الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١-٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءة﴿ الٓمٓ ﴾ هو وأمثاله أسماء للسورة المبتدأة به، ولا يضر وضع الاسم الواحد (كالم) لعدة سور لأنه من المشترك الذي يعين معناه اتصاله بمسماه.
وحكمة التسمية والاختلاف في ﴿ الٓمٓ ﴾ و ﴿ المص ﴾ نفوض الأمر فيها إلى المسمي .
ويسعنا في ذلك ما صنع صحابة رسول الله وتابعوهم، وليس من الدين في شيء أن يتنطع متنطع فيخترع ما يشاء من العلل، التي قلما يسلم مخترعها من الزلل.
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب وهو اسم جنس لما يكتب والمراد بالكتاب هذه الرقوم والنقوش ذات المعاني.
والإشارة تفيد التعيين الشخصي أو النوعي.
وليس المراد هنا نوعًا من أنواع الكتب بل المراد كتاب معروف معهود للنبي بوصفه.
وكأن ذلك العهد مبني على صدق الوعد من الله بأنه يبعثه ويؤيده بكتاب تام كامل كافل لطلاب الحق بالهداية والإرشاد، في جميع شؤون المعاش والمعاد.
فأشار"بذلك"إليه.
ولا يضر أنه لم يكن موجودًا كله وقت نزول أمثال هذه الإشارة، فقد يكفي في صحتها وجود البعض.
وقد كان نزل من القرآن جملة عظيمة قبل نزول أول السورة وأمر النبي بكتابها فكتبت وحفظت، فالإشارة إليها إشارة إليه.
بل يكفي في صحة الإشارة أن يشار إلى سورة البقرة نفسها لأنه يصح فيها وصف ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ والأول أشبه، والإشارة إلى الكتاب كله عند نزول بعضه إشارة إلى أن الله تعالى منجز وعده للنبي بإكمال الكتاب كله.
ومن حكمة الإشارة بهذا الكتاب، أي المكتوب المرقوم، أن النبي أمر بكتابته دون غيره، فهو الكتاب وحده، ولا يضر إنه عند النزول لم يكن مكتوبًا بالفعل لأنك تقول أنا أملي كتابًا أو هلم أُمْلِ عليك كتابًا.
والإشارة البعيدة بالكاف يراد بها بُعْدُ مرتبته في الكمال، وعلوها عن متناول قريحة شاعر أو مقول خطيب قوال، والبعد والقرب في الخطاب الإلهي إنما هو بالنسبة إلى المخلوقين، ولا يقال إن شيئًا بعيدًا عنه تعالى أو قريبًا منه في المكان الحسي لأن كل الأشياء بالنسبة إليه تعالى سواء.
وإنما القرب منه والبعد عنه تعالى معنوي وهو أقرب إلينا من أنفسنا بعمله.
﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ الريب والريبة والظنة (التهمة) والمعنى أن ذلك الكتاب مبرأ من وصمات العيب، فلا شك فيه، ولا ريبة تعتريه، لا من جهة كونه من عند الله تعالى، ولا في كونه هاديًا مرشدًا، ويصح أن يقال إنه في قوة آياته، ونصوع بيناته، بحيث لا يرتاب عاقل منصف، غير متعنت ولا متعسف، في كونه هداية مفاضة من سماء الحق، مهداة إلى الخلق، على لسان أمي لم يسبق له قبله الاشتغال بشيء من علومه، ولا الإتيان بكلام يقرب منه في بلاغته، ولا في أسلوبه حتى بعد نبوته - ولهذا قال فيما يأتي قريبًا ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ وحاصله إنه كذلك في كل من نظمه وأسلوبه وبلاغته، ومن معانيه وعلومه وتأثيره والمتبادر في المعنى أنه لا يمكن أن توجه إليه الشبهة، أو تحوم حوله الريبة في كونه هاديًا من الله تعالى، سواء أشك في ذلك أحد أم لا.
﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خبر بعد خبر، والهدى مصدر في الأصل كالتُّقى والسُّرى.
والمراد بالهداية هنا الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة الخاصة والأخذ باليد، على ما تقدم في تفسير المراد من ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ ﴾ ، لأن كونه هاديًا للمتقين بالفعل غير كونه هاديًا -دالًا- لسائر الناس من غير مراعاة أخذهم بدلالته، واستقامتهم على طريقته، وكلمة"المتقين"من الاتقاء، والاسم التقوى، وأصل المادة: وقى يقي.
والوقاية معروفة المعنى.
وهو البعد أو التباعد عن المضر أو مدافعته، ولكن نجد هذا الحرف مستعملًا بالنسبة إلى الله تعالى كقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ - ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ - ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ فمعنى اتقاء الله اتقاء عذابه وعقابه، وإنما تضاف التقوى إلى الله تعالى تعظيمًا لأمر عذابه وعقابه، وإلا فلا يمكن لأحد أن يتقي ذات الله تعالى ولا تأثير قدرته، ولا الخضوع الفطري لمشيئته.
ومدافعة عذاب الله تعالى تكون باجتناب ما نهى واتباع ما أمر، وذلك يحصل بالخوف من العذاب ومن المعذِّب، فالخوف يكون ابتداء من العذاب وفي الحقيقة من مصدره، فالمتقي هو من يحمي نفسه من العقاب ولا بد في ذلك أن يكون عنده نظر ورشد يعرف بهما أسباب العقاب والآلام فيتقيها.
كان من الجاهلين من مقت عبادة الأصنام وأدرك أن فاطر السموات والأرض لا يرتضيه الخضوع لها، وأن الإله الحق يحب الخير، ويبغض الشر، فكان منهم من اعتزل الناس لذلك.
وكانوا لا يعرفون من عبادة الله إلا الالتجاء والابتهال وتعظيم جانب الربوبية، وذلك ما كان يسمى صلاة في لسانهم - وبعض الخيرات البديهية التي يهتدي إليها العقل في معاملات الخلق.
وكان من أهل الكتاب من وصفهم الله تعالى بمثل قوله ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ وبقوله ﴿ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ فأمثال هؤلاء من الفريقين هم المراد بالمتقين.
ولا حاجة إلى تخصيص ما جاء في وصفهم بالمؤمنين منهم بعد الإسلام أو بالمسلمين، بل أولئك هم الذين كان في قلوبهم اشمئزاز مما عليه أقوامهم، وفي نفوسهم شيء من التشوف إلى هداية يهتدون بها، ويشعرون باستعدادهم لها، إذا جاءهم شيء من عند الله تعالى.
فالمتقون في هذه الآية إذن هم الذين سلمت فطرتهم فأصابت عقولهم ضربًا من الرشاد ووجد في أنفسهم شيء من الاستعداد لتلقي نور الحق يحملهم على توقي سخط الله تعالى والسعي في مرضاته، بحسب ما وصل إليه علمهم، وأداهم إليه نظرهم واجتهادهم.
<div class="verse-tafsir"