تفسير سورة البقرة الآيات ١٠١-١٠٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٠١-١٠٣

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١ وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ١٠٢ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ١٠٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 21 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ  ﴾ تقدم معناه في تفسير الآية ٤١ والآية ٨٩ وقوله ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ بيان لحال جديدة من أحوال أهل الكتاب يصح أن تكون علة لجميع ما صدر عنهم من الشناعات في معاداة النبي  ومجاحدته، وهي أن فريقًا منهم قد نبذوا كتاب الله الذي يفاخرون به ويحتجون بأنهم اكتفوا بالهداية به، وأنه لا حاجة لهم بسواه.

نبذوه أن جاءهم رسول مصدق له بحاله وصفاته، لأن البشارات التي فيه بالنبي الذي يجئ من آل إسماعيل لا تنطبق إلا على هذا الرسول، ومصدق له بمقاله باعترافه بنبوة موسى  وصدقه فيما جاء به من الهدى والشريعة، وتوبيخه اليهود على تحريف بعضها ونسيان بعض وترك العمل بما بقي لهم منها.

وليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله، وإنما المراد أنهم طرحوا جزءًا منه وهو ما يبشر بالنبي  ويبين صفاته ويأمرهم بالإيمان به واتباعه، أي فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره بمن يلقي الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكره.

وترك الجزء منه كتركه كله لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ويجرئ على ترك الباقي ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا  ﴾ ..

ولا فرق في هذا الحكم بين اليهود والنصارى فكل منها مبشَّر بالنبي  في كتابه، وكل منها قد نبذ الكتاب فلم يعمل به.

ولم يضر النبي  هذا الجحود من الفريق الجاحد لأن دعوته قد قبلها الآخرون واهتدى بها من لا يحصى من الأمتين ومن سائر الأمم، وإنما يضر الجاحدين لأنهم تركوا كتابهم الذي يزعمون أنه المنجي والمخلص لهم وحرموا من هداية خاتم النبيين، التي هي أكمل هداية أنعم الله بها على العالمين.

قال تعالى بعدما ذكر نبذهم الكتاب ﴿ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي نبذوه نبذ من لا يعلم أنه كتاب الله، يريد أنهم بالغوا في تركه وإهماله، ومن ترك شيئًا من أمر الله وهو يعلم أنه أمره ولكن طاف به طائف من الشيطان فغلب على أمره فإنه لا يلبث أن يعود، ولكن هذا الفريق النابذ لكتاب الله تعالى من حيث هو مبشِّر بالنبي وآمر باتباعه يتمادى بهم الزمان ولا يتوبون ولا يرجعون، وما أحسن التعبير عن ذلك بنفي الحال والاستقبال دون نفي الماضي.

ثم ذكر تعالى أن أولئك الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم مجاحدة للنبي  وحسدًا له قد تبدلوا الكفر بالإيمان واشتروا الضلالة بالهدى ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ  ﴾ من الإنس في قصصها وأساطيرها، أو من الجن في وسوستها أو منهما جميعًا، على حد قوله تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ  ﴾ أي ما كانت تتلو على عهده وفي أيام ملكه إذ زعموا أن ملكه قام على أساس السحر والطلسمات، وأنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام مرضاة لنسائه الوثنيات ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ  ﴾ وما سحر ﴿ وَلَكِنَّ  ﴾ أولئك ﴿ الشَّيَاطِينَ  ﴾ الذين يسندون إليه ما انتحلوه من السحر، وما تلبسوا به من الكفر، هم الذين ﴿ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ ليفتنوا به العامة ويضلونهم عن طلب الأشياء من أسبابها الظاهرة ومناهجها المشروعة.

بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح.

وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله ﴿ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ  ﴾ وكقوله ﴿ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ  ﴾ وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرًا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية.

ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء، ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئي.

جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن وأكثره في قصة موسى وفرعون وذكر هنا في الكلام عن اليهود.

وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفي، وقالوا سحره وسحَّره بمعنى خدعه وعلله، وقالوا عين ساحرة وعيون سواحر، وفي الحديث الصحيح "إن من البيان لسحرًا" والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة والرئة في الباطن فيا لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدي إليه غير أهله فهو باطن خفي، ومنه الخداع وهو أن يظهر لك شيئًا غير الواقع في نفس الأمر، فالواقع باطن خفي، وتأثير العيون في عشاق الحسان، والكلام البليغ في عشاق البيان، مما يخفى مسلكه ويدق سببه، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره.

وقد وصف الله السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس بكائن كائنًا فقال ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى  ﴾ والكلام في حبال السحرة وعصيهم وفي آية أخرى ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ  ﴾ وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم، والتاريخ يشهد بهذا، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم كما يؤخذ من قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ  ﴾ ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرًا لخفاء سببه، و لطف مأخذه، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة .

وقد قال المؤرخون إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى.

وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام مبهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي.

ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة، وسببه اعتقاد الواهم أن الشياطين يستجيبون لقارئه ويطيعون أمره، ومنهم من يعتقد أن فيه خاصية التأثير، وليس فيه خاصية وإنما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته.

وهذا هو السبب في اعتقاد الدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب.

وقد اختلف المتكلمون والمفسرون والفقهاء في حقيقة السحر وفي أحكامه وعده بعضهم من خوارق العادات، وفرقوا بينه وبين المعجزة، ولم يذكروا في فروقهم أن السحر يتلقى بالتعليم ويتكرر بالعمل فهو أمر عادي قطعًا بخلاف المعجزة.

وفي قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ وجهان: (أحدهما): أنه متصل بقوله ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا  ﴾ أي أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر.

(وثانيهما): وهو الأظهر، أنه متصل بالكلام عن اليهود، وأن الكلام في الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم.

وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورًا في زمن التنزيل، ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم.

أي إن فريقًا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.

وههنا يقول القائل بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟

فأجاب على طريق الاستئناف البياني ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ إلخ، ونفي الكفر عن سليمان وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض فعلم أيضًا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية أيضًا.

وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعليم السحر لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ويضرون بها الناس خداعًا وتمويهًا وتلبيسًا.

ثم قال ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ  ﴾ فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصة كانوا يتحدثون بها، كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو؟

أشعوذة وتخييل، أم خواص طبيعية، وتأثيرات نفسية؟

وهذا ضرب من الإعجاز في الإيجاز انفرد به القرآن.

يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات لأجل الاعتبار به فينظمه في أسلوب يمكن لكل أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده لذلك الشيء في تفصيله.

ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى وبأساليب لا يستطيع أن ينكرها من يدعي أن السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك مما ذكرناه، ولا يستطيع أن يردها من يدعي أنه من خوارق العادات.

والحكمة في ذلك أن الله  قد وكل معرفة هذه الحقائق الكونية إلى بحث الإنسان واشتغاله بالعلم لأنه من الأمور الكسبية، ولو بين مسائلها بالنص القاطع لجاءت مخالفة لعلم الناس واختبارهم في كل جيل لم يرتق العلم فيه إلى أعلى درجة، ولكانت تلك المخالفة من أسباب الشك أو التكذيب فإننا نرى من الناس من يطعن في كتب الوحي لتفسير بعض تلك الأمور المجملة بما يتراءى لهم وإن لم تكن نصًا ولا ظاهرًا فيه، ويزعمون أن كتاب الدين جاء مخالفًا للعلم وإن كان ذلك الذي يطلقون عليه اسم العلم ظنيًا أو فرضيًا.

في ﴿ الْمَلَكَيْنِ  ﴾ قراءتان: فتح اللام وكسرها فالأولى قراءة الجمهور والثانية قراءة ابن عباس والحسن وأبي الأسود والضحاك.

وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر ويؤيده ما قيل إن المراد بهما داود وسليمان عليهما السلام.

وقيل بل هما رجلان صاحبا وقار وسمت فشبها بالملائكة، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الإجلال فشبها بالملوك، وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة يقولون: هذا ملَك وليس بإنسان: كما يقولون فيمن كان سيدًا عزيزًا يظهر الغنى عن الناس من حيث يحتاجون إليه: هذا سلطان زمانه: جلت حكمة الله في خلقه فقد قَدَّ هؤلاء الآدميين من أديم واحد، كان الناس على عهد"هاروت"و"ماروت"-اللذين كان يتحدث بخبرهما ولا يحدد تاريخهما- على مثالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الأهلية من الجهة الروحانية إلا إلى أهل السمت والوقار اللابسين لباس أهل التقوى والصلاح، هذا ما نشاهدهم عليه في زماننا وهذا ما حكى الله تعالى عنهم في الزمن القديم، ولعل الله تعالى سماهم ملكين (بفتح اللام) حكاية لاعتقاد الناس فيهما، أو على سبيل المجاز كما قال بعض المفسرين.

قال تعالى في اليهود ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ  ﴾ والظاهر هو العطف أن ما أنزل عليهما هو غير السحر ضم إليه لأنه من جنسه في كون تعليمه سيئة مذمومة أو هو لتغاير الاعتبار أو النوع.

وليس معنى الإنزال عليهما أنه وحي من الله كوحيه للأنبياء فيشكل عده من الشر والباطل الذي يذم تعلمه، فإن كلمة أنزل تستعمل في مواضع لا صلة بينها وبين وحي الأنبياء قالوا: أنزلت حاجتي على كريم، وأنزل لي عن هذه الأبيات: ويقال: قد أنزل الصبر على قلب فلان: وقال تعالى ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ  ﴾ وقال ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ولعل التعبير عما أوتياه من العلم بالإنزال لأنه لم يكن يعرف له مأخذ غيرهما يراد أنهما ألهماه إلهامًا واهتديا إليه من غير أستاذ ولا معلم.

ويصح أن يسمى مثل هذا وحيًا لخفاء منبعه وليس الوحي وإلهام الخواطر خاصًا في عرف اللغة ولا عرف القرآن بالأنبياء ولا بما يكون موضوعه خيرًا أو حقًا فقد قال تعالى ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ  ﴾ وقال ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ  ﴾ وقال ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ وقال الشاعر: رأس الغواية في العقل السقيم فما فيه فأكثره وحي الشياطين وذكر ابن جرير الطبري وجهًا آخر في تفسير ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ  ﴾ ونقله كثير من المفسرين وهو أن ﴿ وَمَا  ﴾ نافية أي أن اليهود يعلمون الناس السحر ويرتقون بسنده إلى الملكين ببابل وما أنزل السحر على الملكين فكيف كانوا يعلمونه بني إسرائيل؟.

وقد ضعفوه بأن الثابت في الواقع أن بني إسرائيل كانوا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين.

ثم قال ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ  ﴾ أي أن ما عندنا هو أمر يبتلي به الله الناس ويختبرهم فلا تتعلم ما هو كفر.

فإن أصر علَّماه.

قال تعالى ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ  ﴾ صيغة المضارع في هذه الجملة وما قبلها لتصوير ما كان كأنه كائن فالكلام تصوير للقصة لا حكم بمضمونها أي أنهم كانوا يتعلمون منهم ما وضع لأجل التفريق بين الزوجين وهو نحو ما يسميه الدجاجلة الآن "كتاب البغضة".

وليس في العبارة ما يدل على أن ما يتعلمونه لهذا الغرض هو مؤثر فيه بطبعه أو بسبب خفي أو بخارقة لا تعقل لها علة ولا أنه غير مؤثر، وليس فيها بيان لما يتعلمونه هل هو كتابة تمائم، أو تلاوة رقي وعزائم، أو أساليب سعاية، أو دسائس تنفير ونكاية، أو تأثير نفساني، أو وسواس شيطاني، وأي شيء من ذلك ثبت علمًا كان تفصيلًا لما أجمله القرآن في الواقع.

ولا يجوز لنا أن نتحكم بتفصيل ما أجمله القرآن فنحمله على أحد ما ذكر أو على غيره.

ولو علم الله أن الخير لنا في بيان ذلك لبينه كما قلنا في مثله مرار.

لم يبين القرآن ذلك الإجمال ولا حقيقة ذلك العلم لأنه موكول إلى بحث البشر وارتقائهم في العلم كما تقدم، ولكنه لم يهمل ما يتعلق بالعقائد وبيان الحق فيها ولذلك قال بعد حكاية السحر عنهم ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي أنهم ليس لهم قوة غيبية وراء الأسباب التي ربط الله بها المسببات فهم يفعلون بها ما يوهمون الناس أنه فوق استعداد البشر، وفوق ما منحوا من القوى والقدر، فإذا اتفق أن أصيب أحد بضرر من أعمالهم فإنما ذلك بإذن الله أي بسبب من الأسباب التي جرت العادة بأن تحصل المسببات من ضـر ونفع عند حصولها بإذن الله تعالى.

وهذا الحكم التوحيدي هو المقصد الأول من مقاصد الدين، فالقرآن لا يترك بيانه عند الحاجة، بل عند كل مناسبة، وربما ترد في القرآن قصة مثل هذه القصة لأجل بيان الحق في مسألة اعتقادية كهذه المسألة لأن إيراد الأحكام في سياق الوقائع أوقع في النفس وأعصى على التأويل والتحريف.

ثم قال بعد نفي القوة التي وراء الأسباب عنهم ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ  ﴾ يضرهم لأنه سبب في الإضرار بالناس وهو محرم يعاقب الله تعالى عليه في الأخرة ومن عرف بإيذاء الناس يمقته الناس ويكونون عليه.

ولما كان بعض الضار من جهة نافعًا من جهة أخرى وربما كانت منفعته أكبر من إثمه نفى المنفعة بعد إثبات المضرة، فهذا النفي واجب في قانون البلاغة لا بد منه.

وقد صدق الله تعالى، فإننا نرى منتحلي السحر وما في معناه أفقر الناس وأحقرهم، ولو عقل السفهاء الذين يختلفون إليهم يلتمسون المنافع لأنفسهم والإيقاع بأعدائهم لعلموا أن الشقي في نفسه لا يمكن أن يهب السعادة لغيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

هذه حالهم في الدنيا فكيف يكونون في الآخرة يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟

لا جرم أنها تكون حالًا سوءى، واليهود يعلمون ذلك كما قال ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ  ﴾ أي أنهم يعلمون أن من اختار هذا واستبدله بما آتاه الله من أصول الدين الحق وأحكام الشريعة العادلة الموصلين إلى سعادة الدنيا والآخرة فليس له نصيب في نعيم الآخرة، وذلك أن التوراة قد حظرت تعليم السحر وجعلته كعبادة الأوثان وشددت العقوبة على فاعله وعلى أتباع الجن والشياطين والكهان، ولا ينافي هذا العلم قوله ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ فإن العلم علمان: علم تفصيلي متمكن من النفس متسلط على إرادتها يحركها إلى العمل، وعلم إجمالي خيالي يلوح في الذهن مبهمًا عندما يعرض ما يذكر به ككتاب وإلقاء سؤال، وهو يقبل التحريف والتأويل، وليس له منفذ إلى الإرادة ولا سبيل، فقد كانوا يستحلون أكل السحت كالرشوة والربا بالتأويل كما يفعل غيرهم اليوم وقبل اليوم.

ولو كانوا يعلمون حرمة ما ذكر علمًا تفصيليًا يستغرق جميع جزئيات المحرم ويفقهون علة التحريم وسره ويصدقون بما توعد الله مرتكبه من العقوبة في الآخرة تصديقًا جازمًا ويتذكرونه وقت العمل بما للعقيدة من السلطان على الإرادة لما ارتكبوا ما ارتكبوه مع الإصرار عليه، ولكنهم فقدوا هذا النوع من العلم ولم يغن عنهم تصور أن السحر والخداع كلاهما حرام كالربا والرشوة لأن في الكتاب عبارة تدل على ذلك فإن العبارة تحتمل ضروبًا من التأويل ككون النهي خاصًا بمعاملة شعب إسرائيل وكانوا يقولون ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ  ﴾ إذا أكلنا أموالهم بالباطل، و كاشتراط الضرر في السحر مع ادعاء أن ما يأتونه منه نافع غير ضار وغير ذلك.

وإننا نرى كثيرًا من الحرمات قد انتهكت في المسلمين بمثل تلك التأويلات حتى جوز بعض المشتغلين بالفقه هدم ركن من أعظم أركان الإسلام بالحيلة وهو ركن الزكاة الذي يحارب تاركوه شرعًا، ونرى هذه الحيل قد أثرت في الأمة أسوأ التأثير فقلما يوجد فيها غني يؤدي الزكاة.

ولا يعتقد المتمسك بالدين من هؤلاء الأغنياء أنه متعرض لمقت الله وعقوبته، وأنه قد فسق عن أمر ربه، لأنه يمنع الزكاة بحيلة يسميها شرعية، وقد أخذها عمن يسمون فقهاء، ويفتخرون بأنهم ورثة الأنبياء، ثم إن الحيل على التزوير وأكل أموال الناس بالباطل لها في بعض الكتب وعلى ألسنة كثيرين من أصحاب العمائم مجال واسع و ميدان فسيح ، ولها أقبح التأثير في إفساد العامة واستباحتهم المحظورات ولقد صارت هذه الحيل على الله  والتأويلات الباطلة الهادمة لدينه معدودة من علم الدين حتى أنه ليأتيها من لا منفعة له في إتيانها ممن يعدون صالحين، ومن أعجب ذلك أن بعض أهل العلم الصالحين يشهد الزور بمثل هذه التأويلات وقد نقل الثقات أن طالب الشهادة يستعطفه ويستميل قلبه بالشكوى من الظلم وإرادة الاستعانة بشهادته على دفع المظلمة والتخلص من الأذى فيأمر الشيخ بأن تطوى الورقة المشتملة على قول الزور بحيث يحجب سواد الكتابة فلا يراه ويضع توقيعه وختمه في ذيلها كأنه وضعهما على ورقة خالية، وهو يعلم أنها ليست خالية من الكتابة، ويعرف ما فيها من الكذب.

فهل نقول إنه غير عالم بقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ  ﴾ وقوله ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ وبما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي  قال وكان متكئًا: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟

الإشراك بالله وعقوق الوالدين - ثم قعد فقال- ألا وقول الزور وشهادة الزور" فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

وبما روياه من حديث أبي هريرة مرفوعًا أيضًا" آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وفي رواية لغيرهما" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم" وذكرهن - بل إنه عالم بكل ذلك ولكنه التأويل أفسد على كل اهل دين دينهم.

ولقد صار العالم المسلم عاجزًا في أكثر بلاد المسلمين عن إنكار ما يخالف هدى الكتاب والسنة من كتب الميتين، لا سيما إذا اشتهروا باختبار كتبهم للتدريس.

وحجة هؤلاء المقلدين على نصر كتب الميتين وترجيحها على كتاب الله وسنة رسوله هي أن القادرين على الاهتداء بهما قد انقرضوا فوجب على المسلمين ترك العمل بهما والاعتماد على كتب العلماء المتأخرين الذين استنبطوا من قواعد أئمتهم جميع مسائل الدين، فعلينا أن نأخذ بكل ما قالوا، وأن لا ننظر في الكتاب والسنة إلا للتبرك بهما، فإن رأينا خلافًا بين قول الله ورسوله وقول الفقيه لا يحتمل التأويل فعلينا أن نتهم عقولنا وأفهامنا وننزه فهم الفقيه الميت وعقله ونعمل بقوله مكابرين أنفسنا التي سجل عليها الحرمان من فهم الكتاب المبين والسنة البيضاء التي وصفها صاحبها بأن ليلها كنهارها أي لا يشتبه فيها أحد!!!

هذا ما عليه جماهير المسلمين، ولم يبعد من قبلهم عن كتاب ربهم أشد من هذا البعد، وسيعودون إليه بعد حين، فقد أخذهم العذاب على تركه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ  ﴾ أي لو أنهم استبدلوا الإيمان بما جاء به النبي  بهذا السحر الخادع واتباع نزعات الشياطين أو لو آمنوا بكتابهم إيمانا حقيقيًا ومنه البشارة بالنبي والأمر باتباعه واتقوا بالعمل به والمحافظة على حدوده مغبة ما ينتظره المجرمون من العقوبة على العصيان، لكان ثواب الله لهم على الإيمان الصحيح والعمل الصالح خيرًا لهم من جميع ما توهموه في المخالفة من المنافع، ثم قال ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي أنهم في كل ما هم عليه من الأباطيل، ومن زعمهم أنها ترجع إلى الكتاب بضروب من التأويل، يتبعون الظنون ويعتمدون على التقليد، وليسوا على شيء من العالم الصحيح، ولو كانوا يعلمون علمًا صحيحًا لظهر أثره في أعمالهم ولآمنوا بالنبي  واتبعوه فكانوا من المفلحين.

ومن مباحث اللفظ في الآيات أن ﴿ بَابِلَ  ﴾ بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة -قبل الكوفة- في أشهر أقوال المفسرين، ويؤخذ من بعض كتب التاريخ أنها كانت في الجانب الشرقي من نهر الفرات بعيدة عنه، ويقال إن أصل اشتقاقها في العبرانية يدل على الخلط إشارة إلى ما يرويه العبرانيون من اختلاط الألسنة هناك.

و ﴿ هَارُوتَ  ﴾ و ﴿ مَارُوتَ  ﴾ اسمان أعجميان ولو كانا مشتقين من الهرت والمرت كما زعم بعضهم لا منعا من الصرف.

و ﴿ مِنْ  ﴾ في قوله تعالى ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ  ﴾ لاستغراق النفي وتأكيده، وهي ليست بزائدة، وإنما الزائد ما يذكر للتحلية ولا يكون له معنى ما وفاقًا لكثير من المفسرين.

والمثوبة الثواب و ﴿ لَمَثُوبَةٌ  ﴾ خبر (لو) أي لكانت مثوبة من الله خيرًا.

وقد قدروا لها فعلًا فقالوا: الأصل لأثيبوا مثوبة فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة ونكرت لبيان أنها مهما قلت فهي خير لهم وأصلها الثوب بمعنى الرجوع كأن المحسن يثوب إلى من أحسن إليه بعد الإعراض.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله