الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 6 الأنعام > الآية ٣١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ إنَّما وُصِفُوا بِالخُسْرانِ، لِأنَّهم باعُوا الإيمانَ بِالكُفْرِ، فَعَظُمَ خُسْرانُهم.
والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ: البَعْثُ والجَزاءُ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ، والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما أتى فَجْأةً فَقَدْ بَغَتَ، يُقالُ: قَدْ بَغَتَهُ الأمْرُ يَبْغَتُهُ بَغَتًا وبَغَتَةُ: إذا أتاهُ فَجْأةً.
قالَ الشّاعِرُ: ولَكِنَّهم بانُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ الحَسْرَةُ: التَّلَهُّفُ عَلى الشَّيْءِ الفائِتِ، وأهْلُ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ يا نَدامَتَنا.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى دُعاءِ الحَسْرَةِ، وهي لا تَعْقِلُ، فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ إذا اجْتَهَدَتْ في المُبالَغَةِ في الإخْبارِ عَنْ عَظِيمٍ ما تَقَعُ فِيهِ، جَعَلَتْهُ نِداءً، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ "يا" لَلتَّنْبِيهِ، والمُرادُ تَنْبِيهُ النّاسِ، لا تَنْبِيهَ المُنادِي.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، لَفْظُهُ لَفْظُ النّاهِي لَنَفَسِهِ، والمَعْنى لَلْمَنهِيِّ، ومِن هَذا قَوْلُهم يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، يُرادُ: يا فُرْسانَ خَيْلِ اللَّهِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتُ: يا عَجَباهُ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: احْضُرْ وتَعال يا عَجَبُ، فَهَذا زَمانُكَ.
فَأمّا التَّفْرِيطُ فَهُوَ: التَّضْيِيعُ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: التَّفْرِيطُ في اللُّغَةِ: تَقَدَّمَهُ العَجْزُ.
وفي المُكَنّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: "فِيها" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الدُّنْيا، فالمَعْنى: عَلى ما ضَيَّعْنا في الدُّنْيا مِن عَمَلِ الآَخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها الصَّفْقَةُ، لِأنَّ الخُسْرانَ لا يَكُونُ إلّا في صَفْقَةٍ، وتَرَكَ ذِكْرَها اكْتِفاءً بِذِكْرِ الخُسْرانِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ: أنَّها الطّاعَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
فَأمّا الأوْزارُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الآَثامُ، وأصْلُ الوِزْرِ: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الوِزْرُ: الثِّقَلُ.
وهَلْ هَذا الحَمْلُ حَقِيقَةٌ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.
قالَ عُمَيْرُ بْنُ هانِئٍ: يُحْشَرُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ عَمَلُهُ في صُورَةِ رَجُلٍ قَبِيحٍ، كُلَّما كانَ هَوْلٌ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، وزادَهُ خَوْفًا، فَيَقُولُ: بِئْسَ الجَلِيسُ أنْتَ، ما لِي ولَكَ؟
فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ طالَما رَكَّبْتَنِي في الدُّنْيا، فَلْأرْكَبَنَّكَ اليَوْمَ حَتّى أُخْزِيكَ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَيَرْكَبُهُ ويَتَخَطّى بِهِ النّاسُ حَتّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ، وعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المَلائِيُّ ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ، والمَعْنى: يَحْمِلُونَ ثِقْلَ ذُنُوبِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ قالَ: فَجَعَلَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ بِمَنزِلَةٍ أثْقَلُ ما يُتَحَمَّلُ، ومَعْنى ﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا يَزْرُونَهُ، أيْ يَحْمِلُونَهُ.
<div class="verse-tafsir"