْ: مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ ﴾ أيْ: أُدْخِلُها، ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ ﴾ قَدْ فَسَّرْنا الجَناحَ في (طَهَ: ٢٢) إلّا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ خالَفَ بَيْنَ تَفْسِيرِ اللَّفْظَيْنِ، فَشَرَحْناهُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَناحُهُ: الذِّراعُ والعَضُدُ والكَفُّ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الجَناحُ هاهُنا: العَضُدُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها: جَناحٌ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الجَناحُ هاهُنا: العَصا.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَناحُ لِلْإنْسانِ مُشَبَّهٌ بِالجَناحِ لِلطّائِرِ، فَفي حالٍ تُشَبِّهُ العَرَبُ رِجْلَيِ الإنْسانِ بِجَناحِي الطّائِرِ، فَيَقُولُونَ: قَدْ مَضى فُلانٌ طائِرًا في جَناحَيْهِ، يَعْنُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَضُدَ مِنهُ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ ﴾ ، وفي حالٍ يَجْعَلُونَ العَصا بِمَنزِلَةِ الجَناحِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ كَدَفْعِ الطّائِرِ عَنْ نَفْسِهِ بِجَناحِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾ ، وإنَّما يُوقَعُ الجَناحُ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ تَشْبِيهًا واسْتِعارَةً، كَما يُقالُ: قَدْ قَصَّ جَناحَ الإنْسانِ، وقَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ: إذا وقَعَتْ بِهِ جائِحَةٌ أبْطَلَتْ تَصَرُّفَهُ؛ ويَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أنْتِ يَدِي ورِجْلِي، أيْ: أنْتَ مَن بِهِ أُصِلُ إلى مُحابِّي، قالَ جَرِيرٌ: سَأشْكُرُ أنْ رَدَّدَتْ إلَيَّ رِيشِي وأنْبَتَّ القَوادِمَ في جَناحِي وَقالَتْ امْرَأةٌ مِنَ العَرَبِ تَرْثِي زَوْجَها الأغَرَّ: يا عِصْمَتِي في النّائِباتِ ويا ∗∗∗ رُكْنِيَ [الأغَرَّ] ويا يَدِي اليُمْنى ∗∗∗ لا صُنْتُ وجْهًا كُنْتُ صائِنَهُ ∗∗∗ أبَدًا ووَجْهُكَ في الثَّرى يَبْلى فَأمّا الرَّهْبُ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " مِنَ الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرُّهْبِ " بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ.

وقَرَأ حَفْصٌ [وَأبانُ] عَنْ عاصِمٍ: " مِنَ الرَّهْبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ [وَهِيَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ السَّمَيْفَعِ] .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الرُّهْبُ، والرَّهَبُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ الرُّشْدِ، والرَّشَدِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرُّهْبُ والرَّهْبَةُ بِمَعْنًى الخَوْفِ والفَرَقِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الرَّهْبُ، والرُّهُبُ، والرَّهَبُ، مِثْلُ الشَّغْلِ، والشُّغُلِ، والشَّغَلِ والبَخْلِ، والبُخُلِ، والبَخَلِ، وتِلْكَ لُغاتٌ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَوْفِ والفَرَقِ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا هَرَبَ مِنَ الحَيَّةِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَضُمَّ إلَيْهِ جَناحَهُ لِيَذْهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: اضْمُمْ يَدَكَ إلى صَدْرِكَ مِنَ الخَوْفِ ولا خَوْفَ عَلَيْكَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ مَن فَزِعَ فَضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الفَزَعُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا هالَهُ بَياضُ يَدِهِ وشُعاعُها، أمَرَ أنْ يُدْخِلَها في جَيْبِهِ، فَعادَتْ إلى حالَتِها الأُولى.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: سَكَنَ رَوْعُكَ، وثَبَتَ جَأْشُكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ يُرادُ بِهِ الضَّمُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، إنَّما أمْرٌ بِالعَزْمِ [عَلى ما أُمِرَ بِهِ] والجَدِّ فِيهِ، ومِثْلُهُ: اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذانِكَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " فَذانِكَ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ: " فَذانِكَ " بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: التَّشْدِيدُ تَثْنِيَةُ " ذَلِكَ "، والتَّخْفِيفُ تَثْنِيَةُ " ذاكَ "، فَجَعَلَ اللّامَ في " ذَلِكَ " بَدَلًا مِن تَشْدِيدِ النُّونِ في " ذانِكَ "، ﴿ بُرْهانانِ ﴾ أيْ: بَيانانِ اثْنانِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: " فَذانِكَ " يَعْنِي العَصا واليَدَ، حُجَّتانِ مِنَ اللَّهِ لِمُوسى عَلى صِدْقِهِ، ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إلى فِرْعَوْنَ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ ما بَعْدَ هَذا [الشُّعَراءِ: ١٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا ﴾ أيْ: أحْسَنُ بَيانًا، لِأنَّ مُوسى كانَ في لِسانِهِ أثَرُ الجَمْرَةِ الَّتِي تَناوَلَها، ﴿ فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: " رِدْءًا " بِسُكُونِ الدّالِ وبَعْدَها هَمْزَةٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: " رَدًّا " بِفَتْح الدّالِ وألِفٍ بَعْدَها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا هَمْزٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ نَوَّنَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الرَّدْءُ: العَوْنُ، يُقالُ: رَدَأْتُهُ أرْدَؤُهُ رَدْءًا: إذا أعَنْتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: " يُصَدِّقُنِي " بِضَمِّ القافِ.

وقَرَأ الباقُونَ.

بِسُكُونِ القافِ قالَ الزَّجّاجُ: مَن جَزَمَ " يُصَدِّقْنِي " فَعَلى جَوابِ المَسْألَةِ: أرْسِلْهُ يُصَدِّقْنِي؛ ومَن رَفَعَ؛ فالمَعْنى: رَدْءًا مُصَدِّقًا لِي.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ: " يُصَدِّقُنِي " إلى هارُونَ؛ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: لِكَيْ يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: سَنُعِينُكَ بِأخِيكَ، ولَفْظُ العَضُدِ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، لِأنَّ اليَدَ قِوامُها عَضُدُها، وكُلُّ مُعَيَّنٍ فَهو عَضُدٌ، ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا ﴾ أيْ: حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ.

وقِيلَ لِلزَّيْتِ: السَّلِيطُ، لِأنَّهُ يُسْتَضاءُ بِهِ؛ والسُّلْطانُ: أبْيَنُ الحُجَجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما ﴾ أيْ: بِقَتْلٍ ولا أذًى.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ بِآياتِنا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: تَمْتَنِعانِ مِنهم بِآياتِنا وحُجَجِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالمَعْنى: بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ، أيْ: تَغْلِبُونَ بِآياتِنا.

والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا بِآياتِنا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 20 جمادى الأولى
أحدب متناقص اليوم 21 / 29.5
الإضاءة 62%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56