الآية ١٠٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠٣ من سورة البقرة

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ ۖ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ١٠٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 145 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ) أي : ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم ، لكان مثوبة الله على ذلك خيرا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به ، كما قال تعالى : ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ) [ القصص : 80 ] .

وقد استدل بقوله : ( ولو أنهم آمنوا واتقوا ) من ذهب إلى تكفير الساحر ، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف .

وقيل : بل لا يكفر ، ولكن حده ضرب عنقه ، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل ، رحمهما الله : أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول : كتب [ أمير المؤمنين ] عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة .

قال : فقتلنا ثلاث سواحر .

وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضا .

وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها ، فأمرت بها فقتلت .

قال أحمد بن حنبل : صح من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [ أذنوا ] في قتل الساحر .

وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، عن جندب الأزدي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حد الساحر ضربه بالسيف " .

ثم قال : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه .

وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث ، والصحيح : عن الحسن عن جندب موقوفا .

قلت : قد رواه الطبراني من وجه آخر ، عن الحسن ، عن جندب ، مرفوعا .

والله أعلم .

وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه ، فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه ، فقال الناس : سبحان الله !

يحيي الموتى !

ورآه رجل من صالحي المهاجرين ، فلما كان الغد جاء مشتملا على سيفه ، وذهب يلعب لعبه ذلك ، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر ، وقال : إن كان صادقا فليحيي نفسه .

وتلا قوله تعالى : ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) [ الأنبياء : 3 ] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك فسجنه ثم أطلقه ، والله أعلم .

وقال أبو بكر الخلال : أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثني أبو إسحاق ، عن حارثة قال : كان عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملا على سيفه فقتله ، فقال : أراه كان ساحرا ، وحمل الشافعي ، رحمه الله ، قصة عمر ، وحفصة على سحر يكون شركا .

والله أعلم .

حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر ، قال : وربما كفروا من اعتقد وجوده .

قال : وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء ، ويقلب الإنسان حمارا ، والحمار إنسانا ، إلا أنهم قالوا : إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى و [ تلك ] الكلمات المعينة ، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا خلافا للفلاسفة والمنجمين الصابئة ، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى ، بقوله تعالى : ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر ، وأن السحر عمل فيه ، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ، رضي الله عنها ، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر ، قال : وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة ، ثم قال بعد هذا : المسألة الخامسة في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور : اتفق المحققون على ذلك ; لأن العلم لذاته شريف وأيضا لعموم قوله تعالى : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) [ الزمر : 9 ] ; ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة ، والعلم بكون المعجز معجزا واجب ، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب ; فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا ، وما يكون واجبا فكيف يكون حراما وقبيحا ؟

!

هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة ، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه ، أحدها : قوله : " العلم بالسحر ليس بقبيح " .

إن عنى به ليس بقبيح عقلا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعا ، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر ، وفي الصحيح : " من أتى عرافا أو كاهنا ، فقد كفر بما أنزل على محمد " .

وفي السنن : " من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر " .

وقوله : ولا محظور اتفق المحققون على ذلك " .

كيف لا يكون محظورا مع ما ذكرناه من الآية والحديث ؟

!

واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم ، وأين نصوصهم على ذلك ؟

ثم إدخاله [ علم ] السحر في عموم قوله : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) فيه نظر ; لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي ، ولم قلت إن هذا منه ؟

ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ، ضعيف بل فاسد ; لأن معظم معجزات رسولنا ، عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .

ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلا ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم ، كانوا يعلمون المعجز ، ويفرقون بينه وبين غيره ، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه ، والله أعلم .

ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية : الأول : سحر الكلدانيين والكشدانيين ، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة ، وهي السيارة ، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم وأنها تأتي بالخير والشر ، وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلا لمقالتهم ورادا لمذهبهم ، وقد استقصى في " كتاب السر المكتوم ، في مخاطبة الشمس والنجوم " المنسوب إليه فيما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره ويقال : إنه تاب منه .

وقيل إنه صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد .

وهذا هو المظنون به ، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة ، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه ، وما يتنسكون به .

قال : والنوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية ، ثم استدل على أن الوهم له تأثير ، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودا على نهر أو نحوه .

قال : وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر ، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران ، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام .

قال : وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق .

وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " .

قال : فإذا عرفت هذا ، فنقول : النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا ، فتستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات والأدوات ، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات .

وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات ، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية ، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم .

وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية ، فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن .

ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء ، والانقطاع عن الناس والرياء .

قلت : وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال ، وهو على قسمين : تارة تكون حالا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله ، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة ، ولا يسمى هذا سحرا في الشرع .

وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك .

فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة ، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم ، كما أن الدجال لعنه الله له من الخوارق العادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة ، مع أنه مذموم شرعا لعنه الله .

وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

وبسط هذا يطول جدا ، وليس هذا موضعه .

قال : النوع الثالث من السحر : الاستعانة بالأرواح الأرضية ، وهم الجن ، خلافا للفلاسفة والمعتزلة : وهم على قسمين : مؤمنون ، وكفار ، وهم الشياطين .

قال : واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية ، لما بينهما من المناسبة والقرب ، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل والتجريد .

وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير .

النوع الرابع من السحر : التخيلات ، والأخذ بالعيون والشعبذة ، ومبناه [ على ] أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره ، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به ، ويأخذ عيونهم إليه ، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه ، عمل شيئا آخر عملا بسرعة شديدة ، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه .

فيتعجبون منه جدا ، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه ، لفطن الناظرون لكل ما يفعله .

قال : وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعا من أنواع الخلل أشد ، كان العمل أحسن ، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدا ، أو مظلم ، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها بكلالها والحالة هذه .

قلت : وقد قال بعض المفسرين : إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة ، ولهذا قال تعالى : ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ) [ الأعراف : 116 ] وقال تعالى : ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) [ طه : 66 ] قالوا : ولم تكن تسعى في نفس الأمر .

والله أعلم .

النوع الخامس من السحر : الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية ، كفارس على فرس في يده بوق ، كلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق ، من غير أن يمسه أحد .

ومنها الصور التي تصورها الروم والهند ، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان ، حتى يصورونها ضاحكة وباكية .

إلى أن قال : فهذه الوجوه من لطيف أمور المخاييل .

قال : وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل .

قلت : يعني ما قاله بعض المفسرين : أنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي ، فحشوها زئبقا فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق ، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها .

قال الرازي : ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات ، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة .

قال : وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر ; لأن لها أسبابا معلومة يقينية من اطلع عليها قدر عليها .

قلت : ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم ، بما يرونهم إياه من الأنوار ، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد المقدس ، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة ، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام [ منهم ] وأما الخواص فهم يعترفون بذلك ، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم ، فيرون ذلك سائغا لهم .

وفيه شبه للجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب ، فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " .

وقوله : " حدثوا عني ولا تكذبوا علي ؛ فإنه من يكذب علي يلج النار " .

ثم ذكر هاهنا حكاية عن بعض الرهبان ، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة ، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ، ليتبلغ به ، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله ، وتوصل إلى أن جعله أجوف ، فإذا دخلته الريح يسمع له صوت كصوت ذلك الطائر ، وانقطع في صومعة ابتناها ، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم ، وعلق ذلك الطائر في مكان منها ، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابا من ناحية ، فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة ، فيسمع صوتها كذلك الطائر في شكله أيضا ، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئا كثيرا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة ، ولا يدرون ما سببه ؟

ففتنهم بذلك ، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر ، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .

قال الرازي : النوع السادس من السحر : الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات .

قال : واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص ، فإن أثر المغناطيس مشاهد .

قلت : يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتخيل على جهلة الناس بهذه الخواص ، مدعيا أنها أحوال له من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات .

قال : النوع السابع من السحر : تعليق القلب ، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم ، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور ، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق ، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة ، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء .

قلت : هذا النمط يقال له التنبلة ، وإنما يروج على الضعفاء العقول من بني آدم .

وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه ، فإذا كان المتنبل حاذقا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره .

قال : النوع الثامن من السحر : السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة ، وذلك شائع في الناس .

قلت : النميمة على قسمين ، تارة تكون على وجه التحريش [ بين الناس ] وتفريق قلوب المؤمنين ، فهذا حرام متفق عليه .

فأما إذا كانت على وجه الإصلاح [ بين الناس ] وائتلاف كلمة المسلمين ، كما جاء في الحديث : " ليس بالكذاب من ينم خيرا " أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة " فهذا أمر مطلوب ، كما جاء في الحديث : " الحرب خدعة " .

وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة ، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلاما ، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئا آخر ، ثم لأم بين ذلك ، فتناكرت النفوس وافترقت .

وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة .

والله المستعان .

ثم قال الرازي : فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه .

قلت : وإنما أدخل كثيرا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر ، للطافة مداركها ; لأن السحر في اللغة : عبارة عما لطف وخفي سببه .

ولهذا جاء في الحديث : " إن من البيان لسحرا " .

وسمي السحور لكونه يقع خفيا آخر الليل ، والسحر : الرئة ، وهي محل الغذاء ، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه ، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة : انتفخ سحرك أي : انتفخت رئته من الخوف .

وقالت عائشة ، رضي الله عنها : توفي رسول صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري .

وقال : ( سحروا أعين الناس ) أي : أخفوا عنهم عملهم ، والله أعلم .

[ فصل ] وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة في كتابه : " الإشراف على مذاهب الأشراف " بابا في السحر ، فقال : أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة ، فإنه قال : لا حقيقة له عنده .

واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله ، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يكفر بذلك .

ومن أصحاب أبي حنيفة من قال : إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر ، ومن تعلمه معتقدا جوازه أو أنه ينفعه كفر .

وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر .

وقال الشافعي ، رحمه الله : إذا تعلم السحر قلنا له : صف لنا سحرك .

فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة ، وأنها تفعل ما يلتمس منها ، فهو كافر .

وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر .

قال ابن هبيرة : وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله ؟

فقال مالك وأحمد : نعم .

وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا .

فأما إن قتل بسحره إنسانا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد .

وقال أبو حنيفة : لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين .

وإذا قتل فإنه يقتل حدا عندهم إلا الشافعي ، فإنه قال : يقتل والحالة هذه قصاصا .

قال : وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته ؟

فقال مالك ، وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهما : لا تقبل .

وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى : تقبل .

وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة أنه يقتل ، كما يقتل الساحر المسلم .

وقال مالك والشافعي وأحمد : لا يقتل .

يعني لقصة لبيد بن الأعصم .

واختلفوا في المسلمة الساحرة ، فعند أبي حنيفة لا تقتل ، ولكن تحبس .

وقال الثلاثة : حكمها حكم الرجل ، والله أعلم .

وقال أبو بكر الخلال : أخبرنا أبو بكر المروزي ، قال : قرأ على أبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل عمر بن هارون ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، قال : يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها .

وقد نقل القرطبي عن مالك ، رحمه الله ، أنه قال في الذمي إذا سحر : يقتل إن قتل سحره ، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر : إحداهما : أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل ، والثانية : أنه يقتل وإن أسلم ، وأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم لقوله تعالى : " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر .

لكن قال مالك : إذا ظهر عليه لم تقبل توبته لأنه كالزنديق ، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائبا قبلناه ولم نقتله ، فإن قتل سحره قتل .

قال الشافعي : فإن قال : لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية .

مسألة : وهل يسأل الساحر حل سحره ؟

فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري ، وقال عامر الشعبي : لا بأس بالنشرة ، وكره ذلك الحسن البصري ، وفي الصحيح عن عائشة : أنها قالت : يا رسول الله ، هلا تنشرت ، فقال : " أما الله فقد شفاني ، وخشيت أن أفتح على الناس شرا " .

وحكى القرطبي عن وهب : أنه قال : يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين ثم تضرب بالماء ويقرأ عليها آية الكرسي ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات ثم يغتسل بباقيه فإنه يذهب ما به ، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته .

قلت : أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في إذهاب ذلك وهما المعوذتان ، وفي الحديث : " لم يتعوذ المتعوذون بمثلهما " وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان .

وقال أبو عبد الله القرطبي : وعندنا أن السحر حق ، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء .

خلافا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفراييني من الشافعية حيث قالوا : إنه تمويه وتخيل .

قال : ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي البريد ; لخفة سيره .

قال ابن فارس : هذه الكلمة من كلام أهل البادية .

قال القرطبي : ومنه ما يكون كلاما يحفظ ورقى من أسماء الله تعالى ، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك .

قال : وقوله ، عليه السلام : " إن من البيان لسحرا " يحتمل أن يكون مدحا كما تقوله طائفة ، ويحتمل أن يكون ذما للبلاغة .

قال : وهذا الأصح .

قال : لأنها تصوب الباطل حين يوهم السامع أنه حق كما قال : " فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض " فاقتضى له ، الحديث .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولو أنهم آمنوا واتقوا)، لو أن الذين يتعلمون من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه،"آمنوا " فصدقوا الله ورسوله وما جاءهم به من عند ربهم, و " اتقوا " ربهم فخافوه فخافوا عقابه, فأطاعوه بأداء فرائضه وتجنبوا معاصيه - لكان جزاء الله إياهم، وثوابه لهم على إيمانهم به وتقواهم إياه، خيرا لهم من السحر وما اكتسبوا به،" لو كانوا يعلمون " أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم من السحر ومما اكتسبوا به.

وإنما نفى بقوله: (لو كانوا يعلمون) العلم عنهم: أن يكونوا عالمين بمبلغ ثواب الله، وقدر جزائه على طاعته.

* * * و " المثوبة " في كلام العرب، مصدر من قول القائل: أثبتك إثابة وثوابا ومثوبة ".

فأصل ذلك من: " ثاب إليك الشيء " بمعنى: رجع.

ثم يقال: " أثبته إليك ": أي، رجعته إليك ورددته.

فكان معنى " إثابة الرجل الرجل على الهدية وغيرها ": إرجاعه إليه منها بدلا (131) ورده عليه منها عوضا.

ثم جعل كل معوض غيره من عمله أو هديته أو يد له سلفت منه إليه: مثيبا له.

ومنه " ثواب " الله عز وجل عباده على أعمالهم, بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه, حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له.

* * * وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير) مما اكتفي - بدلالة الكلام على معناه - عن ذكر جوابه.

وأن معناه: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، ولكنه استغنى - بدلالة الخبر عن المثوبة - عن قوله: لأثيبوا.

* * * وكان بعض نحويي أهل البصرة ينكر ذلك, ويرى أن جواب قوله: (ولو أنهم آمنوا واتقوا)، (لمثوبة)، وأن " لو " إنما أجيبت " بالمثوبة ", وإن كانت أخبر عنها بالماضي من الفعل لتقارب معناه من معنى " لئن " في أنهما جزاءان, فإنهما جوابان للإيمان.

فأدخل جواب كل واحدة منهما على صاحبتها - فأجيبت " لو " بجواب " لئن ", و " لئن " بجواب " لو "، لذلك، وإن اختلفت أجوبتهما، فكانت " لو " من حكمها وحظها أن تجاب بالماضي من الفعل, وكانت " لئن " من حكمها وحظها أن تجاب بالمستقبل من الفعل - لما وصفنا من تقاربهما.

فكان يتأول معنى قوله: (ولو أنهم آمنوا واتقوا) : ولئن آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير.

* * * وبما قلنا في تأويل " المثوبة " قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 1717 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (لمثوبة من عند الله)، يقول: ثواب من عند الله.

1718 - حدثني يونس قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله)، أما " المثوبة ", فهو الثواب.

1719 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير)، يقول: لثواب من عند الله.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (لا تقولوا راعنا).

فقال بعضهم: تأويله: لا تقولوا خلافا.

* ذكر من قال ذلك: 1720 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن جريج, عن عطاء في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: لا تقولوا خلافا.

1721 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لا تقولوا راعنا)، لا تقولوا خلافا.

1722 - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

1723 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن رجل عن مجاهد مثله.

1724 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان, عن مجاهد مثله.

* * * وقال آخرون: تأويله: أَرْعِنَا سمعك.

أي: اسمع منا ونسمع منك.

* ذكر من قال ذلك: 1725 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قوله: (راعنا)، أي: أَرْعِنا سمعك.

1726 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)، لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.

1727 - وحدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (راعنا)، قال: كان الرجل من المشركين يقول: أَرْعِني سمعك.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نهى الله المؤمنين أن يقولوا " راعنا ".

فقال بعضهم: هي كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة, فنهى الله تعالى ذكره المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 1728 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قول كانت تقوله اليهود استهزاء, فزجر الله المؤمنين أن يقولوا كقولهم.

1729 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية: (لا تقولوا راعنا)، قال: كان أناس من اليهود يقولون أرعنا سمعك!

حتى قالها أناس من المسلمين: فكره الله لهم ما قالت اليهود فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا)، كما قالت اليهود والنصارى.

1730 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)، قال: كانوا يقولون: راعنا سمعك!

فكان اليهود يأتون فيقولون مثل ذلك مستهزئين, فقال الله: (لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا).

1731 - وحدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك!

وإنما " راعنا " كقولك، عاطنا.

1732 - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) قال: " راعنا " القول الذي قاله القوم، قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [سورة النساء: 46] قال: " قال: هذا الراعن " - والراعن: الخطاء - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطاء، كما قال القوم، وقولوا: انظرنا واسمعوا.

قال: كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويكلمونه، ويسمع منهم, ويسألونه ويجيبهم.

(132) * * * وقال آخرون: بل هي كلمة كانت الأنصار في الجاهلية تقولها, فنهاهم الله في الإسلام أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 1733 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن عطاء في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية, فنـزلت هذه الآية: (لا تقولوا راعنا) ولكن قولوا انظرنا) إلى آخر الآية.

1734 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم, عن عبد الملك, عن عطاء قال: (لا تقولوا راعنا)، قال: كانت لغة في الأنصار.

1735 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء مثله.

1736 - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق, عن ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (لا تقولوا راعنا)، قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أَرْعِني سمعك!

فنهوا عن ذلك.

1737 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " راعنا "، قول الساخر.

فنهاهم أن يسخروا من قول محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من اليهود بعينه، يقال له: رفاعة بن زيد.

كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم به على وجه السب له, وكان المسلمون أخذوا ذلك عنه, فنهى الله المؤمنين عن قيله للنبي صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 1738 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا)، كان رجل من اليهود - من قبيلة من اليهود يقال لهم بنو قينقاع - كان يدعى رفاعة بن زيد بن السائب - قال أبو جعفر: هذا خطأ، إنما هو ابن التابوت، ليس ابن السائب - كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم, فإذا لقيه فكلمه قال: (133) أَرْعِني سمعك، واسمع غير مسمع = فكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا, فكان ناس منهم يقولون: " اسمع غير مسمع ", كقولك اسمع غير صاغر = وهي التي في النساء مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ [سورة النساء: 46]، يقول: إنما يريد بقوله طعنا في الدين.

ثم تقدم إلى المؤمنين فقال: " لا تقولوا راعنا ".

(134) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في نهي الله جل ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيه: " راعنا " أن يقال: إنها كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم, نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 1739 -" لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا: الحبَلة ".

(135) 1740 - و " لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي".

(136) وما أشبه ذلك، من الكلمتين اللتين تكونان مستعملتين بمعنى واحد في كلام العرب, فتأتي الكراهة أو النهي باستعمال إحداهما، واختيار الأخرى عليها في المخاطبات.

* * * فإن قال لنا قائل: فإنا قد علمنا معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم في " العنب " أن يقال له " كرم ", وفي" العبد " أن يقال له " عبد ", فما المعنى الذي في قوله: (راعنا) حينئذ، الذي من أجله كان النهي من الله جل ثناؤه للمؤمنين عن أن يقولوه, حتى أمرهم أن يؤثروا قوله: انْظُرْنَا ؟

قيل: الذي فيه من ذلك, نظير الذي في قول القائل: " الكرم " للعنب, و " العبد " للمملوك.

وذلك أن قول القائل: " عبدي" لجميع عباد الله, فكره للنبي صلى الله عليه وسلم أن يضاف بعض عباد الله - بمعنى العبودية - إلى غير الله, وأمر أن يضاف ذلك إلى غيره، بغير المعنى الذي يضاف إلى الله عز وجل, فيقال: " فتاي".

وكذلك وجه نهيه في" العنب " أن يقال: " كرم " خوفا من توهم وصفه بالكرَم, وإن كانت مُسَكَّنَة, فإن العرب قد تسكن بعض الحركات إذا تتابعت على نوع واحد.

فكره أن يتصف بذلك العنب.

فكذلك نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا: " راعنا ", لما كان قول القائل: " راعنا " محتملا أن يكون بمعنى احفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك.

من قول العرب بعضهم لبعض: " رعاك الله ": بمعنى حفظك الله وكلأك - ومحتملا أن يكون بمعنى: أَرْعنا سمعك, من قولهم: " أرعيت سمعي إرعاء - أو راعيته - سمعي رِعاء أو مراعاة ", بمعنى: فرغته لسماع كلامه.

كما قال الأعشى ميمون بن قيس: يُـرْعِي إلـى قـول سادات الرجال إذا أبـدوا لـه الحـزم أو ما شاءه ابتدعا (137) يعني بقوله " يرعى "، يصغي بسمعه إليه مفرغه لذلك.

وكان الله جل ثناؤه قد أمر المؤمنين بتوقير نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه, حتى نهاهم جل ذكره فيما نهاهم عنه عن رفع أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، وخوفهم على ذلك حبوط أعمالهم.

(138) فتقدم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا له من القول ما فيه جفاء, وأمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها, ومن المعاني أرقها.

فكان من ذلك قولهم: (راعنا) لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك, إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين, كما يقول القائل: " عاطنا، وحادثنا، وجالسنا ", بمعنى: افعل بنا ونفعل بك - (139) ومعنى: أرعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا.

فنهى الله تعالى ذكره أصحاب محمد أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم, وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له, ولا بالفظاظة والغلظة, تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، بقولهم له: (اسمع غير مسمع وراعنا).

يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، (140) فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه، مما يسر اليهود والمشركين.

* * * فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله: (راعنا) أنه بمعنى: خلافا, فمما لا يعقل في كلام العرب.

لأن " راعيت " في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين: أحدهما بمعنى " فاعلت " من " الرِّعْية " وهي الرِّقبة والكَلاءة.

والآخر بمعنى إفراغ السمع, بمعنى " أرعيته سمعي".

وأما " راعيت " بمعنى " خالفت ", فلا وجه له مفهوم في كلام العرب.

إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين، ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ, على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد, فيكون لذلك - وإن كان مخالفا قراءة القراء - معنى مفهوم حينئذ.

* * * وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكي ذلك عنه: أن قوله: (راعنا) كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية, فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين: أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه، ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم.

ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة، أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب، وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي، هي عند اليهود سب, وهي عند العرب: أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني.

فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم, وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب, فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه، أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به.

وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك، من الوجه الذي تقوم به الحجة.

وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا, إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره.

* * * وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: (لا تقولوا راعنا) بالتنوين, بمعنى: لا تقولوا قولا " راعنا ", من " الرعونة " وهي الحمق والجهل.

وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة, فغير جائز لأحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة المتقدمين والمتأخرين، وخلافِها ما جاءت به الحجة من المسلمين.

ومن نون " راعنا " نونه بقوله: (لا تقولوا)، لأنه حينئذ عامل فيه.

ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأنه أمر محكي.

لأن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: (راعنا)، بمعنى مسألته: إما أن يرعيهم سمعه, وإما أن يرعاهم ويرقبهم - على ما قد بينت فيما قد مضى - فقيل لهم: لا تقولوا في مسألتكم إياه " راعنا ".

فتكون الدلالة على معنى الأمر في" راعنا " حينئذ سقوط الياء التي كانت تكون في" يراعيه " ويدل عليها - أعني على " الياء " الساقطة - كسرة " العين " من " راعنا ".

* * * وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود: (لا تقولوا راعونا)، بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم.

فإن كان ذلك من قراءته صحيحا، وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا، كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره.

ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأخبار.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَقُولُوا انْظُرْنَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وقولوا انظرنا)، وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم: انظرنا وارقبنا، نفهم ونتبين ما تقول لنا، وتعلمنا، كما: 1741 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وقولوا انظرنا) فهمنا، بين لنا يا محمد.

1742 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وقولوا انظرنا) فهمنا، بين لنا يا محمد.

1743 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد مثله.

* * * يقال منه: " نظرت الرجل أنظره نظرة " بمعنى انتظرته ورقبته، ومنه قول الحطيئة: وقــد نَظَــرتكمُ أَعْشـاء صـادرةٍ للخِـمس, طـال بها حَوْزي وتَنْساسي (141) ومنه قول الله عز وجل: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [سورة الحديد: 13]، يعني به: انتظرونا.

* * * وقد قرئ" أنظرنا " و " أنظرونا " بقطع " الألف " في الموضعين جميعا (142) فمن قرأ ذلك كذلك أراد: أخرنا, كما قال الله جل ثناؤه: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [سورة ص: 79]، أي أخرني.

ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع.

لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستماع منه، وإلطاف الخطاب له، وخفض الجناح - لا بالتأخر عنه، ولا بمسألته تأخيرهم عنه.

فالصواب - إذْ كان ذلك كذلك - (143) من القراءة قراءة من وصل الألف من قوله: (انظرنا)، ولم يقطعها بمعنى: انتظرنا.

* * * وقد قيل: إن معنى (أنظرنا) بقطع الألف بمعنى: أمهلنا.

حكي عن بعض العرب سماعا: " أنظرني أكلمك "، وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه, فأخبره أنه أراد أمهلني.

فإن يكن ذلك صحيحا عنهم " فانظرنا " و " أنظرنا " - بقطع " الألف " ووصلها - متقاربا المعني.

غير أن الأمر وإن كان كذلك, فإن القراءة التي لا أستجيز غيرها، قراءة من قرأ: (وقولوا انظرنا)، بوصل " الألف " بمعنى: انتظرنا, لإجماع الحجة على تصويبها، ورفضهم غيرها من القراآت.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (واسمعوا)، واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم، وعُوه وافهموه، كما:- 1744 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (واسمعوا)، اسمعوا ما يقال لكم.

* * * فمعنى الآية إذًا: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم: راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول.

ولكن قولوا: انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا.

واسمعوا منه ما يقول لكم، فعوه واحفظوه وافهموه.

ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته، وخالف أمره ونهيه، وكذب رسوله، العذاب الموجع في الآخرة, فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم.

يعني بقوله: " الأليم "، الموجع.

وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل، وما فيه من الآثار.

(144) ------------------ (131) في المطبوعة : "إرجاعه إليها" سهو من ناسخ .

(132) قوله"الراعن : الخطاء" لم أجده في غيره بعد .

والذي في كتب التفسير واللغة .

وربما كانت"الخطأ" .

وقد قالوا : "راعنا : الهجر من القول" .

وقالوا اشتقوه من الرعونة : وهي الحمق والجهل والاسترخاء .

(133) في المطبوعة : "فقال" ، والفاء لا مكان لها .

(134) تقدم إليه : أمره .

(135) الحديث : 1739 - ذكره الطبري معلقا دون إسناد .

وقد رواه أحمد في المسند : 7509 ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : "ولا تسموا العنب الكرم" .

ورواه الشيخان وغيرهما ، كما بينا هناك .

ورواه أيضًا قبل ذلك إشارة موجزا : 7256 .

وروى مسلم 2 : 197 ، من حديث علقمة بن وائل ، عن أبيه ، مرفوعا : "لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا : الحبلة ، يعني العنب" .

(136) الحديث : 1740 - وهذا معلق أيضًا .

وهو جزء من حديث طويل .

رواه البخاري ومسلم وغيرهما ، من حديث أبي هريرة ، مرفوعا : " .

.

ولا يقل أحدكم عبدي ، أمتي ، وليقل : فتاى ، فتاتي ، غلامي" .

انظر البخاري 5 : 128 - 131 (فتح) ، ومسلم 2 : 197 .

(137) ديوانه : 86 ، وسيأتي في هذا الجزء 2 : 540 وقد سلف تخريج أبيات من هذه القصيدة في 1 : 106 ، 2 : 94 ، وهي في هوذة بن علي كما سلف .

يقول قبله : يـا هـوذ, يا خير من يمشي على قدم بحــر المـواهب للـوراد والشـرعا وابتدع : أحدث ما شاء .

(138) اقرأ قول الله تعالى في صدر"سورة الحجرات" .

(139) قوله : "ومعنى" معطوف على قوله آنفًا : "لما فيه من احتمال معنى : ارعنا نرعاك .

.

" .

(140) وهي الآية التي تلي الآية التي يفسرها .

(141) ديوانه : 53 ، واللسان (نظر) (حوز) (نس) (عشا) .

من قصيدة يهجو بها الزبرقان ابن بدر ، ويمدح بغيض بن عامر من شماس .

والأعشاء جمع عشى (بكسر فسكون) : وهو ما تتعشاه الإبل .

والصادرة : الإبل التي تصدر عن الماء .

والخمس : من أظماء الإبل ، وهو أن تظل في المرعى بعد يوم ورودها ثلاثة أيام ، ثم ترد في الرابع .

والحوز : السوق اللين ، حاز الإبل : ساقها سوقا رويدا .

والتنساس والنس ، مصدر قولك : نس الإبل بينها : ساقها سوقا شديدا لورود الماء .

ويروى"إيتاء صادرة" .

والإيتاء مصدر آنيت الشيء : إذ أخرته .

يقول للزبرقان ، حين نزل بداره ، ثم تحول عنها إلى دار بغيض (انظر خبرهما في طبقات فحول الشعراء : 96 - 98) : انتظرت خيركم انتظار الإبل الخوامس لعشائها .

وذلك أن الإبل إذا صدرت تعشت طويلا ، وفي بطونها ماء كثير ، فهي تحتاج إلى بقل كثير .

يصف طول انتظاره حين لا صبر له على طول الانتظار .

وقد شكاه الزبرقان إلى عمر لهذه القصيدة ، ولقوله فيها : دع المكــارم لا ترحــل لبغيتهــا واقعـد, فـإنك أنـت الطـاعم الكاسي (142) زدت قول الله تعالى : "أنظرونا" ، من أجل اختلاف" الحرفين .

(143) في المطبوعة : "إن كان ذلك .

.

" ، ليست بشيء .

(144) انظر ما سلف 1 : 283 ، ثم هذا الجزء 2 : 140 ، 377 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمونقوله تعالى : ولو أنهم آمنوا واتقوا أي اتقوا السحر .

لمثوبة المثوبة الثواب ، وهي جواب ولو أنهم آمنوا عند قوم .

قال الأخفش سعيد : ليس ل ( لو ) هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى ، والمعنى لأثيبوا .

وموضع أن من قوله : ولو أنهم موضع رفع ، أي لو وقع إيمانهم ; لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا ; لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كان لا بد له من جواب ، و ( أن ) يليه فعل .

قال محمد بن يزيد : وإنما لم يجاز " بلو " لأن سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل ، فلما لم يكن هذا في " لو " لم يجز أن يجازى بها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

*

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{ولو أنهم آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

{واتقوا} اليهودية والسحر.

{لمثوبة من عند الله خير} لكان ثواب الله إياهم خيراً لهم {لو كانوا يعلمون}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أنهم» أي اليهود «آمنوا» بالنبي والقرآن «واتقوا» عقاب الله بترك معاصيه كالسحر، وجوابُ لو محذوف: أي لأثيبوا دل عليه «لمثوبة» ثواب وهو مبتدأ واللام فيه للقسم «من عند الله خير» خبره مما شروا به أنفسهم «لو كانوا يعلمون» أنه خير لما آثروه عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أن اليهود آمنوا وخافوا الله لأيقنوا أن ثواب الله خير لهم من السِّحر ومما اكتسبوه به، لو كانوا يعلمون ما يحصل بالإيمان والتقوى من الثواب والجزاء علما حقيقيا لآمنوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - المنافع التي تعود عليهم لو اتبعوا الحق ، بعد أن بين الأضرار التي ترتبت على اتباعهم للباطل فقال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتقوا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) أي : لو أن أولئك اليهود النابذين لكتاب الله المتبعين للأوهام والأباطيل ، آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بالتوارة إيماناً حقاً ، واتقوا الله ، فاجتنبوا ما يؤثمهم ومنه السحر والتمويه ، لكانت لهم مثوبة من عند الله ، هي خير لهم من السحر وغيره ، ولو كانوا من أولى العلم النافع لفهموا ذلك ، واستبدلوا بالسحر الإيمان والتقوى ، ولكنهم قوم لا يعقلون .فقوله تعالى : ( لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ ) جواب للو الشرطية ، وأصل التركيب ، لأثيبوا مثوبة من عند الله خيراً مما شروا به أنفسهم ، فحذف الفعل ، وغير السبك إلى ما عليه النظم الكريم ، للدلالة على ثبوت المثوبة لهم والجزم بخيريتها .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ( فإن قلت : كيف أو ثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو؟

قلت : لما في ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها ، كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك .وقال الإِمام الآلوسي : ( المثوبة : اسم مصدر أثاب إذا أعطى الثواب ، والثواب الجزاء الذي يعطي للغير .

ولم يقل - سبحانه - لمثوبة الله مع أنه أخصر ، ليشعر التنكير بالتقليل فيفيد أن شيئاً قليلاً من ثواب الله - تعالى - في الآخرة الدائمة ، خير من متاع كثير في الدنيا الفانية ، فكيف ثواب اله - تعالى - كثير دائم ، وفيه من الترغيب والترهيب المناسبين للمقام ما لا يخفى .وقوله تعالى : ( لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) شرط آخر محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه ، وحذف مفعول ( يَعْلَمُونَ ) لدلالة ( لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ ) عليه .

أي : لو كانوا يعلمون مثوبة الله لما اشتروا السحر بالإِيمان .وبذلك تكون الآيات الكريمة التي سقناها في هذا البحث قد دمغت بني إسرائيل بجحود الحق ، ونبذهم لتعاليم كتابهم وإيثارهم عليها الأكاذيب والأباطيل ، وسيرهم في طريق الشر عن تعمد وإصرار ، وعدم عملهم بما يعلمون لانحراف طباعهم ، وحماقة تفكيرهم وسوء تدبيرهم .

واستحواذ الشيطان عليهم .

.

( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِين ) هذا ، ويحسن بنا قبل أن نختم هذا البحث ، أن نذكر كلمة موجزة عن السحر فنقول :السحر : في أصل اللغة معناه : الصرف ، ومنه قوله تعالى ( فأنى تُسْحَرُونَ ) أي : فكيف تصرفون عن الحق إلى الباطل .وقد ذكر السحر في القرآن والسنة ، واتفق علماء المسلمين على أن هناك شيئاً يسمى سحراً ، إلا أنهم اختلفوا في تصويره .فجمهور أهل السنة ذهب إلى أن للسحر آثاراً حقيقية ، وأن الساحر قد يأتي بأشياء غير عادية ، إلا أن الفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله - تعالى - واستدلوا على ذلك بأدلة منها .أولا : أن الله - تعالى - قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن يستعيذ به ( وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد ) وهم السحرة - على أرجح الأقوال .قال الإِمام ابن كثير : قوله تعالى ( وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد ) قال مجاهد وعكرة والحسن وقتادة والضحاك ، يعني السواحر قال مجاهد " إذا رقين ونفثن في العقد " .فالآية الكريمة تدل على أن للسحر آثاراً حقيقية ، وإلا لما أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من شرور السحرة .ثانياً : قال الإِمام البخاري : - في باب هل يستخرج السحر - : حدثني عبد الله بن محمد ، قال : سمعت سفيان بن عيينة يقول : أول من حدثنا به ابن جريج يقول : حدثني آل عروة عن عروة ، فسألت هشاماً عنه فحدثنا عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن ، قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذلك .

فقال : " " يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟

أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، فقال الذي عند رأسي للآخر ، ما بال الرجل : مطبوب ، قال ومن طبه؟

قال : لبيد بن الأعصم - رجل من بني زريق حليف اليهود كان منافقاً - قال .

وفيم : قال : في مشط ومشاطه ، قال : وأين؟

قال في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان .

قالت : فأتى البئر حتى استخرجه ، فقال : " هذه البئر التي أريتها وكأن نخلها رءوس الشياطين " قال فاستخرج - أي السحر - قالت : فقلت أفلا - أي - تنشرت؟

فقالت : " إن الله قد شفاني وأكره أن أثير على أحد من الناس شراً " " .فهذا الحديث الصحيح يفيد أن السحر قد أثر في جسم الرسول صلى الله عليه وسلم بنوع من المرض أو الثقل ، دون أن يكون لذلك أدنى تأثير في عقله .قال الإِمام ابن القيم : هذا هو الحديث الذي رواه البخاري ، وهو ثابت عند أهل العلم بالحديث لا يختلفون في صحته ، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه ، ولم يتكلم فيه أهل الحديث بكلمة واحدة ، والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقه ، وهؤلاء أعلم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأيامه .وقال الإِمام القرطبي " الأدلة متوفرة على أن للسحر حقيقة ، فهو مقطعوع به بإخبار الله - تعالى - ورسوله على وجوده ووقوعه ، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإِجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق ، ولقد شاع السحر وذاع في ساق الزمان ، وتكلم الناس فيه ، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله .وقال الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي .

قال المازري : " مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة .

خلافا لمن أنكر ذلك وني حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها .

وقد ذكره الله - تعالى - في كتابه وذكر أنه مما يتعلم .

وذكر فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به .

وأنه يفرق بين المرء وزوجه .

وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له ، وهذا الحديث أيضاً مصرح بإثباته .وأنه أشياء دفنت وأخرجت ولا يستنكر في العقل أن الله - سبحانه - يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام ، أو المزج بين قويى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر .

قال : وقد أنكر بعض المتبدعة هذا الحدجيث لسبب آخر .

فزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع وهذا الذي ادعاه بعض المبتدعة باطل لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك .

قال القاضي عياض : وقد جاءت روايات مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه ، لا على قوله وقلبه واعقتاده ، ويكون معنى قوله في الحديث : " حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأنيهن " أن يظهر من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن ، فإذا دنا منهن أخذته أخذه السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور .أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى أن السحر لا حقيقة له ، وإنما هو تخييل وتمويه كما قال تعالى في سحرة فرعون ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ) فأخبر - سبحانه - أن ما ظنوه سعياً منها لم يكن سعياً على الحقيقة إنما كان تخييلا وتمويهاً .

وقال تعالى في سحرة فرعون أيضاً ( فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) أي فلما ألقوا عصيهم موهوا على الناس حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى ، وأرهبوهم بما فعلوه ، وجاءوا بسحر عظيم في فنه .والذي نراه أن السحر على أضرب منها :أولا : ضرب يترتب على مزاولته قلب الحقائق كقلب الإِنسان حيواناً وعكسه ، وهذا قد منعه المعتزلة بحجة أن الساحر لو أمكمنه ذلك لا لتلبس فعله هذا بمعجزات الأنبياء .

وأهل السنة أجازوا وقوعه وإن كان لم يقع فعلا .

ويفرقون بينه وبين المعجزة إن وقع ، بأن المعجزة خارق يظهر على يد من يدعى النبوة على سبيل التحدي والمعارضة ، والسحر ليس فيه دعوة نبوة ولا معارضة .هذا ، مع ملاحظة أن السحر يمكن تعلمه وتعليمه ، ولا يظهر إلا على يد شرير بخلاف المعجزة .قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين : وهذا النوع لم يقع لنا دليل في الشريعة على وقوعه ، وربما كانت الحاجة إلى الفرق بين المعجزة والسحر فرقاً واضحاً تقتضي عدم وقوعه ، فالساحر لا يبلغ أن يقلب العصا ثعباناً ، ولا أن يفلق البحر فتمر بين فرقيه الجيوش ولا أن يجعل الماء ينبع بين الأصابع فتروى منه العطاش ، أعني أنه لا يجزي على يده من خوارق العادات ، مثل ما يجري على أيدي الأنبياء للإِعجاز .ثانياً : أن يزاول بعض أرباب النفوس الخبيثة أفعالا يترتب عيلها الضرر بدون مماسة ولا ملابسة لمن وقع عليه الضرر ، وهذا الضرب قد جوز وقوعه أهل السنة ومنعه المعتزلة ، ومن أمثلته ما يفعله السحرة للتفريق بين المرء وزوجه والظاهر في هذا الضرب قول أهل السنة لأن القرآن الكريم قد حكى عن السحرة أنهم يتعلمون من السحر ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، وقد حص الحديث أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه حينما استخرج السحر خف جسمه صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال .ثالثاً : مزاولة أسباب يترتب عليها آثار ظاهريه لا حقيقية وهذا الضرب واقع باتفاق بين أهل السنة والمعتزلة ، وقد حكاه القرآن الكريم عن سحرة فرعون في قوله تعالى : ( فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم ) وفي قوله تعالى : ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ) هذا ، وقد حذر الإِسلام من تعاطى السحر للأذى ، وجاءت تعاليمه بذمة وتحريمه ، وتوعدت مرتكبه بالعقوبات الأليمة ، ففي الحديث الشريف " حد الساحر ضربه بالسيف " .وقد أفتى بعض الفقهاء بقتل الساحر لأنه زنديق ، وبعضهم أفتى بأن الساحر إذا كان قد أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقنص منه ، وإن كان قد أحدث به ما لا قصاص فيه ، حكم عليه بدية مناسبة .وبعد : فهذه كلمة ذكرناها عن السحر ، لم نقصد بها الخوض في تفصيلاته .

وإنما قصدنا بها إعطاء القارئ فكرة مختصرة عنه بمناسبة حديثنا عن رذائل اليهود التي منها نبذهم لكتاب الله واتباعهم للأوهام والأباطيل والأكاديب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الضمير عائد إلى اليهود الذين تقدم ذكرهم، فإنه تعالى لما بين فيهم الوعيد بقوله: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ  ﴾ أتبعه بالوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب لأن الجمع بينهما أدعى إلى الطاعة والعدول عن المعصية.

أما قوله تعالى: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ  ﴾ ثم وصفهم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وأنهم تمسكوا بالسحر.

قال من بعد: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ ﴾ يعني بما نبذوه من كتاب الله.

فإن حملت ذلك على القرآن جاز، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز؛ وإن حملته على الأمرين جاز، والمراد من التقوى الاحتراز عن فعل المنهيات وترك المأمورات.

أما قوله تعالى: ﴿ لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ ﴾ ففيه وجوه، أحدها: أن الجواب محذوف وتقديره ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا إلا أنه تركت الجملة الفعلية إلى هذه الإسمية لما في الجملة الإسمية من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها.

فإن قيل: هلا قيل لمثوبة الله خير؟

قلنا: لأن المراد لشيء من ثواب الله خير لهم.

وثانيها: يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ ﴾ تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل: وليتهم آمنوا، ثم ابتدأ.

لمثوبة من عند الله خير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ ﴾ برسول الله والقرآن ﴿ واتقوا ﴾ الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين ﴿ لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ ﴾ .

وقرئ: ﴿ لَمَثْوَبَةٌ ﴾ ، كمشورة ومشورة ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنّ ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم.

فإن قلت: كيف أوثرت الجملة الإسمية على الفعلية في جواب لو؟

قلت: لما في ذلك من الدلالة على اثبات المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك، فإن قلت: فهلا قيل لمثوبة الله خير؟

قلت: لأن المعنى: لشيء من الثواب خير لهم.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ﴾ تمنياً لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا.

ثم ابتدئ لمثوبة من عند الله خير.

كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقى عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله، أي راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهمه ونحفظه.

وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي (راعينا) فلما سمعوا بقول المؤمنين: راعنا.

افترصوه وخاطبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعنون به تلك المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأُمروا بما هو في معناها وهو ﴿ انظرنا ﴾ من نظره إذا انتظره.

وقرأ أُبيّ: ﴿ انظرنا ﴾ من النظرة، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرأ عبد الله بن مسعود: ﴿ راعونا ﴾ ، على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير: وقرأ الحسن: ﴿ راعناً ﴾ ، بالتنوين من الرعن وهو الهوج، أي لا تقولوا قولاً راعنا منسوباً إلى الرعن رعينّاً، كدارع ولابن لأنه لما أشبه قولهم: راعينا، وكان سبباً في السب اتصف بالرعن ﴿ واسمعوا ﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا، أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيداً عليهم ترك تلك الكلمة.

وروي: أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه.

فقالوا: أولستم تقولونها فنزلت.

﴿ وللكافرين ﴾ ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ من الأولى للبيان لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون؛ كقوله تعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين ﴾ [البينة: 1] والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية.

والخير الوحي، وكذلك الرحمة كقوله تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ ر بِكَ ﴾ [الزخرف: 32] والمعنى: أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي ﴿ والله ﴾ يختصّ بالنبوة ﴿ مَن يَشَآء ﴾ ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ﴿ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ إشعار بأنّ إيتاء النبوّة من الفضل العظيم كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 87] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا ﴾ بِالرَّسُولِ والكِتابِ.

﴿ واتَّقَوْا ﴾ بِتَرْكِ المَعاصِي، كَنَبْذِ كِتابِ اللَّهِ واتِّباعِ السِّحْرِ ﴿ لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ جَوابُ لَوْ، وأصْلُهُ لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًا مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ ورُكِّبَ الباقِي جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِتَدُلَّ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ والجَزْمِ بِخَيْرِيَّتِها، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إجْلالًا لِلْمُفَضَّلِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وتَنْكِيرُ المَثُوبَةِ لِأنَّ المَعْنى لَشَيْءٌ مِنَ الثَّوابِ خَيْرٌ، وقِيلَ: لَوْ لِلتَّمَنِّي، و « لَمَثُوبَةٌ» كَلامِ مُبْتَدَأٍ.

وَقُرِئَ « لَمَثُوبَةٌ» كَمَشُورَةٍ، وإنَّما سُمِّيَ الجَزاءُ ثَوابًا ومَثُوبَةً لِأنَّ المُحْسِنَ يَثُوبُ إلَيْهِ ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا هم فِيهِ، وقَدْ عَلِمُوا لَكِنَّهُ جَهَّلَهم لِتَرْكِ التَّدَبُّرِ أوِ العَمَلِ بِالعِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولو أنهم آمنوا} برسول الله والقرآن {واتقوا} الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله وابتاع كتب الشياطين {لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أن ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا لكنه جهلهم لما تركوا العمل بالعلم والمعنى لأثيبوا من عند الله ما هو خير وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها ولم يقل لمثوبة الله خير لأن المعنى لشئ من الثواب خير لهم وقيل لو بمعنى التمني كأنه قيل وليتهم آمنوا ثم ابتدأ لمثوبة من عند الله خير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّهم آمَنُوا ﴾ أيْ بِالرَّسُولِ أوْ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ، أوْ بِالتَّوْراةِ، ﴿ واتَّقَوْا ﴾ أيِ المَعاصِيَ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم ﴿ لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ جَوابُ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ، وأصْلُهُ لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًا مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ، وغُيِّرَ السَّبْكُ إلى ما تَرى، لِيَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ مَعَ مَعُونَةِ المَقامِ إلى الإشارَةِ إلى ثَباتِ المَثُوبَةِ، وثَباتِ نِسْبَةِ الخَيْرِيَّةِ إلَيْها، مَعَ الجَزْمِ بِخَبَرِيَّتِها، لِأنَّ الجُمْلَةَ إذا أفادَتْ ثَباتَ المَثُوبَةِ كانَ الحُكْمُ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالمُشْتَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَمَثُوبَةٌ دائِمَةٌ خَيْرٌ لِدَوامِها، وثَباتِها، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إجْلالًا لِلْمُفَضَّلِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ: لَمَثُوبَةُ اللَّهِ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ لِيُشْعِرَ التَّنْكِيرُ بِالتَّقْلِيلِ فَيُفِيدُ أنَّ شَيْئًا قَلِيلًا مِن ثَوابِ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ الدّائِمَةِ خَيْرٌ مِن ثَوابٍ كَثِيرٍ في الدُّنْيا الفانِيَةِ، فَكَيْفَ وثَوابُ اللَّهِ تَعالى كَثِيرٌ دائِمٌ، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ المُناسِبَيْنِ لِلْمَقامِ ما لا يَخْفى، وبِبَيانِ الأصْلِ انْحَلَّ إشْكالانِ لَفْظِيٌّ، وهو أنَّ جَوابَ لَوْ إنَّما يَكُونُ فَعِلِيَّةٌ ماضَوِيَّةٌ، ومَعْنَوِيٌّ وهو أنَّ خَيْرِيَّةَ المَثُوبَةِ ثابِتَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِإيمانِهِمْ وعَدَمِهِ، ولِهَذَيْنِ الإشْكالَيْنِ قالَ الأخْفَشُ، واخْتارَهُ جَمْعٌ: لِسَلامَتِهِ مِن وُقُوعِ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ في الظّاهِرِ جَوابًا لِلَوْ، ولَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ كَما في البَحْرِ أنَّ اللّامَ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ، ولَمَثُوبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، وبَعْضُهُمُ التَزَمَ التَّمَنِّيَ، ولَكِنْ مِن جِهَةِ العِبادِ، لا مِن جِهَتِهِ تَعالى خِلافًا لِمَنِ اعْتَزَلَ دَفْعًا لَهُما، إذْ لا جَوابَ لَها حِينَئِذٍ، ويَكُونُ الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا، كَأنَّهُ لَمّا تَمَنّى لَهم ذَلِكَ قِيلَ: ما هَذا التَّحَسُّرُ والتَّمَنِّي؟

فَأُجِيبَ بِأنَّ هَؤُلاءِ المُبْتَذِلِينَ حَرَّمُوا ما شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، وفي ذَلِكَ تَحْرِيضٌ وحَثٌّ عَلى الإيمانِ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ (خَيْرٌ) هُنا لِلتَّفْضِيلِ، لا لِلْأفْضَلِيَّةِ عَلى حَدِّ: فَخَيْرُكُما لِشَرِّكُما فِداءُ والمَثُوبَةُ مَفْعَلَةٌ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثَّوابِ فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى ما قَبْلَها، فَهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وقِيلَ: مَفْعُولَةٌ وأصْلُها مَثْوُوبَةٌ فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ إلى ما قَبْلَها وحُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَهي مِنَ المَصادِرِ الَّتِي جاءَتْ عَلى مَفْعُولَةٍ كَمَصْدُوقَةٍ كَما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ، ويُقالُ: مَثْوَبَةٌ بِسُكُونِ الثّاءِ وفَتْحِ الواوِ، وكانَ مِن حَقِّها أنْ تُعَلَّ فَيُقالُ: مَثابَةٌ كَمُقامَةٍ، إلّا أنَّهم صَحَّحُوها، كَما صَحَّحُوا في الأعْلامِ مَكُوزَةُ، وبِها قَرَأ قَتادَةُ، وأبُو السَّمّاكِ، والمُرادُ بِها الجَزاءُ والأجْرُ وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المُحْسِنَ يَثُوبُ إلَيْهِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِها الرَّجْعَةُ إلَيْهِ تَعالى بَعِيدٌ، ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ السّابِقِ، أيْ إنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ، وكَلِمَةُ (لَوْ) إمّا لِلشَّرْطِ، والجَزاءُ مَحْذُوفٌ، أيْ آمَنُوا، وإمّا لِلتَّمَنِّي، ولا حَذْفَ، ونَفْيُ العِلْمِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ بِنَفْيِ ثَمَرَتِهِ الَّذِي هو العَمَلُ، أوْ لِتَرْكِ التَّدَبُّرِ، هَذا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: واتَّبَعُوا أيِ اليَهُودُ، وهي القُوى الرُّوحانِيَّةُ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ وهم مِنَ الإنْسِ المُتَمَرِّدُونَ الأشْرارُ، ومِنَ الجِنِّ الأوْهامُ والتَّخَيُّلاتُ المَحْجُوبَةُ عَنْ نُورِ الرُّوحِ المُتَمَرِّدَةِ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ العاصِيَةِ لِأمْرِ العَقْلِ والشَّرْعِ، والنُّفُوسُ الأرْضِيَّةُ المُظْلِمَةُ القَوِيَّةُ عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ الرُّوحُ الَّذِي هو خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ، وما كَفَرَ سُلَيْمانُ بِمُلاحَظَةِ السِّوى واتِّباعِ الهَوى وإسْنادِ التَّأْثِيرِ إلى الأغْيارِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا وسَتَرُوا مُؤْثَرِيَّةَ اللَّهِ تَعالى وظُهُورَهُ الَّذِي مَحا ظُلْمَةَ العَدَمِ ﴿ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ والشُّبَهَ الصّادَّةَ عَنِ السَّيْرِ والسُّلُوكِ إلى مَلِكِ المُلُوكِ، ﴿ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ ﴾ وهُما العَقْلُ النَّظَرِيُّ والعَقْلُ العَمَلِيُّ النّازِلانِ مِن سَماءِ القُدْسِ إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ المَنكُوسانِ في بِئْرِها لِتَوَجُّهِهِما إلَيْها بِاسْتِجْذابِ النَّفْسِ إيّاهُما بِبابِلَ الصَّدْرِ المُعَذَّبانِ بِضِيقِ المَكانِ بَيْنَ أبْخِرَةِ حُبِّ الجاهِ ومَوادِّ الغَضَبِ وأدْخِنَةِ نِيرانِ الشَّهَواتِ المُبْتَلَيانِ بِأنْواعِ المُتَخَيَّلاتِ والمَوْهُوماتِ الباطِلَةِ مِنَ الحِيَلِ والشَّعْوَذَةِ والطَّلْسَماتِ، والنَّيْرِنْجاتِ، ﴿ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا ﴾ لَهُ إنَّما نَحْنُ امْتِحانٌ وابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ فَلا تَكْفُرْ ﴾ وذَلِكَ لِقُوَّةِ النُّورِيَّةِ وبَقِيَّةِ المَلَكُوتِيَّةِ فِيهِما، فَإنَّ العَقْلَ دائِمًا يُنَبِّهُ صاحِبَهُ إذا صَحا عَنْ سَكْرَتِهِ، وهَبَّ مِن نَوْمَتِهِ عَنِ الكُفْرِ والِاحْتِجابِ، ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ﴾ القَلْبِ والنَّفْسِ، أوْ بَيْنَ الرُّوحِ والنَّفْسِ، بِتَكْدِيرِ القَلْبِ، ﴿ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ ﴾ بِزِيادَةِ الِاحْتِجابِ وغَلَبَةِ هَوى النَّفْسِ، ولا يَنْفَعُهم كَسائِرِ العُلُومِ في رَفْعِ الحِجابِ، وتَخْلِيَةِ النَّفْسِ وتَزْكِيَتِها، ﴿ ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ ﴾ في مَقامِ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ مِن نَصِيبٍ لِإقْبالِهِ عَلى العالَمِ السُّفْلِيِّ، وبُعْدِهِ عَنِ العالَمِ العُلْوِيِّ بِتَكَدُّرِ جَوْهَرِ قَلْبِهِ، وانْهِماكِهِ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِرُؤْيَةِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى واتَّقَوُا الشِّرْكَ بِإثْباتِ ما سِواهُ لَأُثِيبُوا بِمَثُوبَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى دائِمَةٍ، ولَرَجَعُوا إلَيْهِ، وذَلِكَ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا مِن ذَوِي العِلْمِ والعِرْفانِ والبَصِيرَةِ والإيقانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا، يعني اليهود لو صدقوا بثواب الله واتقوا السحر، لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ يعني كان ثواب الله تعالى خيراً لهم من السحر والمثوبة والثواب بمعنى واحد وهو الجزاء على العمل وكذلك الأجر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فهذا نداء المدح، يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.

صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد، لاَ تَقُولُوا راعِنا.

وذلك أن المسلمين كانوا يأتون رسول الله-  - ويقولون: يا رسول الله راعنا، وهو بلغة العرب: أرعني سمعك.

وأصله في اللغة: راعيت الرجل إذا تأملته وتعرفت أحواله.

وكان هذا اللفظ بلغة اليهود سباً بالرعونة، فلما سمعت اليهود ذلك من المسلمين، أعجبهم ذلك وقالوا فيما بينهم: كنا نسب محمد سراً فالآن نسبه علانية، فكانوا يأتونه ويقولون له: راعنا يا محمد، ويريدون به السب.

وقال بعضهم: كان في لغتهم معناه اسمع لا سمعت، فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنا.

نهى المسلمين أن لا يقولوا بهذا اللفظ، وأمرهم أن يقولوا بلفظ أحسن منه.

قال الله تعالى: وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به.

ثم ذكر الوعيد للكفار فقال تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ، يعني اليهود.

وقرأ الحسن راعِنا بالتنوين.

وقال القتبي: من قرأ راعِنا بالتنوين جعله اسماً منه، مثاله: أن تقول: لا تقولوا حمقا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.

ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.

انتهى.

وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «١» .

وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل» ، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.

وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في «نزّله» ، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)

وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ...

الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.

وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ...

الآيةَ: قال سيبوَيْه «١» : «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام» ، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.

وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.

وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ...

الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «٢» ، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «٣» ، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.

وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً.

وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام.

والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «١» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.

قال ع «٢» : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:

«إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.

ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «٣» ، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «٤» ت: قال عياض «٥» : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة

هَارُوت ومَارُوت.

وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس «١» هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «٢» كما نصَّه اللَّه أول الآيات.

انتهى.

انظره.

وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ...

الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «٣» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «٤» ، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «٥» : [الطويل]

تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ...

وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «١»

وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.

٣١ أص «٢» : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم.

انتهى.

ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «٣» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:

اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.

م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «٤» : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم

محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر.

انتهى.

وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ» : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.

وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.

وقرأ جمهورُ النَّاس «١» : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «٢» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ، والمَثُوبَةُ: الثَّوابُ.

﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يُعَلِّمُونَ بِعِلْمِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِلا تَنْوِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِالتَّنْوِينِ، "وَراعِنا" بِلا تَنْوِينٍ مِن راعَيْتُ، وبِالتَّنْوِينِ مِنَ الرُّعُونَةِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: راعِنا بِالتَّنْوِينِ: هو اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ [الرَّعْنِ ] والرُّعُونَةِ، أرادَ: لا تَقُولُوا جَهْلًا ولا حُمْقًا.

وقالَ غَيْرُهُ: كانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ اسْتِنْصاتَ صاحِبِهِ، قالَ: أرْعِنِي سَمْعَكَ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: راعِنا، يُرِيدُونَ: أنْتَ أرْعَنُ.

وقَوْلُهُ: (انْظُرْنا) بِمَعْنى: انْتَظِرْنا، وقالَ مُجاهِدٌ: انْظُرْنا: اسْمَعْ مِنّا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تُعَجِّلْ عَلَيْنا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وقُولُوا انْظُرْنا واسْمَعُوا ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ذَكَرَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في الياقُوتَةِ أنَّ "يُعَلِّمانِ" بِمَعْنى يَعْلَمانِ ويَشْعُرانِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: تَعَلَّمْ رَسُولَ اللهِ أنَّكَ مُدْرِكِي وأنَّ وعِيدًا مِنكَ كالأخْذِ بِاليَدِ وحَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى أنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما نَزَلا يُعَلِّمانِ الناسَ بِالسِحْرِ ويَنْهَيانِ عنهُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: بَلِ التَعْلِيمُ عَلى عُرْفِهِ.

و"لا تَكْفُرُ": قالَتْ فِرْقَةٌ: بِتَعَلُّمِ السِحْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِاسْتِعْمالِهِ، وحَكىالمَهْدَوِيُّ أنَّ قَوْلَهُما: ﴿ إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ  ﴾ اسْتِهْزاءً، لِأنَّهُما إنَّما يَقُولانِهِ لِمَن قَدْ تَحَقَّقا ضَلالَهُ.

و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ مِن أحَدٍ  ﴾ زائِدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَيَتَعَلَّمُونَ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ يُعَلِّمُونَ الناسَ  ﴾ ومَنَعَهُ الزَجّاجُ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ( ما يُعَلِّمانِ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَما يُعَلِّمانِ  ﴾ وإنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ ما النافِيَةُ فَمُضَمِّنُهُ الإيجابُ في التَعْلِيمِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ فَيَأْتُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ، واخْتارَهُ الزَجّاجُ.

والضَمِيرُ في "يُعَلِّمانِ" هو لِهارُوتَ ومارُوتَ المَلَكَيْنِ أوِ المَلَكَيْنِ العِلْجَيْنِ عَلى ما تَقَدَّمَ.

والضَمِيرُ في "مِنهُما" قِيلَ: هو عائِدٌ عَلَيْهِما، وقِيلَ: عَلى السِحْرِ، وعَلى الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

و"يُفَرِّقُونَ" مَعْناهُ فِرْقَةُ العِصْمَةِ وقِيلَ مَعْناهُ يُؤَخِّذُونَ الرَجُلَ عَنِ المَرْأةِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى وطْئِها، فَهي أيْضًا فِرْقَةٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والزُهْرِيُّ، وقَتادَةُ "المُرُّ" بَراءٍ مَكْسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ تَشْدِيدُ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ "المَرْءُ" بِضَمِّ المِيمِ وهَمْزَةٍ، وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ.

وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ "المِرْءُ" بِكَسْرِ المِيمِ وهَمْزَةٍ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "المَرْءَ" بِفَتْحِ المِيمِ وهَمْزَةٍ.

والزَوْجُ هُنا امْرَأةُ الرَجُلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ الآخَرِ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ: زَوْجَةٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: وإنَّ الَّذِي يَسْعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ∗∗∗ كَساعٍ إلى أسَدِ الشَرى يَسْتَبِيلُها وقَرَأ الجُمْهُورُ "بِضارِّينَ".

وقَرَأ الأعْمَشُ "بِضارِي بِهِ مِن أحَدٍ" فَقِيلَ: حُذِفَتِ النُونُ تَخْفِيفًا، وقِيلَ: حُذِفَتْ لِلْإضافَةِ إلى أحَدٍ، وحِيلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَجْرُورِ.

و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ، و"يَضُرُّهُمْ" مَعْناهُ: في الآخِرَةِ، "وَلا يَنْفَعُهُمْ" فِيها أيْضًا وإنْ نَفَعَ في الدُنْيا بِالمَكاسِبِ، فالمُراعى إنَّما هو أمْرُ الآخِرَةِ.

والضَمِيرُ في "عَلِمُوا" عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَسَبَ الضَمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، وقِيلَ: عَلى "الشَياطِينُ" وقِيلَ: عَلى "المَلَكَيْنِ" وهُما جَمْعٌ، وقالَ: "اشْتَراهُ لِأنَّهم كانُوا يُعْطُونَ الأُجْرَةَ عَلى أنْ يَعْلَمُوا، والخَلاقُ: النَصِيبُ والحَظُّ، وهو هُنا بِمَعْنى الجاهِ والقَدْرِ.

واللامُ في قَوْلِهِ "لَمَنِ" المُتَقَدِّمَةُ لِلْقَسَمِ، المُؤْذِنَةُ بِأنَّ الكَلامَ قَسَمٌ لا شَرْطٌ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في "بِئْسَما"، و"شَرَوْا" مَعْناهُ: باعُوا، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ، والضَمِيرُ في "يُعَلِّمُونَ" عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِاتِّفاقٍ، ومَن قالَ: إنَّ الضَمِيرَ في "عَلِمُوا" عائِدٌ عَلَيْهِمْ خَرَجَ هَذا الثانِي عَلى المَجازِ، أيْ لَمّا عَمِلُوا عَمَلَ مَن لا يَعْلَمُ، كانُوا كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، ومَن قالَ: إنَّ الضَمِيرَ في "عَلِمُوا" عائِدٌ عَلى "الشَياطِينُ" أو عَلى "المَلَكَيْنِ" قالَ: إنَّ أُولَئِكَ عَلِمُوا ألّا خَلاقَ لِمَنِ اشْتَراهُ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَعْلَمُوا، فَهو عَلى الحَقِيقَةِ.

وقالَ مَكِّيُّ: الضَمِيرُ في "عَلِمُوا" لِعُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ لِلْمُتَعَلِّمِينَ مِنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا ﴾ مَوْضِعُ أنَّ رَفْعٌ، المَعْنى: لَوْ وقَعَ إيمانُهُمْ، ويَعْنِي الَّذِينَ اشْتَرَوُا السِحْرَ، و"لَوَ" تَقْتَضِي جَوابًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: جَوابُها "لَمَثُوبَةٌ" لِأنَّها مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْمُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ، وجَوابُ "لَوَ" لا يَكُونُ إلّا ماضِيًا أو بِمَعْناهُ، وقالَ الأخْفَشُ: لا جَوابَ لِـ "لَوَ" في هَذِهِ الآيَةِ مَظْهَرًا ولَكِنَّهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: لَوْ آمَنُوا لَأُثِيبُوا.

وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو السِمّالِ، وابْنُ بُرَيْدَةَ "لَمَثْوَبَةٌ" بِسُكُونِ الثاءِ، وفَتْحِ الواوِ، وهو مَصْدَرٌ أيْضًا كَمَشُورَةٍ ومَشْوَرَةٍ.

و"مَثُوبَةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "أنَّ".

والمَثُوبَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الناسِ بِمَعْنى الثَوابِ والأجْرِ، وهَذا هو الصَحِيحُ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: الرَجْعَةُ إلى اللهِ، مِن ثابَ يَثُوبُ إذا رَجَعَ، واللامُ فِيها لامُ القَسَمِ، لِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ مُسْتَغْنًى عنها، وهَذِهِ لا غِنى عنها.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ يُحْتَمَلُ نَفْيُ العِلْمِ عنهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمًا يَنْفَعُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "راعِنا" مِنَ المُراعاةِ بِمَعْنى فاعِلْنا، أيِ ارْعَنا نَرْعَكَ، وفي هَذا جَفاءٌ أنْ يُخاطَبَ بِهِ أحَدٌ نَبِيَّهُ، وقَدْ حَضَّ اللهُ تَعالى عَلى خَفْضِ الصَوْتِ عِنْدَهُ، وتَعْزِيرِهِ، وتَوْقِيرِهِ.

فَقالَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى: إنَّ اللهَ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عنهُ لِهَذِهِ العِلَّةِ، ولا مَدْخَلَ لِلْيَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، بَلْ هو نَهْيٌ عن كُلِّ مُخاطَبَةٍ فِيها اسْتِواءٌ مَعَ النَبِيِّ  .

وقالَتْ طائِفَةٌ: هي لُغَةٌ كانَتِ الأنْصارُ تَقُولُها، فَقالَها رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التابُوتِ لِلنَّبِيِّ  لَيًّا بِلِسانِهِ وطَعْنًا، كَما كانَ يُقالُ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ تُقالَ هَذِهِ اللَفْظَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووَقْفُ هَذِهِ اللُغَةِ عَلى الأنْصارِ تَقْصِيرٌ، بَلْ هي لُغَةُ جَمِيعِ العَرَبِ، فاعِلٌ مِنَ المُراعاةِ، فَكانَتِ اليَهُودُ تَصْرِفُها إلى الرُعُونَةِ، يُظْهِرُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ المُراعاةَ، ويُبْطِنُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ الرُعُونَةَ الَّتِي هي الجَهْلُ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عَلى هَذا التَأْوِيلِ ناسِخَةٌ لِفِعْلٍ قَدْ كانَ مُباحًا، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ شُرُوطُ النَسْخِ، لِأنَّ الأوَّلَ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا مُتَقَرِّرًا.

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "راعِنًا" بِالتَنْوِينِ وهَذِهِ مِن مَعْنى الجَهْلِ، وهَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُهُ، فَنَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ القَوْلِ المُباحِ سَدَّ ذَرِيعَةٍ لِئَلّا يَتَطَرَّقَ مِنهُ اليَهُودُ إلى المَحْظُورِ، إذِ المُؤْمِنُونَ إنَّما كانُوا يَقُولُونَ "راعِنا" دُونَ تَنْوِينٍ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "راعَوْنا"، وهي شاذَّةٌ، ووَجْهُها أنَّهم كانُوا يُخاطِبُونَ النَبِيَّ  كَما تُخاطَبُ الجَماعَةُ، يُظْهِرُونَ بِذَلِكَ إكْبارَهُ، وهم يُرِيدُونَ في الباطِنِ فاعُولًا مِنَ الرُعُونَةِ، و"انْظُرْنا" مَضْمُومَةُ الألْفِ والظاءِ مَعْناها: انْتَظِرْنا وأمْهِلْ عَلَيْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَفْقِدُنا، مِنَ النَظَرِ، وهَذِهِ لَفْظَةٌ مُخْلِصَةٌ لِتَعْظِيمِ النَبِيِّ  عَلى المَعْنَيَيْنِ.

والظاهِرُ عِنْدِي اسْتِدْعاءُ نَظَرِ العَيْنِ المُقْتَرِنِ بِتَدَبُّرِ الحالِ، وهَذا هو مَعْنى "راعِنا"، فَبُدِّلَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ اللَفْظَةُ لِيَزُولَ تَعَلُّقُ اليَهُودِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وغَيْرُهُ "أنْظِرْنا" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ الظاءِ، بِمَعْنى أخِّرْنا وأمْهِلْنا حَتّى نَفْهَمَ عنكَ ونَتَلَقّى مِنكَ.

ولَمّا نَهى اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وأمِرَ، حَضَّ بَعْدُ عَلى السَمْعِ الَّذِي في ضِمْنِهِ الطاعَةُ، واعْلَمْ أنَّ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ فَكَفَرَ عَذابًا ألِيمًا، وهو المُؤْلِمُ، و"اسْمَعُوا" مَعْطُوفٌ عَلى "قُولُوا" لا عَلى مَعْمُولِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أي لو آمنوا بمحمد واتقوا الله فلم يقدموا على إنكار ما بشرت به كتبهم لكانت لهم مثوبة من عند الله، ومثوبة الله خير من كل نفع حملهم على المكابرة.

و (لو) شرطية امتناعية اقترن شرطها بأن مع التزام الفعل الماضي في جملته على حد قول امرئ القيس: ولو أنّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ *** كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال و (أن) مع صلتها في محل مبتدأ عند جمهور البصريين وما في جمل الصلة من المسند والمسند إليه أكمل الفائدة فأغنى عن الخبر.

وقيل خبرها محذوف تقديره ثابت أي ولو إيمانهم ثابت.

وقوله: ﴿ لمثوبة ﴾ يترجح أن يكون جواب (لو) فإنه مقترن باللام التي يكثر اقتران جواب (لو) المثبت بها والجواب هنا جملة اسمية وهي لا تقع جواباً للو في الغالب وكان هذا الجواب غير ظاهر الترتب والتعليق على جملة الشرط لأن مثوبة الله خير سواء آمن اليهود واتقوا أم لم يفعلوا.

قال بعض النحاة الجواب محذوف أي لأثيبوا ومثوبة من عند الله خير.

وعدل عنه صاحب «الكشاف» فقال: أوثرت الجملة الاسمية في جواب (لو) على الفعلية لما في ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في ﴿ سلام عليكم ﴾ [الزمر: 73] لذلك اه.

ومراده أن تقدير الجواب لأثيبوا مثوبة من الله خيراً لهم مما شروا به أنفسهم، أو لمثوبةً بالنصب على أنه مصدر بدل من فعله، وكيفما كان فالفعل أو بدله يدلان على الحدوث فلا دلالة له على الدوام والثبات.

ولما كان المقام يقتضي حصول المثوبة وثباتها وثبات الخيرية لها ليحصل مجموع معان عدل عن النصب المؤذن بالفعل إلى الرفع لأن الجملة الاسمية لا تفيد الحدوث بل الثبوت، وينتقل من إفادتها الثبوت إلى إفادة الدوام والثبات فدلالة الآية على ثبات المثوبة بالعدول عن نصب المصدر إلى رفعه كما في ﴿ سلام عليكم ﴾ و ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2] ودلالتها على ثبات نسبة الخيرية للمثوبة من كون النسبة مستفادة من جملة اسمية فصارت الجملة بمنزلة جملتين لأن أصل المصدر الآتي بدلاً من فعله أن يدل على نسبة لفاعله فلو قيل (لمثوبةً) بالنصب لكان تقديره لأثيبوا مثوبة فإذا حولت إلى المصدر المرفوع لزم أن تعتبر ما كان فيه من النسبة قبل الرفع، ولما كان المصدر المرفوع لا نسبة فيه علم السامع أن التقدير لمثوبة لهم كما أنك إذا قلت سلاماً وحمداً علم السامع أنك تريد سلمتُ سلاماً وحمدتُ حمداً، فإذا قلت سلام وحمد كان التقدير سلام مني وحمد مني، وهذا وجه تنظير «الكشاف» وقرينة كون هذا المصدر في الأصل منصوباً وقوعه جواباً للو المتأصل في الفعلية، ثم إذا سمع قوله (خير) علم السامع أنه خبر عن المثوبة بعد تحويلها فاستفاد ثبات الخيرية ولهذا لم يتعرض صاحب «الكشاف» لبيان إفادة الجملة ثبات الخيرية للمثوبة لأنه لصراحته لا يحتاج للبيان فإن كل جملة اسمية تدل على ثبات خبرها لمبتدئها.

وبهذا ظهر الترتب لأن المقصود من الإخبار عن المثوبة بأنها خير أنها تثبت لهم لو آمنوا.

وعندي وجه آخر وهو أن يقال إن قوله: ﴿ لمثوبة من عند الله خير ﴾ دليل الجواب بطريقة التعريض فإنه لما جعل معلقاً على قوله: ﴿ ولو أنهم آمنوا واتقوا ﴾ علم أن في هذا الخبر شيئاً يهمهم.

ولما كانت (لو) امتناعية ووقع في موضع جوابها جملة خبرية تامة علم السامع أن هذا الخبر ممتنع ثبوته لمن امتنع منه شرط لو فيكون تنكيلاً عليهم وتمليحاً بهم.

وقد قيل: إن (لو) للتمني على حد ﴿ لو أن لناكرة ﴾ [الشعراء: 102].

والتحقيق أن لو التي للتمني هي لو الشرطية أشربت معنى التمني لأن الممتنع يتمنى إن كان محبوباً: وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا *** واستدل على هذا بأنها إذا جاءت للتمني أجيبت جوابين جواباً منصوباً كجواب ليت وجواباً مقترناً باللام كجواب الامتناعية كقول المهلهل: فلو نبش المقابر عن كليب *** فيخبر بالذنائب أي زير ويوم الشعثمين لقر عيناً *** وكيف لقاء من تحت القبور فأجيب بقوله: فيخبر وقوله: لقر عيناً.

والتمني على تقديره مجاز من الله تعالى عن الدعاء للإيمان والطاعة أو تمثيل لحال الداعي لذلك بحال المتمني فاستعمل له المركب الموضوع للتمني أو هو ما لو نطق به العربي في هذا المقام لنطق بالتمني على نحو ما قيل في قوله تعالى: ﴿ لعكم تتقون ﴾ [البقرة: 21] ونحوه.

وعلى هذا الوجه يكون قوله ﴿ لمثوبة ﴾ مستأنفاً واللام للقسم.

والمثوبة اسم مصدر أثاب إذا أعطى الثواب والثواب الجزاء الذي يعطى لخير المعطي، ويقال ثوب وأثوب بمعنى أثاب فالمثوبة على وزن المفعولة كالمصدوقة والمشورة والمكروهة.

وقوله: ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ شرط ثان محذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه وحذف مفعول ﴿ يعلمون ﴾ لدلالة المثوبة من الله خير، أي لوكانوا يعلمون مثوبة الله لما اشتروا السحر.

وليس تكرير اللفظة أو الجملة في فواصل القرآن بإيطاء لأن الإيطاء إنما يعاب في الشعر دون النثر لأن النثر إنما يعتد فيه بمطابقة مقتضى الحال وفائدة هذا التكرير التسجيل عليهم بأنهم لا يعلمون ما هو النفع الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ ذَلِكَ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ويَسْتَخْرِجُونَ السِّحْرَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُلَيْمانَ ابْنَ داوُدَ عَلَيْهِ، فاسْتَخْرَجَهُ مِن أيْدِيهِمْ، ودَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمْ تَكُنِ الجِنُّ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَدْنُوَ مِنَ الكُرْسِيِّ، فَقالَتِ الإنْسُ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ: إنَّ العِلْمَ الَّذِي كانَ سُلَيْمانُ يُسَخِّرُ بِهِ الشَّياطِينَ والرِّياحَ هو تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فاسْتَخْرَجُوهُ وقالُوا: كانَ ساحِرًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَتَعَلَّمُوهُ وعَلَّمُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَراءَةَ سُلَيْمانَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنْ (آصِفَ بْنَ بَرْخِيا) وهو كاتِبُ سُلَيْمانَ واطَأ نَفَرًا مِنَ الشَّياطِينِ عَلى كِتابٍ كَتَبُوهُ سِحْرًا ودَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وقالُوا: هَذا سِحْرُ سُلَيْمانَ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ ، وهم ما نَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّهم نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ السِّحْرُ كُفْرًا صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ.

قالَ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَفَرُوا بِما نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ.

والثّانِي: أنَّهم كَفَرُوا بِما اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ السِّحْرِ.

﴿ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ألْقَوْهُ في قُلُوبِهِمْ فَتَعَلَّمُوهُ.

والثّانِي: أنَّهم دَلُّوهم عَلى إخْراجِهِ مِن تَحْتِ الكُرْسِيِّ فَتَعَلَّمُوهُ.

﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ وفي ( ما ) هَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي أنْزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى النَّفْيِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ.

وَفي المَلَكَيْنِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ اللّامِ، كانا مِن مُلُوكِ بابِلَ وعُلُوجِها هارُوتُ ومارُوتُ، وهَذا قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِفَتْحِ اللّامِ مِنَ المَلائِكَةِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ سَحَرَةَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ السِّحْرَ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانَ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتُ ومارُوتُ، وهُما رَجُلانِ بِبابِلَ.

والثّانِي: أنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مَلَكانِ، أهْبَطَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى الأرْضِ، وسَبَبُ ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلى مَعاصِي بَنِي آدَمَ، عَجِبُوا مِن مَعْصِيَتِهِمْ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ أنْعُمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُمْ: أما أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَعَمِلْتُمْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، فَقالُوا: سُبْحانَكَ ما يَنْبَغِي لَنا، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَخْتارُوا مَلَكَيْنِ لِيَهْبِطا إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأحَلَّ لَهُما كُلَّ شَيْءٍ، عَلى ألّا يُشْرِكا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخَمْرَ، ولا يَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، فَعَرَضَتْ لَهُما امْرَأةٌ وكانَ يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ تُخاصِمُ زَوْجَها واسْمُها بِالعَرَبِيَّةِ: الزُّهَرَةُ، وبِالفارِسِيَّةِ: فَنْدَرِخْتُ، فَوَقَعَتْ في أنْفُسِهِما، فَطَلَباها، فامْتَنَعَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا ويَشْرَبا الخَمْرَ، فَشَرِبا الخَمْرَ، وعَبَدا الصَّنَمَ، وواقَعاها، وقَتَلا سابِلًا مَرَّ بِهِما خافا أنْ يُشْهِرَ أمْرَهُما، وعَلَّماها الكَلامَ الَّذِي إذا تَكَلَّمَ بِهِ المُتَكَلِّمُ عَرَجَ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتْ وعَرَجَتْ، ثُمَّ نَسِيَتْ ما إذا تَكَلَّمَتْ بِهِ نَزَلَتْ فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا، قالَ كَعْبٌ: فَواللَّهِ ما أمْسَيا مِن يَوْمِهِما الَّذِي هَبَطا فِيهِ، حَتّى اسْتَكْمَلا جَمِيعَ ما نُهِيا عَنْهُ، فَتَعَجَّبَ المَلائِكَةُ مِن ذَلِكَ.

ثُمَّ لَمْ يَقْدِرْ هارُوتُ ومارُوتُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، فَكانا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ.

وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ نُزُولَهُما كانَ في زَمانِ ( إدْرِيسَ ).

وأمّا السِّحْرُ فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْناهُ: فَقالَ قَوْمٌ: يَقْدِرُ السّاحِرُ أنْ يَقْلِبَ الأعْيانَ بِسِحْرِهِ، فَيُحَوِّلُ الإنْسانَ حِمارًا، ويُنْشِئُ أعْيانًا وأجْسامًا.

وَقالَ آخَرُونَ: السِّحْرُ خِدَعٌ ومَعانٍ يَفْعَلُها السّاحِرُ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ بِخِلافِ ما هُوَ، كالَّذِي يَرى السَّرابَ مِن بَعِيدٍ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ ماءٌ، وكَواكِبُ السَّفِينَةِ السّائِرَةِ سَيْرًا حَثِيثًا، يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ ما عايَنَ مِنَ الأشْجارِ والجِبالِ سائِرَةٌ مَعَهُ.

وَقَدْ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ  يَهُودِيٌّ مِن يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ، حَتّى كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ.

» قالُوا: ولَوْ كانَ في وُسْعِ السّاحِرِ إنْشاءُ الأجْسامِ وقَلْبُ الأعْيانِ عَمّا هي بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الباطِلِ والحَقِّ فَصْلٌ، ولَجازَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأجْسامِ مِمّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَةُ، فَقُلِبَتْ أعْيانُها، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ ﴿ فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ وقالَ آخَرُونَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ السّاحِرَ قَدْ يُوَسْوِسُ بِسِحْرِهِ فَيُمْرِضُ ورُبَّما قَتَلَ، لِأنَّ التَّخَيُّلَ بَدْءُ الوَسْوَسَةِ، والوَسْوَسَةُ بَدْءُ المَرَضِ، والمَرَضُ بَدْءُ التَّلَفِ.

فَأمّا أرْضٌ بِبابِلَ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكُوفَةُ وسَوادُها، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ حَيْثُ تَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ بِها وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّها مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ عَيْنٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها جَبَلُ نَهاوَنْدَ.

وَهي [فَطْرٌ] مِنَ الأرْضِ.

﴿ وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ بِما تَتَعَلَّمُهُ مِن سِحْرِنا.

﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ﴾ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: (مِنهُما) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِن هارُوتَ ومارُوتَ.

والثّانِي: مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ.

والثّالِثُ: مِنَ الشَّيْطانِ والمَلَكَيْنِ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ، ومِنَ المَلَكَيْنِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ.

﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِأمْرِ اللَّهِ.

والثّانِي: بِعِلْمِ اللَّهِ.

﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ يَعْنِي ما يَضُرُّهم في الآخِرَةِ، ولا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الخَلاقَ النَّصِيبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ الخَلاقَ الجِهَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الخَلاقَ الدِّينُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولَبِئْسَ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ في تَعْلِيمِهِ وفِعْلِهِ.

والثّانِي: مِن إضافَتِهِمُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَحْرِيضِهِمْ عَلى الكَذِبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن لو فإنه لا يكون أبداً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لمثوبة ﴾ قال: ثواب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا ﴾ أي: بمحمد والقرآن ﴿ وَاتَّقَوْا ﴾ اليهودية والسحر (١) ﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ يقال: أثابه إثابة ومَثَابة، والاسم: الثواب والمَثُوبَةُ والمثْوَبَةُ بفتح الواو (٢) قال أبو العباس: الثوابُ في الأصل معناه: ما رجع إليك من عائدة، وحقيقته (٣) إذا الداعي المُثَوّبُ قال: يالا (٤) والثوب مشتقّ من هذا، لأنه ثاب لباسًا بعد أن كان قُطنا أو غزلا (٥) وقوله تعالى: ﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ في موضع جواب لو؛ لأنه ينبئ عن قولك: لأثيبُوا، فَحُذِفَ الجواب، وجُعل قوله: ﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ بدلًا منه، واللامُ فيه لام الابتداء (٦) ومعنى الآية: أن ثواب الله خير لهم من كسبهم بالكفر والسحر (٧) (١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، "تفسير الطبري" 1/ 468، "تفسير البغوي" 1/ 132.

(٢) المثْوَبة: بفتح الواو شاذ كما قال اللحياني.

ينظر: "اللسان" 1/ 519، (مادة: ثوب).

(٣) في (أ)، (ش): (والحقيقة).

(٤) البيت نسب لزهير بن مسعود الضبي، ينظر: "لسان العرب" 8/ 4976 (مادة: يا) غير منسوب.

"المعجم المفصل" 6/ 81.

ونسب إلى الفرزدق في "لسان العرب" 7/ 4105 (لوم).

(٥) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 468، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 206، "تهذيب اللغة" 1/ 463 (مادة- ثاب)، "المفردات" للراغب الأصبهانى 89، "مقاييس اللغة" 1/ 393، وقال: الثاء والواو والباء قياس صحيح من أصل واحد وهو العود والرجوع.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 187 و"البحر المحيط" 1/ 335، وقد ذكر الطبري في "تفسيره" 1/ 468 أن بعض نحوي البصرة يرد ذلك، ويرى أن الجواب (لمثوبة).

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 187، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1087، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 108، و"التبيان" ص 81، و"البحر المحيط" 1/ 335.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ من الثواب وهو جواب: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ﴾ وإنما جاء جوابها بجملة اسمية وعدل عن الفعلية؛ لما في ذلك من الدلالة على إثبات الثواب واستقراره.

وقيل الجواب محذوف أي لأثيبوا ﴿ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ في الموضعين نفي لعلمهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولكن ﴾ خفيفاً ﴿ الشياطين ﴾ بالرفع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وكذلك قوله ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ ﴿ ولكن الله رمى ﴾ ﴿ الملكين ﴾ بكسر اللام ههنا وفي سورة الأعراف: قتيبة.

على أن المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل.

الوقوف: ﴿ علىملك سليمان ﴾ (ج) لأن الواو قد تصلح حالاً لبيان نزاهة سليمان وردّ ما افتروا عليه ﴿ السحر ﴾ (ط) قيل: على جعل "ما" نافية ولا يتضح لمناقضته ما في سياق الآية من إثبات السحر بل "ما" خبرية معطوفة على قوله ﴿ السحر ﴾ على أنها وإن كانت نافية يحتمل كون الواو حالاً على تقدير: يعلمون الناس السحر غير منزل فلا يفصل.

وفي الآية عشر "ماآت" إحداها كافة في ﴿ إنما ﴾ والأخيرة نكرة منصوبة في ﴿ لبئسما ﴾ والباقية خبرية ثم نافية ثم خبرية على التعاقب ﴿ وماروت ﴾ (ط) ﴿ فلا تكفر ﴾ (ط) ﴿ وزوجه ﴾ (ط) ﴿ بإذن الله ﴾ (ط) ﴿ ولا ينفعهم ﴾ (ط) ﴿ من خلاق ﴾ (ط) يجوز الوقف لابتداء اللام ﴿ أنفسهم ﴾ (ط) ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ خير ﴾ (ط) ﴿ يعلمون ﴾ (ه).

التفسير: من قبائح أفعالهم أنهم نبذوا كتاب الله وأقبلوا على السحر ودعوا الناس إليه، وهذا شأن اليهود الذين كانوا في زمن محمد  .

وقيل: إنهم الذين تقدموا من اليهود.

وقيل: إنهم الذين كانوا في زمن سليمان  من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ويعدّونه من جملة ملوك الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر.

والأولى أن يقال: اللفظ يتناول الكل.

قال السدي: لما جاءهم محمد  عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت.

ومعنى "تتلو" تقرأ، أو ﴿ على ملك سليمان ﴾ أي على عهده وفي زمانه.

وقيل: تلا عليه أي كذب.

فالقوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان.

وأما الشياطين فالأكثرون على أنهم شياطين الجن، وأنهم كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دوّنوها ويقرأونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمان سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم.

وقيل: إنهم شياطين الإنس لما روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله  بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم من بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إلا بهذه الأشياء.

وزيفوا قول الأكثرين بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخيفاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع، وهذا بخلاف ما يفعله الإنسان فإنه لا يكاد يخفى على بني نوعه.

واختلف في سبب إضافتهم السحر إلى سليمان فقيل: ليروج ذلك منهم.

وقيل: لأنهم ما كانوا مقرين بنبوته.

وقيل: لأنه لما خالط الجن وأظهر أسراراً عجيبة غلب على ظنونهم أنه استفاد ذلك من الجن.

وقوله ﴿ وما كفر سليمان ﴾ تنزيه له عما نسب القوم إليه من السحر المستلزم للكفر، فإن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً.

ثم بين أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال ﴿ ولكن الشياطين كفروا ﴾ ثم ذكر ما به كفروا فقد كان من الجائز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر فقال ﴿ يعلمون الناس السحر وما أنزل ﴾ أي ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين.

وهاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما ممتنعان من الصرف للعلمية والعجمة، وليسا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم، لأنهما لو كانا منهما لانصرفا.

وقيل: بدلان منهما.

ولنذكر ههنا حقيقة السحر وقصة هاروت وماروت.

أما السحر ففي اللغة عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه ومنه الساحر للعالم.

وسحره خدعه، والسحر الرئة، وفي الشرع: مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل من غير حقيقة ويجري مجرى التمويه والخداع.

ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله قال  ﴿ سحروا أعين الناس  ﴾ يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى.

وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد وهو السحر الحلال قال  "إن من البيان لسحراً" سمى  بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه ولطف عبارته، ويقدر على تحسين القبيح وتقبيح الحسن، يسخط تارة فيقول أسوأ ما يمكن، ويرضى تارة فيقول أحسن ما يعلم.

ثم السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهو قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله  إبراهيم  مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم مذاهبهم.

ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية بدليل أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعاً على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه.

وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام.

وحكي في الشفاء عن أرسطو أن الدجاجة إذا تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة في الصوت تنبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك.

وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية.

واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير طلب نفساني قليل الأثر.

ويحكى أن بعض الملوك عرض له فالج، فدخل عليه بعض الحذاق من الأطباء على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية وزالت تلك العلة المزمنة.

والإصابة بالعين مما اتفق عليه العقلاء، والتحقيق فيه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، كانت كأنها روح من الأرواح السماوية، وكانت قوية التأثير في مواد هذا العالم.

أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ألبتة إلا في هذا البدن.

فإذا أراد أن يتعدى تأثيرها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس فاشتغل الحس به وتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة بالكلية على ذلك، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ويعضده الانقطاع عن المألوف والمشتهيات وتقليل الغذاء والاعتزال عن الناس، ثم إن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر بحسب ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير.

وأما الرقى فإن كانت بألفاظ معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حسن البصر كما اشتغل بالأمور المناسبة للغرض، فحس السمع أيضاً يشتغل بها، فإن الحواس متى تطابقت متوجهة إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه أقوى وإن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة، ويحصل لها إذ ذاك انجذاب وانقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل، فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض.

وهكذا القول في الدخن قالوا: فثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل بالتأثير فإن انظم إليه الاستعانة بالقسم الأول وهو تأثيرات الكواكب قوي الأثر جداً، لا سيما إن حصل لهذه النفس مدد من النفوس المفارقة المشابهة لها أو من الأنوار الفائضة من النفوس الفلكية.

ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية وهو المسمى بالعزائم، وتسخير الجن ومنه التخييلات الآخذة بالعيون وتسمى الشعوذة.

وذلك أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً، والعنبة ترى في الماء كالزجاجة، ويرى العظيم من البعيد صغيراً.

وقد لا تقف القوة الباصرة على المحسوس وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً فيخلط البعض بالبعض ولا يتميز، فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم أديرت، فإن البصر يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان.

وأيضاً النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر، فلا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه لما أن قلبه مشغول بشيء آخر، وكذا الناظر في المرآة ربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستوٍ أم لا، فلا يرى شيئاً مما في المرآة.

فالمشعوذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استقر بهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة فيبقى ذلك العمل خفياً لتعاون الشيئين اشتغالهم بالأول وسرعة إتيانه بالثاني.

ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية، أو لضروب الخيلاء كفارسين يقتتلان فيقتل احدهما الآخر، ومنه الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، وقد يصورونها ضاحكة أو باكية.

وقد يفرق بين ضحك السرور وضحك الخجل، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال وهذا لا يعد من السحر عرفاً، لأن لها أسباباً معلومة يقينية.

ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، ومنها تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف القلب قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل في قلبه نوع من الرعب، وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء.

وإن من جرب الأمور وعرف أحوال الناس علم أن لتعليق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار.

ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع في الناس.

فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وعند المسلمين كلها مستندة إلى قدرة الله، فإنه لا يمنتع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة.

واتفقوا على أن العلم به ليس بقبيح ولا محظور، لأن العلم لذاته شريف ولعموم قوله  ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ولأن الفرق بينه وبين المعجز يمكن به إلا أن اجتنابه أقرب إلى السلامة كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية.

وأما أن الساحر هل يكفر أم لا فلا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور، فإنه يكون كافراً على الإطلاق، وهذا هو القسم الأول من السحر.

وأما النوع الثاني وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر على إيجاد الأجسام وإعدامها وتغيير البنية والشكل، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تفكيره، وأما أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله  عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل، فالمعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا: لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل، وزيف بأن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله  إظهار الخوارق على يده لئلا يحصل التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة فظهرت الخوارق على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس، فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة، وإن حصلت لم يتم فصوله الباطل كنار العرفج.

وأما سائر أنواع السحر فلا شك أنها ليست بكفر، وحكم من كفر بالسحر حكم المرتد.

وإذا سحر إنساناً فمات فإن قال: إني سحرته وسحري يقتل غالباً وجب عليه القود، وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل، فهو شبه عمد، وإن قال: سحرت غيره فوافق اسمه اسمه فخطأ.

وعن أبي حنيفة أنه قال: يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله "إني أترك السحر وأتوب منه" فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه.

وإن شهد شاهدان علي أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب، وإن أقر بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل.

وأما قصة هاروت وماروت فقد يروى عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ ثم وكل عليهم جمعاً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون وكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة، فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح.

ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة، فأراد الله أن يبتلي الملائكة فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علماً وزهداً وديانة لأنزلهم إلى الأرض فأختبرهم.

فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب.

فنزلا، فأمر الله  الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض، فجعلت الزهرة في صورة امرأة، والملك في صورة رجل.

ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إليها، ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا عليها وطلبا الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا الخمر فقالا: لا نشرب الخمر.

ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت: بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها.

قالا: وما هي؟

قالت: تسجدان لهذا الصنم.

فقالا: لا نشرك بالله شيئاً.

ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا: نفعل ثم نستغفر.

فسجدا للصنم.

ثم دخل سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا، فإن أردتما الوصول إليّ فاقتلا هذا الرجل.

فامتنعا منه، ثم اشتغلا بقتله.

فلما فرغا من القتل ارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه إنما أصابهما بسبب تعيير بني آدم.

وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض، وأنهما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا يعرجان به إلى السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم فعرجت إلى السماء فمسخها الله  وصيرها هذا الكوكب ثم إن الله  خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين الدنيا عاجلاً، فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع ليعلم السحر خاصة.

وهذه القصة عند المحققين غير مقبولة، فليس في كتاب الله ما يدل عليها، ولأن الدلائل الدالة على عصمة الملائكة تنافيها، ولاستبعاد كونهما معلمين للسحر حال العذاب، ولأن الفاجرة كيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وجعلها الله  كوكباً مضيئاً، ولأنه ذكر في القصة أن الله  قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا يا رب لما عصيناك وهذا منهم تكذيب الله وتجهيل.

فإذن السبب في إنزالهما أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبواباً غريبة من السحر وكانوا يدعون النبوة، فبعث الله هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكاذبين، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد.

وأيضاً تعريف حقيقة السحر ليميز بينه وبين المعجزة حسن، وكذا السحر لإيقاع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أوليائه.

ولعل للجن أنواعاً من السحر لا يقدر البشر على معارضتها إلا بإعانة الملك وإرشاده، ويجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث إنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم يمنعه من استعماله، كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب مزيد الثواب كما ابتلي قوم طالوت بالنهر ﴿ فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ ويقال: هذه الواقعة كانت في زمان إدريس لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض، فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين لأن رسول الإنس ثبت أنه لا يكون إلا منهم.

قوله  ﴿ وما يعلمان ﴾ أي وما يعلم الملكان أحداً حتى ينهياه وينصحاه ويقولا له ﴿ إنما نحن فتنة ﴾ ابتلاء واختبار من الله ﴿ فلا تكفر ﴾ بأن تتعلمه معتقداً له أنه حق أو متوصلاً به إلى شيء من المعاصي والأعراض العاجلة ﴿ فيتعلمون ﴾ الضمير لما دل عليه العموم في ﴿ من أحد ﴾ أي فيتعلم الناس من الملكين ﴿ ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته، وإما لأنه يفرّق بينهما بالتمويه والاحتيال كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله ﴿ وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله ﴾ بإدارته وقدرته، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئاً من أفعاله وإن شاء لم يحدث، وكان الذي يتعلمونه منهما لم يكن مقصوراً على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى وقرأ الأعمش ﴿ وما هم بضارين به من أحد ﴾ فجعل الجارّ جزءاً من المجرور وهو "أحد" وأضاف إلى المجموع وفصل بينهما بالظرف.

ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم يستعملونه في وجوه المفاسد ﴿ ولقد علموا ﴾ علم هؤلاء اليهود اللام فيه للابتداء وكذا في ﴿ لمن اشتراه ﴾ استبدل ما تتلو الشياطين واختاره على كتاب الله ﴿ ما له في الآخرة من خلاق ﴾ من نصيب كأنه قدر له هذا المقدار، وقيل: الخلاق الخلاص.

وقيل معنى الآية أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر للدنيا فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا ﴿ ولبئسما شروا به أنفسهم ﴾ أي باعوها والمخصوص محذوف وهو السحر أو منافع الدنيا، وجواب "لو" محذوف يدل على ما قبله أي لو كانوا يعلمون لعلموا قبح ما شروا.

ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً كما تقدم من الترجي في ﴿ لعلكم تتقون ﴾ وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب.

بقي ههنا سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله ﴿ ولقد علموا ﴾ على سبيل التوكيد بالقسم إجمالاً ثم نفاه عنهم في قوله ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾ ؟

فإن "لو" لامتناع الثاني لامتناع الأول، وكذا لو كان للتمني فإن التمني استدعاء أمر هو كالممتنع.

والجواب أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والذين لا يعلمون هم الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر.

سلمنا أن القوم واحد، ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر، علموا أنه لا خلاق لهم في الآخرة، وجهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارّها وعقوباتها، سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد، ولكنهم نسبوا إلى الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم ولم ينتفعوا به كما قيل: إنهم صم بكم عمي حيث لم ينتفعوا بالحواس.

ولما أوعدهم بقوله ﴿ ولقد علموا ﴾ أتبع ذلك الوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب ليكون أدعى إلى الطاعة وأنهى عن المعصية فقال ﴿ ولو أنهم آمنوا ﴾ بعين ما نبذوه من كتاب الله وهو القرآن أو التوراة التي يصدقها القرآن أو كلاهما، واتقوا فعل المنهيات وترك المأمورات، أو اتقوا الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين ﴿ لمثوبة من عند الله ﴾ لشيء من ثوابه ﴿ خير ﴾ ولا بد من تقدير فعل يكون "أن" مع ما بعده فاعلاً له، أي لو ثبت أنهم آمنوا، وجواب "لو" محذوف أيضاً ويدل عليه هذه الجملة الاسمية المصدرة باللام أي لأثيبوا وإنما تركت الفعلية إلى هذه ليدل على ثبات المثوبة واستقرارها.

ويجوز أن يكون القسم مقدراً وقوله ﴿ لمثوبة ﴾ جوابه ساداً مسد جواب الشرط مغنياً عنه، ودخول اللام الموطئة في الشرط غير واجب في القسم المقدر وإن كان هو الأكثر، على أن دخول اللام الموطئة "لو" مستثقل فيشبه أن يكون الأكثر بل الواجب ههنا عدم الدخول.

ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل: وليتهم آمنوا.

ثم ابتدئ ﴿ لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ﴾ أن ثواب الله خير مما هم فيه لآمنوا واتقوا، وقد علموا لكنه جهلهم لترك العلم بالعلم.

ويجوز أن يكون "لو" بمعنى التمني كما تقرر والله  أعلم.

التأويل: ﴿ واتبعوا ما تتلوا الشياطين ﴾ النفوس ﴿ على ملك سليمان ﴾ الروح الذي هو خليفة الله في أرضه ﴿ وما كفر سليمان ﴾ الروح ﴿ ولكن الشياطين ﴾ النفس والهوى ﴿ كفروا يعلمون الناس السحر ﴾ من تخييلات الهواجس وتمويهات الوساوس ﴿ وما أنزل على الملكين ﴾ فتنة وخذلاناً من العلوم الضارة غير النافعة كشبهات الفلاسفة والمبتدعة على ملكي الروح والقلب ﴿ ببابل ﴾ الجسد ﴿ هاروت ﴾ الروح ﴿ وماروت ﴾ القلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى الأرض العالم الجسماني بالخلافة لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا واتبعا خداعها فوقعا في شبكة الشهوة التي تركت فيها ابتلاء وامتحاناً، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل، وزنيا ببغي الدنيا الدنية، وعبدا صنم الهوى فعذبا منكسين برؤوسهما بالالتفات إلى السفليات وإعراضهما عن العلويات، فحرما استماع خطاب الحق وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية، ومع هذا من خصوصية الملائكة الروحانية ما يعلمان أحداً من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

والقوى البشرية حتى يلهماها ﴿ إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ﴾ القلب ﴿ وزوجه ﴾ دينه.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

بيَّن فيها الحلالَ والحرام، وما يُؤْتى وما يُتَّقى، وما يُنْهى وما يُؤْمر.

ويحتمل: الآيات التي أنزلها عليه ليُنْصر بها على المعاندين له، والمكابرين، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

يقول: كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم.

يحتمل: العهودَ التي أُخذت عليهم - في التوراة - أَن يؤمنوا بمحمد  ، ولا يكفروا به بعد الإيمان.

أَو أَخذ عليهم: ألا يكتموا نعته، وصفته، الذي في التوراة لأَحد، فنبذوا ذلك، ونقضوا تلك المواثيق والعهود التي أخذت عليهم.

ثم في الآية دلالة جعل القرآن حجة؛ لأنه قال: ﴿ نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ ، ولو كان في كتبهم ما ادعوا من الحجة والاتباع لأَتوا به معارضاً؛ لدفع ما احتج به عليهم؛ فثبت أَنهم كانوا كذبة في دعاويهم؛ حيث امتنعوا عن معارضته.

وقوله: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ ﴾ .

أي: وما يكفر بتلك الآيات إلا الفاسقون.

وقوله: ﴿ وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

يعني محمداً  .

﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

أي: نَعْتُه الذي كان في التوراة موافق لمحمد  .

وقيل: لما جاءَهم محمد  عارضوه بالتوراة؛ فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن، وأَخذوا بكتاب السحر الذي كتبه الشياطين.

ويحتمل: أَن محمداً  لما جاءَهم كان موافقاً لما مضى من الرسل، غير مخالف لهم؛ لأَن الرسل كلهم آمنوا به، وصدق بعضهم بعضاً.

وقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ .

يحتمل: كتاب الله: التوراة، على ما ذكرنا.

ويحتمل: كتاب الله، القرآن العظيم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: يعلمون، ولكن تركوا العمل به، والإيمان بما معهم؛ كأَنهم لا يعلمون؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم خرج فعلهم فعل من لا يعلم.

أَخبر: أَنهم نبذوا نبذ من لا يعلم، لا أَنهم لم يعلموا، ولكن نبذوه، سفهاً، وتعنتاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ ﴾ .

قيل: تتلو: ما كتبت الشياطين من السحر.

وقيل: تتلو؛ من التلاوة.

وقيل: ما تتلو: ما يروى الشياطينُ من السحر.

وهو قول ابن عباس -  ما - وهو يرجع إلى واحد.

والآية في موضع الاحتجاج على اليهود؛ لأَنهم ادعوا: أَن الذي هم عليه أُخِذَ عن سليمان  ، فإن كان كفراً فقد كفر سليمان.

فأَخبر الله - عز وجل - نبيَّه  : أَن سليمان ما كفر، ولكن الشياطين كفروا بما علَّموا الناس من السحر.

ويحتمل: لكن أَتْباع الشياطين كفروا باعتقادهم السحر، وعملهم به بتعليم الشياطين، فنسب ذلك إلى الشياطين بما بهم كفروا، كما نسبت عبادة الأصنام إلى الشياطين بما بهم عبدوا، والله أعلم.

وروي عن ابن عباس -  ما - قال: كان آصفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأَعظم، وكان يكتب كل شيء بأَمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه؛ فلما مات سليمان أَخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً، وكفراً، وكذباً؛ فقالوا: هذا الذي كان يعمل به سليمان؛ فأَكفرَه جهالُ الناس وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالُهم يسبونَه؛ حتى أَنزل الله - عز وجل - على محمد  : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ...

﴾ الآية.

وقال بعضهم: إن الشياطين ابتدعت كتاباً من السحر والأَمر العظيم، ثم أَفشته في الناس وعلمته إياهم؛ فلما سمع بذلك سليمان تتبع تلك الكتبَ، فدفنها تحت كرسيه كراهية أَن يتعلمها الناس.

فلما قُبض نبيُّ الله سليمان -  - عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها، وعلموها الناس، وأَخبروهم أَنه علم كان سليمان يكتمه، ويستأثره؛ فَعَذر الله نبيَّه سليمان، وبرأَه من ذلك على لسان نبينا محمد  بقوله  : ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ...

﴾ الآية.

وقيل أيضاً: لما مات سليمان -  - وقع في الناس أوصابٌ وأَوجاعٌ؛ فقال الناس: لو كان سليمان -  - حيّاً لكان عنده من هذا فرج، فظهرت الشياطينُ لهم فقالوا: نحن ندلكم على ما كان يعمل به سليمان -  - فكتبوا كتباً، فجعلوها في البيوت، فاستخرجوا الكتب التي كتبت لهم الشياطينُ من السحر، فقالوا: هذا ما كان يعمل به سليمان.

فأَنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ...

﴾ الآية.

فلا ندري كيف كانت القصة، غير أن اليهود تركت كتب الأَنبياءِ والرسل، واتبعوا كتب الشياطين وما دعوهم إليه من السحر والكفر، وبالله التوفيق.

وفيه دلالةُ رسالة محمد  ؛ بما أَخبرهم عن قصتهم - على ما كان - فدل أَنه كان عرف ذلك بالله عز وجل.

وفي ذلك أَن قد نسب إلى سليمان ما برأَه الله عنه من غير أَن يُبَيِّن ماهيَّته.

ذكره الله عز وجل لوجهين: دلالة لرسوله، وتكذيباً للذين نَحَلوه بما هو كفر.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ﴾ .

أي: في ملكه؛ إذ كان ذلك الوقت هو وقت ظهورهم، ثم سخَّرهم الله لسليمان، فأَمكن ذلك منهم.

أَلقاهُ على أَلسن المعاندين لسليمان في السِّر؛ فَروَوْه عنه بعد الوفاة؛ فكذبهم الله - عز وجل - وبرأَ نبيَّه -  - عن ذلك، وبين كيف كان بَدْؤُه.

فإِنما بينها للخلق؛ لئلا يتبعوا في الرواية كلَّ من لقي النبي؛ إذ قد يكون من أَمثالهم: اختراعُ الرواية، وإِلزامُ السامعين الأُمورَ المعتادة من الرسل، ورد ما لا يوافق ذلك من الرواية؛ ولذلك أَبطل أصحابُنا خبر الخاصِّ فيما يُبلى به العام.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ .

قيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ ﴾ على النفي، والجحد، معطوفاً على قوله: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ ﴾ .

وقيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ﴾ : والذي أُنزل على الملكين بِبَابل.

وقيل: سميت بابل لما تبلبلت به الأَلسن، يعني: اختلفت؛ فلا يعلم ذلك إلا بالسمع.

ثم اختُلِفَ في "هاروت" و"ماروت": فقال الحسن: لم يكونا ملكين، ولكنهما كانا رجلين فاسقين متمردين؛ وذلك أَن الله - عز وجل - وصف ملائكته بالطاعة له والائتمار بأَمره، بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6]، وكقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وكذلك يقول الحسن في إبليس: إنه لم يكن من الملائكة.

وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.

ثم عارض نفسه بقولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ .

فقال: إن المُخبِرَ بمثله إِذا عرف ولوع السامع به، وبما يعرض مثله - على العلم منه: أَنه يفعل، ولا يرتدع عن ذلك - يقول ذلك له؛ ترغيباً منه، والله أعلم.

ومنهم من يقول: كانا ملكين، لكنهما علما الاسمَ والأَعظم، فيقضيان به الحوائج إلى أَن حل بهما ما حل.

وبهذا يحتج في بَلْعَم بقوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ...

﴾ الآية [الأعراف: 175].

ثم اختلف بعد هذا على أَوجه: قال بعضهم: لم يكن ذلك منهما سحراً، بل هو تعويذ الفرقة يقدر عليه.

وقال قائلون: إن ما أُنزل على الملكين أُنزل كلاماً حسناً صواباً، لكنه خلط بالذي لقنهم الشيطان؛ فصار سحراً.

وقال آخرون: بلى.

كان هو في نفسه سحراً، يعلمان الناس ذلك، لكنه لا يُنهى عن تعليمه، ولا يكفر الذي تعلم.

إنما ينهى عن الاعتقاد له، فكان كالكفر الذي يعلم، لا يُنهى عن ذلك؛ لأَنه ما لم يعلم لم نعلم قبحهُ وفساده، ولكن إنما يُنهى عن الاعتقاد له؛ فكان كالكفر الذي في تعلمه، والله أعلم.

ثم نقول: إن قولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ على الاختيار منهما، وكلمة السحر جار عليهما في اللسان، من غير صنع لهما فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: إلا بعلم الله وقضائه.

وقيل: بخذلانه وتخليه.

وقيل: بمشيئة الله وإرادته.

وأَما ظاهر الإذن فهو يخرج على الإباحة؛ فالعقل يدفعه.

وقيل: إنه لا يصل إلى هاروت وماروت أَحد من بني آدم، وإنما يختلف بينهم شيطان في كل مسألة، والله أعلم.

ثم السحر يكون على وجهين.

سحر يكفر به صاحبه؛ فإن كان ذلك منه بعد الإسلام، يُقْتل به صاحبُه؛ لأَنه ارتداد منه.

وسحرُ لا يكفر به صاحبه؛ فلا يقتل به، إلا أَن يسعى في الأَرض بالفساد: من قتل الناس، وأَخذ الأَموال.

فهو كقاطع الطريق، يُحكم بحكمهم من القتل وسائر العقوبات، وإذا تاب قُبِلت توبتُه.

أَلاَ ترى أَن سحرةَ فرعون لما رأَوا الآيات آمنوا بالله -  - وتابوا توبة لا يطمع في مثل تلك التوبة من المسلم الذي نشأَ على الإسلام، حيث أَوعدهم فرعون بقطع الأَيدي والأَرجل، والصلب، وأَنواع العذاب، فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ  ﴾ .

وذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - في الساحرة: أَنها لا تقتل مرةً، وذكر عنه مرةً: أنها تقتل.

وقال في الساحر بالقولين.

فأَما ما روي عنه فيه بالقتل بعمل السحر، فهو على ما ذكرنا من قتله الناس بالسحر؛ فهو كالساعي في الأَرض بالفساد، لا بِعَيْن السحر.

أَو كفر بسحره بعد الإسلام؛ فيقتل كالمرتد عن الإسلام.

وما ذكر عنه: أَنه لا يُقْتل؛ فهو إذا لم يكن سحره سحرَ كفرٍ، ولا يسعى بالقتل في الأَرض لم يقتل به.

ثم قوله - في الساعي في الأَرض بالفساد: إنه إذا تاب قبل أن يُقدر عليه، سقط عنه القتل؛ فكذا الساحر.

وأما الذي هو لأجل الكفر يلزم القتل قبل التوبة، بعد القدرة عليه.

وعلى هذا يخرج قوله في الساحرة أيضاً.

ففيما قال: إنها لا تقتل؛ لما كان سحرها سحر كفر، والنساءُ لا يُقتلن للكفر.

وفيما قال: يقتلن؛ فلأَنهن يقتلن للسعي في الأَرض بالفساد كالرجل، والله أعلم.

وقال بعض الناس: لا تقبل توبة الساحر.

وهو غلط.

وأَحقُّ من يقبل توبتُه الساحرُ؛ إذ هو أَبلغ في تمييز ما هو حجة مما لا حجة.

وهذا هو الأَصل: أَن المُدَّعِيَ لشيء - على عهد الأَنبياءِ - إذا استقبلهم بمثله الأَنبياء - عليهم السلام - فهو أَحق من يلزمهم الإيمان به؛ لعلمهم بالحق منه.

والعوَامُّ منهم لا يعرفون إلا ظاهر ما يلزمهم، من تصديق الحجج، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ﴾ - من الدنيا - ﴿ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ في آخرتهم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ ﴾ .

يعني: اليهود في التوراة.

وقوله: ﴿ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ .

يعني: اختاره للسحر.

وقيل: يتعلمون ما يضرهم في آخرتهم، ولا ينفعهم إن علموه.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ يقول: لقد علمت اليهود أَن في التوراة آية لمن اختار السحر.

وقوله: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ ﴾ .

يقول: نصيب في الثواب.

وقيل: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أَي: ما له عند الله وجه.

وقوله: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: بئس ما باعوا به أنفسهم، يعني: اليهود الذين يعلِّمون الفرقة والسحر.

وقيل: ﴿ مَا شَرَوْاْ بِهِ ﴾ يقول: ما باعوا به أَنفسهم من السحر والكفر.

يعني: من لا يقرأَ التوراة.

أَو يعني: أن لو كانوا يعلمون ما باعوا به أنفسهم، ولكنهم لا يعلمون.

أي: لو علموا أنهم بم باعوا أَنفسهم من العذاب الدائم، لعلموا أنهم بئس ما باعوا به.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ ﴾ .

بتوحيد الله.

﴿ وٱتَّقَوْا ﴾ .

الشركَ، والسحر.

﴿ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ ﴾ .

يقول: لكان ثوابهم عند الله خيراً من السحر والكفر.

﴿ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ولكنهم لا يعلمون علم الانتفاع به، وهو كقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ ليسوا بصم ولا بكم ولا عمي في الحقيقة، ولكنهم صم من حيث لا ينتفعون به؛ إذ الحاجة من العلم، والبصر، والسمع الانتفاعُ به، فإذا ذهبت المنافع بهما فكان كمن لا علم معه ولا بصر له ولا سمع؛ حيث لا ينتفع، ولا يعمل به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أن اليهود آمنوا بالله حقًّا، واتقوه بفعل طاعته وترك معصيته؛ لكان ثواب الله خيرًا لهم مما هم عليه، لو كانوا يعلمون ما ينفعهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.zXAdG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ  ﴾ تقدم معناه في تفسير الآية ٤١ والآية ٨٩ وقوله ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ بيان لحال جديدة من أحوال أهل الكتاب يصح أن تكون علة لجميع ما صدر عنهم من الشناعات في معاداة النبي  ومجاحدته، وهي أن فريقًا منهم قد نبذوا كتاب الله الذي يفاخرون به ويحتجون بأنهم اكتفوا بالهداية به، وأنه لا حاجة لهم بسواه.

نبذوه أن جاءهم رسول مصدق له بحاله وصفاته، لأن البشارات التي فيه بالنبي الذي يجئ من آل إسماعيل لا تنطبق إلا على هذا الرسول، ومصدق له بمقاله باعترافه بنبوة موسى  وصدقه فيما جاء به من الهدى والشريعة، وتوبيخه اليهود على تحريف بعضها ونسيان بعض وترك العمل بما بقي لهم منها.

وليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله، وإنما المراد أنهم طرحوا جزءًا منه وهو ما يبشر بالنبي  ويبين صفاته ويأمرهم بالإيمان به واتباعه، أي فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره بمن يلقي الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكره.

وترك الجزء منه كتركه كله لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ويجرئ على ترك الباقي ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا  ﴾ ..

ولا فرق في هذا الحكم بين اليهود والنصارى فكل منها مبشَّر بالنبي  في كتابه، وكل منها قد نبذ الكتاب فلم يعمل به.

ولم يضر النبي  هذا الجحود من الفريق الجاحد لأن دعوته قد قبلها الآخرون واهتدى بها من لا يحصى من الأمتين ومن سائر الأمم، وإنما يضر الجاحدين لأنهم تركوا كتابهم الذي يزعمون أنه المنجي والمخلص لهم وحرموا من هداية خاتم النبيين، التي هي أكمل هداية أنعم الله بها على العالمين.

قال تعالى بعدما ذكر نبذهم الكتاب ﴿ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي نبذوه نبذ من لا يعلم أنه كتاب الله، يريد أنهم بالغوا في تركه وإهماله، ومن ترك شيئًا من أمر الله وهو يعلم أنه أمره ولكن طاف به طائف من الشيطان فغلب على أمره فإنه لا يلبث أن يعود، ولكن هذا الفريق النابذ لكتاب الله تعالى من حيث هو مبشِّر بالنبي وآمر باتباعه يتمادى بهم الزمان ولا يتوبون ولا يرجعون، وما أحسن التعبير عن ذلك بنفي الحال والاستقبال دون نفي الماضي.

ثم ذكر تعالى أن أولئك الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم مجاحدة للنبي  وحسدًا له قد تبدلوا الكفر بالإيمان واشتروا الضلالة بالهدى ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ  ﴾ من الإنس في قصصها وأساطيرها، أو من الجن في وسوستها أو منهما جميعًا، على حد قوله تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ  ﴾ أي ما كانت تتلو على عهده وفي أيام ملكه إذ زعموا أن ملكه قام على أساس السحر والطلسمات، وأنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام مرضاة لنسائه الوثنيات ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ  ﴾ وما سحر ﴿ وَلَكِنَّ  ﴾ أولئك ﴿ الشَّيَاطِينَ  ﴾ الذين يسندون إليه ما انتحلوه من السحر، وما تلبسوا به من الكفر، هم الذين ﴿ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ ليفتنوا به العامة ويضلونهم عن طلب الأشياء من أسبابها الظاهرة ومناهجها المشروعة.

بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح.

وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله ﴿ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ  ﴾ وكقوله ﴿ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ  ﴾ وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرًا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية.

ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء، ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئي.

جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن وأكثره في قصة موسى وفرعون وذكر هنا في الكلام عن اليهود.

وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفي، وقالوا سحره وسحَّره بمعنى خدعه وعلله، وقالوا عين ساحرة وعيون سواحر، وفي الحديث الصحيح "إن من البيان لسحرًا" والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة والرئة في الباطن فيا لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدي إليه غير أهله فهو باطن خفي، ومنه الخداع وهو أن يظهر لك شيئًا غير الواقع في نفس الأمر، فالواقع باطن خفي، وتأثير العيون في عشاق الحسان، والكلام البليغ في عشاق البيان، مما يخفى مسلكه ويدق سببه، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره.

وقد وصف الله السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس بكائن كائنًا فقال ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى  ﴾ والكلام في حبال السحرة وعصيهم وفي آية أخرى ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ  ﴾ وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم، والتاريخ يشهد بهذا، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم كما يؤخذ من قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ  ﴾ ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرًا لخفاء سببه، و لطف مأخذه، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة .

وقد قال المؤرخون إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى.

وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام مبهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي.

ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة، وسببه اعتقاد الواهم أن الشياطين يستجيبون لقارئه ويطيعون أمره، ومنهم من يعتقد أن فيه خاصية التأثير، وليس فيه خاصية وإنما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته.

وهذا هو السبب في اعتقاد الدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب.

وقد اختلف المتكلمون والمفسرون والفقهاء في حقيقة السحر وفي أحكامه وعده بعضهم من خوارق العادات، وفرقوا بينه وبين المعجزة، ولم يذكروا في فروقهم أن السحر يتلقى بالتعليم ويتكرر بالعمل فهو أمر عادي قطعًا بخلاف المعجزة.

وفي قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ وجهان: (أحدهما): أنه متصل بقوله ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا  ﴾ أي أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر.

(وثانيهما): وهو الأظهر، أنه متصل بالكلام عن اليهود، وأن الكلام في الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم.

وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورًا في زمن التنزيل، ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم.

أي إن فريقًا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.

وههنا يقول القائل بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟

فأجاب على طريق الاستئناف البياني ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  ﴾ إلخ، ونفي الكفر عن سليمان وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض فعلم أيضًا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية أيضًا.

وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعليم السحر لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ويضرون بها الناس خداعًا وتمويهًا وتلبيسًا.

ثم قال ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ  ﴾ فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصة كانوا يتحدثون بها، كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو؟

أشعوذة وتخييل، أم خواص طبيعية، وتأثيرات نفسية؟

وهذا ضرب من الإعجاز في الإيجاز انفرد به القرآن.

يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات لأجل الاعتبار به فينظمه في أسلوب يمكن لكل أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده لذلك الشيء في تفصيله.

ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى وبأساليب لا يستطيع أن ينكرها من يدعي أن السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك مما ذكرناه، ولا يستطيع أن يردها من يدعي أنه من خوارق العادات.

والحكمة في ذلك أن الله  قد وكل معرفة هذه الحقائق الكونية إلى بحث الإنسان واشتغاله بالعلم لأنه من الأمور الكسبية، ولو بين مسائلها بالنص القاطع لجاءت مخالفة لعلم الناس واختبارهم في كل جيل لم يرتق العلم فيه إلى أعلى درجة، ولكانت تلك المخالفة من أسباب الشك أو التكذيب فإننا نرى من الناس من يطعن في كتب الوحي لتفسير بعض تلك الأمور المجملة بما يتراءى لهم وإن لم تكن نصًا ولا ظاهرًا فيه، ويزعمون أن كتاب الدين جاء مخالفًا للعلم وإن كان ذلك الذي يطلقون عليه اسم العلم ظنيًا أو فرضيًا.

في ﴿ الْمَلَكَيْنِ  ﴾ قراءتان: فتح اللام وكسرها فالأولى قراءة الجمهور والثانية قراءة ابن عباس والحسن وأبي الأسود والضحاك.

وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر ويؤيده ما قيل إن المراد بهما داود وسليمان عليهما السلام.

وقيل بل هما رجلان صاحبا وقار وسمت فشبها بالملائكة، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الإجلال فشبها بالملوك، وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة يقولون: هذا ملَك وليس بإنسان: كما يقولون فيمن كان سيدًا عزيزًا يظهر الغنى عن الناس من حيث يحتاجون إليه: هذا سلطان زمانه: جلت حكمة الله في خلقه فقد قَدَّ هؤلاء الآدميين من أديم واحد، كان الناس على عهد"هاروت"و"ماروت"-اللذين كان يتحدث بخبرهما ولا يحدد تاريخهما- على مثالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الأهلية من الجهة الروحانية إلا إلى أهل السمت والوقار اللابسين لباس أهل التقوى والصلاح، هذا ما نشاهدهم عليه في زماننا وهذا ما حكى الله تعالى عنهم في الزمن القديم، ولعل الله تعالى سماهم ملكين (بفتح اللام) حكاية لاعتقاد الناس فيهما، أو على سبيل المجاز كما قال بعض المفسرين.

قال تعالى في اليهود ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ  ﴾ والظاهر هو العطف أن ما أنزل عليهما هو غير السحر ضم إليه لأنه من جنسه في كون تعليمه سيئة مذمومة أو هو لتغاير الاعتبار أو النوع.

وليس معنى الإنزال عليهما أنه وحي من الله كوحيه للأنبياء فيشكل عده من الشر والباطل الذي يذم تعلمه، فإن كلمة أنزل تستعمل في مواضع لا صلة بينها وبين وحي الأنبياء قالوا: أنزلت حاجتي على كريم، وأنزل لي عن هذه الأبيات: ويقال: قد أنزل الصبر على قلب فلان: وقال تعالى ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ  ﴾ وقال ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ولعل التعبير عما أوتياه من العلم بالإنزال لأنه لم يكن يعرف له مأخذ غيرهما يراد أنهما ألهماه إلهامًا واهتديا إليه من غير أستاذ ولا معلم.

ويصح أن يسمى مثل هذا وحيًا لخفاء منبعه وليس الوحي وإلهام الخواطر خاصًا في عرف اللغة ولا عرف القرآن بالأنبياء ولا بما يكون موضوعه خيرًا أو حقًا فقد قال تعالى ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ  ﴾ وقال ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ  ﴾ وقال ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ وقال الشاعر: رأس الغواية في العقل السقيم فما فيه فأكثره وحي الشياطين وذكر ابن جرير الطبري وجهًا آخر في تفسير ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ  ﴾ ونقله كثير من المفسرين وهو أن ﴿ وَمَا  ﴾ نافية أي أن اليهود يعلمون الناس السحر ويرتقون بسنده إلى الملكين ببابل وما أنزل السحر على الملكين فكيف كانوا يعلمونه بني إسرائيل؟.

وقد ضعفوه بأن الثابت في الواقع أن بني إسرائيل كانوا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين.

ثم قال ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ  ﴾ أي أن ما عندنا هو أمر يبتلي به الله الناس ويختبرهم فلا تتعلم ما هو كفر.

فإن أصر علَّماه.

قال تعالى ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ  ﴾ صيغة المضارع في هذه الجملة وما قبلها لتصوير ما كان كأنه كائن فالكلام تصوير للقصة لا حكم بمضمونها أي أنهم كانوا يتعلمون منهم ما وضع لأجل التفريق بين الزوجين وهو نحو ما يسميه الدجاجلة الآن "كتاب البغضة".

وليس في العبارة ما يدل على أن ما يتعلمونه لهذا الغرض هو مؤثر فيه بطبعه أو بسبب خفي أو بخارقة لا تعقل لها علة ولا أنه غير مؤثر، وليس فيها بيان لما يتعلمونه هل هو كتابة تمائم، أو تلاوة رقي وعزائم، أو أساليب سعاية، أو دسائس تنفير ونكاية، أو تأثير نفساني، أو وسواس شيطاني، وأي شيء من ذلك ثبت علمًا كان تفصيلًا لما أجمله القرآن في الواقع.

ولا يجوز لنا أن نتحكم بتفصيل ما أجمله القرآن فنحمله على أحد ما ذكر أو على غيره.

ولو علم الله أن الخير لنا في بيان ذلك لبينه كما قلنا في مثله مرار.

لم يبين القرآن ذلك الإجمال ولا حقيقة ذلك العلم لأنه موكول إلى بحث البشر وارتقائهم في العلم كما تقدم، ولكنه لم يهمل ما يتعلق بالعقائد وبيان الحق فيها ولذلك قال بعد حكاية السحر عنهم ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي أنهم ليس لهم قوة غيبية وراء الأسباب التي ربط الله بها المسببات فهم يفعلون بها ما يوهمون الناس أنه فوق استعداد البشر، وفوق ما منحوا من القوى والقدر، فإذا اتفق أن أصيب أحد بضرر من أعمالهم فإنما ذلك بإذن الله أي بسبب من الأسباب التي جرت العادة بأن تحصل المسببات من ضـر ونفع عند حصولها بإذن الله تعالى.

وهذا الحكم التوحيدي هو المقصد الأول من مقاصد الدين، فالقرآن لا يترك بيانه عند الحاجة، بل عند كل مناسبة، وربما ترد في القرآن قصة مثل هذه القصة لأجل بيان الحق في مسألة اعتقادية كهذه المسألة لأن إيراد الأحكام في سياق الوقائع أوقع في النفس وأعصى على التأويل والتحريف.

ثم قال بعد نفي القوة التي وراء الأسباب عنهم ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ  ﴾ يضرهم لأنه سبب في الإضرار بالناس وهو محرم يعاقب الله تعالى عليه في الأخرة ومن عرف بإيذاء الناس يمقته الناس ويكونون عليه.

ولما كان بعض الضار من جهة نافعًا من جهة أخرى وربما كانت منفعته أكبر من إثمه نفى المنفعة بعد إثبات المضرة، فهذا النفي واجب في قانون البلاغة لا بد منه.

وقد صدق الله تعالى، فإننا نرى منتحلي السحر وما في معناه أفقر الناس وأحقرهم، ولو عقل السفهاء الذين يختلفون إليهم يلتمسون المنافع لأنفسهم والإيقاع بأعدائهم لعلموا أن الشقي في نفسه لا يمكن أن يهب السعادة لغيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

هذه حالهم في الدنيا فكيف يكونون في الآخرة يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟

لا جرم أنها تكون حالًا سوءى، واليهود يعلمون ذلك كما قال ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ  ﴾ أي أنهم يعلمون أن من اختار هذا واستبدله بما آتاه الله من أصول الدين الحق وأحكام الشريعة العادلة الموصلين إلى سعادة الدنيا والآخرة فليس له نصيب في نعيم الآخرة، وذلك أن التوراة قد حظرت تعليم السحر وجعلته كعبادة الأوثان وشددت العقوبة على فاعله وعلى أتباع الجن والشياطين والكهان، ولا ينافي هذا العلم قوله ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ فإن العلم علمان: علم تفصيلي متمكن من النفس متسلط على إرادتها يحركها إلى العمل، وعلم إجمالي خيالي يلوح في الذهن مبهمًا عندما يعرض ما يذكر به ككتاب وإلقاء سؤال، وهو يقبل التحريف والتأويل، وليس له منفذ إلى الإرادة ولا سبيل، فقد كانوا يستحلون أكل السحت كالرشوة والربا بالتأويل كما يفعل غيرهم اليوم وقبل اليوم.

ولو كانوا يعلمون حرمة ما ذكر علمًا تفصيليًا يستغرق جميع جزئيات المحرم ويفقهون علة التحريم وسره ويصدقون بما توعد الله مرتكبه من العقوبة في الآخرة تصديقًا جازمًا ويتذكرونه وقت العمل بما للعقيدة من السلطان على الإرادة لما ارتكبوا ما ارتكبوه مع الإصرار عليه، ولكنهم فقدوا هذا النوع من العلم ولم يغن عنهم تصور أن السحر والخداع كلاهما حرام كالربا والرشوة لأن في الكتاب عبارة تدل على ذلك فإن العبارة تحتمل ضروبًا من التأويل ككون النهي خاصًا بمعاملة شعب إسرائيل وكانوا يقولون ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ  ﴾ إذا أكلنا أموالهم بالباطل، و كاشتراط الضرر في السحر مع ادعاء أن ما يأتونه منه نافع غير ضار وغير ذلك.

وإننا نرى كثيرًا من الحرمات قد انتهكت في المسلمين بمثل تلك التأويلات حتى جوز بعض المشتغلين بالفقه هدم ركن من أعظم أركان الإسلام بالحيلة وهو ركن الزكاة الذي يحارب تاركوه شرعًا، ونرى هذه الحيل قد أثرت في الأمة أسوأ التأثير فقلما يوجد فيها غني يؤدي الزكاة.

ولا يعتقد المتمسك بالدين من هؤلاء الأغنياء أنه متعرض لمقت الله وعقوبته، وأنه قد فسق عن أمر ربه، لأنه يمنع الزكاة بحيلة يسميها شرعية، وقد أخذها عمن يسمون فقهاء، ويفتخرون بأنهم ورثة الأنبياء، ثم إن الحيل على التزوير وأكل أموال الناس بالباطل لها في بعض الكتب وعلى ألسنة كثيرين من أصحاب العمائم مجال واسع و ميدان فسيح ، ولها أقبح التأثير في إفساد العامة واستباحتهم المحظورات ولقد صارت هذه الحيل على الله  والتأويلات الباطلة الهادمة لدينه معدودة من علم الدين حتى أنه ليأتيها من لا منفعة له في إتيانها ممن يعدون صالحين، ومن أعجب ذلك أن بعض أهل العلم الصالحين يشهد الزور بمثل هذه التأويلات وقد نقل الثقات أن طالب الشهادة يستعطفه ويستميل قلبه بالشكوى من الظلم وإرادة الاستعانة بشهادته على دفع المظلمة والتخلص من الأذى فيأمر الشيخ بأن تطوى الورقة المشتملة على قول الزور بحيث يحجب سواد الكتابة فلا يراه ويضع توقيعه وختمه في ذيلها كأنه وضعهما على ورقة خالية، وهو يعلم أنها ليست خالية من الكتابة، ويعرف ما فيها من الكذب.

فهل نقول إنه غير عالم بقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ  ﴾ وقوله ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ وبما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي  قال وكان متكئًا: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟

الإشراك بالله وعقوق الوالدين - ثم قعد فقال- ألا وقول الزور وشهادة الزور" فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت.

وبما روياه من حديث أبي هريرة مرفوعًا أيضًا" آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وفي رواية لغيرهما" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم" وذكرهن - بل إنه عالم بكل ذلك ولكنه التأويل أفسد على كل اهل دين دينهم.

ولقد صار العالم المسلم عاجزًا في أكثر بلاد المسلمين عن إنكار ما يخالف هدى الكتاب والسنة من كتب الميتين، لا سيما إذا اشتهروا باختبار كتبهم للتدريس.

وحجة هؤلاء المقلدين على نصر كتب الميتين وترجيحها على كتاب الله وسنة رسوله هي أن القادرين على الاهتداء بهما قد انقرضوا فوجب على المسلمين ترك العمل بهما والاعتماد على كتب العلماء المتأخرين الذين استنبطوا من قواعد أئمتهم جميع مسائل الدين، فعلينا أن نأخذ بكل ما قالوا، وأن لا ننظر في الكتاب والسنة إلا للتبرك بهما، فإن رأينا خلافًا بين قول الله ورسوله وقول الفقيه لا يحتمل التأويل فعلينا أن نتهم عقولنا وأفهامنا وننزه فهم الفقيه الميت وعقله ونعمل بقوله مكابرين أنفسنا التي سجل عليها الحرمان من فهم الكتاب المبين والسنة البيضاء التي وصفها صاحبها بأن ليلها كنهارها أي لا يشتبه فيها أحد!!!

هذا ما عليه جماهير المسلمين، ولم يبعد من قبلهم عن كتاب ربهم أشد من هذا البعد، وسيعودون إليه بعد حين، فقد أخذهم العذاب على تركه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ  ﴾ أي لو أنهم استبدلوا الإيمان بما جاء به النبي  بهذا السحر الخادع واتباع نزعات الشياطين أو لو آمنوا بكتابهم إيمانا حقيقيًا ومنه البشارة بالنبي والأمر باتباعه واتقوا بالعمل به والمحافظة على حدوده مغبة ما ينتظره المجرمون من العقوبة على العصيان، لكان ثواب الله لهم على الإيمان الصحيح والعمل الصالح خيرًا لهم من جميع ما توهموه في المخالفة من المنافع، ثم قال ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي أنهم في كل ما هم عليه من الأباطيل، ومن زعمهم أنها ترجع إلى الكتاب بضروب من التأويل، يتبعون الظنون ويعتمدون على التقليد، وليسوا على شيء من العالم الصحيح، ولو كانوا يعلمون علمًا صحيحًا لظهر أثره في أعمالهم ولآمنوا بالنبي  واتبعوه فكانوا من المفلحين.

ومن مباحث اللفظ في الآيات أن ﴿ بَابِلَ  ﴾ بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة -قبل الكوفة- في أشهر أقوال المفسرين، ويؤخذ من بعض كتب التاريخ أنها كانت في الجانب الشرقي من نهر الفرات بعيدة عنه، ويقال إن أصل اشتقاقها في العبرانية يدل على الخلط إشارة إلى ما يرويه العبرانيون من اختلاط الألسنة هناك.

و ﴿ هَارُوتَ  ﴾ و ﴿ مَارُوتَ  ﴾ اسمان أعجميان ولو كانا مشتقين من الهرت والمرت كما زعم بعضهم لا منعا من الصرف.

و ﴿ مِنْ  ﴾ في قوله تعالى ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ  ﴾ لاستغراق النفي وتأكيده، وهي ليست بزائدة، وإنما الزائد ما يذكر للتحلية ولا يكون له معنى ما وفاقًا لكثير من المفسرين.

والمثوبة الثواب و ﴿ لَمَثُوبَةٌ  ﴾ خبر (لو) أي لكانت مثوبة من الله خيرًا.

وقد قدروا لها فعلًا فقالوا: الأصل لأثيبوا مثوبة فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة ونكرت لبيان أنها مهما قلت فهي خير لهم وأصلها الثوب بمعنى الرجوع كأن المحسن يثوب إلى من أحسن إليه بعد الإعراض.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله