الآية ١٠٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠٢ من سورة البقرة

وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌۭ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍۢ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ١٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 436 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات ، فلما رجع الله إلى سليمان ملكه ، وقام الناس على الدين كما كان أوان سليمان ، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه ، وتوفي سليمان ، عليه السلام ، حدثان ذلك ، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان ، وقالوا : هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا فأخذوا به فجعلوه دينا .

فأنزل الله : ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) واتبعوا الشهوات ، [ أي ] : التي كانت [ تتلو الشياطين ] وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان آصف كاتب سليمان ، وكان يعلم الاسم " الأعظم " ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان أخرجه الشياطين ، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا ، وقالوا : هذا الذي كان سليمان يعمل بها .

قال : فأكفره جهال الناس وسبوه ، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه ، حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) .

وقال ابن جرير : حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان سليمان ، عليه السلام ، إذا أراد أن يدخل الخلاء ، أو يأتي شيئا من نسائه ، أعطى الجرادة وهي امرأة خاتمه .

فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ، عليه السلام ، بالذي ابتلاه به ، أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه ، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي .

فأخذه فلبسه .

فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس .

قال : فجاءها سليمان ، فقال : هاتي خاتمي فقالت : كذبت ، لست سليمان .

قال : فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به .

قال : فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر .

ثم دفنوها تحت كرسي سليمان ، ثم أخرجوها وقرؤوها على الناس ، وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب .

قال : فبرئ الناس من سليمان ، عليه السلام ، وأكفروه حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمران ، وهو ابن الحارث قال : بينا نحن عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ جاء رجل فقال له : من أين جئت ؟

قال : من العراق .

قال : من أيه ؟

قال : من الكوفة .

قال : فما الخبر ؟

قال : تركتهم يتحدثون أن عليا خارج إليهم .

ففزع ثم قال : ما تقول ؟

لا أبا لك !

لو شعرنا ما نكحنا نساءه ، ولا قسمنا ميراثه ، أما إني سأحدثكم عن ذلك : إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء ، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها ، فإذا جرب منه صدق كذب معها سبعين كذبة ، قال : فتشربها قلوب الناس .

فأطلع الله عليها سليمان .

عليه السلام ، فدفنها تحت كرسيه .

فلما توفي سليمان ، عليه السلام ، قام شيطان الطريق ، فقال : أفلا أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله ؟

تحت الكرسي .

فأخرجوه ، فقالوا هذا سحره ، فتناسخها الأمم حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق وأنزل الله عز وجل ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) ورواه الحاكم في مستدركه ، عن أبي زكريا العنبري ، عن محمد بن عبد السلام ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن جرير ، به .

وقال السدي في قوله تعالى : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) أي : على عهد سليمان .

قال : كانت الشياطين تصعد إلى السماء ، فتقعد منها مقاعد للسمع ، فيستمعون من كلام الملائكة مما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر ، فيأتون الكهنة فيخبرونهم .

فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا .

حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم .

وأدخلوا فيه غيره ، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة ، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب ، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب .

فبعث سليمان في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق .

ثم دفنها تحت كرسيه .

ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق .

وقال : لا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه .

فلما مات سليمان ، عليه السلام ، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ، وخلف من بعد ذلك خلف تمثل شيطان في صورة إنسان ، ثم أتى نفرا من بني إسرائيل ، فقال لهم : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا ؟

قالوا : نعم .

قال : فاحفروا تحت الكرسي .

وذهب معهم وأراهم المكان ، وقام ناحية ، فقالوا له : فادن .

قال لا ولكنني هاهنا في أيديكم ، فإن لم تجدوه فاقتلوني .

فحفروا فوجدوا تلك الكتب .

فلما أخرجوها قال الشيطان : إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر .

ثم طار وذهب .

وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا .

واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها ; فذلك حين يقول الله تعالى : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) وقال الربيع بن أنس : إن اليهود سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا عن أمور من التوراة ، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله تعالى عليه ما سألوه عنه ، فيخصمهم ، فلما رأوا ذلك قالوا : هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا .

وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به ، فأنزل الله عز وجل : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك ، فدفنوه تحت مجلس سليمان ، وكان [ سليمان ] عليه السلام ، لا يعلم الغيب .

فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا الناس ، وقالوا : هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه .

فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث فرجعوا من عنده وقد حزنوا ، وأدحض الله حجتهم .

وقال مجاهد في قوله : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) قال : كانت الشياطين تستمع الوحي فما سمعوا من كلمة [ إلا ] زادوا فيها مائتين مثلها .

فأرسل سليمان ، عليه السلام ، إلى ما كتبوا من ذلك .

فلما توفي سليمان وجدته الشياطين فعلمته الناس [ به ] وهو السحر .

وقال سعيد بن جبير : كان سليمان ، عليه السلام ، يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم ، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته ، فلم يقدر الشياطين أن يصلوا إليه ، فدبت إلى الإنس ، فقالوا لهم : أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟

قالوا : نعم .

قالوا : فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه .

فاستثار به الإنس واستخرجوه فعملوا بها .

فقال أهل الحجا : كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر .

فأنزل الله تعالى على [ لسان ] نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان عليه السلام ، فقال : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) وقال محمد بن إسحاق بن يسار عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ، عليه السلام فكتبوا أصناف السحر : " من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليقل كذا وكذا " .

حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب .

ثم ختموا بخاتم على نقش خاتم سليمان ، وكتبوا في عنوانه : " هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود ، عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم " .

ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا .

فلما عثروا عليه قالوا : والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا .

فأفشوا السحر في الناس [ وتعلموه وعلموه ] .

وليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله .

فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله ، سليمان بن داود ، وعده فيمن عده من المرسلين ، قال من كان بالمدينة من يهود : ألا تعجبون من محمد !

يزعم أن ابن داود كان نبيا ، والله ما كان إلا ساحرا .

وأنزل الله [ في ] ذلك من قولهم : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) الآية .

وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا حسين ، حدثنا الحجاج عن أبي بكر ، عن شهر بن حوشب ، قال : لما سلب سليمان ، عليه السلام ، ملكه ، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان .

فكتبت : " من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس ، وليقل كذا وكذا ، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا .

فكتبته وجعلت عنوانه : هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان [ بن داود ] من ذخائر كنوز العلم " .

ثم دفنته تحت كرسيه .

فلما مات سليمان ، عليه السلام ، قام إبليس ، لعنه الله ، خطيبا ، [ ثم ] قال : يا أيها الناس ، إن سليمان لم يكن نبيا ، إنما كان ساحرا ، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته .

ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه .

فقالوا : والله لقد كان سليمان ساحرا !

هذا سحره ، بهذا تعبدنا ، وبهذا قهرنا .

وقال المؤمنون : بل كان نبيا مؤمنا .

فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان .

فقالت اليهود [ لعنهم الله ] انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل .

يذكر سليمان مع الأنبياء .

إنما كان ساحرا يركب الريح ، فأنزل الله تعالى : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) الآية .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عمران بن حدير ، عن أبي مجلز ، قال : أخذ سليمان ، عليه السلام ، من كل دابة عهدا ، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد ، خلى عنه .

فزاد الناس السجع والسحر ، وقالوا : هذا يعمل به سليمان .

فقال الله تعالى : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عصام بن رواد ، حدثنا آدم ، حدثنا المسعودي ، عن زياد مولى ابن مصعب ، عن الحسن : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين ) قال : ثلث الشعر ، وثلث السحر ، وثلث الكهانة .

وقال : حدثنا الحسن بن أحمد ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي ، حدثني سرور بن المغيرة ، عن عباد بن منصور ، عن الحسن : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) واتبعته اليهود على ملكه .

وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها ، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان .

فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام ، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها ، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفهم ، والله الهادي .

وقوله تعالى : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) أي : واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين ، أي : ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك سليمان .

وعداه ب على ; لأنه تضمن تتلو : تكذب .

وقال ابن جرير : " على " هاهنا بمعنى " في " ، أي : تتلو في ملك سليمان .

ونقله عن ابن جريج ، وابن إسحاق .

قلت : والتضمن أحسن وأولى ، والله أعلم .

وقول الحسن البصري ، رحمه الله : " قد كان السحر قبل زمان سليمان بن داود " صحيح لا شك فيه ; لأن السحرة كانوا في زمان موسى ، عليه السلام ، وسليمان بن داود بعده ، كما قال تعالى : ( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ) الآية [ البقرة : 246 ] ، ثم ذكر القصة بعدها ، وفيها : ( وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة ) [ البقرة : 251 ] .

وقال قوم صالح وهم قبل إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، لنبيهم صالح : ( إنما أنت من المسحرين ) [ الشعراء : 153 ] أي : [ من ] المسحورين على المشهور .

وقوله تعالى : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) اختلف الناس في هذا المقام ، فذهب بعضهم إلى أن " ما " نافية ، أعني التي في قوله : ( وما أنزل على الملكين ) قال القرطبي : " ما " نافية ومعطوفة على قوله : ( وما كفر سليمان ) ثم قال : ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل ) أي : السحر ( على الملكين ) وذلك أن اليهود لعنهم الله كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل فأكذبهم الله في ذلك وجعل قوله : ( هاروت وماروت ) بدلا من : ( الشياطين ) قال : وصح ذلك ، إما لأن الجمع قد يطلق على الاثنين كما في قوله : ( فإن كان له إخوة ) [ النساء : 11 ] أو يكون لهما أتباع ، أو ذكرا من بينهم لتمردهما ، فتقدير الكلام عنده : تعلمون الناس السحر ببابل ، هاروت وماروت .

ثم قال : وهذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ولا يلتفت إلى ما سواه .

وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) يقول : لم ينزل الله السحر .

وبإسناده ، عن الربيع بن أنس ، في قوله : ( وما أنزل على الملكين ) قال : ما أنزل الله عليهما السحر .

قال ابن جرير : فتأويل الآية على هذا : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر ، وما كفر سليمان ، ولا أنزل الله السحر على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل ، هاروت وماروت .

فيكون قوله : ( ببابل هاروت [ وماروت ] ) من المؤخر الذي معناه المقدم .

قال : فإن قال لنا قائل : وكيف وجه تقديم ذلك ؟

قيل : وجه تقديمه أن يقال : ( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ) " من السحر " ( وما كفر سليمان ) وما أنزل الله " السحر " على الملكين ، ( ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) ببابل وهاروت وماروت فيكون معنيا بالملكين : جبريل وميكائيل ، عليهما السلام ; لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبهم الله بذلك ، وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر ، وبرأ سليمان ، عليه السلام ، مما نحلوه من السحر ، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين ، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل ، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان ، اسم أحدهما هاروت ، واسم الآخر ماروت ، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس ، وردا عليهم .

هذا لفظه بحروفه .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثت عن عبيد الله بن موسى ، أخبرنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ( وما أنزل على الملكين ) قال : ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر .

حدثنا الفضل بن شاذان ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا يعلى يعني ابن أسد حدثنا بكر يعني ابن مصعب حدثنا الحسن بن أبي جعفر : أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها : " وما أنزل على الملكين داود وسليمان " .

وقال أبو العالية : لم ينزل عليهما السحر ، يقول : علما الإيمان والكفر ، فالسحر من الكفر ، فهما ينهيان عنه أشد النهي .

رواه ابن أبي حاتم .

ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول ، وأن " ما " بمعنى الذي ، وأطال القول في ذلك ، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض ، وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا ، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل ، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك ; لأنهما امتثلا ما أمرا به .

وهذا الذي سلكه غريب جدا !

وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [ كما زعمه ابن حزم ] !

وروى ابن أبي حاتم بإسناده .

عن الضحاك بن مزاحم : أنه كان يقرؤها : ( وما أنزل على الملكين ) ويقول : هما علجان من أهل بابل .

ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق ، لا بمعنى الإيحاء ، في قوله : ( وما أنزل على الملكين ) كما قال تعالى : ( وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ) [ الزمر : 6 ] ، ( وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ) [ الحديد : 25 ] ، ( وينزل لكم من السماء رزقا ) [ غافر : 13 ] .

وفي الحديث : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء " .

وكما يقال : أنزل الله الخير والشر .

[ وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن البصري : أنهم قرءوا : " وما أنزل على الملكين " بكسر اللام .

قال ابن أبزى : وهما داود وسليمان .

قال القرطبي : فعلى هذا تكون " ما " نافية أيضا ] .

وذهب آخرون إلى الوقف على قوله : ( يعلمون الناس السحر ) [ و " ما " نافية ] قال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، وسأله رجل عن قول الله تعالى : ( يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) قال الرجل : يعلمان الناس السحر ، ما أنزل عليهما أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما ؟

فقال القاسم : ما أبالي أيتهما كانت .

ثم روي عن يونس ، عن أنس بن عياض ، عن بعض أصحابه : أن القاسم قال في هذه القصة : لا أبالي أي ذلك كان ، إني آمنت به .

وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء ، وأنهما أنزلا إلى الأرض ، فكان من أمرهما ما كان .

وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده كما سنورده إن شاء الله تعالى .

وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا ، فيكون تخصيصا لهما ، فلا تعارض حينئذ ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق ، وفي قول : إنه كان من الملائكة ، لقوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى ) [ طه : 116 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك .

مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله .

[ وقد حكاه القرطبي عن علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وكعب الأحبار ، والسدي ، والكلبي ] .

ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه : قال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا يحيى بن [ أبي ] بكير ، حدثنا زهير بن محمد ، عن موسى بن جبير ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة : أي رب ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) [ البقرة : 30 ] ، قالوا : ربنا ، نحن أطوع لك من بني آدم .

قال الله تعالى للملائكة : هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض ، فننظر كيف يعملان ؟

قالوا : بربنا ، هاروت وماروت .

فأهبطا إلى الأرض ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر ، فجاءتهما ، فسألاها نفسها .

فقالت : لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك .

فقالا : والله لا نشرك بالله شيئا أبدا .

فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله ، فسألاها نفسها .

فقالت : لا والله حتى تقتلا هذا الصبي .

فقالا لا والله لا نقتله أبدا .

ثم ذهبت فرجعت بقدح خمر تحمله ، فسألاها نفسها .

فقالت : لا والله حتى تشربا هذا الخمر .

فشربا فسكرا ، فوقعا عليها ، وقتلا الصبي .

فلما أفاقا قالت المرأة : والله ما تركتما شيئا أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما .

فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا " .

وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، عن الحسن عن سفيان ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يحيى بن بكير ، به .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه ، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين ، إلا موسى بن جبير هذا ، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء ، روى عن ابن عباس وأبي أمامة بن سهل بن حنيف ، ونافع ، وعبد الله بن كعب بن مالك .

وروى عنه ابنه عبد السلام ، وبكر بن مضر ، وزهير بن محمد ، وسعيد بن سلمة ، وعبد الله بن لهيعة ، وعمرو بن الحارث ، ويحيى بن أيوب .

وروى له أبو داود ، وابن ماجه ، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل ، ولم يحك فيه شيئا من هذا ولا هذا ، فهو مستور الحال وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر ، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وروي له متابع من وجه آخر عن نافع ، كما قال ابن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد ، حدثنا هشام [ بن علي بن هشام ] حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا سعيد بن سلمة ، حدثنا موسى بن سرجس ، عن نافع ، عن ابن عمر : سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول .

فذكره بطوله .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين وهو سنيد بن داود صاحب التفسير حدثنا الفرج بن فضالة ، عن معاوية بن صالح ، عن نافع ، قال : سافرت مع ابن عمر ، فلما كان من آخر الليل قال : يا نافع ، انظر ، طلعت الحمراء ؟

قلت : لا مرتين أو ثلاثا ثم قلت : قد طلعت .

قال : لا مرحبا بها ولا أهلا ؟

قلت : سبحان الله !

نجم مسخر سامع مطيع .

قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الملائكة قالت : يا رب ، كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟

قال : إني ابتليتهم وعافيتكم .

قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك .

قال : فاختاروا ملكين منكم .

قال : فلم يألوا جهدا أن يختاروا ، فاختاروا هاروت وماروت " .

وهذان أيضا غريبان جدا .

وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر ، عن كعب الأحبار ، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره ، عن الثوري ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن كعب ، قال ذكرت الملائكة أعمال بني آدم ، وما يأتون من الذنوب ، فقيل لهم : اختاروا منكم اثنين ، فاختاروا هاروت وماروت .

فقال لهما : إني أرسل إلى بني آدم رسلا وليس بيني وبينكم رسول ، انزلا لا تشركا بي شيئا ولا تزنيا ولا تشربا الخمر .

قال كعب : فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه .

ورواه ابن جرير من طريقين ، عن عبد الرزاق ، به .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن عصام ، عن مؤمل ، عن سفيان الثوري ، به .

ورواه ابن جرير أيضا : حدثني المثنى ، حدثنا المعلى وهو ابن أسد حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن موسى بن عقبة ، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث ، عن كعب الأحبار ، فذكره .

فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين ، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع .

فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار ، عن كتب بني إسرائيل ، والله أعلم .

ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين : قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا الحجاج حدثنا حماد ، عن خالد الحذاء ، عن عمير بن سعيد ، قال : سمعت عليا ، رضي الله عنه ، يقول : كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس ، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت ، فراوداها عن نفسها ، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم [ المتكلم ] به يعرج به إلى السماء .

فعلماها فتكلمت به فعرجت إلى السماء .

فمسخت كوكبا !

وهذا الإسناد [ جيد و ] رجاله ثقات ، وهو غريب جدا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الفضل بن شاذان ، حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا أبو معاوية ، عن [ ابن أبي ] خالد ، عن عمير بن سعيد ، عن علي قال : هما ملكان من ملائكة السماء .

يعني : ( وما أنزل على الملكين ) .

ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده ، عن مغيث ، عن مولاه جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي مرفوعا .

وهذا لا يثبت من هذا الوجه .

ثم رواه من طريقين آخرين ، عن جابر ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله الزهرة ، فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت " .

وهذا أيضا لا يصح وهو منكر جدا .

والله أعلم .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى بن إبراهيم ، حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا حماد ، عن علي بن زيد ، عن أبي عثمان النهدي ، عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا جميعا : لما كثر بنو آدم وعصوا ، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال ربنا لا تهلكهم ، فأوحى الله إلى الملائكة : إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ، ولو نزلتم لفعلتم أيضا .

قال : فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا ، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم .

فاختاروا هاروت وماروت .

فأهبطا إلى الأرض ، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت .

قال : فوقعا بالخطية .

فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) [ غافر : 7 ] فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم .

فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا .

وقال : ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي ، أخبرنا عبيد الله يعني ابن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة ، عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب ، عن مجاهد ، قال : كنت نازلا على عبد الله بن عمر في سفر ، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه : انظر ، هل طلعت الحمراء ، لا مرحبا بها ولا أهلا ولا حياها الله هي صاحبة الملكين .

قالت الملائكة : يا رب ، كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام وينتهكون محارمك ويفسدون في الأرض !

قال : إني ابتليتهم ، فعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون .

قالوا : لا .

قال : فاختاروا من خياركم اثنين .

فاختاروا هاروت وماروت .

فقال لهما : إني مهبطكما إلى الأرض ، وعاهد إليكما ألا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا .

فأهبطا إلى الأرض وألقي عليهما الشبق ، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة ، فتعرضت لهما ، فراوداها عن نفسها .

فقالت : إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله .

قالا وما دينك ؟

قالت : المجوسية .

قالا : الشرك !

هذا شيء لا نقر به .

فمكثت عنهما ما شاء الله .

ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها .

فقالت : ما شئتما ، غير أن لي زوجا ، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح ، فإن أقررتما لي بديني ، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت .

فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان ، ثم صعدا بها إلى السماء .

فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما ، وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان ، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين ، فإذا كان يوم الجمعة أجيب .

فقالا : لو أتينا فلانا فسألناه فطلب لنا التوبة فأتياه ، فقال : رحمكما الله ، كيف يطلب التوبة أهل الأرض لأهل السماء !

قالا : إنا قد ابتلينا .

قال : ائتياني يوم الجمعة .

فأتياه ، فقال : ما أجبت فيكما بشيء ، ائتياني في الجمعة الثانية .

فأتياه ، فقال : اختارا ، فقد خيرتما ، إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة ، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله .

فقال أحدهما : إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل .

وقال الآخر : ويحك ؟

إني قد أطعتك في الأمر الأول فأطعني الآن ، إن عذابا يفنى ليس كعذاب يبقى .

وإننا يوم القيامة على حكم الله ، فأخاف أن يعذبنا .

قال : لا إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما علينا .

قال : فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار ، عاليهما سافلهما .

وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر .

وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح ، عن نافع ، عنه رفعه .

وهذا أثبت وأصح إسنادا .

ثم هو والله أعلم من رواية ابن عمر عن كعب ، كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه .

وقوله : إن الزهرة نزلت في صورة امرأة حسناء ، وكذا في المروي عن علي ، فيه غرابة جدا .

وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم : حدثنا عصام بن رواد ، حدثنا آدم ، حدثنا أبو جعفر ، حدثنا الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما قال : لما وقع الناس من بعد آدم ، عليه السلام ، فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله ، قالت الملائكة في السماء : يا رب ، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك ، قد وقعوا فيما وقعوا فيه وركبوا الكفر وقتل النفس وأكل المال الحرام ، والزنا والسرقة وشرب الخمر .

فجعلوا يدعون عليهم ، ولا يعذرونهم ، فقيل : إنهم في غيب .

فلم يعذروهم .

فقيل لهم : اختاروا منكم من أفضلكم ملكين ، آمرهما وأنهاهما .

فاختاروا هاروت وماروت .

فأهبطا إلى الأرض ، وجعل لهما شهوات بني آدم ، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئا ، ونهيا عن قتل النفس الحرام وأكل المال الحرام ، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر .

فلبثا في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس عليه السلام .

وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب ، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول وأراداها على نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها ، فسألاها عن دينها ، فأخرجت لهما صنما فقالت : هذا أعبده .

فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا .

فذهبا فغبرا ما شاء الله .

ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها ، ففعلت مثل ذلك .

فذهبا ، ثم أتيا عليها فراوداها على نفسها ، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما : اختارا إحدى الخلال الثلاث : إما أن تعبدا هذا الصنم ، وإما أن تقتلا هذه النفس ، وإما أن تشربا هذا الخمر .

فقالا : كل هذا لا ينبغي ، وأهون هذا شرب الخمر .

فشربا الخمر فأخذت فيهما فواقعا المرأة ، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء ، فلم يستطيعا ، وحيل بينهما وبين ذلك ، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء ، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه ، فعجبوا كل العجب ، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية ، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض ، فنزل في ذلك : ( والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ) [ الشورى : 5 ] فقيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فقالا : أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب ، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له .

فاختارا عذاب الدنيا ، فجعلا ببابل ، فهما يعذبان .

وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن أبي زكريا العنبري ، عن محمد بن عبد السلام ، عن إسحاق ابن راهويه ، عن حكام بن سلم الرازي ، وكان ثقة ، عن أبي جعفر الرازي ، به .

ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مسلم ، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني حدثنا يزيد يعني الفارسي عن ابن عباس [ قال ] أن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي فقالوا : يا رب أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي !

فقال الله : أنتم معي ، وهم غيب عني .

فقيل لهم : اختاروا منكم ثلاثة ، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض ، على أن يحكموا بين أهل الأرض ، وجعل فيهم شهوة الآدميين ، فأمروا ألا يشربوا خمرا ولا يقتلوا نفسا ، ولا يزنوا ، ولا يسجدوا لوثن .

فاستقال منهم واحد ، فأقيل .

فأهبط اثنان إلى الأرض ، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها : مناهية .

فهوياها جميعا ، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها ، فأراداها فقالت لهما : لا حتى تشربا خمري ، وتقتلا ابن جاري ، وتسجدا لوثني .

فقالا لا نسجد .

ثم شربا من الخمر ، ثم قتلا ثم سجدا .

فأشرف أهل السماء عليهما .

فقالت لهما : أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما .

فأخبراها فطارت فمسخت جمرة .

وهي هذه الزهرة .

وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

فاختارا عذاب الدنيا .

فهما مناطان بين السماء والأرض .

وهذا السياق فيه زيادات كثيرة وإغراب ونكارة ، والله أعلم بالصواب .

وقال عبد الرزاق : قال معمر : قال قتادة والزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله : ( وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ) كانا ملكين من الملائكة ، فأهبطا ليحكما بين الناس .

وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم ، فحاكمت إليهما امرأة ، فحافا لها .

ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك ، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا .

وقال معمر : قال قتادة : فكانا يعلمان الناس السحر ، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) .

وقال أسباط عن السدي أنه قال : كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم ، فقيل لهما : إني أعطيت بني آدم عشرا من الشهوات ، فبها يعصونني .

قال هاروت وماروت : ربنا ، لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل .

فقال لهما : انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر ، فاحكما بين الناس .

فنزلا ببابل دنباوند ، فكانا يحكمان ، حتى إذا أمسيا عرجا ، فإذا أصبحا هبطا ، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها ، فأعجبهما حسنها واسمها بالعربية " الزهرة " ، وبالنبطية " بيذخت " وبالفارسية " أناهيد " فقال أحدهما لصاحبه : إنها لتعجبني .

قال الآخر : قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك .

فقال الآخر : هل لك أن أذكرها لنفسها ؟

قال : نعم ، ولكن كيف لنا بعذاب الله ؟

قال الآخر : إنا لنرجو رحمة الله .

فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها ، فقالت : لا حتى تقضيا لي على زوجي .

فقضيا لها على زوجها ، ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها ، فأتياها لذلك .

فلما أراد الذي يواقعها قالت : ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء ، وبأي كلام تنزلان منها ؟

فأخبراها ، فتكلمت فصعدت ، فأنساها الله ما تنزل به ، فبقيت مكانها ، وجعلها الله كوكبا .

فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها ، فقال : هذه التي فتنت هاروت وماروت ، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا ، فعرفا الهلكة ، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فعلقا ببابل ، وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر .

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : أما شأن هاروت وماروت ، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم ، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات ، فقال لهم ربهم تعالى : اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم فاختاروا فلم يألوا [ إلا ] هاروت وماروت ، فقال لهما حين أنزلهما : أعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومن معصيتهم ، وإنما تأتيهم الرسل والكتب [ والبينات ] من وراء وراء ، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول ، فافعلا كذا وكذا ، ودعا كذا وكذا ، فأمرهما بأمر ونهاهما ، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما ، فحكما فعدلا .

فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم ، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة ، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان ، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم ، فقضيا عليها .

فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه ، فقال أحدهما لصاحبه : وجدت مثل الذي وجدت ؟

قال : نعم .

فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك .

فلما رجعت قالا وقضيا لها ، فأتتهما فتكشفا لها عن عورتيهما ، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما ، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها .

فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا ، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت .

فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما ، ولم تحملهما أجنحتهما .

فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه ، فقالا ادع لنا ربك .

فقال : كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء ؟

قالا : سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء .

فوعدهما يوما ، وغدا يدعو لهما ، فدعا لهما ، فاستجيب له ، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فنظر أحدهما إلى صاحبه ، فقال : ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد ، وفي الدنيا تسع مرات مثلها ؟

فأمرا أن ينزلا ببابل ، فثم عذابهما .

وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان ، يصفقان بأجنحتهما .

وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين ، كمجاهد والسدي والحسن [ البصري ] وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها ، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى ، والله أعلم بحقيقة الحال .

وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك أحببنا أن ننبه عليه ، قال : الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثنا الربيع بن سليمان ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي الزناد ، حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم [ رضي الله عنها وعن أبيها ] أنها قالت : قدمت امرأة علي من أهل دومة الجندل ، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك ، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ، ولم تعمل به .

قالت عائشة ، رضي الله عنها ، لعروة : يا ابن أختي ، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها كانت تبكي حتى إني لأرحمها ، وتقول : إني أخاف أن أكون قد هلكت .

كان لي زوج فغاب عني ، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها ، فقالت : إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك .

فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين ، فركبت أحدهما وركبت الآخر ، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل ، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما .

فقالا : ما جاء بك ؟

فقلت : أتعلم السحر .

فقالا : إنما نحن فتنة فلا تكفري ، فارجعي .

فأبيت وقلت : لا .

قالا : فاذهبي إلى ذلك التنور ، فبولي فيه .

فذهبت ففزعت ولم أفعل ، فرجعت إليهما ، فقالا : أفعلت ؟

فقلت : نعم .

فقالا : هل رأيت شيئا ؟

فقلت : لم أر شيئا .

فقالا : لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري [ فإنك على رأس أمرك ] .

فأرببت وأبيت .

فقالا : اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه .

فذهبت فاقشعررت [ وخفت ] ثم رجعت إليهما فقلت : قد فعلت .

فقالا : فما رأيت ؟

فقلت : لم أر شيئا .

فقالا : كذبت ، لم تفعلي ، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري ; فإنك على رأس أمرك .

فأرببت وأبيت .

فقالا اذهبي إلى ذلك التنور ، فبولي فيه .

فذهبت إليه فبلت فيه ، فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني ، فذهب في السماء وغاب [ عني ] حتى ما أراه ، فجئتهما فقلت : قد فعلت .

فقالا : فما رأيت ؟

قلت : رأيت فارسا مقنعا خرج مني فذهب في السماء ، حتى ما أراه .

فقالا : صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك ، اذهبي .

فقلت للمرأة : والله ما أعلم شيئا وما قالا لي شيئا .

فقالت : بلى ، لم تريدي شيئا إلا كان ، خذي هذا القمح فابذري ، فبذرت ، وقلت : أطلعي فأطلعت وقلت : أحقلي فأحقلت ثم قلت : أفركي فأفركت .

ثم قلت : أيبسي فأيبست .

ثم قلت : أطحني فأطحنت .

ثم قلت : أخبزي فأخبزت .

فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا كان ، سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين ، والله ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا .

ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان ، به مطولا كما تقدم .

وزاد بعد قولها : ولا أفعله أبدا : فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يومئذ متوافرون ، فما دروا ما يقولون لها ، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه ، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده : لو كان أبواك حيين أو أحدهما [ لكان يكفيانك ] .

قال هشام : فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان [ قال ] : قال ابن أبي الزناد : وكان هشام يقول : إنهم كانوا أهل الورع والخشية من الله .

ثم يقول هشام : لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم .

فهذا إسناد جيد إلى عائشة ، رضي الله عنها .

وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان ; لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال .

وقال آخرون : بل ليس له قدرة إلا على التخييل ، كما قال [ الله ] تعالى : ( سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ) [ الأعراف : 116 ] وقال تعالى : ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) [ طه : 66 ] واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق ، لا بابل دنباوند كما قاله السدي وغيره .

ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثني ابن وهب ، حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر ، عن عمار بن سعد المرادي ، عن أبي صالح الغفاري أن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه [ مر ببابل وهو يسير ، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة ، فلما فرغ ] قال : إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي [ بأرض المقبرة ، ونهاني أن أصلي ] ببابل فإنها ملعونة .

وقال أبو داود : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا ابن وهب ، حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر ، عن عمار بن سعد المرادي ، عن أبي صالح الغفاري : أن عليا مر ببابل ، وهو يسير ، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال : إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي بأرض بابل ، فإنها ملعونة .

حدثنا أحمد بن صالح : حدثنا ابن وهب ، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة ، عن الحجاج بن شداد ، عن أبي صالح الغفاري ، عن علي ، بمعنى حديث سليمان بن داود ، قال : فلما " خرج " مكان " برز " .

وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود ، لأنه رواه وسكت عنه ; ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل ، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى منازلهم ، إلا أن يكونوا باكين .

قال أصحاب الهيئة : وبعد ما بين بابل ، وهي من إقليم العراق ، عن البحر المحيط الغربي ، ويقال له : أوقيانوس سبعون درجة ، ويسمون هذا طولا وأما عرضها وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب ، وهو المسامت لخط الاستواء ، اثنان وثلاثون درجة ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن قيس بن عباد ، عن ابن عباس ، قال : فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي ، وقالا له : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان ، فعرفا أن السحر من الكفر .

[ قال ] فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا ، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه ، فإذا تعلم خرج منه النور ، فنظر إليه ساطعا في السماء ، فيقول : يا حسرتاه !

يا ويله !

ماذا أصنع ؟

.

وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية : نعم ، أنزل الملكان بالسحر ، ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس ، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدا حتى يقولا ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) رواه ابن أبي حاتم ، وقال قتادة : كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدا حتى يقولا ( إنما نحن فتنة فلا تكفر ) أي : بلاء ابتلينا به ( فلا تكفر ) وقال [ قتادة و ] السدي : إذا أتاهما إنسان يريد السحر ، وعظاه ، وقالا له : لا تكفر ، إنما نحن فتنة .

فإذا أبى قالا له : ائت هذا الرماد ، فبل عليه .

فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء ، وذلك الإيمان .

وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء [ منه ] .

وذلك غضب الله .

فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر ، فذلك قول الله تعالى : ( وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ) الآية .

وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج في هذه الآية : لا يجترئ على السحر إلا كافر .

وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار ، ومنه قول الشاعر : وقد فتن الناس في دينهم وخلى ابن عفان شرا طويلا وكذلك قوله تعالى إخبارا عن موسى ، عليه السلام ، حيث قال : ( إن هي إلا فتنتك ) أي : ابتلاؤك واختبارك وامتحانك ( تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ) [ الأعراف : 155 ] .

وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر ، ويستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن عبد الله ، قال : من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول ، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا إسناد جيد وله شواهد أخر .

وقوله تعالى : ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) أي : فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة ، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف .

وهذا من صنيع الشياطين ، كما رواه مسلم في صحيحه ، من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ، ثم يبعث سراياه في الناس ، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة ، يجيء أحدهم فيقول : ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا .

فيقول إبليس : لا والله ما صنعت شيئا .

ويجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال : فيقربه ويدنيه ويلتزمه ، ويقول : نعم أنت " .

وسبب التفرق بين الزوجين بالسحر : ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر ، أو خلق أو نحو ذلك أو عقد أو بغضه ، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة .

والمرء عبارة عن الرجل ، وتأنيثه امرأة ، ويثنى كل منهما ولا يجمعان ، والله أعلم .

وقوله تعالى : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) قال سفيان الثوري : إلا بقضاء الله .

وقال محمد بن إسحاق إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد .

وقال الحسن البصري : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) قال : نعم ، من شاء الله سلط

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

واتبعوا ما تتلو الشياطين القول في تأويل قوله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } يعني بقوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } الفريق من أحبار اليهود وعلمائها الذين وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم نبذوا كتابه الذي أنزله على موسى وراء ظهورهم , تجاهلا منهم وكفرا بما هم به عالمون , كأنهم لا يعلمون .

فأخبر عنهم أنهم رفضوا كتابه الذي يعلمون أنه منزل من عنده على نبيه صلى الله عليه وسلم , ونقضوا عهده الذي أخذه عليهم في العمل بما فيه , وآثروا السحر الذي تلته الشياطين في ملك سليمان بن داود فاتبعوه ; وذلك هو الخسار والضلال المبين .

واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } .

فقال بعضهم : عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنهم خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوراة , فوجدوا التوراة للقرآن موافقة , تأمره من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه بمثل الذي يأمر به القرآن , فخاصموا بالكتب التي كان الناس اكتتبوها من الكهنة على عهد سليمان .

ذكر من قال ذلك : 1366 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } على عهد سليمان .

قال : كانت الشياطين تصعد إلى السماء , فتقعد منها مقاعد للسمع , فيستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر , فيأتون الكهنة فيخبرونهم , فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا .

حتى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم , فأدخلوا فيه غيره فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة .

فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب .

فبعث سليمان في الناس , فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق , ثم دفنها تحت كرسيه , ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق , وقال : " لا أسمع أحدا يذكر أن الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه " .

فلما مات سليمان , وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان , وخلف بعد ذلك خلف , تمثل الشيطان في صورة إنسان , ثم أتى نفرا من بني إسرائيل , فقال : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا ؟

قالوا : نعم .

قال : فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان .

فقام ناحية , فقالوا له : فادن !

قال : لا ولكني هاهنا في أيديكم , فإن لم تجدوه فاقتلوني .

فحفروا فوجدوا تلك الكتب , فلما أخرجوها قال الشيطان : إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر .

ثم طار فذهب .

وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب .

فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها , فذلك حين يقول : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

1367 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } قالوا : إن اليهود سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم زمانا عن أمور من التوراة , لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوه عنه فيخصهم .

فلما رأوا ذلك قالوا : هذا أعلم بما أنزل إلينا منا .

وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به , فأنزل الله جل وعز : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك , فدفنوه تحت مجلس سليمان , وكان سليمان لا يعلم الغيب , فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر , وخدعوا به الناس وقالوا : هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه .

فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث .

فرجعوا من عنده , وقد حزنوا وأدحض الله حجتهم .

1368 - وحدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } قال : لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } الآية .

قال : اتبعوا السحر , وهم أهل الكتاب .

فقرأ حتى بلغ : { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

وقال آخرون : بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان .

ذكر من قال ذلك .

1369 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : تلت الشياطين السحر على اليهود على ملك سليمان فاتبعته اليهود على ملكه ; يعني اتبعوا السحر على ملك سليمان .

1370 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : حدثني ابن إسحاق , قال : عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام , فكتبوا أصناف السحر : من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا , فليفعل كذا وكذا .

حتى إذا صنعوا أصناف السحر , جعلوه في كتاب .

ثم ختموا عليه بخاتم على نقش خاتم سليمان , وكتبوا في عنوانه : " هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم " .

ثم دفنوه تحت كرسيه , فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا , فلما عثروا عليه قالوا : ما كان سليمان بن داود إلا بهذا .

فأفشوا السحر في الناس وتعلموه وعلموه , فليس في أحد أكثر منه في يهود .

فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله سليمان بن داود وعده فيمن عده من المرسلين , قال من كان بالمدينة من يهود : ألا تعجبون لمحمد صلى الله عليه وسلم يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا !

والله ما كان إلا ساحرا !

فأنزل الله في ذلك من قولهم على محمد صلى الله عليه وسلم : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } قال : كان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات .

فلما رجع الله إلى سليمان ملكه , قام الناس على الدين كما كانوا .

وإن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه .

وتوفي سليمان حدثان ذلك , فظهرت الجن والإنس على الكتب بعد وفاة سليمان , وقالوا : هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه منا .

فأخذوا به فجعلوه دينا , فأنزل الله : { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين } وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله .

والصواب من القول في تأويل قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } أن ذلك توبيخ من الله لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فجحدوا نبوته وهم يعلمون أنه لله رسول مرسل , وتأنيب منه لهم في رفضهم تنزيله , وهجرهم العمل به وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنه كتاب الله , واتباعهم واتباع أوائلهم وأسلافهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان .

وقد بينا وجه جواز إضافة أفعال أسلافهم إليهم فيما مضى , فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .

وإنما اخترنا هذا التأويل لأن المتبعة ما تلته الشياطين في عهد سليمان وبعده إلى أن بعث الله نبيه بالحق وأمر السحر لم يزل في اليهود , ولا دلالة في الآية أن الله تعالى أراد بقوله : { واتبعوا } بعضا منهم دون بعض , إذ كان جائزا فصيحا في كلام العرب إضافة ما وصفنا من اتباع أسلاف المخبر عنهم بقوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } إلى أخلافهم بعدهم .

ولم يكن بخصوص ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر منقول , ولا حجة تدل عليه , فكان الواجب من القول في ذلك أن يقال : كل متبع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من اليهود داخل في معنى الآية , على النحو الذي قلنا .

القول في تأويل قوله تعالى : { ما تتلوا الشياطين } يعني جل ثناؤه بقوله : { ما تتلوا الشياطين } الذي تتلو .

فتأويل الكلام إذا : واتبعوا الذي تتلو الشياطين .

واختلف في تأويل قوله : { تتلوا } فقال بعضهم : يعني بقوله : { تتلوا } تحدث وتروي وتتكلم به وتخبر , نحو تلاوة الرجل للقرآن وهي قراءته .

ووجه قائلو هذا القول تأويلهم ذلك إلى أن الشياطين هي التي علمت الناس السحر وروته لهم .

ذكر من قال ذلك : 1371 - حدثني المثنى بن إبراهيم , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن عمرو , عن مجاهد في قول الله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } قال : كانت الشياطين تسمع الوحي , فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها , فأرسل سليمان إلى ما كتبوا من ذلك فجمعه .

فلما توفي سليمان وجدته الشياطين فعلمته الناس ; وهو السحر .

1372 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } من الكهانة والسحر ; وذكر لنا والله أعلم أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم , ثم أفشوه في الناس وعلموهم إياه .

1373 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال عطاء : قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } قال : نراه ما تحدث .

1374 - حدثني سلم بن جنادة السوائي , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن المنهال , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : انطلقت الشياطين في الأيام التي ابتلي فيها سليمان , فكتبت فيها كتبا فيها سحر وكفر , ثم دفنوها تحت كرسي سليمان , ثم أخرجوها فقرءوها على الناس .

وقال آخرون : معنى قوله : { ما تتلوا } ما تتبعه وترويه وتعمل به .

ذكر من قال ذلك : 1375 - حدثنا الحسن بن عمرو العنقزي , قال : حدثني أبي , عن أسباط , عن السدي , عن أبي مالك , عن ابن عباس : { تتلوا } قال : تتبع .

1376 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي , قال : ثنا يحيى بن إبراهيم , عن سفيان الثوري , عن منصور , عن أبي رزين مثله .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عز وجل أخبر عن الذين أخبر عنهم أنهم اتبعوا ما تتلو الشياطين على عهد سليمان باتباعهم ما تلته الشياطين .

ولقول القائل : " هو يتلو كذا " في كلام العرب معنيان : أحدهما الاتباع , كما يقال : تلوت فلانا إذا مشيت خلفه وتبعت أثره , كما قال جل ثناؤه : { هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت } 10 30 يعني بذلك تتبع .

والآخر : القراءة والدراسة , كما تقول : فلان يتلو القرآن , .

بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه , كما قال حسان بن ثابت : نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد ولم يخبرنا الله جل ثناؤه بأي معنى التلاوة كانت تلاوة الشياطين الذين تلوا ما تلوه من السحر على عهد سليمان بخبر يقطع العذر .

وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملا , فتكون كانت متبعته بالعمل , ودراسته بالرواية , فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك وعملت به وروته .على ملك سليمان القول في تأويل قوله تعالى : { على ملك سليمان } .

يعني بقوله جل ثناؤه : { على ملك سليمان } في ملك سليمان ; وذلك أن العرب تضع " في " موضع " على " و " على " في موضع " في " , من ذلك قول الله جل ثناؤه : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } 20 71 يعني به : على جذوع النخل , وكما قال : " فعلت كذا في عهد كذا وعلى عهد كذا " بمعنى واحد .

وبما قلنا من ذلك كان ابن جريج وابن إسحاق يقولان في تأويله .

1377 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال , حدثني حجاج , قال : ابن جريج : { على ملك سليمان } يقول : في ملك سليمان .

1378 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : قال ابن أبي إسحاق في قوله : { على ملك سليمان } أي في ملك سليمان .وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر القول في تأويل قوله تعالى : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

إن قال لنا قائل : وما هذا الكلام من قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } ولا خبر معنا قبل عن أحد أنه أضاف الكفر إلى سليمان , بل إنما ذكر اتباع من اتبع من اليهود ما تلته الشياطين ؟

فما وجه نفي الكفر عن سليمان بعقب الخبر عن اتباع من اتبعت الشياطين في العمل بالسحر وروايته من اليهود ؟

قيل : وجه ذلك أن الذين أضاف الله جل ثناؤه إليهم اتباع ما تلته الشياطين على عهد سليمان من السحر والكفر من اليهود , نسبوا ما أضافه الله تعالى ذكره إلى الشياطين من ذلك إلى سليمان بن داود , وزعموا أن ذلك كان من علمه وروايته , وأنه إنما كان يستعبد من يستعبد من الإنس والجن والشياطين وسائر خلق الله بالسحر .

فحسنوا بذلك - من ركوبهم ما حرم الله عليهم من السحر - أنفسهم عند من كان جاهلا بأمر الله ونهيه , وعند من كان لا علم له بما أنزل الله في ذلك من التوراة , وتبرأ بإضافة ذلك إلى سليمان - من سليمان , وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم منهم - بشر , وأنكروا أن يكون كان لله رسولا , وقالوا : بل كان ساحرا .

فبرأ الله سليمان بن داود من السحر والكفر عند من كان منهم ينسبه إلى السحر والكفر لأسباب ادعوها عليه قد ذكرنا بعضها , وسنذكر باقي ما حضرنا ذكره منها .

وأكذب الآخرين الذين كانوا يعملون بالسحر , متزينين عند أهل الجهل في عملهم ذلك بأن سليمان كان يعمله .

فنفى الله عن سليمان عليه السلام أن يكون كان ساحرا أو كافرا , وأعلمهم أنهم إنما اتبعوا في عملهم السحر ما تلته الشياطين في عهد سليمان , دون ما كان سليمان يأمرهم من طاعة الله واتباع ما أمرهم به في كتابه الذي أنزله على موسى صلوات الله عليه .

ذكر الدلائل على صحة ما قلنا من الأخبار والآثار : 1379 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يعقوب القمي , عن جعفر بن أبي المغيرة , عن سعيد بن جبير , قال : كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر , فيأخذه فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته .

فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه , فدنت إلى الإنس , فقالوا لهم : أتريدون العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟

قالوا : نعم .

قالوا : فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه .

فاستثارته الإنس فاستخرجوه فعملوا به .

فقال أهل الحجاز : كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر .

فأنزل الله جل ثناؤه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان , فقال : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } الآية , فأنزل الله براءة سليمان على لسان نبيه عليهما السلام .

1380 - حدثني أبو السائب السوائي , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن المنهال , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : كان الذي أصاب سليمان بن داود في سبب أناس من أهل امرأة يقال لها جرادة , وكانت من أكرم نسائه عليه , قال : فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم , فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحد .

قال : وكان سليمان بن داود إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئا من نسائه أعطى الجرادة خاتمه .

فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به , أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه , فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها : هاتي خاتمي !

فأخذه فلبسه , فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس .

قال : فجاءها سليمان فقال : هاتي خاتمي !

فقالت : كذبت لست بسليمان .

قال : فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به .

قال : فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبا فيها سحر وكفر ثم دفنوها تحت كرسي سليمان , ثم أخرجوها فقرءوها على الناس وقالوا : إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب .

قال : فبرئ الناس من سليمان وأكفروه , حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ; فأنزل جل ثناؤه : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } يعني الذي كتب الشياطين من السحر والكفر { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } فأنزل الله جل وعز وعذره .

1381 - حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : سمعت عمران بن حدير , عن أبي مجلز , قال : أخذ سليمان من كل دابة عهدا , فإذا أصيب رجل فسئل بذلك العهد خلي عنه , فرأى الناس السجع والسحر وقالوا : هذا كان يعمل به سليمان ; فقال الله جل ثناؤه : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

1382 - حدثنا أبو حميد , قال : ثنا جرير , عن حصين بن عبد الرحمن , عن عمران بن الحارث , قال : بينا نحن عند ابن عباس إذ جاءه رجل , فقال له ابن عباس : من أين جئت ؟

قال : من العراق , قال : من أيه ؟

قال : من الكوفة .

قال : فما الخبر ؟

قال : تركتهم يتحدثون عليا خارج إليهم .

ففزع فقال : ما تقول لا أبا لك !

لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه , أما إني أحدثكم من ذلك أنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء فيأتي أحدهم بكلمة حق قد سمعها , فإذا حدث منه صدق كذب معها سبعين كذبة , قال : فيشربها قلوب الناس ; فأطلع الله عليها سليمان فدفنها تحت كرسيه .

فلما توفي سليمان بن داود قام شيطان بالطريق فقال : ألا أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز مثله ؟

تحت الكرسي .

فأخرجوه فقالوا : هذا سحر .

فتناسخها الأمم , حتى بقاياهم ما يتحدث به أهل العراق .

فأنزل الله عذر سليمان : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

1383 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر لنا والله أعلم أن الشياطين ابتدعت كتابا فيه سحر وأمر عظيم , ثم أفشوه في الناس وأعلموهم إياه .

فلما سمع بذلك سليمان نبي الله صلى الله عليه وسلم تتبع تلك الكتب , فأتى بها فدفنها تحت كرسيه كراهية أن يتعلمها الناس .

فلما قبض الله نبيه سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها الذي كانت فيه فعلموها الناس , فأخبروهم أن هذا علم كان يكتمه سليمان ويستأثر به .

فعذر الله نبيه سليمان وبرأه من ذلك , فقال جل ثناؤه : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : كتبت الشياطين كتبا فيها سحر وشرك , ثم دفنت تلك الكتب تحت كرسي سليمان .

فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب , فقالوا : هذا علم كتمناه سليمان .

فقال الله جل وعز : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

1384 - حدثنا القاسم , قال : ثنا حجاج , حدثنا الحسين قال : عن ابن جريج , عن مجاهد قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } قال : كانت الشياطين تستمع الوحي من السماء , فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مثلها .

وإن سليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه ; فلما توفي وجدته الشياطين فعلمته الناس .

1385 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن أبي بكر , عن شهر بن حوشب , قال : لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان , فكتبت : من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا , ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا .

فكتبته وجعلت عنوانه : " هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم " , ثم دفنته تحت كرسيه .

فلما مات سليمان قام إبليس خطيبا فقال : يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا , وإنما كان ساحرا , فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته !

ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه , فقالوا : والله لقد كان سليمان ساحرا , هذا سحره , بهذا تعبدنا , وبهذا قهرنا .

فقال المؤمنون : بل كان نبيا مؤمنا .

فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم جعل يذكر الأنبياء حتى ذكر داود وسليمان , فقالت اليهود : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل , يذكر سليمان مع الأنبياء , وإنما كان ساحرا يركب الريح .

فأنزل الله عذر سليمان : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } الآية .

1386 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : حدثني ابن إسحاق : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين , قال بعض أحبار اليهود : ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبيا , والله ما كان إلا ساحرا !

فأنزل الله في ذلك من قولهم : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } أي باتباعهم السحر وعملهم به { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } .

قال أبو جعفر : فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا وتأويل قوله : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } ما ذكرنا ; فتبين أن في الكلام متروكا ترك ذكره اكتفاء بما ذكر منه , وأن معنى الكلام : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } من السحر { على ملك سليمان } فتضيفه إلى سليمان , { وما كفر سليمان } فيعمل بالسحر { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .

وقد كان قتادة يتأول قوله : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } على ما قلنا .

1387 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } يقول : ما كان عن مشورته , ولا عن رضا منه ; ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه .

وقد دللنا فيما مضى على اختلاف المختلفين في معنى " تتلو " , وتوجيه من وجه ذلك إلى أن " تتلوا " بمعنى تلت , إذ كان الذي قبله خبرا ماضيا وهو قوله : { واتبعوا } وتوجيه الذين وجهوا ذلك إلى خلاف ذلك .

وبينا فيه وفي نظيره الصواب من القول , فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع .

وأما معنى قوله : { ما تتلوا } فإنه بمعنى الذي تتلو وهو السحر .

1388 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } أي السحر .

قال أبو جعفر : ولعل قائلا أن يقول : أو ما كان السحر إلا أيام سليمان ؟

قيل له : بلى قد كان ذلك قبل ذلك , وقد أخبر الله عن سحرة فرعون ما أخبر عنهم , وقد كانوا قبل سليمان , وأخبر عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح إنه ساحر ; قال : فكيف أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تلته الشياطين على عهد سليمان ؟

قيل : لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمان على ما قد قدمنا البيان عنه , فأراد الله تعالى ذكره تبرئة سليمان مما نحلوه وأضافوا إليه مما كانوا وجدوه إما في خزائنه وإما تحت كرسيه , على ما جاءت به الآثار التي قد ذكرناها من ذلك .

فحصر الخبر عما كانت اليهود اتبعته فيما تلته الشياطين أيام سليمان دون غيره لذلك السبب .

وإن كان الشياطين قد كانت تالية للسحر والكفر قبل ذلك .وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت القول في تأويل قوله تعالى : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } .

اختلف أهل العلم في تأويل " ما " التي في قوله : { وما أنزل على الملكين } فقال بعضهم : معناه الجحد وهي بمعنى " لم " .

ذكر من قال ذلك : 1389 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال , حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } فإنه يقول : لم ينزل الله السحر .

1390 - حدثنا ابن حميد , قال : حدثني حكام عن أبي جعفر , عن الربيع بن أنس : { وما أنزل على الملكين } قال : ما أنزل الله عليهما السحر .

فتأويل الآية على هذا المعنى الذي ذكرناه عن ابن عباس والربيع من توجيههما معنى قوله : { وما أنزل على الملكين } إلى : ولم ينزل على الملكين , واتبعوا الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر , وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } ببابل هاروت وماروت , فيكون حينئذ قوله : { ببابل وهاروت وماروت } من المؤخر الذي معناه التقديم .

فإن قال لنا قائل : وكيف وجه تقديم ذلك ؟

قيل : وجه تقديمه أن يقال : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين , ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت .

فيكون معنيا بالملكين : جبريل وميكائيل ; لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود .

فأكذبها الله بذلك وأخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر قط , وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر , فأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين , وأنها تعلم الناس ببابل , وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان اسم أحدهما هاروت واسم الآخر ماروت ; فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة على الناس وردا عليهم .

وقال آخرون : بل تأويل " ما " التي في قوله : { وما أنزل على الملكين } " الذي " .

ذكر من قال ذلك : 1391 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : قال معمر , قال قتادة والزهري عن عبد الله : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } كانا ملكين من الملائكة فأهبطا ليحكما بين الناس .

وذلك أن الملائكة سخروا من أحكام بني آدم , قال : فحاكمت إليهما امرأة فحافا لها , ثم ذهبا يصعدان , فحيل بينهما وبين ذلك وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة , فاختارا عذاب الدنيا .

قال معمر : قال قتادة : فكانا يعلمان الناس السحر , فأخذ عليهما أن لا يعلما أحدا حتى يقولا : إنما نحن فتنة فلا تكفر .

1392 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما قوله : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } فهذا سحر آخر خاصموه به أيضا ; يقول : خاصموه بما أنزل على الملكين وإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإنس فصنع وعمل به كان سحرا .

1393 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { يعلمون الناس السحر وما أنزل على الناس ببابل هاروت وماروت } فالسحر سحران : سحر تعلمه الشياطين , وسحر يعلمه هاروت وماروت .

1394 - حدثني المثنى قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } قال : التفريق بين المرء وزوجه .

1395 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين } فقرأ حتى بلغ : { فلا تكفر } قال : الشياطين والملكان يعلمون الناس السحر .

قال أبو جعفر : فمعنى الآية على تأويل هذا القول الذي ذكرنا عمن ذكرناه عنه : واتبعت اليهود الذي تلت الشياطين في ملك سليمان الذي أنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت .

وهما ملكان من ملائكة الله , سنذكر ما روي من الأخبار في شأنهما إن شاء الله تعالى .

وقالوا : إن قال لنا قائل : وهل يجوز أن ينزل الله السحر , أم هل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس ؟

قلنا له : إن الله عز وجل قد أنزل الخير والشر كله , وبين جميع ذلك لعباده , فأوحاه إلى رسله وأمرهم بتعليم خلقه وتعريفهم ما يحل لهم مما يحرم عليهم ; وذلك كالزنا والسرقة وسائر المعاصي التي عرفهموها ونهاهم عن ركوبها , فالسحر أحد تلك المعاصي التي أخبرهم بها ونهاهم عن العمل بها .

قالوا : ليس في العلم بالسحر إثم , كما لا إثم في العلم بصنعة الخمر ونحت الأصنام والطنابير والملاعب , وإنما الإثم في عمله وتسويته .

قالوا : وكذلك لا إثم في العلم بالسحر , وإنما الإثم في العمل به وأن يضر به من لا يحل ضره به .

قالوا : فليس في إنزال الله إياه على الملكين ولا في تعليم الملكين من علماه من الناس إثم إذا كان تعليمهما من علماه ذلك بإذن الله لهما بتعليمه بعد أن يخبراه بأنهما فتنة وينهاه عن السحر والعمل به والكفر ; وإنما الإثم على من يتعلمه منهما ويعمل به , إذ كان الله تعالى ذكره قد نهاه عن تعلمه والعمل به .

قالوا : ولو كان الله أباح لبني آدم أن يتعلموا ذلك , لم يكن من تعلمه حرجا , كما لم يكونا حرجين لعلمهما به , إذ كان علمهما بذلك عن تنزيل الله إليهما .

وقال آخرون : معنى " ما " معنى " الذي " , وهي عطف على " ما " الأولى , غير أن الأولى في معنى السحر والآخرة في معنى التفريق بين المرء وزوجه .

فتأويل الآية على هذا القول : واتبعوا السحر الذي تتلو الشياطين في ملك سليمان , والتفريق الذي بين المرء وزوجه الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت .

ذكر من قال ذلك : 1396 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح .

عن مجاهد : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } وهما يعلمان ما يفرقون به بين المرء وزوجه , وذلك قول الله جل ثناؤه : { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا } وكان يقول : أما السحر فإنما يعلمه الشياطين , وأما الذي يعلم الملكان فالتفريق بين المرء وزوجه , كما قال الله تعالى .

وقال آخرون : جائز أن تكون " ما " بمعنى " الذي " , وجائز أن تكون " ما " بمعنى " لم " .

ذكر من قال ذلك .

1397 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب قال : حدثني الليث بن سعد , عن يحيى بن سعيد , عن القاسم بن محمد , وسأله رجل عن قول الله { يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين بابل هاروت وماروت } فقال الرجل : يعلمان الناس ما أنزل عليهما , أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما ؟

قال القاسم : ما أبالي أيتهما كانت .

* - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : ثنا بشر بن عياض , عن بعض أصحابه , أن القاسم بن محمد سئل عن قول الله تعالى ذكره : { وما أنزل على الملكين } فقيل له : أنزل أو لم ينزل ؟

فقال : لا أبالي أي ذلك كان , إلا أني آمنت به .

والصواب من القول في ذلك عندي قول من وجه " ما " التي في قوله : { وما أنزل على الملكين } إلى معنى " الذي " دون معنى " ما " التي هي بمعنى الجحد .

وإنما اخترت ذلك من أجل أن " ما " إن وجهت إلى معنى الجحد , فتنفي عن الملكين أن يكونا منزلا إليهما .

ولم يخل الاسمان اللذان بعدهما - أعني هاروت وماروت - من أن يكونا بدلا منهما وترجمة عنهما , أو بدلا من الناس في قوله : { يعلمون الناس السحر } وترجمة عنهما .

فإن جعلا بدلا من الملكين وترجمة عنهما بطل معنى قوله : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } لأنهما إذا لم يكونا عالمين بما يفرق به بين المرء وزوجه , فما الذي يتعلم منهما من يفرق بين المرء وزوجه ؟

وبعد , فإن " ما " التي في قوله : { وما أنزل على الملكين } إن كانت في معنى الجحد عطفا على قوله : { وما كفر سليمان } فإن الله جل ثناؤه نفى بقوله : { وما كفر سليمان } عن سليمان أن يكون السحر من عمله , أو من علمه أو تعليمه .

فإن كان الذي نفى عن الملكين من ذلك نظير الذي نفى عن سليمان منه , وهاروت وماروت هما الملكان , فمن المتعلم منه إذا ما يفرق به بين المرء وزوجه ؟

وعمن الخبر الذي أخبر عنه بقوله : { وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } ؟

إن خطأ هذا القول لواضح بين .

وإن كان قوله " هاروت وماروت " ترجمة من الناس الذين في قوله : { ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } فقد وجب أن تكون الشياطين هي التي تعلم هاروت وماروت السحر , وتكون السحرة إنما تعلمت السحر من هاروت وماروت عن تعليم الشياطين إياهما .

فإن يكن ذلك كذلك , فلن يخلو هاروت وماروت عند قائل هذه المقالة من أحد أمرين : إما أن يكونا ملكين , فإن كانا عنده ملكين فقد أوجب لهما من الكفر بالله والمعصية له بنسبته إياهما إلى أنهما يتعلمان من الشياطين السحر ويعلمانه الناس , وإصرارهما على ذلك ومقامهما عليه أعظم مما ذكر عنهما أنهما أتياه من المعصية التي استحقا عليها العقاب , وفي خبر الله عز وجل عنهما أنهما لا يعلمان أحدا ما يتعلم منهما حتى يقولا : { إنما نحن فتنة فلا تكفر } ما يغني عن الإكثار في الدلالة على خطأ هذا القول .

أو أن يكونا رجلين من بني آدم ; فإن يكن ذلك كذلك فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلم به والعمل من بني آدم ; لأنه إذا كان علم ذلك من قبلهما يؤخذ ومنهما يتعلم , فالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما عدم السبيل إلى الوصول إلى المعنى الذي كان لا يوصل إليه إلا بهما ; وفي وجود السحر في كل زمان ووقت أبين الدلالة على فساد هذا القول .

وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بني آدم , لم يعدما من الأرض منذ خلقت , ولا يعدمان بعد ما وجد السحر في الناس .

فيدعي ما لا يخفى بطوله .

فإذا فسدت هذه الوجوه التي دللنا على فسادها , فبين أن معنى : { ما } التي في قوله : { وما أنزل على الملكين } بمعنى " الذي " , وأن هاروت وماروت مترجم بهما عن الملكين ; ولذلك فتحت أواخر أسمائهما , لأنهما في موضع خفض على الرد على الملكين , ولكنهما لما كانا لا يجران فتحت أواخر أسمائهما .

فإن التبس على ذي غباء ما قلنا , فقال : وكيف يجوز لملائكة الله أن تعلم الناس التفريق بين المرء وزوجه ؟

أم كيف يجوز أن يضاف إلى الله تبارك وتعالى إنزال ذلك على الملائكة ؟

قيل له : إن الله جل ثناؤه عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه , ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه .

ولو كان الأمر على غير ذلك , لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم ; فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه , فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما : { إنما نحن فتنة فلا تكفر } ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه وعن السحر , فيمحص المؤمن بتركه التعلم منهما , ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما , ويكون الملكان في تعليمهما من علما ذلك لله مطيعين , إذ كانا عن إذن الله لهما بتعليم ذلك من علماه يعلمان .

وقد عبد من دون الله جماعة من أولياء الله , فلم يكن ذلك لهم ضائرا إذ لم يكن ذلك بأمرهم إياهم به , بل عبد بعضهم والمعبود عنه ناه , فكذلك الملكان غير ضائرهما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما بعد نهيهما إياه عنه وعظتهما له بقولهما : { إنما نحن فتنة فلا تكفر } إذ كانا قد أديا ما أمر به بقيلهما ذلك .

كما : 1398 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن عوف , عن الحسن في قوله : { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت } إلى قوله : { فلا تكفر } أخذ عليهما ذلك .

ذكر بعض الأخبار التي في بيان الملكين , ومن قال إن هاروت وماروت هما الملكان اللذان ذكر الله جل ثناؤه في قوله : { ببابل } 1399 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : حدثني أبي , عن قتادة , قال : ثنا أبو شعبة العدوي في جنازة يونس بن جبير أبي غلاب , عن ابن عباس قال : إن الله أفرج السماء لملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم , فلما أبصروهم يعملون الخطايا , قالوا : يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك , وأسجدت له ملائكتك , وعلمته أسماء كل شيء , يعملون بالخطايا .

قال : أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم .

قالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا , قال : فأمروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض .

قال : فاختاروا هاروت وماروت , فأهبطا إلى الأرض , وأحل لهما ما فيها من شيء غير أن لا يشركا بالله شيئا ولا يسرقا , ولا يزنيا , ولا يشربا الخمر , ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق .

قال : فما استمرا حتى عرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن يقال لها " بيذخت " , فلما أبصراها أرادا بها زنا , فقالت : لا إلا أن تشركا بالله وتشربا الخمر وتقتلا النفس وتسجدا لهذا الصنم .

فقالا : ما كنا لنشرك بالله شيئا .

فقال أحدهما للآخر : ارجع إليها .

فقالت : لا إلا أن تشربا الخمر !

فشربا حتى ثملا , ودخل عليهما سائل فقتلاه .

فلما وقعا فيه من الشر , أفرج الله السماء لملائكته , فقالوا : سبحانك كنت أعلم !

قال : فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة , فاختارا عذاب الدنيا , فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت وجعلا ببابل .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج بن المنهال , قال : ثنا حجاج , عن علي بن زيد , عن أبي عثمان النهدي , عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا : لما كثر بنو آدم وعصوا , دعت الملائكة عليهم والأرض والسماء والجبال : ربنا ألا تهلكهم ؟

فأوحى الله إلى الملائكة : إني لو أنزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم ونزلتم لفعلتم أيضا .

قال : فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا .

فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم .

فاختاروا هاروت وماروت , فأهبطا إلى الأرض وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس , وكان أهل فارس يسمونها " بيذخت " .

قال : فوقعا بالخطيئة , فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا .

{ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا } .

فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض : { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا .

1400 - حدثني المثنى , قال : حدثني الحجاج , قال : ثنا حماد , عن خالد الحذاء , عن عمرو بن سعيد , قال سمعت عليا يقول : كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس , وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت فراوداها عن نفسها , فأبت إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به يعرج به إلى السماء .

فعلماها فتكلمت فعرجت إلى السماء فمسخت كوكبا .

1401 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا مؤمل بن إسماعيل , وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق جميعا , عن الثوري , عن محمد بن عقبة , عن سالم , عن ابن عمر , عن كعب , قال : ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب , فقيل لهم : اختاروا منكم اثنين - وقال الحسن بن يحيى في حديثه : اختاروا ملكين - فاختاروا هاروت وماروت , فقيل لهما : إني أرسل إلى بني آدم رسلا , وليس بيني وبينكم رسول , انزلا لا تشركا بي شيئا , ولا تزنيا , ولا تشربا الخمر !

قال كعب : فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه إلى الأرض , حتى استكملا جميع ما نهيا عنه .

وقال الحسن بن يحيى في حديثه : فما استكملا يومهما الذي أنزلا فيه حتى عملا ما حرم الله عليهما .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا معلى بن أسد , قال : ثنا عبد العزيز بن المختار , عن موسى بن عقبة , قال : حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار , أنه حدث أن الملائكة أنكروا أعمال بني آدم وما يأتون في الأرض من المعاصي , فقال الله لهم : إنكم لو كنتم مكانهم أتيتم ما يأتون من الذنوب فاختاروا منكم ملكين !

فاختاروا هاروت وماروت , فقال الله لهما : إني أرسل رسلي إلى الناس , وليس بيني وبينكما رسول , انزلا إلى الأرض , ولا تشركا بي شيئا , ولا تزنيا !

فقال كعب : والذي نفس كعب بيده ما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا ما حرم الله عليهما .

1402 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أنه كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم , فقيل لهما : إني أعطيت ابن آدم عشرا من الشهوات فبها يعصونني .

قال هاروت وماروت : ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل .

فقال لهما : انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر فاحكما بين الناس !

فنزلا ببابل دنباوند , فكانا يحكمان , حتى إذا أمسيا عرجا , فإذا أصبحا هبطا .

فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها , فأعجبهما حسنها واسمها بالعربية " الزهرة " , وبالنبطية " بيذخت " , واسمها بالفارسية " واناهيذ " , فقال أحدهما لصاحبه : إنها لتعجبني .

فقال الآخر : قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك .

فقال الآخر : هل لك أن أذكرها لنفسها ؟

قال : نعم , ولكن كيف لنا بعذاب الله ؟

قال الآخر : إنا نرجو رحمة الله .

فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها , فقالت : لا حتى تقضيا لي على زوجي , فقضيا لها على زوجها .

ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها , فأتياها لذلك , فلما أراد الذي يواقعها , قالت : ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء ؟

وبأي كلام تنزلان منها ؟

فأخبراها فتكلمت فصعدت .

فأنساها الله ما تنزل به فبقيت مكانها , وجعلها الله كوكبا - فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال : هذه التي فتنت هاروت وماروت - فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يستطيعا فعرفا الهلك , فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة , فاختارا عذاب الدنيا من عذاب الآخرة , فعلقا ببابل فجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر .

1403 - حدثني المثنى بن إبراهيم , قال : ثنا إسحاق , قال , ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : لما وقع الناس من بعد آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله , قالت الملائكة في السماء : أي رب هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك , وقد ركبوا الكفر وقتل النفس الحرام وأكل المال الحرام والسرقة والزنا وشرب الخمر !

فحملوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم .

فقيل لهم : إنهم في غيب !

فلم يعذروهم , فقيل لهم : اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري , وأنهاهما عن معصيتي !

فاختاروا هاروت وماروت , فأهبطا إلى الأرض , وحمل بهما شهوات بني آدم , وأمرا أن يعبدا الله ولا يشركا به شيئا , ونهيا عن قتل النفس الحرام , وأكل المال الحرام , والسرقة والزنا وشرب الخمر .

فلبثا على ذلك في الأرض زمانا يحكمان بين الناس بالحق , وذلك في زمان إدريس , وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكوكب .

وإنها أتت عليهما فخضعا لها بالقول , وأراداها على نفسها , وإنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها , وإنهما سألاها عن دينها التي هي عليه , فأخرجت لهما صنما وقالت : هذا أعبد .

فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا .

فذهبا فصبرا ما شاء الله , ثم أتيا عليها فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها .

فقالت : لا إلا أن تكونا على ما أنا عليه .

فقالا : لا حاجة لنا في عبادة هذا .

فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم , قالت لهما : اختارا إحدى الخلال الثلاث : إما أن تعبدا الصنم , أو تقتلا النفس , أو تشربا الخمر .

فقالا : كل هذا لا ينبغي , وأهون الثلاثة شرب الخمر .

فسقتهما الخمر , حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها , فمر بهما إنسان وهما في ذلك , فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه .

فلما أن ذهب عنهما السكر عرفا ما وقعا فيه من الخطيئة وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا , فحيل بينهما وبين ذلك , وكشف الغطاء بينهما وبين أهل السماء .

فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه من الذنب , فعجبوا كل العجب , وعلموا أن من كان في غيب فهو أقل غشية , فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض .

وإنهما لما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة , قيل لهما : اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة !

فقالا : أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له .

فاختارا عذاب الدنيا , فجعلا ببابل , فهما يعذبان .

* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا فرج بن فضالة , عن معاوية بن صالح , عن نافع , قال : سافرت مع ابن عمر , فلما كان من آخر الليل قال : يا نافع انظر طلعت الحمراء !

قالها مرتين أو ثلاثا .

ثم قلت : قد طلعت .

قال : لا مرحبا ولا أهلا !

قلت : سبحان الله نجم مسخر سامع مطيع ؟

قال : ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ; وقال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الملائكة قالت : يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟

قال : إني ابتليتهم وعافيتكم .

قالوا : لو كنا مكانهم ما عصيناك .

قال : فاختاروا ملكين منكم !

قال : فلم يألوا أن يختاروا , فاختاروا هاروت وماروت " .

1404 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : وأما شأن هاروت وماروت , فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات , فقال لهم ربهم : اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم !

فاختاروا هاروت وماروت , فقال لهما حين أنزلهما : عجبتما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم , وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء , وأنتما ليس بيني وبينكما رسول , فافعلا كذا وكذا , ودعا كذا وكذا !

فأمرهما بأمر ونهاهما .

ثم نزلا على ذلك ليس أحد لله أطوع منهما , فحكما فعدلا , فكانا يحكمان النهار بين بني آدم , فإذا أمسيا عرجا وكانا مع الملائكة , وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان .

حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم , فقضيا عليها .

فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه , فقال أحدهما لصاحبه : وجدت مثل ما وجدت ؟

قال : نعم , فبعثا إليها أن ائتينا نقض لك .

فلما رجعت قالا لها وقضيا لها : ائتينا !

فأتتهما , فكشفا لها عن عورتهما .

وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها .

فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا , طارت الزهرة فرجعت حيث كانت .

فلما أمسيا عرجا فردا ولم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما ; فاستغاثا برجل من بني آدم , فأتياه فقالا : ادع لنا ربك !

فقال : كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء ؟

قالا : سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء .

فوعدهما يوما وغدا يدعو لهما .

فدعا لهما فاستجيب له , فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

فنظر أحدهما إلى صاحبه فقالا : نعلم أن أنواع عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد ومع الدنيا سبع مرات مثلها .

فأمرا أن ينزلا ببابل , فثم عذابهما .

وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما .

قال أبو جعفر : وحكي عن بعض القراء أنه كان يقرأ : { وما أنزل على الملكين } يعني به رجلين من بني آدم .

وقد دللنا على خطأ القراءة بذلك من جهة الاستدلال ; فأما من جهة النقل فإجماع الحجة على خطأ القراءة بها من الصحابة والتابعين وقراء الأمصار , وكفى بذلك شاهدا على خطئها .

وأما قوله { ببابل } فإنه اسم قرية أو موضع من مواضع الأرض .

وقد اختلف أهل التأويل فيها , فقال بعضهم : إنها بابل دنباوند .

* - حدثني بذلك موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي .

وقال بعضهم : بل ذلك بابل العراق .

ذكر من قال ذلك : 1405 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن أبي الزناد , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة في قصة ذكرتها عن امرأة قدمت المدينة , فذكرت أنها صارت في العراق ببابل , فأتت بها هاروت وماروت فتعلمت منهما السحر .

واختلف في معنى السحر , فقال بعضهم : هو خدع ومخاريق ومعان يفعلها الساحر , حتى يخيل إلى المسحور الشيء أنه بخلاف ما هو به نظير الذي يرى السراب من بعيد , فيخيل إليه أنه ماء , ويرى الشيء من بعيد فيثبته بخلاف ما هو على حقيقته .

وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما عاين من ا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون[ ص: 41 ] فيه أربع وعشرون مسألة : الأولى : قوله تعالى : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بأنهم اتبعوا السحر أيضا ، وهم اليهود .

وقال السدي : عارضت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت وماروت .

وقال محمد بن إسحاق : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم : يزعم محمد أن ابن داود كان نبيا !

والله ما كان إلا ساحرا ، فأنزل الله عز وجل : وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا .

وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات على لسان آصف كاتب سليمان ، ودفنوه تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان ، فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه ، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان !

وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان ، وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان وأظهر براءته مما رمي به فقال : واتبعوا ما تتلو الشياطين .

قال عطاء : تتلو تقرأ من التلاوة .

وقال ابن عباس : تتلو تتبع ، كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا .

وقال الطبري : اتبعوا بمعنى فضلوا .قلت : لأن كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره ، ومعنى " تتلو " يعني تلت ، فهو بمعنى المضي ، قال الشاعر :وإذا مررت بقبره فاعقر به كوم الهجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائهافلقد يكون أخا دم وذبائحأي فلقد كان .

وما مفعول ب ( اتبعوا ) أي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته .

وقيل : ما نفي ، وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في صحته ، قاله ابن العربي .[ ص: 42 ] على ملك سليمان أي على شرعه ونبوته .

قال الزجاج : قال الفراء على عهد ملك سليمان .

وقيل : المعنى في ملك سليمان يعني في قصصه وصفاته وأخباره .

قال الفراء : تصلح على وفي ، في مثل هذا الموضع .

وقال على ولم يقل بعد لقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي في تلاوته .

وقد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه ، فلا معنى لإعادته .

والشياطين هنا قيل : هم شياطين الجن ، وهو المفهوم من هذا الاسم .

وقيل : المراد شياطين الإنس المتمردون في الضلال ، كقول جرير :أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذ كنت شيطاناالثانية : قوله تعالى : وما كفر سليمان تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر ، ولكن اليهود نسبته إلى السحر ، ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر .

ثم قال : ولكن الشياطين كفروا فأثبت كفرهم بتعليم السحر .

ويعلمون : في موضع نصب على الحال ، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ثان .

وقرأ الكوفيون سوى عاصم " ولكن الشياطين " بتخفيف " لكن " ، ورفع النون من " الشياطين " ، وكذلك في الأنفال " ولكن الله رمى " ووافقهم ابن عامر .

الباقون بالتشديد والنصب .

و " لكن " كلمة لها معنيان : نفي الخبر الماضي ، وإثبات الخبر المستقبل ، وهي مبنية من ثلاث كلمات : لا ، ك ، إن .

" لا " نفي ، و " الكاف " خطاب ، و " إن " إثبات وتحقيق ، فذهبت الهمزة استثقالا ، وهي تثقل وتخفف ، فإذا ثقلت نصبت كإن الثقيلة ، وإذا خففت رفعت بها كما ترفع بإن الخفيفة .الثالثة : السحر ، قيل : السحر أصله التمويه والتخاييل ، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني ، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به ، كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء ، وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه .

وقيل : هو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته ، وكذلك إذا عللته ، والتسحير مثله ، قال لبيد :فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر[ ص: 43 ] آخر [ هو امرؤ القيس ] :أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشرابعصافير وذبان ودود وأجرأ من مجلحة الذئابوقوله تعالى : إنما أنت من المسحرين يقال : المسحر الذي خلق ذا سحر ، ويقال من المعللين ، أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب .

وقيل : أصله الخفاء ، فإن الساحر يفعله في خفية .

وقيل : أصله الصرف ، يقال : ما سحرك عن كذا ، أي ما صرفك عنه ، فالسحر مصروف عن جهته .

وقيل : أصله الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك .

وقيل في قوله تعالى : بل نحن قوم مسحورون أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا .

وقال الجوهري : السحر الأخذة ، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر ، وقد سحره يسحره سحرا .

والساحر : العالم ، وسحره أيضا بمعنى خدعه ، وقد ذكرناه .

وقال ابن مسعود : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه .

والعضه عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب ، قال الشاعر :أعوذ بربي من النافثا ت في عضه العاضه المعضهالرابعة : واختلف هل له حقيقة أم لا ، فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له : أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له ، وعند الشافعي وسوسة وأمراض .

قال : وعندنا أصله طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب ، كتأثير الشمس في زئبق عصي فرعون ، أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر .قلت : وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء ، على ما يأتي .

ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة .

والشعوذي : البريد لخفة سيره .

قال ابن فارس في المجمل : الشعوذة ليس من كلام أهل البادية ، وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر ، ومنه ما يكون كلاما يحفظ ، ورقى من أسماء الله تعالى .

وقد يكون من عهود الشياطين ، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك .الخامسة : سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا ، فقال : إن من [ ص: 44 ] البيان لسحرا أخرجه مالك وغيره .

وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق ، فعلى هذا يكون قوله عليه السلام : إن من البيان لسحرا خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة ، إذ شبهها بالسحر .

وقيل : خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان ، قال جماعة من أهل العلم .

والأول أصح ، والدليل عليه قوله عليه السلام : فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وقوله : إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون .

الثرثرة : كثرة الكلام وترديده ، يقال : ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار .

والمتفيهق نحوه .

قال ابن دريد .

فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع ، قال : وأصله الفهق وهو الامتلاء ، كأنه ملأ به فمه .قلت : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقالا : أما قوله صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحرا فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه ، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب ، وتصوير الباطل في صورة الحق .

وهذا بين ، والحمد لله .السادسة : من السحر ما يكون كفرا من فاعله ، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس ، وإخراجهم في هيئة بهيمة ، وقطع مسافة شهر في ليلة ، والطيران في الهواء ، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه ، قاله أبو نصر عبد الرحيم القشيري .

قال أبو عمرو : من زعم أن الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة ، فيجعل الإنسان حمارا أو نحوه ، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها ، فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء ، يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم ، ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوة ؛ إذ قد يحصل مثلها بالحيلة .

وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر ، إلا أن يقتل بفعله أحدا فيقتل به .السابعة : ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة .

وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإستراباذي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له ، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به ، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة ، كما قال تعالى : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولم يقل تسعى على الحقيقة ، ولكن قال يخيل إليه .

وقال أيضا : سحروا أعين الناس .

وهذا لا حجة فيه ; لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر ، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع ، فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه ، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس ، فدل على أن له حقيقة .

وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون : وجاءوا بسحر عظيم وسورة " الفلق " ، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم ، وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ، الحديث .

وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حل السحر : " إن الله شفاني " .

والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض ، فدل على أن له حقا وحقيقة ، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه .

وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق .

ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه ، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله .

وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال : علم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها : " الفرما " فمن كذب به فهو كافر ، مكذب لله ورسوله ، منكر لما علم مشاهدة وعيانا .الثامنة : قال علماؤنا : لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد .

قالوا : ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والانتصاب على رأس قصبة ، والجري على خيط مستدق ، والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك .

ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك [ ص: 46 ] ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا ، ولا يكون الساحر مستقلا به ، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر ، كما يخلق الشبع عند الأكل ، والري عند شرب الماء .

روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ، ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه ، فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب - هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي - وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم : يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق والباطل .

فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر .

قال علي بن المديني : روى عنه حارثة بن مضرب .التاسعة : أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء ، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام .

فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر .

قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه .العاشرة : في الفرق بين السحر والمعجزة ، قال علماؤنا : السحر يوجد من الساحر وغيره ، وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد .

والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها ، ثم الساحر لم يدع النبوة فالذي يصدر منه متميز عن المعجزة ، فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها ، كما تقدم في مقدمة الكتاب .الحادية عشر : واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي ، فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته ; لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني ; ولأن الله تعالى سمى السحر كفرا بقوله : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة .

وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : حد الساحر ضربه بالسيف خرجه الترمذي وليس [ ص: 47 ] بالقوي ، انفرد به إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عندهم ، رواه ابن عيينة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن مرسلا ، ومنهم من جعله عن جندب قال ابن المنذر : وقد روينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب .

قال ابن المنذر : وإذا أقر الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرا وجب قتله إن لم يتب ، وكذلك لو ثبتت به عليه بينة ووصفت البينة كلاما يكون كفرا .

وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله ، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك ، وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ذلك .

قال ابن المنذر : وإذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة وجب اتباع أشبههم بالكتاب والسنة ، وقد يجوز أن يكون السحر الذي أمر من أمر منهم بقتل الساحر سحرا يكون كفرا فيكون ذلك موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرا .

فإن احتج محتج بحديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم : حد الساحر ضربه بالسيف فلو صح لاحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرا ، فيكون ذلك موافقا للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .

.

.قلت : وهذا صحيح ، ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف .

والله تعالى أعلم .

وقال بعض العلماء : إن قال أهل الصناعة إن السحر لا يتم إلا مع الكفر والاستكبار ، أو تعظيم الشيطان فالسحر إذا دال على الكفر على هذا التقدير ، والله تعالى أعلم .

وروي عن الشافعي : لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ويقول تعمدت القتل ، وإن قال لم أتعمده لم يقتل ، وكانت فيه الدية كقتل الخطأ ، وإن أضر به أدب على قدر الضرر .

قال ابن العربي : وهذا باطل من وجهين ، أحدهما : إنه لم يعلم السحر ، وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى ، وتنسب إليه المقادير والكائنات .

الثاني : إن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر فقال : وما كفر سليمان بقول السحر ولكن الشياطين كفروا به وبتعليمه ، وهاروت وماروت يقولان : إنما نحن فتنة فلا تكفر وهذا تأكيد للبيان .[ ص: 48 ] احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته ; لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق ، وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدا ، قال مالك : فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما قبلت توبتهما ، والحجة لذلك قوله تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا فدل على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب ، فكذلك هذان .الثانية عشرة : وأما ساحر الذمة ، فقيل يقتل .

وقال مالك : لا يقتل إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى ، ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه .

وقال ابن خويز منداد : فأما إذا كان ذميا فقد اختلفت الرواية عن مالك ، فقال مرة : يستتاب وتوبته الإسلام .

وقال مرة : يقتل وإن أسلم .

وأما الحربي فلا يقتل إذا تاب ، وكذلك قال مالك في ذمي سب النبي صلى الله عليه وسلم : يستتاب وتوبته الإسلام .

وقال مرة : يقتل ولا يستتاب كالمسلم .

وقال مالك أيضا في الذمي إذا سحر : يعاقب ، إلا أن يكون قتل بسحره ، أو أحدث حدثا فيؤخذ منه بقدره .

وقال غيره : يقتل ; لأنه قد نقض العهد .

ولا يرث الساحر ورثته ; لأنه كافر إلا أن يكون سحره لا يسمى كفرا .

وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها : تنكل ولا تقتل .الثالثة عشرة : واختلفوا هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور ، فأجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري ، وإليه مال المزني وكرهه الحسن البصري .

وقال الشعبي : لا بأس بالنشرة .

قال ابن بطال : وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به ، فإنه يذهب عنه كل ما به ، إن شاء الله تعالى ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله .الرابعة عشرة : أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن ، ودل إنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة دياناتهم ، وليس في إثباتهم مستحيل عقلي ، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم ، وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجوازه ، ونص الشرع على ثبوته ، قال الله تعالى : ولكن الشياطين كفروا وقال : ومن الشياطين من يغوصون له إلى غير ذلك من الآي ، وسورة " الجن " تقضي بذلك ، وقال عليه السلام : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .

وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس ، وأحالوا روحين في جسد ، والعقل لا يحيل سلوكهم في الإنس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم ، ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم ، كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم ، وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء .الخامسة عشرة : وما أنزل على الملكين ما نفي ، والواو للعطف على قوله : وما كفر سليمان وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر ، فنفى الله ذلك .

وفي الكلام تقديم وتأخير ، التقدير وما كفر سليمان ، وما أنزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله : ولكن الشياطين كفروا .

هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل ، وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه ، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ، ودقة أفهامهم ، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهن ، قال الله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد .

وقال الشاعر :أعوذ بربي من النافثا ت .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.السادسة عشرة : إن قال قائل : كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل ، فالجواب من وجوه ثلاثةالأول : أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع ، كما قال تعالى : فإن كان له إخوة فلأمه السدس ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا [ ص: 50 ] اثنان من الإخوة فصاعدا ، على ما يأتي بيانه في " النساء " .الثاني : أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون أتباعهما ، كما قال تعالى : عليها تسعة عشر .الثالث : إنما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما ، كما قال تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان وقوله : وجبريل وميكال .

وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب ، فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله ، كقوله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي وقوله : وجبريل وميكال ، وإما لطيبه كقوله : فاكهة ونخل ورمان ، وإما لأكثريته ، كقوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا ، وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية ، والله تعالى أعلم .

وقد قيل : إن ما عطف على السحر وهي مفعولة ، فعلى هذا يكون ما بمعنى الذي ، ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا ، ولله أن يمتحن عباده بما شاء ، كما امتحن بنهر طالوت ، ولهذا يقول الملكان : إنما نحن فتنة ، أي محنة من الله ، نخبرك أن عمل الساحر كفر فإن أطعتنا نجوت ، وإن عصيتنا هلكت .

وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه : أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم عليه السلام - وذلك في زمن إدريس عليه السلام - عيرتهم الملائكة ، فقال الله تعالى : أما إنكم لو كنتم مكانهم ، وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم ، فقالوا : سبحانك !

ما كان ينبغي لنا ذلك ، قال : فاختاروا ملكين من خياركم ، فاختاروا هاروت وماروت ، فأنزلهما إلى الأرض فركب فيهما الشهوة ، فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة اسمها بالنبطية " بيدخت " وبالفارسية " ناهيل " وبالعربية " الزهرة " اختصمت إليهما ، وراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله ، فأجاباها وشربا الخمر وألما بها ، فرآهما رجل فقتلاه ، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها فتكلمت به فعرجت فمسخت كوكبا .

وقال سالم عن أبيه عن عبد الله : [ ص: 51 ] فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله عليهما .

وفي غير هذا الحديث : فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا ، فهما يعذبان ببابل في سرب من الأرض .

قيل : بابل العراق .

وقيل : بابل نهاوند ، وكان ابن عمر فيما يروى عن عطاء أنه كان إذا رأى الزهرة وسهيلا سبهما وشتمهما ، ويقول : إن سهيلا كان عشارا باليمن يظلم الناس ، وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت .قلنا : هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره ، لا يصح منه شيء ، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه ، وسفراؤه إلى رسله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون .

يسبحون الليل والنهار لا يفترون .

وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ، ويخلق فيهم الشهوات ، إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ، ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء ، لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح .

ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ، ففي الخبر : ( أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر " .

وهذا معنى قول الله تعالى : وكل في فلك يسبحون .

فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم ، ثم إن قول الملائكة : " ما كان ينبغي لنا " عورة : لا تقدر على فتنتنا ، وهذا كفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين ، وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون .السابعة عشرة : قرأ ابن عباس وابن أبزى والضحاك والحسن : " الملكين " بكسر اللام .

قال ابن أبزى : هما داود وسليمان .

ف " ما " على هذا القول أيضا نافية ، وضعف هذا القول ابن العربي .

وقال الحسن : هما علجان كانا ببابل ملكين ، ف " ما " على هذا القول مفعولة غير نافية .الثامنة عشرة : ببابل بابل لا ينصرف للتأنيث والتعريف والعجمة ، وهي قطر من الأرض ، قيل : العراق وما والاه .

وقال ابن مسعود لأهل الكوفة : أنتم بين الحيرة وبابل .

وقال قتادة : هي من نصيبين إلى رأس العين .

وقال قوم : هي بالمغرب .

قال ابن عطية : وهذا ضعيف .

وقال قوم : هو جبل نهاوند ، فالله تعالى أعلم .واختلف في تسميته ببابل ، فقيل : سمي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ .

وقيل : سمي به لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من الآفاق إلى بابل ، فبلبل الله ألسنتهم بها ، ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد .

والبلبلة : التفريق ، قال معناه الخليل .

وقال أبو عمر بن عبد البر : من أخصر ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودي ابتنى قرية وسماها ثمانين ، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة ، إحداها اللسان العربي ، وكان لا يفهم بعضهم عن بعض .التاسعة عشرة : روى عبد الله بن بشر المازني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت .

قال علماؤنا : إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحرك بخدعها ، وتكتمك فتنتها ، فتدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها ، والجمع لها والمنع ، حتى تفرق بينك وبين طاعة الله تعالى ، وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته ، فالدنيا أسحر منهما ، تأخذ بقلبك عن الله ، وعن القيام بحقوقه ، وعن وعده ووعيده .

وسحر الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها ، وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حبك الشيء يعمي ويصم .الموفية عشرين : قوله تعالى : هاروت وماروت لا ينصرف هاروت ; لأنه أعجمي معرفة ، وكذا ماروت ، ويجمع هواريت ومواريت ، مثل طواغيت ، ويقال : هوارتة وهوار ، وموارتة وموار ، ومثله جالوت وطالوت ، فاعلم .

وقد تقدم هل هما ملكان أو غيرهما ؟

خلاف .

قال الزجاج : وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : أي والذي أنزل على الملكين ، وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه .

قال الزجاج : وهذا القول [ ص: 53 ] الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ، ومعناه أنهما يعلمان الناس على النهي فيقولان لهم : لا تفعلوا كذا ، ولا تحتالوا بكذا لتفرقوا بين المرء وزوجه .

والذي أنزل عليهما هو النهي ، كأنه قولا للناس : لا تعملوا كذا ، ف ( يعلمان ) بمعنى يعلمان ، كما قال : ولقد كرمنا بني آدم أي أكرمنا .الحادية والعشرون : قوله تعالى : وما يعلمان من أحد من زائدة للتوكيد ، والتقدير : وما يعلمان أحدا .

حتى يقولا نصب بحتى فلذلك حذفت منه النون ، ولغة هذيل وثقيف " عتى " بالعين المعجمة .

والضمير في يعلمان لهاروت وماروت .

وفي يعلمان قولان ، أحدهما : أنه على بابه من التعليم .

الثاني : أنه من الإعلام لا من التعليم ، ف يعلمان بمعنى يعلمان ، وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى اعلم ، ذكره ابن الأعرابي وابن الأنباري .

قال كعب بن مالك :تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدا منك كالأخذ باليدوقال القطامي :تعلم أن بعد الغي رشدا وأن لذلك الغي انقشاعاوقال زهير :تعلمن ها لعمر الله ذا قسما فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلكوقال آخر :تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبورإنما نحن فتنة لما أنبأ بفتنتهما كانت الدنيا أسحر منهما حين كتمت فتنتها .

فلا تكفر قالت فرقة بتعليم السحر ، وقالت فرقة باستعماله .

وحكى المهدوي أنه استهزاء ; لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله .الثانية والعشرون : قوله تعالى : فيتعلمون منهما قال سيبويه : التقدير فهم يتعلمون ، قال ومثله كن فيكون .

وقيل : هو معطوف على موضع ما يعلمان ; لأن قوله : وما يعلمان وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الإيجاب في التعليم .

وقال الفراء : هي مردودة على قوله : يعلمون الناس السحر فيتعلمون ، ويكون " فيتعلمون " متصلة بقوله إنما نحن فتنة فيأتون فيتعلمون .

قال السدي : كانا يقولان لمن جاءهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر [ ص: 54 ] فإن أبى أن يرجع قالا له : ائت هذا الرماد فبل فيه ، فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء ، وهو الإيمان ، ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر ، فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه .

ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة ; لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر والغاية في تعليمه ، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره .

وقالت طائفة : ذلك خرج على الأغلب ، ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب ، بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ، ويحول بين المرء وقلبه ، وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام ، وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة ، وقد تقدم هذا ، والحمد لله .الثالثة والعشرون : قوله تعالى : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ما هم ، إشارة إلى السحرة .

وقيل إلى اليهود ، وقيل إلى الشياطين .

بضارين به أي بالسحر .

من أحد أي أحدا ، ومن زائدة .

إلا بإذن الله بإرادته وقضائه لا بأمره لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها .

وقال الزجاج : إلا بإذن الله إلا بعلم الله .

قال النحاس : وقول أبي إسحاق إلا بإذن الله إلا بعلم الله غلط ; لأنه إنما يقال في العلم أذن ، وقد أذنت أذنا .

ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه أباحه مجازا .الرابعة والعشرون : ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعا قليلا في الدنيا .

وقيل : يضرهم في الدنيا ; لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه ; لأنه يؤدب ويزجر ، ويلحقه شؤم السحر .

وباقي الآي بين لتقدم معانيها .واللام في ولقد علموا لام توكيد .

لمن اشتراه لام يمين ، وهي للتوكيد أيضا .

وموضع من رفع بالابتداء ; لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها .

ومن بمعنى الذي .

وقال الفراء .

هي للمجازاة .

وقال الزجاج : ليس هذا بموضع شرط ، ومن بمعنى الذي ، كما تقول : لقد علمت ، لمن جاءك ما له عقل .

من خلاق من زائدة ، والتقدير ما له في الآخرة خلاق ، ولا تزاد في الواجب ، هذا قول البصريين .

وقال الكوفيون : تكون زائدة في الواجب ، واستدلوا بقوله تعالى : يغفر لكم من ذنوبكم والخلاق : النصيب ، قاله مجاهد .

قال الزجاج : وكذلك هو عند أهل اللغة ، إلا أنه لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير .

وسئل عن قوله تعالى : ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق فأخبر أنهم قد علموا .

ثم قال : ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فأخبر أنهم لا يعلمون ، فالجواب وهو [ ص: 55 ] قول قطرب والأخفش : أن يكون الذين يعلمون الشياطين ، والذين شروا أنفسهم - أي باعوها - هم الإنس الذين لا يعلمون .

قال الزجاج وقال علي بن سليمان : الأجود عندي أن يكون ولقد علموا للملكين ; لأنهما أولى بأن يعلموا .

وقال : علموا كما يقال : الزيدان قاموا .

وقال الزجاج : الذين علموا علماء اليهود ، ولكن قيل : لو كانوا يعلمون أي فدخلوا في محل من يقال له : لست بعالم ; لأنهم تركوا العمل بعلمهم واسترشدوا من الذين عملوا بالسحر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع, ابتلي بالاشتغال بما يضره, فمن ترك عبادة الرحمن, ابتلي بعبادة الأوثان, ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه, ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه, ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان, ومن ترك الذل لربه, ابتلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل.

كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله { اتبعوا ما تتلوا الشياطين } وتختلق من السحر { على ملك سليمان } حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم.

وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان، بل نزهه الصادق في قيله: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } أي: بتعلم السحر, فلم يتعلمه، { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } بذلك.

{ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر.

{ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى } ينصحاه, و { يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته, فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة.

فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين, والسحر الذي يعلمه الملكان, فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين, وكل يصبو إلى ما يناسبه.

ثم ذكر مفاسد السحر فقال: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما, لأن الله قال في حقهما: { وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله, كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير, ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة, فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين.

ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة, ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } فهذا السحر مضرة محضة, فليس له داع أصلا, فالمنهيات كلها إما مضرة محضة, أو شرها أكبر من خيرها.

كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها.

{ وَلَقَدْ عَلِمُوا } أي: اليهود { لَمَنِ اشْتَرَاهُ } أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة.

{ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ } أي: نصيب, بل هو موجب للعقوبة, فلم يكن فعلهم إياه جهلا, ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.

{ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } علما يثمر العمل ما فعلوه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( واتبعوا ) يعني اليهود ( ما تتلو الشياطين ) أي : ما تلت ، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي ، والماضي موضع المستقبل ، وقيل : ما كنت تتلو أي تقرأ ، قال ابن عباس رضي الله عنه : تتبع وتعمل به ، وقال عطاء تحدث وتكلم به ( على ملك سليمان ) أي : في ملكه وعهده .

وقصة الآية أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات على لسان آصف بن برخيا هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك ، ثم دفنوها تحت مصلاه حتى نزع الله الملك عنه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوها وقالوا للناس : إنما ملكهم سليمان بها فتعلموه فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا من علم الله وأما السفلة ، فقالوا : هذا علم سليمان ، وأقبلوا على تعلمه ، ورفضوا كتب أنبيائهم ، وفشت الملامة على سليمان فلم يزل هذا حالهم وفعلهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان ، هذا قول الكلبي .

وقال السدي : كانت الشياطين تصعد إلى السماء ، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره ، فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها [ فكتب ذلك ] وفشا في بني إسرائيل أن الجن يعلمون الغيب ، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال : لا أسمع أحدا يقول إن الشيطان يعلم الغيب إلا ضربت عنقه ، فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنة الكتب ، وخلف من بعدهم خلف ، تمثل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل فقال : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا قالوا : نعم فذهب معهم فأراهم المكان الذي تحت كرسيه ، فحفروا فأقام ناحية فقالوا له : ادن وقال : لا أحضر ، فإن لم تجدوه فاقتلوني ، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق ، فحفروا وأخرجوا تلك الكتب ، فقال الشيطان لعنه الله : إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا ، ثم طار الشيطان عنهم ، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا ، وأخذوا تلك الكتب ( واستعملوها ) فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برأ الله تعالى سليمان من ذلك ، وأنزل في عذر سليمان : ( وما كفر سليمان ) بالسحر ، وقيل : لم يكن سليمان كافرا بالسحر ويعمل به ( ولكن الشياطين كفروا ) قرأ ابن عباس رضي الله عنه والكسائي وحمزة ، " لكن " خفيفة النون " والشياطين " رفع ، وقرأ الآخرون ولكن مشددة النون " والشياطين " نصب وكذلك " ولكن الله قتلهم " ( 17 - الأنفال ) ومعنى لكن : نفي الخبر الماضي وإثبات المستقبل .

( يعلمون الناس ) قيل : معنى السحر العلم والحذق بالشيء قال الله تعالى " وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك ( 49 - الزخرف ) أي العالم ، والصحيح : أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل ، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة ، وعليه أكثر الأمم ، ولكن العمل به كفر ، حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : السحر يخيل ويمرض وقد يقتل ، حتى أوجب القصاص على من قتل به فهو من عمل الشيطان ، يتلقاه الساحر منه بتعليمه إياه ، فإذا تلقاه منه استعمله في غيره ، وقيل : إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار على صورة الكلب ، والأصح أن ذلك تخييل قال الله تعالى : " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ( 66 - طه ) لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون ، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يحم منه ، وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان .

قوله عز وجل ( وما أنزل على الملكين ببابل ) أي ويعلمون الذي أنزل على الملكين [ أي إلهاما وعلما ، فالإنزال بمعنى الإلهام والتعليم ، وقيل : واتبعوا ما أنزل على الملكين ] وقرأ ابن عباس والحسن الملكين بكسر اللام ، وقال ابن عباس : هما رجلان ساحران كانا ببابل ، وقال الحسن : علجان ؛ لأن الملائكة لا يعلمون السحر .

وبابل هي بابل العراق سميت بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها ، قال ابن مسعود : بابل أرض الكوفة ، وقيل جبل دماوند ، والقراءة المعروفة على الملكين بالفتح .

فإن قيل كيف يجوز تعليم السحر من الملائكة ؟

قيل : له تأويلان : أحدهما ، أنهما لا يتعمدان التعليم لكن يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه ، والتعليم بمعنى الإعلام ، فالشقي يترك نصيحتهما ويتعلم السحر من صنعتهما .

والتأويل الثاني : وهو الأصح : أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقي يتعلم السحر منهما ويأخذه عنهما ويعمل به فيكفر به ، ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان ، ويزداد المعلمان بالتعليم عذابا ، ففيه ابتلاء للمعلم [ والمتعلم ] ولله أن يمتحن عباده بما شاء ، فله الأمر والحكم .

قوله عز وجل ( هاروت وماروت ) اسمان سريانيان وهما في محل الخفض على تفسير الملكين إلا أنهما نصبا لعجمتهما ومعرفتهما ، وكانت قصتهما على ما ذكر ابن عباس والمفسرون أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام فعيروهم وقالوا : هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض خليفة واخترتهم فهم يعصونك فقال الله تعالى : لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا فقالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك قال لهم الله تعالى : فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض ، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم ، وقال الكلبي : قال الله تعالى لهم : اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت - غير اسمهما لما قارفا الذنب - وعزائيل ، فركب الله فيهم الشهوة وأهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر ، فأما عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقبل ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء ، فأقاله فسجد أربعين سنة لم يرفع رأسه ، ولم يزل بعد مطأطئا رأسه حياء من الله تعالى .

وأما الآخران : فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يقضيان بين الناس يومهما ، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء ، قال قتادة : فما مر عليهما شهر حتى افتتنا .

قالوا جميعا إنه اختصمت إليهما ذات يوم الزهرة وكانت من أجمل النساء ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : وكانت من أهل فارس وكانت ملكة في بلدها فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت : لا إلا أن تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر فقالا لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها ، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر ، وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا : الصلاة لغير الله عظيم ، وقتل النفس عظيم ، وأهون الثلاثة شرب الخمر ، فشربا الخمر فانتشيا ووقعا بالمرأة ، فزنيا فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه ، قال الربيع بن أنس وسجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكبا - وقال بعضهم : جاءتهما امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجها فقال أحدهما للآخر : هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي ( من حب هذه ) ؟

قال : نعم فقال : وهل لك أن تقضي لها على زوجها بما تقول ؟

فقال له صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب ؟

فقال له صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فسألاها نفسها ، فقالت : لا إلا أن تقتلاه فقال أحدهما : أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب ؟

فقال صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فقتلاه ثم سألاها نفسها ، فقالت : لا إن لي صنما أعبده ، إن أنتما صليتما معي له : فعلت ، فقال : أحدهما لصاحبه مثل القول الأول فقال صاحبه مثله ، فصليا معها له فمسخت شهابا .

قال ابن أبي طالب رضي الله عنه والكلبي والسدي : إنها قالت لهما حين سألاها نفسها : لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا باسم الله الأكبر ، قالت : فما أنتم تدركاني حتى تعلمانيه ، فقال أحدهما لصاحبه : علمها فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، قال الآخر : فأين رحمة الله تعالى ؟

فعلماها ذلك فتكلمت ، فصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا ، فذهب بعضهم إلى أنها الزهرة بعينها وأنكر الآخرون هذا وقالوا : إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله بها فقال " فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس " ( 15 - التكوير ) والتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى الزهرة لجمالها فلما بغت مسخها الله تعالى شهابا ، قالوا : فلما أمسى هاروت وماروت بعدما قارفا الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما ، فعلما ما حل بهما ( من الغضب ) فقصدا إدريس النبي عليه السلام ، فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل وقالا له : إنا رأيناك يصعد لك من العبادات مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاستشفع لنا إلى ربك ففعل ذلك إدريس عليه السلام فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع فهما ببابل يعذبان .

واختلفوا في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود : هما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة ، وقال عطاء بن أبي رباح : رءوسهما مصوبة تحت أجنحتهما ، وقال قتادة ( كبلا ) من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما ، وقال مجاهد : جعلا في جب ملئت نارا ، وقال عمر بن سعد : منكوسان يضربان بسياط من الحديد .

وروي أن رجلا قصد هاروت وماروت لتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما ، مزرقة أعينهما ، مسودة جلودهما ، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا أربع أصابع وهما يعذبان بالعطش ، فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال : لا إله إلا الله ، فلما سمعا كلامه قالا له : من أنت ؟

قال : رجل من الناس ، قالا من أي أمة أنت ؟

قال : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا أوقد بعث محمد صلى الله عليه وسلم ؟

قال : نعم ، قالا : الحمد لله ، وأظهر الاستبشار فقال الرجل : ومم استبشاركما ؟

قالا إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا .

قوله تعالى : ( وما يعلمان من أحد ) أي أحدا ، و " من " صلة ( حتى ) ينصحاه أولا و ( يقولا إنما نحن فتنة ) ابتلاء ومحنة ( فلا تكفر ) أي لا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر ، وأصل الفتنة : الاختبار والامتحان ، من قولهم : فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار ، ليتميز الجيد من الرديء وإنما وحد الفتنة وهما اثنان ؛ لأن الفتنة مصدر ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ، وقيل : إنهما يقولان " إنما نحن فتنة فلا تكفر " سبع مرات .

قال عطاء والسدي : فإن أبى إلا التعلم قالا له : ائت هذا الرماد ( وأقبل عليه ) فيخرج منه نور ساطع في السماء فذلك نور المعرفة ، وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى ، قال مجاهد : إن هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة اختلافة واحدة ، ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) أن ( يؤخذ ) كل واحد عن صاحبه ، ويبغض كل واحد إلى صاحبه قال الله تعالى : ( وما هم ) قيل أي السحرة وقيل : الشياطين ( بضارين به ) أي بالسحر ( من أحد ) أي أحدا ، ( إلا بإذن الله ) أي : بعلمه وتكوينه ، فالساحر يسحر والله يكون .

قال سفيان الثوري : معناه إلا بقضائه وقدرته ومشيئته ، ( ويتعلمون ما يضرهم ) يعني : أن السحر يضرهم ( ولا ينفعهم ولقد علموا ) يعني اليهود ( لمن اشتراه ) أي اختار السحر ( ما له في الآخرة من خلاق ) أي في الجنة من نصيب ( ولبئس ما شروا به ) باعوا به ( أنفسهم ) حظ أنفسهم ، حيث اختارواالسحر والكفر على الدين والحق ( لو كانوا يعلمون ) فإن قيل : أليس قد قال ولقد علموا لمن اشتراه فما معنى قوله تعالى " لو كانوا يعلمون " بعدما أخبر أنهم علموا قيل : أراد بقوله " ولقد علموا " يعني الشياطين .

وقوله " لو كانوا يعلمون " يعني اليهود وقيل : كلاهما في اليهود يعني : لكنهم لما لم يعلموا بما علموا فكأنهم لم يعلموا

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتبعوا» عطف على نبذ «ما تتلوا» أي تلت «الشياطين على» عهد «ملك سليمان» من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه أو كانت تسترق السمع وتضم إليه أكاذيب وتلقيه إلى الكهنة فيدونونه وفشا ذلك وشاع أن الجن تعلم الغيب فجمع سليمان الكتب ودفنها فلما مات دلت الشياطين عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر فقالوا إنما ملككم بهذا فتعلموه فرفضوا كتب أنبيائهم قال تعالى تبرئه لسليمان ورداً على اليهود في قولهم انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحراً: «وما كفر سليمان» أي لم يعمل السحر لأنه كفر «ولكن» بالتشديد والتخفيف «الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر» الجملة حال من ضمير كفروا «و» يعلمونهم «ما أنزل على الملكين» أي ألهماه من السحر وقرئ بكسر اللام الكائنين «ببابل» بلد في سواد العراق «هاروت وماروت» بدل أو عطف بيان للملكين قال ابن عباس هما ساحران كانا يعلمان السحر وقيل ملكان أنزلا لتعليمه ابتلاء من الله للناس «وما يعلمان من» زائدة «أحد حتى يقولا» له نصحاً «إنما نحن فتنة» بلية من الله إلى الناس ليمتحنهم بتعليمه فمن تعلمه كفر ومن تركه فهو مؤمن «فلا تكفر» بتعلمه فإن أبى إلا التعليم علماه «فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه» بأن يبغض كلا إلى الآخر «وما هم» أي السحرة «بضارين به» بالسحر «من» زائدة «أحد إلا بإذن الله» بإرادته «ويتعلمون ما يضرهم» في الآخرة «ولا ينفعهم» وهو السحر «ولقد» لام قسم «علموا» أي اليهود «لمن» لام ابتداء معلقة لما قبلها ومن موصلة «اشتراه» اختاره أو استبدله بكتاب الله «ماله في الآخرة من خلاق» نصيب في الجنة «ولبئس ما» شيئاً «شروا» باعوا «به أنفسهم» أي الشارين: أي حظها من الآخرة إن تعلموه حيث أوجب لهم النار «لو كانوا يعلمون» حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلَّموه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واتبع اليهود ما تُحَدِّث الشياطينُ به السحرةَ على عهد ملك سليمان بن داود.

وما كفر سليمان وما تَعَلَّم السِّحر، ولكنَّ الشياطين هم الذين كفروا بالله حين علَّموا الناس السحر؛ إفسادًا لدينهم.

وكذلك اتبع اليهود السِّحر الذي أُنزل على الملَكَين هاروت وماروت، بأرض "بابل" في "العراق"؛ امتحانًا وابتلاء من الله لعباده، وما يعلِّم الملكان من أحد حتى ينصحاه ويحذِّراه من تعلم السحر، ويقولا له: لا تكفر بتعلم السِّحر وطاعة الشياطين.

فيتعلم الناس من الملكين ما يُحْدِثون به الكراهية بين الزوجين حتى يتفرقا.

ولا يستطيع السحرة أن يضروا به أحدًا إلا بإذن الله وقضائه.

وما يتعلم السحرة إلا شرًا يضرهم ولا ينفعهم، وقد نقلته الشياطين إلى اليهود، فشاع فيهم حتى فضَّلوه على كتاب الله.

ولقد علم اليهود أن من اختار السِّحر وترك الحق ما له في الآخرة من نصيب في الخير.

ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر عوضًا عن الإيمان ومتابعة الرسول، لو كان لهم عِلْمٌ يثمر العمل بما وُعِظوا به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - لوناً آخر من زيغهم وضلالهم واتباعهم للأباطيل بعد أن وبخهم على نبذهم لكتابه فقال تعالى : ( واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) .اتبعوا : من الاتباع وهو الاقتداء ، والضمير فيه يعود على اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم .وتتلو : من التلاوة بمعنى الاتباع أو القراءة ، وقال الراغب : تلا عليه كذب عليه .والشياطين : جمع شيطان ، وهو كائن حي خلق من النار ، ويطلق على الممتلئ شراً من الأنس .والمعنى : إن هؤلاء اليهود نبذوا كتاب الله ، واتبعوا الذي كانت تتلوه وتقصه الشياطين على عهد ملك سليمان ، وفي زمانه ، من الأكاذيب والكفر ومن ذلك زعمهم أن ملكه قام على أساس السحر ، وأنه ارتد في أواخر حياته ، وعبد الأصنام إرضاء لنسائه والوثنيات إلى غير ذلك من الأكاذيب التي ألصقوها به - عليه السلام - وهو برئ منها .قال صاحب الكشاف : وقوله تعالى : ( على مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) أي على عهد ملكه وفي زمانه ، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة ، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها للناس ، وفشا ذلك في زمان سليمان - عليه السلام - حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب ، وكانوا يقولون : ما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الإِنس والجن والريح التي تجري بأمره .وقوله تعالى : ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ ) معناه : وما كفر سليمان ولكن الشياطين هم الذين كفروا إذ تعلموا السحر وعلموه لغيرهم بقصد إضلالهم ، وصرفهم عن عبادة - الله - تعالى - إلى عبادة غيره من المخلوقات .ففي الجملة الكريمة تنزيه لسليمان - عليه السلام - عن الردة والشرك وتبرئه له من عمل السحر الذي كان يتعاطاه أولئك الشياطين وينسبونه إليه زوراً وبهتاناً ، ودلالة على أن ذلك السحر الذي نسبوه إليه وباشرته الشياطين نوع من الكفر .وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان ، وأنه ارتد في آخر عمره ، وعبد الأصنام وبني لها المعابد ، وكانوا عندما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم سليمان بين الأنبياء يقولون : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل ، يذكر سليمان مع الأنبياء ، وإنما كان ساحراً يركب الريح .فإن قال قائل : ما الحكمة في نفي الكفر عن سليمان مع أن صدر الآية لا يفيد أن أحداً نسب إليه ذلك .فالجواب : أن اليهود الذين نبذوا كتاب الله ، واتبعوا ما تلته الشياطين من السحر أضافوا هذا السحر إلى سليمان ، وقالوا إنه كان يسخر به الجن والإِنس والريح ، فأكذبهم الله - تعالى - بقوله : ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ ) كما بينا .والضمير في قوله تعالى : ( يُعَلِّمُونَ الناس السحر ) : وجهان :أحدهما : أنه متصل بقوله تعالى : ( ولكن الشياطين كَفَرُواْ ) أي : أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر .والثاني : وهو الأظهر أنه متصل بالكلام عن اليهود وأن الكلام في الشياطين قد انتهى عند قوله تعالى ( كَفَرُواْ ) وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهوراً في زمن التنزيل ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم ، أي أن فريقاً من اليهود نبذوا كتاب الله اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟

فأجاب على طريق الاستئناف البياني ( يُعَلِّمُونَ الناس السحر ) .ونفي الكفر عن سليمان والصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض ، فعلم أيضاً - أنهم اتبعوا الشياطين بهذه القرية ، وإنما كان القصد إلى صوف اليهود بتعلم السحر ، لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ، ويضرون بها الناس خداعاً وتمويها وتلبساً .وإنما أضاف الله - تعالى - إلى اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان خاصة مع أنه كان معروفاً قبل سليمان - عليه السلام - كما أخبر به القرآن عن سحرة فرعون ، وإنما أضاف ذلك إليهم ، لأن هذا كان هو الواقع منهم ، ولأن سحر هؤلاء الشياطين الذين كانوا على عهد سليمان ، كان مدوناً في صحف اليهود من قديم ، وتوارثه خلفهم عن سلفهم إلى أن صول إلى من عاصر النبي صلى الله عليه وسلم منهم ولأن سليمان - عليه السلام - أعطاه الله تعالى ملكاً واسعاً وسخر له الإِنس والجن والريح ، فعزت الشياطين ذلك كله إلى تعلمه السحر .و ( مَآ ) في قوله تعالى : ( وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) موصولة ، وهي معطوفة على السحر في قوله تعالى : ( يُعَلِّمُونَ الناس السحر ) أي يعلمون الناس السحر ، ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين .والذي أنزل عليهما هو وصف السحر وما هيته وكيفية الاحتيال به .

ليعرفاه الناس فيجتنبوه على حد قول الشاعر :عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ...

ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيهفالشياطين عرفوه فعملوا به ، وعلموه للناس ليستعملوه في الشرر والمآثم بينما المؤمنون عرفوه واستفادوا من الاطلاع عليه فتجنبوه .هذا ، واختصت بابل بالإِنزال ، لأنها كانت أكثر البلاد عملا بالسحر ، وكان سحرتها قد اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم في أبدانهم وعقولهم وأموالهم ، ثم جروهم إلى عبادة الأصنام والكواكب فحدث فساد عظيم ، وعمت الأباطيل فألهم الله - تعالى - هاروت وماروت أن يكشفا للناس حقيقة السحر ودقائقه ، حتى يعلموا أن السحرة الذين صرفوهم عن عبادة الله إلى عبادة الكواكب وغيرها قد خدعوهم وأضلوهم ، وبذلك يعودون إلى الصراط المستقيم .واللام في ( الملكين ) مفتوحة في القراءات العشر المتواترة ، وقرئ شاذاً ( الملكين ) بكسر اللام .قال بعض المفسرين : المراد بالملكين - بفتح اللام - رجلان صالحان اطلعا على أسرار السحر التي كانت تفعلها السحرة ، فعلماها للناس ليحذراهم من الانقياد لتلبيسات الشياطين ، وسميا ملكين مع أنهما من البشر لصلاحهما وتقواهما ، ويؤيد هذا الرأي قراءة الملكين - بكسر اللام - وإن كانت شاذة :وقال جمهور المفسرين : إنما ملكان على الحقيقة أنزلهما الله - تعالى - ليعلما الناس السحر ابتلاء لهم ، ليفضحا مزاعم السحرة الذين كانوا يدعون النبوة كذبا ، ويسخرون العامة لهم ويخرجونهم إلى عبادة غير الله ، ( هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) اسمان للملكين الذين أنزل عليهما السحر ، وهما بدل أو عطف بيان للملكين .وقوله تعالى : ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ) بيان لما كان ينصح به الملكان من يريد تعلم السحر منهما .

والجملة حالية من هاروت وماروت .والفتنة ، المراد هنا الابتلاء والاختبار ، تقول : فتنت الذهب في النار ، أي : اختبرته لتعرف جودته ورداءته .والمعنى : أن الملكين لا يعلمان أحداً من الناس السحر إلا وينصحانه بقولهما إن ما نعلمك إياه من فنون السحر الغرض منه الابتلاء والاختبار لتمييز المطيع من العاصي .

فمن عمل به ضل وقوي ، ومن تركه فهو على هدى ونور من الله ، ولإِظهار الفرق بين المعجزة والسحر .

فحذار أن تستعمل ما تعلمته فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين : كما كفر السحرة بنسبتهم التأثيرات إلى الكواكب وغيرها من المخلوقات .فالمقصود من تعليم الملكين للناس السحر ، فضح أمر السحرة الذين كثروا في تلك الأيام ، وادعو ما لم يأذن به الله ، وإظهار الفرق بين المعجزة والسحر حتى يعلم الناس أن هؤلاء السحرة الذين قد يزعمون بمرور الأيام أنهم أنبياء ليسوا كذلك ، وإنما هم أفاكون ، وأخبروا على أنفسهم بطريق القصر بأنهم فتنة للمبالغة في الإقرار بأنهما لا يملكان نفعاً ولا ضراً لأحد ، وإنما هما فتنة محضة ، وابتلاء من الله لعباده لتمييز المطيع من العاصي .ثم بين - سبحانه - لوناً من السحر البغيض الذي استعمله أولئك السحرة في الأذى فقال تعالى : ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ ) أي فيتعلم بعض الناس من الملكين ما يحصل به الفراق بين المرء وزوجه .فالجملة الكريمة تفريع عما دل عليه قوله تعالى قبل ذلك : ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ) لأنه يقتضي أن التعليم حاصل ، وأن بعض المتعلمين قد استعملوه في التفريق بين الزوجين .وخصص سبحانه ها اللون من السحر بالنص عليه للتنبيه على شدة فساده .

وعلى شناعة ذنب من يقوم به .

لأنه تسبب عنه التفريق بين الزوجين اللذين جمعت بينهما أواصر المودة والرحمة .والضمير في قوله تعالى : ( فَيَتَعَلَّمُونَ ) راجع لأحد ، وصح عود ضمير الجمع عليه مع أنه مفرد ، لوقوعه في سياق النفي ، والنكرة إذا وردت بعد نفي كانت في معنى أفراد كثيرة ، فصح أن يعود ضمير الجمع إليه كذلك .ثم نفى - سبحانه - أن يكون السحر مؤثراً بذاته فقال تعالى : ( وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ) أي : أن أولئك السحرة لن يضروا أو ينفعوا أحداً بسحرهم إلا بإذن الله وقدرته ، فالسحر سبب عادي لما ينشأ عنه من الأضرار ويجوز أن يتخلف عنه مسببه إذا أذن الله بذلك .والجملة الكريمة معترضة لدفع توهم أن يكون السحر مضراً بذاته ، بحيث لا يتخلف عنه الضرر متى تعاطاه الساحر .والمراد ( بِإِذْنِ الله ) هنا .

تخليته - سبحانه - بين السحور وضرر السحر ، أي : إن شاء حصل الضرر بسبب السحر ، وإن شاء منعه فلا يصيب المسحور منه شيء من الأذى .وعبر - سبحانه - عن هذا المعنى بطريق القصر ، مبالغة في نفي أي تأثير للسحر بذاته ، وإغراء للناس بتكذيب ما يزعمه السحرة من أن لهم قوي غيبية سوى الأسباب التي ربط الله بها المسببات ، وإرشاداً لهم إلى حسن الاعتقاد ، وسلامة اليقين .ثم بين - سبحانه - أن أولئك المتعليمن السحر للأذى وللتفرقة بين المتحابين يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ، فقال تعالى : ( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ) أي : أن أولئك الذين تعلموا السحر ليضروا به غيرهم ، ولم يتعلموه ليفرقوا به بين الحق والباطل ، أو ليدفعوا به الشر عن أنفسهم ، قد سلكوا بهذا التعليم الطريق الذي يضرهم ولا ينفعهم ، وأصبحوا بذلك عاصين لما نصحهم به الملكان عند تعليم السحر .وفي هذه الجملة الكريمة زيادة تنبيه على تفاهة عقول المشتغلين بالسحر للأذى ومبالغة في تجهيل المصدقين لهم ، لأن الساحر - مهما بلغت براعته - فلن يستطيع أن يمنع شيئاً أراده الله ، ولا أن يأتي بشيء منعه الله ما دام الأمر كذلك فالمشتغل به ، والمصدق له كلاهما وقع في ضلال مبين .وقد أفادت الجملة الكريمة يجمعهها بين إثبات الضر ونفي النفع مفاد الحصر فكأنه - سبحانه - يقول : ويتعلمون ما ليس إلا ضرراً بحتاً .ثم بين - سبحانه - مآل أولئك اليهود التاركين للحق ، والمتبعين للباطل فقال تعالى : ( وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ ) أي : ولقد علم أولئك اليهود الذين بنذوا تعاليم كتابهم واتبعوا السحر ، أن من استبدل السحر بكتاب الله بكتاب الله ليس له من حظ في الجنة ، لأنه قد اختار الضلال وترك الهدى ، وعلمهم مرجعه إلى أن التوراة قد حرمت عليهم تعلم السحر أو تعليمه للأذى والضرر ، وشددت العقوبة على مرتكبه ، وعلى متبع الجن والشياطين والكهان .فالضمير في ( عَلِمُواْ ) يعود إلى أولئك اليهود الذي تركوا كتاب الله واستبدلوا به السحر .والاشتراء هو اكتساب شيء ببذل غيره ، والمراد أنهم اكتسبوا السحر الذي تتلوه الشياطين بعد أن بذلوا في سبيل ذلك إيمانهم ونصيبهم من الجنة ، وغدوا مفلسين من حظوظ الآخرة ، لإقبالهم على التمويه والكذب ، واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير .وأكد - سبحانه - علمهم بضرر السحر بقوله ( وَلَقَدْ عَلِمُواْ ) للإِشارة إلى أن اختيارهم للسحر لم ينشأ عن جهلهم بضرره ، وإنما هم الذين اختاروه ومالوا إليه متعمدين وعالمين بعاقبته السيئة .ثم قال تعالى : ( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) .شروا : بمعنى باعوا ، وبيع الأنفس هنا معناه بيع نصيبها من الجنة .

ونعيمها .والمعنى : ولبئس شيئا باع به أولئك السحرة حظوظ أنفسهم تعلم ما يضر من السحر والعمل به ، ولو كانوا ممن ينتفعون بعلمهم لما فعلوا ذلك .وأثبت لهم العلم في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه ) ثم نفاه عنه في قوله تعالى : ( لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) جرياً على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة من أن العالم بالشيء إذا لم يعمل بموجب علمه نزل منزلة الجاهل ونفي عنه العلم كما ينفي عن الجاهلين .وإلأى هذا المعنى الذي قررناه أشار صاحب الكشاف بقوله .فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله : ( وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه ) على سبيل التوكيد القسمي ، ثم نفاه عنهم في قوله : ( لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) .قلت : معناه لو كانوا يعملون بعلمهم .

جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسخلون عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو اشتغالهم بالسحر وإقبالهم عليه ودعاؤهم النّاسَ إليه.

أما قوله تعالى: ﴿ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ واتبعوا ﴾ حكاية عمن تقدم ذكره وهم اليهود، ثم فيه أقوال، أحدها: أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام.

وثانيها: أنهم الذين تقدموا من اليهود.

وثالثها: أنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر.

ورابعها: أنه يتناول الكل وهذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا دليل على التخصيص.

قال السدي: لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فهذا قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ  ﴾ ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير: ﴿ تَتْلُواْ ﴾ وجوهاً، أحدها: أن المراد منه التلاوة والإخبار.

وثانيها: قال أبو مسلم (تتلوا) أي تكذب على ملك سليمان.

يقال: تلا عليه إذا كذب وتلا عنه، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران.

والأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر، إلا أن المخبر يقال في خبره إذا كان كذباً إنه تلا فلان وإنه قد تلا على فلان ليميز بينه وبين الصدق الذي لا يقال فيه، روي عن فلان، بل يقال: روي عن فلان وأخبر عن فلان وتلا عن فلان وذلك لا يليق إلا بالأخبار والتلاوة، ولا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف.

المسألة الثالثة: اختلفوا في الشياطين فقيل: المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين، وقيل: شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة، وقيل: هم شياطين الإنس والجن معاً.

أما الذين حملوه على شياطين الجن قالوا: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الجن والإنس والريح التي تجري بأمره.

وأما الذين حملوه على شياطين الإنس قالوا: روي في الخبر أن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى: ما تتلوا الشياطين، واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف محققاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان.

فإن قيل: إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله على شياطين الجن؟

قلنا: الفرق أن الذي يفعله الإنسان لابد وأن يظهر من بعض الوجوه، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن نزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفياً فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان.

المسألة الرابعة: أما قوله: ﴿ على مُلْكِ سليمان ﴾ فقيل في ملك سليمان، عن ابن جريج، وقيل على عهد ملك سليمان والأقرب أن يكون المراد واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر ويقولون إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان.

المسألة الخامسة: اختلفوا في المراد بملك سليمان، فقال القاضي: إن ملك سليمان هو النبوة، أو يدخل فيه النبوة وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه والشريعة.

وإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولاً على ملكه في الحقيقة.

والأصح عندي أن يقال: إن القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان.

المسألة السادسة: السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان عليه السلام وجوه: أحدها: أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم.

وثانيها: أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر.

وثالثها: أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسراراً عجيبة فغلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سليمان ﴾ فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر: قيل فيه أشياء، أحدها: ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً، فأنزل الله هذه الآية.

وثانيها: أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه.

وثالثها: أن قوماً زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال: ﴿ ولكن الشياطين كَفَرُواْ ﴾ يشير به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان، ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم ما كفروا أولاً بالسحر فقال تعالى: ﴿ يُعَلّمُونَ الناس السحر ﴾ واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه.

المسألة الأولى: في البحث عنه بحسب اللغة فنقول: ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه، قال لبيد: ونسحر بالطعام وبالشراب *** قيل فيه وجهان، أحدهما: أنا نعلل ونخدع كالمسحور المخدوع، والآخر: نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال: فإن تسألينا فيم نحن فإننا *** عصافير من هذا الأنام المسحر وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول، ويحتمل أيضاً أن يريد بالمسحر أنه ذو سحر، والسحر هو الرئة، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين  ﴾ ، يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم: ﴿ مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا  ﴾ ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ  ﴾ وقال: ﴿ فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم  ﴾ فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة.

المسألة الثانية: اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله.

قال تعالى: ﴿ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس  ﴾ يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى  ﴾ وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد.

روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، فقال لعمرو: خبرني عن الزبرقان، فقال: مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان: هو والله يعلم أني أفضل منه، فقال عمرو: إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما، أرضاني فقلت: أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته، فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبيء عنه سحراً؟

وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفى لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر؟

قلنا: إنما سماه سحراً لوجهين: الأول: أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب، فمن هذا الوجه سمي سحراً، لا من الوجه الذي ظننت.

الثاني: أن المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً وتقبيح ما يكون حسناً فذلك يشبه السحر من هذا الوجه.

المسألة الثالثة: في أقسام السحر: اعلم أن السحر على أقسام.

الأول: سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم في مذهبهم.

أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها.

أولها: وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز، فلو كان غير الله فاعلاً للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزاً، وذلك المتحيز لابد وأن يكون قادراً بالقدرة، إذ لو كان قادراً لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة، ويدل عليه وجهان.

الأول: أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها، فهذا الامتناع حكم مشترك فلابد له من علة مشتركة ولا مشترك هاهنا إلا كوننا قادرين بالقدرة، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادراً بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة.

الثاني: أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضاً، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضاً، وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة.

وثانيها: أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه.

وثالثها: أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب، لكنا نرى من يدعي السحر متوصلاً إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد، فعلمنا كذبه وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء، لأنا نقول: لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهباً لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة أو لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول، قال القاضي: فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلاً لشيء من ذلك.

واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جداً.

أما الوجه الأول: فنقول: ما الدليل على أن كل ما سوى الله، إما أن يكون متحيزاً، وإما قائماً بالمتحيز، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة، وزعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز، فما الدليل على فساد القول بهذا؟

فإن قالوا: لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلاً لله تعالى، قلنا: لا نسلم ذلك لأن الاشتراك في الأسلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته؟

قوله: الأجسام متماثلة.

فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك، قلنا: ما الدليل على تماثل الأجسام، فإن قالوا: إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات، الشاغل للأحياز ولا تفاوت بينها في هذا المعنى، قلنا: الامتداد في الجهات والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها، ولا يبعد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم، سلمنا أنه يجب أن يكون قادراً بالقدرة، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة؟

قوله: لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع وهذا الامتناع حكم مشترك، فلابد له من علة مشتركة ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة، قلنا: هذه المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل وذلك لأن الامتناع عدمي والعدم لا يعلل، سلمنا أنه أمر وجودي، ولكن من مذهبهم أن كثيراً من الأحكام لا يعلل، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك، سلمنا أنه معلل، فلم قلتم: إن الحكم المشترك لابد له من علة مشتركة، أليس أن القبح حصل في الظلم معللاً بكونه ظلماً وفي الكذب بكونه كذباً، وفي الجهل بكونه جهلاً؟

سلمنا أنه لابد من علة مشتركة، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف، فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك؟

وأما الوجه الأول: وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض القدر أشد من مخالفة بعض هذه القدر للبعض، فنقول: هذا ضعيف، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدر، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر.

ونظير ما ذكروه أن يقال: ليست مخالفة الصوت للبياض بأشد من مخالفة السواد للبياض، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفاً للبياض أن يمتنع رؤيته.

ولما كان هذا الكلام فاسداً فكذا ما قالوه، والعجب من القاضي أنه لما حكى هذه الوجوه عن الأشعرية في مسألة الرؤية وزيفها بهذه الأسئلة، ثم إنه نفسه تمسك بها في هذه المسألة التي هي الأصل في إثبات النبوة والرد على من أثبت متوسطاً بين الله وبيننا.

أما الوجه الثاني وهو أن القول بصحة النبوات لا يبقى مع تجويز هذا الأصل فنقول: إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعاً على فساد هذه القاعدة أو لا يكون.

فإن كان الأول امتنع فساد هذا الأصل بالبناء على صحة النبوات، وإلا وقع الدور، وإن كان الثاني فقد سقط هذا الكلام بالكلية.

وأما الوجه الثالث: فلقائل أن يقول الكلام في الإمكان غير، ونحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل للبشر إلا في الأعصار المتباعدة فكيف يلزمنا ما ذكرتموه؟

فهذا هو الكلام في النوع الأول من السحر.

النوع الثاني من السحر: سحر أصحاب الأوهام والنفس القوية، قالوا: اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله: أنا ما هو؟

فمن الناس من يقول: إنه هو هذه البنية، <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ واتبعوا ﴾ أي نبذوا كتاب الله واتبعوا ﴿ مَا تَتْلُواْ الشياطين ﴾ يعني واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها ﴿ على مُلْكِ سليمان ﴾ أي على عهد ملكه وفي زمانه.

وذلك أنّ الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دوّنوها في كتب يقرؤنها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه تسخر الأنس والجن والريح التي تجري بأمره ﴿ وَمَا كَفَرَ سليمان ﴾ تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به، وسماه كفراً ﴿ ولكن الشياطين ﴾ هم الذين ﴿ كَفَرُواْ ﴾ باستعمال السحر وتدوينه ﴿ يُعَلّمُونَ الناس السحر ﴾ يقصدون به إغواءهم وإضلالهم ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين ﴾ عطف على السحر، أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين.

وقيل: هو عطف على ما تتلو، أي واتبعوا ما أنزل.

﴿ هاروت وماروت ﴾ عطف بيان للملكين علمان لهما، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس.

من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمناً: عَرَفْتُ الشَّرَّ لاَ لَلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ كما ابتلى قوم طالوت بالنهر، ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى ﴾ [البقرة: 249] .

وقرأ الحسن ﴿ على الملكين ﴾ بكسر اللام، على أنّ المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل.

وما يعلم الملكان أحداً حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ أي ابتلاء واختبار من الله ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ فلا تتعلم معتقداً أنه حق فتكفر ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ ﴾ الضمير لما دلّ عليه من أحد، أي فيتعلم الناس من الملكين ﴿ مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ ﴾ أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه، كالنفث في العقد، ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه، لا أنّ السحر له أثر في نفسه بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ لأنه ربما أحدث الله عنده فعلاً من أفعاله وربما لم يحدث ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ لأنهم يقصدون به الشر.

وفيه أن اجتنابه أصلح كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرّ إلى الغواية.

ولقد علم هؤلاء اليهود أن من اشتراه أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله ﴿ مَالَهُ فِي الاخرة مِنْ خلاق ﴾ من نصيب ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ أي باعوها.

وقرأ الحسن: ﴿ الشياطون ﴾ .

وعن بعض العرب: بستان فلان حوله بساتون.

وقد ذكر وجهه فيما بعد.

وقرأ الزهري ﴿ هاروتُ وماروتُ ﴾ بالرفع على: هما هاروت وماروت.

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا.

وقرأ طلحة ﴿ وما يعلمان ﴾ من أعلم، وقرئ ﴿ بين المرء ﴾ بضم الميم وكسرها مع الهمز.

والمرّ بالتشديد على تقدير التخفيف والوقف، كقولهم: فرج، وإجراء الوصل مجرى الوقف.

وقرأ الأعمش: ﴿ وما هم بضاريّ ﴾ ، بطرح النون والإضافة إلى أحد والفضل بينهما بالظرف، فإن قلت: كيف يضاف إلى أحد وهو مجرور بمن، قلت: جعل الجار جزءاً من المجرور.

فإن قلت: كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ ﴾ على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه عنهم في قوله: ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ ؟

قلت: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ ﴾ عَطْفٌ عَلى نَبَذَ، أيْ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ واتَّبَعُوا كُتُبَ السِّحْرِ الَّتِي تَقْرَؤُها، أوْ تَتْبَعُها الشَّياطِينُ مِنَ الجِنِّ، أوِ الإنْسِ، أوْ مِنهُما.

عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أيْ عَهْدِهِ، وتَتْلُو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، قِيلَ: كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ويَضُمُّونَ إلى ما سَمِعُوا أكاذِيبَ، ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ وهم يُدَوِّنُونَها ويُعَلِّمُونَ النّاسَ، وفَشا ذَلِكَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى قِيلَ: إنَّ الجِنَّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وأنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ تَمَّ بِهَذا العِلْمِ، وأنَّهُ تُسَخَّرُ بِهِ الجِنُّ والإنْسُ والرِّيحُ لَهُ.

﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ تَكْذِيبٌ لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ السِّحْرِ بِالكُفْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ كُفْرٌ، وأنَّ مَن كانَ نَبِيًّا كانَ مَعْصُومًا مِنهُ.

﴿ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ﴾ بِاسْتِعْمالِهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ و « لَكِنْ» بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ (الشَّياطِينُ) .

﴿ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ إغْواءً وإضْلالًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، والمُرادُ بِالسِّحْرِ ما يُسْتَعانُ في تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى الشَّيْطانِ مِمّا لا يَسْتَقِلُّ بِهِ الإنْسانُ، وذَلِكَ لا يَسْتَتِبُّ إلّا لِمَن يُناسِبُهُ في الشَّرارَةِ وخُبْثِ النَّفْسِ.

فَإنَّ التَّناسُبَ شَرْطٌ في التَّضامِّ والتَّعاوُنِ، وبِهَذا تَمَيَّزَ السّاحِرُ عَنِ النَّبِيِّ والوَلِيِّ، وأمّا ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحِيَلِ بِمَعُونَةِ الآلاتِ والأدْوِيَةِ أوْ يُرِيهِ صاحِبُ خِفَّةِ اليَدِ فَغَيْرُ مَذْمُومٍ، وتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَمَلُ التَّجَوُّزِ، أوْ لِما فِيهِ مِنَ الدِّقَّةِ لِأنَّهُ في الأصْلِ لِما خَفِيَ سَبَبُهُ.

﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ ﴾ عَطْفٌ عَلى السِّحْرِ والمُرادُ بِهِما واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَغايُرِ الِاعْتِبارِ، أوِ المُرادُ بِهِ نَوْعٌ أقْوى مِنهُ، أوْ عَلى ما تَتْلُو.

وهُما مَلَكانِ أُنْزِلا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لِلنّاسِ، وتَمْيِيزًا بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ.

وما رُوِيَ أنَّهُما مُثِّلا بَشَرَيْنِ، ورُكِّبَ فِيهِما الشَّهْوَةُ فَتَعَرَّضا لِامْرَأةٍ يُقالُ لَها: زُهْرَةُ، فَحَمَلَتْهُما عَلى المَعاصِي والشِّرْكِ، ثُمَّ صَعِدَتْ إلى السَّماءِ بِما تَعَلَّمَتْ مِنهُما فَمَحْكِيٌّ عَنِ اليَهُودِ ولَعَلَّهُ مِن رُمُوزِ الأوائِلِ وحِلُّهُ لا يَخْفى عَلى ذَوِي البَصائِرِ.

وقِيلَ: رَجُلانِ سُمِّيا مَلَكَيْنِ بِاعْتِبارِ صَلاحِهِما، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ « المَلِكَيْنِ» بِالكَسْرِ.

وقِيلَ: ما أُنْزِلَ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى ما كَفَرَ سُلَيْمانُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ في هَذِهِ القِصَّةِ.

﴿ بِبابِلَ ﴾ ظَرْفٌ، أوْ حالٌ مِنَ المَلَكَيْنِ أوِ الضَّمِيرِ في أُنْزِلَ والمَشْهُورُ أنَّهُ بَلَدٌ مِن سَوادِ الكُوفَةِ.

« ﴿ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ » عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلِكَيْنِ، ومُنِعَ صَرْفُهُما لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ولَوْ كانا مِنَ الهَرْتِ والمَرْتِ بِمَعْنى الكَسْرِ لانْصَرَفا.

وَمَن جَعَلَ ما نافِيَةً أبْدَلَهُما مِنَ الشَّياطِينِ بَدَلَ البَعْضِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى هُما « هارُوتُ ومارُوتُ» .

﴿ وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ فَمَعْناهُ عَلى الأوَّلِ ما يَعْلَمانِ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ ويَقُولا لَهُ إنَّما نَحْنُ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَن تَعَلَّمَ مِنّا وعَمِلَ بِهِ كَفَرَ، ومَن تَعَلَّمَ وتَوَقّى عَمَلَهُ ثَبَتَ عَلى الإيمانِ، فَلا تَكْفُرْ بِاعْتِقادِ جَوازِهِ والعَمَلِ بِهِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ وما لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ، وإنَّما المَنعُ مِنِ اتِّباعِهِ والعَمَلِ بِهِ.

وعَلى الثّانِي ما يُعَلِّمانِهِ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ مَفْتُونانِ فَلا تَكُنْ مِثْلَنا.

﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ﴾ الضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن أحَدٍ.

﴿ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ﴾ أيْ مِنَ السِّحْرِ ما يَكُونُ سَبَبَ تَفْرِيقِهِما.

﴿ وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الأسْبابِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ بِالذّاتِ، بَلْ بِأمْرِهِ تَعالى وجَعْلِهِ.

قُرِئَ « بِضارِّي» عَلى الإضافَةِ إلى أحَدٍ، وجَعَلَ الجارَّ جُزْءً مِنهُ والفَصْلُ بِالظَّرْفِ.

﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ ﴾ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ بِهِ العَمَلَ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ يَجُرُّ إلى العَمَلِ غالِبًا ولا يَنْفَعُهم إذْ مُجَرَّدُ العِلْمِ بِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ولا نافِعٍ في الدّارَيْنِ.

وفِيهِ أنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أوْلى ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ أيِ اليَهُودُ.

﴿ لَمَنِ اشْتَراهُ ﴾ أيِ اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، والأظْهَرُ أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ عَلَّقَتْ عَلِمُوا عَنِ العَمَلِ ﴿ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ﴾ نُصِيبٍ ﴿ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ عَلى ما مَرَّ.

﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، أوْ يَعْلَمُونَ قُبْحَهُ عَلى التَّعْيِينِ أوْ حَقِيَّةِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ العَذابِ، والمُثْبِتُ لَهم أوَّلًا عَلى التَّوْكِيدِ القَسَمِي العَقْلُ الغَرِيزِيُّ أوِ العِلْمُ الإجْمالِيُّ يُقَبِّحُ الفِعْلَ، أوْ تَرَتُّبُ العِقابِ مِن غَيْرِ تَحْقِيقٍ وقِيلَ: مَعْناهُ لَوْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ، فَإنَّ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِما عَلِمَ فَهو كَمَن لَمْ يَعْلَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)

{واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين} أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها {على مُلْكِ سليمان} أي على عهد ملكه وفى زمانه وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها فى كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والريح {وَمَا كَفَرَ سليمان} تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به {ولكن الشياطين} هم الذين {كفروا} باستعمال السحر وتدوينه ولكن بالتخفيف الشياطين بالرفع شامي وحمزة وعلي {يُعَلِّمُونَ الناس السحر} في موضع الحال أي كفروا معلمين الناس السحر قاصدين به إغواءهم وإضلالهم {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين} الجمهور على أن ما بمعنى الذى وهو نصب عطف على السحر أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أو على ما تتلوا أي واتبعوا ما أنزل على الملكين {بِبَابِلَ هاروت وماروت}

علمان لهما وهما عطف بيان للملكين والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً إن كان فيه رد ما لزم في شرط الإيمان ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمناً قال الشيخ أبو منصور الماتريدى رحمه الله القول بأن السحر على الإطلاق كفر خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه المذكر والمؤنث وتقبل توبته إذا تاب ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم وقيل أنزل أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل قيل إنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم فكانا يحكمان في الأرض ويصعدان بالليل فهو يا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرآهما إنسان فقتلاه فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة فهما يعذبان منكوسين في جب ببابل وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها

البقرة (١٠٢ _ ١٠٤)

{وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} وما يعلم الملكان أحداً {حتى يَقُولاَ} حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} ابتلاء واختبار من الله {فلا تكفر} بتعلمه والعلم به على وجه يكون كفراً {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} الفاء عطف على قوله يعلمون الناس السحر أي يعلمونهم فيتعلمون من السحر والكفر اللذين دل عليهما قوله كفروا ويعلمون الناس السحر أو على مضمر والتقدير فيأتون فيتعلمون والضمير لما دل عليه من أحد أي فيتعلم الناس من الملكين {ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه} أي علم السحر الذى يكن سبباً في

التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله وعند المعتزلة هو تخييل وتمويه {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ} بالسحر {مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} بعلمه ومشيئته {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} في الآخرة وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} أي اليهود {لَمَنِ اشتراه} أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله {ما له فِي الآخرة مِنْ خلاق} من نصيب {وَلَبِئْسَ ما شروا به أنفسهم} باعوها إنما نفى العلم عنهم بقوله {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} مع إثباته لهم بقوله ولقد علموا على سبيل التوكيد القسمي لأن معناه لو كانوا يعملون بعلمهم جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم لا يعلمون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ ﴾ عَطْفٌ عَلى (نَبَذَ)، والضَّمِيرُ لِفَرِيقٍ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الِكَتابَ، عَلى ما تَقَدَّمَ عَنِ السُّدِّيِّ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ تَقَدَّمُوا مِنَ اليَهُودِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ ما يَتَناوَلُ الكُلُّ، لِأنَّ ذاكَ غَيْرُ ظاهِرٍ، إذْ يَقْتَضِي الدُّخُولَ في حَيِّزِ لِـ(ما)، وأتْباعِهِمْ، هَذا لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفِيهِ أنَّ ما عَلِمْتَ مِن قَوْلِ السُّدِّيِّ يَفْتَحُ بابَ الظُّهُورِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المَبْنِيُّ غَيْرَهُ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (أُشْرِبُوا)، وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلْ لا يَقْدَمُ عَلَيْهِ مَن جَرَعَ جَرْعَةً مِنَ الإنْصافِ، والمُرادُ بِالِاتِّباعِ التَّوَغُّلُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: الِاقْتِداءُ، (وما) مَوْصُولَةٌ، (وتَتْلُو) صِلَتُها، ومَعْناهُ: تَتَّبِعُ، أوْ تَقْرَأُ، وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والأصْلُ: تَلَتْ، وقَوْلُ الكُوفِيِّينَ: إنَّ المَعْنى ما كانَتْ تَتْلُو، مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ، لا أنَّ كانَ هُناكَ مُقَدَّرَةٌ، والمُتَبادِرُ مِنَ الشَّياطِينِ مَرَدَةُ الجِنِّ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ شَياطِينُ الإنْسِ، وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ (الشَّياطُونَ)، عَلى حَدِّ ما رَواهُ الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ: بُسْتانُ فُلانٍ حَوْلَهُ بَساتُونَ، وهو مِنَ الشُّذُوذِ بِمَكانٍ، حَتّى قِيلَ: إنَّهُ لَحْنٌ، ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَتْلُو)، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، أيْ عَهْدَ مُلْكِهِ، وزَمانَهُ، أوِ المُلْكُ مَجازٌ عَنِ العَهْدِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ، (عَلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أنَّ (فِي) بِمَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ وقَدْ صُرِّحَ في التَّسْهِيلِ بِمَجِيئِها لِلظَّرْفِيَّةِ، ومَثَّلَ لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ المُلْكَ وكَذا العَهْدَ لا يَصْلُحُ كَوْنُهُ مَقْرُوءًا عَلَيْهِ، ومِنَ الأصْحابِ مَن أنْكَرَ مَجِيءَ (عَلى) بِمَعْنى (فِي) وجَعَلَ هَذا مِن تَضْمِينِ (تَتْلُو) مَعْنى تَتَقَوَّلُ، أوِ المُلْكُ عِبارَةٌ عَنِ الكُرْسِيِّ، لِأنَّهُ كانَ مِن آلاتِ مُلْكِهِ، فالكَلامُ عَلى حَدِّ: قَرَأْتُ عَلى المِنبَرِ، والمُرادُ بِما يَتْلُونَهُ السِّحْرُ، فَقَدْ أخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، فَإذا سَمِعَ أحَدُهم بِكَلِمَةٍ كَذَبَ عَلَيْها ألْفَ كَذْبَةٍ، فَأُشْرِبَتْها قُلُوبُ النّاسِ، واتَّخَذُوها دَواوِينَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، فَأخَذَها وقَذَفَها تَحْتَ الكُرْسِيِّ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ قامَ شَيْطانٌ بِالطَّرِيقِ، فَقالَ: ألا أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ الَّذِي لا كَنْزَ لِأحَدٍ مِثْلُ كَنْزِهِ المُمَنَّعِ؟

قالُوا: نَعَمْ فَأخْرَجُوهُ، فَإذا هو سِحْرٌ، فَتَناسَخَتْها الأُمَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عُذْرَ سُلَيْمانَ فِيما قالُوا مِنَ السِّحْرِ، وقِيلَ: رُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ قَدْ دَفَنَ كَثِيرًا مِنَ العُلُومِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ خَوْفًا عَلى أنَّهُ إذا هَلَكَ الظّاهِرُ مِنها يَبْقى ذَلِكَ المَدْفُونُ، فَلَمّا مَضَتْ مُدَّةٌ عَلى ذَلِكَ، تَوَصَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أنْ كَتَبُوا في خِلالِ ذَلِكَ أشْياءَ مِنَ السِّحْرِ تُناسِبُ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ واطِّلاعِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الكُتُبِ أوْهَمُوهم أنَّها مِن عِلْمِ سُلَيْمانَ، ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، وسُلَيْمانُ كَما في البَحْرِ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وامْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، ونَظِيرُهُ مِنَ الأعْجَمِيَّةِ في أنَّ آخِرَهُ ألِفٌ ونُونٌ هامانُ، وماهانُ وشامانُ، ولَيْسَ امْتِناعُهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وزِيادَةِ الألِفِ والنُّونِ كَعُثْمانَ، لِأنَّ زِيادَتَهُما مَوْقُوفَةٌ عَلى الِاشْتِقاقِ، والتَّصْرِيفِ، وهُما يَدْخُلانِ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ عَلى خِلافِهِ، ﴿ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ اعْتِراضٌ لِتَبْرِئَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ اليَهُودُ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ يَخْلِطُ الحَقَّ بِالباطِلِ، يَذْكُرُ سُلَيْمانَ مَعَ الأنْبِياءِ، وإنَّما كانَ ساحِرًا، يَرْكَبُ الرِّيحَ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنِ السِّحْرِ بِالكُفْرِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ رِعايَةً لِمُناسَبَةِ (لَكِنَّ) الِاسْتِدْراكِيَّةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ فَإنَّ (كَفَرُوا) مَعَها مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وجُمْلَةُ (يُعَلِّمُونَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: مِنَ الشَّياطِينِ، ورُدَّ بِأنَّ (لَكِنْ) لا تَعْمَلُ في الحالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ فِيها رائِحَةُ الفِعْلِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن كَفَرُوا، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ، والضَّمِيرُ لِلشَّياطِينِ، أوْ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا، والسِّحْرُ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَحَرَ يَسْحَرُ بِفَتْحِ العَيْنِ فِيهِما، إذا أبْدى ما يَدِقُّ ويَخْفى، وهو مِنَ المَصادِرِ الشّاذَّةِ، ويُسْتَعْمَلُ بِما لَطُفَ، وخَفِيَ سَبَبُهُ، والمُرادُ بِهِ أمْرٌ غَرِيبٌ يُشْبِهُ الخارِقَ، ولَيْسَ بِهَذا يَجْرِي فِيهِ التَّعَلُّمُ، ويُسْتَعانُ في تَحْصِيلِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى الشَّيْطانِ بِارْتِكابِ القَبائِحِ قَوْلًا كالرُّقى الَّتِي فِيها ألْفاظُ الشِّرْكِ، ومَدْحُ الشَّيْطانِ وتَسْخِيرُهُ، وعَمَلًا كَعِبادَةِ الكَواكِبِ والتِزامِ الجِنايَةِ وسائِرِ الفُسُوقِ، واعْتِقادًا كاسْتِحْسانِ ما يُوجِبُ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ، ومَحَبَّتَهُ إيّاهُ، وذَلِكَ لا يَسْتَتِبُّ إلّا بِمَن يُناسِبُهُ في الشَّرارَةِ، وخُبْثِ النَّفْسِ، فَإنَّ التَّناسُبَ شَرْطُ التَّضامِّ والتَّعاوُنِ، فَكَما أنَّ المَلائِكَةَ لا تُعاوِنُ إلّا أخْيارَ النّاسِ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ في المُواظَبَةِ عَلى العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالقَوْلِ والفِعْلِ، كَذَلِكَ الشَّياطِينُ لا تُعاوِنُ إلّا الأشْرارَ المُشَبَّهِينَ بِهِمْ في الخِيانَةِ والنَّجاسَةِ قَوْلًا وفِعْلًا واعْتِقادًا، وبِهَذا يَتَمَيَّزُ السّاحِرُ عَنِ النَّبِيِّ والوَلِيِّ، فَلا يَرُدُّ ما قالَ المُعْتَزِلَةُ: مِن أنَّهُ لَوْ أمْكَنَ لِلْإنْسانِ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ ظُهُورُ الخَوارِقِ والإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ لاشْتَبَهَ طَرِيقُ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ السِّحْرِ، وأمّا ما يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الحِيَلِ بِمَعُونَةٍ الآلاتِ المُرَكَّبَةِ عَلى النِّسْبَةِ الهَنْدَسِيَّةِ تارَةً، وعَلى صَيْرُورَةِ الخَلاءِ مِلاءً أُخْرى، وبِمَعُونَةِ الأدْوِيَةِ كالنّارِنْجِيّاتِ أوْ يُرِيهِ صاحِبُ خِفَّةِ اليَدِ فَتَسْمِيَتُهُ سِحْرًا عَلى التَّجَوُّزِ، وهو مَذْمُومٌ أيْضًا عِنْدَ البَعْضِ، وصَرَّحَ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ بِحُرْمَتِهِ، فَسَّرَهُ الجُمْهُورُ بِأنَّهُ خارِقُ العادَةِ يَظْهَرُ مِن نَفْسٍ شِرِّيرَةٍ بِمُباشَرَةِ أعْمالٍ مَخْصُوصَةٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وأنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ السّاحِرُ إلى حَيْثُ يَطِيرُ في الهَواءِ، ويَمْشِي عَلى الماءِ، ويَقْتُلُ النَّفْسَ، ويَقْلِبُ الإنْسانَ حِمارًا، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمْ تَجْرِ سُنَّتُهُ بِتَمْكِينِ السّاحِرِ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإحْياءِ المَوْتى، وإنْطاقِ العَجْماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمُعْتَزِلَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ الإسْتَراباذِيُّ مِن أصْحابِنا عَلى أنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وإنَّما هو تَخْيِيلٌ، وأكْفَرَ المُعْتَزِلَةُ مَن قالَ بِبُلُوغِ السّاحِرِ إلى حَيْثُ ما ذَكَرْنا زَعْمًا مِنهم أنَّ بِذَلِكَ انْسِدادَ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ، ولَيْسَ كَما زَعَمُوا عَلى ما لا يَخْفى، ومِنَ المُحَقِّقِينَ مَن فَرَّقَ بَيْنَ السِّحْرِ والمُعْجِزَةِ بِاقْتِرانِ المُعْجِزَةِ بِالتَّحَدِّي بِخِلافِهِ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ ظُهُورُهُ عَلى يَدِ مُدَّعِي نُبُوَّةٍ كاذِبًا، كَما جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى المُسْتَمِرَّةُ صَوْنًا لِهَذا المَنصِبِ الجَلِيلِ عَنْ أنْ يَتَسَوَّرَ حِماهُ الكَذّابُونَ، وقَدْ شاعَ أنَّ العَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، حَتّى قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ: لا يُرْوى خِلافٌ في ذَلِكَ، وعَدُّهُ نَوْعًا مِنَ الكَبائِرِ مُغايِرَ الإشْراكِ لا يُنافِي ذَلِكَ، لِأنَّ الكُفْرَ أعَمُّ، والإشْراكَ نَوْعٌ مِنهُ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ الشَّيْخَ أبا مَنصُورٍ ذَهَبَ إلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ عَلى الإطْلاقِ خَطَأٌ، بَلْ يَجِبُ البَحْثُ عَنْ حَقِيقَتِهِ، فَإنْ كانَ في ذَلِكَ رَدُّ ما لَزِمَ مِن شَرْطِ الإيمانِ فَهو كُفْرٌ، وإلّا فَلا، ولَعَلَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ مَبْنِيٌّ عَلى التَّفْسِيرِ أوَّلًا، فَإنَّهُ عَلَيْهِ مِمّا يُمْتَرى في كُفْرِ فاعِلِهِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ المُرادَ مِنَ الإشْراكِ فِيما عَدا الكَبائِرَ مُطْلَقُ الكُفْرِ، وإلّا تَخْرُجُ أنْواعُ الكُفْرِ مِنها، ثُمَّ السِّحْرُ الَّذِي هو كُفْرٌ يُقْتَلُ عَلَيْهِ الذُّكُورُ لا الإناثُ، وما لَيْسَ بِكُفْرٍ وفِيهِ إهْلاكُ النَّفْسِ فَفِيهِ حُكْمُ قُطّاعِ الطَّرِيقِ، ويَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ، وتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا تابَ، ومَن قالَ لا تُقْبَلُ، فَقَدْ غَلِطَ، فَإنَّ سَحَرَةَ مُوسى قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ، كَذا في المَدارِكِ، ولَعَلَّهُ إلى الأُصُولِ أقْرَبُ، والمَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ السّاحِرَ يُقْتَلُ مُطْلَقًا، إذا عُلِمَ أنَّهُ ساحِرٌ، ولا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أتْرُكُ السِّحْرَ، وأتُوبُ عَنْهُ، فَإنْ أقَرَّ بِأنِّي كُنْتُ أسْحَرُ مُدَّةً، وقَدْ تَرَكْتُ مُنْذُ زَمانٍ قُبِلَ مِنهُ، ولَمْ يُقْتَلْ، واحْتُجَّ بِما رُوِيَ أنَّ جارِيَةً لِحَفْصَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَحَرَتْها، فَأخَذُوها فاعْتَرَفَتْ بِذَلِكَ، فَأمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ فَقَتَلَها، وإنْكارُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّما كانَ لِقَتْلِها بِغَيْرِ إذْنِهِ، وبِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: اقْتُلُوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرَةٍ، فَقَتَلُوا ثَلاثَ سَواحِرَ، والشّافِعِيَّةُ نَظَرُوا في هَذا الِاحْتِجاجِ، واعْتَرَضُوا عَلى القَوْلِ بِالقَتْلِ مُطْلَقًا بِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ اليَهُودِيَّ الَّذِي سَحَرَهُ، فالمُؤْمِنُ مِثْلُهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «(لَهم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِمْ ما عَلى المُسْلِمِينَ)،» وتَحْقِيقُهُ في الفُرُوعِ، واخْتُلِفَ في تَعْلِيمِهِ وتَعَلُّمِهِ، فَقِيلَ: كُفْرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ، إذْ فِيها تَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ، وهو مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فِيها ذَلِكَ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم كَفَرُوا، وهم مَعَ ذَلِكَ يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ، وقِيلَ: إنَّهُما حَرامانِ، وبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَكْرُوهانِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَعْضُ، وقِيلَ: مُباحانِ، والتَّعْلِيمُ المُساقُ لِلذَّمِّ هُنا مَحْمُولٌ عَلى التَّعْلِيمِ لِلْإغْواءِ والإضْلالِ، وإلَيْهِ مالَ الإمامُ الرّازِيُّ قائِلًا: اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ ولا مَحْظُورٍ، لِأنَّ العِلْمَ لِذاتِهِ شَرِيفٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ولَوْ لَمْ يُعْلَمِ السِّحْرُ لَما أمْكَنَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، والعِلْمُ بِكَوْنِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا واجِبٌ، وما يَتَوَقَّفُ الواجِبُ عَلَيْهِ فَهو واجِبٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ واجِبًا، وما يَكُونُ واجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرامًا وقَبِيحًا، ونَقَلَ بَعْضُهم وُجُوبَ تَعَلُّمِهِ عَلى المُفْتِي حَتّى يَعْلَمَ ما يَقْتُلُ بِهِ، وما لا يَقْتُلُ بِهِ، فَيُفْتِيَ بِهِ في وُجُوبِ القِصاصِ انْتَهى، والحَقُّ عِنْدِي الحُرْمَةُ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ، إلّا لِداعٍ شَرْعِيٍّ، وفِيما قالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنّا لا نَدَّعِي أنَّهُ قَبِيحٌ لِذاتِهِ، وإنَّما قُبْحُهُ بِاعْتِبارِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، فَتَحْرِيمُهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، وكَمْ مِن أمْرٍ حُرِّمَ لِذَلِكَ، وفي الحَدِيثِ: «(مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ)،» وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ تَوَقُّفَ الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ عَلى العِلْمِ بِهِ مَمْنُوعٌ، ألا تَرى أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ، أوْ كُلَّهم إلّا النّادِرَ عَرَفُوا الفَرْقَ بَيْنَهُما، ولَمْ يَعْرِفُوا عِلْمَ السِّحْرِ، وكَفى فارِقًا بَيْنَهُما ما تَقَدَّمَ، ولَوْ كانَ تَعَلُّمُهُ واجِبًا لِذَلِكَ لَرَأيْتَ أعْلَمَ النّاسِ بِهِ الصَّدْرَ الأوَّلَ، مَعَ أنَّهم لَمْ يُنْقَلْ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، أفَتَراهم أخَلُّوا بِهَذا الواجِبِ، وأتى بِهِ هَذا القائِلُ، أوْ أنَّهُ أخَلَّ بِهِ كَما أخَلُّوا، وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ إفْتاءَ المُفْتِي بِوُجُوبِ القَوَدِ أوْ عَدَمِهِ لا يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَتَهُ عِلْمَ السِّحْرِ، لِأنَّ صُورَةَ إفْتائِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ إنْ شَهِدَ عَدْلانِ عَرَفا السِّحْرَ وتابا مِنهُ أنَّهُ يُقْتَلُ غالِبًا قَتْلَ السّاحِرِ، وإلّا فَلا، هَذا وقَدْ أطْلَقَ بَعْضُ العُلَماءِ السِّحْرَ عَلى المَشْيِ بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، لِأنَّ فِيها قَلْبَ الصَّدِيقِ عَدُوًّا، والعَدُوَّ صَدِيقًا، كَما أُطْلِقَ عَلى حُسْنِ التَّوَسُّلِ بِاللَّفْظِ الرّائِقِ العَذْبِ لِما فِيهِ مِنَ الِاسْتِمالَةِ، ويُسَمّى سِحْرًا حَلالًا، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا)،» والقَوْلُ بِأنَّهُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ الذَّمِّ لِلْفَصاحَةِ والبَلاغَةِ بَعِيدٌ، وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ راوِي الحَدِيثِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: (يُعَلِّمُونَ) إلَخْ، أنَّهم يُفَهِّمُونَهم إيّاهُ بِالإقْراءِ والتَّعْلِيمِ، وقِيلَ: يَدُلُّونَهم عَلى تِلْكَ الكُتُبِ، فَأُطْلِقَ عَلى تِلْكَ الدِّلالَةِ تَعْلِيمًا إطْلاقًا لِلسَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، وقِيلَ: المَعْنى يُوَقِّرُونَ في قُلُوبِهِمْ أنَّها حَقٌّ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وأنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تَمَّ لَهُ ما تَمَّ بِذَلِكَ، والإطْلاقُ عَلَيْهِ هو الإطْلاقُ، وقِيلَ: يُعَلِّمُونَ بِمَعْنى يُعْلِمُونَ مِنَ الإعْلامِ، وهو الإخْبارُ أيْ يُخْبِرُونَهم بِما أوْ بِمَن يَتَعَلَّمُونَ بِهِ، أوْ مِنهُ السِّحْرَ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (لَكِنَّ) بِالتَّشْدِيدِ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وارْتِفاعُ ما بَعْدَها بِالِابْتِداءِ، والخَبَرِ، وهَلْ يَجُوزُ إعْمالُهُ إذا خُفِّفَتْ، فِيهِ خِلافٌ، والجَمْعُ عَلى المَنعِ، وهو الصَّحِيحُ، وعَنْ يُونُسَ والأخْفَشِ الجَوازُ، والصَّحِيحُ إنَّها بَسِيطَةٌ، ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن لا النّافِيَةِ، وكافِ الخِطابِ، وأنَّ المُؤَكِّدَةِ المَحْذُوفَةِ الهَمْزَةِ لِلِاسْتِثْقالِ، وهو إلى الفَسادِ أقْرَبُ، ﴿ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ ﴾ المُرادُ الجِنْسُ، وهو عَطْفٌ عَلى السِّحْرِ، وهُما واحِدٌ إلّا أنَّهُ نَزَّلَ تَغايُرَ المَفْهُومِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتِ كَما في قَوْلِهِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ البَيْتَ، وفائِدَةُ العَطْفِ التَّنْصِيصُ بِأنَّهم يُعَلِّمُونَ ما هو جامِعٌ بَيْنَ كَوْنِهِ سِحْرًا وبَيْنَ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا عَلى المَلَكَيْنِ لِلِابْتِلاءِ، فَيُفِيدُ ذَمَّهم بِارْتِكابِهِمُ النَّهْيَ بِوَجْهَيْنِ، وقَدْ يُرادُ بِالمَوْصُولِ المَعْهُودُ، وهو نَوْعٌ آخَرُ أقْوى، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إشارَةً إلى كَمالِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو دُونَ السِّحْرِ، وهو ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ لا غَيْرُ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى ما (تَتْلُو)، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبَعُوا السِّحْرَ المُدَوَّنَ في الكُتُبِ وغَيْرِهِ، وهَذانِ المَلَكانِ أُنْزِلا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلنّاسِ، فَمَن تَعَلَّمَ وعَمِلَ بِهِ كَفَرَ، ومَن تَعَلَّمَ وتَوَقّى عَمَلَهُ ثَبَتَ عَلى الإيمانِ، ولِلَّهِ تَعالى أنْ يَمْتَحِنَ عِبادَهُ بِما شاءَ، كَما امْتَحَنَ قَوْمَ طالُوتَ بِالنَّهَرِ، وتَمْيِيزًا بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ، حَيْثُ إنَّهُ كَثُرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وأظْهَرَ السَّحَرَةُ أُمُورًا غَرِيبَةً وقَعَ الشَّكُّ بِها في النُّبُوَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ أبْوابِ السِّحْرِ، حَتّى يُزِيلا الشُّبَهَ ويُمِيطا الأذى عَنِ الطَّرِيقِ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ في زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا ما رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ تَعَجَّبَتْ مِن بَنِي آدَمَ في مُخالَفَتِهِمْ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وقالُوا لَهُ تَعالى: لَوْ كُنّا مَكانَهم ما عَصَيْناكَ، فَقالَ: اخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِنكم فاخْتارُوهُما، فَهَبَطا إلى الأرْضِ، ومَثُلا بَشَرَيْنِ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِما الشَّبَقَ، وحَكَما بَيْنَ النّاسِ، فافْتَتَنا بِامْرَأةٍ يُقالُ لَها زُهَرَةُ، فَطَلَباها وامْتَنَعَتْ إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا، أوْ يَشْرَبا خَمْرًا، أوْ يَقْتُلا نَفْسًا، فَفَعَلا، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ مِنهُما ما صَعِدَتْ بِهِ إلى السَّماءِ، فَصَعِدَتْ ومُسِخَتْ هَذا النَّجْمَ، وأرادا العُرُوجَ فَلَمْ يُمْكِنْهُما، فَخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فاخْتارُوا عَذابَ الدُّنْيا، فَهُما الآنَ يُعَذَّبانِ فِيها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ الَّتِي بَلَغَتْ طُرُقُها نَيِّفًا وعِشْرِينَ، فَقَدْ أنْكَرَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ القاضِي عِياضٌ، وذَكَرَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الأخْبارِ، ونَقَلَهُ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هارُوتَ ومارُوتَ لَمْ يَرِدْ مِنهُ شَيْءٌ لا سَقِيمٌ ولا صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَيْسَ هو شَيْئًا يُؤْخَذُ بِالقِياسِ، وذَكَرَ في البَحْرِ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ، ولَمْ يَصِحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَلْعَنُ الزُّهَرَةَ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما خِلافًا لِمَن رَواهُ، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الرِّوايَةَ في ذَلِكَ: إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ فاسِدَةٌ مَرْدُودَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، ونَصَّ الشِّهابُ العِراقِيُّ عَلى أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ في هارُوتَ ومارُوتَ أنَّهُما مَلَكانِ يُعَذَّبانِ عَلى خَطِيئَتِهِما مَعَ الزُّهَرَةِ فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى العَظِيمِ، فَإنَّ المَلائِكَةَ مَعْصُومُونَ، ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ والزُّهَرَةُ كانَتْ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ والأرْضَ، والقَوْلُ بِأنَّها تَمَثَّلَتْ لَهُما فَكانَ ما كانَ، ورُدَّتْ إلى مَكانِها غَيْرُ مَعْقُولٍ ولا مَقْبُولٍ، واعْتَرَضَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ عَلى مَن أنْكَرَ القِصَّةَ بِأنَّ الإمامَ أحْمَدَ وابْنَ حِبّانَ والبَيْهَقِيَّ وغَيْرَهم رَوَوْها مَرْفُوعَةً ومَوْقُوفَةً عَلى عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأسانِيدَ عَدِيدَةٍ صَحِيحَةٍ، يَكادُ الواقِفُ عَلَيْها يَقْطَعُ بِصِحَّتِها لِكَثْرَتِها وقُوَّةِ مُخَرِّجِيها، وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما رُوِيَ مَرْوِيٌّ حِكايَةً لِما قالَهُ اليَهُودُ، وهو باطِلٌ في نَفْسِهِ، وبُطْلانُهُ في نَفْسِهِ لا يُنافِي صِحَّةَ الرِّوايَةِ، ولا يَرُدُّ ما قالَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ، إنَّما يَرُدُّ عَلى المُنْكِرِينَ بِالكُلِّيَّةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الرُّمُوزِ، والإشاراتِ، فَيُرادُ مِنَ المَلَكَيْنِ العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ اللَّذانِ هُما مِن عالَمِ القُدْسِ، ومِنَ المَرْأةِ المُسَمّاةِ بِالزُّهَرَةِ النَّفْسُ النّاطِقَةُ، ومِن تَعَرُّضِهِما لَها تَعْلِيمُهُما لَها ما يُسْعِدُها، ومِن حَمْلِها إيّاهُما عَلى المَعاصِي تَحْرِيضُها إيّاهُما بِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ المِزاجِيَّةِ إلى المَيْلِ إلى السُّفْلِيّاتِ المُدَنِّسَةِ لِجَوْهَرَيْهِما، ومِن صُعُودِها إلى السَّماءِ بِما تَعَلَّمَتْ مِنهُما عُرُوجُها إلى المَلَإ الأعْلى ومُخالَطَتُها مَعَ القُدْسِيِّينَ بِسَبَبِ انْتِصاحِها لِنُصْحِهِما، ومِن بَقائِهِما مُعَذَّبَيْنِ بَقاؤُهُما مَشْغُولَيْنِ بِتَدْبِيرِ الجَسَدِ، وحِرْمانِهِما عَنِ العُرُوجِ إلى سَماءِ الحَضْرَةِ، لِأنَّ طائِرَ العَقْلِ لا يَحُومُ حَوْلَ حِماها، ومِنَ الأكابِرِ مَن قالَ في حَلِّ هَذا الرَّمْزِ: إنَّ الرُّوحَ والعَقْلَ اللَّذَيْنِ هُما مِن عالَمِ المُجَرَّداتِ قَدْ نَزَلا مِن سَماءِ التَّجَرُّدِ إلى أرْضِ التَّعَلُّقِ، فَعَشِقا البَدَنَ الَّذِي هو كالزُّهَرَةِ في غايَةِ الحُسْنِ والجَمالِ، لِتَوَقُّفِ كَمالِهِما عَلَيْهِ، فاكْتَسَبا بِتَوَسُّطِهِ المَعاصِيَ، والشِّرْكَ، وتَحْصِيلَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةَ الدَّنِيَّةَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ بِأنْ وصَلَ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِما إلى الكَمالِ اللّائِقِ بِهِ، ثُمَّ مُسِخَ بِأنِ انْقَطَعَ التَّعَلُّقُ وتَفَرَّقَتِ العَناصِرُ، وهُما بَقِيا مُعَذَّبَيْنِ بِعَذابِ الحِرْمانِ عَنِ الِاتِّصالِ بِعالَمِ القُدْسِ مُتَألِّمَيْنِ بِالآلامِ الرُّوحانِيَّةِ مَنكُوسَيِ الحالِ، حَيْثُ غَلَبَ التَّعَلُّقُ عَلى التَّجَرُّدِ، وانْعَكَسَ القُرْبُ بِالبُعْدِ، وقِيلَ: المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإشارَةُ إلى أنَّ مَن كانَ مَلَكًا إنِ اتَّبَعَ الشَّهْوَةَ هَبَطَ عَنْ دَرَجَةِ المَلائِكَةِ إلى دَرَجَةِ البَهِيمَةِ، ومَن كانَ امْرَأةً ذاتَ شَهْوَةٍ إذا كَسَرَتْ شَهْوَتَها وغَلَبَتْ عَلَيْها، صَعِدَتْ إلى دَرَجِ المَلَكِ، واتَّصَلَتْ إلى سَماءِ المَنازِلِ والمَراتِبِ، وكَتَبَ بَعْضُهم لِحَلِّهِ: مَلَّ وأيْمُ اللَّهِ نَفْسِي نَفْسِي ∗∗∗ وطالَ في مُكْثِ حَياتِي حَبْسِي أصْبَحَ في مَضاجِعِي وأمْسى ∗∗∗ أمْسِي كَيَوْمِي وكَيَوْمِي أمْسِي يا حَبَّذا يَوْمُ نُزُولِي رَمْسِي ∗∗∗ مَبْدَأُ سَعْدِي وانْتِهاءُ نَحْسِي وكُلُّ جِنْسٍ لاحِقٍ بِالجِنْسِ ∗∗∗ مِن جَوْهَرٍ يَرْقى بِدارِ الأُنْسِ وعَرْضٌ يَبْقى بِدارِ الحِسِّ هَذا، ومَن قالَ: بِصِحَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، وحَمَلَها عَلى ظاهِرِها فَقَدْ رَكِبَ شَطَطًا، وقالَ غَلَطًا، وفَتَحَ بابًا مِنَ السِّحْرِ يُضْحِكُ المَوْتى، ويُبْكِي الأحْياءَ، ويُنَكِّسُ رايَةَ الإسْلامِ، ويَرْفَعُ رُؤُوسَ الكَفَرَةِ الطَّغامِ، كَما لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المُنْصِفِينَ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو الأسْوَدِ، والضَّحّاكُ (المَلِكَيْنِ)، بِكَسْرِ اللّامِ، حَمَلَ بَعْضُهم قِراءَةَ الفَتْحِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: هُما رَجُلانِ، إلّا أنَّهُما سُمِّيا مَلَكَيْنِ بِاعْتِبارِ صَلاحِهِما، ويُؤَيِّدُهُ ما قِيلَ: إنَّهُما داوُدُ وسُلَيْمانُ، ويَرُدُّهُ قَوْلُ الحَسَنِ: إنَّهُما عِلْجانِ كانا بِبابِلِ العِراقِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّهُما مِنَ المَلائِكَةِ ظَهَرا في صُورَةِ المُلُوكِ، وفِيهِ حَمْلُ الكَسْرِ عَلى الفَتْحِ عَلى عَكْسِ ما تَقَدَّمَ، والإنْزالُ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، أوْ بِمَعْنى القَذْفِ في قُلُوبِهِما، (بِبابِلَ) الباءُ بِمَعْنى فِي، وهي مُتَعَلِّقَةٌ (بِأُنْزِلَ)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَلَكَيْنِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أُنْزِلَ، وهي كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بَلَدٌ في سَوادِ الكُوفَةِ، وقِيلَ: بابِلُ العِراقِ، وقالَ قَتادَةُ: هي مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ العَيْنِ، وقِيلَ: جَبَلُ دَماوَنْدَ، وقِيلَ: بَلَدٌ بِالمَغْرِبِ، والمَشْهُورُ اليَوْمَ الثّانِي، وعِنْدَ البَعْضِ هو الأوَّلُ، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بابِلَ، لِتَبَلْبُلِ الألْسِنَةِ فِيها عِنْدَ سُقُوطِ صَرْحِ نُمْرُودَ، وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في المُجالَسَةِ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ سالِمٍ، وهو مُتَّهَمٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا حَشَرَ اللَّهُ تَعالى الخَلائِقَ إلى بابِلَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رِيحًا شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً، وقِبْلِيَّةً وبَحْرِيَّةً، فَجَمَعَتْهم إلى بابِلَ، فاجْتَمَعُوا يَوْمَئِذٍ يَنْظُرُونَ لِما حُشِرُوا لَهُ، إذْ نادى مُنادٍ: مَن جَعَلَ المَغْرِبَ عَنْ يَمِينِهِ والمَشْرِقَ عَنْ يَسارِهِ، واقْتَصَدَ إلى البَيْتِ الحَرامِ بِوَجْهِهِ، فَلَهُ كَلامُ أهْلِ السَّماءِ، فَقامَ يَعْرُبُ ابْنُ قَحْطانَ فَقِيلَ لَهُ: يا يَعْرُبُ بْنَ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ أنْتَ هُوَ، فَكانَ أوَّلَ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَزَلِ المُنادِي يُنادِي مَن فَعَلَ كَذا وكَذا، فَلَهُ كَذا وكَذا، حَتّى افَتَرَقُوا عَلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لِسانًا، وانْقَطَعَ الصَّوْتُ، وتَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ، فَسُمِّيَتْ بابِلَ، وكانَ اللِّسانُ يَوْمَئِذٍ بابِلِيًّا، وعِنْدِي في القَوْلَيْنِ تَرَدُّدٌ، بَلْ عَدَمُ قَبُولٍ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ بابِلَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ لا عَرَبِيٌّ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الأخْفَشِ، وأنَّهُ في الأصْلِ اسْمٌ لِلنَّهَرِ الكَبِيرِ في بَعْضِ اللُّغاتِ الأعْجَمِيَّةِ القَدِيمَةِ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلى تِلْكَ الأرْضِ لِقُرْبِ الفُراتِ مِنها، ولَعَلَّ ذَلَكَ مِن قَبِيلِ تَسْمِيَةِ بَغْدادَ دارَ السَّلامِ بِناءً عَلى أنَّ السَّلامَ اسْمٌ لِدِجْلَةَ، وقَدْ رَأيْتُ لِذَلِكَ تَفْصِيلًا لا أدْرِيهِ اليَوْمَ في أيِّ كِتابٍ، وأظُنُّهُ قَرِيبًا مِمّا ذَكَرْتُهُ، فَلْيُحْفَظْ، ومَنَعَ بَعْضُهُمُ الصَّلاةَ بِأرْضٍ بابِلَ احْتِجاجًا بِما أخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ حَبِيبِي صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَهانِي أنْ أُصَلِّيَ بِأرْضِ بابِلَ،» فَإنَّها مَلْعُونَةٌ، وقالَ الخَطّابِيُّ: في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ مَقالٌ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ حَرَّمَ الصَّلاةَ بِها، ويُشْبِهُ إنْ ثَبَتَ الحَدِيثُ أنْ يَكُونَ نَهاهُ عَنْ أنْ يَتَّخِذَها وطَنًا ومَقامًا، فَإذا أقامَ بِها كانَتْ صَلاتُهُ فِيها، وهَذا مِن بابِ التَّعْلِيقِ في عِلْمِ البَيانِ، أوْ لَعَلَّ النَّهْيَ لَهُ خاصَّةً، ألا تَرى قالَ: نَهانِي، ومِثْلُهُ حَدِيثٌ آخَرُ: (نَهانِي) أقْرَأُ ساجِدًا أوْ راكِعًا، ولا أقُولُ: (نَهاكُمْ)، وكانَ ذَلِكَ إنْذارًا مِنهُ بِما لَقِيَ مِنَ المِحْنَةِ في تِلْكَ النّاحِيَةِ، ﴿ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ لَهُما، مُنِعا مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقِيلَ: عَرَبِيّانِ مِنَ الهَرْتِ والمَرْتِ بِمَعْنى الكَسْرِ، وكانَ اسْمُهُما قَبْلُ: عَزا، وعَزايا، فَلَمّا قارَفا الذَّنْبَ سُمِّيا بِذَلِكَ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ مَنعُهُما مِنَ الصَّرْفِ، ولَيْسَ إلّا العَلَمِيَّةُ، وتَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُما مَعْدُولانِ مِنَ الهارِتِ والمارِتِ، وانْحِصارُ العَدْلِ في الأوْزانِ المَحْفُوظَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وهو كَما تَرى، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ هُما هارُوتُ ومارُوتُ، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ ما قالَهُ الإمامُ القُرْطُبِيُّ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ، (وما) في ﴿ وما أُنْزِلَ ﴾ نافِيَةٌ، والمُرادُ مِنَ المَلَكَيْنِ جَبْرائِيلُ ومِيكائِيلُ، لِأنَّ اليَهُودَ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما بِالسِّحْرِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ هارُوتَ ومارُوتَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ، وعَلَيْهِ فالبَدَلُ إمّا بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ونُصَّ عَلَيْهِما بِالذِّكْرِ لِتَمَرُّدِهِما، ولِكَوْنِهِما رَأْسًا في التَّعْلِيمِ، أوْ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، إمّا بِناءً عَلى أنَّ الجَمْعَ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ، أوْ عَلى أنَّهُما عِبارَتانِ عَنْ قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الشَّياطِينِ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُما بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وأعْجَبُ مِن قَوْلِهِ هَذا قَوْلُهُ: وهَذا أوْلى ما حُمِلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ وأصَحُّ ما قِيلَ فِيها، ولا تَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ، ولا يَخْفى لَدى كُلِّ مُنْصِفٍ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وهو في أعْلى مَراتِبِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ عَلى ما هو أدْنى مِن ذَلِكَ، وما هو إلّا مَسْخٌ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى عَزَّ شَأْنُهُ، وإهْباطٌ لَهُ عَنْ شَأْوْاهُ، ومَفاسِدُ قِلَّةِ البِضاعَةِ لا تُحْصى، وقِيلَ: إنَّهُما بَدَلٌ مِنَ النّاسِ، أيْ يُعَلِّمُونَ النّاسَ خُصُوصًا هارُوتَ ومارُوتَ، والنَّفْيُ هو النَّفْيُ.

﴿ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ أيْ ما يُعَلِّمُ المَلَكانِ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ ويَقُولا لَهُ: إنَّما نَحْنُ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَمَن تَعَلَّمَ مِنّا وعَمِلَ بِهِ كَفَرَ، ومَن تَعَلَّمَ وتَوَقّى ثَبَتَ عَلى الإيمانِ، (فَلا تَكْفُرْ) بِاعْتِقادِهِ وجَوازِ العَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: فَلا تَتَعَلَّمْ مُعْتَقِدًا إنَّهُ حَقٌّ، حَتّى تَكْفُرَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى رَأْيِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ السِّحْرَ تَمْوِيهٌ، وتَخْيِيلٌ، ومَنِ اعْتَقَدَ حَقِّيَّتَهُ يَكْفُرُ، (ومِن) مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ، لِإفادَةِ تَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، وإفْرادُ الفِتْنَةِ مَعَ تَعَدُّدِ المُخْبَرِ عَنْهُ لِكَوْنِها مَصْدَرًا، والحَمْلُ مُواطَأةً لِلْمُبالَغَةِ، والقَصْرُ لِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُما فِيما يَتَعاطَيانِهِ شَأْنٌ سِواها، لِيَنْصَرِفَ النّاسُ عَنْ تَعَلُّمِهِ، (وحَتّى) لِلْغايَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى إلّا، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (يُعَلِّمُونَ)، والظّاهِرُ أنَّ القَوْلَ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ ثَلاثٌ، أوْ سَبْعٌ، أوْ تِسْعٌ لا ثَبَتَ لَهُ، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي ذَلِكَ العِلْمِ مِنهُما، فَقالَ مُجاهِدٌ: إنَّهُما لا يَصِلُ إلَيْهِما أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وإنَّما يَخْتَلِفُ إلَيْهِما شَيْطانانِ في كُلِّ سَنَةٍ اخْتِلافَةً واحِدَةً فَيَتَعَلَّمانِ مِنهُما، وقِيلَ: وهو الظّاهِرُ: إنَّهُما كانَ يُباشِرانِ التَّعْلِيمَ بِأنْفُسِهِما في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، والأقْرَبُ أنَّهُما لَيْسا إذْ ذاكَ عَلى الصُّورَةِ المَلَكِيَّةِ، وأمّا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: (قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِن أهْلِ دُومَةِ الجَنْدَلِ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، تَسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَتْ فِيهِ مِن أمْرِ السِّحْرِ، ولَمْ تَعْمَلْ بِهِ، قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ غابَ عَنِّي، فَدَخَلْتُ عَلى عَجُوزٍ، فَشَكَوْتُ إلَيْها، فَقالَتْ: إنْ فَعَلْتِ ما آمُرُكِ أجْعَلُهُ يَأْتِيكِ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ جاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أسْوَدَيْنِ، فَرَكِبَتْ أحَدَهُما، ورَكِبْتُ الآخَرَ، فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ، حَتّى وقَفْنا بِبابِلَ، فَإذا أنا بَرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأرْجُلِهِما، فَقالا: ما جاءَ بِكِ؟

فَقُلْتُ: أتَعَلَّمُ السِّحْرَ فَقالا: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرِي، وارْجِعِي فَأبَيْتُ وقُلْتُ: لا، قالا: فاذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ، فَبُولِي بِهِ، إلى أنْ قالَتْ: فَذَهَبْتُ فَبُلْتُ فِيهِ، فَرَأيْتُ فارِسًا مُقَنَّعًا بِحَدِيدٍ، خَرَجَ مِنِّي حَتّى ذَهَبَ إلى السَّماءِ، وغابَ عَنِّي، حَتّى ما أراهُ، فَجِئْتُهُما، وذَكَرْتُ لَهُما، فَقالا: صَدَقْتِ، ذَلِكَ إيمانُكِ خَرَجَ مِنكِ، اذْهَبِي فَلَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إلّا كانَ)، الخَبَرَ بِطُولِهِ، فَهو ونَظائِرُهُ مِمّا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ القِصَصِ في هَذا البابِ مِمّا لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ ذَوُو الألْبابِ، والإقْدامُ عَلى تَكْذِيبِ مِثْلِ هَذِهِ الِامْرَأةِ الدُّوجَنْدِيَّةِ أوْلى مِنَ اتِّهامِ العَقْلِ في قَبُولِ هَذِهِ الحِكايَةِ الَّتِي لَمْ يَصِحَّ فِيها شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ رَبِّ البَرِيَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويا لَيْتَ كُتُبَ الإسْلامِ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلى هَذِهِ الخُرافاتِ الَّتِي لا يُصَدِّقُها العاقِلُ، ولَوْ كانَتْ أضْغاثَ أحْلامٍ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن جَوَّزَ تَعَلُّمَ السِّحْرِ، ووَجْهُهُ أنَّ فِيها دِلالَةً عَلى وُقُوعِ التَّعْلِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ عِصْمَتِهِمْ، والتَّعَلُّمُ مُطاوِعٌ لَهُ، بَلْ هُما مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ كالإيجابِ والوُجُوبِ، ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَلِيلَ فِيها عَلى الجَوازِ مُطْلَقًا، لِأنَّ ذَلِكَ التَّعْلِيمَ كانَ لِلِابْتِلاءِ والتَّمْيِيزِ، كَما قَدَّمْنا، وقَدْ ذَكَرَ القائِلُونَ بِالتَّحْرِيمِ: إنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ إذا فُرِضَ فُشُّوهُ في صُقْعٍ، وأُرِيدَ تَبْيِينُ فَسادِهِ لَهُمْ، لِيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ غَيْرُ حَرامٍ كَما لا يَحْرُمُ تَعَلُّمُ الفَلْسَفَةِ لِلْمَنصُوبِ لِلذَّبِّ عَنِ الدِّينِ بِرَدِّ الشُّبَهِ، وإنْ كانَ أغْلَبُ أحْوالِهِ التَّحْرِيمَ، وهَذا يُنافِي إطْلاقَ القَوْلِ بِهِ، ومَن قالَ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مِنَ الشَّياطِينِ قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ ما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ ويَقُولا: إنّا مَفْتُونانِ بِاعْتِقادِ جَوازِهِ والعَمَلِ بِهِ، فَلا تَكُنْ مِثْلَنا في ذَلِكَ فَتَكْفُرَ، وحِينَئِذٍ لا اسْتِدْلالَ أصْلًا، وما ذَكَرْنا أنَّ القَوْلَ عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ في هَذا الوَجْهِ هو الظّاهِرُ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لا النَّصِيحَةِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِ الشَّياطِينِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (يُعْلِمانِ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإعْلامِ، وعَلَيْها حَمَلَ بَعْضُهم قِراءَةَ التَّشْدِيدِ، وقَرَأ أُبَيٌّ بِإظْهارِ الفاعِلِ، ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، لِأنَّها في قُوَّةِ المُثْبَتَةِ كَأنَّهُ قالَ: يُعَلِّمانِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ القَوْلِ فَيَتَعَلَّمُونَ، ولَيْسَ عَطْفًا عَلى المَنفِيِّ بِدُونِ هَذا الِاعْتِبارِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو عَلِيٍّ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ، وعَطَفَهُ بَعْضُهم عَلى (يُعَلِّمانِ) مَحْذُوفًا، وبَعْضُهم عَلى (يَأْتُونَ) كَذَلِكَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أحَدٍ) وهو النّاسُ، أوْ لِأحَدٍ، حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ﴾ وحَكى المَهْدَوِيُّ جَوازَ العَطْفِ عَلى ﴿ يُعَلِّمُونَ النّاسَ ﴾ فَمَرْجِعُ الضَّمِيرِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وقِيلَ: في الكَلامِ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ، أيْ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، فَتَكُونُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها مِن عَطْفِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ، ولَيْسَ بِالجَيِّدِ، وضَمِيرُ (مِنهُما) عائِدٌ عَلى المَلَكَيْنِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ عائِدًا إلى السِّحْرِ والكُفْرِ، أوِ الفِتْنَةِ والسِّحْرِ، وعَطَفَ (يَتَعَلَّمُونَ) عَلى (يُعَلِّمُونَ)، وحَمَلَ (ما يُعَلِّمانِ) عَلى النَّفْيِ، (وحَتّى يَقُولا) عَلى التَّأْكِيدِ لَهُ، أيْ لا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ لِأحَدٍ بَلْ يَنْهَيانِهِ حَتّى يَقُولا إلَخْ، فَهو كَقَوْلِكَ: ما أمَرْتُهُ بِكَذا حَتّى قُلْتُ لَهُ: إنْ فَعَلْتَ نالَكَ كَذا وكَذا، وجُعِلَ (ما أُنْزِلَ) أيْضًا نَفْيًا مَعْطُوفًا عَلى (ما كَفَرَ)، وهو كَما تَرى، ﴿ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ﴾ أيِ الَّذِي، أوْ شَيْئًا يُفَرِّقُونَ بِهِ، وهو السِّحْرُ المُزِيلُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ الأُلْفَةَ والمَحَبَّةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، المُوقِعُ لِلْبَغْضاءِ والشَّحْناءِ المُوجِبَتَيْنِ لِلتَّفَرُّقِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: المُرادُ ما يُفَرِّقُ لِكَوْنِهِ كُفْرًا، لِأنَّهُ إذا تَعَلَّمَ كَفَرَ فَبانَتْ زَوْجَتُهُ، أوْ إذا تَعَلَّمَ عَمِلَ فَتَراهُ النّاسُ فَيَعْتَقِدُونَ أنَّهُ حَقٌّ، فَيَكْفُرُونَ، فَتَبِينُ أزْواجُهُمْ، والمَرْءُ الرَّجُلُ، والأفْصَحُ فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الضَّمُّ مُطْلَقًا، وحُكِيَ الإتْباعُ لِحَرَكَةِ الإعْرابِ، ومُؤَنَّثُهُ المَرْأةُ وقَدْ جاءَ جَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ فَقالُوا: المَرْؤُونَ، والزَّوْجُ امْرَأةُ الرَّجُلِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا القَرِيبُ والأخُ المُلائِمُ، ومِنهُ ﴿ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ و ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ (المَرِ) بِغَيْرِ هَمْزٍ مُخَفَّفًا، وابْنُ أبِي إسْحاقَ (المُرْءِ) بِضَمِّ المِيمِ مَعَ الهَمْزِ، والأشْهَبُ بِالكَسْرِ والهَمْزِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ أيْضًا (المَرِّ) بِالفَتْحِ وإسْقاطِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، ﴿ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّحَرَةِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (فَيَتَعَلَّمُونَ)، وقِيلَ: لِلْيَهُودِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ (واتَّبَعُوا)، وقِيلَ: لِلشَّياطِينِ، وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ (لِما)، (ومِن) زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَضُرُّونَ بِهِ أحَدًا، وقَرَأ الأعْمَشُ (بِضارِّي) مَحْذُوفَ النُّونِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وإنْ كانَ اسْمُ الفاعِلِ لَيْسَ صِلَةً لِألْ، فَقَدْ نَصَّ ابْنُ مالِكٍ عَلى عَدَمِ الِاشْتِراطِ لِقَوْلِهِ: ولَسْنا إذا تَأْتُونَ سَلْمى بِمُدَّعِي ∗∗∗ لَكم غَيْرَ أنّا أنْ نُسالَمَ نُسالِمُ وقَوْلُهم: قَطاقَطا بَيْضُكَ ثِنْتا وبَيْضِي مِائَتا، وقِيلَ: إنَّها حُذِفَتْ لِلْإضافَةِ إلى مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ لَفْظًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ، في أحَدِ الوُجُوهِ، وقِيلَ: لِلْإضافَةِ إلى أحَدٍ عَلى جَعْلِ الجارِّ جُزْءًا مِنهُ، والفَصْلُ بِالظَّرْفِ مَسْمُوعٌ، كَما في قَوْلِهِ: هُما أخَوا في الحَرْبِ مَن لا أخالُهُ ∗∗∗ وإنْ خافَ يَوْمًا كَبْوَةً فَدَعاهُما واخْتارَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ أنَّ جَعْلَ الجارِّ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ، وجُزْءُ الشَّيْءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وأيْضًا الفَصْلُ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ بِالظَّرْفِ، وإنْ سُمِعَ مِن ضَرائِرِ الشِّعْرِ كَما صَرَّحَ بِهِ أبُو حَيّانَ، ولِظَنٍّ تَعَيَّنَ هَذا مَخْرَجًا، قالَ ابْنُ جِنِّي: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبْعَدُ الشَّواذِّ ﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ (ضارِّينَ) أوْ مِن مَفْعُولِهِ المُعْتَمِدِ عَلى النَّفْيِ، أوِ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في (بِهِ) أوِ المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الوَصْفِ، والمُرادُ مِنَ الإذْنِ هُنا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ المَسْحُورِ وضَرَرِ السِّحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ فِيهِ ضَرَرًا مُودَعًا، إذا شاءَ اللَّهُ تَعالى حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وإذا شاءَ خَلّاهُ، وما أوْدَعَهُ فِيهِ، وهَذا مَذْهَبُ السَّلَفِ في سائِرِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وقِيلَ: الإذْنُ بِمَعْنى الأمْرِ، ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ التَّكْوِينِ بِعَلاقَةِ تَرَتُّبِ الوُجُودِ عَلى كُلٍّ مِنهُما في الجُمْلَةِ، والقَرِينَةُ عَدَمُ كَوْنِ القَبائِحِ مَأْمُورًا بِها، فَفِيهِ نَفْيُ كَوْنِ الأسْبابِ مُؤَثِّرَةً بِنَفْسِها، بَلْ بِجَعْلِهِ إيّاها أسْبابًا إمّا عادِيَّةً أوْ حَقِيقِيَّةً، وقِيلَ: إنَّهُ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، ولَيْسَ فِيهِ إشارَةٌ إلى نَفْيِ التَّأْثِيرِ بِالذّاتِ كالوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ.

﴿ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ ﴾ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ بِهِ العَمَلَ قَصْدًا جازِمًا، وقَصْدُ المَعْصِيَةِ كَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ يَدْعُو إلى العَمَلِ، ويَجُرُّ إلَيْهِ لا سِيَّما عَمَلُ الشَّرِّ الَّذِي هو هَوى النَّفْسِ، فَصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْحالِ عَلى الأوَّلِ، ولِلِاسْتِقْبالِ عَلى الثّانِي، (ولا يَنْفَعُهُمْ) عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ شَرٌّ بَحْتٌ وضَرَرٌ مَحْضٌ، لا كَبَعْضِ المَضارِّ المَشُوبَةِ بِنَفْعٍ وضَرَرٍ، لِأنَّهم لا يَقْصِدُونَ بِهِ التَّخَلُّصَ عَنِ الِاغْتِرارِ بِأكاذِيبِ السَّحَرَةِ، ولا إماطَةَ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ حَتّى يَكُونَ فِيهِ نَفْعٌ في الجُمْلَةِ، وفي الإتْيانِ (بِلا) إشارَةٌ إلى أنَّهُ غَيْرُ نافِعٍ في الدّارَيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِانْتِظامِ المَعاشِ ولا المَعادِ، وفي الحُكْمِ بِأنَّهُ ضارٌّ غَيْرُ نافِعٍ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ لِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، عَنْ تَعاطِيهِ، وتَحْرِيضٌ عَلى التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (لا يَنْفَعُهُمْ) عَلى إضْمارِ هُوَ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، ﴿ ولَقَدْ عَلِمُوا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَهُمْ ﴾ إلَخْ، وقِصَّةُ السِّحْرِ مُسْتَطْرِدَةٌ في البَيْنِ، فالضَّمِيرُ لِأُولَئِكَ اليَهُودِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لِلْمَلَكَيْنِ لِأنَّهُما كانا يَقُولانِ: فَلا تَكْفُرْ، وأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ، ﴿ لَمَنِ اشْتَراهُ ﴾ أيِ اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ بِكِتابِ اللَّهِ، واللّامُ لِلِابْتِداءِ، وتَدْخُلُ عَلى المُبْتَدَإ، وعَلى المُضارِعِ، ودُخُولُها عَلى الماضِي مَعَ قَدْ كَثِيرٌ، وبِدُونِهِ مُمْتَنِعٌ، وعَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ، إذا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وعَلى مَعْمُولِ الخَبَرِ إذا وقَعَ مَوْقِعَ المُبْتَدَإ، والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَها في الجَمِيعِ جَوابَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، ولَيْسَ في الوُجُودِ عِنْدَهم لامُ ابْتِداءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرَّضِيِّ، وقَدْ عُلِّقَتْ هُنا (عَلِمَ) عَنِ العَمَلِ سَواءٌ كانَتْ مُتَعَدِّيَةً لِمَفْعُولٍ، أوْ مَفْعُولَيْنِ، فَمِن مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، واشْتَراهُ صِلَتُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ خَبَرُها، (ومِن) مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَإ، (وفِي الآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، أوْ مِن مَرْجِعِهِ، والخَلاقُ النَّصِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ القِوامُ، قالُهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ القَدْرُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَما لَكَ بَيْتٌ لَدى الشّامِخاتِ ∗∗∗ وما لَكَ في غالِبٍ مِن خَلاقِ قالَ الزَّجّاجُ: وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، ويَكُونُ لِلشَّرِّ عَلى قِلَّةٍ، وذَهَبَ أبُو البَقاءِ تَبَعًا لِلْفَرّاءِ إلى أنَّ اللّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، (ومِن) شَرْطِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ، (واشْتَراهُ) خَبَرُها، (وما لَهُ) إلَخْ، جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ هو عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشَرْطٌ يُجابُ سابِقُهُما غالِبًا، وفِيهِ ما فِيهِ لِأنَّهُ نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ رَدُّ مَن قالَ بِشَرْطِيَّةِ (مَن) هُنا بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ، ووَجَّهَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفِعْلَ ماضٍ لَفْظًا، ومَعْنًى، لِأنَّ الِاشْتِراءَ قَدْ وقَعَ، فَجَعْلُهُ شَرْطًا لا يَصِحُّ، لِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا لَفْظًا فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا مَعْنًى، وقَدْ ذَكَرَ الرَّضِيُّ فِي: لَزَيْدٌ قائِمٌ، أنَّ الأوْلى كَوْنُ اللّامِ فِيهِ لامَ الِابْتِداءِ مُفِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ، ولا يُقَدَّرُ القَسَمُ كَما فَعَلَهُ الكُوفِيَّةُ، لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ، والتَّأْكِيدُ المَطْلُوبُ مِنَ القَسَمِ حاصِلٌ مِنَ اللّامِ، والقَوْلُ بِأنَّ اللّامَ تَأْكِيدٌ لِلْأُولى أوْ زائِدَةٌ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ بِناءَ الكَلِمَةِ إذا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ لا يُكَرَّرُ وحْدَهُ، بَلْ مَعَ عِمادِهِ، إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، عَلى ما ارْتَضاهُ الرَّضِيُّ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ المَعْهُودَ زِيادَةُ اللّامِ الجارَّةِ، وهي مَكْسُورَةٌ في الِاسْمِ الظّاهِرِ.

﴿ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ اللّامُ فِيهِ لامُ ابْتِداءٍ أيْضًا، والمَشْهُورُ إنَّها جَوابُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى القَسَمِيَّةِ الأُولى، (وما) نَكِرَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِلضَّمِيرِ المُبْهَمِ، في بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، (وشَرَوْا)، يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، والظّاهِرُ هو الظّاهِرُ، أيْ واللَّهِ لَبِئْسَ شَيْئًا شَرَوْا بِهِ حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ أيْ باعُوها، أوْ شَرَوْها في زَعْمِهِمْ ذَلِكَ الشِّراءَ، وفي البَحْرِ: بِئْسَما باعُوا أنْفُسَهُمُ السِّحْرُ أوِ الكُفْرُ، ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ مَذْمُومِيَّةَ الشِّراءِ المَذْكُورِ لامْتَنَعُوا عَنْهُ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ إثْباتِ العِلْمِ لَهم أوَّلًا، ونَفْيِهِ عَنْهم ثانِيًا، إمّا لِأنَّ المُثْبَتَ لَهم هو العَقْلُ الغَرِيزِيُّ، والمَنفِيُّ عَنْهم هو الكَسْبُ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ التَّكْلِيفِ، أوْ لِأنَّ الأوَّلَ هو العِلْمُ بِالجُمْلَةِ، والثّانِيَ هو العِلْمُ بِالتَّفْصِيلِ، فَقَدْ يَعْلَمُ الإنْسانُ مَثَلًا قُبْحَ الشَّيْءِ، ثُمَّ لا يَعْلَمُ أنَّ فِعْلَهُ قَبِيحٌ، فَكَأنَّهم عَلِمُوا أنَّ شِراءَ النَّفْسِ بِالسِّحْرِ مَذْمُومٌ، لَكِنْ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنَّ ما يَفْعَلُونَهُ هو مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ القَبِيحِ، أوْ لِأنَّهم عَلِمُوا العِقابَ، ولَمْ يَعْلَمُوا حَقِيقَتَهُ، وشِدَّتَهُ، وإمّا لِأنَّ الكَلامَ مُخَرَّجٌ عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ بِالشَّيْءِ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، ووُجُودِ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ، لِعَدَمِ ثَمَرَتِهِ، حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِعِلْمِهِمْ، أوْ عَلى تَنْزِيلِ العالِمِ بِفائِدَةِ الخَبَرِ، ولازِمِها مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ بِذَلِكَ الشِّراءِ لامْتَنَعُوا مِنهُ، أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ، فَلا يَمْتَنِعُونَ، وهَذا هو الخَبَرُ المُلْقى إلَيْهِمْ، واعْتِراضُ العَلّامَةِ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ مُلْقًى إلَيْهِمْ فَلا مَعْنى لِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ بِمَضْمُونِهِ، كَيْفَ وقَدْ تَحَقَّقَ في ﴿ ولَقَدْ عَلِمُوا ﴾ نَقِيضُهُ، وهو أنَّ لَهم عِلْمًا بِهِ، وبَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي لا مَعْنى لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ الجاهِلِ، بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّ مَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، بَلْ إنْ كانَ فَلا بُدَّ أنْ يُنَزَّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِأنَّ لَهم عِلْمًا بِذَلِكَ، يُجابُ عَنْهُ: أمّا أوَّلًا، فَبِأنَّ الخِطابَ صَرِيحًا لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَعْرِيضًا لَهُمْ، ولِذا أُكِّدَ، وأمّا ثانِيًا فَبِأنَّ المُسْتَفادَ مِن ﴿ ولَقَدْ عَلِمُوا ﴾ ثُبُوتُ العِلْمِ لَهم حَقِيقَةً، والمُسْتَفادُ مِنَ الخَبَرِ المُلْقى لَهم نَفْيُ العِلْمِ عَنْهم تَنْزِيلًا، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما، وأمّا ثالِثًا فَبِأنَّ العالِمَ إذا عَمِلَ بِخِلافِ عِلْمِهِ كانَ عالِمًا بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في عَدَمِ تَرَتُّبِ ثَمَرَةِ عِلْمِهِ، ومُقْتَضى هَذا العِلْمِ أنْ يَمْتَنِعَ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ، فَفِيما نَحْنُ فِيهِ كانُوا عالِمِينَ فِيهِ بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ، وأنَّهم بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في ذَلِكَ الشِّراءِ، ومُقْتَضى هَذا العِلْمِ أنْ يَمْتَنِعُوا عَنْهُ، وإذا لَمْ يَمْتَنِعُوا كانُوا بِمَنزِلَةِ الجاهِلِ في عَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى هَذا العِلْمِ، فَألْقى الخَبَرَ إلَيْهِمْ بِأنْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، كَذا قِيلَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن شِدَّةِ التَّكَلُّفِ، وأجابَ بَعْضُهم عَمّا يَتَراءى مِنَ التَّنافِي بِأنَّ مَفْعُولَ (يَعْلَمُونَ) ما دَلَّ عَلَيْهِ (لِبِئْسَما شَرَوْا) إلَخْ، أعْنِي مَذْمُومِيَّةَ الشِّراءِ، ومَفْعُولُ (عَلِمُوا) أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم فِي الآخِرَةِ، والعِلْمُ بِأنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ لا يُنافِي نَفْيَ العِلْمِ بِمَذْمُومِيَّةِ الشِّراءِ بِأنْ يَعْتَقِدُوا إباحَتَهُ فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى جَمِيعِ ما سَبَقَ، وفِيهِ أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ الشِّراءِ المَذْكُورِ مُوجِبًا لِلْحِرْمانِ في الآخِرَةِ بِدُونِ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مَذْمُومًا غايَةَ المَذْمُومِيَّةِ مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ عِنْدَ أرْبابِ العُقُولِ، والقَوْلُ بِأنَّ مَفْعُولَ (عَلِمُوا) مَحْذُوفٌ أيْ لَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ، (ولَمَنِ اشْتَراهُ) مُرْتَبِطٌ بِأوَّلِ القِصَّةِ، وضَمِيرُ (لَبِئْسَما شَرَوْا) (لِمَنِ اشْتَراهُ) رَكِيكٌ جِدًّا، وبِئْسَما يُشْتَرى، ودَفْعَ التَّنافِيَ بِأنَّهُ أثْبَتَ أوَّلًا العِلْمَ بِسُوءِ ما شَرَوْهُ بِالكِتابِ بِحَسَبِ الآخِرَةِ، ثُمَّ ذَمَّ بِالسُّوءِ مُطْلَقًا في الدِّينِ والدُّنْيا، لِأنَّ بِئْسَ لِلذَّمِّ العامِّ، فالمَنفِيُّ العِلْمُ بِالسُّوءِ المُطْلَقِ يَعْنِي لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ضَرَرَهُ في الدِّينِ والدُّنْيا لامْتَنَعُوا، إنَّما غَرَّهم تَوَهُّمُ النَّفْعِ العاجِلِ، أوْ بِأنَّ المُثْبَتَ أوَّلًا العِلْمُ بِأنَّ ما شَرَوْهُ ما لَهم في الآخِرَةِ نَصِيبٌ مِنهُ، لا أنَّهم شَرَوْا أنْفُسَهم بِهِ، وأخْرَجُوها مِن أيْدِيهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَهم في الآخِرَةِ، والعِلْمُ المَنفِيُّ هو هَذا العِلْمُ لا يَخْفى ما فِيهِ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ عُمُومَ الذَّمِّ في بِئْسَ، وإنْ قِيلَ بِهِ لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى إفْرادِ الفاعِلِ في نَفْسِها مِن دُونِ تَعَرُّضٍ لِلْأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ، والتِزامُ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ تَخْصِيصَ النَّصِيبِ بِمِنهُ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً مَقْرُونَةً بِمِن، في سِياقِ النَّفْيِ المُساقِ لِلتَّهْوِيلِ مِمّا لا يَدْعُو إلَيْهِ إلّا ضِيقُ العَطَنِ، والجَوابُ بِإرْجاعِ ضَمِيرِ (عَلِمُوا) لِلنّاسِ، أوِ الشَّياطِينِ، (واشْتَرَوْا) لِلْيَهُودِ ارْتِكابٌ لِلتَّفْكِيكِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا قَرِينَةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وبَعْدَ كُلِّ حِسابٍ الأوْلى عِنْدِي في الجَوابِ كَوْنُ الكَلامِ مُخَرَّجًا عَلى التَّنْزِيلِ، ولا رَيْبَ في كَثْرَةِ وُجُودِ ذَلِكَ في الكِتابِ الجَلِيلِ، والأجْوِبَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ مِن قَبْلُ مَعَ جَرَيانِ الكَلامِ فِيها عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لا تَخْلُو في الباطِنِ عَنْ شَيْءٍ فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ، أي ما كتبت الشياطين ويقال: ما ألقت الشياطين ويقال: ما افتعلته الشياطين عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي على عهد ملك سليمان.

ويقال: على بمعنى في، أي في ملك سليمان.

ويقال: في وقت ذهاب ملك سليمان.

ويقال: هذا منسوق على الأول، فكأنّه قال: نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين، أي تركوا سنة أنبياء الله واتبعوا السحر.

ويقال: تركوا شيئين واتبعوا شيئين: تركوا اتباع الكتب واتباع الرسل والعمل بذلك، واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ترويه الشياطين وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ.

واختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم أن سليمان-  - أمر بأن لا يتزوج المرأة من غير بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل يقال لها: ضبنة بنت صابورا، فعاقبه الله تعالى بأن أجلس مكانه شيطاناً وكان الناس يظنون أنه سليمان وأشكل عليهم أمره، فجاؤوا إلى آصف بن برخيا، وكان معلم سليمان بن داود في حال صغره وكان وزيره في حال كبره وملكه فقالوا له: إن قضاياه لا تشبه قضايا سليمان.

فقام آصف ودخل على نساء سليمان فسألهن عن ذلك فقلن: إن كان هذا سليمان فقد هلكتم والله ما يعتزل منا حائضاً، وما يغتسل من جنابة.

هكذا ذكر في رواية الكلبي.

وقال بعضهم: هذا خطأ لأن نساء الأنبياء معافيات معصومات عن الفواحش، فلا يجوز أن يظن بهن أن الشيطان يقربهن.

وقال بعضهم: كان هذا على وجه الخيال لا على وجه الحقيقة، لأن الشيطان روحاني وليس له جسم، فلا يجوز أن تقع بينه وبين آدمي شهوة ولكن كان يريهن ذلك على وجه الخيال.

فلما عرف الشيطان أن الناس علموا بحاله، كتب سحراً كثيراً وجعله تحت كرسيه وألقى خاتم سليمان في البحر وهرب.

وكان سليمان-  - خرج إلى ساحل البحر وأجَّر نفسه للملاحين كل يوم بسمكتين، فلما أعطوه أجره، باع إحداهما واشترى به الخبز وشق بطن الأخرى، فوجد الخاتم في بطنها فرجع إلى ملكه فلما توفي سليمان جاء الشيطان على صورة آدمي وقال: إن أردتم أن تعلموا علم سليمان بن داود- عليهما السلام- فانظروا تحت كرسيه.

فنظروا وحفروا ذلك الموضع وأخرجوا كتباً كثيرة فوجدوا فيها السحر والكفر، فقال العلماء منهم: لا يجوز أن يكون هذا من علم سليمان، وقال السفهاء منهم: بل هذا من علم سليمان واتبعوه، فنزلت هذه الآية على النبي  وعلى جميع الأنبياء عذراً لسليمان-  .

ثم قال تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، أي ما كان ساحراً.

وفي الآية دليل أن الساحر كافر لأنه سمى السحر كفراً.

وروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى جزء بن معاوية وهو عم الأحنف بن قيس، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.

ثم قال تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، أي هم الذين كتبوا السحر.

قرأ حمزة والكسائي وَلكِنَّ الشَّياطِينَ بكسر النون من غير تشديد ورفع الشياطينُ، وقرأ الباقون بتشديد النون مع النصب وبفتح النون في الشَّياطِينُ.

وهذا هو الأصل في اللغة، أن كلمتي إن ولكن إذا كانا مشددين ينصب ما بعدهما، وإن لم يكونا مشددين يرفع ما بعدهما.

وقال بعضهم لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويعلمون الناس السحر والنيرنجات، فكان سليمان يأخذ ذلك منهم ويدفنه تحت الأرض، فلما مات سليمان قالت الشياطين للناس: إن علم سليمان مدفون في موضع كذا وكذا، فحفروا ذلك الموضع وأخرجوا منه كتباً كثيرة.

وقال بعضهم: معناه أن سليمان كان إذا أصبح كل يوم، رأى نباتاً بين يديه فيقول له: لأي دواء أنت؟

فيقول: إني دواء لكذا وكذا، وإن اسمي كذا كذا.

فكان سليمان يكتب ذلك ويدفنه، فنبت يوماً من الأيام نبات بين يديه فقال له سليمان: ما اسمك؟

فقال: خرنوب.

فقال له: لأي دواء أنت؟

فقال: إني لخراب المسجد.

فعلم سليمان أنه قد جاء أجله، لأنه علم أن المسجد لا يخرب في حياته، وكان له صحيفة فيها يكتب أسماء الأدوية ويضعها في الخزانة، فكتبت الشياطين سحراً ووضعوه في ذلك الموضع، فلما مات سليمان وجدوا ذلك في كتبه فاتبعه بعض الناس فذلك قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.

ثم قال: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، أي واتبعوا الذي أنزل على الملكين بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ.

وقال القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرجي فقال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا حكام بن سلم الرازي قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس-  ما- في قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ.

قال: إن الناس بعد آدم وقعوا في الشرك، واتخذوا هذه الأصنام، وعبدوا غير الله تعالى، فجعلت الملائكة يدعون عليهم ويقولون: ربنا خلقت عبادك فأحسنت خلقهم، ورزقتهم فأحسنت رزقهم، فعصوك وعبدوا غيرك.

فقال لهم الرب عز وجل: إنهم في عذر، وقيل: في عيب فجعلوا لا يعذرونهم ولا يقبلون ويدعون عليهم.

فقال لهم الرب: اختاروا منكم اثنين.

فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطهما الله تعالى إلى الأرض فأمرهما ونهاهما عن الزنى وقتل النفس وشرب الخمر، فمكثا زماناً في الأرض يحكمان بالحق.

وكان في ذلك الزمان امرأة فضِّلت بالحسن على سائر النساء، فأتيا عليها فخضعا لها بالقول وراوداها عن نفسها فقالت: لا حتى تصليا لهذا الصنم، أو تقتلا هذه النفس، أو تشربا هذه الخمر.

فقالا: أهون الثلاثة شرب الخمر.

فلما شربا الخمر سجدا للصنم وفعلا بالمرأة وقتلا النفس، فكشف الغطاء فيما بينهما وبين الملائكة، فنظروا إليهما وما يفعلان، فجعلت الملائكة يعذرون بني آدم أهل الأرض ويستغفرون لمن فيها فقيل لهاروت وماروت: اختارا إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة.

فقالا: عذاب الدنيا يذهب وينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له ثم اختاروا عذاب الدنيا.

فهما يعذبان إلى يوم القيامة.

وروي في الخبر أن المرأة تعلمت منهما اسم الله الأعظم، فصعدت به إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكباً.

ويقال: هو الكوكب الذي يقال له الزهرة.

وروي عن ابن عمر أنه كان إذا نظر إلى الزهرة لعنها ويقول: هي التي فتنت هاروت وماروت.

وروي عن علي  هذا.

وقال بعضهم: هذا لا يصح، لأن هذا الكوكب قد كان خلقه في الأصل حين خلق النجوم، وجعل مقادير الأشياء على سبع من الكواكب، وجعل لكل كوكب سلطاناً، وجعل سلطان الزهرة الرطوبة.

وقال بعضهم: إن كوكب الزهرة قد كان، ولكن الله تعالى مسخ هذه المرأة على شبه الكوكب فهي تعذب هناك.

وقال بعضهم: قد صارت إلى النار، كما أن سائر الأشياء التي مسخت لم يبق منها أثر فذلك قوله تعالى: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، يعني اليهود اتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.

وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى، قال بعضهم: هذا الحرف أعني مَا للنفي، فكأنه يقول: ولم ينزل على الملكين السحر.

وقال بعضهم: إن إبليس لعنه الله قد جاء بالسحر ووضعه عند أقدامهما، وهما معلقان بالسلة فتذهب اليهود تتعلم السحر من تلك الكتب والملكين.

يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ، أي فلا تتعلم السحر، لأنه لا يجوز للملكين أن يعلِّما الكفر.

وقال بعضهم: ويبينان أن عمل السحر كفر، وينهيان عن التعلم ويبيِّنان كيفية السحر وهو بمنزلة رجل قال لآخر: علِّمني ما الزنى أو علمني ما السرقة فيقول: إن الزنى كذا وكذا، وهو حرام فلا تفعل وإن السرقة كذا وكذا هي حرام فلا تفعل.

كذلك هاهنا الملكان يقولان: السحر كذا وكذا، وهو كفر فلا تكفر.

وقرأ بعضهم وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام وهي قراءة شاذة، يعني كانا ملكين في بني إسرائيل فمسخهما الله تعالى.

وقوله: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي اختبار وابتلاء.

وأصل الفتنة الاختبار.

قوله: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما أي من الملكين: مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، أي فيتعلمون منهما من السحر ما يفرقون به بين الرجل وزوجته، يؤخذ الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على الجماع.

ثم قال تعالى: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، أي بإرادة الله تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ، أي ما يضر في الدنيا ولا ينفعهم في الآخرة، يعني السحر.

وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، يعني اليهود علموا في التوراة أن من اختار السحر ما لَهُ فِى الاخرة مِن خلاق يعني نصيب.

والخلاق في اللغة: هو النصيب الوافر.

وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، أي باعوا به، يعني بئسما باعوا به أنفسهم.

ويقال: بئس ما اختاروا لأنفسهم السحر على كتاب الله تعالى وسنن أنبيائه لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ، ولكنهم لا يعلمون.

فإن قيل: ذكر في الآية الأولى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ وفي هذه الآية يقول: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ فمرة يقول: يعلمون، ومرة يقول: لا يعلمون.

فالجواب أن يقال: إنهم يعلمون ولكن لا منفعة لهم في علمهم، وكل عالم لا يعمل بعلمه فليس بعالم، لأنه يتعلم العلم لكي ينتفع به، فإذا لم ينتفع به فكأنه لم يتعلم، فكذلك هاهنا لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، لو كانوا يعرفون للعلم حقه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.

ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.

انتهى.

وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «١» .

وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل» ، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.

وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في «نزّله» ، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)

وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ...

الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.

وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ...

الآيةَ: قال سيبوَيْه «١» : «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام» ، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.

وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.

وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ...

الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «٢» ، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «٣» ، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.

وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً.

وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام.

والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «١» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.

قال ع «٢» : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:

«إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.

ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «٣» ، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «٤» ت: قال عياض «٥» : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة

هَارُوت ومَارُوت.

وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس «١» هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «٢» كما نصَّه اللَّه أول الآيات.

انتهى.

انظره.

وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ...

الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «٣» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «٤» ، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «٥» : [الطويل]

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ...

وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «١»

وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.

٣١ أص «٢» : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم.

انتهى.

ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «٣» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:

اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.

م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «٤» : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم

محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر.

انتهى.

وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ» : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.

وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.

وقرأ جمهورُ النَّاس «١» : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «٢» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ ﴾ .

فِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ اليَهُودَ كانُوا لا يَسْألُونَ النَّبِيَّ عَنْ شَيْءٍ مِنَ التَّوْراةِ إلّا أجابَهم، فَسَألُوهُ عَنِ السِّحْرِ وخاصَمُوهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ سُلَيْمانُ في القُرْآَنِ قالَتْ يَهُودُ المَدِينَةَ: ألا تَعْجَبُونَ لِمُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ ابْنَ داوُدَ كانَ نَبِيًّا؟!

واللَّهِ ما كانَ إلّا ساحِرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

و"تَتْلُوا" بِمَعْنى: تَلَتْ، و"عَلى" بِمَعْنى: في، قالَهُ المُبَرِّدُ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ أيْ: عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ ما تَلَتِ الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ عَنْ مُلْكِهِ؛ كَتَبَتِ الشَّياطِينُ السِّحْرَ، ودَفَنَتْهُ في مُصَلّاهُ، فَلَمّا تُوُفِّيَ اسْتَخْرَجُوهُ، وقالُوا: بِهَذا كانَ يَمْلِكُ المُلْكَ، ذَكَرَ هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنْ آَصَفَ كانَ يَكْتُبُ ما يَأْمُرُ بِهِ سُلَيْمانُ، ويَدْفِنُهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ اسْتَخْرَجَتْهُ الشَّياطِينُ، فَكَتَبُوا بَيْنَ كُلِّ سَطْرَيْنِ سِحْرًا وكَذِبًا، وأضافُوهُ إلى سُلَيْمانَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الشَّياطِينَ كَتَبَتِ السِّحْرَ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أضافَتْهُ إلَيْهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ الشَّياطِينَ ابْتَدَعَتِ السِّحْرَ، فَأخَذَهُ سُلَيْمانُ، فَدَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ لِئَلّا يَتَعَلَّمَهُ النّاسُ، فَلَمّا قُبِضَ اسْتَخْرَجَتْهُ، فَعَلَّمَتْهُ النّاسَ وقالُوا: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّ سُلَيْمانَ أخَذَ عُهُودَ الدَّوابِّ، فَكانَتِ الدّابَّةُ إذا أصابَتْ إنْسانًا طَلَبَ إلَيْها بِذَلِكَ العَهْدِ، فَتَخَلّى عَنْهُ، فَزادَ السَّحَرَةُ السَّجْعَ والسِّحْرَ، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.

والسّادِسُ: أنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ في عَهْدِ سُلَيْمانَ تَسْتَرِقُ السَّمْعَ، فَتَسْمَعُ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ ما يَكُونُ في الأرْضِ مِن مَوْتٍ أوْ غَيْثٍ أوْ أمْرٍ، فَيَأْتُونَ الكَهَنَةَ فَيُخْبِرُونَهم، فَتُحَدِّثُ الكَهَنَةُ النّاسَ، فَيَجِدُونَهُ كَما قالُوا، حَتّى إذا أمِنَتْهُمُ الكَهَنَةُ كَذَبُوا لَهم [وَأدْخَلُوا فِيهِ غَيْرَهُ ] فَزادُوا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ كَلِمَةً، فاكْتَتَبَ النّاسُ ذَلِكَ الحَدِيثَ في الكُتُبِ، وفَشا في بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَبَعَثَ سُلَيْمانُ في النّاسِ، فَجَمَعَ تِلْكَ الكُتُبَ في صُنْدُوقٍ، ثُمَّ دَفَنَها تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الشَّياطِينِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنَ الكُرْسِيِّ إلّا احْتَرَقَ [وَقالَ: لا أسْمَعُ أحَدًا يَذْكُرُ أنَّ الشَّياطِينَ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ إلّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ ]، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ؛ جاءَ شَيْطانٌ إلى نَفَرٍ مَن بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَلَّهم عَلى تِلْكَ الكُتُبِ وقالَ: إنَّما كانَ سُلَيْمانُ يَضْبِطُ أمْرَ الخَلْقِ بِهَذا، فَفَشا في النّاسِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ ساحِرًا، واتَّخَذَ بَنُوا إسْرائِيلَ تِلْكَ الكُتُبَ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ  ، خاصَمُوهُ بِها، هَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ.

وَسُلَيْمانُ: اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ جَعَلَهُ النّابِغَةُ سَلِيمًا ضَرُورَةً، فَقالَ: ونَسَجَ سَلِيمُ كُلَّ قَضاءٍ ذائِلٍ واضْطَرَّ الحَطِيئَةُ فَجَعَلَهُ: سَلامًا، فَقالَ: فِيهِ الرِّماحُ وفِيهِ كُلُّ سابِغَةٍ ∗∗∗ جَدْلاءُ مَحْكَمَةٌ مَن نَسْجَ سَلامٍ وَأرادا جَمِيعًا: داوُدَ أبا سُلَيْمانَ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُما الشِّعْرُ، فَجَعَلاهُ: سُلَيْمانَ وغَيَّراهُ.

كَذَلِكَ قَرَأْتُهُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ دَلِيلٌ عَلى كُفْرِ السّاحِرِ، لِأنَّهم نُسِبُوا إلى السِّحْرِ، لا إلى الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ﴾ .

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِتَشْدِيدِ نُونِ (وَلَكِنْ) ونُصْبِ نُونِ (الشَّياطِينَ) .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ النُّونِ مِن (لَكِنْ) ورَفْعِ نُونِ (الشَّياطِينَ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والزُّهْرِيُّ (المَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللّامِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أصَحُّ.

وَفِي "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى "ما" الأُولى، فَتَقْدِيرُهُ" واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى السِّحْرِ، فَتَقْدِيرُهُ: يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، ويُعَلِّمُونَهم ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ السِّحْرُ نَزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ، فَلِماذا كَرِهَ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما ابْنُ السَّرِيِّ، أحَدُهُما: أنَّهُما كانا يُعَلِّمانِ النّاسَ: ما السِّحْرُ، ويَأْمُرانِ بِاجْتِنابِهِ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ؛ لِأنَّ سائِلًا لَوْ قالَ: ما الزِّنا؟

لَوَجَبَ أنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ، ويَعْلَمَ أنَّهُ حَرامٌ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى امْتَحَنَ النّاسَ بِالمَلَكَيْنِ، فَمَن قَبِلَ التَّعَلُّمَ كانَ كافِرًا، ومَن لَمْ يَقْبَلْهُ فَهو مُؤْمِنٌ، كَما امْتُحِنَ بِنَهْرِ طالُوتَ.

وَفِي الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ السِّحْرُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، لا السِّحْرُ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مِن بابِ السِّحْرِ أيْضًا.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ المَلَكَيْنِ.

ذَكَرَ العُلَماءُ أنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما أُنْزِلا إلى الأرْضِ لِسَبَبٍ، وهو أنَّهُ لَمّا كَثُرَتْ خَطايا بَنِي آَدَمَ؛ دَعَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لَوْ أُنْزِلَتِ الشَّهْوَةُ والشَّياطِينُ مِنكم مَنزِلَتَهُما مِن بَنِي آَدَمَ، لَفَعَلْتُمْ مِثْلَ ما فَعَلُوا، فَحَدَّثُوا أنْفُسَهم أنَّهم إنِ ابْتُلُوا، اعْتَصَمُوا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ [أنِ ] اخْتارُوا مِن أفْضَلِكم مَلَكَيْنِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ.

وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: ماذا فَعَلا مِنَ المَعْصِيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما زَنَيا، وقَتَلا، وشَرِبا الخَمْرَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُما جارا في الحُكْمِ، قالَهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُتْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُما هُما بِالمَعْصِيَةِ فَقَطْ.

ونُقِلَ عَنْ عَلَيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ الزُّهْرَةَ كانْتِ امْرَأةً جَمِيلَةً، وأنَّها خاصَمَتْ إلى المَلَكَيْنِ هارُوتَ ومارُوتَ، فَراوَدَها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى نَفْسِها، ولَمْ يَعْلَمْ صاحِبَهُ، وكانا يَصْعَدانِ السَّماءَ آَخِرَ النَّهارِ، فَقالَتْ لَهُما: بِمَ تَهْبِطانِ وتَصْعَدانِ؟

قالا: بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ، فَقالَتْ: ما أمّا بِمُواتِيَتِكُما إلى ما تُرِيدانِ حَتّى تُعَلِّمانِيهِ، فَعَلَّماها إيّاهُ، فَطارَتْ إلى السَّماءِ، فَمَسَخَها اللَّهُ كَوْكَبًا.

وَفِي الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيَّ،  "لَعَنَ الزُّهْرَةَ، وقالَ: إنَّها فَتَنَتْ مَلَكَيْنِ"» إلّا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ وتَأوَّلَ بَعْضُهم، هَذا فَقالَ: إنَّهُ لَمّا رَأى الكَوْكَبَ، ذَكَرَ تِلْكَ المَرْأةَ، لا أنَّ المَرْأةَ مُسِخَتْ نَجْمًا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ عَذابِهِما؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما مُعَلَّقانِ بِشُعُورِهِما إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنْ جُبًّا مُلِئَ نارًا فَجُعِلا فِيهِ.

فَأمّا بابِلُ؛ فَرُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ ألْسُنَ النّاسِ تَبَلْبَلَتْ بِها.

واخْتَلَفُوا في حَدِّها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها: الكُوفَةُ وسَوادُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها مِن نَصِيبَيْنِ إلى رَأْسِ العَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها جَبَلٌ في وهْدَةٍ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ أيِ: اخْتِبارٌ وابْتِلاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ يُرِيدُ: بِقَضائِهِ.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ : إشارَةٌ إلى اليَهُودِ ﴿ لَمَنِ اشْتَراهُ ﴾ يَعْنِي: اخْتارَهُ، يُرِيدُ: السِّحْرَ.

واللّامُ لامُ اليَمِينِ.

فَأمّا الخَلاقُ؛ فَقالَ الزَّجّاجُ: هو النَّصِيبُ والوافِرُ مِنَ الخَيْرِ.

وَلَهُ تَعالى: ﴿ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ ﴾ أيْ: باعُوها بِهِ ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ العِقابَ فِيهِ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في حُكْمِ السّاحِرِ؛ فَمَذْهَبُ إمامِنا أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ، قَتَلَ بِهِ، أوْ لَمْ يَقْتُلْ، وهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟

عَلى رِوايَتَيْنِ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ، فَإنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ وقالَ: سِحْرِي يَقْتُلُ مِثْلَهُ، وتَعَمَّدْتَ ذَلِكَ، قُتِلَ قَوْدًا.

وإنْ قالَ: قَدْ يَقْتُلُ، قَدْ يُخْطِئُ، لَمْ يَقْتُلْ، وفِيهِ الدِّيَةُ.

فَأمّا ساحِرُ أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهُ لا يُقْتَلُ عِنْدَ أحْمَدَ إلّا أنْ يَضُرَّ بِالمُسْلِمِينَ، فَيَقْتُلُ لِنَقْضِ العَهْدِ، وسَواءٌ في ذَلِكَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: حُكْمُ ساحِرِ أهْلِ الكِتابِ حُكْمُ ساحِرِ المُسْلِمِينَ في إيجابِ القَتْلِ، فَأمّا المَرْأةُ السّاحِرَةُ، فَقالَ: تُحْبَسُ، ولا تُقْتَلُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِن الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانَ ولَكِنَّ الشَياطِينُ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: الواوُ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: هي "أوَ"، وفُتِحَتْ تَسْهِيلًا، وقَرَأها قَوْمٌ: "أوَ" ساكِنَةَ الواوِ فَتَجِيءُ بِمَعْنى "بَلْ" وكَما يَقُولُ القائِلُ: لَأضْرِبَنَّكَ، فَيَقُولُ المُجِيبُ: أو يَكْفِي اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مُتَكَلِّفٌ، وأو في هَذا المَثَلِ مُتَمَكِّنَةً في التَقْسِيمِ، والصَحِيحُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وقُرِئَ: "عَهِدُوا عَهْدًا"، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "عُوهِدُوا"، و"عَهْدًا" مَصْدَرٌ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِمَعْنى أعْطَوْا عَهْدًا، والنَبْذُ: الطَرْحُ والإلْقاءُ، ومِنهُ: النَبِيذُ والمَنبُوذُ.

والفَرِيقُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ويَقَعُ عَلى اليَسِيرِ والكَثِيرِ مِنَ الجَمْعِ، ولِذَلِكَ فَسُرِّتْ كَثْرَةُ النابِذِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ ، لَما احْتَمَلَ الفَرِيقُ أنْ يَكُونَ الأقَلَّ، و"لا يُؤْمِنُونَ" في هَذا التَأْوِيلِ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "أكْثَرُهُمْ"، ويَحْتَمِلُ الضَمِيرُ العَوْدَ عَلى الفَرِيقِ، ويَحْتَمِلُ العَوْدَ عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو أذُمُّ لَهُمْ، والعَهْدُ الَّذِي نَبَذُوهُ هو ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "نَقَضَهُ فَرِيقٌ".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ ﴾ ، يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدٌ  ، و"ما مَعَهُمْ" هو التَوْراةُ و"مُصَدِّقٌ" نَعْتٌ لـ "رَسُولٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ.

و"لَمّا" يَجِبُ بِها الشَيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، وهي ظَرْفُ زَمانٍ، وجَوابُها "نَبَذَ" الَّذِي يَجِيءُ، و"الكِتابَ" الَّذِي أُوتُوهُ التَوْراةُ، و"كِتابَ اللهِ" مَفْعُولٌ بِـ "نَبَذَ"، والمُرادُ القُرْآنُ لِأنَّ التَكْذِيبَ بِهِ نَبْذٌ.

وقِيلَ: المُرادُ التَوْراةُ لِأنَّ مُخالَفَتَها والكُفْرَ بِما أخَذَ عَلَيْهِمْ فِيها نَبْذٌ.

و ﴿ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ مَثَلٌ، لِأنَّ ما يُجْعَلُ ظَهْرِيًّا فَقَدْ زالَ النَظَرُ إلَيْهِ جُمْلَةً، والعَرَبُ تَقُولُ: جُعِلَ هَذا الأمْرُ وراءَ ظَهْرِهِ ودُبُرِ أُذُنِهِ، وقالَ الفَرَزْدَقُ: تَمِيمُ بْنُ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعِيى عَلِيَّ جَوابُها و ﴿ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَشْبِيهٌ بِمَن لا يَعْلَمُ، إذْ فَعَلُوا فِعْلَ الجاهِلِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَفْظِ أنَّهم كَفَرُوا عَلى عِلْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو ﴾ الآيَةُ، يَعْنِي اليَهُودَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ مَن كانَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مَن كانَ في عَهْدِ النَبِيِّ  ، وقِيلَ الجَمِيعُ، و"تَتْلُوا" قالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ تَقْرَأُ مِنَ التِلاوَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَتْلُوا" تَتْبَعُ، كَما تَقُولُ: جاءَ القَوْمُ يَتْلُو بَعْضُهم بَعْضًا، وتَتْلُو بِمَعْنى تَلَتْ، فالمُسْتَقْبَلُ وُضِعَ مَوْضِعَ الماضِي، وقالَ الكُوفِيُّونَ: المَعْنى ما كانَتْ تَتْلُوا، وقَرَأ الحَسَنُ والضَحّاكُ: "الشَياطُونَ" بِالواوِ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ أيْ عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ، وقِيلَ: المَعْنى في مُلْكِ سُلَيْمانَ، بِمَعْنى في قِصَصِهِ وصِفاتِهِ وأخْبارِهِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: اتَّبَعُوا بِمَعْنى فَضَّلُوا، و ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ أيْ عَلى شَرْعِهِ ونَبُّوتِهِ وحالِهِ.

والَّذِي تَلَتْهُ الشَياطِينُ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ الكَلِمَةَ مِنَ الحَقِّ مَعَها المِائَةُ مِنَ الباطِلِ حَتّى صارَ ذَلِكَ عِلْمَهُمْ، فَجَمَعَهُ سُلَيْمانَ ودَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمّا ماتَ قالَتِ الشَياطِينُ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عِلْمُ سُلَيْمانَ، وقِيلَ: بَلْ كانَ الَّذِي تَلَتْهُ الشَياطِينُ سِحْرًا وتَعْلِيمَهُ، فَجَمَعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يُمْلِي عَلى كاتِبِهِ آصَفَ بْنِ بَرْخِيا عِلْمَهُ ويَخْتَزِنُهُ، فَلَمّا ماتَ أخْرَجَتْهُ الجِنُّ وكَتَبَتْ بَيْنَ كُلِّ سَطْرَيْنِ سَطْرًا مِن سِحْرٍ، ثُمَّ نَسَبَتْ ذَلِكَ إلى سُلَيْمانَ، وقِيلَ: إنَّ آصَفَ تَواطَأ مَعَ شَياطِينَ عَلى أنْ يَكْتُبُوا سِحْرًا ويَنْسُبُوهُ إلى سُلَيْمانَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وقِيلَ: إنَّ الجِنَّ كَتَبَتْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ واخْتَلَقَتْهُ ونَسَبَتْهُ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنِ الجِنَّ والإنْسَ حِينَ زالَ مُلْكُ سُلَيْمانَ عنهُ اتَّخَذَ بَعْضُهُمُ السِحْرَ والكَهانَةَ عِلْمًا، فَلَمّا رَجَعَ سُلَيْمانُ إلى مُلْكِهِ تَتْبَّعَ كُتُبَهم في الآفاقِ ودَفَنَها، فَلَمّا ماتَ قالَ شَيْطانٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ الَّذِي بِهِ سُخِّرَتْ لَهُ الجِنُّ والرِيحُ؟

هو هَذا السِحْرُ، فاسْتَخْرَجَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وانْبَثَّ فِيهِمْ، ونَسَبُوا سُلَيْمانَ إلى السِحْرِ، وكَفَرُوا في ذَلِكَ حَتّى بَرَّأهُ اللهُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ  .

ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا ذَكَرَ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ قالَ بَعْضُ اليَهُودِ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ وما كانَ إلّا ساحِرًا».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ تَبْرِئَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ في الآياتِ أنَّ أحَدًا نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّها آيَةٌ نَزَلَتْ في السَبْتِ المُتَقَدِّمِ أنَّ اليَهُودَ نَسَبَتْهُ إلى السِحْرِ، والسِحْرُ والعَمَلُ بِهِ كُفْرٌ.

ويُقْتَلُ الساحِرُ عِنْدَ مالِكٍ كُفْرًا، ولا يُسْتَتابُ كالزِنْدِيقِ، وقالَ الشافِعِيُّ: يَسْألُ عن سِحْرِهِ فَإنْ كانَ كُفْرًا اسْتُتِيبَ مِنهُ، فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.

وقالَ مالِكٌ فِيمَن يَعْقِدُ الرِجالُ عَنِ النِساءِ: يُعاقَبُ ولا يُقْتَلُ، واخْتُلِفَ في ساحِرِ أهْلِ الذِمَّةِ فَقِيلَ: يُقْتَلُ، وقالَ مالِكٌ: لا يُقْتَلُ إلّا إنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ، ويَضْمَنُ ما جَنى، ويُقْتَلُ إنْ جاءَ مِنهُ بِما لَمْ يُعاهِدْ عَلَيْهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، بِتَشْدِيدِ النُونِ مِن "لَكِنَّ"، ونَصْبِ الشَياطِينِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِ النُونِ ورَفْعِ "الشَياطِينِ.

قالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: التَشْدِيدُ أحَبُّ إلَيَّ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها الواوُ، لِأنَّ المُخَفَّفَةَ بِمَنزِلَةِ "بَلْ"، و"بَلْ" لا تَدْخُلُ عَلَيْها الواوُ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ دُخُولُ الواوِ عَلَيْها مَعْنًى يُوجِبُ التَشْدِيدَ، وهي مُثْقَلَةٌ ومُخَفَّفَةٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ إذا خُفِّفَتْ.

وكَفْرُ الشَياطِينِ إمّا بِتَعْلِيمِهِمُ السِحْرَ، وإمّا بِعِلْمِهِمْ بِهِ، وإمّا بِتَكْفِيرِهِمْ سُلَيْمانَ بِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ.

والناسُ المُعَلِّمُونَ أتْباعُ الشَياطِينِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، و"السِحْرَ" مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "يُعَلِّمُونَ"، ومَوْضِعُ "يُعَلِّمُونَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أو رُفِعَ عَلى خَبَرٍ ثانٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ .

"ما" عُطِفَ عَلى "السِحْرَ" فَهي مُفَعْوِلَةٌ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ اللهَ تَعالى أنْزَلَ السِحْرَ عَلى المَلَكَيْنِ فِتْنَةً لِلنّاسِ، لِيَكْفُرَ مَنِ اتَّبَعَهُ، ويُؤْمِنُ مَن تَرَكَهُ، أو عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ الشَيْءَ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ دُونَ السِحْرِ، أو عَلى القَوْلِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ السِحْرَ عَلَيْهِما لِيُعْلَمَ عَلى جِهَةِ التَحْذِيرِ مِنهُ والنَهْيِ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَعْلِيمُ عَلى هَذا القَوْلِ إنَّما هو تَعْرِيفٌ يَسِيرُ بِمَبادِئِهِ،.

وقِيلَ إنَّ "ما" عُطِفَ عَلى "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما تَتْلُو ﴾ .

وقِيلَ: "ما" نافِيَةٌ، رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ اللهَ أنْزَلَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بِالسِحْرِ فَنَفى اللهُ ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَحّاكُ، وابْنُ أبْزِي "المَلَكَيْنِ" بِكَسْرِ اللامِ.

وقالَ ابْنُ أبْزِي: هُما داوُدُ وسُلَيْمانُ، وعَلى هَذا القَوْلِ أيْضًا فَما نافِيَةٌ، وقالَ الحَسَنُ هُما عِلْجانِ كانا بِبابِلَ مَلَكَيْنِ، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ غَيْرُ نافِيَةٍ، وقَرَأهُما كَذَلِكَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ وقالَ: هُما هارُوتُ ومارُوتُ فَهَذا كَقَوْلِ الحَسَنِ.

و"بابِلَ" لا يَنْصَرِفُ لِلتَّأْنِيثِ والتَعْرِيفِ، وهي قُطْرٌ مِنَ الأرْضِ، واخْتُلِفَ أيْنَ هِيَ؟

فَقالَ قَوْمٌ: هي بِالعِراقِ وما والاهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأهْلِ الكُوفَةِ: أنْتُمْ بَيْنَ الحِيرَةِ وبابِلَ.

وقالَ قَتادَةُ: هي مِن نَصِيبِينِ إلى رَأْسِ العَيْنِ.

وقالَ قَوْمٌ: هي بِالمَغْرِبِ وهَذا ضَعِيفٌ وقالَ قَوْمٌ: هي جَبَلٌ دَماوُنْدَ.

و ﴿ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ "المَلَكَيْنِ" عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هُما مَلَكانِ.

ومَن قَرَأ "مَلَكَيْنِ" بِكَسْرِ اللامِ وجَعَلَهُما داوُدَ وسُلَيْمانَ، أو جَعَلَ المَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ جَعَلَ "هارُوتَ ومارُوتَ" بَدَلًا مِنَ الشَياطِينِ في قَوْلِهِ ﴿ وَلَكِنَّ الشَياطِينَ ﴾ وقالَ: هُما شَيْطانانِ.

وَيَجِيءُ "يُعَلِّمُونَ" إمّا عَلى أنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ أتْباعٍ لِهَذَيْنَ الشَيْطانَيْنِ اللَذَيْنِ هُما الرَأْسُ.

ومَن قالَ: كانا عِلْجَيْنِ قالَ: ﴿ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "المَلَكَيْنِ".

وقِيلَ: هُما بَدَلٌ مِنَ الناسِ في قَوْلِهِ: ﴿ يُعَلِّمُونَ الناسَ ﴾ .

وقَرَأ الزُهْرِيُّ " هارُوتُ ومارُوتُ " بِالرَفْعِ، ووَجْهُهُ البَدَلُ مِنَ "الشَياطِينُ" في قَوْلِهِ: ﴿ تَتْلُو الشَياطِينُ ﴾ أو مِنَ الشَياطِينِ الثانِي عَلى قِراءَةِ مَن خَفَّفَ "لَكِنْ" ورَفَعَ، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هُما "هارُوتُ ومارُوتُ".

ورَوى مَن قالَ إنَّهُما مَلَكانِ أنَّ المَلائِكَةَ مَقَتَتْ حُكّامَ بَنِي آدَمَ، وزَعَمَتْ أنَّها لَوْ كانَتْ بِمَثابَتِهِمْ مِنَ البُعْدِ عَنِ اللهِ لَأطاعَتْ حَقَّ الطاعَةِ، فَقالَ اللهُ لَهُمُ: اخْتارُوا مَلَكَيْنِ يَحْكُمانِ بَيْنَ الناسِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَكانا يَحْكُمانِ، فاخْتَصَمَتْ إلَيْهِما امْرَأةٌ، فَفُتِنا بِها، فَراوَداها، فَأبَتْ حَتّى يَشْرَبا الخَمْرَ ويُقْتَلا، فَفَعَلا، وسَألَتْهُما عَنِ الِاسْمِ الَّذِي يَصْعَدانِ بِهِ إلى السَماءِ فَعَلَّماها إيّاهُ، فَتَكَلَّمَتْ بِهِ فَعَرَجَتْ فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا فَهي الزَهْرَةُ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَلْعَنُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وبَعِيدٌ عَلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

ورُوِيَ أنَّ الزَهْرَةَ نَزَلَتْ إلَيْهِما في صُورَةِ امْرَأةٍ مِن فارِسٍ فَجَرى لَهُما ما ذَكَرَ، فَأطْلَعَ اللهُ المَلائِكَةَ عَلى ما كانَ مِن هارُوتَ ومارُوتَ فَتَعَجَّبُوا، وبَقِيا في الأرْضِ لِأنَّهُما خُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ الدُنْيا فاخْتارا عَذابَ الدُنْيا، فَهُما في سِرْبٍ مِنَ الأرْضِ مُعَلَّقَيْنِ يُصَفِّقانِ بِأجْنِحَتِهِما.

وَرَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهُما يُعَلِّمانِ السِحْرَ في مَوْضِعِهِما ذَلِكَ، وأخَذَ عَلَيْهِما ألّا يُعَلِّما أحَدًا حَتّى يَقُولا لَهُ: ﴿ إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ .

وهَذا القَصَصُ يَزِيدُ في بَعْضِ الرِواياتِ ويَنْقُصُ في بَعْضٍ ولا يَقْطَعُ مِنهُ بِشَيْءٍ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرَتْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر ﴾ .

قوله: ﴿ واتبعوا ﴾ عطف على جملة الشرط وجوابه في قوله: ﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله ﴾ [البقرة: 101] الآية بذكر خصلة لهم عجيبة وهي أخذهم بالأباطيل بعد ذكر خصلة أخرى وهي نبذهم للكتاب الحق، فذلك هو مناسبة عطف هذا الخبر على الذي قبله.

فإن كان المراد بكتاب الله في قوله: ﴿ كتاب الله وراء ظهورهم ﴾ [البقرة: 101] القرآن فالمعنى أنهم لما جاءهم رسول الله مصدقاً لما معهم نبذوا كتابه بعلة أنهم متمسكون بالتوراة فلا يتبعون ما خالف أحكامها وقد اتبعواما تتلو الشياطين على ملك سليمان وهو مخالف للتوراة لأنها تنهى عن السحر والشرك فكما قيل لهم فيما مضى ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ [البقرة: 85] يقال لهم أفتؤمنون بالكتاب تارة وتكفرون به تارة أخرى.

وإن كان المراد بكتاب الله التوراة فالمعنى لما جاءهم رسول الله نبذوا ما في التوراة من دلائل صدق هذا الرسول وهم مع ذلك قد نبذوها من قبل حين ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ﴾ مع أن ذلك مخالف لأحكام التوراة.

قال القرطبي: قال ابن إسحاق لما ذكر النبيء صلى الله عليه وسلم سليمان في الأنبياء قالت اليهود: إن محمداً يزعم أن سليمان نبيء وما هو بنبيء ولكنه ساحر فنزلت هذه الآية.

و ﴿ الشياطين ﴾ يحتمل أن يكونوا شياطين من الجن وهو الإطلاق المشهور، ويحتمل أن يراد به ناس تمردوا وكفروا وأتوا بالفظائع الخفية فأطلق عليهم الشياطين على وجه التشبيه كما في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن ﴾ [الأنعام: 112] وقرينة ذلك قوله: ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ فإنه ظاهر في أنهم يدرسونه للناس وكذلك قوله بعده: ﴿ ولكن الشياطين كفروا ﴾ إذ هذا الاستدراك في الإخبار يدل على أنهم من الإنس لأن كفر الشياطين من الجن أمر مقرر لا يحتاج للإخبار عنه.

وعن ابن إسحاق أيضاً أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبوا أصنافاً من السحر وقالوا: من أحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا لأصناف من السحر وختموه بخاتم يشبه نقش خاتم سليمان ونسبوه إليه ودفنوه وزعموا أن سليمان دفنه وأنهم يعلمون مدفنه ودلوا الناس على ذلك الموضع فأخرجوه فقالت اليهود: ما كان سليمان إلا ساحراً وما تم له الملك إلا بهذا.

وقيل كان آصف ابن برخيا كاتب سليمان يكتب الحكمة بأمر سليمان ويدفن كتبه تحت كرسي سليمان لتجدها الأجيال فلما مات سليمان أغرت الشياطين الناس على إخراج تلك الكتب وزادوا في خلال سطورها سحراً وكفراً ونسبوا الجميع لسليمان فقالت اليهود: كفر سليمان.

والمراد من الآية مع سبب نزولها إن نزلت عن سبب أن سليمان عليه السلام لما مات انقسمت مملكة إسرائيل بعده بقليل إلى مملكتين إحداهما مملكة يهوذا وملكها رحبعام ابن سليمان جعلوه ملكاً بعد أبيه وكانت بنو إسرائيل قد سئمت ملك سليمان لحمله إياهم على ما يخالف هواهم فجاءت أعيانهم وفي مقدمتهم يربعام بن نباط مولى سليمان ليكلموا رحبعام قائلين: إن أباك قاس علينا وأما أنت فخفف عنا من عبودية أبيك لنطيعك فأجابهم اذهبوا ثم ارجعوا إلي بعد ثلاثة أيام واستشار رحبعام أصحاب أبيه ووزراءه فأشاروا عليه بملاينة الأمة لتطيعه.

واستشار أصحابه من الفتيان فأشاروا عليه أن يقول للأمة إن خنصري أغلظ من متن أبي فإذا كان أبي قد أدبكم بالسياط فأنا أؤدبكم بالعقارب فلما رجع إليه شيوخ بني إسرائيل في اليوم الثالث وأجابهم بما أشار به الأحداث خلعت بنو إسرائيل طاعته وملكوا عليهم يربعام ولم يبق على طاعة رحبعام إلا سبطا يهوذا وبنيامن واعتصم رحبعام بأورشليم وكل أمته لا تزيد على مائة وثمانين ألف محارب يعني رجالاً قادرين على حمل السلاح وانقسمت المملكة من يومئذ إلى مملكتين مملكة يهوذا وقاعدتها أورشليم، ومملكة إسرائيل ومقرها السامرة، وذلك سنة 975 قبل المسيح كما قدمناه عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين ﴾ [البقرة: 62] الآية ولا يخفى ما تكون عليه حالة أمة في هذا الانتقال فإن خصوم رحبعام لما سلبوا منه القوة المادية لم يغفلوا عما يعتضد به من القوة الأدبية وهي كونه ابن سليمان بن داود من بيت الملك والنبوءة والسمعة الحسنة فلم يأل أعداؤه جهدهم من إسقاط هاته القوة الأدبية وذلك بأن اجتمع مدبرو الأمر على أن يضعوا أكاذيب عن سليمان يبثونها في العامة ليقضوا بها وطرين أحدهما نسبة سليمان إلى السحر والكفر لتنقيص سمعة ابنه رحبعام كما صنع دعاة الدولة العباسية فيما وضعوه من الأخبار عن بني أمية والثاني تشجيع العامة الذين كانوا يستعظمون ملك سليمان وابنه على الخروج عن طاعة ابنه بأن سليمان ما تم له الملك إلا بتلك الأسحار والطلاسم وأنهم لما ظفروا بها فإنهم يستطيعون أن يؤسسوا ملكاً يماثل ملك سليمان كما صنع دعاة انقلاب الدول في تاريخ الإسلام من وضع أحاديث انتظار المهدي وكما يفعلونه من بث أخبار عن الصالحين تؤذن بقرب زوال الدولة.

ولا يخفى ما تثيره هذه الأوهام في نفوس العامة من الجزم بنجاح السعي وجعلهم في مأمن من خيبة أعمالهم ولحاق التنكيل بهم فإذا قضى الوطر بذلك الخبر التصق أثره في الناس فيبقى ضر ضلاله بعد اجتناء ثماره.

والاتباع في الأصل هوالمشي وراء الغير ويكون مجازاً في العمل بقول الغير وبرأيه وفي الاعتقاد باعتقاد الغير تقول اتبع مذهب مالك واتبع عقيدة الأشعري، والاتباع هنا مجاز لا محالة لوقوع مفعوله مما لا يصح اتباعه حقيقة.

والتلاوة قراءة المكتوب والكتاب وعرض المحفوظ عن ظهر قلب وفعلها يتعدى بنفسه ﴿ يتلون عليكم آيات ﴾ [الزمر: 71] فتعديته بحرف الاستعلاء يدل على تضمنه معنى تكذب أي تتلو تلاوة كذب على ملك سليمان كما يقال تقوّل على فلان أي قال عليه ما لم يقله، وإنما فهم ذلك من حرف (على).

والمراد بالملك هنا مدة الملك أو سبب الملك بقرينة أن التلاوة لا تتعلق بنفس الملك وحذف المضاف مع ما يدل على تعيين الوقت شائع في كلام العرب كقولهم وقع هذا في حياة رسول الله أو في خلافة عمر بن الخطاب وقول حميد بن ثور: وما هي إلا في إزار وعِلقة *** مُغارَ ابن همام على حي خثعما يريد أزمان مغار ابن همام.

وكذلك حذف المضاف إذا أريد به الحوادث أو الأسباب كما تقول تكلم فلان على خلافة عُمر أو هذا كتاب في مُلك العباسيين وذلك أن الاسم إذا اشتهر بصفة أو قصة صح إطلاقه وإرادة تلك الصفة أو القصة بحيث لو ظهرت لكانت مضافة إلى الاسم، قال النابغة: وليللٍ أقاسيه بطئ الكواكب *** أراد متاعب ليل لأن الليل قد اشتهر عند أهل الغرام بأنه وقت الشوق والأرق.

والشياطين قيل أريد بها شياطين الإنس أي المضللون وهو الظاهر.

وقيل: أريدت شياطين الجن.

وأل للجنس على الوجهين.

وعندي أن المراد بالشياطين أهل الحيل والسحرة كما يقولون فلان من شياطين العَرب وقد عد من أولئك ناشب الأعور أحد رجال يوم الوقيط.

وقوله: ﴿ تتلوا ﴾ جاء بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية على ما قاله الجماعة، أو هو مضارع على بابه على ما اخترناه من أن الشياطين هم أحبارهم فإنهم لم يزالوا يتلون ذلك فيكون المعنى أنهم اتبعوا اعتقدوا ما تلته الشياطين ولم تزل تتلوه.

وسليمان هو النبيء سليمان بن داود بن يسي من سبط يهوذا ولد سنة 1032 اثنتين وثلاثين وألف قبل المسيح وتوفي في أورشليم سنة 975 خمس وسبعين وتسعمائة قبل المسيح وولي ملك إسرائيل سنة 1014 أربع عشرة وألف قبل المسيح بعد وفاة أبيه داود النبيء ملك إسرائيل، وعظم ملك بني إسرائيل في مدته وهو الذي أمر ببناء مسجد بيت المقدس وكان نبيئاً حكيماً شاعراً وجعل لمملكته أسطولاً بحرياً عظيماً كانت تمخر سفنه البحار إلى جهات قاصية مثل شرق إفريقيا.

وقوله: ﴿ وما كفر سليمان ﴾ جملة معترضة أثار اعتراضها ما أشعر به قوله: ﴿ ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ﴾ من معنى أنهم كذبوا على سليمان ونسبوه إلى الكفر فهي معترضة بين جملة ﴿ واتبعوا ﴾ وبين قوله: ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ إن كان ﴿ وما أنزل ﴾ معطوفاً على ﴿ ما تتلوا ﴾ وبين ﴿ اتبعوا ﴾ وبين ﴿ ولقد علموا لَمَن اشتراه ﴾ إلخ إن كان ﴿ وما أنزل ﴾ معطوفاً على السحر، ولك أن تجعله معطوفاً على ﴿ واتبعوا ﴾ إذا كان المراد من الشياطين أحبار اليهود لأن هذا الحكم حينئذ من جملة أحوال اليهود لأن مآله واتبعوا وكفروا وما كفر سليمان ولكنه قدم نفي كفر سليمان لأنه الأهم تعجيلاً بإثبات نزاهته وعصمته ولأن اعتقاد كفره كان سبب ضلال للذين اتبعوا ما كتبته الشياطين فلا شك أن حكم الأتباع وحكم المتبوعين واحد فكان خبراً عن اليهود كذلك.

وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان في كتبهم فقد جاء في سفر الملوك الأول أن سليمان في زمن شيخوخته أمالت نساؤه المصريات والصيدونيات والعمونيات قلبَه إلى آلهتهن مثل (عشتروت) إله الصيدونيين (ومُولوك) إله العمونيين (الفينيقيين) وبنى لهاته الآلهة هياكل فغضب الله عليه لأن قلبه مال عن إله إسرائيل الذي أوصاه أن لا يتبع آلهة أخرى.

وقوله: ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ حال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والمقصد منه تشنيع حال كفرهم إذ كان مصحوباً بتعليم السحر على حد قوله: كفرٌ دون كفر فهي حال مؤسسة.

والسحر الشعوذة وهي تمويه الحيل بإخفائها تحت حركات وأحوال يظن الرائي أنها هي المؤثرة مع أن المؤثر خفي قال تعالى: ﴿ ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ﴾ [الحجر: 14، 15] ولذلك أطلق السحر على الخديعة تقول: سحرت الصبي إذا عللته بشيء، قال لبيد: فإن تسألينا فيم نحن فإننا *** عصافيرُ من هذا الأناممِ المسحّر ثم أطلق على ما علم ظاهره وخفي سببه وهو التمويه والتلبيس وتخييل غير الواقع واقعاً وترويج المحال، تقول العرب: عنز مسحورة إذا عظم ضرعها وقل لبنها وأرض مسحورة لا تنبت، قال أبو عطاء: فوالله ما أدري وإني لصادق *** أداء عراني من حبابك أم سحر أي شيء لا يعرف سببه.

والعرب تزعم أن الغيلان سحرة الجن لما تتشكل به من الأشكال وتعرضها للإنسان.

والسحر من المعارف القديمة التي ظهرت في منبع المدنية الأولى أعني ببلاد المشرق فإنه ظهر في بلاد الكلدان والبابلين وفي مصر في عصر واحد وذلك في القرن الأربعين قبل المسيح مما يدل على أنها كانت في تينك الأمتين من تعاليم قوم نشأوا قبلهما فقد وجدت آثار مصرية سحرية في عصر العائلة الخامسة من الفراعنة والعائلة السادسة (3951 3703) ق.

م.

وللعرب في السحر خيال واسع وهو أنهم يزعمون أن السحر يقلب الأعيان ويقلب القلوب ويطوع المسحور للساحر ولذلك كانوا يقولون إن الغول ساحرة الجن ولذلك تتشكل للرائي بأشكال مختلفة.

وقالت قريش: لما رأوا معجزات رسول الله: إنه ساحر، قال الله تعالى: ﴿ وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ﴾ [القمر: 2] وقال الله تعالى: ﴿ ولوفتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ﴾ [الحجر: 14، 15].

وفي حديث البخاري عن عمران بن حصين أن القوم عطشوا في سفر مع رسول الله فطلبوا الماء فوجدوا امرأة على بعير لها مزاداتان من ماء فأتيا بها رسول الله فسقى رسول الله جميع الجيش ثم رد إليها مزادتيها كاملتين فقالت لقومها: فوالله إنه لَأَسْحَرُ من بين هذه وهذه، تعني السماء والأرض.

وفي الحديث: " إن من البيان لسحراً " ولم أر ما يدل على أن العرب كانوا يتعاطون السحر فإن السحر مستمد من خصائص الأمور الطبيعية والتركيب ولم يكن للعرب ضلاعة في الأمور اليدوية بل كانت ضلاعتهم فكرية محضة، وكان العرب يزعمون أن أعلم الناس بالسحر اليهود والصابئة وهم أهل بابل، ومساق الآية يدل على شهرة هؤلاء بالسحر عند العرب.

وقد اعتقد المسلمون أن اليهود في يثرب سحروهم فلا يولد لهم فلذلك استبشروا لما ولد عبدالله بن الزبير وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة كما في «صحيح البخاري»، ولذلك لم يكثر ذِكْر السحر بين العرب المسلمين إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة إذ قد كان فيها اليهود وكانوا يوهمون بأنهم يسحرون الناس.

ويداوى من السحر العراف ودواء السحر السلوة وهي خرزات معروفة تحك في الماء ويشرب ماؤها.

وورد في التوراة النهي عن السحر فهو معدود من خصال الشرك وقد وصفت التوراة به أهل الأصنام فقد جاء في سفر التثنية في الإصحاح 18 «إذا دخلتَ الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تتعلمْ أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم لا يوجد فيك من يَزج ابنَه أو ابنته في النار ولا مَن يَعْرُف عِرَافَة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يَرقي رقية ولا من يسأل جانّاً أو تابعة ولا من يستشير الموتى لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب».

وفي سفر اللاويين الإصحاح 20 «(6) والنفس التي تلتفت إلى الجان وإلى التوابع لتزني وراءهم أَجْعل وجهي ضد تلك النفس وأَقطعُها من شعبها (27) وإذا كان في رجل أو امرأة جانٌّ أو تابعة فإنه يُقتل بالحجارة يرجمونه دمُه عليه».

وكانوا يجعلونه أصلاً دينياً لمخاطبة أرواح الموتى وتسخير الشياطين وشفاء الأمراض وقد استفحل أمره في بلد الكلدان وخلطوه بعلوم النجوم وعلم الطب.

وأرجع المصريون المعارف السحرية إلى جملة العلوم الرياضية التي أفاضها عليهم «طوط» الذي يزعمون أنه إدريس وهو هرمس عند اليونان.

وقد استخدم الكلدان والمصريون فيه أسراراً من العلوم الطبيعية والفلسفية والروحية قصداً لإخراج الأشياء في أبهر مظاهرها حتى تكون فاتنة أو خادعة وظاهرة، كخوارق عادات، إلا أنه شاع عند عامتهم وبَعُدَ ضَلالهم عن المقصد العلمي منه فصار عبارة عن التمويه والتضليل وإخراج الباطل في صورة الحق، أو القبيح في صورة حسنة أو المضر في صورة النافع.

وقد صار عند الكلدان والمصريين خاصية في يد الكهنة وهم يومئذ أهل العلم من القوم الذين يجمعون في ذواتهم الرئاسة الدينية والعلمية فاتخذوا قواعد العلوم الرياضية والفلسفية والأخلاقية لتسخير العامة إليهم وإخضاعهم بما يظهرونه من المقدرة على علاج الأمراض والاطلاع على الضمائر بواسطة الفراسة والتأثير بالعين وبالمكائد.

وقد نقلته الأمم عن هاتين الأمتين وأكثر ما نقلوه عن الكلدانيين فاقتبسه منهم السريان (الأشوريون) واليهود والعرب وسائر الأمم المتدينة والفرس واليونان والرومان.

وأصول السحر ثلاثة: الأول: زجر النفوس بمقدمات توهيمية وإرهابية بما يعتاده الساحر من التأثير النفساني في نفسه ومن الضعف في نفس المسحور ومن سوابقَ شاهدَها المسحور واعتقدها فإذا توجه إليه الساحر سُخر له وإلى هذا الأصل الإشارة بقوله تعالى في ذكر سحرة فرعون ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ الناسسِ واسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ [الأعراف: 116].

الثاني: استخدام مؤثرات من خصائص الأجسام من الحيوان والمعدن وهذا يرجع إلى خصائص طبيعية كخاصية الزئبق ومن ذلك العقاقير المؤثرة في العقول صلاحاً أو فساداً والمفترة للعزائم والمخدرات والمرقدات على تفاوت تأثيرها، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى في سحرة فرعون: ﴿ إنَّما صنعوا كيدُ ساحر ﴾ [طه: 69].

الثالث: الشعوذة واستخدام خفايا الحركة والسرعة والتموج حتى يخيل الجماد متحركاً وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ يُخَيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى ﴾ [طه: 66].

هذه أصول السحر بالاستقراء وقد قسمها الفخر في «التفسير» إلى ثمانية أقسام لا تَعْدُو هذه الأصول الثلاثة وفي بعضها تداخل.

ولعلماء الأفرنج تقسيم آخر ليس فيه كبير جدوى.

وهذه الأصول الثلاثة كلها أعمال مباشرة للمسحور ومتصلة به ولها تأثير عليه بمقدار قابلية نفسه الضعيفة وهو لا يتفطن لها، ومجموعها هو الذي أشارت إليه الآية، وهو الذي لا خلاف في إثباته على الجملة دون تفصيل، وما عداها من الأوهام والمزاعم هو شيء لا أثر له وذلك كل عمل لا مباشرة له بذات من يراد سحره ويكون غائباً عنه فيدعي أنه يؤثر فيه، وهذا مثل رسم أشكال يعبر عنها بالطلاسم، أو عقد خيوط والنفث عليها برقيات معينة تتضمن الاستنجاد بالكواكب أو بأسماء الشياطين والجن وآلهة الأقدمين، وكذا كتابة اسم المسحور في أشكال، أو وضع صورته أو بعض ثيابه وعلائقه وتوجيه كلام إليها بزعم أنه يؤثر ذلك في حقيقة ذات المسحور، أو يستعملون إشارات خاصة نحو جهته أونحو بلده وهوما يسمونه بالأرصاد وذكر أبو بكر ابن العربي في «القبس» أن قريشاً لما أشار النبيء صلى الله عليه وسلم بأصبعه في التشهد قالوا: هذا محمد يسحر الناس، أو جمع أجزاء معينة وضم بعضها إلى بعض مع نية أن ذلك الرسم أو الجمع لتأثير شخص معين بضر أو خير أو محبة أو بغضة أو مرض أو سلامة، ولا سيما إذا قرن باسم المسحور وصورته أو بطالع ميلاده، فذلك كله من التوهمات وليس على تأثيرها دليل من العقل ولامن الطبع ولا ما يثبته من الشرع، وقد انحصرت أدلة إثبات الحقائق في هذه الأدلة، ومن العجائب أن الفخر في «التفسير» حاول إثباته بما ليس بمقنع.

وقد تمسك جماعة لإثبات تأثير هذا النوع من السحر بما روي في «الصحيحين» عن قول عائشة أن لبيد بن الأعصم سحر النبيء صلى الله عليه وسلم ورؤيا النبيء صلى الله عليه وسلم أن ملكين أخبراه بذلك السحر، وفي النسائي عن زيد بن أرقم مثله مختصراً، وينبغي التثبت في عباراته ثم في تأويله، ولا شك أن لبيداً حاول أن يسحر النبيء صلى الله عليه وسلم فقد كان اليهود سحرة في المدينة وأن الله أطلع رسوله على ما فعله لبيد لتكون معجزة للنبيء صلى الله عليه وسلم في إبطال سحر لبيد وليعلم اليهود أنه نبيء لا تلحقه أضرارهم وكما لم يؤثر سحر السحرة على موسى كذلك لم يؤثر سحر لبيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما عرض للنبيء صلى الله عليه وسلم عارض جسدي شفاه الله منه فصادف أن كان مقارناً لما عمله لبيد بن الأعصم من محاولة سحره وكانت رؤيا النبيء صلى الله عليه وسلم إنباء من الله له بما صنع لبيد، والعبارة عن صورة تلك الرؤيا كانت مجملة فإن الرأي رموز ولم يرد في الخبر تعبير ما اشتملت عليه فلا تكون أصلاً لتفصيل القصة.

ثم إن لتأثير هاته الأسباب أو الأصول الثلاثة شروطاً وأحوالاً بعضها في ذات الساحر وبعضها في ذات المسحور، فيلزم في الساحر أن يكون مفرط الذكاء منقطعاً لتجديد المحاولات السحرية جسوراً قوى الإرادة كتوماً للسر قليل الاضطراب للحوادث سالم البنية مرتاض الفكر خفي الكيد والحيلة، ولذلك كان غالب السحرة رجالاً ولكن كان الحبشة يجعلون السواحر نساء وكذلك كان الغالب في الفرس والعرب قال تعالى: ﴿ ومن شر النفاثات في العقد ﴾ [الفلق: 4] فجاء بجمع الإناث وكانت الجاهلية تقول إن الغيلان عجائز من الجن ساحرات فلذلك تستطيع التشكل بأشكال مختلفة، وكان معلمو السحر يمتحنون صلاحية تلامذتهم لهذا العلم بتعريضهم للمخاوف وأمرهم بارتكاب المشاق تجربة لمقدار عزائمهم وطاعتهم.

وأما ما يلزم في المسحور فخور العقل، وضعف العزيمة، ولطاقة البنية، وجهالة العقل، ولذلك كان أكثر الناس قابلية له النساء والصبيان والعامة ومن يتعجب في كل شيء.

ولذلك كان من أصول السحر إلقاء أقوال كاذبة على المسحور لاختبار مقدار عقله في التصديق بالأشياء الواهية والثقة بالساحر، قال تعالى: ﴿ ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إنْ هذا إلا سحر مبين ﴾ [هود: 7] فجعلوا ذلك القول الغريب سحراً.

ثم تحف بالسحر أعمال، القصد منها التمويه وهذه الأعمال أنواع: نوع: الغرض منه تقوية اعتقاد الساحر في نجاح عمله لتقوى عزيمته فيشتد تأثيره على النفوس وهذا مثل تلقين معلمي هذا الفن تلامذتهم عبادة كواكب ومناجاتها لاستخدام أرواحها والاستنجاد بتلك الأرواح على استخدام الجن والقوى المتعاصية ليعتقد المتعلم أن ذلك سبب نجاح عمله فيقدم عليه بعزم، وفي ذلك تأثير نفساني عجيب ولذلك يسمون تلك الأقوال والمناجاة عزائم جمع عزيمة ويقولون فلان يعزِّم إذا كان يسحر، ثم هو إذا استكمل المعرفة قد يتفطن لقلة جدوى تلك العزائم وقد لا يتفطن وعلى كلتا الحالتين فمعلموه لا يتعرضون له في نهاية التعليم بالتنبيه على فساد ذلك لئلا يدخلوا عليه الشكوك في مقدرته، فلذلك بقيت تلك الأوهام يتلقاها الأخلاف عن أسلافهم، ومن هذا النوع ضروب هي في الأصل تجارب لمقدار طاعة المتعلم لمعلمه بقيت متلقاة عندهم عن غير بصيرة مثل ارتكاب الخبائث وإهانة الصالحات والأمور المقدسةِ إيهاماً بأنها تُبلِّغ إلى مرضاة الشياطين وتسخيرها، وذلك في الواقع اختبار لمقدار خضوع المتعلم، لأن أكبر شيء على النفس نبذ أعز الأشياء وهو الدين، ولأن السحرة ليسوا من المليين فهم يبلغون بمريديهم إلى مبالغهم السافلة، وقد سمعنا أن كثيراً ممن يتعاطون السحر في المسلمين يزعمون أنهم لا يتأتى لهم نجاح إلا بعد أن يلطخوا أيديهم بالنجاسات أونحو من هذا الضلال.

ونوع: الغرض منه إخفاء الأسباب الحقيقية لتمويهاتهم حتى لا يطلعَ الناس على كنهها، فيستندون في تعليل أعمالهم إلى أسباب كاذبة كندائهم بأسماء سموها لا مسميات لها ووضعهم أشكالاً على الورق أو في الجدران يزعمون أن لها خصائص التأثير، واستنادهم لطوالع كواكب في أوقات معينة لا سيما القمر، ومن هذا تظاهرهم للناس بمظهر الزهد والهمة.

ونوع: يستعان به على نفوذ السحر وهو التجسس والتطلع على خفايا الأشياء وأسرار الناس بواسطة السعي بالنميمة وإلقاء العداوات بين الأقارب والأصحاب والأزواج حتى يُفْشِيَ كل منهم سر الآخر فيتخذ الساحر تلك الأسرار وسيلة يُلقى بها الرعب في قلوب أصحابها بإظهار أنه يعلم الغيب والضمائرَ، ثم هو يأمر أولئك الذين أرهبهم ويستخدمهم بما يشاء فيطيعونه فيأمر المرأة بمغاضبة زوجها وطلب فراقه ويأمر الزوج بطلاق زوجته وهكذا، وفي هذا القسم تظهر مقدرة الساحر الفكرية وبه تكثر أضراره وأخطاره على الناس وجرأته على ارتكاب المرعبات والمطوِّعات باستئصال الأموال بالسرقة يسرقها من لا يتهمه المسروق، ومنه أنه يفعل ذلك من خاصته وأبنائه وزوجه الذين يستهويهم السحرة ويسخرونهم للإخلاص لهم، وينتهي فعل السحرة في هذا إلى حد إزهاق النفوس التي يشعرون بأنها تفطنت لخديعتهم أو التي تعاصت عن امتثال أوامرهم يُغرون بها من هي آمن الناس منه، ثم استطلاع ضمائر الناس بتقريرات خفية وأسئلة تدريجية يوهمه بها أنه يسأله عنها ليعلمه بمستقبله.

ونوع: يُجعل اختباراً لمقدار مراتب أذهان الناس في قابلية سحره وذلك بوضع أشياء في الأطعمة خيفة الظهور ليرى هل يتفطن لها من وضَعها، وبإبراز خيالات أو أشباح يوهم بها الناظر أنها جن أو شياطين أو أرواح، وماهي إلا أشكال مموهة أو أعوان من أعوانه متنكرة، لينظر هل يقتنع رائِيها بما أخبره الساحر عنها أم يتطلب كشف حقيقتها أو استقصاء أثرها.

فكان السحر قرين خباثة نفس، وفسادِ دين، وشرِّ عمل، وإرعاببٍ وتهويللٍ على الناس، من أجل ذلك ما فتئت الأديان الحقة تحذر الناس منه وتعد الاشتغال به مروقاً عن طاعة الله تعالى لأنه مبني على اعتقاد تأثير الآلهة والجِن المنسوبين إلى الآلهة في عقائد الأقدمين، وقد حذر موسى قومه من السحرِ وأهله ففي سفر التثنية الإصحاح 18 أن مما خاطب به موسى عليه السلام قومه: «متى دخلتَ الأرضَ التي يعطيك الربُ إلهك لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا من يَعْرُف عِرَافة ولا عائفٌ ولا متفائلٌ ولا ساحرٌ ولا من يَرقى رُقية ولا من يسأل جاناً أو تابعة ولا من يستثير الموتى».

وجعلت التوراة جزاء السحرة القتل ففي سفر اللاويين الإصحاحين 20 27 «وإذا كان في رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يقتل».

وذكروا عن مالك أنه قال: الأسماء التي يكتبها السحرة في التمائم أسماء أصنام.

وقد حذر الإسلام من عمل السحر وذمه في مواضع وليس ذلك بمقتضى إثبات حقيقة وجودية للسحر على الإطلاق ولكنه تحذير من فساد العقائد وخلع قيود الديانة ومن سخيف الأخلاق.

وقد اختلف علماء الإسلام في إثبات حقيقة السحر وإنكارها وهو اختلاف في الأحوال فيما أراه فكل فريق نظر إلى صنف من أصناف ما يُدعَى بالسحر.

وحكى عياض في «إكمال المعلم» أن جمهور أهل السنة ذهبوا إلى إثبات حقيقته.

قلت وليس في كلامهم وصف كيفية السحر الذي أثبتوا حقيقته فإنما أثبتوه على الجملة.

وذهب عامة المعتزلة إلى أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تمويه وتخييل وأنه ضرب من الخفة والشعوذة ووافقهم على ذلك بعض أهل السنة كما اقتضته حكاية عياض في «الإكمال»، قلت وممن سُمِّي منهم أبو إسحاق الاسترابادي من الشافعية.

والمسألة بحذافرها من مسائل الفروع الفقهية تدخل في عقاب المرتدين والقاتلين والمتحيلين على الأموال، ولا تدخل في أصول الدين.

وهو وإن أنكره الملاحدة لا يقتضى أن يكون إنكاره إلحاداً.

وهذه الآية غير صريحة.

وأما الحديث فقد علمتَه آنفاً.

وشدد الفقهاء العقوبة في تعاطيه.

قال مالك: يقتل الساحر ولا يستتاب إن كان مسلماً وإن كان ذمياً لا يقتل بل يؤدب إلا إذا أدخل بسحره أضراراً على مسلم فإنه يقتل لأنه يكون ناقضاً للعهد لأن من جملة العهد أن لا يتعرضوا للمسلمين بالأذى قال الباجي في «المنتقي» رأى مالك أن السحر كفر وشرك ودليلٌ عليه وأنه لما كان يستتر صاحبه بفعله فهو كالزندقة لأجل إظهار الإسلام وإبطان الكفر ولذلك قال ابن عبد الحكم وابن المواز وأصبغ هو كالزنديق إن أسر السحر لا يستتاب وإن أظهره استتيب وهو تفسير لقول مالك لا خلافٌ له قال الباجي فلا يقتل حتى يثبت أن ما يفعله من السحر هو الذي وصفه الله بأنه كفر قال أصبغ يَكشف ذلك من يعرف حقيقته ويثبت ذلك عند الإمام.

وفي «الكافي» لابن عبد البر إذا عمل السحر لأجل القتل وقتَل به قُتل وإن لم يكن كفراً، وقد أدخل مالك في «الموطأ» السحر في باب الغيلة، فقال ابن العربي في «القبس» وجه ذلك أن المسحور لا يَعلم بعمل السحر حتى يقع فيه، قلت لا شك أن السحر الذي جُعل جزاؤه القتل هو ما كان كفراً صريحاً مع الاستتار به أو حصل به إهلاك النفوس وذلك أن الساحر كان يَعِد من يأتيه للسحر بأن فلاناً يموت الليلة أو غداً أو يصيبه جنون ثم يتحيل في إيصال سموم خفية من العقاقير إلى المسحور تُلقى له في الطعام بواسطة أناس من أهل المسحور فيصبح المسحور ميتاً أو مختل العقل فهذا هو مراد مالك بأن جزاءه القتل أي إن قتل ولذلك قال: لا تقبل توبته وبدون هذا التأويل لا يصح فقه هذه المسألة، فقول مالك في السحر ليس استناداً لدليل معين في خصوص السحر ولكنه من باب تحقيق المناط بتطبيق قواعد التعزير والإضرار، ولبعض فقهاء المذهب في حكاية هذه المسألة إطلاقات عجيب صدورها من أمثالهم، على أن السحر أكثر ما يتطلب لأجل تسخير المحبين محبوبيهم فهو وسيلة في الغالب للزنا أو للانتقام من المحبوب أو الزوج.

سئل مالك عمن يعقد الرجال عن النساء وعن الجارية تطعم رجلاً شيئاً فيذهب عقله فقال: لا يقتلان فأما الذي يعقد فيؤدب وأما الجارية فقد أتت أمراً عظيماً قيل أفتقتل فقال: لا قال ابن رشد في «البيان» رأى أن فعلها ليس من السحر اه.

وقال أبو حنيفة: يقتل الرجل الساحر ولا يستتاب وأما المرأة فتحبس حتى تتركه فجعل حكمه حكم المرتد ووجَّه أبو يوسف بأنه جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد.

وعن الشيخ أبي منصور أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قُطاع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث وتقبل توبته إذا تاب ومن قال: لا تقبل فقد خلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم اه.

وهذا استدلال بشرع من قبلنا.

وقال الشافعي يُسأل الساحر عن سحره فإن ظهر منه ما هو كفر فهو كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل وإن ظهر منه تجويز تغيير الأشكال لأسباب قراءة تلك الأساطير أو تدخين الأدوية وعَلِم أنه يفعل محرماً فحكمه حكم الجناية فإن اعترف بسحر إنسان وأنَّ سحره يقتل غالباً قُتل قوداً (يعني إذا ثبت أنه مات بسببه) وإن قال: إن سحْري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شِبه عمد، وإن كان سِحره لغير القتل فمات منه فهو قتل خطأ تجب الدية فيه مخففة في ماله.

ويجب أن يستخلص من اختلافهم ومن متفرق أقوالهم ما يكون فيه بصيرة لإجراء أعمال ما يسمى بالسحر وصاحبُه بالساحر مُجْرَى جنايات أمثاله ومقدار ما أثره من الاعتداء دون مبالغة ولا أوهام، وقد يطلق اسم الساحر اليوم على اللاعب بالشعوذة في الأسمار وذلك من أصناف اللهو فلا ينبغي عد ذلك جناية.

يتعين أن (مَا) موصولة وهو معطوف على قوله: ﴿ مُلْككِ سليمان ﴾ أي وما تتلوا الشياطين عَلى ما أنزل على المَلكين، والمراد بما أنزل ضرب من السحر لكنه سحر يشتمل على كفر عظيم وتعلم الخضوع لغير الله مع الاستخفاف بالدين ومع الإضرار بالناس كما بيناه آنفاً فيكون عطفاً على ﴿ ما تتلوا ﴾ الذي هو صادق على السحر فعُطف (ما أنزل) عليه لأنه نوع منه أشد مما تتلوه الشياطين الذين كانوا يعلِّمونه الناس مع السحر الموضوع منهم، فالعطف لتغاير الاعتبار أو للتنبيه على أن أصل السحر مقتبس مما ظهر ببابل في زمن هذين المعلِّمَيْن وعطف شيء على نفسه باعتبار تغاير المفهوم والاعتبار وارد في كلامهم كقول الشاعر: (وهو من شواهد النحو): إلى المَلك القَرْم وابننِ الهُمَا *** م ولَيثثِ الكتيبة في المُزْدَحَم وقيل: أريد من السحر أخَفُّ مما وضعته الشياطين على عهد سليمان لأن غاية ما وصف به هذا الذي ظهر ببابل في زمن هذين المعلمين أنه يُفرق بين المرء وزوجه وذلك ليس بكفر وفيه ضعف.

والقراءة المتواترة (المَلكين) بفتح لام الملكين وقرأه ابن عباس والضحاك والحَسن وابن أَبْزَى بكسر اللام.

وكل هاته الوجوه تقتضي ثبوت نزول شيء على الملكين ببابل وذلك هو الذي يعنيه سياق الآية إذا فَصَّلت كيفية تعليم هذين المعلمين عِلم السحر.

فالوجه أن قوله: ﴿ وما أنزل ﴾ عطف على ﴿ مُلك سليمان ﴾ فهو معمول لتتلوا الذي هو بمعنى تكذب فيكون المراد عدم صحة هذا الخبر أي ما تكذبه الشياطين على ما أنزل على المَلكين ببابل، أي ينسبون بعض السحر إلى ما أنزل ببابل.

قال الفخر وهو اختيار أبي مسلم وأنكر أبو مسلم أن يكون السحر نازلاً على المَلَكين إذ لا يجوز أمر الله به وكيف يتولى الملائكة تعليمه مع أنه كفر أو فسق.

وقيل: (ما) نافية معطوفة على (ما كفر سليمان) أي وما كفر سليمان بوضع السحر كما يزعم الذين وضعوه، ولا أنزل السحر على المَلكين ببابل.

وتعريف الملكين تعريف الجنس أوهو تعريف العهد بأن يكون الملكان معهودين لدى العارفين بقصة ظهور السحر، وقد قيل إن (هاروت وماروت) بدل من (الشياطين) وإن المراد بالشياطين شيطانان وضعا السحر للناس هما هاروت وماروت، على أنه من إطلاق الجمع على المثنى كقوله: ﴿ قلوبكما ﴾ [التحريم: 4] وهذا تأويل خطأ إذ يصير قوله: ﴿ على الملكين ﴾ كلاماً حشواً.

وعلى ظاهر هذه الآية إشكال من أربعة وجوه: أحدها كون السحر مُنْزَلاً إن حمل الإنزال على المعروف منه وهو الإنزال من الله، الثاني كون المباشر لذلك ملكين من الملائكة على القراءة المتواترة، الثالث كيف يَجْمَع المَلكان بين قولهما ﴿ نحن فتنة ﴾ وقولهما ﴿ فلا تكفر ﴾ فكيف يجتمع قصد الفتنة مع التحذير من الوقوع فيها الرابع كيف حصرا حالهما في الاتصاف بأنهما فتنة فما هي الحكمة في تصديهما لذلك لأنهما إن كانا ملَكين فالإشكال ظاهر وإن كانا ملِكين بكسر اللام فهما قد علما مضرة الكفر بدليل نهيهما عنه وعلِما معنى الفتنة بدليل قولهما ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ فلماذا تورطا في هذه الحالة؟

ودفع هذا الإشكال برمته أن الإنزال هو الإيصال وهو إذا تعدى بعلى دل على إيصال من علو واشتهر ذلك في إيصال العلم من وحي أو إلهام أونحوهما، فالإنزال هنا بمعنى الإلهام وبمعنى الإيداع في العقل أو في الخلقة بأن يكون الملكان قد برعا في هذا السحر وابتكرا منه أساليب لم يسبق لهما تلقيها من معلم شأن العلامة المتصرف في علمه المبتكر لوجوه المسائل وعللها وتصاريفها وفروعها.

والظاهر عندي أن ليس المراد بالإنزال إنزال السحر إذ السحر أمر موجود من قبل ولكنه إنزال الأمرِ للملَكين أو إنزال الوحي أو الإلهام للملِكين بأن يتصديا لبث خفايا السحر بين المتعلمين ليبطل انفراد شرمذة بعلمه فيندفع الوجهان الأول والثاني.

ثم إن الحكمة من تعميم تعليمه أن السحرة في بابل كانوا اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم في أبدانهم وعقولهم وأموالهم ثم تطلعوا منه إلى تأسيس عبادة الأصنام والكواكب وزعموا أنهم أي السحرة مترجمون عنهم وناطقون بإرادة الآلهة فحدث فساد عظيم وعمت الضلالة فأراد الله على معتاد حكمته إنقاذ الخلق من ذلك فأرسل أو أوحى أو ألْهم هاروت وماروت أن يكشفا دقائق هذا الفن للناس حتى يشترك الناس كلهم في ذلك فيعلموا أن السحرة ليسوا على ذلك ويرجع الناس إلى صلاح الحال فاندفع الوجه الثالث.

وأما الوجه الرابع فستعرف دفعه عند تفسير قوله: ﴿ وما يعلمان من أحد ﴾ الآية.

وفي قراءة ابن عباس والحسن (الملِكين) بكسر اللام وهي قراءة صحيحة المعنى فمعنى ذلك أن ملكين كانا يملكان ببابل قد علما علم السحر، وعلى قراءة فتح اللام فالأظهر في تأويله أنه استعارة وأنهما رجلان صالحان كان حكما مدينة بابل وكانا قد اطلعا على أسرار السحر التي كانت تأتيها السحرة ببابل أو هما وضعا أصله ولم يكن فيه كفر فأدخل عليه الناس الكفر بعد ذلك.

وقيل هما ملكان أنزلهما الله تعالى تشكلاً للناس يعلمانهم السحر لكشف أسرار السحرة لأن السحرة كانوا يزعمون أنهم آلهة أو رسل فكانوا يسخرون العامة لهم فأراد الله تكذيبهم ذباً عن مقام النبوءة فأنزل ملكين لذلك.

وقد أجيب بأن تعلم السحر في زمن هاروت وماروت جائز على جهة الابتلاء من الله لخلقه فالطائع لا يتعلمه والعاصي يبادر إليه وهو فاسد لمنافاته عموم قوله: ﴿ يعلمون الناس ﴾ قالوا: كما امتحن الله قوم طالوت بالنهر إلخ ولا يخفى فساد التنظير.

وبابل بلد قديم من مدن العالم وأصل الاسم باللغة الكلدانية باب إيلو أي باب الله ويرادفه بالعبرانية باب إيل وهو بلد كائن على ضفتي الفرات بحيث يخترقه الفرات يقرب موضعه من موقع بلد الحلة الآن على بعد أميال من ملتقى الفرات والدجلة.

كانت من أعظم مدن العالم القديم بناها أولاً أبناء نوح بعد الطوفان فيما يقال ثم توالى عليها اعتناء أصحاب الحضارة بمواطن العراق في زمن الملك النمروذ في الجيل الثالث من أبناء نوح ولكن ابتداء عظمة بابل كان في حدود سنة 3755 ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وخمسين قبل المسيح فكانت إحدى عواصم أربعة لمملكة الكلدانيين وهي أعظمها وأشهرها ولم تزل همم ملوك الدولتين الكلدانية والأشورية منصرفة إلى تعمير هذا البلد وتنميقه فكان بلد العجائب من الأبنية والبساتين ومنبع المعارف الأسيوية والعجائب السحرية وقد نسبوا إليها قديماً الخمر المعتقة والسحر قال أبو الطيب: سقى الله أيام الصِّبا ما يسرها *** ويفعل فعل البابلي المعتَّق ولاشتهار بابل عند الأمم القديمة بمعارف السحر كما قدمنا في تعريف السحر صح جعل صلة الموصول قوله: ﴿ أنزل على الملكين ببابل ﴾ إشارة إلى قصة يعلمونها.

و (هاروت وماروت) بدل من (الملكين) وهما اسمان كلدانيان دخلهما تغيير التعريف لإجرائهما على خفة الأوزان العربية، والظاهر أن هاروت معرب (هاروكا) وهو اسم القمر عند الكلدانيين وأن ماروت معرب (ما روداخ) وهو اسم المشتري عندهم وكانوا يعدون الكواكب السيارة من المعبودات المقدسة التي هي دون الآلهة لا سيما القمر فإنه أشد الكواكب تأثيراً عندهم في هذا العالم وهو رمز الأنثى، وكذلك المشتري فهو أشرف الكواكب السبعة عندهم ولعله كان رمز الذكر عندهم كما كان بعل عند الكنعانيين الفنيقيين.

ومن المعلوم أن إسناد هذا التقديس للكواكب ناشئ عن اعتقادهم أنهم كانوا من الصالحين المقدسين وأنهم بعد موتهم رفعوا للسماء في صورة الكواكب فيكون (هاروكا) و(ماروداخ) قد كانا من قدماء علمائهم وصالحيهم والحاكمين في البلاد وهما اللذان وضعا السحر ولعل هذا وجه التعبير عنهما في القصة بالملكين بفتح اللام.

ولأهل القصص هنا قصة خرافية من موضوعات اليهود في خرافاتهم الحديثة اعتاد بعض المفسرين ذكرها منهم ابن عطية والبيضاوي وأشار المحققون مثل البيضاوي والفخر وابن كثير والقرطبي وابن عرفة إلى كذبها وأنها من مرويات كعب الأحبار وقد وهم فيها بعض المتساهلين في الحديث فنسبوا روايتها عن النبيء صلى الله عليه وسلم أو عن بعض الصحابة بأسانيد واهية والعجب للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كيف أخرجها مسندة للنبيء صلى الله عليه وسلم ولعلها مدسوسة على الإمام أحمد أو أنه غرَّه فيها ظاهر حال رواتها مع أن فيهم موسى بن جبير وهو متكلم فيه واعتذر عبد الحكيم بأن الرواية صحيحة إلا أن المروي راجع إلى أخبار اليهود فهو باطل في نفسه ورواته صادقون فيما رووا وهذا عذر قبيح لأن الرواية أسندت إلى النبيء صلى الله عليه وسلم قال ابن عرفة في «تفسيره» وقدكان الشيوخ يخطئون ابن عطية في هذا الموضع لأجل ذكره القصة ونقل بعضهم عن القرافي أن مالكاً رحمه الله أنكر ذلك في حق هاروت وماروت.

وقوله: ﴿ ويما يعلمان من أحد ﴾ جملة حالية من «هاروت وماروت» و(ما) نافية والتعبير بالمضارع لحكاية الحال إشارة إلى أن قولهما لمتعلمي السحر ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ قول مقارن لوقت التعليم لا متأخر عنه.

وقد علم من هذا أنهما كانا معلمين وطوى ذلك للاستغناء عنه بمضمون هاته الجملة فهو من إيجاز الحذف أو هو من لحن الخطاب مفهوم للغاية.

وقوله: ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ الفتنة لفظ يجمع معنى مرج واضطراب أحوال أحد وتشتت باله بالخوف والخطر على الأنفس والأموال على غير عدل ولا نظام وقد تخصص وتعمم بحسب ما تضاف إليه أو بحسب المقام يقال فتنة المال وفتنة الدين.

ولما كانت هذه الحالة يختلف ثبات الناس فيها بحسب اختلاف رجاحة عقولهم وصبرهم ومقدرتهم على حسن المخارج منها كان من لوازمها الابتلاء والاختبار فكان ذلك من المعاني التي يكنى بالفتنة عنهاكثيراً ولذلك تسامح بعض علماء اللغة ففسر الفتنة بالابتلاء وجرأه على ذلك قول الناس فتنت الذهب أو الفضة إذا أذابهما بالنار لتمييز الردئ من الجيد وهذا الإطلاق إن لم يكن مولداً فإن معنى الاختبار غير منظور إليه في لفظ الفتنة وإنما المنظور إليه ما في الإذابة من الاضطراب والمرج وقد سمى القرآن هاروت وماروت فتنة وقال: ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ [البروج: 10] وقال: ﴿ لا يفتننكم الشيطان ﴾ [الأعراف: 27].

والإخبار عن أنفسهم بأنهم فتنة إخبار بالمصدر للمبالغة وقد أكّدت المبالغة بالحصر الإضافي والمقصد من ذلك أنهما كانا يصرحان أن ليس في علمهما شيء من الخير الإلهي وأنه فتنة محضة ابتلاء من الله لعباده في مقدار تمسكهم بدينهم وإنما كانا فتنة لأن كل من تعلم منهما عمل به.

فلا تكفر كما كفر السحرة حين نسبوا التأثيرات للآلهة وقد علمت سرها.

وفي هذا ما يضعف أن يكون المقصد من تعليمهما الناس السحر إظهار كذب السحرة الذين نسبوا أنفسهم للألوهية أو النبوءة.

والذي يظهر في تفسير هذه الجملة أن قولهما: ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ قصر ادعائي للمبالغة فجعلا كثرة افتتان الناس بالسحر الذي تصديا لتعليمه بمنزلة انحصار أوصافهما في الفتنة ووجه ابتدائهما لمن يعلمانه بهذه الجملة أن يبينا له أن هذا العلم في مبادئه يظهر كأنه فتنة وشر فيوشك أن يكفر متعلمه عند مفاجأة تلك التعاليم إياه إذا كانت نفسه قد توطنت على اعتقاد أن ظهور خوارق العادات علامة على ألوهية من يظهرها، وقولهما: ﴿ فلا تكفر ﴾ أي لا تعجل باعتقاد ذلك فينا فإنك إذا توغلت في معارف السحر علمت أنها معلولة لعلل من خصائص النفوس أو خصائص الأشياء فالفتنة تحصل لمن يتعلم السحر حين يرى ظواهره وعجائبه على أيدي السحرة ولمن كان في مبدأ التعليم فإذا تحقق في علمه اندفعت الفتنة فذلك معنى قولهما ﴿ فلا تكفر ﴾ فالكفر هو الفتنة وقولهما ﴿ فلا تكفر ﴾ بمنزلة فلا تفتتن وقد اندفع الإشكال الرابع المتقدم.

تفريع عما دل عليه قوله: ﴿ وما يعلمان من أحد حتى يقولا ﴾ المقتضي أن التعليم حاصل فيتعلمون، والضمير في ﴿ فيتعلمون ﴾ راجع لأحد، الواقع في حيز النفي مدخولاً لمن الاستغراقية في قوله تعالى: ﴿ وما يعلمان من أحد ﴾ فإنه بمعنى كل أحد فصار مدلوله جمعاً.

قوله: ﴿ ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ إشارة إلى جزئي من جزئيات السحر وهو أقصى تأثيراته إذ فيه التفرقة بين طرفي آصرة متينة إذ هي آصرة مودة ورحمة قال تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ [الروم: 21] فإن المودة وحدها آصرة عظيمة وهي آصرة الصداقة والأخوة وتفاريعهما، والرحمة وحدها آصرة منها الأبوة والبنوة، فما ظنكم بآصرة جمعت الأمرين وكانت بجعل الله تعالى وما هو بجعل الله فهو في أقصى درجات الإتقان وقد كان يشير إلى هذا المعنى شيخنا الجليل سالم أبو حاجب في قوله تعالى: ﴿ وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ .

وهذا التفريق يكون إما باستعمال مفسدات لعقل أحد الزوجين حتى يبغض زوجه وإما بإلقاء الحيل والتمويهات والنميمة حتى يفرق بينهما.

وقوله: ﴿ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ﴾ جملة معترضة.

وضمير ﴿ هم ﴾ عائد إلى (أحد) من قوله: ﴿ وما يعلمان من أحد ﴾ لوقوعه في سياق النفي فيعم كل أحد من المتعلمين أي وما المتعلمون بضارين بالسحر أحداً.

وهذا تنبيه على أن السحر لا تأثير له بذاته وإنما يختلف تأثير حيله باختلاف قابلية المسحور، وتلك القابلية متفاوتة ولها أحوال كثيرة أجملتها الآية بالاستثناء منقوله: ﴿ إلا بإذن الله ﴾ أي يجعل الله أسباب القابلية لأثر السحر في بعض النفوس فهذا إجمال حسن مناسب لحال المسلمين الموجه إليهم الكلام لأنهم تخلقوا بتعظيم الله تعالى وقدرته وليس المقام مقام تفصيل الأسباب والمؤثرات ولكن المقصود إبطال أن تكون للسحر حالة ذاتة وقواعد غير مموهة، فالباء في قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ للملابسة.

وأصل الإذن في اللغة هو إباحة الفعل، واستأذن طلب الإذن في الفعل أو في الدخول للبيت وقد استعمله القرآن مجازاً في معنى التمكين إما بخلق أسباب الفعل الخارقة للعادة نحو قوله: ﴿ وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني ﴾ [المائدة: 110] وإما باستمرار الأسباب المودعة في الأشياء والقوى كقوله تعالى: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ [آل عمران: 166] فقوله: ﴿ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ﴾ أي إلا بما أعد الله في قابل السحر من استعداد لأن يضر به فإن هذا الاستعداد وإمكان التأثر مخلوق في صاحبه فهو بإذن الله ومشيئته كذا قرره الراغب وهو يرجع إلى استعمال مما تستعمل فيه كلمة إذن (ومن هذا القبيل ونظيره لفظة الأمر في قوله تعالى: ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ﴾ [الرعد: 11] أي مما خلق الله من الأشياء التي تلحق أضرارها للناس وقد اشتهر هذا الاستعمال في لسان الشرع حتى صار حقيقة عرفية في معنى المشيئة والإرادة فينبغي أن يلحق بالألفاظ التي فرق المتكلمون بين مدلولاتها وهي الرضا والمحبة والأمر والمشيئة والإرادة).

فليس المعنى أن السحر قد يضر وقد لا يضر بل المعنى أنه لا يضر منه إلا ما كان إيصال أشياء ضار بطبعها وقوله: ﴿ ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ﴾ يعني ما يضر الناس ضراً آخر غير التفرقة بين المرء وزوجه فضمير (يضرهم) عائد على غيرما عاد عليه ضمير (يتعلمون) والمعنى أن أمور السحر لا يأتي منها إلا الضر أي في الدنيا فالساحر لا يستطيع سحر أحد ليصير ذكياً بعد أن كان بليداً أو ليصير غنياً بعد الفقر وهذا زيادة تنبيه على سخافة عقول المشتغلين به وهو مقصد الآية وبهذا التفسير يكون عطف قوله: ﴿ ولا ينفعهم ﴾ تأسيساً لا تأكيداً والملاحظ في هذا الضر والنفع هو ما يحصل في الدنيا وأما حالهم في الآخرة فسيفيده قوله: ﴿ ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ﴾ وقد أفادت الآية بجمعها بين إثبات الضر ونفي النفع الذي هو ضده مفاد الحصر كأنه قيل ويتعلمون ما ليس إلا ضراً كقول السموءل وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: تسيل على حد الظُّبات نفوسنا *** وليس على غير الظُّبات تسيل وعدل عن صيغة القصر لتلك النكتة المتقدمة وهي التنبيه على أنه ضر.

وإعادة فعل ﴿ يتعلمون ﴾ مع حرف العطف لأجل ما وقع من الفصل بالجملة المعترضة.

عطف على قوله: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ أي اتبعوا ذلك كله وهم قد علموا إلخ والضمير لليهود تبعاً لضمير ﴿ واتبعوا ﴾ ، أو الواو للحال أي في حال أنهم تحقق علمهم.

واللام في ﴿ لقد علموا ﴾ يجوز أن تكون لام القسم وهي اللام التي من شأنها أن تدخل على جواب القسم لربطه بالقسم ثم يحذفون القسم كثيراً استغناء لدلالة الجواب عليه دلالة التزامية لأنه لا ينتظم جواب بدون مجاب.

ويجوز أن تكون لام الابتداء، وهي لام تفيد تأكيد القسم ويكثر دخولها في صدر الكلام فلذلك قيل لها لام الابتداء والاحتمالان حاصلان في كل كلام صالح للقسم وليس فيه قسم فإن حذف لفظ القسم مشعر في المقام الخطابي بأن المتكلم غير حريص على مزيد التأكيد كما كان ذكر إن وحدها في تأكيد الجملة الاسمية أضعف تأكيداً من الجمع بينها وبين لام الابتداء لأنهما أداتا تأكيد.

قال الرضى إن مواقع لام القسم في نظر الجمهور هي كلها لامات الابتداء.

والكوفيون لا يثبتون لام الابتداء ويحملون مواقعها على معنى القسم المحذوف والخلاف في هذا متقارب.

واللام في قوله: ﴿ لمن اشتراه ﴾ يجوز كونها لام قسم أيضاً تأكيداً للمعلوم أي علموا تحقيق أنه لا خلاق لمشتري السحر ويجوز كونها لام ابتداء والاشتراء هو اكتساب شيء ببذل غيره فالمعنى أنهم اكتسبوه ببذل إيمانهم المعبر عنه فيما يأتي بقوله أنفسهم.

والخلاق الحظ من الخير خاصة.

ففي الحديث: " إنما يلبس هذا من لا خلاق له " وقال البعيث بن حريث: ولست وإن قربت يوماً ببائع *** خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب ونفي الخلاق وهو نكرة مع تأكيد النفي بمن الاستغراقية دليل على أن تعاطي هذا السحر جرم كفر أو دونه فلذلك لم يكن لمتعاطيه حظ من الخير في الآخرة وإذا انتفى كل حظ من الخير ثبت الشر كله لأن الراحة من الشر خير وهي حالة الكفاف وقد تمناها الفضلاء أو دونه خشية من الله تعالى.

قوله: ﴿ ولبئس ما شروا به أنفسهم ﴾ عطف على ﴿ ولقد علموا ﴾ عطف الإنشاء على الخبر و ﴿ شروا ﴾ بمعنى باعوا بمعنى بذلوا وهو مقابل قوله: ﴿ لمن اشتراه ﴾ ومعنى بذل النفس هو التسبب لها في الخسار والبوار.

وقوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ مقتض لنفي العلم بطريق لو الامتناعية والعلم المنفي عنهم هنا هو غير العلم المثبت لهم في قوله: ﴿ ولقد علموا ﴾ إلا أن الذي علموه هو أن مكتسب السحر ماله خلاق في الآخرة والذي جهلوه هنا هو أن السحر شيء مذموم وفيه تجهيل لهم حيث علموا أن صاحبه لا خلاق له ولم يهتدوا إلى أن نفي الخلاق يستلزم الخسران إذ ما بعد الحق إلا الضلال وهذا هو الوجه لأن ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ ذيل به قوله: ﴿ ولبئس ما شروا به أنفسهم ﴾ فدل على أنه دليل مفعوله وبذلك يندفع الإشكال عن إثبات العلم ونفيه في معلوم واحد بناءً على أن العلم بأنه لا خلاق لصاحب السحر عين معنى كون السحر مذوماً فكيف يعدون غير عالمين بذمه وقد علمت وجهه وهذا هو الذي تحمل عليه الآية.

ولهم في الجواب عن دفع الإشكال وجوه أخرى أحدها ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» وتبعه صاحب «المفتاح» من أن المراد من نفي العلم هو أنهم لما كانوا في علمهم كمن لا يعلم بعدم عملهم به نفي العلم عنهم لعدم الاعتداد به أي فيكون ذلك على سبيل التهكم بهم.

الثاني أن المراد بالعلم المنفي هو علم كون ما يتعاطونه من جملة السحر المنهي عنه فكأنهم علموا مذمة السحر علماً كلياً ولم يتفطنوا لكون صنيعهم منه كما قالوا إن الفقيه يعلم كبرى القياس والقاضي والمفتي يعلمان صغراه وأن الفقيه كالصيدلاني والقاضي والمفتي كالطبيب وهذا الوجه الذي اخترناه.

الثالث أن المراد لو كانوا يعلمون ما يتبعه من العذاب في الآخرة أي فهم ظنوا أن عدم الخلاف لا يستلزم العذاب وهذا قريب من الذي ذكرناه.

الرابع أن المراد من العلم المنفي التفكر ومن المثبت العلم الغريزي وهذا وجه بعيد جداً إذ لايمكن أن يكون علمهم بأن من اكتسب السحر لا خلاق له علماً غريزياً فلو قيل العلم التصوري والعلم التصديقي.

وفي الجمع بين ﴿ لقد علموا ﴾ و ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ طباق عجيب.

وهنالك جواب آخر مبني على اختلاف معاد ضمير ﴿ علموا ﴾ وضمير ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ فضمير ﴿ لقد علموا ﴾ راجع إلى الجن الذين يعلمون السحر وضميرا ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ راجعان إلى الإنس الذين تعلموا السحر وشروا به أنفسهم، قاله فطرب والأخفش وبذلك صار الذين أثبت لهم العلم غير المنفي عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ ذَلِكَ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ويَسْتَخْرِجُونَ السِّحْرَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُلَيْمانَ ابْنَ داوُدَ عَلَيْهِ، فاسْتَخْرَجَهُ مِن أيْدِيهِمْ، ودَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمْ تَكُنِ الجِنُّ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَدْنُوَ مِنَ الكُرْسِيِّ، فَقالَتِ الإنْسُ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ: إنَّ العِلْمَ الَّذِي كانَ سُلَيْمانُ يُسَخِّرُ بِهِ الشَّياطِينَ والرِّياحَ هو تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فاسْتَخْرَجُوهُ وقالُوا: كانَ ساحِرًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَتَعَلَّمُوهُ وعَلَّمُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَراءَةَ سُلَيْمانَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنْ (آصِفَ بْنَ بَرْخِيا) وهو كاتِبُ سُلَيْمانَ واطَأ نَفَرًا مِنَ الشَّياطِينِ عَلى كِتابٍ كَتَبُوهُ سِحْرًا ودَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وقالُوا: هَذا سِحْرُ سُلَيْمانَ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ ، وهم ما نَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّهم نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ السِّحْرُ كُفْرًا صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ.

قالَ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَفَرُوا بِما نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ.

والثّانِي: أنَّهم كَفَرُوا بِما اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ السِّحْرِ.

﴿ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ألْقَوْهُ في قُلُوبِهِمْ فَتَعَلَّمُوهُ.

والثّانِي: أنَّهم دَلُّوهم عَلى إخْراجِهِ مِن تَحْتِ الكُرْسِيِّ فَتَعَلَّمُوهُ.

﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ وفي ( ما ) هَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي أنْزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى النَّفْيِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ.

وَفي المَلَكَيْنِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ اللّامِ، كانا مِن مُلُوكِ بابِلَ وعُلُوجِها هارُوتُ ومارُوتُ، وهَذا قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِفَتْحِ اللّامِ مِنَ المَلائِكَةِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ سَحَرَةَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ السِّحْرَ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانَ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتُ ومارُوتُ، وهُما رَجُلانِ بِبابِلَ.

والثّانِي: أنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مَلَكانِ، أهْبَطَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى الأرْضِ، وسَبَبُ ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلى مَعاصِي بَنِي آدَمَ، عَجِبُوا مِن مَعْصِيَتِهِمْ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ أنْعُمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُمْ: أما أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَعَمِلْتُمْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، فَقالُوا: سُبْحانَكَ ما يَنْبَغِي لَنا، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَخْتارُوا مَلَكَيْنِ لِيَهْبِطا إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأحَلَّ لَهُما كُلَّ شَيْءٍ، عَلى ألّا يُشْرِكا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخَمْرَ، ولا يَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، فَعَرَضَتْ لَهُما امْرَأةٌ وكانَ يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ تُخاصِمُ زَوْجَها واسْمُها بِالعَرَبِيَّةِ: الزُّهَرَةُ، وبِالفارِسِيَّةِ: فَنْدَرِخْتُ، فَوَقَعَتْ في أنْفُسِهِما، فَطَلَباها، فامْتَنَعَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا ويَشْرَبا الخَمْرَ، فَشَرِبا الخَمْرَ، وعَبَدا الصَّنَمَ، وواقَعاها، وقَتَلا سابِلًا مَرَّ بِهِما خافا أنْ يُشْهِرَ أمْرَهُما، وعَلَّماها الكَلامَ الَّذِي إذا تَكَلَّمَ بِهِ المُتَكَلِّمُ عَرَجَ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتْ وعَرَجَتْ، ثُمَّ نَسِيَتْ ما إذا تَكَلَّمَتْ بِهِ نَزَلَتْ فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا، قالَ كَعْبٌ: فَواللَّهِ ما أمْسَيا مِن يَوْمِهِما الَّذِي هَبَطا فِيهِ، حَتّى اسْتَكْمَلا جَمِيعَ ما نُهِيا عَنْهُ، فَتَعَجَّبَ المَلائِكَةُ مِن ذَلِكَ.

ثُمَّ لَمْ يَقْدِرْ هارُوتُ ومارُوتُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، فَكانا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ.

وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ نُزُولَهُما كانَ في زَمانِ ( إدْرِيسَ ).

وأمّا السِّحْرُ فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْناهُ: فَقالَ قَوْمٌ: يَقْدِرُ السّاحِرُ أنْ يَقْلِبَ الأعْيانَ بِسِحْرِهِ، فَيُحَوِّلُ الإنْسانَ حِمارًا، ويُنْشِئُ أعْيانًا وأجْسامًا.

وَقالَ آخَرُونَ: السِّحْرُ خِدَعٌ ومَعانٍ يَفْعَلُها السّاحِرُ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ بِخِلافِ ما هُوَ، كالَّذِي يَرى السَّرابَ مِن بَعِيدٍ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ ماءٌ، وكَواكِبُ السَّفِينَةِ السّائِرَةِ سَيْرًا حَثِيثًا، يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ ما عايَنَ مِنَ الأشْجارِ والجِبالِ سائِرَةٌ مَعَهُ.

وَقَدْ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ  يَهُودِيٌّ مِن يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ، حَتّى كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ.

» قالُوا: ولَوْ كانَ في وُسْعِ السّاحِرِ إنْشاءُ الأجْسامِ وقَلْبُ الأعْيانِ عَمّا هي بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الباطِلِ والحَقِّ فَصْلٌ، ولَجازَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأجْسامِ مِمّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَةُ، فَقُلِبَتْ أعْيانُها، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ ﴿ فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ وقالَ آخَرُونَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ السّاحِرَ قَدْ يُوَسْوِسُ بِسِحْرِهِ فَيُمْرِضُ ورُبَّما قَتَلَ، لِأنَّ التَّخَيُّلَ بَدْءُ الوَسْوَسَةِ، والوَسْوَسَةُ بَدْءُ المَرَضِ، والمَرَضُ بَدْءُ التَّلَفِ.

فَأمّا أرْضٌ بِبابِلَ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكُوفَةُ وسَوادُها، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ حَيْثُ تَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ بِها وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ عَيْنٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها جَبَلُ نَهاوَنْدَ.

وَهي [فَطْرٌ] مِنَ الأرْضِ.

﴿ وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ بِما تَتَعَلَّمُهُ مِن سِحْرِنا.

﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ﴾ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: (مِنهُما) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِن هارُوتَ ومارُوتَ.

والثّانِي: مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ.

والثّالِثُ: مِنَ الشَّيْطانِ والمَلَكَيْنِ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ، ومِنَ المَلَكَيْنِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ.

﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِأمْرِ اللَّهِ.

والثّانِي: بِعِلْمِ اللَّهِ.

﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ يَعْنِي ما يَضُرُّهم في الآخِرَةِ، ولا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الخَلاقَ النَّصِيبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ الخَلاقَ الجِهَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الخَلاقَ الدِّينُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولَبِئْسَ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ في تَعْلِيمِهِ وفِعْلِهِ.

والثّانِي: مِن إضافَتِهِمُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَحْرِيضِهِمْ عَلى الكَذِبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سفيان بن عينية وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب عليها ألف كذبة فاشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فاطلع الله على ذلك سليمان بن داود فأخذها فقذفها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟

قالوا: نعم.

فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر فقال: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان...

﴾ الآية.

وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل به، فاكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإِنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع إلى سليمان ملكه وقام الناس على الدين، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي حدثان ذلك، فظهر الجن والإِنس على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه عنا، فأخذوه فجعلوه ديناً، فأنزل الله: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ أي الشهوات التي كانت الشياطين تتلو، وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئاً من شأنه، أعطى الجرادة وهي امرأته خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذلك اليوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي.

فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإِنس، فجاءها سليمان فقال: هاتي خاتمي.

فقالت: كذبت لست سليمان.

فعرف أنه بلاء ابتلي به، فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتباً فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، فبرئ الناس من سليمان وأكفروه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه ﴿ وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قال اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحراً يركب الريح، فأنزل الله: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: إن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم زماناً عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا هذا أعلم بما أنزل علينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين...

﴾ الآية.

وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا وأدحض الله حجتهم.

وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال: كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال: لأي داء أنت؟

فتقول: لكذا وكذا.

فلما نبتت الشجرة الخرنوبة قال: لأي شيء أنت؟

قالت: لمسجدك أخربه.

فلم يلبث أن توفي، فكتب الشياطين كتاباً فجعلوه في مصلى سليمان، فقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به، فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب، فإذا فيه سحر ورقى، فأنزل الله: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ وذكر أنها في قراءة أبي ﴿ وما يتلى على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ سبع مرار، فإن أبى إلا أن يكفر علماه فيخرج منه نور حتى يسطع في السماء قال: المعرفة التي كان يعرف.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز قال: أخذ سليمان من كل دابة عهداً، فإذا أصيب رجل فيسأل بذلك العهد خلي عنه، فرأى الناس بذلك السجع والسحر وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان.

فقال الله: ﴿ وما كفر سليمان ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما تتلوا ﴾ قال: ما تتبع.

وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿ ما تتلوا الشياطين ﴾ قال: يراد ما تحدث.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ على ملك سليمان ﴾ يقول: في ملك سليمان.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وما كفر سليمان ﴾ يقول: ما كان عن مشورته ولا رضا منه ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه ﴿ يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ﴾ فالسحر سحران، سحر تعلمه الشياطين، وسحر يعلمه هاروت وماروت.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ قال: هذا سحر آخر خاصموه به، فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإِنس فصنع وعمل به كان سحراً.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: أما السحر فإنما يعلمه الشياطين، وأما الذي يعلمه الملكان فالتفريق بين المرء وزوجه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ قال: التفرقة بين المرء وزوجه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ قال: لم ينزل الله السحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي في الآية قال: هما ملكان من ملائكة السماء.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبزى.

إنه كان يقرأها ﴿ وما أنزل على الملكين داود وسليمان ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك.

أنه قرأ ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ وقال: هما علجان من أهل بابل.

وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ يعني جبريل وميكائيل ﴿ ببابل هاروت وماروت ﴾ يعلمان الناس السحر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ قال: ما أنزل على جبريل وميكائيل السحر.

وأما قوله تعالى: ﴿ ببابل ﴾ .

أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي قال: «إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة» .

وأخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر من طريق نعيم بن سالم- وهو متهم- عن أنس بن مالك قال: لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية فجمعتهم إلى بابل، فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له، إذ نادى مناد: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء.

فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو، فكان أول من تكلم بالعربية، فلم يزل المنادي ينادي: من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً، وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن فسميت بابل، وكان اللسان يومئذ بابلياً، وهبطت ملائكة الخير والشر، وملائكة الحياء والإِيمان، وملائكة الصحة والشفاء، وملائكة الغنى، وملائكة الشرف، وملائكة المروءة، وملائكة الجفاء، وملائكة الجهل، وملائكة السيف، وملائكة البأس، حتى انتهوا إلى العراق فقال بعضهم لبعض: افترقوا.

فقال ملك الإِيمان: أنا أسكن المدينة ومكة.

فقال ملك الحياء: أنا معك.

وقال ملك الشفاء: أنا أسكن البادية.

فقال ملك الصحة: وأنا معك.

وقال ملك الجفاء: وأنا أسكن المغرب.

فقال ملك الجهل.

وأنا معك.

وقال ملك السيف: أنا أسكن الشام.

فقال ملك البأس: أنا معك.

وقال ملك الغنى: أنا أقيم ههنا.

فقال ملك المروءة: أنا معك.

فقال ملك الشرف: وأنا معكما.

فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق.

وأخرج ابن عساكر بسند فيه مجاهيل عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة أشياء، خلق الجدب وأردفه الزهد وأسكنه الحجاز، وخلق العفة وأردفها الغفلة وأسكنها اليمن، وخلق الرزق وأردفه الطاعون وأسكنه الشام، وخلق الفجور وأردفه الدرهم وأسكنه العراق» .

وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن يسار قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل.

فكتب إليه يا أمير المؤمنين إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليمن.

فقال حسن الخلق: أنا معك.

وقال الجفاء: أريد الحجاز.

فقال الفقر: أنا معك.

قال البأس: أريد الشام.

فقال السيف: أنا معك.

وقال العلم: أريد العراق.

فقال العقل: أنا معك.

وقال الغني: أريد مصر.

فقال الذل: أنا معك.

فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين، فلما ورد الكتاب على عمر قال: العراق إذن، فالعراق إذن.

وأخرج ابن عساكر عن حكيم بن جابر قال: أخبرت أن الإِسلام قال: أنا لاحق بأرض الشام.

قال الموت: وأنا معك.

قال الملك: وأنا لاحق بأرض العراق.

قال القتل: وأنا معك.

قال الجوع: وأنا لاحق بأرض العرب.

قالت الصحة: وأنا معك.

وأخرج ابن عساكر عن دغفل قال: قال المال: أنا أسكن العراق.

فقال الغدر: أنا أسكن معك.

وقالت الطاعة: أنا أسكن الشام.

فقال الجفاء: أنا أسكن معك.

وقالت المروءة: أنا أسكن الحجاز.

فقال الفقر: وأنا أسكن معك.

وأما قوله تعالى: ﴿ هاروت وماروت ﴾ قد تقدم حديث ابن عمر في قصة آدم وبقيت آثار أخر.

أخرج سعيد وابن جرير والخطيب في تاريخه عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع انظر هل طلعت الحمراء؟

قلت: لا مرتين أو ثلاثاً، ثم قلت: قد طلعت.

قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً.

قلت: سبحان الله...

!

نجم مسخر سامع مطيع؟

قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟

قال: إني ابتليتهم وعافيتكم.

قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك.

قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهداً أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت فنزلا، فألقى الله عليهم الشبق.

قلت: وما الشبق؟

قال: الشهوة.

فجاءت امرأة يقال لها الزهرة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟

قال: نعم، فطلباها لأنفسهما فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان فأبيا، ثم سألاها أيضاً فأبت ففعلا، فلما استطيرت طمسها الله كوكباً وقطع أجنحتهما، ثم سألا التوبة من ربهما فخيرهما فقال: إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه فإذا كان يوم القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه.

فقال أحدهما لصاحبه: إن عذاب الدنيا ينقطع ويزول، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة.

فأوحى الله إليهما: أن ائتيا بابل.

فانطلقا إلى بابل، فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض معذبان إلى يوم القيامة» .

وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر في سفر فقال لي: ارمق الكوكب، فإذا طلعت أيقظني، فلما طلعت أيقظته فاستوى جالساً، فجعل ينظر إليها ويسبها سباً شديداً، فقلت: يرحمك الله أبا عبد الرحمن، نجم ساطع مطيع ما له تسبه؟!

فقال: أما أن هذه كانت بغيا في بني إسرائيل، فلقي الملكان منها ما لقيا.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق موسى بن جبير عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدم يعصون فقالت: يا رب ما أجهل هؤلاء!

ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك!

فقال الله: لو كنت في مسالخهم لعصيتموني.

قالوا: كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟

قال: فاختاروا منكم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات مثل بني آدم، ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية، فقال الله: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه قال: ما تقول فاختر؟

قال: أقول أن عذاب الدنيا ينقطع وأن عذاب الآخرة لا ينقطع، فاختارا عذاب الدنيا فهما اللذان ذكر الله في كتابه ﴿ وما أنزل على الملكين...

﴾ الآية» .

وأخرج اسحق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العقوبات وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب قال: إن هذه الزهرة تسميها العرب الزهرة والعجم أناهيذ، وكان الملكان يحكمان بين الناس، فأتتهما فأرادها كل واحد عن غير علم صاحبه فقال أحدهما: يا أخي إن في نفسي بعض الأمر أريد أن أذكره لك.

قال: اذكره لعل الذي في نفسي مثل الذي في نفسك، فاتفقا على أمر في ذلك.

فقالت لهما المرأة: ألا تخبراني بما تصعدان به إلى السماء وبما تهبطان به إلى الأرض؟

فقالا: باسم الله الأعظم.

قالت: ما أنا بمؤاتيتكما حتى تعلمانيه.

فقال أحدهما لصاحبه: علمها إياه.

فقال: كيف لنا بشدة عذاب الله؟

قال الآخر: إنا نرجو سعة رحمة الله، فعلمها إياه فتكلمت به فطارت إلى السماء، ففزع ملك في السماء لصعودها فطأطأ رأسه فلم يجلس بعد، ومسخها الله كوكبا.

وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الزهرة فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت» .

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن أبي العباس قال: كانت الزهرة امرأة في قومها، يقال لها في قومها بيذخت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: إن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت، فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة.

وأخرج موحد بن عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل: لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل الذي يأتون فاختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت فقيل لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلاً فليس بيني وبينكما رسول، أنزلكما لا تُشركا بي شيئاً، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه.

وأخرج الحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر.

أنه كان يقول: أطلعت الحمراء بعد فإذا رآها قال: لا مرحبا.

ثم قال: إن ملكين من الملائكة هاروت وماروت سألا الله أن يهبطا إلى الأرض، فأهبطا إلى الأرض فكانا يقضيان بين الناس، فإذا أمسيا تكلما بكلمات فعرجا بها إلى السماء، فقيض الله لهما امرأة من أحسن الناس وألقيت عليهما الشهوة، فجعلا يؤخرانها وألقيت في أنفسهما، فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعاداً فأتتهما للميعاد فقالت: كلماني الكلمة التي تعرجان بها فعلماها الكلمة، فتكلمت بها فعرجت إلى السماء فمسخت فجعلت كما ترون، فلما أمسيا تكلما بالكلمة فلم يعرجا، فبعث إليهما إن شئتما فعذاب الآخرة وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة.

فقال أحدهما لصاحبه: بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كنت نازلاً على عبدالله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر طلعت الحمراء لا مرحباً بها ولا أهلاً ولا حياها الله هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟

قال: إني قد ابتليتهم فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون.

قالوا: لا.

قال: فاختاروا من خياركم اثنين.

فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، ومعاهد إليكما أن لا تشركا، ولا تزنيا، ولا تخونا.

فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشبق، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما فأراداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله.

قالا: وما دينك؟

قالت: المجوسية.

قالا: أنشرك؟

هذا شيء لا نقر به.

فمكثت عنهما ما شاء الله، ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها، فقالت: ما شئتما غير أن لي زوجاً وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فافتضح، وإن أقررتما لي بديني وشرطتما أن تصعدا بي إلى السماء فعلت.

فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا إلى السماء اختطفت منهما وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان.

وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب فقالا: لو أتينا فلاناً فسألناه يطلب لنا التوبة.

فأتياه فقال: رحمكما الله كيف تطلب أهل الأرض لأهل السماء؟

قالا: إنا ابتلينا.

قال: ائتياني يوم الجمعة، فأتياه فقال: ما أجبت فيكما بشيء ائتياني في الجمعة الثانية، فأتياه فقال: اختارا فقد خيرتما إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله.

فقال أحدهما: الدنيا لم يمض منها إلا القليل، وقال الآخر: ويحك...

!

إني قد أطعتك في الأول فأطعني الآن، وإن عذاباً يفنى ليس كعذاب يبقى.

قال: إننا يوم القيامة على حكم الله فأخاف أن يعذبنا.

قال: لا إني أرجو أن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما الله علينا.

قال فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، أعاليهما أسافلهما قال ابن كثير: إسناده جيد، وهو أثبت وأصح إسناداً من رواية معاوية بن صالح عن نافع.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: رب هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل مال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم.

فقيل: إنهم في غيب فلم يعذروهم.

فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم ملكين آمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما أن يعبداه ولا يشركا به شيئاً، ونهاهما عن قتل النفس الحرام، وأكل مال الحرام، وعن الزنا، وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زماناً يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول، وأراداها عن نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، فسألاها عن دينها فأخرجت لهما صنماً، فقالت: هذا أعبده.

فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا.

فذهبا فغبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها عن نفسها، ففعلت مثل ذلك، فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث.

إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذا النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي وأهون الثلاثة شرب الخمر.

فأخذت منهما فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإِنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ [ الشورى: 5] .

فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة؟

فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما يعذبان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي، فقالوا: يا رب أهل الأرض يعملون بالمعاصي!

فقال الله: أنتم معي وهم غُيُبٌ عني.

فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة: فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض يحكمون بين أهل الأرض وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمراً، ولا يقتلوا نفساً، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن.

فاستقال منهم واحد فأقيل فاهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها أناهيلة فهوياها جميعاً، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها فأراداها، فقالت لهما: لا حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني.

فقالا: لا نسجد.

ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما، وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها فطارت فمسخت جمرة وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود، فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما مناطان بين السماء والأرض.

وأخرج ابن جرير من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود وابن عباس قالا: لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا تمهلهم.

فأوحى الله إلى الملائكة: أني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو تركتكم لفعلتم أيضاً.

قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا لعصموا، فأوحى الله إليهم: أن اختاروا ملكين من أفضلكم.

فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيدخت.

قال: فواقعاها بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن عبيدالله بن عبدالله في هذه الآية.

كانا ملكين من الملائكة فاهبطا ليحكما بين الناس، وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة فخافا لها، ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.

وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال: كنت مع مجاهد، فمر بنا رجل من قريش فقال له مجاهد: حدثنا ما سمعت من أبيك؟

قال: حدثني أبي: أن الملائكة حين جعلوا ينظرون إلى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة وليس يستر الناس من الملائكة شيء، فجعل بعضهم يقول لبعض: انظروا إلى بني آدم كيف يعملون كذا وكذا ما أجرأهم على الله، يعيبونهم بذلك!

فقال الله لهم: لقد سمعت الذي تقولون في بني آدم، فاختاروا منكم ملكين أهبطهما إلى الأرض، واجعل فيهما شهوة بني آدم، فاختاروا هاروت وماروت، فقالوا: يا رب ليس فينا مثلهما.

فأهبطا إلى الأرض، وجعلت فيهما شهوة بني آدم، ومثلت لهما الزهرة في صورة امرأة، فلما نظرا إليها لم يتمالكا أن تناولا ما الله أعلم به، وأخذت الشهوة بأسماعهما وأبصارهما، فلما أرادا أن يطيرا إلى السماء لم يستطيعا، فأتاهما ملك فقال: إنكما قد فعلتما ما فعلتما، فاختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة.

فقال أحدهما للآخر: ماذا ترى؟!

قال: أرى أن أعذب في الدنيا ثم أعذب أحبّ إليّ من أن أعذب ساعة واحدة في الآخرة، فهما معلقان منكسان في السلاسل وجعلا فتنة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله أفرج السماء إلى ملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون بالخطايا قالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقت بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا.

قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم.

قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا، فأمِروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت وأهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شيء غير أنهما لا يشركا بالله شيئاً، ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فعرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن يقال لها بيذخت، فلما أبصراها أراداها قالت: لا، إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم.

فقالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً!

فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها.

فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقعا فيه أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك...

!

أنت أعلم.

فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت» .

وأخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال أخي عيسى: معاشر الحواريين احذروا الدنيا لا تسحركم، لهي والله أشد سحراً من هاروت وماروت، واعلموا أن الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة، وإن لكل واحدة منهما بنين فكونوا من أبناء الآخرة دون بني الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً الحساب ولا عمل» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن بسر المازني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الدنيا، فوالذي نفسي بيده أنها لأسحر من هاروت وماروت» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء: أي رب هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك وقد ركبوا الكفر، وقتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم.

فقيل لهم: إنهم في غيب فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري وأنهاهما عن معصيتي.

فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض وجعل بهما شهوات بني إسرائيل، وأمرا أن يعبدا الله وأن لا يشركا به شيئاً، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فلبثا على ذلك في الأرض زماناً يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس.

وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنها أبت عليهما فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها، وإنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وإنهما سألاها عن دينها الذي هي عليه، فأخرجت لهما صنماً فقالت: هذا أعبده.

فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فصبرا ما شاء الله ثم أتيا عليها، فخضعا لها ما شاء الله بالقول وأراداها على نفسها، فقالت: لا، إلا أن تكونا على ما أنا عليه.

فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا.

فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث.

إما أن تعبدا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا هذا الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي وأهون الثلاثه شرب الخمر.

وسقتهما الخمر حتى إذا أخذت الخمرة فيهما وقعا بها، فمر بهما إنسان وهما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه.

فلما أن ذهب عنهما السكر عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما يعذبان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن هاروت وماروت أهبطا إلى الأرض، فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر.

وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإِيمان، فعرفا أن السحر من الكفر، فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإن تعلمه خرج منه النور، فينظر إليه ساطعاً في السماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة أنها قالت: قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به.

قالت: كان لي زوج غاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟

فقلت: أتعلم السحر.

فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي.

فأبيت وقلت: لا.

قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ثم ائتي، فذهبت، فاقشعر جلدي وخفت، ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت.

فقالا: ما رأيت؟

فقلت: لم أر شيئاً.

فقالا: كذبت، لم تفعلي ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك، فأبيت.

فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي به وذهبت فبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه، وجئتهما فقلت: قد فعلت.

فقالا: فما رأيت؟

فقلت: رأيت فارساً مقنعاً خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه.

قالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك اذهبي.

فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً ولا قالا لي شيئاً.

فقالت: لا، لم تريدي شيئاً إلا كان خذي هذا القمح فابذري، فبذرت وقلت اطلعي فاطلعت، وقلت احقلي فاحقلت، ثم قلت افركي فأفركت، ثم قلت ايبسي فأيبست، ثم قلت اطحني فأطحنت، ثم قلت اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان سقط في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً ولا أفعله أبداً، فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده، لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك.

وأخرج ابن المنذر من طريق الأوزاعي عن هارون بن رباب قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة وهو متكئ عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت وماروت.

فقلت: هذا...

!

قالوا: نعم.

فقلت حدثنا رحمك الله.

فأنشأ يحدث فلم يتمالك من الدموع فقال: كنت غلاماً حدثاً ولم أدرك أبي، وكانت أمي تعطيني من المال حاجتي فأنفقه وأفسده وأبذره ولا تسألني أمي عنه، فلما طال ذلك وكبرت أحببت أن أعلم من أين لأمي هذه الأموال، فقلت لها يوماً: من أين لك هذه الأموال؟

فقالت: يا بني كل وتنعم ولا تسأل فهو خير لك، فألححت عليها فقالت: إن أباك كان ساحراً، فلم أزل أسألها وألح، فأدخلتني بيتاً فيه أموال كثيرة فقالت: يا بني هذا كله لك فكل وتنعم ولا تسأل عنه.

فقلت: لا بد من أن أعلم من أين هذا.

قال: فقالت: يا بني كل وتنعم ولا تسأل فهو خير لك.

قال: فألححت عليها فقالت: إن أباك كان ساحراً وجمع هذه الأموال من السحر.

قال: فأكلت ما أكلت ومضى ما مضى، ثم تفكرت قلت: يوشك أن يذهب هذا المال ويفنى، فينبغي أن أتعلم السحر فأجمع كما جمع أبي، فقلت لأمي: من كان خاصة أبي وصديقه من أهل الأرض؟

قالت: فلان لرجل في مكانٍ ما.

فتجهزت فأتيته فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟

قلت: فلان ابن فلان صديقك.

قال: نعم مرحباً، ما جاء بك فقد ترك أبوك من المال ما لا يحتاج إلى أحد؟

قال: فقلت: جئت لأتعلم السحر.

قال: يا بني لا تريده لا خير فيه.

قلت: لا بد من أن أتعلمه.

قال: فناشدني وألح علي أن لا أطلبه ولا أريده.

فقلت: لا بد من أن أتعلمه.

قال: أما إذا أبيت فاذهب فإذا كان يوم كذا وكذا فوافني ههنا.

قال: ففعلت فوافيته قال: فأخذ يناشدني أيضاً وينهاني ويقول: لا تريد السحر لا خير فيه.

فأبيت عليه، فلما رآني قد أبيت قال: فإني أدخلك موضعاً فإياك أن تذكر الله فيه...

!

قال: فأدخلني في سرب تحت الأرض.

قال: فجعلت أدخل ثلثمائة وكذا مرقاة ولا أنكر من ضوء النهار شيئاً، قال: فلما بلغت أسفله إذا أنا بهاروت وماروت معلقان بالسلاسل في الهواء، قال: فإذا أعينهما كالترسة، ورؤوسهما ذكر شيئاً لا أحفظه، ولهما أجنحة، فلما نظرت إليهما قلت: لا إله إلا الله قال: فضربا بأجنحتهما ضربا شديداً وصاحا صياحاً شديداً ساعة ثم سكتا، ثم قلت: أيضاً لا إله إلا الله، ففعلا مثل ذلك، ثم قلت الثالثة ففعلا مثل ذلك أيضاً، ثم سكتا وسكت، فنظرا إلي فقالا لي: آدمي.

..؟

فقلت: نعم.

قال: قلت ما بالكما حين ذكرت الله فعلتما ما فعلتما...

!

قالا: إن ذلك اسم لم نسمعه من حين خرجنا من تحت العرش.

قالا: من أمة من؟

قلت: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

قالا: أو قد بعث؟

قلت: نعم.

قالا: اجتمع الناس على رجل واحد أو هم مختلفون؟

قلت: قد اجتمعوا على رجل واحد.

قال: فساءهما ذلك فقالا: كيف ذات بينهم؟

قلت: سِّيئ.

فسرهما ذلك فقالا: هل بلغ البنيان بحيرة الطبرية؟

قلت: لا.

فساءهما ذلك فسكتا.

فقلت لهما: ما بالكما حين أخبرتكما باجتماع الناس على رجل واحد ساءكما ذلك؟

فقالا: إن الساعة لم تقرب ما دام الناس على رجل واحد.

قلت: فما بالكما سركما حين أخبرتكما بفساد ذات البين؟

قالا: لأنا رجونا اقتراب الساعة.

قال: قلت: فما بالكما ساءكما أن البينان لم يبلغ بحيرة الطبرية؟

قالا: لأن الساعة لا تقوم أبداً حتى يبلغ البنيان بحيرة الطبرية.

قال: قلت لهما: أوصياني.

قالا: إن قدرت أن لا تنام فافعل فإن الأمر جد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: وأما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم، فاختاروا فلم يألوا بهاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول فافعلا كذا وكذا ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمر ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد لله أطوع منهما، فحكما فعدلا فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم فقضيا عليها.

فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل ما وجدت؟

قال: نعم.

فبعثا إليها أن ائتينا نقض لك.

فلما رجعت قضيا لها، وقالا لها: ائتينا فاتتهما فكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها، فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا طارت الزهرة فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه فقالا: ادع لنا ربك.

فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟

قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء.

فوعدهما يوماً وعداً يدعو لهما، فدعا لهما فاستجيب له فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقالا: نعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد نعم، ومع الدنيا سبع مرات مثلها، فأمرا أن ينزلا ببابل فثم عذابهما، وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصطفقان بأجنحتهما.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات وابن مردويه والديلمي عن علي «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسوخ فقال: هم ثلاثة عشر.

الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموص، والعنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهرة، فقيل: يا رسول الله وما سبب مسخهن؟

فقال: أما الفيل فكان رجلاً جباراً لوطياً لا يدع رطباً ولا يابساً، وأما الدب فكان مؤنثاً يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير فكان من النصارى الذين سألوا المائدة فلما نزلت كفروا، وأما القردة فيهود اعتدوا في السبت، وأما الجريث فكان ديوثاً يدعو الرجال إلى حليلته، وأما الضب فكان إعرابياً يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط فكان رجلاً يسرق الثمار من رؤوس النخل، وأما العقرب فكان رجلاً لا يسلم أحد من لسانه، وأما الدعموص فكان نماماً يفرق بين الأحبة، وأما العنكبوت فامرأة سحرت زوجها، وأما الأرنب فامرأة كانت لا تطهر من حيض، وأما سهيل فكان عشاراً باليمن، وأما الزهرة فكانت بنتاً لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت وماروت» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جبريل ما لي أراك متغير اللون؟!

فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل صف لي النار وانعت لي جهنم.

فقال جبريل: إن الله تبارك وتعالى أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لو أن ثقب ابرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره، والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب الكفار علق بين السماء والأرض لمات من في الأرض جميعاً من حره، والذي بعثك بالحق لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» حسبي يا جبريل «، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل وهو يبكي فال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به؟

فقال: وما لي لا أبكي أنا أحق بالبكاء، لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي ابتلي بما ابتلي به إبليس فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي ابتلي بما ابتلي به هاروت وماروت، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد ان الله قد أمنكما أن تعصياه» .

وأما قوله تعالى: ﴿ وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ﴾ .

أخرج ابن جرير عن الحسين وقتادة قالا: كانا يعلمان السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ قال: بلاء.

وأما قوله تعالى: ﴿ فلا تكفر ﴾ .

أخرج البزار والحاكم وصححه عن عبدالله بن مسعود قال: من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد.

وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن عقد عقدة، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» .

وأخرج عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من الله» .

وأما قوله تعالى: ﴿ فيتعلمون منهما ﴾ الآية.

أخرج عبد حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ قال: يؤخرون أحدهما عن صاحبه، ويبغضون أحدهما إلى صاحبه.

وأخرج ابن جرير عن سفيان في قوله: ﴿ إلا بإذن الله ﴾ قال: بقضاء الله.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ولقد علموا ﴾ قال: لقد علم أهل الكتاب فيما يقرأون من كتاب الله وفيما عهد لهم أن الساحر لا خلاق له عند الله يوم القيامة.

وأخرج مسلم عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا.

فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئاً، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نعم أنت» .

وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني عن عمرو بن دينار قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب لذريح أبي قيس: أحل لك أن فرقت بين نفسي وبيني، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أو مشيت إليهما بالسيف.

وأخرج ابن ماجة عن أبي رهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفضل الشفاعة أن يشفع بين اثنين في النكاح» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ قال: قوام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ قال: من نصيب.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ قال: من نصيب.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم ** إلا سرابيل من قطر وأغلال وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ قال: من نصيب.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ قال: ليس له دين.

وأما قوله تعالى: ﴿ ولبئس ما شروا ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ولبئس ما شروا ﴾ قال: باعوا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ الآية، هذه الآية قد أشكل علم إعرابها ومعناها على كثيرٍ من الناس، حتى ترك أكثر أهل العلم والنحو الكلام فيها لصعوبتها.

وتكلم آخرون فيها (١) قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أنهم رفضوا كتابه واتبعوا السحر (٢) وقوله تعالى: ﴿ تَتْلُوا ﴾ أي: تقرأ (٣) (٤) ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ  ﴾ : يتبعونه حق اتباعه (٥) وقال أبو عُبَيدة: ﴿ مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ أي: ما تتكلم به.

كقولك: فلان يتلو كتاب الله، أي: يقرؤه ويتكلم به (٦) (٧) (٨) قال الزجاج: وفيه إضمار، أراد: واتبعوا ما كانت تتلوا (٩) (١٠) فلقد يكون أخا دمٍ وذبائحِ (١١) أي: فلقد كان (١٢) ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ  ﴾ ، أي: حتى قال.

وقال أبو علي (١٣) أحدهما: أن يكون ﴿ تَتلُوا ﴾ بمعنى: تلت فيكون كقوله: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ  ﴾ .

أي: فلم قتلتم، إلا أنه لما اتصل بقوله: {مِن قَبْلُ} علم أن المراد بمثال المضارع الماضي، فكذلك هنا (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ومن هذا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ .

يجوز عندي أن يكون المعنى: إنّ الذين كفروا وصدوا.

فلما كان المعطوف عليه ماضيًا دلّ على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ (١٨) (١٩) والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه؛ لأنه قال (٢٠) (٢١) ولقد أمرُّ على اللئيم يَسُبّني ...

فمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنِيني (٢٢) (٢٣) على معنى: ولقد مررت (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ  ﴾ ، ومعنى هذا: كرُمَ زيد، وسمعوا (٣١) (٣٢) (٣٣) ووقع مثال الأمر مقام الخبر، كما وقع مثال الخبر مقام الأمر في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يده، وفي التنزيل: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا  ﴾ .

وقال: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ  ﴾ (٣٤) فكذلك تَتْلُوا في هذه الآية، يجوز أن تكون بمعنى (تلتْ) كهذه الأشياء التي أريتكها، وهذا وجه.

وأما الوجه الآخر: فعلى أن يكون يفعل على بابه، لا تريد به فَعَل كما أردت في الأول، ولكن تجعله حكايةً للحال وإن كان ماضيًا، وهذا الوجه في السَّعَة والكثرة كالأول وأسوغ (٣٥) ونظير هذا قوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ  ﴾ ، فقوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ حكاية للحال في الوقت الذي كانت فيه، وإن كان آل فرعون منقرضين في وقت هذا الخطاب، وموضع الفعل نصب بالحال.

ونظير هذا أيضًا من حكاية الحال: قوله: ﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ  ﴾ فأشير إليهما بما (٣٦) (٣٧) ﴿ إِذ تَقُولُ لِلمُؤمِنِينَ  ﴾ أضيف (إذ) إلى فعل الحال إرادةً لحكايتها (٣٨) ومن هذا أيضًا: ما أنشده أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: جاريةٌ في رمضانَ الماضي ...

تُقطِّع الحديث بالإيماض (٣٩) وهذا وجه ثانٍ نظير ما يحسن حمل الآية عليه (٤٠) فإن قلت: ما تنكر أن يكون ما ذكره أبو إسحاق من إضمار (كان) أيضًا جائزًا، فيكون ذلك وجهًا ثالثًا.

قيل: ذلك لا يجوز؛ لأن المضمر لا دلالة عليه، وإنما يسوغ الإضمار إذا كانت عليه دلالة يكون بها كالمظهر، وسيبويه منع إجازة هذا، فقال: واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: عبدَ الله المقتول، وأنت تريد: كن عبدَ الله المقتول (٤١) (٤٢) فإن قلت: فقد قالوا: إنْ سيفًا فسيفٌ، وإنْ خنجرًا فخنجرٌ، فأضمروا، قيل: ليس ذلك من هذا في شيء؛ لأن (إن) مما يعلم أنه لا يليه إلا الفعل، فالدلالة على المحذوف المضمر قوية، وليس شيء من هذا في الآية (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ ذكرنا أنه على تقدير حذف المضاف، وقيل: إن (على) هاهنا من صلة الافتراء والكذب، إذا قلنا إنّ (تتلوا) معناه: تحدّث وتكلّم، على ما قال أبو عبيدة وعطاء، فمعنى قوله: ﴿ تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ (٤٤) (٤٥)  ، لما عُذّبَ بنزع ملكه، دفنت الشياطين في خزانته ومواضع مصلاه سحرًا وأُخَذًا ونِيرَنْجات (٤٦)  على لسان محمد  (٤٧) وقال السُّدِّي: إن الناس في زمن سُليمان كتبوا السحر، واشتغلوا بتعلّمه، فأخذ سليمان تلك الكتب، وجعلها في صندوق، ودفنها تحت كرسيه، ونهاهم عن ذلك، فلما مات سليمان، وذهب الذين كانوا يعرفون دفنه الكتب، تمثل شيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا (٤٨) (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ أي: لم يكن كافرًا ساحرًا بسحر، (٥١) (٥٢) وقيل: وما ستر سليمان كتب السحر، ولكن الشياطين سترته ودفنته.

وأصل الكفر: الستر والتغطِية (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ في (لكن) قراءتان: التشديد ونصب الاسم به، والتخفيف ورفع الاسم به (٥٤) وهذه الحروف، أعني: لكنّ، وإن، وأن، وكأنَّ حروف تستعمل مخففة ومثقلة، فإذا استعملت مثقلة كانت عاملة في الأسماء، وعملها النصب (٥٥) (٥٦) وقال الكسائي: الذي يختار العرب والذي هو وجه الكلام عندنا إذا كانت (لكن) وحدها بغير واو كان التخفيف أحسن، وإذا كانت بالواو كانت بالتشديد، وبهذا قرئ أكثر ما في القرآن كقوله: ﴿ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ .

وبغير الواو كقوله: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ  ﴾ ، ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ  ﴾ ﴿ لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ  ﴾ .

وقال الفراء: إذا ألقيت من ولكن الواو آثرت العرب تخفيفَ نونها، وإذا دخلت الواو آثروا تشديدَها، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنها رجوع عما أصاب أول الكلام، فشبهت بـ "بل"، إذ كانت رجوعًا مثلها، ألا ترى أنك تقول: لم يقم أخوك بل أبوك، ثم تقول: لم يقم أخوك لكن أبوك، فتراهما في معنى واحد، والواو لا تصلح في بل.

فإذا قالوا: ولكن فأدخلوا الواو تباعدت من بل، إذ لم تصلح الواو في بل، فآثروا فيها تشديد النون، وجعلوا الواو كأنها دخلت لعطف لا بمعنى بل (٥٧) (٥٨) وقال الكسائي: حرفان من الاستثناء لا يقعان (٥٩) (٦٠) وقال المبرد: لكن من حروف العطف، وهي الاستدراك بعد النفي، ولا يجوز أن يدخل بعد واجب إلا لترك قصة إلى قصة تامة، نحو قولك: جاءني زيد لكن عبد الله لم يأت (٦١) وأما اختلاف القراء في تشديد (لكن) في بعض المواضع وتخفيفها في بعض، فلا معنى للمصير إلى التبعيض في هذه المواضع ونظائرها إلا بأن تترجح عند أحد من القراء بعض الروايات على بعض، فيصير إليه (٦٢) ومعنى الآية: ولكن الشياطين كفروا بالله يعلّمون الناس السحر.

يريد: ما كتب لهم الشياطين من كتب السحر.

ويجوز أن يكون (يعلّمون) في فعل اليهود الذين عُنُوا بقوله: ﴿ وَاْتَّبَعُواْ ﴾ (٦٣) وسمي السحرُ سحرًا؛ لخفاء سببه.

ومنه: السِّحْر وهو الغِذَاء، كقول لبيد [[هو: أبو عقيل، لبيد بن ربيعة بن مالك العامر، تقدمت ترجمته [البقرة: 2].]]: ونُسْحَرُ بالطعام وبالشراب (٦٤) (٦٥) وقال المحققون من أهل اللغة: معنى السحر: الإزالة وصرف الشيء عن وجهه (٦٦) ﴿ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ  ﴾ ، أي: تصرفون، ويقال: سحره، أي: أزاله عن البُغض إلى الحُبِ، وكأن السّاحر بما أرى الباطل في صورة الحق فقد سَحَر الشيء عن وجهه، أي: صرفه (٦٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ﴾ موضع (ما) نصب، نسق على السحر، وجائز أن يكون نسقًا على ما في قوله: ﴿ مَا تَتلُوا الشَّيَاطِينُ ﴾ (٦٨) ومعنى: ﴿ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ﴾ : أي: عُلِّما وأُلْهِما وقُذِفَ في قُلُوبِهِما من علم التفرقة، وهو رقية (٦٩) (٧٠)  كيف ترى في ذلك؟

فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك" (٧١) وقال ابن قتيبة: الذي أنزل الله على الملكين فيما يرى أهل النظر من أهل العلم والله أعلم هو الاسم الذي صعدت الزهرة فعلمته الشياطين، فهي تعلمه أولياءها، وقد يقال: إنّ السّاحر يتكلم بكلام فيطير بين السماء والأرض، ويطفو على الماء.

وذهب قومٌ ممن أبطلوا السّحر وأنكروا أن يكون له حقيقة (٧٢) ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ﴾ ما فيه نفي (٧٣) (٧٤) (٧٥) ﴿ وَاتَّبَعُوا ﴾ ، ولم ينزل على الملكين كما ذكروا.

ومثال ذلك: أن يقول مُبْتدئا: علمت هذا الرجل القرآن، وما أنزل على موسى.

فلا يتوهم سامعُ هذا أنك أردت بقولك أن القرآن لم ينزل على مُوسى؛ لأنه لم يتقدّمه قول أحدٍ أنه أنزل على موسى، وإنما يتوهم السامع أنك علمتَه القُرآنَ والتوراةَ (٧٦) ثم اعلم أن السحر على قسمين: أحدهما: يكفر به السّاحر، وهو أن يعتقد القدرة لنفسه، فإذا انتهى به السحر إلى هذه النهاية صار كافرًا بالله، وهذا السحر هو الذي عده رسول الله  في الكبائر في قوله: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله وما هنّ؟

قال: "الشرك بالله، والسّحر، وقَتْل النفسِ التي حرّم الله إلاّ بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنة".

(٧٧) والقسم الثاني: لا يكفر به، وهو التخييل الذي يشاكل النِّيرَنْجات، فإذا لم يعتقد لنفسه فيما يعمل قدرة، واعتقد القدرة لله تعالى، كانت معصية، ولم يكن ذلك كفرًا (٧٨) وأما قصّة الملكين فهي معروفة مذكورة في عدة مواضع (٧٩) وقوله تعالى: ﴿ بِبَابِلَ ﴾ (٨٠) وبابل اسم أرض (٨١) (٨٢) (٨٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ اختلفوا في تعليم الملكين السحر، فذكر أهل التفسير وأصحاب المعاني فيه وجهين (٨٤) أحدهما: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران الناس باجتنابه، وكانا يعلمان الناس وغيرهم ما يُسألان عنه، ويأمران باجتناب ما حُرِّم عليهم، وطاعة الله فيما أُمروا به، ونهوا عَنْهُ.

وفي ذلك حكمة، لأن سائلًا لو سأل: ما الزنا؟

وما اللواط؟

لوجب أن يوقف عليه، ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس السحر، وأمرهما السائل باجتنابه بعد الإعلام والإخبار أنه كفر حرام (٨٥) (٨٦) (٨٧) قال قيس بن زهَير: تَعَلَّمْ أنّ خيرَ الناس حيًّا ...

على جَفْر الهَباءةِ لا يَريم (٨٨) أي: اعلم.

قال ابن الأعرابي: ومن هذا قول الله: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ قال معناه: إن السّاحر يأتي الملكين فيقول: أخبرني عمّا نهى الله عنه حتى أنتهي، فيقولان: نهى عن الزنى، فيستوصفُهما الزِنى، فيصفانه، فيقول: وعن ماذا؟

فيقولان: عن اللواط، ثم يقول: وعن ماذا؟

فيقولان عن السحر، فيقول: وما السحر؟

فيقولان: هو كذا، فحفظه، وينصرف فيخالف، فيكفر، فهذا معنى ﴿ يُعَلِّمَانِ ﴾ (٨٩) الوجه الثاني: أن الله عز وجل امتحن الناسَ بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنةَ في الكفر والإيمان أن يقبل القائل تعلُّم السحر، فيكفر بتعلّمه، ويؤمن بترك التعلّم، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، كما امتحن الله (٩٠) ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ  ﴾ .

يدل على صحة هذا: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ أي: محنة من الله نُخبرك أنَّ عملَ السحر كفر بالله، وننهاك عنه، فإن أطعتنا في ترك العمل بالسحر نجوتَ، وإن عصيتنا في ذلك هلكتَ (٩١) وروي عن ابن عباس أنه قال: أما السحر فمما (٩٢) (٩٣) ثم وجه تعليم الملكين أنه يجوز أن يلهمهما الله ويعلّمهما من الأذكار والأسماء ما يعلمان أنها إذا استعلمت على جهة الدعاء أو على جهة الرقية أفادت التفريق بين المرء وزوجه، إذ لا يحسن بحالهما وما هما فيه من عقوبة الذنب السابق أن يشتغلا بارتكاب كبيرة مستأنفة.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَحَدٍ ﴾ أي: أحدًا، ومِنْ زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من أحدٍ (٩٤) وأما (أحد) (٩٥) (٩٦) (٩٧) وقال أحمد بن يحيى: واحد وأحد وَوَحد بمعنى (٩٨) وقال الليث: الوحَد: المنفرد، ورجل وحدٌ، وثور وحدٌ، قال النابغة (٩٩) بذي الجليل (١٠٠) (١٠١) والوَحْد والحِدَة كالوَعْد والعدة، يقال: وَحَدَ الشيءُ فهو يحِد حِدَةً.

وفرّق قوم بين الواحد والأحد، فقالوا: أحد يصلح في الكلام في موضع الجحد، وواحد في موضع الإثبات.

تقول ما جاءني منهم أحد، وجاءني منهم واحد، ولا يقال: جاءني منهم أحد؛ لأنك إذا قلت: ما جاءني منهم أحد، فمعناه لا واحد ولا اثنان، وإذا قلت: جاءني منهم واحد، فمعناه: أنه لم يأتني منهم اثنان (١٠٢) قال أبو علي: وقد استعملوا أحدًا بمعنى واحد، وذلك قولهم: أحد وعشرون، وفي التنزيل: ﴿ قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَد ﴾ (١٠٣) وسنذكر الكلام في (أحد) صفة الله تعالى في سورة الإخلاص، والكلام في (واحد) نذكره في (١٠٤) ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ  ﴾ ، إن شاء الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ معنى الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان (١٠٥) ﴿ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ  ﴾ ، أي: يحرقون بالنار، ومن هذا قيل للحجارة السود التي كأنها أحرقت بالنار: الفتين، هذا هو (١٠٦) (١٠٧) ﴿ وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  ﴾ قيل في تفسيره: وهم لا يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وكذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  ﴾ ، أي: اختبرنا (١٠٨) والفتنة تستعمل في معانٍ كثيرة، ترجع كلها إلى الأصل الذي ذكرنا عند النظر، والفتنة مصدر؛ لذلك (١٠٩) (١١٠) ويقال: فَتَنَه وأَفْتَنَه، والأول: لغة أهل الحجاز، والثاني: لغة أهل نجد، وقال أعشى همْدان: لئن فَتَنَتْني لَهْيَ بالأمس أفْتَنَتْ ...

سعيدًا فأمسى قد قَلَى كلَّ مُسلم (١١١) وكان الأصمعي ينكر أفتَنَه (١١٢) (١١٣) (١١٤) وقال الليث: يقال فِتَنَه يَفتِنُه، ففَتَنَ بمعنى: افتتن، فجعله لازمًا ومتعديًا (١١٥) رخيم الكلام قطيع القيام ...

أمسى الفؤاد به فاتنا (١١٦) قال الأزهري: يقال: افْتَتَنَتْهُ (١١٧) (١١٨) وأما فَتَنَتْه فَفَتَنَ فهي لغة ضعيفة (١١٩) ومعنى قوله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ أي: ابتلاء واختبار لكم (١٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ﴾ (١٢١) (١٢٢) قال ابن الأنباري: وصلح إضمار يأبون هنا كما صلح إضمار الفعل في قوله: ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ  ﴾ ، والعرب تحمل على المعنى كثيرًا، من ذلك قول الفرزدق: فكيف بليلةٍ لا نجمَ فيها ...

ولا قمر لساريها منيرِ (١٢٣) عطف (ولا قمر) على مقدر في المعنى، كأنه قال: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر.

قال أبو إسحاق: والأجود في هذا أن يكون عطفًا على ﴿ يُعَلِّمَانِ ﴾ ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ ﴾ ، ويستغنى (١٢٤) ﴿ يُعَلِّمَانِ ﴾ ؛ لما (١٢٥) (١٢٦) ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ فيتعلّمون (١٢٧) قال الزجّاج: هذا خطأ؛ لأن قوله: (منهما) دليل هاهُنا على التعلم منَ الملكين خاصّةً (١٢٨) وابن الأنباري صحح مذهب الفراء، وقال: معناه: يعلّمون الناس السحر فيتعلّمون منهم عن (١٢٩) (١٣٠) قال هشام: قال الأصمعي: سمعت (١٣١) ويجوز أن يكون معنى قوله: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ﴾ أي: مِن السّحر والكُفر، أو من السحر والكهانة.

و (أحدٌ): يقع على الواحد وَالاثنين والجميع؛ لذلك (١٣٢) ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ  ﴾ .

قال ابن الأنباري: وأجاز أصحابنا: ما مررت بأحدٍ يتكلّمون.

ومررت على كُلّ رَجُل يتعجبون (١٣٣) وروى سَلَمة [[هو: سلمة بن عاصم النحوي أبو محمد، تقدمت ترجمته [البقرة: 8].]] عن الفراء قال: (أحدٌ)، يكون للجميع والواحد في النفي، كقوله: ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ  ﴾ ، جعل (أحد) في موضع جمع، وكذلك قوله: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ  ﴾ فهذا جمع؛ لأن (بينَ) لا يقع إلّا على اثنين فما زاد (١٣٤) وقوله تعالى: ﴿ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ وهو أن يُؤَخَّذَ (١٣٥) (١٣٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُمْ ﴾ أي: السحرة، وقيل: الشياطين وعلى هذا دلّ كلام ابن عبّاس (١٣٧) (به) أي: بالسحر ﴿ مِنْ أَحَدٍ ﴾ أي: أحدًا (١٣٨) ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عبّاس: يريد: ما يُضلّون إلا من كان في علمي وقضائي وقدرتي أن أُضِلّه (١٣٩) وقال المفسرون: الإذن هاهُنا تأويله: إرادة التكوين، أي: لا يضرّون بالسحر إلا من أراد الله أن يلحقه ذلك الضرر (١٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ المعنى: إنه يضرهم في الآخرة، وإن تعجّلوا به في الدنيا نفعًا (١٤١) ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ يعني: اليهود (١٤٢) ﴿ لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ أي: اختاره يعني السحر (١٤٣) ﴿ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ أي: نصيب.

والخلاق: النصيب الوافر من الخير (١٤٤) قال المفسرون في هذه الآية، الخلاقُ: النصيبُ من الجنة (١٤٥) ثعلب عن ابن الأعرابي: ﴿ لَا خَلَاقَ لَهُمْ  ﴾ لا نصيب لهم في الخير.

ويعني بهذا: الذين يعلّمون الناس السحر، وهم كانوا من علماء اليهود (١٤٦) وفي قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ جملتان (١٤٧) ويحتمل أن تكون الجملتان كلتاهما مقسم عليهما، والجملة هي المحدّث عنه والحديث.

فأما الجملة المقسم عليها فقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ مقسم عليه؛ لدخول اللام في لقد، وهذه اللام إذا جاءت في الفعل الماضي والمستقبل فإنما تجيء على نية اليمين، كانت مذكورة معها أو محذوفة.

قال سيبويه: سألت الخليل عن قوله: ليفعلنّ إذا جاءت مبتدأة؟

فقال: هي على نية القسم (١٤٨) ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ : والله لقد علموا.

والأخرى المؤكدة غير المقسم عليها: قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ إذا جعلت (مَنْ) بمعنى (الذي) كانت اللام للتأكيد دون القسم.

ومذهب سيبويه فيه هذا، وهو أن (من) فيه بمعنى (الذي)، كأنه قيل: للذي اشتراه ماله في الآخرة من خلاق (١٤٩) وموضع ﴿ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ رفع على أنه خبر الابتداء.

وأما احتمال الكلام أن يكون فيه جملتان كلتاهما مقسم عليهما: فالأولى منهما أيضًا: قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ ، والأخرى المقسم عليها: قوله: ﴿ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ ، وذلك أن تجعل (من) شرطًا في قوله: ﴿ لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ ولا تجعله بمنزلة الذي.

وتجعل قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ بمنزلة القسم؛ لأن العلم قد يقام مقام القسم، في مثل قولك: علمت ليفعلنّ كذا، وفي مثل قول الشاعر (١٥٠) ولقد علمتُ لتأتينّ عَشِيّةٌ ...

لا بعدها خوفٌ عليّ ولا عَدَمْ (١٥١) قال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتينّ عَشِيَّة، فحمل (علمت) في البيت على معنى اليمين.

فمن حيث استعمل استعمال القسم صلح أن يكون له جواب، كما يكون للقسم، وساغ أن يكون النفي جوابًا له في الآية.

فإن قيل: على هذا إذا قلتم: إن قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ مقسم عليه، وجوزتم أن يكون هو في نفسه قسمًا، فكأنه قسم قد دخل على قسم، ويبعد ذلك عند سيبويه، فإن سيبويه والخليل قالا: لا يقوى أن يقول: وحقِّك وحقِّ زيد لأفعلن، والواو الآخرة واوُ قَسم لا يجوز إلا مستكرهًا؛ لأنّه لا يجوز هذا في محلوف عليه، إلا أن تضم الآخر إلى الأوّل، وتحلف بهما على المحلوف عليه (١٥٢) ولهذا جعل هو والخليل الحرف في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى  ﴾ إنه للعطف (١٥٣) (١٥٤) ﴿ وَلَقَد عَلِمُوا ﴾ أقيم مقام القسم، وليس كالمختصِّ بالقسم التي لا معنى لها غيره، نحو لعمرُك لأفعلنّ، وبالله (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) (١٥٨) قوله تعالى: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي: بئس شيء باعوا به حظ أنفسهم، حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله (١٥٩) وقوله تعالى: ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ إن قيل: كيف نفى العلم عنهم، ولقد أثبت العلم لهم في قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ .

قيل: وصفهم بالعلم (١٦٠) ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ على المجاز لا على الحقيقة، كأنه قال: علموا هذا عِلمًا ظاهرًا، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من بخس الآخرة من العقاب، لذلك (١٦١) ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ .

وقيل: إن الله تعالى وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم؛ لأنهم لم يعملوا بما علموا، فكانوا بمنزلة من لم يعلم، كما تقول: صلَّيتَ ولم تصلِّ، وتكلّمتَ ولم تتكلّم، أي: لم تجوّد كلامك، فكنت بمنزلة من لم يتكلم.

وقيل: إنما وصفهم بوصفين مختلفين؛ لأنهم علموا أن الآخرة يخسرها من آثر السحر، ثم دخلوا فيه وآثروه طمعًا في عوض يصير إليهم من الدنيا، فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أن الذي قصدوه وآثروه لا يتم لهم من جهته ما يؤمِّلُون؛ لأن الدنيا تنقطع عنهم بالموت، ثم يقدمون على الآخرة التي لا حظ لهم فيها (١٦٢) (١) قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 185: فإن النحويين قد ترك كثير منهم الكلام فيها لصعوبتها، وتكلم جماعة منهم، وإنما تكلمنا على مذاهبهم.

(٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183.

(٣) وبه قال مجاهد وقتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 447، و"تفسير ابن كثير" ص 144 - 146.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 447 وذكره الثعلبي في "تفسيره" 14/ 1055.

(٥) رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 218، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 145.

(٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة بمعناه 1/ 48.

(٧) رواه الطبري في تفسيره عنه 1/ 447، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1055.

(٨) ينظر الطبري في تفسيره 1/ 447 - 448، وذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 326: أنها متقاربة.

(٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183 بتصرف، وليس عنده قوله: وفيه إضمار، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 326.

(١٠) ينظر: "التبيان" للعكبري 1/ 80، "البحر المحيط" 1/ 326.

(١١) صدر البيت: وانْضَح جوانبَ قبرِه بدمائها وهو لزياد الأعجم في "ديوانه" ص 54، "تفسير الثعلبي" 1/ 1055، و"البيان" 1/ 133، "تفسير القرطبي" 2/ 37، "الدر المصون"1/ 318، "أمالي المرتضي" 1/ 301، "الشعر والشعراء" 1/ 279، "لسان العرب" 7/ 3962، ينظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" 2/ 126.

(١٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1055.

(١٣) أي: في كتابه "الإغفال".

(١٤) ساقطة من (ش).

(١٥) في "الإغفال": في من قال إن المعنى على عهد ملك سليمان.

(١٦) في "الإغفال": على من لم يقدر.

(١٧) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183، "التبيان" للعكبري 1/ 80، "البحر المحيط" 1/ 326.

(١٨) تتمة الكلام في "الإغفال" فخبر اسم إن مضمرة، هو من نحو ما ظهر من قوله: أضل أعمالهم، وحسن الحذف لطول الكلام بالعلة.

(١٩) "الإغفال" ص321 - 322.

(٢٠) في "الإغفال" وهذا الذي ذكرته لك من الإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه وقوله.

(٢١) في (ش): (يقع تفعل).

(٢٢) البيت لرجل من سلول في "الكتاب" 3/ 24، و"الخصائص" 3/ 330، و"الإغفال" 1/ 323، و"الدر" 1/ 78، ولشمر بن عمرو الحنفي في "الأصمعيات" ص 126، ولم ينسب في بعضها: نحو "تفسير الطبري" 1/ 420، وروايته وحده: فمضيت عنه وقلت.

وبعد هذا البيت: غضبان ممتلئًا عليّ إهابه ...

إني وربِّك سُخْطُه يُرضيني (٢٣) " الكتاب" لسيبويه 3/ 24.

(٢٤) "الإغفال" ص 322، 323 وقال سيبويه في "الكتاب" 1/ 504: يجوز أن يجعل أفعل في موضع فعلت، ولا يجوز فعلت في موضع أفعل إلا في مجازاة، نحو إن فعلت فعلت.

(٢٥) في "الإغفال" على ما أريد به الحرف.

(٢٦) في (ش): (في قبلها).

(٢٧) إنما ساقطة من (ش).

(٢٨) في "الإغفال": لما يستقبل مما أوجب القسم.

(٢٩) "الإغفال" ص 323، 324.

(٣٠) في "الإغفال": اتساعًا أشد مما قدمنا.

(٣١) في "الإغفال" فمعنى هذا: أكْرم زيد وأسمعوا.

وما في نسخة البسيط أصوب.

(٣٢) في نسخة "الإغفال" جاء النص مُحرّفًا: وصار هؤلاء المستحقون الآن يمدحون بهذا المدح، ويثنى عليهم بهذا الثناء دون أسماع وأبصار.

(٣٣) "الإغفال" ص 326.

(٣٤) "الإغفال" ص 327 وما بعدها.

بتصرف كبير.

(٣٥) في "الإغفال": أو أسوغ.

(٣٦) في "الإغفال": كما.

(٣٧) في "الإغفال" لحكاية القصة على جهتها، وإن كانت متقدمًا كونها.

(٣٨) من قوله: إرادة لحكاية الحال على وجهها ...

ساقط من (أ)، (م).

(٣٩) ذكره في "الإغفال" ص 332 بهذه الصيغة ووقع في نوادر ابن الأعرابي غير منسوب كما في "شرح ابن يعيش" 6/ 93، ووقع في "ديوان رؤبة" مما نسب إليه ص 176: جارية في درعها الفضفاض ...

تقطع الحديث بالإيماض ونسب البغدادي 3/ 483 الشاهد نقلًا عن هشام اللخمي لرؤبة هكذا: لقد أتى في رمضان الماضي ...

جارية في درعها الفضفاض تقطع الحديث بالإيماض أبيض من أخت بنىِ إباض وينظر أيضًا: "مغنى اللبيب" 2/ 691، و"الإنصاف" 1/ 124، مع اختلاف في الرواية، وحاشية "الإغفال" 332.

(٤٠) "الإغفال" ص331، 332.

بتصرف.

(٤١) "الكتاب"1/ 159 ط.

بيروت.

وزاد: لأنه ليس فعلًا يصل من شيء إلى شيء، ولكنك لست على أحد.

(٤٢) "الإغفال" ص 333 بتصرف.

(٤٣) "الإغفال" ص 334 بتصرف.

(٤٤) ينظر: "التفسير الكبير" للرازي 3/ 204، "البحر المحيط" 1/ 326، ابن كثير في "تفسيره" 1/ 143 - 146.

(٤٥) قال في "البحر المحيط" 1/ 326: وقد ذكر المفسرون في كيفيات ما رتبوه من هذا الذي تلوه قصصًا كثيرة، الله أعلم به، ولم تتعرض الآية الكريمة ولا الحديث المسند الصحيح لشيء منه، فلذلك لم نذكره اهـ.

وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 121 الكيفيات فعد أقوالًا ستة.

(٤٦) النيرنجات: أُخذٌ كالسحر وليس به، وإنما هو شبه وتلبيس، ويقال: النيرنجيَّات.

ينظر: "تاج العروس" 3/ 497، و"مفتاح السعادة" لطاش كبرى زاده 1/ 340.

(٤٧) أخرج هذه القصة النسائي في "تفسيره" 1/ 179، الطبري في "تفسيره" 1/ 447 ولفظه مختصر، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 297 من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، بنحوه، والمنهال: صدوق ربما وهم.

وقد ذكرها الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1057، وعزا القصة للكلبي.

وذكرها أيضًا في "عروس المجالس" ص 43، والواحدي في "أسباب النزول" ص 35.

(٤٨) لا تأكلونه أبدًا: أي: لا تفنونه أبدًا، يقال: أكل فلان عمره: إذا أفناه.

(٤٩) في (م): (الإنس والجن).

(٥٠) رواه ابن جرير في "تفسيره" مطولًا عنه 1/ 444 - 445، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 186 من طريق أسباط عن السدي، وذكره الثعلبي في "تفسيره" مطولًا 1/ 1057 والواحدي في أسباب النزول ص 36 ولفظه هناك مثل هذا تمامًا.

وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 121 - 122، وروى الحاكم 2/ 265، والواحدي بسنديهما عن ابن عباس نحوًا من هذا وصححه الذهبي.

وينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 205 - 206.

ذكر الدكتور بشير حكمت ياسين في كتاب "التفسير الصحيح" 1/ 205 - 206 روايتين عن ابن عباس وصححهما وهما موافقتان لما نقله الواحدي وقال بعدهما.

وهاتان الروايتان من أخبار أهل "الكتاب"، ولكنهما لا تتعارض مع "الكتاب" والسنة، بل لبعض فقراتها شواهد، فهي توافق عصمة سليمان  وتبرىء ساحته مما ألصق به من مفتريات الإسرائيليات.

(٥١) ساقطة من (ش).

(٥٢) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1060.

(٥٣) "المفردات" للراغب 435.

(٥٤) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بتخفيف نون لكن وإسكانها، ثم تكسر تخلصًا من التقاء الساكنين، والشياطين بالرفع.

وقرأ الباقون بتشديد النون مفتوحة، ونصب الشياطين.

ينظر: "السبعة" 167 - 168، و"الحجة" لأبي علي 2/ 169، و"النشر" 2/ 219، و"البدور الزاهرة" ص 46.

(٥٥) ينظر: "اللسان" 7/ 4070 (مادة: لكن)، و"مغني اللبيب" 1/ 290 - 292.

(٥٦) ينظر: "الحجة" 2/ 170 - 177، "تفسير الثعلبي" 1/ 1061، "المجيد في إعراب القرآن المجيد" ص 359.

(٥٧) بل ساقطة من (ش).

(٥٨) نقل كلام الفراء صاحب "اللسان" 7/ 4070، وقد ناقش أبو علي في "الحجة" 2/ 179 ذلك وبين أن القياس لا يوجب هذا الذي ذكره الفراء من تشديدها مع الواو وتخفيفها مع عدمها.

(٥٩) في (ش): (لا تقعان).

(٦٠) نقل كلام الكسائي صاحب "اللسان" 7/ 4070.

(٦١) "المقتضب" للمبرد 1/ 12.

(٦٢) ينظر: "الحجة" 2/ 179 - 180.

(٦٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 451 - 452، "معاني للقرآن" للزجاج 1/ 183، "تفسير الثعلبي" 1/ 1062، "البيان" لابن الأنباري 1/ 114، "التفسير الكبير" للرازي 3/ 205.

(٦٤) وشطره الأول: == أرانا مُوضِعِين لأمر غيب وفي رواية: لحتم غيبٍ، وهو لامرئ القيس في "ديوانه" ص 43، "تهذيب اللغة" 2/ 1641، "لسان العرب" 4/ 1952، ونسبه المؤلف وكثير من أهل التفسير كالرازي في "تفسيره" 3/ 205 إلى لبيد.

(٦٥) نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1641: أن معنى ونسحر بالطعام، أي نُعَلَّل به قال الرازي في "تفسيره" 3/ 205: قيل فيه (أي: البيت) وجهان: أحدهما أنا نعلل ونخدع كالمسحور.

والآخر: نغذى، وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء.

(٦٦) ينظر كلام الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1641، ونقله صاحب "اللسان" 4/ 19525.

(٦٧) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1641، "مقاييس اللغة" 3/ 138، "المفردات" للراغب 331، 332، "التفسير الكبير"3/ 205، "تفسير القرطبي" 2/ 38، "اللسان" 4/ 1952.

(٦٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1062وصحح الأول، "تفسير الطبري" 1/ 454 - 455 "إعراب مشكل القرآن" 1/ 106، "التبيان" للعكبري 1/ 80.

(٦٩) الرقية: العُوذَةُ التي يُرَقى بها صاحب الآفة، كالحُمَى والصرع وغير ذلك من الآفات.

ينظر: "النهاية" لابن الأثير، "اللسان" 3/ 1711.

(٧٠) هو: عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو حماد، صحابي جليل، أول مشاهده خيبر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح، توفي بدمشق سنة 73 هـ.

ينظر: "أسد الغابة" 4/ 312.

(٧١) أخرجه مسلم (2200) كتاب السلام، باب: لا بأس، وأخرجه أبو داود (3886) كتاب الطب، باب: ما جاء في الرقى واللفظ له.

(٧٢) اختلف الناس هل للسحر حقيقة أو أنه خدع وتخييل؟

فذهب المعتزلة إلى أنه خدع وتخييل، ولا حقيقة له؛ لقوله تعالى: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ  ﴾ .

والصحيح الذي عليه أهل السنة أنه يكون تخييلا وخدعا، ويكون حقيقة، ودليل كونه حقيقة قوله تعالى: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ .

ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 459 - 461، "تفسير القرطبي" 2/ 38 - 39، "المغني" لابن قدامة 12/ 304.

(٧٣) ذكر هذا الوجه مكي بن أبي طالب في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 106.

(٧٤) من قوله: مافيه ...

ساقط من (أ)، (م).

(٧٥) في (ش): (ذلك).

(٧٦) كلام ابن قتيبة لم أره في "غريب القرآن" و"تأويل مشكل القرآن".

(٧٧) أخرجه البخاري (6857) كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، ومسلم (89): الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها.

(٧٨) قد ذكر القرافي في "أنوار البروق في أنول الفروق" 4/ 137، أقسام السحر وأحكامه، وذكر القرطبي في "تفسيره" 2/ 39: أن من السحر ما يكون كفرًا == من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه، وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات فلم يَجِبْ على أصله قتل الساحر إلا أن يقتل بفعله أحدًا فيقتل به، ثم ذكر في 2/ 47 خلاف الفقهاء في حكم الساحر: 1 - فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته؛ لأنه أمر يستسرّ به كالزنديق والزاني؛ ولأن الله سمى السحر كفرًا في هذه الآية، وهو قول أحمد وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة، وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين، وروي مرفوعا: "حد الساحر ضربه بالسيف".

2 - وروي عن الشافعي: لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره، ويقول: تعمدت القتل، وإن قال: لم أتعمده لم يقتل، وكانت فيها الدية كقتل الخطأ، وإن أضرَّ به أُدِّبَ على قدر الضرر.

ينظر: "الأم" للشافعي 1/ 293.

قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 48: وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أنه لم يعلم السحر، وحقيقته: أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه المقادير والكائنات.

الثاني: أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر.

وينظر في المسألة: الطبري في "تفسيره" 1/ 453، و"أحكام القرآن" للجصاص 1/ 725، و"المغني" 12/ 302 - 303، "زاد المسير" 1/ 126، "تفسير ابن كثير" 1/ 147 - 152.

(٧٩) ينظر في القصة وتفصيلاتها: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 53، والبزار في "المسند" برقم 2938، وعبد بن حميد كما في "المنتخب من مسنده" برقم 787، وابن حبان 1/ 634، والسمرقندي في "تفسيره" 1/ 143، والبيهقي في "سننه" 4/ 10، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1063، و"زاد المسير" 1/ 123، و"الدر المنثور" 1858 - 193، والقرطبي 2/ 44 - 45، قال: وقد روي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار، والسدي والكلبي ما معناه: فذكر القصة مجملة، ثم قال: هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء.

اهـ.

وقال "ابن كثير" في تفسيره: "وحاصلها راجع في تفاصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ == ليس فيه حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى وظاهر سياق القرآن إجمال القصة في غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراد الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال".

وقال أيضًا: "فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل.

اهـ.

وقد أنكر القصة جماعة من أهل العلم منهم ابن حزم في "الفصل" 3/ 261، 4/ 32، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 420، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 29، والرازي في "تفسيره" 1/ 237، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 79، والخازن في "تفسيره" 1/ 71، وأبو حيان في "البحر" 1/ 329، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 151، والآلوسي في "روح المعاني" 1/ 341، والقاسمي في "محاسن التأويل" 1/ 211، وغيرهم.

وينظر استقصاؤهم في: "تحقيق العجاب" لابن حجر للأستاذ عبد الحكيم محمد الأنيس 1/ 332 - 342، وانتصر لتصحيحها الحافظ ابن حجر في "العجاب"، والسيوطي كما في "اللآلي المصنوعة" 1/ 159 و"مناهل الصفافي" تخريج أحاديث الشفاء للسيوطي 4/ 231 كما أفاده الخفاجي عنه في "نسيم الرياض" 4/ 231، وقال: وقد جمع الجلال السيوطي طرق هذا الحديث في تأليف مستقل فبلغت نيفًا وعشرين طريقًا.

(٨٠) قال العكبري في "التبيان" ص 81: ببابل، يجوز أن يكون ظرفًا لأنزل، ولجوز أن يكون حالا من الملكين، أو من الضمير في أنزل.

(٨١) ذكر الطبري فى تفسيره 1/ 459 فيها قولين: أنها: بابل رنباوند، أو أنها بابل العراق، وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" 1/ 109 في حدها ثلاثة أقوال: أنها الكوفة وسوادها، والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس العين، والثالث: أنها جبل في وهدة من الأرض، وقد رجح ابن كثير في تفسيره 1/ 152 أنها بابل العراق، واستدل لذلك.

وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1063، "معجم ما استعجم" 1/ 202، "معجم البلدان" 1/ 309.

(٨٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1063، "زاد المسير" 1/ 125، "القرطبي" 2/ 46.

(٨٣) ينظر: "القاموس" 968 - 969.

(٨٤) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 461 - 462 - 463، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183 - 184، "تفسير البغوي" 1/ 129، "زاد المسير" 1/ 122، "القرطبي" 2/ 48.

(٨٥) من "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 2554 مادة (علم) ومنه نقل الثعلبي 1/ 1085.

(٨٦) ساقطة من (أ)، (م).

(٨٧) نقله عن ابن الأعرابي والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2554، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 48، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 330.

(٨٨) البيت لقيس بن زهير في "مقاييس اللغة" 4/ 110، و"لسان العرب" 5/ 3083 مادة (علم).

(٨٩) هذا فيه زيادة في (ش) إنما هو يعلمان ولا يكون.

(٩٠) في (ش): (كما أنه امتحن بنهر طالوت).

(٩١) من "تفسير الثعلبي" 1/ 1085 وذكر أنه الأصح.

وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183، "تفسير الطبري" 1/ 455، "تفسير السمعاني" 1/ 575، "تفسير الرازي" 3/ 283.

(٩٢) في (ش): (فما).

(٩٣) رواه بمعناه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 188، ورواه الطبري بسنده عن مجاهد 1/ 454، وروى نحوه 1/ 453 عن قتادة، وكذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1080 وعزاه في "الدر" 1/ 194 لعبد بن حميد.

(٩٤) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 330، وقال: من زائدة لتأكيد استغراق الجنس، لأن أحداً من الألفاظ المستعملة للاستغراق في النفي العام فزيدت هنا لتأكيد ذلك.

(٩٥) قال العكبري في "التبيان" 1/ 81: وأحد هاهنا يجوز أن تكون المستعملة في العموم، كقولك ما بالدار من أحد، ويجوز أن تكون هاهنا بمعنى واحد أو إنسان قال في "البحر المحيط" 1/ 330: والأول أظهر.

(٩٦) نقلة في "تهذيب اللغة" 4/ 3846، (مادة: وحد).

(٩٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3844، "اللسان" 8/ 4780، (مادة: وحد).

(٩٨) في "تهذيب اللغة" 4/ 3844: ثعلب عن سلمة عن الفراء: رجل وَحيدٌ وَوَحَدٌ وَوَحِدٌ، وكذلك فريد وفَرَدٌ مادة (وحد).

(٩٩) هو: الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية بن ضباب، من الطبقة الأولى، من فحول شعراء الجاهلية، كان يحكم بين الشعراء في سوق عكاظ ويفاضل بينهم.

ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 56، و"جمهرة أشعار العرب" 1/ 303.

(١٠٠) في (م) و (أ): (الخليل).

(١٠١) صدر البيت: كأن رحلي وقد زال النهار بها والبيت، من قصيدة قالها يمدح النعمان بن المنذر، ينظر: "ديوانه" ص 17، "تهذيب اللغة" 4/ 3844 مادة (وحد).

(١٠٢) من "تهذيب اللغة" 4/ 3845، وعنه في "اللسان" 3/ 448، (مادة: وحد).

(١٠٣) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3847 - (مادة: وحد)، "مقاييس اللغة" 6/ 90، "اللسان" 8/ 4780 (مادة: وحد)، وقال صاحب "المفردات" ص21 - 22 ما حاصله: أحد يستعمل على ضربين: أحدهما في النفي فقط، نحو: ما في الدار أحد.

والثاني: في الإثبات، وهو على ثلاثة أوجه: الأول: في الواحد المضموم إلى العشرات، نحو أحد عشر.

والثاني: أن يستعمل مضافًا إليه بمعنى الأول، كقوله: ﴿ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا  ﴾ ، وقولهم: يوم الأحد، أي يوم الأول، ويوم الاثنين.

والثالث: أن يستعمل مطلقًا وصفًا، وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى: ﴿ قُل هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾ .

(١٠٤) في (م): (عند).

(١٠٥) قال في "مقاييس اللغة" 4/ 472: الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار.

(١٠٦) من "تهذيب اللغة" 3/ 2738، (مادة: فتن).

(١٠٧) في (ش): (جوعهم).

(١٠٨) بمعناه من "تهذيب اللغة" 3/ 2738، (مادة: فتن).

(١٠٩) في (ش): (كذلك).

(١١٠) ينظر: "الوسيط" 1/ 185.

(١١١) البيت لأعشى همدان، وقيل: لابن قيس الرقيات، كما في "اللسان" 6/ 3345، (مادة: فتن) وذكر أنه قيل في سعيد بن جبير، وقال الأصمعي: هذا سمعناه من مخنث، وليس بثبت، لأنه كان ينكر أفتن.

وينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن).

(١١٢) في (ش): (افتنته).

(١١٣) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن)، "اللسان" 6/ 3344.

(١١٤) ما تقدم من "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن).

(١١٥) نقله في "تهذيب اللغة" 3/ 2739، (مادة: فتن).

(١١٦) البيت في: "اللسان" 6/ 3345، (مادة: فتن)، ولم ينسبه، وروايته: أمسى فؤادي بها فاتنا.

(١١٧) في (م): (افتنته).

(١١٨) هو: النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم التميمي، تقدمت ترجمته.

(١١٩) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2740، ينظر في فتن: "المفردات" 374، "اللسان" 6/ 3345، "تاج العروس" 18/ 424 - 428.

(١٢٠) "تهذيب اللغة" 3/ 2739.

(١٢١) ينظر في إعرابها: "التبيان" ص 80، "البحر المحيط" 1/ 331، وقد لخص أبو حيان الكلام فيها بقوله: وتلخص في هذا العطف أنه عطف على محذوف، تقديره: فيأبون فيتعلمون، أو يعلمان فيتعلمون، أي: على مثبت، أو يتعلمون: خبر مبتدأ محذوف، أي: فهم يتعلمون عطف على جملة اسمية على فعلية، أو معطوف على يعلمون الناس أو معطوفًا على كفروا أو على يعلمان المنفية، لكونها موجبة في المعنى، فتلك أقوال ستة أقربها إلى اللفظ هذا القول الأخير.

(١٢٢) وهذا اختيار "الطبري" 1/ 462 واستحسنه الزجاج 1/ 185 لكنه جوّد ما بعده.

(١٢٣) ورد البيت هكذا: فكيف بليلة لا نوم فيها ...

ولا ضوء لصاحبها منير والبيت للفرزدق، ينظر: "ديوانه" ص 221.

(١٢٤) في "معاني القرآن" للزجاج: واستغنى.

(١٢٥) في "معاني القرآن" للزجاج: بما.

(١٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 185، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 81.

(١٢٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 64، وقد جود الوجه الأول، ورد عليه النحاس هذا الوجه في "إعراب القرآن" 1/ 204، فقال: غلط؛ لأنه لو كان كذا لوجب أن يكون فيتعلمون منهم، فقوله.

منهما، يمنع أن يكون التقدير: ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر فيتعلمون، إلا على قول من قال الشياطين هاروت وماروت.

(١٢٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 185، وقد أطال أبو علي في "الإغفال" ص 335 - 349 النفس في مناقشة كلام الزجاج.

(١٢٩) في (أ): فيتعلمون عن منهم عن الملكين، وفي (م): فيتعلمون عن منهم من الملكين.

(١٣٠) (لي) ساقطة من (م) (١٣١) في (م): (سمعت من).

(١٣٢) في (ش): (كذلك).

(١٣٣) ابن الأنباري.

(١٣٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3846 وقال سيبويه: هو معطوف على (كفروا)، قال: وارتفعت (فيتعلمون) لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلموا، ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره، نقله أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 331.

(١٣٥) يؤخذ: من التاخيذ، وآخذه: رقاه، والأُخْذَة: بضم فسكون: رقية تأخذ العين ونحوها كالسحر، أو خرزة يؤخذ بها النساء الرجال، ورجل مؤخذ عن النساء: محبوس، ينظر: "اللسان" (مادة: أخذ).

(١٣٦) رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 463، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 193، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1080 كلهم عن قتادة.

(١٣٧) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 332 وزاد قولًا ثالثًا: وقيل: على اليهود.

(١٣٨) أي: من زائدة.

ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 49، "تفسير القرطبي" 2/ 49، "البحر المحيط" 1/ 332.

(١٣٩) ليس في شيء من التفاسير المسندة، وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة.

(١٤٠) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 364، "ابن أبي حاتم" 1/ 193، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186، "تفسير القرطبي" 2/ 49.

(١٤١) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 464.

(١٤٢) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 464، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، وذكره في "البحر المحيط" 1/ 323 قولين آخرين أحدهما: أن المراد الشياطين، والثاني: أن المراد الملكين.

(١٤٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 465، ابن أبي حاتم 1/ 195، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086، "زاد المسير" 1/ 125، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 334 أربعة أقوال فيما يعود عليه الضمير، فقيل: السحر، وقيل: الكفر، وقيل: كتابهم الذي باعوه بالسحر، وقيل: القرآن لأنه تعوضوا عنه بكتب السحر.

(١٤٤) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 187، "الطبري" 1/ 465 - 466، "ابن أبي حاتم" 1/ 195، "البحر المحيط" 1/ 334، وذكروا خمسة أقوال هي: النصيب، والدين، والقوام، والخلاص، والقدر وقد فسره بالنصيب ابن عباس ومجاهد والسدي ورجحه الطبري والزجاج وغيرهما.

(١٤٥) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 466، "تفسير الثعلبي" 1/ 1086.

(١٤٦) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186، "زاد المسير" 1/ 125.

(١٤٧) ما سيأتي فىِ المسألة من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 362 وما بعدها.

وينظر في إعرابها "معاني القرآن" للفراء 1/ 65 - 69، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 186 - 187، "إعراب القرآن" للنحاس1/ 204، "إعراب مشكل القرآن" 1/ 106 - 107، "التبيان" للعكبري ص 81.

(١٤٨) "الكتاب" 1/ 531 - 532 ط.

بيروت.

(١٤٩) ساقط من (أ)، (م).

(١٥٠) الذي استشهد به أبو علي في "الإغفال" ص 366 ونقله عنه سيبويه هو قول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي.

(١٥١) البيت لعامر بن حوط، في تاج العروس، (مادة: عدم).

"المعجم المفصل" 7/ 163.

(١٥٢) "الكتاب" لسيبويه 3/ 501 ط.

عبد السلام هارون.

(١٥٣) المصدر السابق.

(١٥٤) من قوله: معنى (ضم الآخر) ساقط من (ش).

(١٥٥) في (ش): (وتالله).

(١٥٦) (على) ساقطة من (ش).

(١٥٧) في (ش) يدخل الاسم على شيء.

(١٥٨) هذه المسألة بتمامها ملخصة من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 362 - 368.

(١٥٩) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 466، "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، "تفسير ابن كثير" 1/ 154.

(١٦٠) في (ش): (وصفهم بالعلم ثم نفاه عنهم في قوله ...

وهذا سيأتي).

(١٦١) في (ش): (كذلك).

(١٦٢) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 467، "تفسير البغوي" 1/ 132، "التفسير الكبير" للرازي 3/ 222، "البحر المحيط" 1/ 334، وأجاب الطبري 1/ 466 بأنه من باب التقديم والتأخير، ومعنى الكلام: وما هم ضارون به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق، ثم رد على من قال: ولقد علموا، أي: الشياطين، ولو كانوا يعلمون، يعني به الناس، وبين أنه قول لجميع أهل التأويل مخالف، لأنهم مجمعون على أن قوله (ولقد علموا)، يعني به اليهود إلخ ما قال.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَكُلَّمَا ﴾ الواو للعطف، قال الأخفش: زائدة ﴿ نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ نزلت في مالك بن الصيف اليهودي وكان قد قال: والله ما أخذ علينا عهد أن نؤمن بمحمد رسول يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ كتاب الله ﴾ يعني القرآن أو التوراة؛ لما فيها من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم أو المتقدّمين ﴿ مَا تَتْلُواْ ﴾ هو من القراءة أو الأتباع ﴿ على مُلْكِ سليمان ﴾ أي في ملك أو عهد ملك سليمان ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ تبرئة له مما نسبوه إليه، وذلك أن سليمان عليه السلام دفن السحر ليذهبه فأخرجوه بعد موته، ونسبوه إليه، وقالت اليهود: إنما كان سليمان ساحراً، وقيل إنّ الشياطين استرقوا السمع وألقوه إلى الكهان، فجمع سليمان ما كتبوا من ذلك ودفنه، فلما مات قالوا: ذلك علم سليمان ﴿ وَمَا كَفَرَ سليمان ﴾ بتعليم السحر وبالعمل به أو بنسبته إلى سليمان عليه السلام ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ ﴾ نفي أو عطف على السحر عليهما، إلاّ أن ذلك يردّه آخر الآية، وإن كانت معطوفة بمعنى الذي فالمعنى؛ أنهما أنزل عليهما ضرب من السحر ابتلاءً من الله لعباده، أو ليعرف فيحذر، وقرئ الملكين بكسر اللام وق الحسن: هما علجان، فعلى هذا يتعين أن تكون ما غير نافية ﴿ بِبَابِلَ ﴾ موضع معروف ﴿ هاروت وماروت ﴾ اسمان علمان بدل من الملكين أو عطف بيان ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ أي محنة، وذلك تحذير من السحر ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ أي بتعليم السحر، ومن هنا أخذ مالك أن الساحر نقتل كفراً ﴿ يُفَرِّقُونَ ﴾ زوال العصمة أو المنع من الوطء ﴿ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ عَلِمُواْ ﴾ أي اليهود والشياطين: ﴿ لَمَنِ اشتراه ﴾ أي اشتغلوا به، وذكر الشراء، لأنهم كانو يعطون الأجرة عليه ﴿ مَا ﴾ هنا بمعنى باعوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولكن ﴾ خفيفاً ﴿ الشياطين ﴾ بالرفع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وكذلك قوله ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ ﴿ ولكن الله رمى ﴾ ﴿ الملكين ﴾ بكسر اللام ههنا وفي سورة الأعراف: قتيبة.

على أن المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل.

الوقوف: ﴿ علىملك سليمان ﴾ (ج) لأن الواو قد تصلح حالاً لبيان نزاهة سليمان وردّ ما افتروا عليه ﴿ السحر ﴾ (ط) قيل: على جعل "ما" نافية ولا يتضح لمناقضته ما في سياق الآية من إثبات السحر بل "ما" خبرية معطوفة على قوله ﴿ السحر ﴾ على أنها وإن كانت نافية يحتمل كون الواو حالاً على تقدير: يعلمون الناس السحر غير منزل فلا يفصل.

وفي الآية عشر "ماآت" إحداها كافة في ﴿ إنما ﴾ والأخيرة نكرة منصوبة في ﴿ لبئسما ﴾ والباقية خبرية ثم نافية ثم خبرية على التعاقب ﴿ وماروت ﴾ (ط) ﴿ فلا تكفر ﴾ (ط) ﴿ وزوجه ﴾ (ط) ﴿ بإذن الله ﴾ (ط) ﴿ ولا ينفعهم ﴾ (ط) ﴿ من خلاق ﴾ (ط) يجوز الوقف لابتداء اللام ﴿ أنفسهم ﴾ (ط) ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ خير ﴾ (ط) ﴿ يعلمون ﴾ (ه).

التفسير: من قبائح أفعالهم أنهم نبذوا كتاب الله وأقبلوا على السحر ودعوا الناس إليه، وهذا شأن اليهود الذين كانوا في زمن محمد  .

وقيل: إنهم الذين تقدموا من اليهود.

وقيل: إنهم الذين كانوا في زمن سليمان  من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ويعدّونه من جملة ملوك الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر.

والأولى أن يقال: اللفظ يتناول الكل.

قال السدي: لما جاءهم محمد  عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت.

ومعنى "تتلو" تقرأ، أو ﴿ على ملك سليمان ﴾ أي على عهده وفي زمانه.

وقيل: تلا عليه أي كذب.

فالقوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان.

وأما الشياطين فالأكثرون على أنهم شياطين الجن، وأنهم كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دوّنوها ويقرأونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمان سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم.

وقيل: إنهم شياطين الإنس لما روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله  بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم من بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إلا بهذه الأشياء.

وزيفوا قول الأكثرين بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخيفاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع، وهذا بخلاف ما يفعله الإنسان فإنه لا يكاد يخفى على بني نوعه.

واختلف في سبب إضافتهم السحر إلى سليمان فقيل: ليروج ذلك منهم.

وقيل: لأنهم ما كانوا مقرين بنبوته.

وقيل: لأنه لما خالط الجن وأظهر أسراراً عجيبة غلب على ظنونهم أنه استفاد ذلك من الجن.

وقوله ﴿ وما كفر سليمان ﴾ تنزيه له عما نسب القوم إليه من السحر المستلزم للكفر، فإن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً.

ثم بين أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال ﴿ ولكن الشياطين كفروا ﴾ ثم ذكر ما به كفروا فقد كان من الجائز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر فقال ﴿ يعلمون الناس السحر وما أنزل ﴾ أي ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين.

وهاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما ممتنعان من الصرف للعلمية والعجمة، وليسا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم، لأنهما لو كانا منهما لانصرفا.

وقيل: بدلان منهما.

ولنذكر ههنا حقيقة السحر وقصة هاروت وماروت.

أما السحر ففي اللغة عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه ومنه الساحر للعالم.

وسحره خدعه، والسحر الرئة، وفي الشرع: مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل من غير حقيقة ويجري مجرى التمويه والخداع.

ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله قال  ﴿ سحروا أعين الناس  ﴾ يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى.

وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد وهو السحر الحلال قال  "إن من البيان لسحراً" سمى  بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه ولطف عبارته، ويقدر على تحسين القبيح وتقبيح الحسن، يسخط تارة فيقول أسوأ ما يمكن، ويرضى تارة فيقول أحسن ما يعلم.

ثم السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهو قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله  إبراهيم  مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم مذاهبهم.

ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية بدليل أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعاً على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه.

وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام.

وحكي في الشفاء عن أرسطو أن الدجاجة إذا تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة في الصوت تنبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك.

وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية.

واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير طلب نفساني قليل الأثر.

ويحكى أن بعض الملوك عرض له فالج، فدخل عليه بعض الحذاق من الأطباء على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية وزالت تلك العلة المزمنة.

والإصابة بالعين مما اتفق عليه العقلاء، والتحقيق فيه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، كانت كأنها روح من الأرواح السماوية، وكانت قوية التأثير في مواد هذا العالم.

أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ألبتة إلا في هذا البدن.

فإذا أراد أن يتعدى تأثيرها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس فاشتغل الحس به وتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة بالكلية على ذلك، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ويعضده الانقطاع عن المألوف والمشتهيات وتقليل الغذاء والاعتزال عن الناس، ثم إن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر بحسب ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير.

وأما الرقى فإن كانت بألفاظ معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حسن البصر كما اشتغل بالأمور المناسبة للغرض، فحس السمع أيضاً يشتغل بها، فإن الحواس متى تطابقت متوجهة إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه أقوى وإن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة، ويحصل لها إذ ذاك انجذاب وانقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل، فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض.

وهكذا القول في الدخن قالوا: فثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل بالتأثير فإن انظم إليه الاستعانة بالقسم الأول وهو تأثيرات الكواكب قوي الأثر جداً، لا سيما إن حصل لهذه النفس مدد من النفوس المفارقة المشابهة لها أو من الأنوار الفائضة من النفوس الفلكية.

ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية وهو المسمى بالعزائم، وتسخير الجن ومنه التخييلات الآخذة بالعيون وتسمى الشعوذة.

وذلك أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً، والعنبة ترى في الماء كالزجاجة، ويرى العظيم من البعيد صغيراً.

وقد لا تقف القوة الباصرة على المحسوس وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً فيخلط البعض بالبعض ولا يتميز، فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم أديرت، فإن البصر يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان.

وأيضاً النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر، فلا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه لما أن قلبه مشغول بشيء آخر، وكذا الناظر في المرآة ربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستوٍ أم لا، فلا يرى شيئاً مما في المرآة.

فالمشعوذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استقر بهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة فيبقى ذلك العمل خفياً لتعاون الشيئين اشتغالهم بالأول وسرعة إتيانه بالثاني.

ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية، أو لضروب الخيلاء كفارسين يقتتلان فيقتل احدهما الآخر، ومنه الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، وقد يصورونها ضاحكة أو باكية.

وقد يفرق بين ضحك السرور وضحك الخجل، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال وهذا لا يعد من السحر عرفاً، لأن لها أسباباً معلومة يقينية.

ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، ومنها تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف القلب قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل في قلبه نوع من الرعب، وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء.

وإن من جرب الأمور وعرف أحوال الناس علم أن لتعليق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار.

ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع في الناس.

فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وعند المسلمين كلها مستندة إلى قدرة الله، فإنه لا يمنتع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة.

واتفقوا على أن العلم به ليس بقبيح ولا محظور، لأن العلم لذاته شريف ولعموم قوله  ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ولأن الفرق بينه وبين المعجز يمكن به إلا أن اجتنابه أقرب إلى السلامة كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية.

وأما أن الساحر هل يكفر أم لا فلا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور، فإنه يكون كافراً على الإطلاق، وهذا هو القسم الأول من السحر.

وأما النوع الثاني وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر على إيجاد الأجسام وإعدامها وتغيير البنية والشكل، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تفكيره، وأما أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله  عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل، فالمعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا: لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل، وزيف بأن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله  إظهار الخوارق على يده لئلا يحصل التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة فظهرت الخوارق على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس، فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة، وإن حصلت لم يتم فصوله الباطل كنار العرفج.

وأما سائر أنواع السحر فلا شك أنها ليست بكفر، وحكم من كفر بالسحر حكم المرتد.

وإذا سحر إنساناً فمات فإن قال: إني سحرته وسحري يقتل غالباً وجب عليه القود، وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل، فهو شبه عمد، وإن قال: سحرت غيره فوافق اسمه اسمه فخطأ.

وعن أبي حنيفة أنه قال: يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله "إني أترك السحر وأتوب منه" فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه.

وإن شهد شاهدان علي أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب، وإن أقر بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل.

وأما قصة هاروت وماروت فقد يروى عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ ثم وكل عليهم جمعاً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون وكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة، فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح.

ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة، فأراد الله أن يبتلي الملائكة فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علماً وزهداً وديانة لأنزلهم إلى الأرض فأختبرهم.

فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب.

فنزلا، فأمر الله  الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض، فجعلت الزهرة في صورة امرأة، والملك في صورة رجل.

ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إليها، ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا عليها وطلبا الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا الخمر فقالا: لا نشرب الخمر.

ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت: بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها.

قالا: وما هي؟

قالت: تسجدان لهذا الصنم.

فقالا: لا نشرك بالله شيئاً.

ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا: نفعل ثم نستغفر.

فسجدا للصنم.

ثم دخل سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا، فإن أردتما الوصول إليّ فاقتلا هذا الرجل.

فامتنعا منه، ثم اشتغلا بقتله.

فلما فرغا من القتل ارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه إنما أصابهما بسبب تعيير بني آدم.

وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض، وأنهما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا يعرجان به إلى السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم فعرجت إلى السماء فمسخها الله  وصيرها هذا الكوكب ثم إن الله  خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين الدنيا عاجلاً، فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع ليعلم السحر خاصة.

وهذه القصة عند المحققين غير مقبولة، فليس في كتاب الله ما يدل عليها، ولأن الدلائل الدالة على عصمة الملائكة تنافيها، ولاستبعاد كونهما معلمين للسحر حال العذاب، ولأن الفاجرة كيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وجعلها الله  كوكباً مضيئاً، ولأنه ذكر في القصة أن الله  قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا يا رب لما عصيناك وهذا منهم تكذيب الله وتجهيل.

فإذن السبب في إنزالهما أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبواباً غريبة من السحر وكانوا يدعون النبوة، فبعث الله هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكاذبين، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد.

وأيضاً تعريف حقيقة السحر ليميز بينه وبين المعجزة حسن، وكذا السحر لإيقاع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أوليائه.

ولعل للجن أنواعاً من السحر لا يقدر البشر على معارضتها إلا بإعانة الملك وإرشاده، ويجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث إنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم يمنعه من استعماله، كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب مزيد الثواب كما ابتلي قوم طالوت بالنهر ﴿ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ ويقال: هذه الواقعة كانت في زمان إدريس لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض، فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين لأن رسول الإنس ثبت أنه لا يكون إلا منهم.

قوله  ﴿ وما يعلمان ﴾ أي وما يعلم الملكان أحداً حتى ينهياه وينصحاه ويقولا له ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ ابتلاء واختبار من الله ﴿ فلا تكفر ﴾ بأن تتعلمه معتقداً له أنه حق أو متوصلاً به إلى شيء من المعاصي والأعراض العاجلة ﴿ فيتعلمون ﴾ الضمير لما دل عليه العموم في ﴿ من أحد ﴾ أي فيتعلم الناس من الملكين ﴿ ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته، وإما لأنه يفرّق بينهما بالتمويه والاحتيال كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله ﴿ وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله ﴾ بإدارته وقدرته، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئاً من أفعاله وإن شاء لم يحدث، وكان الذي يتعلمونه منهما لم يكن مقصوراً على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى وقرأ الأعمش ﴿ وما هم بضارين به من أحد ﴾ فجعل الجارّ جزءاً من المجرور وهو "أحد" وأضاف إلى المجموع وفصل بينهما بالظرف.

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم يستعملونه في وجوه المفاسد ﴿ ولقد علموا ﴾ علم هؤلاء اليهود اللام فيه للابتداء وكذا في ﴿ لمن اشتراه ﴾ استبدل ما تتلو الشياطين واختاره على كتاب الله ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ من نصيب كأنه قدر له هذا المقدار، وقيل: الخلاق الخلاص.

وقيل معنى الآية أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر للدنيا فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا ﴿ ولبئسما شروا به أنفسهم ﴾ أي باعوها والمخصوص محذوف وهو السحر أو منافع الدنيا، وجواب "لو" محذوف يدل على ما قبله أي لو كانوا يعلمون لعلموا قبح ما شروا.

ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً كما تقدم من الترجي في ﴿ لعلكم تتقون ﴾ وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب.

بقي ههنا سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله ﴿ ولقد علموا ﴾ على سبيل التوكيد بالقسم إجمالاً ثم نفاه عنهم في قوله ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ ؟

فإن "لو" لامتناع الثاني لامتناع الأول، وكذا لو كان للتمني فإن التمني استدعاء أمر هو كالممتنع.

والجواب أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والذين لا يعلمون هم الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر.

سلمنا أن القوم واحد، ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر، علموا أنه لا خلاق لهم في الآخرة، وجهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارّها وعقوباتها، سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد، ولكنهم نسبوا إلى الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم ولم ينتفعوا به كما قيل: إنهم صم بكم عمي حيث لم ينتفعوا بالحواس.

ولما أوعدهم بقوله ﴿ ولقد علموا ﴾ أتبع ذلك الوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب ليكون أدعى إلى الطاعة وأنهى عن المعصية فقال ﴿ ولو أنهم آمنوا ﴾ بعين ما نبذوه من كتاب الله وهو القرآن أو التوراة التي يصدقها القرآن أو كلاهما، واتقوا فعل المنهيات وترك المأمورات، أو اتقوا الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين ﴿ لمثوبة من عند الله ﴾ لشيء من ثوابه ﴿ خير ﴾ ولا بد من تقدير فعل يكون "أن" مع ما بعده فاعلاً له، أي لو ثبت أنهم آمنوا، وجواب "لو" محذوف أيضاً ويدل عليه هذه الجملة الاسمية المصدرة باللام أي لأثيبوا وإنما تركت الفعلية إلى هذه ليدل على ثبات المثوبة واستقرارها.

ويجوز أن يكون القسم مقدراً وقوله ﴿ لمثوبة ﴾ جوابه ساداً مسد جواب الشرط مغنياً عنه، ودخول اللام الموطئة في الشرط غير واجب في القسم المقدر وإن كان هو الأكثر، على أن دخول اللام الموطئة "لو" مستثقل فيشبه أن يكون الأكثر بل الواجب ههنا عدم الدخول.

ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل: وليتهم آمنوا.

ثم ابتدئ ﴿ لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ﴾ أن ثواب الله خير مما هم فيه لآمنوا واتقوا، وقد علموا لكنه جهلهم لترك العلم بالعلم.

ويجوز أن يكون "لو" بمعنى التمني كما تقرر والله  أعلم.

التأويل: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ النفوس ﴿ على ملك سليمان ﴾ الروح الذي هو خليفة الله في أرضه ﴿ وما كفر سليمان ﴾ الروح ﴿ ولكن الشياطين ﴾ النفس والهوى ﴿ كفروا يعلمون الناس السحر ﴾ من تخييلات الهواجس وتمويهات الوساوس ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ فتنة وخذلاناً من العلوم الضارة غير النافعة كشبهات الفلاسفة والمبتدعة على ملكي الروح والقلب ﴿ ببابل ﴾ الجسد ﴿ هاروت ﴾ الروح ﴿ وماروت ﴾ القلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى الأرض العالم الجسماني بالخلافة لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا واتبعا خداعها فوقعا في شبكة الشهوة التي تركت فيها ابتلاء وامتحاناً، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل، وزنيا ببغي الدنيا الدنية، وعبدا صنم الهوى فعذبا منكسين برؤوسهما بالالتفات إلى السفليات وإعراضهما عن العلويات، فحرما استماع خطاب الحق وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية، ومع هذا من خصوصية الملائكة الروحانية ما يعلمان أحداً من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

والقوى البشرية حتى يلهماها ﴿ إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ﴾ القلب ﴿ وزوجه ﴾ دينه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

بيَّن فيها الحلالَ والحرام، وما يُؤْتى وما يُتَّقى، وما يُنْهى وما يُؤْمر.

ويحتمل: الآيات التي أنزلها عليه ليُنْصر بها على المعاندين له، والمكابرين، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

يقول: كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم.

يحتمل: العهودَ التي أُخذت عليهم - في التوراة - أَن يؤمنوا بمحمد  ، ولا يكفروا به بعد الإيمان.

أَو أَخذ عليهم: ألا يكتموا نعته، وصفته، الذي في التوراة لأَحد، فنبذوا ذلك، ونقضوا تلك المواثيق والعهود التي أخذت عليهم.

ثم في الآية دلالة جعل القرآن حجة؛ لأنه قال: ﴿ نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ ، ولو كان في كتبهم ما ادعوا من الحجة والاتباع لأَتوا به معارضاً؛ لدفع ما احتج به عليهم؛ فثبت أَنهم كانوا كذبة في دعاويهم؛ حيث امتنعوا عن معارضته.

وقوله: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ ﴾ .

أي: وما يكفر بتلك الآيات إلا الفاسقون.

وقوله: ﴿ وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني محمداً  .

﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

أي: نَعْتُه الذي كان في التوراة موافق لمحمد  .

وقيل: لما جاءَهم محمد  عارضوه بالتوراة؛ فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن، وأَخذوا بكتاب السحر الذي كتبه الشياطين.

ويحتمل: أَن محمداً  لما جاءَهم كان موافقاً لما مضى من الرسل، غير مخالف لهم؛ لأَن الرسل كلهم آمنوا به، وصدق بعضهم بعضاً.

وقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ .

يحتمل: كتاب الله: التوراة، على ما ذكرنا.

ويحتمل: كتاب الله، القرآن العظيم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: يعلمون، ولكن تركوا العمل به، والإيمان بما معهم؛ كأَنهم لا يعلمون؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم خرج فعلهم فعل من لا يعلم.

أَخبر: أَنهم نبذوا نبذ من لا يعلم، لا أَنهم لم يعلموا، ولكن نبذوه، سفهاً، وتعنتاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ ﴾ .

قيل: تتلو: ما كتبت الشياطين من السحر.

وقيل: تتلو؛ من التلاوة.

وقيل: ما تتلو: ما يروى الشياطينُ من السحر.

وهو قول ابن عباس -  ما - وهو يرجع إلى واحد.

والآية في موضع الاحتجاج على اليهود؛ لأَنهم ادعوا: أَن الذي هم عليه أُخِذَ عن سليمان  ، فإن كان كفراً فقد كفر سليمان.

فأَخبر الله - عز وجل - نبيَّه  : أَن سليمان ما كفر، ولكن الشياطين كفروا بما علَّموا الناس من السحر.

ويحتمل: لكن أَتْباع الشياطين كفروا باعتقادهم السحر، وعملهم به بتعليم الشياطين، فنسب ذلك إلى الشياطين بما بهم كفروا، كما نسبت عبادة الأصنام إلى الشياطين بما بهم عبدوا، والله أعلم.

وروي عن ابن عباس -  ما - قال: كان آصفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأَعظم، وكان يكتب كل شيء بأَمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه؛ فلما مات سليمان أَخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً، وكفراً، وكذباً؛ فقالوا: هذا الذي كان يعمل به سليمان؛ فأَكفرَه جهالُ الناس وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالُهم يسبونَه؛ حتى أَنزل الله - عز وجل - على محمد  : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: إن الشياطين ابتدعت كتاباً من السحر والأَمر العظيم، ثم أَفشته في الناس وعلمته إياهم؛ فلما سمع بذلك سليمان تتبع تلك الكتبَ، فدفنها تحت كرسيه كراهية أَن يتعلمها الناس.

فلما قُبض نبيُّ الله سليمان -  - عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها، وعلموها الناس، وأَخبروهم أَنه علم كان سليمان يكتمه، ويستأثره؛ فَعَذر الله نبيَّه سليمان، وبرأَه من ذلك على لسان نبينا محمد  بقوله  : ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ...

﴾ الآية.

وقيل أيضاً: لما مات سليمان -  - وقع في الناس أوصابٌ وأَوجاعٌ؛ فقال الناس: لو كان سليمان -  - حيّاً لكان عنده من هذا فرج، فظهرت الشياطينُ لهم فقالوا: نحن ندلكم على ما كان يعمل به سليمان -  - فكتبوا كتباً، فجعلوها في البيوت، فاستخرجوا الكتب التي كتبت لهم الشياطينُ من السحر، فقالوا: هذا ما كان يعمل به سليمان.

فأَنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ...

﴾ الآية.

فلا ندري كيف كانت القصة، غير أن اليهود تركت كتب الأَنبياءِ والرسل، واتبعوا كتب الشياطين وما دعوهم إليه من السحر والكفر، وبالله التوفيق.

وفيه دلالةُ رسالة محمد  ؛ بما أَخبرهم عن قصتهم - على ما كان - فدل أَنه كان عرف ذلك بالله عز وجل.

وفي ذلك أَن قد نسب إلى سليمان ما برأَه الله عنه من غير أَن يُبَيِّن ماهيَّته.

ذكره الله عز وجل لوجهين: دلالة لرسوله، وتكذيباً للذين نَحَلوه بما هو كفر.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ﴾ .

أي: في ملكه؛ إذ كان ذلك الوقت هو وقت ظهورهم، ثم سخَّرهم الله لسليمان، فأَمكن ذلك منهم.

أَلقاهُ على أَلسن المعاندين لسليمان في السِّر؛ فَروَوْه عنه بعد الوفاة؛ فكذبهم الله - عز وجل - وبرأَ نبيَّه -  - عن ذلك، وبين كيف كان بَدْؤُه.

فإِنما بينها للخلق؛ لئلا يتبعوا في الرواية كلَّ من لقي النبي؛ إذ قد يكون من أَمثالهم: اختراعُ الرواية، وإِلزامُ السامعين الأُمورَ المعتادة من الرسل، ورد ما لا يوافق ذلك من الرواية؛ ولذلك أَبطل أصحابُنا خبر الخاصِّ فيما يُبلى به العام.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ .

قيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ ﴾ على النفي، والجحد، معطوفاً على قوله: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ ﴾ .

وقيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ﴾ : والذي أُنزل على الملكين بِبَابل.

وقيل: سميت بابل لما تبلبلت به الأَلسن، يعني: اختلفت؛ فلا يعلم ذلك إلا بالسمع.

ثم اختُلِفَ في "هاروت" و"ماروت": فقال الحسن: لم يكونا ملكين، ولكنهما كانا رجلين فاسقين متمردين؛ وذلك أَن الله - عز وجل - وصف ملائكته بالطاعة له والائتمار بأَمره، بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6]، وكقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وكذلك يقول الحسن في إبليس: إنه لم يكن من الملائكة.

وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.

ثم عارض نفسه بقولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ .

فقال: إن المُخبِرَ بمثله إِذا عرف ولوع السامع به، وبما يعرض مثله - على العلم منه: أَنه يفعل، ولا يرتدع عن ذلك - يقول ذلك له؛ ترغيباً منه، والله أعلم.

ومنهم من يقول: كانا ملكين، لكنهما علما الاسمَ والأَعظم، فيقضيان به الحوائج إلى أَن حل بهما ما حل.

وبهذا يحتج في بَلْعَم بقوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ...

﴾ الآية [الأعراف: 175].

ثم اختلف بعد هذا على أَوجه: قال بعضهم: لم يكن ذلك منهما سحراً، بل هو تعويذ الفرقة يقدر عليه.

وقال قائلون: إن ما أُنزل على الملكين أُنزل كلاماً حسناً صواباً، لكنه خلط بالذي لقنهم الشيطان؛ فصار سحراً.

وقال آخرون: بلى.

كان هو في نفسه سحراً، يعلمان الناس ذلك، لكنه لا يُنهى عن تعليمه، ولا يكفر الذي تعلم.

إنما ينهى عن الاعتقاد له، فكان كالكفر الذي يعلم، لا يُنهى عن ذلك؛ لأَنه ما لم يعلم لم نعلم قبحهُ وفساده، ولكن إنما يُنهى عن الاعتقاد له؛ فكان كالكفر الذي في تعلمه، والله أعلم.

ثم نقول: إن قولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ على الاختيار منهما، وكلمة السحر جار عليهما في اللسان، من غير صنع لهما فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: إلا بعلم الله وقضائه.

وقيل: بخذلانه وتخليه.

وقيل: بمشيئة الله وإرادته.

وأَما ظاهر الإذن فهو يخرج على الإباحة؛ فالعقل يدفعه.

وقيل: إنه لا يصل إلى هاروت وماروت أَحد من بني آدم، وإنما يختلف بينهم شيطان في كل مسألة، والله أعلم.

ثم السحر يكون على وجهين.

سحر يكفر به صاحبه؛ فإن كان ذلك منه بعد الإسلام، يُقْتل به صاحبُه؛ لأَنه ارتداد منه.

وسحرُ لا يكفر به صاحبه؛ فلا يقتل به، إلا أَن يسعى في الأَرض بالفساد: من قتل الناس، وأَخذ الأَموال.

فهو كقاطع الطريق، يُحكم بحكمهم من القتل وسائر العقوبات، وإذا تاب قُبِلت توبتُه.

أَلاَ ترى أَن سحرةَ فرعون لما رأَوا الآيات آمنوا بالله -  - وتابوا توبة لا يطمع في مثل تلك التوبة من المسلم الذي نشأَ على الإسلام، حيث أَوعدهم فرعون بقطع الأَيدي والأَرجل، والصلب، وأَنواع العذاب، فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ  ﴾ .

وذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - في الساحرة: أَنها لا تقتل مرةً، وذكر عنه مرةً: أنها تقتل.

وقال في الساحر بالقولين.

فأَما ما روي عنه فيه بالقتل بعمل السحر، فهو على ما ذكرنا من قتله الناس بالسحر؛ فهو كالساعي في الأَرض بالفساد، لا بِعَيْن السحر.

أَو كفر بسحره بعد الإسلام؛ فيقتل كالمرتد عن الإسلام.

وما ذكر عنه: أَنه لا يُقْتل؛ فهو إذا لم يكن سحره سحرَ كفرٍ، ولا يسعى بالقتل في الأَرض لم يقتل به.

ثم قوله - في الساعي في الأَرض بالفساد: إنه إذا تاب قبل أن يُقدر عليه، سقط عنه القتل؛ فكذا الساحر.

وأما الذي هو لأجل الكفر يلزم القتل قبل التوبة، بعد القدرة عليه.

وعلى هذا يخرج قوله في الساحرة أيضاً.

ففيما قال: إنها لا تقتل؛ لما كان سحرها سحر كفر، والنساءُ لا يُقتلن للكفر.

وفيما قال: يقتلن؛ فلأَنهن يقتلن للسعي في الأَرض بالفساد كالرجل، والله أعلم.

وقال بعض الناس: لا تقبل توبة الساحر.

وهو غلط.

وأَحقُّ من يقبل توبتُه الساحرُ؛ إذ هو أَبلغ في تمييز ما هو حجة مما لا حجة.

وهذا هو الأَصل: أَن المُدَّعِيَ لشيء - على عهد الأَنبياءِ - إذا استقبلهم بمثله الأَنبياء - عليهم السلام - فهو أَحق من يلزمهم الإيمان به؛ لعلمهم بالحق منه.

والعوَامُّ منهم لا يعرفون إلا ظاهر ما يلزمهم، من تصديق الحجج، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ﴾ - من الدنيا - ﴿ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ في آخرتهم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ ﴾ .

يعني: اليهود في التوراة.

وقوله: ﴿ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ .

يعني: اختاره للسحر.

وقيل: يتعلمون ما يضرهم في آخرتهم، ولا ينفعهم إن علموه.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ يقول: لقد علمت اليهود أَن في التوراة آية لمن اختار السحر.

وقوله: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ ﴾ .

يقول: نصيب في الثواب.

وقيل: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أَي: ما له عند الله وجه.

وقوله: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: بئس ما باعوا به أنفسهم، يعني: اليهود الذين يعلِّمون الفرقة والسحر.

وقيل: ﴿ مَا شَرَوْاْ بِهِ ﴾ يقول: ما باعوا به أَنفسهم من السحر والكفر.

يعني: من لا يقرأَ التوراة.

أَو يعني: أن لو كانوا يعلمون ما باعوا به أنفسهم، ولكنهم لا يعلمون.

أي: لو علموا أنهم بم باعوا أَنفسهم من العذاب الدائم، لعلموا أنهم بئس ما باعوا به.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ ﴾ .

بتوحيد الله.

﴿ وٱتَّقَوْا ﴾ .

الشركَ، والسحر.

﴿ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ ﴾ .

يقول: لكان ثوابهم عند الله خيراً من السحر والكفر.

﴿ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ولكنهم لا يعلمون علم الانتفاع به، وهو كقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ ليسوا بصم ولا بكم ولا عمي في الحقيقة، ولكنهم صم من حيث لا ينتفعون به؛ إذ الحاجة من العلم، والبصر، والسمع الانتفاعُ به، فإذا ذهبت المنافع بهما فكان كمن لا علم معه ولا بصر له ولا سمع؛ حيث لا ينتفع، ولا يعمل به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما تركوا دين الله اتبعوا بدلًا عنه ما تَتَقَوَّلُهُ الشياطين كذبًا على مُلك نبي الله سليمان  ، حيث زعمت أنَّه ثَبّت ملكه بالسحر، وما كفر سليمان بتعاطي السحر -كما زعمت اليهود- ولكن الشياطين كفروا حيث كانوا يعلمون الناس السحر، ويعلمونهم السحر الَّذي أُنزل على الملَكين: هاروت وماروت، بمدينة بابل بالعراق، امتحانًا وابتلاء للناس، وما كان هذان الملكان يُعَلِّمان أيّ أحد السحر حتَّى يحذّراه ويبيِّنا له بقولهما: إنما نحن ابتلاء وامتحان للناس فلا تكفر بتعلمك السحر، فمن لم يقبل نصحهما تعلَّم منهما السحر، ومنه نوع يفرق بين الرجل وزوجته، بزرع البغضاء بينهما، وما يضر أولئك السحرة أيَّ أحد إلا بإذن الله ومشيئته، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولقد علم أولئك اليهود أن من استبدل السحر بكتاب الله ما له في الآخرة من حظ ولا نصيب، ولبئس ما باعوا به أنفسهم حيث استبدلوا السحر بوحي الله وشرعه، ولو كانوا يعلمون ما ينفعهم ما أقدموا على هذا العمل المَشِين والضلال المبين.

<div class="verse-tafsir" id="91.DAegB"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ  ﴾ تقدم معناه في تفسير الآية ٤١ والآية ٨٩ وقوله ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ بيان لحال جديدة من أحوال أهل الكتاب يصح أن تكون علة لجميع ما صدر عنهم من الشناعات في معاداة النبي  ومجاحدته، وهي أن فريقًا منهم قد نبذوا كتاب الله الذي يفاخرون به ويحتجون بأنهم اكتفوا بالهداية به، وأنه لا حاجة لهم بسواه.

نبذوه أن جاءهم رسول مصدق له بحاله وصفاته، لأن البشارات التي فيه بالنبي الذي يجئ من آل إسماعيل لا تنطبق إلا على هذا الرسول، ومصدق له بمقاله باعترافه بنبوة موسى  وصدقه فيما جاء به من الهدى والشريعة، وتوبيخه اليهود على تحريف بعضها ونسيان بعض وترك العمل بما بقي لهم منها.

وليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله، وإنما المراد أنهم طرحوا جزءًا منه وهو ما يبشر بالنبي  ويبين صفاته ويأمرهم بالإيمان به واتباعه، أي فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره بمن يلقي الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكره.

وترك الجزء منه كتركه كله لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ويجرئ على ترك الباقي ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا  ﴾ ..

ولا فرق في هذا الحكم بين اليهود والنصارى فكل منها مبشَّر بالنبي  في كتابه، وكل منها قد نبذ الكتاب فلم يعمل به.

ولم يضر النبي  هذا الجحود من الفريق الجاحد لأن دعوته قد قبلها الآخرون واهتدى بها من لا يحصى من الأمتين ومن سائر الأمم، وإنما يضر الجاحدين لأنهم تركوا كتابهم الذي يزعمون أنه المنجي والمخلص لهم وحرموا من هداية خاتم النبيين، التي هي أكمل هداية أنعم الله بها على العالمين.

قال تعالى بعدما ذكر نبذهم الكتاب ﴿ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي نبذوه نبذ من لا يعلم أنه كتاب الله، يريد أنهم بالغوا في تركه وإهماله، ومن ترك شيئًا من أمر الله وهو يعلم أنه أمره ولكن طاف به طائف من الشيطان فغلب على أمره فإنه لا يلبث أن يعود، ولكن هذا الفريق النابذ لكتاب الله تعالى من حيث هو مبشِّر بالنبي وآمر باتباعه يتمادى بهم الزمان ولا يتوبون ولا يرجعون، وما أحسن التعبير عن ذلك بنفي الحال والاستقبال دون نفي الماضي.

ثم ذكر تعالى أن أولئك الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم مجاحدة للنبي  وحسدًا له قد تبدلوا الكفر بالإيمان واشتروا الضلالة بالهدى ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ  ﴾ من الإنس في قصصها وأساطيرها، أو من الجن في وسوستها أو منهما جميعًا، على حد قوله تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ  ﴾ أي ما كانت تتلو على عهده وفي أيام ملكه إذ زعموا أن ملكه قام على أساس السحر والطلسمات، وأنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام مرضاة لنسائه الوثنيات ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ  ﴾ وما سحر ﴿ وَلَكِنَّ  ﴾ أولئك ﴿ الشَّيَاطِينَ  ﴾ الذين يسندون إليه ما انتحلوه من السحر، وما تلبسوا به من الكفر، هم الذين ﴿ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ ليفتنوا به العامة ويضلونهم عن طلب الأشياء من أسبابها الظاهرة ومناهجها المشروعة.

بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح.

وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله ﴿ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ  ﴾ وكقوله ﴿ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ  ﴾ وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرًا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية.

ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء، ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئي.

جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن وأكثره في قصة موسى وفرعون وذكر هنا في الكلام عن اليهود.

وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفي، وقالوا سحره وسحَّره بمعنى خدعه وعلله، وقالوا عين ساحرة وعيون سواحر، وفي الحديث الصحيح "إن من البيان لسحرًا" والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة والرئة في الباطن فيا لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدي إليه غير أهله فهو باطن خفي، ومنه الخداع وهو أن يظهر لك شيئًا غير الواقع في نفس الأمر، فالواقع باطن خفي، وتأثير العيون في عشاق الحسان، والكلام البليغ في عشاق البيان، مما يخفى مسلكه ويدق سببه، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره.

وقد وصف الله السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس بكائن كائنًا فقال ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى  ﴾ والكلام في حبال السحرة وعصيهم وفي آية أخرى ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ  ﴾ وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم، والتاريخ يشهد بهذا، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم كما يؤخذ من قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ  ﴾ ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرًا لخفاء سببه، و لطف مأخذه، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة .

وقد قال المؤرخون إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى.

وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام مبهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي.

ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة، وسببه اعتقاد الواهم أن الشياطين يستجيبون لقارئه ويطيعون أمره، ومنهم من يعتقد أن فيه خاصية التأثير، وليس فيه خاصية وإنما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته.

وهذا هو السبب في اعتقاد الدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب.

وقد اختلف المتكلمون والمفسرون والفقهاء في حقيقة السحر وفي أحكامه وعده بعضهم من خوارق العادات، وفرقوا بينه وبين المعجزة، ولم يذكروا في فروقهم أن السحر يتلقى بالتعليم ويتكرر بالعمل فهو أمر عادي قطعًا بخلاف المعجزة.

وفي قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ وجهان: (أحدهما): أنه متصل بقوله ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا  ﴾ أي أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر.

(وثانيهما): وهو الأظهر، أنه متصل بالكلام عن اليهود، وأن الكلام في الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم.

وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورًا في زمن التنزيل، ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم.

أي إن فريقًا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.

وههنا يقول القائل بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟

فأجاب على طريق الاستئناف البياني ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ إلخ، ونفي الكفر عن سليمان وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض فعلم أيضًا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية أيضًا.

وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعليم السحر لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ويضرون بها الناس خداعًا وتمويهًا وتلبيسًا.

ثم قال ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ  ﴾ فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصة كانوا يتحدثون بها، كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو؟

أشعوذة وتخييل، أم خواص طبيعية، وتأثيرات نفسية؟

وهذا ضرب من الإعجاز في الإيجاز انفرد به القرآن.

يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات لأجل الاعتبار به فينظمه في أسلوب يمكن لكل أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده لذلك الشيء في تفصيله.

ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى وبأساليب لا يستطيع أن ينكرها من يدعي أن السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك مما ذكرناه، ولا يستطيع أن يردها من يدعي أنه من خوارق العادات.

والحكمة في ذلك أن الله  قد وكل معرفة هذه الحقائق الكونية إلى بحث الإنسان واشتغاله بالعلم لأنه من الأمور الكسبية، ولو بين مسائلها بالنص القاطع لجاءت مخالفة لعلم الناس واختبارهم في كل جيل لم يرتق العلم فيه إلى أعلى درجة، ولكانت تلك المخالفة من أسباب الشك أو التكذيب فإننا نرى من الناس من يطعن في كتب الوحي لتفسير بعض تلك الأمور المجملة بما يتراءى لهم وإن لم تكن نصًا ولا ظاهرًا فيه، ويزعمون أن كتاب الدين جاء مخالفًا للعلم وإن كان ذلك الذي يطلقون عليه اسم العلم ظنيًا أو فرضيًا.

في ﴿ الْمَلَكَيْنِ  ﴾ قراءتان: فتح اللام وكسرها فالأولى قراءة الجمهور والثانية قراءة ابن عباس والحسن وأبي الأسود والضحاك.

وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر ويؤيده ما قيل إن المراد بهما داود وسليمان عليهما السلام.

وقيل بل هما رجلان صاحبا وقار وسمت فشبها بالملائكة، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الإجلال فشبها بالملوك، وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة يقولون: هذا ملَك وليس بإنسان: كما يقولون فيمن كان سيدًا عزيزًا يظهر الغنى عن الناس من حيث يحتاجون إليه: هذا سلطان زمانه: جلت حكمة الله في خلقه فقد قَدَّ هؤلاء الآدميين من أديم واحد، كان الناس على عهد"هاروت"و"ماروت"-اللذين كان يتحدث بخبرهما ولا يحدد تاريخهما- على مثالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الأهلية من الجهة الروحانية إلا إلى أهل السمت والوقار اللابسين لباس أهل التقوى والصلاح، هذا ما نشاهدهم عليه في زماننا وهذا ما حكى الله تعالى عنهم في الزمن القديم، ولعل الله تعالى سماهم ملكين (بفتح اللام) حكاية لاعتقاد الناس فيهما، أو على سبيل المجاز كما قال بعض المفسرين.

قال تعالى في اليهود ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ  ﴾ والظاهر هو العطف أن ما أنزل عليهما هو غير السحر ضم إليه لأنه من جنسه في كون تعليمه سيئة مذمومة أو هو لتغاير الاعتبار أو النوع.

وليس معنى الإنزال عليهما أنه وحي من الله كوحيه للأنبياء فيشكل عده من الشر والباطل الذي يذم تعلمه، فإن كلمة أنزل تستعمل في مواضع لا صلة بينها وبين وحي الأنبياء قالوا: أنزلت حاجتي على كريم، وأنزل لي عن هذه الأبيات: ويقال: قد أنزل الصبر على قلب فلان: وقال تعالى ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ  ﴾ وقال ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ولعل التعبير عما أوتياه من العلم بالإنزال لأنه لم يكن يعرف له مأخذ غيرهما يراد أنهما ألهماه إلهامًا واهتديا إليه من غير أستاذ ولا معلم.

ويصح أن يسمى مثل هذا وحيًا لخفاء منبعه وليس الوحي وإلهام الخواطر خاصًا في عرف اللغة ولا عرف القرآن بالأنبياء ولا بما يكون موضوعه خيرًا أو حقًا فقد قال تعالى ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ  ﴾ وقال ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ  ﴾ وقال ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ وقال الشاعر: رأس الغواية في العقل السقيم فما فيه فأكثره وحي الشياطين وذكر ابن جرير الطبري وجهًا آخر في تفسير ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ  ﴾ ونقله كثير من المفسرين وهو أن ﴿ وَمَا  ﴾ نافية أي أن اليهود يعلمون الناس السحر ويرتقون بسنده إلى الملكين ببابل وما أنزل السحر على الملكين فكيف كانوا يعلمونه بني إسرائيل؟.

وقد ضعفوه بأن الثابت في الواقع أن بني إسرائيل كانوا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين.

ثم قال ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ  ﴾ أي أن ما عندنا هو أمر يبتلي به الله الناس ويختبرهم فلا تتعلم ما هو كفر.

فإن أصر علَّماه.

قال تعالى ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ  ﴾ صيغة المضارع في هذه الجملة وما قبلها لتصوير ما كان كأنه كائن فالكلام تصوير للقصة لا حكم بمضمونها أي أنهم كانوا يتعلمون منهم ما وضع لأجل التفريق بين الزوجين وهو نحو ما يسميه الدجاجلة الآن "كتاب البغضة".

وليس في العبارة ما يدل على أن ما يتعلمونه لهذا الغرض هو مؤثر فيه بطبعه أو بسبب خفي أو بخارقة لا تعقل لها علة ولا أنه غير مؤثر، وليس فيها بيان لما يتعلمونه هل هو كتابة تمائم، أو تلاوة رقي وعزائم، أو أساليب سعاية، أو دسائس تنفير ونكاية، أو تأثير نفساني، أو وسواس شيطاني، وأي شيء من ذلك ثبت علمًا كان تفصيلًا لما أجمله القرآن في الواقع.

ولا يجوز لنا أن نتحكم بتفصيل ما أجمله القرآن فنحمله على أحد ما ذكر أو على غيره.

ولو علم الله أن الخير لنا في بيان ذلك لبينه كما قلنا في مثله مرار.

لم يبين القرآن ذلك الإجمال ولا حقيقة ذلك العلم لأنه موكول إلى بحث البشر وارتقائهم في العلم كما تقدم، ولكنه لم يهمل ما يتعلق بالعقائد وبيان الحق فيها ولذلك قال بعد حكاية السحر عنهم ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي أنهم ليس لهم قوة غيبية وراء الأسباب التي ربط الله بها المسببات فهم يفعلون بها ما يوهمون الناس أنه فوق استعداد البشر، وفوق ما منحوا من القوى والقدر، فإذا اتفق أن أصيب أحد بضرر من أعمالهم فإنما ذلك بإذن الله أي بسبب من الأسباب التي جرت العادة بأن تحصل المسببات من ضـر ونفع عند حصولها بإذن الله تعالى.

وهذا الحكم التوحيدي هو المقصد الأول من مقاصد الدين، فالقرآن لا يترك بيانه عند الحاجة، بل عند كل مناسبة، وربما ترد في القرآن قصة مثل هذه القصة لأجل بيان الحق في مسألة اعتقادية كهذه المسألة لأن إيراد الأحكام في سياق الوقائع أوقع في النفس وأعصى على التأويل والتحريف.

ثم قال بعد نفي القوة التي وراء الأسباب عنهم ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ  ﴾ يضرهم لأنه سبب في الإضرار بالناس وهو محرم يعاقب الله تعالى عليه في الأخرة ومن عرف بإيذاء الناس يمقته الناس ويكونون عليه.

ولما كان بعض الضار من جهة نافعًا من جهة أخرى وربما كانت منفعته أكبر من إثمه نفى المنفعة بعد إثبات المضرة، فهذا النفي واجب في قانون البلاغة لا بد منه.

وقد صدق الله تعالى، فإننا نرى منتحلي السحر وما في معناه أفقر الناس وأحقرهم، ولو عقل السفهاء الذين يختلفون إليهم يلتمسون المنافع لأنفسهم والإيقاع بأعدائهم لعلموا أن الشقي في نفسه لا يمكن أن يهب السعادة لغيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

هذه حالهم في الدنيا فكيف يكونون في الآخرة يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟

لا جرم أنها تكون حالًا سوءى، واليهود يعلمون ذلك كما قال ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ  ﴾ أي أنهم يعلمون أن من اختار هذا واستبدله بما آتاه الله من أصول الدين الحق وأحكام الشريعة العادلة الموصلين إلى سعادة الدنيا والآخرة فليس له نصيب في نعيم الآخرة، وذلك أن التوراة قد حظرت تعليم السحر وجعلته كعبادة الأوثان وشددت العقوبة على فاعله وعلى أتباع الجن والشياطين والكهان، ولا ينافي هذا العلم قوله ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ فإن العلم علمان: علم تفصيلي متمكن من النفس متسلط على إرادتها يحركها إلى العمل، وعلم إجمالي خيالي يلوح في الذهن مبهمًا عندما يعرض ما يذكر به ككتاب وإلقاء سؤال، وهو يقبل التحريف والتأويل، وليس له منفذ إلى الإرادة ولا سبيل، فقد كانوا يستحلون أكل السحت كالرشوة والربا بالتأويل كما يفعل غيرهم اليوم وقبل اليوم.

ولو كانوا يعلمون حرمة ما ذكر علمًا تفصيليًا يستغرق جميع جزئيات المحرم ويفقهون علة التحريم وسره ويصدقون بما توعد الله مرتكبه من العقوبة في الآخرة تصديقًا جازمًا ويتذكرونه وقت العمل بما للعقيدة من السلطان على الإرادة لما ارتكبوا ما ارتكبوه مع الإصرار عليه، ولكنهم فقدوا هذا النوع من العلم ولم يغن عنهم تصور أن السحر والخداع كلاهما حرام كالربا والرشوة لأن في الكتاب عبارة تدل على ذلك فإن العبارة تحتمل ضروبًا من التأويل ككون النهي خاصًا بمعاملة شعب إسرائيل وكانوا يقولون ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ  ﴾ إذا أكلنا أموالهم بالباطل، و كاشتراط الضرر في السحر مع ادعاء أن ما يأتونه منه نافع غير ضار وغير ذلك.

وإننا نرى كثيرًا من الحرمات قد انتهكت في المسلمين بمثل تلك التأويلات حتى جوز بعض المشتغلين بالفقه هدم ركن من أعظم أركان الإسلام بالحيلة وهو ركن الزكاة الذي يحارب تاركوه شرعًا، ونرى هذه الحيل قد أثرت في الأمة أسوأ التأثير فقلما يوجد فيها غني يؤدي الزكاة.

ولا يعتقد المتمسك بالدين من هؤلاء الأغنياء أنه متعرض لمقت الله وعقوبته، وأنه قد فسق عن أمر ربه، لأنه يمنع الزكاة بحيلة يسميها شرعية، وقد أخذها عمن يسمون فقهاء، ويفتخرون بأنهم ورثة الأنبياء، ثم إن الحيل على التزوير وأكل أموال الناس بالباطل لها في بعض الكتب وعلى ألسنة كثيرين من أصحاب العمائم مجال واسع و ميدان فسيح ، ولها أقبح التأثير في إفساد العامة واستباحتهم المحظورات ولقد صارت هذه الحيل على الله  والتأويلات الباطلة الهادمة لدينه معدودة من علم الدين حتى أنه ليأتيها من لا منفعة له في إتيانها ممن يعدون صالحين، ومن أعجب ذلك أن بعض أهل العلم الصالحين يشهد الزور بمثل هذه التأويلات وقد نقل الثقات أن طالب الشهادة يستعطفه ويستميل قلبه بالشكوى من الظلم وإرادة الاستعانة بشهادته على دفع المظلمة والتخلص من الأذى فيأمر الشيخ بأن تطوى الورقة المشتملة على قول الزور بحيث يحجب سواد الكتابة فلا يراه ويضع توقيعه وختمه في ذيلها كأنه وضعهما على ورقة خالية، وهو يعلم أنها ليست خالية من الكتابة، ويعرف ما فيها من الكذب.

فهل نقول إنه غير عالم بقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ  ﴾ وقوله ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ وبما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي  قال وكان متكئًا: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟

الإشراك بالله وعقوق الوالدين - ثم قعد فقال- ألا وقول الزور وشهادة الزور" فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

وبما روياه من حديث أبي هريرة مرفوعًا أيضًا" آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وفي رواية لغيرهما" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم" وذكرهن - بل إنه عالم بكل ذلك ولكنه التأويل أفسد على كل اهل دين دينهم.

ولقد صار العالم المسلم عاجزًا في أكثر بلاد المسلمين عن إنكار ما يخالف هدى الكتاب والسنة من كتب الميتين، لا سيما إذا اشتهروا باختبار كتبهم للتدريس.

وحجة هؤلاء المقلدين على نصر كتب الميتين وترجيحها على كتاب الله وسنة رسوله هي أن القادرين على الاهتداء بهما قد انقرضوا فوجب على المسلمين ترك العمل بهما والاعتماد على كتب العلماء المتأخرين الذين استنبطوا من قواعد أئمتهم جميع مسائل الدين، فعلينا أن نأخذ بكل ما قالوا، وأن لا ننظر في الكتاب والسنة إلا للتبرك بهما، فإن رأينا خلافًا بين قول الله ورسوله وقول الفقيه لا يحتمل التأويل فعلينا أن نتهم عقولنا وأفهامنا وننزه فهم الفقيه الميت وعقله ونعمل بقوله مكابرين أنفسنا التي سجل عليها الحرمان من فهم الكتاب المبين والسنة البيضاء التي وصفها صاحبها بأن ليلها كنهارها أي لا يشتبه فيها أحد!!!

هذا ما عليه جماهير المسلمين، ولم يبعد من قبلهم عن كتاب ربهم أشد من هذا البعد، وسيعودون إليه بعد حين، فقد أخذهم العذاب على تركه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ  ﴾ أي لو أنهم استبدلوا الإيمان بما جاء به النبي  بهذا السحر الخادع واتباع نزعات الشياطين أو لو آمنوا بكتابهم إيمانا حقيقيًا ومنه البشارة بالنبي والأمر باتباعه واتقوا بالعمل به والمحافظة على حدوده مغبة ما ينتظره المجرمون من العقوبة على العصيان، لكان ثواب الله لهم على الإيمان الصحيح والعمل الصالح خيرًا لهم من جميع ما توهموه في المخالفة من المنافع، ثم قال ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي أنهم في كل ما هم عليه من الأباطيل، ومن زعمهم أنها ترجع إلى الكتاب بضروب من التأويل، يتبعون الظنون ويعتمدون على التقليد، وليسوا على شيء من العالم الصحيح، ولو كانوا يعلمون علمًا صحيحًا لظهر أثره في أعمالهم ولآمنوا بالنبي  واتبعوه فكانوا من المفلحين.

ومن مباحث اللفظ في الآيات أن ﴿ بَابِلَ  ﴾ بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة -قبل الكوفة- في أشهر أقوال المفسرين، ويؤخذ من بعض كتب التاريخ أنها كانت في الجانب الشرقي من نهر الفرات بعيدة عنه، ويقال إن أصل اشتقاقها في العبرانية يدل على الخلط إشارة إلى ما يرويه العبرانيون من اختلاط الألسنة هناك.

و ﴿ هَارُوتَ  ﴾ و ﴿ مَارُوتَ  ﴾ اسمان أعجميان ولو كانا مشتقين من الهرت والمرت كما زعم بعضهم لا منعا من الصرف.

و ﴿ مِنْ  ﴾ في قوله تعالى ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ  ﴾ لاستغراق النفي وتأكيده، وهي ليست بزائدة، وإنما الزائد ما يذكر للتحلية ولا يكون له معنى ما وفاقًا لكثير من المفسرين.

والمثوبة الثواب و ﴿ لَمَثُوبَةٌ  ﴾ خبر (لو) أي لكانت مثوبة من الله خيرًا.

وقد قدروا لها فعلًا فقالوا: الأصل لأثيبوا مثوبة فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة ونكرت لبيان أنها مهما قلت فهي خير لهم وأصلها الثوب بمعنى الرجوع كأن المحسن يثوب إلى من أحسن إليه بعد الإعراض.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله