الآية ٣١ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣١ من سورة الأنعام

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةًۭ قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن خسارة من كذب بلقاء الله وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة ، وعن ندامته على ما فرط من العمل ، وما أسلف من قبيح الفعال ولهذا قال : ( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ) وهذا الضمير يحتمل عوده على الحياة [ الدنيا ] وعلى الأعمال ، وعلى الدار الآخرة ، أي : في أمرها .

وقوله ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ) أي : يحملون .

وقال قتادة : يعملون .

[ و ] قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي مرزوق قال : ويستقبل الكافر - أو : الفاجر - - عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن ريحا ، فيقول : من أنت؟

فيقول : أو ما تعرفني؟

فيقول : لا والله إلا أن الله [ قد ] قبح وجهك ونتن ريحك .

فيقول : أنا عملك الخبيث ، هكذا كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه ، طالما ركبتني في الدنيا ، هلم أركبك ، فهو قوله : ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم [ ألا ساء ما يزرون ] ) وقال أسباط : عن السدي أنه قال : ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه ، أسود اللون ، منتن الرائحة عليه ثياب دنسة ، حتى يدخل معه قبره ، فإذا رآه قال : ما أقبح وجهك!

قال : كذلك كان عملك قبيحا قال : ما أنتن ريحك!

قال : كذلك كان عملك منتنا !

قال : ما أدنس ثيابك ، قال : فيقول : إن عملك كان دنسا .

قال له : من أنت؟

قال : أنا عملك!

قال : فيكون معه في قبره ، فإذا بعث يوم القيامة قال له : إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات ، وأنت اليوم تحملني .

قال : فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار ، فذلك قوله : ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله " ، قد هلك ووُكس، في بيعهم الإيمان بالكفر (6) =" الذين كذبوا بلقاء الله ", يعني: الذين أنكروا البعثَ بعد الممات، والثواب والعقابَ، والجنةَ والنارَ, من مشركي قريش ومَنْ سلك سبيلهم في ذلك =" حتى إذا جاءَتهم الساعة "، يقول: حتى إذا جاءتهم السَّاعة التي يَبْعث الله فيها الموتى من قبورهم.

* * * وإنما أدخلت " الألف واللام " في" الساعة ", لأنها معروفة المعنى عند المخاطبين بها, وأنها مقصود بها قصدُ الساعة التي وصفت.

* * * ويعني بقوله: " بغتة " ، فجأةً، من غير علم من تفجؤه بوقت مفاجأتها إيّاه.

* * * يقال منه: " بغتُّه أبغته بَغْتةً"، إذا أخذته كذلك: * * * =" قالوا يا حَسْرتَنا على ما فرّطنا فيها " ، يقول تعالى ذكره: وُكس الذين كذبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنة من النار, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا، وتبيَّنوا خسارة صفقة بَيْعهم التي سلفت منهم في الدنيا، تندُّمًا وتلهُّفًا على عظيم الغَبْن الذي غبنوه أنفسهم، وجليلِ الخسران الذي لا خسرانَ أجلَّ منه =" يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، يقول: يا ندامتنا على ما ضيّعنا فيها، يعني: صفقتهم تلك.

(7) * * * و " الهاء والألف " في قوله: " فيها " ، من ذكر " الصفقة ", ولكن اكتفى بدلالة قوله: " قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله " عليها من ذكرها, إذ كان معلومًا أن " الخسران " لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت.

(8) * * * وإنما معنى الكلام: قد وُكس الذين كذبوا بلقاء الله, ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطه وعقوبته, ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة, فإذا جاءتهم الساعة بغتةً فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ، تندمًا: " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ".

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13185 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " يا حسرتنا على ما فرطنا فيها " ، أمّا " يا حسرتنا "، فندامتنا =" على ما فرطنا فيها "، فضيعنا من عمل الجنة .

13186 - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا يزيد بن مهران قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " يا حسرتنا " ، قال: " يرى أهلُ النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا ".

(9) * * * القول في تأويل قوله : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين كذَّبوا بلقاء الله،" يحملون أوزارهم على ظهورهم ".

وقوله: " وهم " من ذكرهم =" يحملون أوزارهم "، يقول: آثامهم وذنوبهم.

* * * واحدها " وِزْر ", يقال منه: " وَزَر الرجل يزِر "، إذا أثم, قال الله: " ألا ساء ما يزرون ".

(10) فإن أريد أنهم أُثِّموا، (11) قيل: " قد وُزِر القوم فهم يُوزَرُون، وهم موزورون ".

* * * قد زعم بعضهم أن " الوِزْر " الثقل والحمل.

ولست أعرف ذلك كذلك في شاهد، ولا من رواية ثِقة عن العرب.

* * * وقال تعالى ذكره: " على ظهورهم " ، لأن الحمل قد يكون على الرأس والمنكِب وغير ذلك, فبيَّن موضع حملهم ما يحملون منْ ذلك.

* * * وذكر أنّ حملهم أوزارهم يومئذ على ظهورهم، نحو الذي:- 13187 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سَلْمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبُه ريحًا, (12) فيقول له: هل تعرفني؟

فيقول: لا إلا أن الله قد طيَّب ريحك وحسَّن صورتك !

فيقول: كذلك كنت في الدنيا, أنا عملك الصالح, طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم!

وتلا يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ، [سورة مريم: 85].

وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنُه ريحًا, فيقول، هل تعرفني؟

فيقول: لا إلا أن الله قد قَبّح صورتك وأنتن ريحك !

فيقول: كذلك كنتُ في الدنيا, أنا عملك السيئ، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك = وتلا " وهم يحملون أوزارهم على ظُهورهم ألا ساء ما يزرون ".

(13) 13188 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم " ، فإنه ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، (14) إلا جاء رجل قبيح الوجه، أسودُ اللون، مُنتن الريح، عليه ثياب دَنِسة, حتى يدخل معه قبره, فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك!

قال: كذلك كان عملك قبيحًا!

قال: ما أنتن ريحك!

قال: كذلك كان عملك منتنًا!

قال: ما أدْنس ثيابك!

قال فيقول: إن عملك كان دنسًا.

قال: من أنت؟

قال: أنا عملك!

قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذَّات والشهوات, فأنت اليوم تحملني.

قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخلَه النار، فذلك قوله: " يحملون أوزارهم على ظهورهم ".

* * * وأما قوله تعالى ذكره: " ألا ساء ما يزرون " ، فإنه يعني: ألا ساء الوزر الذي يزرون - أي: الإثم الذي يأثمونه بربهم، (15) كما:- 13189 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ألا ساء ما يزرون " ، قال: ساء ما يعملون .

----------------------- الهوامش : (6) انظر تفسير"خسر" فيما سلف ص: 294 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(7) انظر تفسير"الحسرة" فيما سلف 3: 295/7 : 335.

(8) في المطبوعة: "قد خسرت" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(9) الأثر: 13186 -"يزيد بن مهران الأسدي" ، الخباز ، أبو خالد.

صدوق ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: "يغرب".

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/2/290.

وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 9 ، وقال: "أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن مردويه ، والخطيب بسند صحيح ، عن أبي سعيد الخدري" ، وذكر الخبر.

(10) في المطبوعة ، حذف قوله: "قال الله: ألا ساء ما يزرون".

(11) "أثموا" بضم الهمزة وتشديد الثاء المكسورة ، بالبناء للمجهول أي: رموا بالإثم.

(12) في المطبوعة: "استقبله عمله في أحسن صورة وأطيبه ريحًا" ، وهو كلام غث غير مستقيم ، وكان في المخطوطة: "استقبله أحسن صورة وأطيبه ريحًا" ، سقط من الناسخ ما أثبته"شيء" ، واستظهرته من قوله بعد: "يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا".

(13) الأثر: 13187 -"الحكم بن بشير بن سلمان النهدي" ، ثقة ، مضى مرارًا رقم: 1497 ، 2872 ، 3014 ، 6171 ، 9646.

وكان في المطبوعة هنا"سليمان" وهو خطأ ، صححته في المخطوطة ، والمراجع ، كما سلف أيضًا.

و"عمرو بن قيس الملائي" ، مضى مرارًا ، رقم: 886 ، 1497 ، 3956 ، 6171 ، 9646.

وهذا الخبر خرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 9 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم.

وإسناد أبي حاتم فيما رواه ابن كثير في تفسيره 3: 303: "حدثنا أبو سعيد الأشج ، قال حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي مرزوق" ، وساق الخبر مختصرًا بغير هذا اللفظ.

(14) في المطبوعة: "قال ليس من رجل ظالم يموت" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(15) كان في المطبوعة: "الذي يأثمونه كفرهم بربهم" ، زاد"كفرهم" ، وأفسد الكلام.

وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب المحض.

وقد بينت آنفا معنى قوله"أثم فلان بربه" 4: 530 ، تعليق: 3/6: 92/11: 180 ، تعليق: 3.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرونقوله تعالى : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله قيل : بالبعث بعد الموت وبالجزاء ; دليله قوله عليه السلام : من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان أي : لقي جزاءه ; لأن من غضب عليه لا يرى الله عند مثبتي الرؤية ، ذهب إلى هذا القفال وغيره ; قال القشيري : وهذا ليس بشيء ; لأن حمل اللقاء في موضع على الجزاء [ ص: 321 ] لدليل قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع ، فليحمل اللقاء على ظاهره في هذه الآية ; والكفار كانوا ينكرون الصانع ، ومنكر الرؤية منكر للوجود !قوله تعالى : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها .

ومعنى بغتة فجأة ; يقال : بغتهم الأمر يبغتهم بغتا وبغتة .

وهي نصب على الحال ، وهي عند سيبويه مصدر في موضع الحال ، كما تقول : قتلته صبرا ، وأنشد ( هو للشاعر زهير بن أبي سلمى ) :فلأيا بلأي ما حملنا وليدنا على ظهر محبوك ظماء مفاصلهولا يجيز سيبويه أن يقاس عليه ; لا يقال : جاء فلان سرعة .قوله تعالى : قالوا يا حسرتنا وقع النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ، ولكنه يدل على كثرة التحسر ، ومثله يا للعجب ويا للرخاء وليسا بمناديين في الحقيقة ، ولكنه يدل على كثرة التعجب والرخاء .

قال سيبويه : كأنه قال يا عجب تعال فهذا زمن إتيانك ، وكذلك قولك يا حسرتي أي : يا حسرتا تعالي فهذا وقتك ، وكذلك ما لا يصح نداؤه يجري هذا المجرى ، فهذا أبلغ من قولك تعجبت .

ومنه قول الشاعر ( هو امرؤ القيس ) :ويوم عقرت للعذارى مطيتي فيا عجبا من رحلها المتحملوقيل : هو تنبيه للناس على عظيم ما يحل بهم من الحسرة ; أي : يا أيها الناس تنبهوا على عظيم ما بي من الحسرة ، فوقع النداء على غير المنادى حقيقة ، كقولك : لا أرينك هاهنا .

فيقع النهي على غير المنهي في الحقيقة .قوله تعالى : على ما فرطنا فيها أي : في الساعة ، أي : في التقدمة لها ; عن الحسن .

و فرطنا معناه ضيعنا وأصله التقدم ; يقال : فرط فلان أي : تقدم وسبق إلى الماء ، ومنه أنا فرطكم على الحوض .

ومنه الفارط أي المتقدم للماء ، ومنه - في الدعاء للصبي - اللهم اجعله فرطا لأبويه ; فقولهم : فرطنا أي : قدمنا العجز .

وقيل : فرطنا أي : جعلنا غيرنا الفارط السابق لنا إلى طاعة الله وتخلفنا .

فيها أي : في الدنيا بترك العمل للساعة .

وقال [ ص: 322 ] الطبري : ( الهاء ) راجعة إلى الصفقة ، وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر ، والآخرة بالدنيا ، قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها أي : في الصفقة ، وترك ذكرها لدلالة الكلام عليها ; لأن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع ; دليله قوله : فما ربحت تجارتهم .

وقال السدي : على ما ضيعنا أي : من عمل الجنة .

وفي الخبر عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال : يرى أهل النار منازلهم في الجنة فيقولون : يا حسرتنا .قوله تعالى : فيها وهم يحملون أوزارهم أي : ذنوبهم جمع وزر على ظهورهم مجاز وتوسع وتشبيه بمن يحمل ثقلا ; يقال منه : وزر يزر ، ووزر يوزر فهو وازر وموزور ; وأصله من الوزر وهو الجبل .

ومنه الحديث في النساء اللواتي خرجن في جنازة ارجعن موزورات غير مأجورات قال أبو عبيد : والعامة تقول : ( مأزورات ) كأنه لا وجه له عنده ; لأنه من الوزر .

قال أبو عبيد : ويقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع احمل وزرك أي : ثقلك .

ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية : والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها .

ألا ساء ما يزرون أي : ما أسوأ الشيء الذي يحملونه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قد خاب وخسر، وحرم الخير كله، من كذب بلقاء الله، فأوجب له هذا التكذيب، الاجتراء على المحرمات، واقتراف الموبقات { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ } وهم على أقبح حال وأسوئه، فأظهروا غاية الندم.

و { قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } ولكن هذا تحسر ذهب وقته، { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } فإن وزرهم وزر يثقلهم، ولا يقدرون على التخلص منه، ولهذا خلدوا في النار، واستحقوا التأبيد في غضب الجبار.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ) أي : خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت ، ( حتى إذا جاءتهم الساعة ) أي : القيامة ( بغتة ) أي : فجأة ، ( قالوا يا حسرتنا ) ندامتنا ، [ ذكر ] على وجه النداء للمبالغة ، وقال سيبويه : كأنه يقول : أيتها الحسرة هذا أوانك ( على ما فرطنا ) أي : قصرنا ( فيها ) أي : في الطاعة ، وقيل : تركنا في الدنيا من عمل الآخرة .

قال محمد بن جرير : الهاء راجعة إلى الصفقة ، وذلك أنه لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا : يا حسرتنا على ما فرطنا فيها ، أي : في الصفقة [ فترك ذكر الصفقة ] اكتفاء بقوله ( قد خسر ) لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع ، والحسرة شدة الندم ، حتى يتحسر النادم ، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد ، ( وهم يحملون أوزارهم ) أثقالهم وآثامهم ، ( على ظهورهم ) قال السدي وغيره : إن المؤمن إذ أخرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول له : هل تعرفني؟

فيقول : لا فيقول : أنا عملك الصالح فاركبني ، فقد طالما ركبتك في الدنيا ، فذلك قوله عز وجل : ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) ( مريم ، 85 ) أي : ركبانا ، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا ، فيقول : هل تعرفني؟

فيقول : لا .

فيقول : أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك ، فهذا معنى قوله : ( وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ) يحملون قال ابن عباس : بئس الحمل حملوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قد خسر الذين كذَّبوا بلقاء الله» بالبعث «حتى» غاية للتكذيب «إذا جاءتهم الساعة» القيامة «بغتة» فجأة «قالوا يا حسرتنا» هي شدة التألم ونداؤها مجاز أي هذا أوانك فاحضري «على ما فرَّطنا» قصَّرنا «فيها» أي الدنيا «وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم» بأن تأتيهم عند البعث في أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فتركبهم «ألا ساء» بئس «ما يزرون» يحملونه حملهم ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قد خسر الكفار الذين أنكروا البعث بعد الموت، حتى إذا قامت القيامة، وفوجئوا بسوء المصير، نادَوا على أنفسهم بالحسرة على ما ضيَّعوه في حياتهم الدنيا، وهم يحملون آثامهم على ظهورهم، فما أسوأ الأحمال الثقيلة السيئة التي يحملونها!!

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم صور - سبحانه - عاقبتهم السيئة ، وخاسرتهم التى ليس بعدها خسارة فقال : { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله } .أى : أن أولئك الكفار الذين أنكروا البعث والحساب قد خسروا أعز شىء فى هذه الحياة ، ومن مظاهر ذلك أنهم خسروا الرضا الذى سيناله المؤمنون من ربهم ، وخسروا العزاء الروحى الذى يغرس فى قلب المؤمن الطمأنينة والصبر عند البلاء ، لأن المؤمن يعتقد أن ما عند الله خير وأبقى ، بخلاف الكافر فإن الدنيا منتهى آماله .وإن هؤلاء الخاسرين سيستمرون فى تكذيبهم بالحق وإعراضهم عنه { حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة بَغْتَةً قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا } .أى : حتى إذا جاءتهم الساعة مباغته مفاجئة وهم فى طغيانهم يعمهون ، اعتراهم الهم ، وحل بهم البلاء وقالوا : بعد أن سقط فى أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا يا حسرتنا أقبلى فهذا أوانك ، فإننا لم نستعد لهذا اليوم ، بل أهملناه ولم نلتفت إليه .

وعلى ذلك يكون المراد بالساعة يوم القيامة وما فيه من حساب .وقيل : المراد بالساعة وقت مقدمات الموت ، فالكلام على حذف المضاف ، أى : جاءتهم مقدمات الساعة وهى الموت وما فيه من الأهوال .

فلما كان الموت من مبادىء الساعة سمى باسمها ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم " من مات فقد قامت قيامته " .وسميت القيامة ساعة لسرعة الحساب فيها ، ولأنها تحمل أشد الأهوال ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة : فانية وأخرى باقية .وفى قوله - تعالى - { حتى إِذَا جَآءَتْهُمُ الساعة بَغْتَةً } إشارة إلى أنها تفاجئهم بأهوالها من غير أن يكونوا مستعدين لها أو متوقعين لحدوثها ، أما المؤمنين - فإنهم رغم عدم علمهم بمجيئها - فإنهم يكونون فى حالة استعداد لها بالإيمان والعمل الصالح .والبغت والبغتة مفاجأة الشىء بسرعة من غير إعداد له ، وكلمة { بَغْتَةً } يصح أن تكون مصدراً فى موضع الحال من فاعل جاءتهم أى : جائتهم مباغتة ، ويصح أن تكون مفعولا مطلقاً لفعل محذوف من لفظها أى : تبغتهم بغتة ، والحسرة : شدة الغم والندم على ما فات وانقضى .ثم قال - تعالى - : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } .الأوزار جمع وز وهو - بكسر الواو - الحمل الثقيل ، ويطلق على الإثم والذنب لأنهما أثقل الأحمال النفسية التى تنوء بها القوة .والجملة الكريمة من قبيل الاستعارة التمثيلية حيث شبهت حالهم وما يحملونه يوم القيامة من ذنوب ثقيلة مضنية ، بهيئة المثقل المجهد بحمل كبير يحمله على ظهره وينوء به .

ثم حذفت الهيئة الدالة على المشبه به ورمز إليها بشىء من لوازمها .وقيل إن الكلام علىحقيقته وأنهم سيحملون ذنوبهم على ظهورهم فعلا ، حيث إن الذنوب والأعمال ستتجسم يوم القيامة ، وبهذا الرأى قال كثير من أهل السنة .والمعنى : إن هؤلاء الكافرين يأتون يوم القيامة وهم يحملون ذنوبهم وآثامهم على ظهورهم ، ألا ما أسوأ ما حملوا ، وما أشد ما سيستقبلونه بعد ذلك من عذاب أليم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حالة أخرى من أحوال منكري البعث والقيامة وهي أمران: أحدهما: حصول الخسران.

والثاني: حمل الأوزار العظيمة.

أما النوع الأول: وهو حصول الخسران فتقريره أنه تعالى بعث جوهر النفس الناطقة القدسية الجسماني وأعطاه هذه الآلات الجسمانية والأدوات الجسدانية وأعطاه العقل والتفكر أجلى أن يتوصل باستعمال هذه الآلات والأدوات إلى تحصيل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي يعظم منافعها بعد الموت فإذا استعمل الإنسان هذه الآلات والأدوات والقوة العقلية والقوة الفكرية في تحصيل هذه اللذات الدائرة والسعادات المنقطعة ثم انتهى الإنسان إلى آخر عمره فقد خسر خسراناً مبيناً لأن رأس المال قد فنى والربح الذي ظن أنه هو المطلوب فنى أيضاً وانقطع فلم يبق في يده لا من رأس المال أثر ولا من الربح شيء.

فكان هذا هو الخسران المبين.

وهذا الخسران إنما يحصل لمن كان منكراً للبعث والقيامة وكان يعتقد أن منتهى السعادات ونهاية الكمالات هو هذه السعادات العاجلة الفانية.

أما من كان مؤمناً بالبعث والقيامة فإنه لا يغتر بهذه السعادات الجسمانية ولا يكتفي بهذه الخيرات العاجلة بل يسعى في إعداد الزاد ليوم المعاد فلم يحصل له الخسران فثبت بما ذكرنا أن الذين كذبوا بلقاء الله وأنكروا البعث والقيامة قد خسروا خسراناً مبيناً وأنهم عند الوصول إلى موقف القيامة يتحسرون على تفريطهم في تحصيل الزاد ليوم المعاد.

والنوع الثاني من وجوه: خسرانهم أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.

وتقرير الكلام فيه أن كمال السعادة في الاقبال على الله تعالى والاشتغال بعبوديته والاجتهاد في حبه وخدمته وأيضاً في الانقطاع عن الدنيا وترك محبتها وفي قطع العلاقة بين القلب وبينها، فمن كان منكراً للبعث والقيامة، فإنه لا يسعى في إعداد الزاد لموقف القيامة، ولا يسعى في قطع العلاقة بين القلب وبين الدنيا، فإذا مات بقي كالغريب في عالم الروحانيات، وكالمنقطع عن أحبابه وأقاربه الذين كانوا في عالم الجسمانيات فيحصل له الحسرات العظيمة بسبب فقدان الزاد وعدم الاهتداء إلى المخالطة بأهل ذلك العالم ويحصل له الآلام العظيمة بسبب الانقطاع عن لذات هذا العالم والامتناع عن الاستسعاد بخيرات هذا العالم.

فالأول: هو المراد من قوله: ﴿ قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ والثاني: هو المراد من قوله: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ فهذا تقرير المقصود من هذه الآية.

المسألة الثانية: المراد من الخسران فوت الثواب العظيم وحصول العقاب العظيم ﴿ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله ﴾ المراد منه الذين أنكروا البعث والقيامة، وقد بالغنا في شرح هذه الكلمة عند قوله: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ وإنما حسنت هذه الكناية أن موقف القيامة موقف لا حكم فيه لأحد إلا لله تعالى، ولا قدرة لأحد على النفع والضر والرفع والخفض إلا لله.

وقوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ اعلم أن كلمة (حتى) غاية لقوله: ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ لا لقوله: ﴿ قَدْ خَسِرَ ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له ومعنى (حتى) هاهنا أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة، والمعنى أنهم كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة.

فإن قيل: إنما يتحسرون عند موتهم.

قلنا: لما كان الموت وقوعاً في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة وسمي باسمها ولذلك قال عليه السلام: «من مات فقد قامت قيامته» والمراد بالساعة القيامة، وفي تسمية يوم القيامة بهذا الاسم وجوه: الأول: أن يوم القيامة يسمى الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هي إلا ساعة الحساب.

الثاني: الساعة هي الوقت الذي تقوم القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله تعالى.

ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ بَغْتَةً ﴾ والبغت والبغتة هو الفجأة والمعنى: أن الساعة لا تجيء إلا دفعة لأنه لا يعلم أحد متى يكون مجيئها، وفي أي وقت يكون حدوثها وقوله: ﴿ بَغْتَةً ﴾ انتصابه على الحال بمعنى: باغتة أو على المصدر كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ يا حَسْرَتَنَا ﴾ قال الزجاج: معنى دعاء الحسرة تنبيه للناس على ما سيحصل لهم من الحسرة والعرب تعبر عن تعظيم أمثال هذه الأمور بهذه اللفظة كقوله تعالى: ﴿ ياحسرة عَلَى العباد  ﴾ و ﴿ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله  ﴾ ﴿ ياويلتا ءأَلِدُ  ﴾ وهذا أبلغ من أن يقال: الحسرة علينا في تفريطنا ومثله ﴿ يا أسفي على يُوسُفَ  ﴾ تأويله يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع بي من الأسف فوقع النداء على غير المنادى في الحقيقة.

وقال سيبويه: إنك إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت يا عجب احضر وتعال فإن هذا زمانك.

إذا عرفت هذا فنقول: حصل للنداء هاهنا تأويلان: أحدهما: أن النداء للحسرة، والمراد منه تنبيه المخاطبين وهو قول الزجاج.

والثاني: أن المنادى هو نفس الحسرة على معنى: أن هذا وقتك فاحضري وهو قول سيبويه وقوله: ﴿ على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ فيه بحثان.

البحث الأول: قال أبو عبيدة يقال: فرطت في الشيء أي ضيعته فقوله: ﴿ فَرَّطْنَا ﴾ أي تركنا وضيعنا وقال الزجاج: فرطنا أي قدمنا العجز جعله من قولهم فرط فلان إذا سبق وتقدم، وفرط الشيء إذا قدمه.

قال الواحدي: فالتفريط عنده تقديم التقصير.

والبحث الثاني: أن الضمير في قوله: ﴿ فِيهَا ﴾ إلى ماذا يعود فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس في الدنيا والسؤال عليه أنه لم يجر للدنيا ذكر فكيف يمكن عود هذا الضمير إليها.

وجوابه: أن العقل دل على أن موضع التقصير ليس إلا الدنيا، فحسن عود الضمير إليها لهذا المعنى.

الثاني: قال الحسن المراد يا حسرتنا على ما فرطنا في الساعة، والمعنى: على ما فرطنا في إعداد الزاد للساعة وتحصيل الأهبة لها.

والثالث: أن تعود الكناية إلى معنى ما في قوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ أي حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا فيها.

والرابع: قال محمد بن جرير الطبري: الكناية تعود إلى الصفقة لأنه تعالى لما ذكر الخسران دل ذلك على حصول الصفقة والمبايعة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ فاعلم أن المراد من قولهم يا حسرتنا على ما فرطنا فيها إشارة إلى أنهم لم يحصلوا لأنفسهم ما به يستحقون الثواب، وقوله: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ إشارة إلى أنهم حصلوا لأنفسهم ما به استحقوا العذاب العظيم، ولا شك أن ذلك نهاية الخسران.

قال ابن عباس: الأوزار الآثام والخطايا قال أهل اللغة الوزر الثقل وأصله من الحمل يقال وزرت الشيء أي حملته أزره وزرا، ثم قيل للذنوب أوزار لأنها تثقل ظهر من عملها، وقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى  ﴾ أي لا تحمل نفس حاملة.

قال أبو عبيدة: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع أحمل وزرك وأوزار الحرب أثقالها من السلاح ووزير السلطان الذي يزر عنه أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية أي يحمل.

قال الزجاج: وهم يحملون أوزارهم أي يحملون ثقل ذنوبهم، واختلفوا في كيفية حملهم الأوزار فقال المفسرون: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً ويقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً  ﴾ قالوا ركباناً وأن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم فذلك قوله: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ وهذا قول قتادة والسدي.

وقال الزجاج: الثقل كما يذكر في المنقول، فقد يذكر أيضاً في الحال والصفة يقال: ثقل على خطاب فلان، والمعنى كرهته فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.

وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ ﴾ أي لا تزايلهم أوزارهم كما تقول شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.

ثم قال تعالى: ﴿ أَلاَ سَآء مَا يَزِرُونَ ﴾ والمعنى بئس الشيء الذي يزرونه أي يحملونه والاستقصاء في تفسير هذا اللفظ مذكور في سورة النساء في قوله: ﴿ وَسَاء سَبِيلاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ ﴾ مجاز على الحبس للتوبيخ والسؤال، كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاتبه.

وقيل: وقفوا على جزاء ربهم.

وقيل: عرفوه حق التعريف ﴿ قَالَ ﴾ مردود على قول قائل قال: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟

فقيل: قال: ﴿ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ وهذا تعيير من الله تعالى لهم على التكذيب.

وقولهم- لما كانوا يسمعون من حديث البعث والجزاء-: ما هو بحق وما هو إلا باطل ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها.

وقد حقق الكلام فيه في مواضع أخر.

و ﴿ حتى ﴾ غاية لكذبوا لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له.

أي ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة.

فإن قلت: أما يتحسرون عند موتهم؟

قلت: لما كان الموت وقوعاً في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة وسمي باسمها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات فقد قامت قيامته» أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة ﴿ بَغْتَةً ﴾ فجأة وانتصابها على الحال بمعنى باغتة، أو على المصدر كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة ﴿ فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ الضمير للحياة الدنيا، جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة، أو للساعة على معنى: قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها، كما تقول: فرّطت في فلان.

ومنه فرّطت في جنب الله ﴿ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ كقوله: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30] لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور، كما ألف الكسب بالأيدي ﴿ سَاء مَا يَزِرُونَ ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم، كقوله ﴿ سَاء مَثَلاً القوم ﴾ [الأعراف: 177] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ﴾ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلسُّؤالِ والتَّوْبِيخِ، وقِيلَ مَعْناهُ وُقِفُوا عَلى قَضاءِ رَبِّهِمْ أوْ جَزائِهِ، أوْ عَرَفُوهُ حَقَّ التَّعْرِيفِ.

﴿ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ﴾ كَأنَّهُ جَوابٌ قائِلٌ قالَ: ماذا قالَ رَبُّهم حِينَئِذٍ؟

والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى التَّكْذِيبِ، والإشارَةُ إلى البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ قالُوا بَلى ورَبِّنا ﴾ إقْرارٌ مُؤَكَّدٌ بِاليَمِينِ لِانْجِلاءِ الأمْرِ غايَةَ الجَلاءِ.

﴿ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِكم أوْ بِبَدَلِهِ.

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ إذْ فاتَهُمُ النَّعِيمُ واسْتَوْجَبُوا العَذابَ المُقِيمَ، ولِقاءُ اللَّهِ البَعْثُ وما يَتْبَعُهُ.

﴿ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ ﴾ غايَةٌ لِكَذَّبُوا لا لِخَسِرَ، لِأنَّ خُسْرانَهم لا غايَةَ لَهُ.

﴿ بَغْتَةً ﴾ فَجْأةً ونَصْبُها عَلى الحالِ، أوِ المَصْدَرِ فَإنَّها نَوْعٌ مِنَ المَجِيءِ.

﴿ قالُوا يا حَسْرَتَنا ﴾ أيْ تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ.

﴿ عَلى ما فَرَّطْنا ﴾ قَصَّرْنا فِيها في الحَياةِ الدُّنْيا أُضْمِرَتْ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها لِلْعِلْمِ بِها، أوْ في السّاعَةِ يَعْنِي في شَأْنِها والإيمانِ بِها.

﴿ وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ﴾ تَمْثِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ آصارَ الآثامِ.

﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ وِزْرَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله} ببلوغ الآخرة وما يتصل بها أو هو مجرى على ظاهره لأن منكر البعث منكر للرؤية {حتى} غاية لكذبوا لا لخسر لأن خسرانهم لا غاية له {إِذَا جَاءتْهُمُ الساعة} أي القيامة لأن مدة تأخرها مع تابد ما بعدها كساعة واحدة {بَغْتَةً} فجأة وانتصابها على الحال يعني باغتة أو على المصدر كأنه قيل بغتتهم الساعة بغتة وهي ورود الشئ على صاحبه من غير علمه بوقته {قَالُواْ يا حسرتنا} نداء تفجع معناه يا

حسرة احضري فهذا أوانك {على مَا فَرَّطْنَا}

قصرنا {فِيهَا} في الحياة الدنيا أو في الساعة أي قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} آثامهم {على ظُهُورِهِمْ} خص الظهر لأن المعهود حمل الأثقال على الظهور كما عهد الكسب بالأيدي وهو مجاز عن اللزوم على وجه لا يفارقهم وقيل إن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحاً فيقول أنا عملك السيئ فطالما ركبتني في الدنيا وأنا أركبك اليوم {أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ} بئس شيئاً يحملونه وأفاد ألا تعظيم ما يذكر بعده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهم لَكِنَّ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِتَسَبُّبِ خُسْرانِهِمْ عَمّا في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ لِقاءُ ما وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ لِقاءُ جَزاءٍ بِاللَّهِ تَعالى، وصَرَّحَ آخَرُونَ بِأنَّ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ عَنِ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ ﴿ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ ﴾ أيِ الوَقْتُ المَخْصُوصُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ وأصِلُ السّاعَةِ القِطْعَةُ مِنَ الزَّمانِ، وغَلَبَتْ عَلى الوَقْتِ المَعْلُومِ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا، وسُمِّيَ ساعَةً لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخُلُودِ أوْ بِسُرْعَةِ الحِسابِ فِيهِ عَلى البارِّي عَزَّ اسْمُهُ، وفَسَّرَها بَعْضُهم هُنا بِوَقْتِ المَوْتِ، والغايَةُ المَذْكُورَةُ لِلتَّكْذِيبِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ غايَةً لِلْخُسْرانِ لَكِنْ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ، والكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ ﴾ أيْ إنَّكَ مَذْمُومٌ مَدْعُوٌّ عَلَيْكَ بِاللَّعْنَةِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ فَإذا جاءَ اليَوْمُ لَقِيتَ ما تَنْسى اللَّعْنَ مَعَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: خَسِرَ المُكَذِّبُونَ إلى يَوْمِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنْواعِ المِحَنِ والبَلاءِ فَإذا قامَتِ السّاعَةُ يَقَعُونَ فِيما يَنْسَوْنَ مَعَهُ هَذا الخُسْرانَ، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ ﴿ بَغْتَةً ﴾ أيْ فَجْأةً وبَغْتَةً بِالتَّحْرِيكِ مِثْلُها، وبَغَتَهُ كَمَنَعَهُ فَجْأةً أيْ هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ شُعُورِ، وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ (جاءَتْهُمْ) أيْ مُباغَتَةً أوْ مِن مَفْعُولِهِ أيْ مَبْغُوتِينَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً عَلى أنَّها مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لَـ (جاءَتْهُمْ) عَلى حَدِّ رَجَعَ القَهْقَرى أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ اللَّفْظِ أوْ مِن غَيْرِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ قالُوا ﴾ جَوابُ إذا ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ نِداءٌ لِلْحَسْرَةِ وهي شِدَّةُ النَّدَمِ كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَتَنا تَعالىْ فَهَذا أوانُكِ، قِيلَ: وهَذا التَّحَسُّرُ وإنْ كانَ يَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ المَوْتِ لَكِنْ لَمّا كانَ المَوْتُ مِن مُقَدِّماتِ الآخِرَةِ جُعِلَ مِن جِنْسِ السّاعَةِ، وسُمِّيَ بِاسْمِها ولِذا قالَ  : «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» أوْ جَعَلَ مَجِيءَ السّاعَةِ بَعْدَ المَوْتِ لِسُرْعَتِهِ كالواقِعِ بِغَيْرِ فَتْرَةٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: التَّقْدِيرُ يا حَسْرَةُ احْضُرِي هَذا أوانُكِ، وهو نِداءٌ مَجازِيٌّ ومَعْناهُ تَنْبِيهُ أنْفُسِهِمْ لِتَذْكِيرِ أسْبابِ الحَسْرَةِ لِأنَّ الحَسْرَةَ نَفْسَها لا تُطْلَبُ ولا يَتَأتّى إقْبالُها، وإنَّما المَعْنى عَلى المُبالَغَةِ في ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهم ذُهِلُوا فَنادَوْها، ومِثْلُ ذَلِكَ نِداءُ الوَيْلِ ونَحْوِهِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ ﴿ عَلى ما فَرَّطْنا ﴾ أيْ عَلى تَفْرِيطِنا فَـ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ فالتَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ فِيما قُدِرَ عَلى فِعْلِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْناهُ التَّضْيِيعُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مَعْناهُ السَّبْقُ ومِنهُ الفارِطُ لِلسّابِقِ، ومَعْنى فَرَّطَ خَلا السَّبْقَ لِغَيْرِهِ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلسَّلْبِ كَجَلَّدْتُ البَعِيرَ أزَلْتُ جِلْدَهُ وسَلَبْتُهُ، (فِيها) أيِ الحَياةِ الدُّنْيا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ في السّاعَةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والمُرادُ مِنَ التَّفْرِيطِ في السّاعَةِ التَّقْصِيرُ في مُراعاةِ حَقِّها والِاسْتِعْدادِ لَها بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ أيْ عَلى ما فَرَّطْنا في طَلَبِها، ونُسِبَ إلى السُّدِّيِّ ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ”«يَرى أهْلُ النّارِ مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ فَيَقُولُونَ يا حَسْرَتَنا» إلَخْ، لا يَخْلُو مَن نَظَرٍ لِقِيامِ الِاحْتِمالِ بَعْدُ وهو يُبْطِلُ الِاسْتِدْلالَ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّ الهاءَ يَعُودُ إلى الصِّفَةِ لِدَلالَةِ الخُسْرانِ عَلَيْها وهو بَعِيدٌ أيْضًا، ومِثْلُ ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (الَّتِي)، والمُرادُ بِها الأعْمالُ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: يا حَسْرَتَنا عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي قَصَّرْنا فِيها، نَعَمْ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ عَلى هَذا مَذْكُورٌ في كَلامِهِمْ دُونَهُ عَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ فَإنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيهِ بَلْ ولا في كَلامِهِ تَعالى في قَصِّ حالِ هَؤُلاءِ القائِلِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِنْدَ بَعْضٍ فَتَدَبَّرْ، ﴿ وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (قالُوا) وهي حالٌ مُقارَنَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ، والوِزْرُ في الأصْلِ الثِّقْلُ ويُقالُ: الذَّنْبُ وهو المُرادُ هُنا أيْ يَحْمِلُونَ ذُنُوبَهم وخَطاياهم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وذَكَرَ الظُّهُورَ لِأنَّ المُعْتادَ الأغْلَبَ الحِمْلُ عَلَيْها كَما في ﴿ كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ فَإنَّ الكَسْبَ في الأكْثَرِ بِالأيْدِي، وفي ذَلِكَ أيْضًا إشارَةٌ إلى مَزِيدِ ثِقَلِ المَحْمُولِ وجَعَلَ الذُّنُوبَ والآثامَ مَحْمُولَةً عَلى الظَّهْرِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، والمُرادُ بَيانُ سُوءِ حالِهِمْ وشَدَّةِ ما يَجِدُونَهُ مِنَ المَشَقَّةِ والآلامِ والعُقُوباتِ العَظِيمَةِ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: حَمْلُها عَلى الظَّهْرِ حَقِيقَةٌ وإنَّها تُجَسَّمُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ مِن رَجُلٍ ظالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ إلّا جاءَهُ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ عَلَيْهِ ثِيابٌ دَنِسَةٌ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ قَبْرَهُ فَإذا رَآهُ قالَ ما أقْبَحَ وجْهَكَ قالَ كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ قَبِيحًا، قالَ: ما أنْتَنَ رِيحَكَ، قالَ: كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ مُنْتِنًا، قالَ: ما أدْنَسَ ثِيابَكَ فَيَقُولُ: إنَّ عَمَلَكَ كانَ دَنِسًا قالَ: مَن أنْتَ، قالَ: أنا عَمَلُكَ فَيَكُونُ مَعَهُ في قَبْرِهِ فَإذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ قالَ لَهُ: إنِّي كُنْتُ أحْمِلُكَ في الدُّنْيا بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ فَأنْتَ اليَوْمَ تَحْمِلُنِي فَيَرْكَبُ عَلى ظَهْرِهِ فَيَسُوقُهُ حَتّى يَدْخُلَهُ النّارَ، وأخْرَجا عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِن قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ عَمَلُهُ في أحْسَنِ شَيْءٍ صُورَةً وأطْيَبِهِ رِيحًا فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ: لا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ وحَسَّنَ صُورَتَكَ فَيَقُولُ: كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ طالَما رَكِبْتُكَ في الدُّنْيا فارْكَبْنِي أنْتَ اليَوْمَ وتَلا ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا ﴾ ، وإنْ كانَ الكافِرَ يَسْتَقْبِلُهُ أقْبَحَ شَيْءٍ صُورَةً وأنْتَنُهُ رِيحًا فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ: لا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَبَّحَ صُورَتَكَ ونَتَّنَ رِيحَكَ فَيَقُولُ: كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا أنا عَمَلُكَ السَّيِّئُ طالَما رَكِبْتِنِي في الدُّنْيا فَأنا اليَوْمَ أرْكَبُكَ وتَلا ﴿ وهم يَحْمِلُونَ ﴾ الآيَةَ وبَعْضُهم يَجْعَلُ كُلَّ ما ورَدَ في هَذا البابِ مِمّا ذُكِرَ تَمْثِيلًا أيْضًا، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وإجْراءِ الكَلامِ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ بِتَجْسِيمِ الأعْمالِ في تِلْكَ الدّارِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الوَزْنِ ألّا ساءَ ما يَزْرُونَ 13 - تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْمِلَةٌ لَهُ، و(ساءَ) تَحْتَمِلُ كَما قِيلَ هُنا ثَلاثَةَ أوْجُهٍ أحَدُها أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ المُتَصَرِّفَةَ وزْنُها فَعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَعْنى ألا ساءَ ما يَزِرُونَ و(ما) مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ فاعِلٌ لَها والكَلامُ خَبَرٌ، وثانِيهُما أنَّها حُوِّلَتْ إلى فِعْلِ اللّازِمِ بِضَمِّ العَيْنِ وأُشْرِبَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والمَعْنى ما أسْوَأ الَّذِي يَزِرُونَهُ أوْ ما أسْوَأ وِزْرَهُمْ، وثالِثُها أنَّها حُوِّلَتْ أيْضًا لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ فَتُساوِي“بِئْسَ" في المَعْنى والإحْكامِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا يعني: ما هي إلا آجالنا تنقضي في الدنيا، فيموت الآباء، ويجيء الأبناء وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت.

فيبيّن الله تعالى حالهم يومئذٍ فقال: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا يعني: عرضوا وسيقوا وحبسوا عَلى رَبِّهِمْ يعني: عند ربهم وعند عذاب ربهم قالَ أَلَيْسَ هذا يعني: العذاب والبعث بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا أقروا في وقت لا ينفعهم الإقرار قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ به وتجحدونه.

قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ يعني: غبن الذين جحدوا بالله، وبالبعث حين اختاروا العقوبة على الثواب حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً يعني: فجأة ومعناه: أنهم جحدوا وثبتوا على جحودهم حتى إذا جاءتهم القيامة قالُوا يا حَسْرَتَنا يعني: يا ندامتنا وخزينا والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم تقع فيه جعلته نداء كقوله: يا حَسْرَتَنا ويا وَيْلَتَنا [الكهف: 49] ويا ندامتنا عَلى مَا فَرَّطْنا يعني: ضيعنا وتركنا العمل فِيها يعني: فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلٍ الآخرة وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ يعني: آثامهم عَلى ظُهُورِهِمْ يعني: إنهم يحملون آثامهم.

وروى أسباط عن السدي قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره إلا آتاه ملك قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، عليه ثياب دنسة، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك فيقول: كذلك كان عملك قبيحاً.

فيقول ما أنتن ريحك فيقول: كذلك كان عملك منتناً.

فيقول: من أنت؟

فيقول: أنا عملك.

فيكون معه في قبره.

فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، فأنت اليوم تحملني.

فيركب على ظهره حتى يدخله النار.

قال: وذلك قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ وذلك على سبيل المجاز يعني: يحملون وبال ذلك على ظهورهم وعقوبته.

ويقال: وقرت ظهورهم من الآثام.

ثقلت وحملت، وأصل الوزر في اللغة: هو الثقل ثم قال: أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ يعني: يحملون.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأن اللَّه- تعالى- حكى عن هؤلاء أنهم لو رُدُّوا لَعَادُوا لما نُهُوا عنه، وما ذاك إلا للقضاء السابق فيهم.

انتهى.

وقوله تعالى: وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ هذا على تأويل الجمهور ابتداء كَلاَمٍ، وإخبار عنهم بهذه المَقَالَةِ، و «إن» نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحَشْرِ والعَوْدَة إلى اللَّه.

وقوله سبحانه: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ الإشَارَةُ بهذا إلى البَعْثِ الذي كذبوا به/ في الدنيا، وقولهم: بَلى وَرَبِّنا أَيْمَانٌ، ولكنه حِينَ لا يَنْفَعُ.

وقوله: فَذُوقُوا استعارة بليغة، والمعنى باشروه مباشرة الذائق، وبَغْتَةً معناه:

فجأة، تقول: بَغَتَنِي الأمر أي: فجأني، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

وَلَكِنَّهُمْ بَانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً ...

وَأَفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَأُكَ البَغْتُ «١»

ونصبها على المَصْدَرِ في موضع الحال.

وقولهم: يا حَسْرَتَنا عَلى مَا فَرَّطْنا فِيها نداء الحَسَرَةِ على تعظيم الأمر، وتشنيعه.

وفَرَّطْنا معناه: قَصَّرْنَا، والضمير في قوله: فِيها عائد على السَّاعَةِ أي: في التَّقْدِمَةِ لها.

قاله الحسن «٢» .

ويحتمل أن يَعُودَ الضمير على الدنيا، إذ المعنى يَقْتَضِيهَا، ومجيء الظرفية أمكن.

قلت: قال عَبد الحق في «العَاقِبَةِ» : لا يَعْرِفُ مِقْدَارَ الحياة إلا الموتى لأنهم قد ظَهَرَتْ لهم الأمور، وانكشفت لهم الحَقَائِقُ، وتَبَدَّتْ لهم المَنَازِلُ، وعلموا مِقْدَارَ الأعمال الصَّالِحَةِ، ولما اسْتَبَانَ لهم ذلك، وعلموا مِقْدَارَ ما ضيعوا، وقيمة ما فيه فَرَّطُوا، نَدِمُوا وَأَسِفُوا، وودُّوا أنهم إلى الدنيا رَجَعُوا، فالذي عمل صالحًا ودَّ أن لو رجع إلى الدنيا ليزداد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ﴾ إنَّما وُصِفُوا بِالخُسْرانِ، لِأنَّهم باعُوا الإيمانَ بِالكُفْرِ، فَعَظُمَ خُسْرانُهم.

والمُرادُ بِلِقاءِ اللَّهِ: البَعْثُ والجَزاءُ، والسّاعَةُ: القِيامَةُ، والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما أتى فَجْأةً فَقَدْ بَغَتَ، يُقالُ: قَدْ بَغَتَهُ الأمْرُ يَبْغَتُهُ بَغَتًا وبَغَتَةُ: إذا أتاهُ فَجْأةً.

قالَ الشّاعِرُ: ولَكِنَّهم بانُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا حَسْرَتَنا ﴾ الحَسْرَةُ: التَّلَهُّفُ عَلى الشَّيْءِ الفائِتِ، وأهْلُ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ يا نَدامَتَنا.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى دُعاءِ الحَسْرَةِ، وهي لا تَعْقِلُ، فالجَوابُ: أنَّ العَرَبَ إذا اجْتَهَدَتْ في المُبالَغَةِ في الإخْبارِ عَنْ عَظِيمٍ ما تَقَعُ فِيهِ، جَعَلَتْهُ نِداءً، فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ "يا" لَلتَّنْبِيهِ، والمُرادُ تَنْبِيهُ النّاسِ، لا تَنْبِيهَ المُنادِي.

ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، لَفْظُهُ لَفْظُ النّاهِي لَنَفَسِهِ، والمَعْنى لَلْمَنهِيِّ، ومِن هَذا قَوْلُهم يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي، يُرادُ: يا فُرْسانَ خَيْلِ اللَّهِ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتُ: يا عَجَباهُ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: احْضُرْ وتَعال يا عَجَبُ، فَهَذا زَمانُكَ.

فَأمّا التَّفْرِيطُ فَهُوَ: التَّضْيِيعُ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: التَّفْرِيطُ في اللُّغَةِ: تَقَدَّمَهُ العَجْزُ.

وفي المُكَنّى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: "فِيها" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الدُّنْيا، فالمَعْنى: عَلى ما ضَيَّعْنا في الدُّنْيا مِن عَمَلِ الآَخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها الصَّفْقَةُ، لِأنَّ الخُسْرانَ لا يَكُونُ إلّا في صَفْقَةٍ، وتَرَكَ ذِكْرَها اكْتِفاءً بِذِكْرِ الخُسْرانِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والثّالِثُ: أنَّها الطّاعَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

فَأمّا الأوْزارُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الآَثامُ، وأصْلُ الوِزْرِ: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الوِزْرُ: الثِّقَلُ.

وهَلْ هَذا الحَمْلُ حَقِيقَةٌ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.

قالَ عُمَيْرُ بْنُ هانِئٍ: يُحْشَرُ مَعَ كُلِّ كافِرٍ عَمَلُهُ في صُورَةِ رَجُلٍ قَبِيحٍ، كُلَّما كانَ هَوْلٌ عَظَّمَهُ عَلَيْهِ، وزادَهُ خَوْفًا، فَيَقُولُ: بِئْسَ الجَلِيسُ أنْتَ، ما لِي ولَكَ؟

فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ طالَما رَكَّبْتَنِي في الدُّنْيا، فَلْأرْكَبَنَّكَ اليَوْمَ حَتّى أُخْزِيكَ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَيَرْكَبُهُ ويَتَخَطّى بِهِ النّاسُ حَتّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ، وعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المَلائِيُّ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ، والمَعْنى: يَحْمِلُونَ ثِقْلَ ذُنُوبِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ قالَ: فَجَعَلَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ بِمَنزِلَةٍ أثْقَلُ ما يُتَحَمَّلُ، ومَعْنى ﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا يَزْرُونَهُ، أيْ يَحْمِلُونَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عن خَسارَةِ المُكَذِّبِينَ؛ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ المُصابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ؛ وتُسْتَعْمَلُ الخَسارَةُ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّهُ مَن أخَذَ الكُفْرَ واتَّبَعَهُ؛ فَكَأنَّهُ قَدْ أعْطى الإيمانَ واطَّرَحَهُ؛ فَأشْبَهَتْ صَفْقَةَ أخْذٍ وإعْطاءٍ.

والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الَّذِينَ قالُوا: "إنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ"؛ ﴾ مَعْناهُ: بِالرُجُوعِ إلَيْهِ؛ وإلى أحْكامِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ كَما تَقُولُ: "لَقِيَ فُلانٌ أعْمالَهُ"؛ أيْ: "لَقِيَ عَواقِبَها؛ ومَآلَها"؛ و"اَلسّاعَةُ": يَوْمُ القِيامَةِ؛ وأُدْخِلَ عَلَيْها تَعْرِيفُ العَهْدِ دُونَ تَقَدُّمِ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها؛ واسْتِقْرارِها في النُفُوسِ؛ وذُيُوعِ أمْرِها؛ وأيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ".

﴾ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ تَقُولُ: "بَغَتَنِي الأمْرُ"؛ أيْ: "فَجَأنِي"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَكِنَّهم تابُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً ∗∗∗ وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُهُ صَبْرًا"؛ ولا يُجِيزُ سِيبَوَيْهِ القِياسَ عَلَيْهِ؛ ولا تَقُولُ: "جاءَ فُلانٌ سُرْعَةً"؛ ونَحْوَهُ.

وَنِداءُ الحَسْرَةِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وتَشْنِيعِهِ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وكَأنَّ الَّذِي يُنادِي الحَسْرَةَ؛ أوِ العَجَبَ؛ أوِ السُرُورَ؛ أوِ الوَيْلَ؛ يَقُولُ: "اِقْرَبِي؛ أوِ احْضَرِي؛ فَهَذا وقْتُكِ؛ وزَمَنُكِ"؛ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ؛ وعَلى سامِعِهِ؛ إنْ كانَ ثَمَّ سامِعٌ؛ وهَذا التَعْظِيمُ عَلى النَفْسِ والسامِعِ هو المَقْصُودُ أيْضًا بِنِداءِ الجَماداتِ؛ كَقَوْلِكَ: "يا دارُ"؛ و"يا رَبْعُ"؛ وفي نِداءِ ما لا يَعْقِلُ؛ كَقَوْلِهِمْ: "يا جَمَلُ"؛ ونَحْوِ هَذا.

و"فَرَّطْنا"؛ مَعْناهُ: قَصَّرْنا مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ وهَذِهِ حَقِيقَةُ التَفْرِيطِ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها"؛ عائِدٌ عَلى الساعَةِ؛ أيْ: في التَقْدِمَةِ لَها؛ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى الصَفْقَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها ذِكْرُ الخَسارَةِ في أوَّلِ الآيَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الدُنْيا؛ إذِ المَعْنى يَقْتَضِيها؛ وتَجِيءَ الظَرْفِيَّةُ أمْكَنَ؛ بِمَنزِلَةِ: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ وعَوْدُهُ عَلى الساعَةِ إنَّما مَعْناهُ: في أُمُورِها؛ والِاسْتِعْدادِ لَها؛ بِمَنزِلَةِ: "زِيدٌ في العِلْمِ مُشْتَغِلٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهم يَحْمِلُونَ أوزارَهُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الواوُ واوُ الحالِ؛ والأوزارُ: جَمْعُ " وِزْرٌ "؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ وهو الثِقْلُ مِنَ الذُنُوبِ؛ تَقُولُ مِنهُ: " وزَرَ ؛ يَزِرُ"؛ إذا حَمَلَ؛ قالَ اللهُ تَعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؛ وتَقُولُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ فَهو مَوْزُورٌ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعامَّةُ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وأمّا إذا اقْتَرَنَ ذَلِكَ بِمَأْجُورٍ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وقَدْ «قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِنِساءٍ لَقِيَهُنَّ مُقْبِلاتٍ مِنَ المَقابِرِ: "اِرْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ؛ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ"؛» قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَهَذا لِلْإتْباعِ اللَفْظِيِّ؛ والوِزْرُ هُنا تَجَوُّزٌ وتَشْبِيهٌ بِثِقْلِ الأحْمالِ؛ وقَوّى التَشْبِيهَ بِأنْ جَعْلَهُ عَلى الظُهُورِ؛ إذْ هي في العادَةِ مَوْضِعُ حَمْلِ الأثْقالِ؛ ومَن قالَ إنَّهُ مِن "اَلْوَزَرُ"؛ وَهُوَ الجَبَلُ الَّذِي يُلْتَجَأُ إلَيْهِ؛ ومِنهُ: "اَلْوَزِيرُ"؛ وهو "اَلْمُعِينُ"؛ فَهي مَقالَةٌ غَيْرُ بَيِّنَةٍ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: هَذا عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقاهُ عَمَلُهُ في أحْسَنِ صُورَةٍ؛ وأفْوَحِها؛ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ ويَقُولُ لَهُ: "طالَما رَكِبْتُكَ في الدُنْيا؛ وأجْهَدْتُكَ؛ فارْكَبْنِي اليَوْمَ"؛ قالَ فَيَحْمِلُهُ تِمْثالُ العَمَلِ؛ وأنَّ الكافِرَ يَلْقاهُ عَمَلُهُ في أقْبَحِ صُورَةٍ؛ وأنْتَنِها؛ فَيَشْتُمُهُ؛ ويَقُولُ: "أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ؛ طالَما رَكِبْتَنِي في الدُنْيا بِشَهَواتِكَ؛ فَأنا أرْكَبُكَ اليَوْمَ"؛ قالَ: فَيَحْمِلُ تِمْثالَ عَمَلِهِ وأوزارِهِ عَلى ظَهْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ ﴾ ؛ إخْبارٌ عن سُوءٍ ما يَأْثَمُونَ؛ مُضَمَّنٌ التَعْظِيمَ لِذَلِكَ؛ والإشادَةَ بِهِ؛ وهَذا كَقَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:« "ألا فَلْيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛» وقَوْلِهِ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"؛» فَإنَّما أرادَ الإشادَةَ؛ والتَشْهِيدَ؛ وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ "ألا"؛ وأمّا ﴿ "ساءَ ما يَزِرُونَ"؛ ﴾ فَهو خَبَرٌ مُجَرَّدٌ؛ كَقَوْلِ الشاعِرِ: رَضِيتُ خُطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طائِلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَساءَ هَذا رِضًا يا قَيْسُ عِيلانا و"ساءَ"؛ فِعْلٌ ماضٍ؛ و"ما"؛ فاعِلَةٌ بِهِ؛ كَما تَقُولُ: "ساءَنِي أمْرُ كَذا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْرى "ساءَ" هُنا مُجْرى "بِئْسَ"؛ ويُقَدَّرَ لَها ما يُقَدَّرُ لِـ "بِئْسَ"؛ إذْ قَدْ جاءَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف للتعجيب من حالهم حين يقعون يوم القيامة في العذاب على ما استداموه من الكفر الذي جرّأهم على استدامته اعتقادهم نفي البعث فذاقوا العذاب لذلك، فتلك حالة يستحقّون بها أن يقال فيهم: قد خسِروا وخابوا.

والخسران تقدّم القول فيه عند قوله تعالى: ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ في هذه السورة [12].

والخسارة هنا حرمان خيرات الآخرة لا الدنيا.

والذين كذّبوا بلقاء الله هم الذين حكي عنهم بقوله: ﴿ وقالوا إن هي إلاّ حياتنا الدنيا ﴾ فكان مقتضى الظاهر الإضمار تبعاً لقوله ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ [الأنعام: 27] وما بعده، بأن يقال: قد خسروا، لكن عُدل إلى الإظهار ليكون الكلام مستقلاً وليبنى عليه ما في الصلة من تفصيل بقوله: ﴿ حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ الخ.

ولقاء الله هو ظهور آثار رضاه وغضبه دون تأخير ولا إمهال ولا وقاية بأسباب عادية من نظام الحياة الدنيا، فلمّا كان العالم الأخروي وهو ما بعد البعث عالم ظهور الحقائق بآثارها دون موانع، وتلك الحقائق هي مراد الله الأعلى الذي جعله عالم كمال الحقائق، جعل المصير إليه مماثلاً للقاء صاحب الحق بعد الغيبة والاستقلال عنه زماناً طويلاً، فلذلك سمّي البعث ملاقاة الله، ولقاء الله ومصيراً إلى الله، ومجيئاً إليه، في كثير من الآيات والألفاظ النبوية، وإلاّ فإنّ الناس في الدنيا هم في قبضة تصرّف الله لو شاء لقبضهم إليه ولعجّل إليهم جزاءهم.

قال تعالى: ﴿ ولو يعجِّل الله للنّاس الشرّ استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم ﴾ [يونس: 11].

ولكنّه لمّا أمهلهم واستدرجهم في هذا العالم الدنيوي ورغّب ورهّب ووعَد وتوعّد كان حال الناس فيه كحال العبيد يأتيهم الأمر من مولاهم الغائب عنهم ويرغّبهم ويحذّرهم، فمنهم من يمتثل ومنهم من يعصي، وهم لا يلقون حينئذٍ جزاء عن طاعة ولا عقاباً عن معصية لأنّه يملي لهم ويؤخّرهم، فإذا طوي هذا العالم وجاءت الحياة الثانية صار الناس في نظام آخر، وهو نظام ظهور الآثار دون ريث، قال تعالى: ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ [الكهف: 49]، فكانوا كعبيد لقُوا ربّهم بعد أن غابوا وأمهلوا.

فاللقاء استعارة تمثيلية: شبّهت حالة الخلق عند المصير إلى تنفيذ وعد الله ووعيده بحالة العبيد عند حضور سيِّدهم بعد غيبة ليجزيهم على ما فعلوا في مدّة المغيب.

وشاع هذا التمثيل في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه»، وفي القرآن ﴿ ليُنْذر يوْمَ التَّلاقِي ﴾ [غافر: 15].

وقوله: ﴿ حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ (حتّى) ابتدائية، وهي لا تفيد الغاية وإنّما تفيد السببية، كما صرّح به ابن الحاجب، أي فإذا جاءتهم الساعة بغتة.

ومن المفسّرين من جعل مجيء الساعة غاية للخسران، وهو فاسد لأنّ الخسران المقصود هنا هو خسرانهم يوم القيامة، فأمّا في الدنيا ففيهم مَن لم يخسر شيئاً.

وقد تقدّم كلام على (حتّى) الابتدائية عند قوله تعالى: ﴿ وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك ﴾ في هذه السورة [25].

وسيجيء لمعنى (حتى) زيادة بيان عند قوله تعالى: فمن أظلم ممّن افترى على الله كذباً أو كذّب بآياته إلى قوله ﴿ حتّى إذا جاءتهم رسلنا ﴾ في سورة [الأعراف: 37].

والساعة: علَم بالغلبة على ساعة البعث والحشر.

والبغتة فعلة من البَغْت، وهو مصدر بغتَه الأمر إذا نزل به فجأة من غير ترقّب ولا إعلام ولا ظهور شبح أو نحوه.

ففي البغت معنى المجيء عن غير إشعار.

وهو منتصب على الحال، فإنّ المصدر يجيء حالاً إذا كان ظاهراً تأويلُه باسم الفاعل، وهو يرجع إلى الإخبار بالمصدر لقصد المبالغة.

وقوله: قالوا } جواب (إذا).

و ﴿ يا حسرتنا ﴾ نداء مقصود به التعجّب والتندّم، وهو في أصل الوضع نداء للحسرة بتنزيلها منزلة شخص يسمع ويُنادي ليحضُر كأنّه يقول: يا حسرة احضري فهذا أوان حضورك.

ومنه قولهم: يا ليتني فعلت كذا، ويا أسفي أو يا أسفاً، كما تقدّم آنفاً.

وأضافوا الحسرة إلى أنفسهم ليكون تحسّرهم لأجل أنفسهم، فهم المتحسّرون والمتحسَّر عليهم، بخلاف قول القائل: يا حسرة، فإنّه في الغالب تحسّر لأجل غيره فهو يتحسّر لحال غيره.

ولذلك تجيء معه (على) التي تدخل على الشيء المتحسّر من أجله داخلة على ما يدلّ على غير التحسّر، كقوله تعالى: ﴿ يا حسرة على العباد فأمّا مع (يا حسرتي، أو يا حسرتا) فإنّما تجيء (على) داخلة على الأمر الذي كان سبباً في التحسّر كما هنا على ما فرطنا فيها ﴾ .

ومثل ذلك قولهم: يا ويلي ويا ويلتِي، قال تعالى: ﴿ ويقولون يا ويلتنا ﴾ [الكهف: 49]، فإذا أراد المتكلِّم أنّ الويل لغيره قال: ويْلك، قال تعالى: ﴿ ويلك آمنْ ﴾ [الأحقاف: 17] ويقولون: ويل لك.

والحسرة: الندم الشديد، وهو التلهّف، وهي فَعْلة من حِسر يحْسَر حَسْراً، من باب فرح، ويقال: تحسّر تحسّراً.

والعرب يعاملون اسم المرّة معاملة مطلق المصدر غير ملاحظين فيه معنى المرّة، ولكنّهم يلاحظون المصدر في ضمن فرد، كمدلول لام الحقيقة، ولذلك يحسن هذا الاعتبار في مقام النداء لأنّ المصدر اسم للحاصل بالفعل بخلاف اسم المرّة فهو اسم لفرد من أفراد المصدر فيقوم مقام الماهية.

و ﴿ فَرّطنَا ﴾ أضعنا.

يقال: فرّط في الأمر إذا تهاون بشيء ولم يحفظه، أو في اكتسابه حتى فاته وأفلت منه.

وهو يتعدّى إلى المفعول بنفسه، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ ما فرّطنا في الكتاب من شيء ﴾ [الأنعام: 38].

والأكثر أن يتعدّى بحرف (في) فيقال فرّط في ماله، إذا أضاعه.

و ﴿ مَا ﴾ موصولة ماصْدَقُها الأعمال الصالحة.

ومفعول ﴿ فرّطنا ﴾ محذوف يعود إلى ﴿ مَا ﴾ .

تقديره: ما فرّطناه وهم عامّ مثل معاده، أي ندمنا على إضاعة كلّ ما من شأنه أن ينفعنا ففرّطناه، وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى الساعة.

و«في» تعليلية، أي ما فوّتناه من الأعمال النافعة لأجل نفع هذه الساعة، ويجوز أن يكون ﴿ في ﴾ للتعدية بتقدير مضاف إلى الضمير، أي في خيراتها.

والمعنى على ما فرّطنا في الساعة، يَعْنُونَ ما شاهدوه من نجاة ونعيم أهل الفلاح.

ويجوز أن يعود ضمير ﴿ فيها ﴾ على الحياة الدنيا، فيكون «في» للظرفية الحقيقية.

وجملة: ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ قالوا ﴾ ، أي قالوا ذلك في حال أنّهم يحملون أوزارهم فهُم بين تلهّف على التفريط في الأعمال الصالحة والإيمان وبين مقاساة العذاب على الأوزار التي اقترفوها، أي لم يكونوا محرومين من خير ذلك اليوم فحسب بل كانوا مع ذلك متعبين مثقلين بالعذاب.

والأوزار جمع وِزر بكسر الواو، وهو الحمل الثقيل، وفعله وزَرَ يَزِرُ إذا حمل.

ومنه قوله هنا ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ .

وقوله: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ [الأنعام: 164].

وأطلق الوزر على الذنب والجناية لثقل عاقبتها على جانيها.

وقوله: ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ تمثيل لهيئة عنتهم من جرّاء ذنوبهم بحال من يحمل حملاً ثقيلاً.

وذكْر ﴿ على ظهورهم ﴾ هنا مبالغة في تمثيل الحالة، كقوله تعالى: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ [الشورى: 30].

فذكر الأيدي لأنّ الكسب يكون باليد، فهو يشبه تخييل الاستعارة ولكنّه لا يتأتّى التخييل في التمثيلية لأنّ ما يذكر فيها صالح لاعتباره من جملة الهيئة، فإنّ الحمل على الظهر مؤذن بنهاية ثقل المحمول على الحامل.

ومن لطائف التوجيه وضع لفظ الأوزار في هذا التمثيل؛ فإنّه مشترك بين الأحمال الثقيلة وبين الذنوب، وهم إنَّما وقعوا في هذه الشدّة من جرّاء ذنوبهم فكأنّهم يحملونها لأنّهم يعانون شدّة آلامها.

وجملة: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ تذييل.

و(ألا) حرف استفتاح يفيد التنبيه للعناية بالخبر.

و ﴿ ساء ما يزرون ﴾ إنشاء ذمّ.

و ﴿ يزرون ﴾ بمعنى ﴿ يحملون ﴾ ، أي ساء ما يمثّل من حالهم بالحمْل.

و ﴿ ما يزرون ﴾ فاعل ﴿ ساء ﴾ .

والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره: حَمْلُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما أمْرُ الدُّنْيا والعَمَلُ لَها إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ، فَأمّا عَمَلُ الصّالِحاتِ فِيها فَهو مِن عَمَلِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ مِن أنْ يَكُونَ لَعِبًا ولَهْوًا.

والثّانِي: وما أهْلُ الحَياةِ الدُّنْيا إلّا أهْلُ لَعِبٍ ولَهْوٍ لِاشْتِغالِهِمْ بِها عَمّا هو أوْلى مِنها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهم كَأهْلِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ لِانْقِطاعِ لَذّاتِهِمْ وقُصُورِ مُدَّتِهِمْ، وأهْلُ الآخِرَةِ بِخِلافِهِمْ لِبَقاءِ مُدَّتِهِمْ واتِّصالِ لَذَّتِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ لِأنَّهُ قَدْ دامَ لَهم فِيها ما كانَ مُنْقَطِعًا في غَيْرِها.

﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم.

وَذَكَرَ بَعْضُ الخاطِرِيَّةِ قَوْلًا رابِعًا: أنَّها لَعِبٌ لِمَن جَمَعَها، لَهْوٌ لِمَن يَرِثُها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الحسرة الندامة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يا حسرتنا ﴾ قال: الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة في الجنة، فتلك الحسرة» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يا حسرتنا ﴾ قال: ندامتنا ﴿ على ما فرَّطنا فيها ﴾ قال: ضيعنا من عمر الجنة ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك!

قال: كذلك كان عملك قبيحاً.

قال: ما أنتن ريحك!

قال: كذلك كان عملك منتناً.

قال: ما أدنس ثيابك!

فيقول: إن عملك كان دنساً.

قال: من أنت؟

قال: أنا عملك.

قال: فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك الدنيا باللذات والشهوات فأنت اليوم تحملني، فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: ﴿ يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ .

وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس الملائي قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريحاً، فيقول له: هل تعرفني؟

فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك.

فيقول: كذلك كنت في الدنيا.

أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، وتلا ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ﴾ [ مريم: 85] .

وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟

فيقول: لا.

ألا أن الله قد قبح صورتك ونتن ريحك.

فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك، وتلا ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن قيس عن أبي مرزوق.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ قال: ما يعملون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴾ الآية.

قال أصحاب المعاني: (إنما وصفوا بالخسران؛ لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم في ذلك البيع؛ لأنهم خسروا أنفسهم بإهلاكها بالعذاب، وأعظم الخسران في العمل هلاك النفس، كما أن أعظم الخسران في التجارة ذهاب رأس المال) (١) وقوله تعالى: ﴿ بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد بالبعث والثواب والعقاب والمصير إليه) (٢) ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقال بعضهم: (المعنى هاهنا كذبوا بلقاء جزاء الله، إلا أنه قحم اللقاء بإضافته إلى الله، وهذا كما يُقال للميت: لقي فلان عمله، أي: لقي جزاء عمله) (٣) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ ، معنى ﴿ حَتَّى ﴾ هاهنا بيان أن منتهى تكذيبهم الحسرة يوم القيامة، والمعنى: كذبوا إلى أن ظهرت الساعة بغتة (٤) (٥) (٦) وقال غيره: (الساعة (٧) (٨) ﴿ بَغْتَةً ﴾ والبغت والبغتة (٩) قال ابن عباس: (يريد أن الساعة لا يعلمها أحد إلا هو) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا ﴾ قال الزجاج (١١) (١٢) ﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ  ﴾ ، و {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} (١٣) ﴿ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ﴾ (١٤) (١٥) ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ  ﴾ ؛ تأويله: يا أيها الناس تنبهوا على ما وقع في زمان الأسف، فوقع النداء على غير المنادي في الحقيقة؛ لاتساع العرب في مجازها (١٦) وقال سيبويه: (إنك إذا قلت: يا عجباه (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ قال أبو عبيد: (يقال: فرطت في الشىء، أي: ضيعته) (٢٠) وقوله: ﴿ عَلَى مَا فَرَّطْنَا ﴾ ، أي: تركنا وضيعنا فيها.

وهو قول أبي عبيدة (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال الزجاج: ﴿ فَرَّطْنَا ﴾ : قدمنا العجز) (٢٤) (٢٥) وقوله: ﴿ فِيهَا ﴾ قال ابن عباس: (في الدنيا) (٢٦) وروي عن الحسن أنه قال: (في الساعة) (٢٧) وقال السدي (في الجنة) (٢٨) ﴿ مَا ﴾ ، وفي قوله ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ أي: يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا فيها (٢٩) وروي عن ابن جرير أنه قال: (الكناية تعود إلى الصفقة؛ لأنه لما ذكر الخسران دل على الصفقة) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ ﴾ ، الأوزار: الأثقال من الإثم، قال ابن عباس: (يريد آثامهم وخطاياهم) (٣١) قال أهل (٣٢) ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ  ﴾ أي: لا تحمل نفس حاملة.

وقال أبو عبيد: (يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك) (٣٣) وأوزار العرب: أثقالها من السلاح، ووزير السلطان: الذي (٣٤) ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ ﴾ : (أي: يحملون ثقل ذنوبهم) (٣٥) واختلفوا في كيفية حملهم الأوزار، فقال المفسرون (٣٦) ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا  ﴾ ، قالوا: ركبانًا.

وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله أقبح شيء صورة وأخبثه ريحًا فيقول: أنا عملك السيء، طالما ركبتني في الدنيا، فأنا أركبك اليوم، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ﴾ )، [و] (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال الزجاج: (هذا مثل جائز أن يكون جعل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ ﴾ : لا تزايلهم أوزارهم، كما تقول: شخصك نصب عيني، أي ذكرك ملازم لي) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ ذكرنا معنى ﴿ سَاءَ ﴾ (٤٤) ﴿ وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ في [النساء: 22]، قال ابن عباس: (يريد بئس الحمل حملوا) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (١) انظر نحوه في: الطبري 7/ 179، و"المفردات" ص 281 (خسر)، والبغوي 3/ 138، وابن عطية 5/ 175، و"البحر" 4/ 106.

(٢) في "تنوير المقباس" 2/ 13 نحوه، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 27 بلا نسبة، وهو قول أكثرهم.

انظر: الطبري 7/ 178، والسمرقندي 1/ 480، والبغوي 3/ 138، وابن الجوزي / 3/ 24، الرازي 12/ 197.

(٣) ذكر أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 26 نحوه قال في الآية: (المعنى بالبعث يقوي ذلك ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً  ﴾ أي: ملاقو ثواب ربهم وملاقو جزائه إن ثوابًا وإن عقابًا)، وذكر نحوه أكثرهم.

انظر: "الكشاف" 2/ 13، وابن عطية 5/ 175، والقرطبي 6/ 411، و"البحر" 4/ 106.

وهذا التقدير في الآية محتمل، وإن قصد به نفي الرؤية فهو مردود، والأولى حمل الآية على ظاهرها وعدم صرفها عنه.

(٤) وعلى هذا تكون حتى غاية لكذبوا، والمعنى: منتهى تكذيبهم الحسرة، ولا يجوز أن تكون غاية لخسر؛ لأن خسرانهم لا غاية له، أفاده أكثرهم.

انظر: "الكشاف" 2/ 13، والرازي 12/ 197، و"الفريد" 2/ 139، و"البحر" 4/ 106، البيضاوي 1/ 136.

(٥) هذا قول أكثرهم.

انظر: الطبري 7/ 178، والسمرقندي 1/ 480، والبغوي 3/ 138، وابن الجوزي 3/ 24.

(٦) هذا قول الراغب في "المفردات" ص 434، والقرطبي 6/ 412، وأبو حيان في "البحر" 4/ 106، والسمين في "الدر" 4/ 595، و"عمدة الحفاظ" ص 254.

(٧) جاء في (أ): تكرار لفظ: (الساعة).

(٨) هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1597، وابن منظور في "اللسان" 4/ 2151 (سوع) والقاسمي في تفسيره 6/ 2285، والأقوال متقاربة.

قال الزجاج في "معانيه" 2/ 246، 3/ 214: (الساعة اسم لإماتة الخلق واحيائهم).

وانظر الرازي 12/ 197، والخازن 2/ 128.

(٩) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 193، الطبري 7/ 178، و"معاني الزجاج" 2/ 241، 3/ 131، الزاهر 2/ 5، و"معاني النحاس" 2/ 415، و"تهذيب اللغة" 1/ 364، و"اللسان" 1/ 317 (بغت).

(١٠) لم أقف عليه.

(١١) أطال الزجاج في تقرير هذا الوجه في مواضع من معانيه 3/ 354، 4/ 284، وقال: (معنى الحسرة: أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له بعده حتى يبقى حسرًا، والفائدة من مناداتها كالفائدة في مناداة ما لا يعقل؛ لأن النداء باب تنبيه، وحرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها، إذا قال القائل: يا حسرتاه ويا ويلاه فتأويل الحسرة والويل قد حلا به، وإنهما لازمان له غير مفارقين).

وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 814 - 815.

(١٢) لم أقف عليه بعد طول بحث عنه في مظانه.

(١٣) في النسخ: (يا حسرتا ..)، وهو تحريف.

(١٤) في النسخ: (يا ويلتا ..)، وهو تحريف.

(١٥) معاني الزجاج 2/ 241.

(١٦) هذا من كلام الواحدي، وذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 197، انظر: "معاني الزجاج" 3/ 235.

(١٧) جاء في (أ): (يا عجبا).

(١٨) النص عند الزجاج في "معانيه" 2/ 241، و"معاني النحاس" 2/ 415، والرازي في "تفسيره" 12/ 198، و"الفريد" للهمذاني 2/ 140، وقال سيبويه في "الكتاب" 2/ 217: (وقالوا: يا للعجب لما رأوا عجبًا، كأنه يقول: تعال يا عجيب، فإنه من أيامك وزمانك) ا.

هـ ملخصًا.

وانظر: "معاني الفراء" 2/ 421، و"معاني الأخفش" 1/ 204، و"المقتضب" للمبرد 4/ 202 - 203.

(١٩) والظاهر أن الجميع مراد في ذلك، فنداء الحسرة للتنبيه وتعظيم الأمر وتشنيعه، وكأنه يقول: اقربي واحضري فهذا وقتك وزمانك، وفي ذلك تعظيم للأمر على نفس المتكلم وعلى سامعه وهو المقصود بنداء ما لا يعقل.

وهذا ظاهر كلام أكثرهم.

انظر: المدخل للحدادي ص 588، و"تفسير البغوي" 3/ 138، ابن == عطية 5/ 176، وابن الجوزي 3/ 25، و"التبيان" ص 329، والقرطبي 6/ 412، و"البحر" 4/ 107، و"الدر المصون" 4/ 595، و"روح المعاني" 7/ 132، و"التحرير والتنوير" 7/ 190.

(٢٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2772 - 2773، وفي "غريب الحديث" 1/ 36، قال أبو عبيد: (قال الأصمعي: الفرط والفارط: المتقدم في طلب الماء ...

ويقال: أفرطت الشيء، أي: نسيته) ا.

هـ.

ملخصًا.

(٢١) مجاز القرآن 1/ 190، وهو قول أكثرهم.

انظر: "معاني الفراء" 2/ 108، و"غريب القرآن" ص 163، والطبري 7/ 179، السمرقندي 1/ 480، و"العمدة" لمكي ص 126، و"التحرير والتنوير" 7/ 191، وقال بعضهم: (التفريط هو التقصير في الشيء مع القدرة على فعله).

وهو قريب من المعني الأول.

انظر: "الكشاف" 2/ 14، و"البغوي" 3/ 138، ابن عطية 5/ 194، والخازن 2/ 128، و"البحر" 4/ 107، والبيضاوي 1/ 136، والثعالبي 1/ 514، والقاسمي 6/ 502.

(٢٢) قال أهل اللغة: (فرط بفتح الراء المخففة سبق وتقدم، وفرط بتشديد الراء المفتوحة، في الشيء، وفرطه: ضيعه وقدم العجز في التقصير، وأكثرهم.

على أنه بمعنى: تقدم.

ومنهم من قال: هو بمعنى قصر وضيع).

انظر: "العين" 7/ 418، و"الجمهرة" 2/ 754، و"الصحاح" 3/ 1148، و"مقاييس اللغة" 4/ 490، و"المجمل" 3/ 716، و"المفردات" ص 631، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 434، واللسان 6/ 3389، والتاج 5/ 195 (فرط).

(٢٣) ذكر الماوردي 2/ 106، عن الحسن في قوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ  ﴾ قال: (مضيعون).

وانظر: ابن الجوزي 7/ 192، القرطبي 15/ 271، أخرجه الطبري 7/ 179، وابن أبي حاتم 4/ 1281، بسد جيد عن السدي، وذكره == السيوطي في "الإتقان" 1/ 151، عن ابن عباس، وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 557.

(٢٤) "معاني الزجاج" 2/ 242 وقال في 3/ 207: (الفرط في اللغة: التقديم) ا.

هـ.

وهو قول السجستاني في "النزهة" ص 352، وابن الجوزي 3/ 25.

(٢٥) والمعاني كلها متقاربة، فيقال: فرط أي ضيع وقدم العجز والتقصير فيما يقدر عليه.

وانظر: "التصاريف" ليحيى بن سلام ص 318، و"الأضداد" لقطرب ص 114، و"ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي ص 183، و"ثلاثة كتب في الأضداد" للأصمعي والسجستاني وابن السكيت وبذيلها أضداد الصاغاني ص 141، وص 241، و"الزاهر" 1/ 309، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 71، و"الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى" للرماني ص 77، و"تفسير الرازي" 12/ 164، والقرطبي 6/ 413، و"عمدة الحفاظ" ص 420.

(٢٦) "تنوير المقباس" 2/ 14، وذكره الرازي 12/ 198، وأبو حيان في "البحر" 4/ 107، والألوسي 7/ 132، وهو قول بعضهم.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 557، والسمرقندي 1/ 480، والزمخشري 2/ 14، و"الخازن" 2/ 128، والبيضاوي 1/ 136، وظاهر كلامهم عودة الضمير على الدنيا.

(٢٧) ذكره الرازي 12/ 199، والقرطبي 6/ 413، وأبو حيان في "البحر" 4/ 107، ورجحه ابن عطية 5/ 176، والعكبري في "التبيان" 1/ 329، والقرطبي 6/ 413، وقال الهمداني في "الفريد" 2/ 140: (هذا هو الوجه لجري ذكرها مع صحة المعنى، وإذا صح العائد إلى مذكور فلا وجه للعدول عنه إلى غيره بغير دليل) ا.

هـ.

(٢٨) أخرج الطبري 7/ 179، وابن أبي حاتم 4/ 1281، بسند جيد عنه قال: (ضيعنا من عمل الجنة) ا.

هـ.

وقال أبو حيان 4/ 107، والسمين في "الدر" 4/ 596، والألوسي 7/ 132: (لا يخفى بعده) ا.

هـ.

(٢٩) هذا قول ابن الأنباري في "البيان" 1/ 319، وقال الكرماني في "الغرائب" 1/ 357: (العجيب (ما) موصولة (وفيها) كناية عن (ما) وأنث حملًا على الأعمال وهذا حسن) ا.

هـ.

(٣٠) "تفسير الطبري" 7/ 179، وزاد: (معلوم أن الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت) وعده الكرماني في "غرائبه" 1/ 357، من الغريب، والظاهر -والله أعلم- عودة الضمير على الدنيا؛ لأنه ظاهر الآية، ولكونها معلومة، والمعنى يقتضيها، وهي موضع التقصير، والظرفية فيها أمكن، وعودته على الساعة قوي، إلا أنه لا بد فيه من تقدير مضاف، أي: في شأنها والإيمان بها.

انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 175، و"البحر" 4/ 107، و"الدر المصون" 4/ 596.

(٣١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 27، والرازي 12/ 199، وأبو حيان في "البحر" 4/ 170، وأخرج الطبري 7/ 179، بسند ضعيف عنه قال: (ذنوبهم) وفي "تنوير المقباس" 2/ 14: (آثامهم).

(٣٢) قال أهل اللغة: (الوزر، بكسر الواو وسكون الزاي: الإثم والحمل والثقل على الظهر؛ وبفتح الواو: الملجأ).

== انظر: "الجمهرة" 2/ 712، 1064، و"الصحاح" 2/ 845، و"مقاييس اللغة" 6/ 108، و"المجمل" 3/ 924، و"المفردات" ص 867، و"النهاية" لابن الأثير 5/ 179، و"اللسان" 8/ 4824، (وزر).

(٣٣) ذكره الثعلبي ص 177، والقرطبي 3/ 416، ولم أقف عليه عند غيرهما عن أبي عبيد، وجعله الرازي 12/ 199، والشوكاني 2/ 159، عن أبي عبيدة، ولعله الصواب؛ لأنه في "مجاز القرآن" 1/ 190.

(٣٤) هذا قول الأزهري في "تهذيبه" 4/ 3883، وانظر: "معاني الزجاج" 3/ 357، و"الاشتقاق" لابن دريد ص 396.

(٣٥) "معاني الزجاج" 2/ 242، وانظر: "غريب اليزيدي" ص 135، و"تفسير غريب القرآن" ص 152، و"نزهة القلوب" ص 71، و"معاني النحاس" 2/ 416.

(٣٦) ذكره أكثرهم.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 557، والسمرقندى 1/ 481، والبغوي 3/ 139، وابن الجوزي 3/ 26، والرازي 12/ 199، و"الدر المنثور" 3/ 17.

(٣٧) لفظ (الواو) ساقط من (ش).

(٣٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 28، والرازي 12/ 199، والخازن 2/ 129.

(٣٩) أخرجه الطبري 7/ 178 - 179، وابن أبي حاتم 4/ 1281 من طرق جيدة عن السدي وعمرو بن قيس الملائي، وأخرجه الطبري 15/ 96، طبعة الحلبي، بسند ضعيف عن زيد بن أسلم العدوي.

(٤٠) في (ش): (الثقل)، وهو تحريف.

(٤١) كذا في النسخ، وعند الزجاج 2/ 242 الوزر، ولعله تحريف.

(٤٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 242، وزاد: (فتأويل الوزر الثقل من هذه الجهة) ا.

هـ وانظر: "معاني النحاس" 2/ 416، وفيه: (الوزر: الإثم، وهو تمثيل) ا.

هـ (٤٣) ذكره الثعلبي 177 أ، عن الزجاج، وذكره بعضهم عن فرقة.

انظر: الرازي 12/ 199، الخازن 2/ 129، والصواب حمل الآية على الحقيقة؛ لأن كلام الله تعالى يحمل على حقيقته ولا يصرف عنها إلا بدليل، وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 177، والثعالبي 1/ 514، والألوسي 1/ 132.

(٤٤) انظر: البسيط النسخة الأزهرية 1/ 237 أ.

(٤٥) ذكره الواحدي في الوسيط 1/ 28، والبغوي 3/ 139، والخازن 2/ 129.

(٤٦) في النسخ: (شيء).

(٤٧) "معاني الزجاج" 2/ 242، وهو قول أكثرهم.

انظر: "إعراب النحاس" 2/ 63 والسمرقندي 1/ 481، والبغوي 3/ 139، وابن الجوزي 3/ 26.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار ﴾ جواب لو محذوف هنا، وفي قوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ ﴾ ، وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمراً شنيعاً هائلاً، ومعنى وقفوا حبسوا، قاله ابن عطية، ويحتمل أن يريد بذلك إذا ادخلوا النار، وإذا عاينوا وأشرفوا عليها، ووضع إذ موضع إذا لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماض ﴿ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ ﴾ فرئ برفع نكذبُ ونكونُ على الاستئناف والقطع على التمني، ومّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالاً تقديره نرد غير مكذبين، أو عطف على نرد، وقرئ بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمني ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ المعنى ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم، وقيل: هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ﴾ إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما انفرد الله بعلمه ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ يعني في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، ولا يصح أن يرجع إلى قولهم: يا ليتنا نردّ، لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب ﴿ وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأخروي ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ تقرير لهم وتوبيخ ﴿ قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ الضمير فيها للحياة الدنيا لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: الساعة أي فرطنا في شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ كناية عن تحمل الذنوب، وقال: على ظهورهم، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتصوّر له في أحسن صورة ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.

الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.

﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.

﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله  أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله  فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟

فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.

شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.

وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.

والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.

وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.

والوقر الثقل في الآذان.

والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.

وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.

وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.

ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف  ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله  يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.

وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".

وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.

الثاني: أن المكلف الذي علم الله  أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.

الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.

الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.

الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله  علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه  هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.

وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.

والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.

ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.

والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.

ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.

وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.

وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.

قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.

ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.

إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.

ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.

ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.

نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.

وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.

وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله  ويتباعد عما جاء به.

روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي  فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.

ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.

ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.

وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.

ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.

ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.

أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.

ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.

وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.

وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.

وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال  ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.

وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله  عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.

قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ فينطق الله  جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.

وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.

وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.

وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد  .

والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.

ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله  حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟

وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.

وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.

وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.

وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.

وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.

ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه  يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله  محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.

ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟

فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟

﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟

فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.

فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.

عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.

وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.

و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله  "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله  ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.

وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي  ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.

وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.

أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.

وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.

وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.

وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.

ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.

وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.

والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.

أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم  ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.

وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.

ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.

وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.

وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً  ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.

﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.

ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.

وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.

وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.

﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.

وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.

وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال  : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .

﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟

وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.

وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟

فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.

وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه  قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.

قيل: وما هو يا رسول الله؟

قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟

وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله  وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟

قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.

وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.

وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.

وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.

وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.

فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً  ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً  ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟

فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.

فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.

وقال أبو ميسرة: إن رسول الله  مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.

وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي  في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله  في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ فانظر.

الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.

الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله  ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.

الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.

وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.

ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.

﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون  ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.

وكان يكبر على النبي  كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.

يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.

والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.

والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.

والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.

وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.

والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.

مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.

فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.

ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.

والمراد أنه  هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.

أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.

ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد  وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا  من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.

أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.

أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.

التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.

﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.

﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.

﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟

﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي  ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.

والنهي في حقه  هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون  ﴾ .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: كذبوا لقاء وعد الله ووعيده في الدنيا وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ  ﴾ أي: يرجو لقاء وعد الله [في الدنيا] ووعيده، خسروا في الآخرة بتكذيبهم ذلك في الدنيا، وعلى ذلك يخرج ما روي في الخبر: "من أحبّ لقاء الله" أي: أحب لقاء ما أعد الله له "ومن كره لقاء الله" أي: كره لقاء ما أعد له، وأصله: من أحبّ الرجوع إلى الله أحب الله رجوعه، ومن كره الرجوع إلى الله كره الله رجوعه إليه، والمحبة لله اختيار أمره وطاعته؛ وعلى ذلك ما روي في الخبر عن رسول الله  قال: "الدنيا جنة الكافر، يلعب فيها ويركض في أمانيها، وسجن المؤمن، وراحته بالموت" وأصله: أنها سجن المؤمن؛ لأن المؤمن يمنعه دينه من قضاء شهواته لما يخاف هلاكه، ويحذره مما يفضي به إلى الهلاك، والكافر لا يمنعه شيء من ذلك عما يريد من قضاء شهواته في الدنيا، فتكون له كالجنة، وللمؤمن كالسجن، على ما ذكرنا.

ويحتمل [قوله] وجهاً آخر: وهو أن الكافر عند الموت يعاين مكانه وما أعدَّ له في النار، فتصير عند ذلك الدنيا كالجنة له يكره الرجوع، والمؤمن يعاين موضعه في الجنة، فتصير كالسجن له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾ .

قيل: سميت القيامة ساعة لسرعتها، ليست كالدنيا؛ لأن في الدنيا يتغير فيها على المرء الأحوال، يكون نطفة، ثم يصير علقة، ثم مضغة، ثم يصير خلقاً آخر، ثم إنسانا ثم يكون طفلا ثم رجلا يتغير عليه الأحوال، وأما القيامة فإنها لا تقوم على تغير الأحوال فسميت الساعة لسرعتها بهم.

وقيل: سميت القيامة الساعة لأنها تقوم في ساعة، وهو كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ .

وقيل: سميت الساعة [لما تقوم ساعة فساعة].

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَغْتَةً ﴾ أي: فجأة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ .

قيل: التفريط: هو التضييع، فيحتمل قوله: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ ، أي: ما ضيعنا في الدنيا من المحاسن والطاعات.

ويحتمل: ما ضيعنا في الآخرة من الثواب والجزاء الجزيل بكفرهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ﴾ .

هو - والله أعلم - على التمثيل، ليس على التحقيق، وهو يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أخبر أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم بما لزموا أوزارهم وآثامهم، لم يفارقوها قط، وصفهم بالحمل على الظهر، وهو كقوله -  -: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ  ﴾ لما لزم ذلك صار كأنه في عنقه.

والثاني: إنما ذكر الظهر؛ لما بالظهر يحمل ما يحمل، فكان كقوله: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ و ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ لأن الكفر لا يكتسب بالأيدي ولا يقدم بها، لكن اكتساب الشيء وتقديمه لما كان باليد ذكر اكتساب اليد وتقديمها.

وكقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ أنهم لما تركوا العمل به والانتفاع، صار كالمنبوذ وراء الظهر؛ لأن الذي ينبذ وراء الظهر هو الذي لا يعبأ به ولا يكترث إليه.

ويحتمل وجهاً آخر: ما ذُكرَ في بعض القصة أنه يأتيه عمله الخبيث على صورة قبيحة، فيقول له: كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني، فيركب ظهره؛ فذلك قوله -  -: ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ  ﴾ قال: ﴿ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ  ﴾ .

أي: الحياة الدنيا للدنيا خاصة؛ لأن العمل إذا لم يكن لعاقبة تتأمل فهو عبث، كبانٍ يبني بناء لا لعاقبة تتأمل وتقصد ببنائه فهو لعب، وعبث، فعلى ذلك الحياة الدنيا، لا لدار أخرى يتأمل ويرجى بها الثواب والعقاب [فهذا] ليس بحكمة، وإنما هو لعب ولهو؛ وعلى ذلك يخرج قوله -  -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ...

﴾ \[الآية\] [المؤمنون: 115]، أخبر أن خلقه إياهم إذا لم يكن للرجوع إليه فهو عبث، فعلى ذلك الحياة الدنيا، إذا لم يكن هناك بعث ولا حياة بعد الموت للثواب والعقاب، فهي لعب ولهو.

واللهو: ما يقصد به قضاء الشهوة خاصة، لا يقصد به العاقبة، واللعب: هو الذي لا حقيقة له ولا مقصد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: الدار الآخرة خير للذين يتقون الشرك والفواحش كلها من الحياة الدنيا، وأصله: أن الحياة الدنيا على ما عند أولئك الكفرة لعب ولهو؛ لأن عندهم أن لا بعث، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كانت عندهم هكذا فتصير لعباً ولهواً؛ لأنه يحصل إنشاء لا عاقبة له، فيكون كبناء البناء الذي ذكرنا إذا كانت عاقبته غير مقصودة، فهو لا انتفاع به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد خسر الذين كَذّبُوا بالبعث يوم القيامة واستبعدوا الوقوف بين يدي الله، حتى إذا جاءتهم الساعة فجأة من غير سابق علم قالوا من شدة الندم: يا لحسرتنا وخيبة أملنا لِمَا قَصَّرْنَا في جنب الله من الكفر به وعدم الاستعداد ليوم القيامة، وهم يحملون سيئاتهم فوق ظهورهم، ألا قَبُحَ ما يحملون من تلك السيئات.

<div class="verse-tafsir" id="91.p5l7z"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد