الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٠١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال هاهنا : ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) أي : اطرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم ، مما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم ، أي : تركوها ، كأنهم لا يعلمون ما فيها ، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه .
ولهذا أرادوا كيدا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسحروه في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر ، تحت راعوثة بئر ذي أروان .
وكان الذي تولى ذلك منهم رجل ، يقال له : لبيد بن الأعصم ، لعنه الله ، فأطلع الله على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ، وشفاه منه وأنقذه ، كما ثبت ذلك مبسوطا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها ، كما سيأتي بيانه .
قال السدي : ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ) قال : لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها ، فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت ، فلم يوافق القرآن ، فذلك قوله : ( كأنهم لا يعلمون ) وقال قتادة في قوله : ( كأنهم لا يعلمون ) قال : إن القوم كانوا يعلمون ، ولكنهم نبذوا علمهم ، وكتموه وجحدوا به .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ولما جاءهم)، أحبار اليهود وعلماءها من بني إسرائيل -(رسول)، يعني بالرسول: محمدا صلى الله عليه وسلم.
كما:- 1643 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: (ولما جاءهم رسول)، قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم.
* * * وأما قوله: (مصدق لما معهم)، فإنه يعني به أن محمدا صلى الله عليه وسلم يصدق التوراة والتوراة تصدقه، في أنه لله نبي مبعوث إلى خلقه.
* * * وأما تأويل قوله: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم)، فإنه للذي هو مع اليهود, وهو التوراة.
فأخبر الله جل ثناؤه أن اليهود لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بتصديق ما في أيديهم من التوراة، أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي لله,(نبذ فريق), يعني بذلك: أنهم جحدوه ورفضوه بعد أن كانوا به مقرين، حسدا منهم له وبغيا عليه.
وقوله: (من الذين أوتوا الكتاب).
وهم علماء اليهود الذين أعطاهم الله العلم بالتوراة وما فيها.
ويعني بقوله: (كتاب الله)، التوراة.
وقوله: (وراء ظهورهم)، (85) جعلوه وراء ظهورهم.
وهذا مثل, يقال لكل رافض أمرا كان منه على بال: " قد جعل فلان هذا الأمر منه بظهر، وجعله وراء ظهره ", يعني به: أعرض عنه وصد وانصرف، كما:- 1644 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم)، قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها, فاتفقت التوراة والقرآن, فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت.
(86) فذلك قوله الله: (كأنهم لا يعلمون).
* * * ومعنى قوله: (كأنهم لا يعلمون)، كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود - فنقضوا عهد الله بتركهم العمل بما واثقوا الله على أنفسهم العمل بما فيه - لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه.
وهذا من الله جل ثناؤه إخبار عنهم أنهم جحدوا الحق على علم منهم به ومعرفة, وأنهم عاندوا أمر الله فخالفوا على علم منهم بوجوبه عليهم، كما:- 1645 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب)، يقول: نقض فريق من الذين أوتوا الكتاب " كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون): أي أن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم أفسدوا علمهم، وجحدوا وكفروا وكتموا.
* * * --------------------------- الهوامش : (85) في المطبوعة : "وقوله نبذوه وراء ظهورهم" ، فحذفت"نبذوه" ، لأن الطبري ساق الآية بتمامها ، وهذا لفظ مقحم فيها .
(86) في تفسير ابن كثير 1 : 247 زيادة ، بعد قوله : "وماروت ، فلم يوافق القرآن ، فذلك قول الله" .
وآصف : كان كاتب سليمان .
وكان يعلم الاسم الأعظم ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان .
ويدفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين ، فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا (ابن كثير 1 : 248) .
قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمونقوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نعت لرسول ، ويجوز نصبه على الحال .
نبذ فريق جواب لما ، من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله نصب ب نبذ ، والمراد التوراة ; لأن كفرهم بالنبي عليه السلام وتكذيبهم له نبذ لها .
قال السدي : نبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت .
وقيل : يجوز أن يعني به القرآن .
قال الشعبي : هو بين أيديهم يقرءونه ، ولكن نبذوا العمل به .
وقال سفيان بن عيينة : أدرجوه في الحرير والديباج ، وحلوه بالذهب والفضة ، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه ، فذلك النبذ .
وقد تقدم بيانه مستوفى .
كأنهم لا يعلمون تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل الجاهل فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم .
أي: ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم، وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم, فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به، { نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ } الذي أنزل إليهم أي: طرحوه رغبة عنه { وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه، وحقيّة ما جاء به.
تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول, فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون.
{ولما جاءهم رسول من عند الله} يعني محمداً.
{مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} يعني التوراة، وقيل: التوراة وقيل: القرآن.
{كأنهم لا يعلمون} قال الشعبي: "كانوا يقرؤون التوراة ولا يعملون بها"، وقال سفيان بن عينية: "أدرجوها في الحرير والديباج وحلوها بالذهب والفضة ولم يعملوا بها فذلك نبذهم لها".
«ولما جاءهم رسول من عند الله» محمد «مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله» أي التوراة «وراء ظهورهم» أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره «كأنهم لا يعلمون» ما فيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب الله.
ولما جاءهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن الموافق لما معهم من التوراة طرح فريق منهم كتاب الله، وجعلوه وراء ظهورهم، شأنهم شأن الجهال الذين لا يعلمون حقيقته.
ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن نبذ اليهود لكتاب الله ، واتباعهم للسحر والأوهام ، فقال - تعالى - :( وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ .
.
.
)المعنى : وحين جاء اليهود وأحبارهم رسول من عند الله ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة ، طرح فريق كبير منهم تعاليم التوراة التي تشهد بصدقه ، وراء ظهورهم ، حتى لكأنهم يجهلون أنها من عند الله ، واتعبوا ما قصته واختلقته الشياطين من السحر والأوهام والمفتريات على عهد سليمان - عليه السلام - ومن هذه المفتريات والأكاذيب زعمهم أن سليمان - عليه السلام - كان ساحراً ، وما تم له ملكه العريض ، ولا ظهرت على يديه المعجزات الباهرة من تسخير الجن والريح إلا بهذا .وقد أكذبهم الله - تعالى - في هذه الزعم بقوله : ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) أي : بتعلم السحر والعمل به ، كما يزعم هؤلاء ( ولكن الشياطين ) هم الذين ( كَفَرُواْ ) بتعلم السحر وتعليمه للناس ، وتعليمهم - أيضاً - ضرباً آخر منه وهو ( وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) من وصف السحر وما هيته وكيفية الاحتيال به ، ولقد كان المكان لا يعلمان أحدا من الناس السحر حتى ينصحاه بقولهما : إن السحر الذي نعلمك إياه القصد منه التمييز بين المطيع والعاصي ، وبين السحر والمعجزة ، فحذار أن تستعلمه فيما نهيت عنه فتكون من الكافرين ، بخلاف الشياطين فإنهم تعلموه وعلموه لغيرهم لاستعماله في الشرور والآثام ، ولإحداث التفرقة بين الزوجين ، ولكن هذا السحر الذي يتعاطاه الشياطين وأتباعهم لن يضر أحداً بذاته ، وإنما ضرره يتأتى إذا أراد الله تعالى - ذلك وشاءه ، ولقد علم أولئك النابذون لكتاب الله المؤثرون عليه اتباع السحر ، أن من استبدل السحر بكتاب الله ، فليس له نصيب من نعيم الجنة ، ( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) علماً نافعاً .
( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ ) بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم كما أرشدتهم إليه التوراة ، ( واتقوا ) المعاصي والآثام لأثيبوا مثوبة من عند الله هي خير لهم مما آثروه واختاروه على كتاب الله ( لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) .وقوله تعالى : ( وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كِتَابَ الله وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ) .
.
إلخ الآية .بيان لما صدر عن اليهود من تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم وطرح لتعاليم كتابهم التي أمرتهم باتباعه .أخرج ابن جرير عن السدى قال في قوله تعالى : ( وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كِتَابَ الله وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) أي لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها .فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة والقرآن وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت ، فذلك قول الله ( كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) أي كأن هؤلاء الذين نبذوا كتاب الله من علماء اليهود ، فنقضوا عهد الله ، لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه .وفي وصف الرسول بأنه آت من عند الله تعظيم له ، ومبالغة في انكار عدم إيمانهم به ، وإغراء للناس جميعاً بالدخول في دعوته ، لأنه ليس رسولا من تلقاء نفسه ، وإنما هو رسول من عند الله - تعالى - :والمراد ( لِّمَا مَعَهُمْ ) التوراة .
وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم لها ، معناه أن ما جاء به من تعاليم موافق لها في أصول الدين ، وأن ما جاءت به من صفات للرسول المنتظر بعد عيسى - عليه السلام - لا تنطبق إلا عليه صلى الله عليه وسلم .وعبر - سبحانه - عن تركهم العمل بالكتاب الذي نزل لهدايتهم بالنبذ ، مبالغة في عدم اعتدادهم ، وتناسبهم إياه ، لأن أصل النبذ طرح وإلقاء ما لا يعتد به .وفي إسناد النبذ إلى فريق من الذين أوتوا الكتاب ، سخرية بهم ، واستجهال لهم ، لأن الذين أوتوه هم الذين نبذوه ، ولو كان النابذون من المشركين لكان لهم بعض العذر لجهلهم ، ولكن أن يكون التاركون للنور هم الذين أوتوه وأكرموا به ، فذلك هو الضلال المبين .والمراد من ( كِتَابَ الله ) الذي نبذوه لما جاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التوراة ، لأنهم لو كانوا مؤمنين بها حقاً ، لاتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ذكرت صفاته فيها ، والذي وجب عليهم بقتضى كتابهم التوراة الإِيمان به ، فهم بجحودهم لنبوته ، يكونون جاحدين لتوراتهم التي شهدت له بالصدق .وقيل المراد بكتاب الله الذي نبذوه القرآن ، لأنهم لم يؤمنوا به ، بل تركوه بعد سماعه ، وتناسوا ما اشتمل عليه من هداية وإرشاد ، مع أنه كان من المتحتم عليهم أن يتلقوه بالقبول .والذي نراه أن الرأي الأول أرجح ، لأن النبذ يقتضي سابقة الأخذ ، في الجملة .
وهو متحقق بالنسبة للتوراة ، بخلاف القرآن الكريم فإنهم لم يسبق لهم أن تمسكوا به ، ولأن مذمتهم تكون أشد وجحودهم أكثر ، إذا كان المراد بالكتاب الذي نبذوه ، هو عين الكتاب الذي نزل لهدايتهم وآمنوا به وهو التوراة .وقوله تعالى : ( وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ) كناية عن إعراضهم الشديد عنه ، وتوليهم عن تعاليمه .تقول العرب : جعل هذا الأمر وراء ظهره ، أي تولي عنه معرضاً ، لأن ما يجعل وراء الظهر لا ينظر إلأيه ، ففي هذه الجملة الكريمة تصوير صادق لإِعراضهم عن كتاب الله - تعالى - حيث شبه - سبحانه - تركهم لكتابه ، بحالة شيء يرمى به وراء الظهر استهانة به .
وفي إضافة الوراء إلى الظهر ، تأكيد لنبذ ما ترك بحيث لا يؤخذ بعد ذلك .قال الأستاذ الإِمام : ليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته ، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله .وإنما المراد أنهم طرحوا أجزاء منه وهو ما يبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم ويبين صفاته ويأمرهم بالإِيمان به واتباعه .
فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره ، بمن يلقى الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكره ، وترك الجزء منه كتركه كله ، لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ، ويجرئ على ترك الباقي .
.
.وقوله تعالى : ( كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) جملة حالية ، أي طرحوه ، وراء ظهورهم مشبهين بحال من لا يعلم منه شيئاً ، ومن لا يعرف أنه كتاب الله .وشبههم بمن لا يعلمون مع أنهم في الواقع يعلمون أنه من عند الله - حق العلم - لأنهم نبذوه مكابرة وعناداً ، ولأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم ومن كان هذا شأنه فهو والجاهل سواء ، في جحود الحق والانغماس في الآثام .وقال - سبحانه - : ( كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) بنفي الحال والاستقبال للإِشعار بأنهم قوم لا أمل فيء توبتهم وإنابتهم ، بل هم تمر بهم الأيام ، وتتوالى عليهم العظات ، ومع ذلك لا يتوبون ولا يرجعون إلى الحق ، فهم مستمرون على طرح كتاب الله في كل وقت وآن ، ومصممون على ذلك .
اعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوة موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقاً لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقاً للتوراة.
أما قوله تعالى: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ ﴾ فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه.
أما قوله تعالى: ﴿ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ففيه قولان، أحدهما: أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه، قال هذا القائل: الدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
الثاني: المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجَبه.
أما قوله تعالى: ﴿ كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ ﴾ فقيل: إنه التوراة، وقيل: إنه القرآن، وهذا هو الأقرب، لوجهين: الأول: أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه.
الثاني: أنه قال: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن، فإن قيل: كيف يصح نبذهم التوراة وهم يتمسكون به؟
قلنا: إذا كان يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة.
أما قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ الفاسقون ﴾ إلا المتمرّدون من الكفرة.
وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها فنزلت.
واللام في ﴿ الفاسقون ﴾ للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب ﴿ أوَ كُلَّمَا ﴾ الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا.
وقرأ أبو السَّمَّال بسكون الواو على أنّ الفاسقون بمعنى الذين فسقوا، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا، أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة.
وقرئ ﴿ عوهدوا وعهدوا ﴾ واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا.
وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا ﴿ الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ ﴾ [الأنفال: 56] .
والنبذ الرمي بالذمام ورفضه.
وقرأ عبد الله ﴿ نقضه ﴾ ﴿ فَرِيقٌ مّنْهُمُ ﴾ وقال فريق منهم، لأنّ منهم من لم ينقض ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدّون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به.
﴿ كتاب الله ﴾ يعني التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها.
وقيل: كتاب الله: القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول.
﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك.
يعني أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم، مثل لتركهم وإعراضهم عنه، مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه.
وعن الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤنه، ولكنهم نبذوا العمل به.
وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ كَعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ، لِأنَّ كُفْرَهم بِالرَّسُولِ المُصَدِّقِ لَها كُفْرٌ بِها فِيما يُصَدِّقُهُ، ونَبْذٌ لِما فِيها مِن وُجُوبِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ المُؤَيَّدِينَ بِالآياتِ.
وقِيلَ ما مَعَ الرَّسُولِ هو القُرْآنُ.
﴿ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ مَثَلٌ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ رَأْسًا، بِالإعْراضِ عَمّا يَرْمِي بِهِ وراءَ الظَّهْرِ لِعَدَمِ الِالتِفاتِ إلَيْهِ.
﴿ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، يَعْنِي أنَّ عِلْمَهم بِهِ رَصِينٌ ولَكِنْ يَتَجاهَلُونَ عِنادًا.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى دَلَّ بِالآيَتَيْنِ عَلى أنَّ جِيلَ اليَهُودِ أرْبَعُ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ وقامُوا بِحُقُوقِها كَمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ وهُمُ الأقَلُّونَ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وفِرْقَةٌ جاهَرُوا بِنَبْذِ عُهُودِها وتَخَطِّي حُدُودِها تَمَرُّدًا وفُسُوقًا، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ .
وفِرْقَةٌ لَمْ يُجاهِرُوا بِنَبْذِها ولَكِنْ نُبِذُوا لِجَهْلِهِمْ بِها وهُمُ الأكْثَرُونَ.
وفِرْقَةٌ تَمَسَّكُوا بِها ظاهِرًا ونَبَذُوها خِفْيَةً عالِمِينَ بِالحالِ بَغْيًا وعِنادًا وهُمُ المُتَجاهِلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله} محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أوتوا الكتاب}
أي التوراة والذين أوتوا الكتاب اليهود {كتاب الله} يعني التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها أو كتاب الله القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} مثل لتركهم وإعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه كتاب الله
﴿ ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ ﴾ ظَرْفٌ (لِنَبَذَ) والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى سابِقَتِها، داخِلَةٌ تَحْتَ الإنْكارِ، والضَّمِيرُ لِبَنِي إسْرائِيلَ لا لِعُلَمائِهِمْ فَقَطْ، والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّكْثِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الرِّسالَةِ، كَما في قَوْلِهِ: لَقَدْ كَذَّبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم بِلَيْلى ولا أرْسَلَتُهم بِرَسُولِ خِلافُ الظّاهِرِ، ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِجاءَ)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلرَّسُولِ، لِإفادَةِ مَزِيدِ تَعْظِيمِهِ، إذْ قَدْرُ الرَّسُولِ عَلى قَدْرِ المُرْسِلِ، ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ﴾ أيْ مِنَ التَّوْراةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جاءَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ذُكِرَ فِيها، أوْ أخْبَرَ بِأنَّها كَلامُ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلُ عَلى نَبِيِّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ صَدَّقَ ما فِيها مِن قَواعِدِ التَّوْحِيدِ، وأُصُولِ الدِّينِ، وأخْبارِ الأُمَمِ، والمَواعِظِ والحِكَمِ، أوْ أظْهَرَ ما سَألُوهُ عَنْهُ مِن غَوامِضِها، وحَمَلَ بَعْضُهم (ما) عَلى العُمُومِ، لِتَشْمَلَ جَمِيعَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (مُصَدِّقًا) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ، ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيِ التَّوْراةَ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لا الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم مِنَ اللَّحاقِ، لِأنَّ النَّبْذَ عِنْدَ مَجِيءِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمْ، وإفْرادُ هَذا النَّبْذِ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوَكُلَّما عاهَدُوا ﴾ إلَخْ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ جِناياتِهِمْ، ولِأنَّهُ تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي بَعْدُ، والمُرادُ بِالإيتاءِ إمّا إيتاءُ عِلْمِها، فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ عُلَمائِهِمْ، وإمّا مُجَرَّدُ إنْزالِها عَلَيْهِمْ، فَهو عِبارَةٌ عَنِ الكُلِّ، ولَمْ يَقُلْ: فَرِيقٌ مِنهُمْ، إيذانًا بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ ما ثَبَتَ لَهم في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وبَيْنَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّبْذِ، ﴿ كِتابَ اللَّهِ ﴾ مَفْعُولُ (نَبَذَ)، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ لِما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ، فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ، والفُرْقانُ، فَنَبَذُوا التَّوْراةَ، وأخَذُوا بِكِتابِ آصِفَ، وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ، فَلَمْ تُوافِقِ القُرْآنَ، فَهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ ﴾ إلَخْ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ النَّبْذَ يَقْتَضِي سابِقَةَ الأخْذِ في الجُمْلَةِ، وهو مُتَحَقِّقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وأنَّ المَعْرِفَةَ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كانَ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ، وأنَّ مَذَمَّتَهم في أنَّهم نَبَذُوا الكِتابَ الَّذِي أُوتُوهُ، واعْتَرَفُوا بِحَقِّيَّتِهِ أشَدُّ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّهُ كانَ مُجَرَّدَ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، ومَعْنى نَبْذِهِمْ لَها إطْراحُ أحْكامِها، أوْ ما فِيها مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وأيَّدَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الكَلامَ مَعَ الرَّسُولِ، فَيَصِيرُ المَعْنى أنَّهُ يُصَدِّقُ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْراةِ، وهم بِالعَكْسِ يُكَذِّبُونَ ما جاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ، ويَتْرُكُونَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ، بَعْدَ ما لَزِمَهم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ، وقِيلَ: الإنْجِيلُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأضافَ الكِتابَ إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ تَعْظِيمًا لَهُ، وتَهْوِيلًا لِما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ.
﴿ وراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ جَمْعُ ظَهْرٍ، مَعْرُوفٌ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى ظِهْرانٍ، وقَدْ شَبَّهَ تَرْكَهم كِتابَ اللَّهِ تَعالى وإعْراضَهم عَنْهُ بِحالَةِ شَيْءٍ يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ، والجامِعُ عَدَمُ الِالتِفاتِ، وقِلَّةُ المُبالاةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ ها هُنا ما كانَ مُسْتَعْمَلًا هُناكَ، وهو النَّبْذُ وراءَ الظَّهْرِ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تَسْتَعْمِلُ ذَلِكَ في هَذا المَعْنى، ومِنهُ قَوْلُهُ: تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ بِظَهْرٍ ولا يَعْيى عَلَيْكَ جَوابُها ويَقُولُونَ أيْضًا: جَعَلَ هَذا الأمْرَ دُبُرَ أُذُنِهِ، ويُرِيدُونَ ما تَقَدَّمَ، ﴿ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَبَذُوهُ مُشَبَّهِينَ بِمَن لا يَعْلَمُ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، أوْ لا يَعْلَمُهُ أصْلًا، أوْ لا يَعْلَمُونَهُ عَلى وجْهِ الإتْقانِ، ولا يَعْرِفُونَ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ الأحْبارُ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ عِلْمَهم بِهِ رَصِينٌ، لَكِنَّهم يَتَجاهَلُونَ، وفي الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في إعْراضِهِمْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، ومَن فَسَّرَ كِتابَ اللَّهِ تَعالى بِالقُرْآنِ جَعَلَ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ، أيْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وتَحَقُّقِهِ لَدَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم نَبَذُوهُ لا عَنْ شُبْهَةٍ، ولَكِنْ بَغْيًا وحَسَدًا، وجَعْلُ المُتَعَلِّقِ أنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ، بَعِيدٌ، وقَدْ دَلَّ الآيَتانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَكُلَّما عاهَدُوا ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَهُمْ ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الأكْثَرُ غَيْرَ النّابِذِينَ، عَلى أنَّ جُلَّ اليَهُودِ أرْبَعُ فِرَقٍ فَفِرْقَةٌ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ وقامُوا بِحُقُوقِها كَمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ الأقَلُّونَ المُشارُ إلَيْهِمْ بِـ (بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ) وفِرْقَةٌ جاهَرُوا بِنَبْذِ العُهُودِ وتَعَدِّي الحُدُودِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ط نَبَذَ فَرِيقٌ مِنهم " وفِرْقَةٌ لَمْ يُجاهِرُوا ولَكِنْ نَبَذُوا لِجَهْلِهِمْ وهُمُ الأكْثَرُونَ، وفِرْقَةٌ تَمَسَّكُوا بِها ظاهِرًا ونَبَذُوها سِرًّا، وهُمُ المُتَجاهِلُونَ، <div class="verse-tafsir"
أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً، وهو العهد الذي بُيِّن لهم في التوراة ويوم الميثاق نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، أي تركه ولم يعمل به فريق منهم، أي طائفة منهم.
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وقد ذكرناه.
وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أي محمد مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، أي يدعوهم إلى تصديق ما معهم، نَبَذَ فَرِيقٌ، أي طرح فريق مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ولم يؤمنوا به، كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ في كتابهم بأن محمداً رسول الله.
<div class="verse-tafsir"
وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: رأيْتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك.
ت: يعني، واللَّه أعلم: مع اعتماده على روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها.
انتهى.
وذكر ابن عبَّاس وغيره أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنى عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ «١» .
وقوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالى، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل» ، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف.
وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، ومُصَدِّقاً: حال من ضمير القرآن في «نزّله» ، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالى، وَهُدىً، أي: إرشاد.
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)
وقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ...
الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما تشريفاً لهما وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوة العبد الله هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه.
وقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً ...
الآيةَ: قال سيبوَيْه «١» : «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام» ، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلم وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هو محمّد صلّى الله عليه وسلم ومُصَدِّقٌ: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة لأن مخالفتها نبذ لها، ووَراءَ ظُهُورِهِمْ مَثَلٌ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه.
وكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم/ فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على ٣٠ ب عِلْمٍ.
وقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّياطِينُ ...
الآية: يعني اليهود، وتَتْلُوا: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ «٢» ، وقال ابن عبَّاس: تَتْلُوا: تتبع «٣» ، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريّ: اتَّبَعُوا: بمعنى: فضلّوا، وعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علم سليمان.
وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ- عليه السلام- في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: انظروا إلى محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً.
وقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ تبرئةٌ من اللَّه تعالى لسليمان- عليه السلام.
والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك كُفْراً، ولا يستتابُ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو «١» على القول أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما ليُعْلَم على جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه.
قال ع «٢» : والتعليمُ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل:
«إِنَّمَا» عطف على «ما» في قوله: مَا تَتْلُوا، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالى أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك.
ت: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة «٣» ، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ وكذا قال: ع «٤» ت: قال عياض «٥» : وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة
هَارُوت ومَارُوت.
وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلم، وليس «١» هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم «٢» كما نصَّه اللَّه أول الآيات.
انتهى.
انظره.
وقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ ...
الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ «٣» في «اليَاقُوتَةِ» أنَّ يُعَلِّمانِ بمعنى «يُعْلِمَانِ «٤» ، ويشعران» كما قال كعب بن زهير «٥» : [الطويل]
تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي ...
وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ «١»
وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه.
٣١ أص «٢» : وقوله تعالى: مِنْ أَحَدٍ: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد/ استغراق الجنْس لأن أحداً من ألفاظ العموم.
انتهى.
ويُفَرِّقُونَ: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ «٣» الرجُلَ عن المرأة حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضا فرقة، وبِإِذْنِ اللَّهِ: معناه: بعلمه، وتمكينه، ويَضُرُّهُمْ: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال:
اشْتَراهُ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط.
م: وَلَبِئْسَ مَا: أبو البقاء «٤» : جواب قسم محذوف، والمخصوص بالذم
محذوف، أي: السحر أو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر.
انتهى.
وشَرَوْا: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل اتفاقا، وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ» : لَمَثُوبَةٌ، والمثوبةُ عند الجمهور: بمعنى الثواب.
وقوله سبحانه: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع.
وقرأ جمهورُ النَّاس «١» : راعِنا من المراعاة بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ارعنا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول سَدًّا للذريعةِ «٢» لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، وانْظُرْنا: معناه: انتظرنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر- عذاباً أليماً، وهو المؤلم، وَاسْمَعُوا: معطوفٌ على قُولُوا، لا على معمولها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.
والكِتابُ: التَّوْراةُ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كِتابَ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: القُرْآَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّوْراةُ، لِأنَّ الكافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ قَدْ نَبَذُوا التَّوْراةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِن الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانَ ولَكِنَّ الشَياطِينُ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ الناسَ السِحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: الواوُ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: هي "أوَ"، وفُتِحَتْ تَسْهِيلًا، وقَرَأها قَوْمٌ: "أوَ" ساكِنَةَ الواوِ فَتَجِيءُ بِمَعْنى "بَلْ" وكَما يَقُولُ القائِلُ: لَأضْرِبَنَّكَ، فَيَقُولُ المُجِيبُ: أو يَكْفِي اللهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ مُتَكَلِّفٌ، وأو في هَذا المَثَلِ مُتَمَكِّنَةً في التَقْسِيمِ، والصَحِيحُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وقُرِئَ: "عَهِدُوا عَهْدًا"، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "عُوهِدُوا"، و"عَهْدًا" مَصْدَرٌ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ بِمَعْنى أعْطَوْا عَهْدًا، والنَبْذُ: الطَرْحُ والإلْقاءُ، ومِنهُ: النَبِيذُ والمَنبُوذُ.
والفَرِيقُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ويَقَعُ عَلى اليَسِيرِ والكَثِيرِ مِنَ الجَمْعِ، ولِذَلِكَ فَسُرِّتْ كَثْرَةُ النابِذِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ أكْثَرُهُمْ ﴾ ، لَما احْتَمَلَ الفَرِيقُ أنْ يَكُونَ الأقَلَّ، و"لا يُؤْمِنُونَ" في هَذا التَأْوِيلِ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "أكْثَرُهُمْ"، ويَحْتَمِلُ الضَمِيرُ العَوْدَ عَلى الفَرِيقِ، ويَحْتَمِلُ العَوْدَ عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو أذُمُّ لَهُمْ، والعَهْدُ الَّذِي نَبَذُوهُ هو ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "نَقَضَهُ فَرِيقٌ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ ﴾ ، يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدٌ ، و"ما مَعَهُمْ" هو التَوْراةُ و"مُصَدِّقٌ" نَعْتٌ لـ "رَسُولٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ.
و"لَمّا" يَجِبُ بِها الشَيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، وهي ظَرْفُ زَمانٍ، وجَوابُها "نَبَذَ" الَّذِي يَجِيءُ، و"الكِتابَ" الَّذِي أُوتُوهُ التَوْراةُ، و"كِتابَ اللهِ" مَفْعُولٌ بِـ "نَبَذَ"، والمُرادُ القُرْآنُ لِأنَّ التَكْذِيبَ بِهِ نَبْذٌ.
وقِيلَ: المُرادُ التَوْراةُ لِأنَّ مُخالَفَتَها والكُفْرَ بِما أخَذَ عَلَيْهِمْ فِيها نَبْذٌ.
و ﴿ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ مَثَلٌ، لِأنَّ ما يُجْعَلُ ظَهْرِيًّا فَقَدْ زالَ النَظَرُ إلَيْهِ جُمْلَةً، والعَرَبُ تَقُولُ: جُعِلَ هَذا الأمْرُ وراءَ ظَهْرِهِ ودُبُرِ أُذُنِهِ، وقالَ الفَرَزْدَقُ: تَمِيمُ بْنُ زَيْدٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعِيى عَلِيَّ جَوابُها و ﴿ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ تَشْبِيهٌ بِمَن لا يَعْلَمُ، إذْ فَعَلُوا فِعْلَ الجاهِلِ، فَيَجِيءُ مِنَ اللَفْظِ أنَّهم كَفَرُوا عَلى عِلْمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو ﴾ الآيَةُ، يَعْنِي اليَهُودَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ مَن كانَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مَن كانَ في عَهْدِ النَبِيِّ ، وقِيلَ الجَمِيعُ، و"تَتْلُوا" قالَ عَطاءٌ: مَعْناهُ تَقْرَأُ مِنَ التِلاوَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَتْلُوا" تَتْبَعُ، كَما تَقُولُ: جاءَ القَوْمُ يَتْلُو بَعْضُهم بَعْضًا، وتَتْلُو بِمَعْنى تَلَتْ، فالمُسْتَقْبَلُ وُضِعَ مَوْضِعَ الماضِي، وقالَ الكُوفِيُّونَ: المَعْنى ما كانَتْ تَتْلُوا، وقَرَأ الحَسَنُ والضَحّاكُ: "الشَياطُونَ" بِالواوِ، وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ أيْ عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ، وقِيلَ: المَعْنى في مُلْكِ سُلَيْمانَ، بِمَعْنى في قِصَصِهِ وصِفاتِهِ وأخْبارِهِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: اتَّبَعُوا بِمَعْنى فَضَّلُوا، و ﴿ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ أيْ عَلى شَرْعِهِ ونَبُّوتِهِ وحالِهِ.
والَّذِي تَلَتْهُ الشَياطِينُ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يُلْقُونَ إلى الكَهَنَةِ الكَلِمَةَ مِنَ الحَقِّ مَعَها المِائَةُ مِنَ الباطِلِ حَتّى صارَ ذَلِكَ عِلْمَهُمْ، فَجَمَعَهُ سُلَيْمانَ ودَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمّا ماتَ قالَتِ الشَياطِينُ: إنَّ ذَلِكَ كانَ عِلْمُ سُلَيْمانَ، وقِيلَ: بَلْ كانَ الَّذِي تَلَتْهُ الشَياطِينُ سِحْرًا وتَعْلِيمَهُ، فَجَمَعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يُمْلِي عَلى كاتِبِهِ آصَفَ بْنِ بَرْخِيا عِلْمَهُ ويَخْتَزِنُهُ، فَلَمّا ماتَ أخْرَجَتْهُ الجِنُّ وكَتَبَتْ بَيْنَ كُلِّ سَطْرَيْنِ سَطْرًا مِن سِحْرٍ، ثُمَّ نَسَبَتْ ذَلِكَ إلى سُلَيْمانَ، وقِيلَ: إنَّ آصَفَ تَواطَأ مَعَ شَياطِينَ عَلى أنْ يَكْتُبُوا سِحْرًا ويَنْسُبُوهُ إلى سُلَيْمانَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وقِيلَ: إنَّ الجِنَّ كَتَبَتْ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ واخْتَلَقَتْهُ ونَسَبَتْهُ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنِ الجِنَّ والإنْسَ حِينَ زالَ مُلْكُ سُلَيْمانَ عنهُ اتَّخَذَ بَعْضُهُمُ السِحْرَ والكَهانَةَ عِلْمًا، فَلَمّا رَجَعَ سُلَيْمانُ إلى مُلْكِهِ تَتْبَّعَ كُتُبَهم في الآفاقِ ودَفَنَها، فَلَمّا ماتَ قالَ شَيْطانٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ الَّذِي بِهِ سُخِّرَتْ لَهُ الجِنُّ والرِيحُ؟
هو هَذا السِحْرُ، فاسْتَخْرَجَتْهُ بَنُو إسْرائِيلَ، وانْبَثَّ فِيهِمْ، ونَسَبُوا سُلَيْمانَ إلى السِحْرِ، وكَفَرُوا في ذَلِكَ حَتّى بَرَّأهُ اللهُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ .
ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا ذَكَرَ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ قالَ بَعْضُ اليَهُودِ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ سُلَيْمانَ في الأنْبِياءِ وما كانَ إلّا ساحِرًا».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ تَبْرِئَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِسُلَيْمانَ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ في الآياتِ أنَّ أحَدًا نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّها آيَةٌ نَزَلَتْ في السَبْتِ المُتَقَدِّمِ أنَّ اليَهُودَ نَسَبَتْهُ إلى السِحْرِ، والسِحْرُ والعَمَلُ بِهِ كُفْرٌ.
ويُقْتَلُ الساحِرُ عِنْدَ مالِكٍ كُفْرًا، ولا يُسْتَتابُ كالزِنْدِيقِ، وقالَ الشافِعِيُّ: يَسْألُ عن سِحْرِهِ فَإنْ كانَ كُفْرًا اسْتُتِيبَ مِنهُ، فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.
وقالَ مالِكٌ فِيمَن يَعْقِدُ الرِجالُ عَنِ النِساءِ: يُعاقَبُ ولا يُقْتَلُ، واخْتُلِفَ في ساحِرِ أهْلِ الذِمَّةِ فَقِيلَ: يُقْتَلُ، وقالَ مالِكٌ: لا يُقْتَلُ إلّا إنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ، ويَضْمَنُ ما جَنى، ويُقْتَلُ إنْ جاءَ مِنهُ بِما لَمْ يُعاهِدْ عَلَيْهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، بِتَشْدِيدِ النُونِ مِن "لَكِنَّ"، ونَصْبِ الشَياطِينِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ بِتَخْفِيفِ النُونِ ورَفْعِ "الشَياطِينِ.
قالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: التَشْدِيدُ أحَبُّ إلَيَّ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها الواوُ، لِأنَّ المُخَفَّفَةَ بِمَنزِلَةِ "بَلْ"، و"بَلْ" لا تَدْخُلُ عَلَيْها الواوُ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ دُخُولُ الواوِ عَلَيْها مَعْنًى يُوجِبُ التَشْدِيدَ، وهي مُثْقَلَةٌ ومُخَفَّفَةٌ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّها لا تَعْمَلُ إذا خُفِّفَتْ.
وكَفْرُ الشَياطِينِ إمّا بِتَعْلِيمِهِمُ السِحْرَ، وإمّا بِعِلْمِهِمْ بِهِ، وإمّا بِتَكْفِيرِهِمْ سُلَيْمانَ بِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ كانَ.
والناسُ المُعَلِّمُونَ أتْباعُ الشَياطِينِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، و"السِحْرَ" مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "يُعَلِّمُونَ"، ومَوْضِعُ "يُعَلِّمُونَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أو رُفِعَ عَلى خَبَرٍ ثانٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ .
"ما" عُطِفَ عَلى "السِحْرَ" فَهي مُفَعْوِلَةٌ، وهَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ اللهَ تَعالى أنْزَلَ السِحْرَ عَلى المَلَكَيْنِ فِتْنَةً لِلنّاسِ، لِيَكْفُرَ مَنِ اتَّبَعَهُ، ويُؤْمِنُ مَن تَرَكَهُ، أو عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ: إنَّ اللهَ تَعالى أنْزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ الشَيْءَ الَّذِي يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ دُونَ السِحْرِ، أو عَلى القَوْلِ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ السِحْرَ عَلَيْهِما لِيُعْلَمَ عَلى جِهَةِ التَحْذِيرِ مِنهُ والنَهْيِ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والتَعْلِيمُ عَلى هَذا القَوْلِ إنَّما هو تَعْرِيفٌ يَسِيرُ بِمَبادِئِهِ،.
وقِيلَ إنَّ "ما" عُطِفَ عَلى "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما تَتْلُو ﴾ .
وقِيلَ: "ما" نافِيَةٌ، رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنَّ اللهَ أنْزَلَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بِالسِحْرِ فَنَفى اللهُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَحّاكُ، وابْنُ أبْزِي "المَلَكَيْنِ" بِكَسْرِ اللامِ.
وقالَ ابْنُ أبْزِي: هُما داوُدُ وسُلَيْمانُ، وعَلى هَذا القَوْلِ أيْضًا فَما نافِيَةٌ، وقالَ الحَسَنُ هُما عِلْجانِ كانا بِبابِلَ مَلَكَيْنِ، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ غَيْرُ نافِيَةٍ، وقَرَأهُما كَذَلِكَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ وقالَ: هُما هارُوتُ ومارُوتُ فَهَذا كَقَوْلِ الحَسَنِ.
و"بابِلَ" لا يَنْصَرِفُ لِلتَّأْنِيثِ والتَعْرِيفِ، وهي قُطْرٌ مِنَ الأرْضِ، واخْتُلِفَ أيْنَ هِيَ؟
فَقالَ قَوْمٌ: هي بِالعِراقِ وما والاهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأهْلِ الكُوفَةِ: أنْتُمْ بَيْنَ الحِيرَةِ وبابِلَ.
وقالَ قَتادَةُ: هي مِن نَصِيبِينِ إلى رَأْسِ العَيْنِ.
وقالَ قَوْمٌ: هي بِالمَغْرِبِ وهَذا ضَعِيفٌ وقالَ قَوْمٌ: هي جَبَلٌ دَماوُنْدَ.
و ﴿ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ "المَلَكَيْنِ" عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هُما مَلَكانِ.
ومَن قَرَأ "مَلَكَيْنِ" بِكَسْرِ اللامِ وجَعَلَهُما داوُدَ وسُلَيْمانَ، أو جَعَلَ المَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ جَعَلَ "هارُوتَ ومارُوتَ" بَدَلًا مِنَ الشَياطِينِ في قَوْلِهِ ﴿ وَلَكِنَّ الشَياطِينَ ﴾ وقالَ: هُما شَيْطانانِ.
وَيَجِيءُ "يُعَلِّمُونَ" إمّا عَلى أنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ أتْباعٍ لِهَذَيْنَ الشَيْطانَيْنِ اللَذَيْنِ هُما الرَأْسُ.
ومَن قالَ: كانا عِلْجَيْنِ قالَ: ﴿ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "المَلَكَيْنِ".
وقِيلَ: هُما بَدَلٌ مِنَ الناسِ في قَوْلِهِ: ﴿ يُعَلِّمُونَ الناسَ ﴾ .
وقَرَأ الزُهْرِيُّ " هارُوتُ ومارُوتُ " بِالرَفْعِ، ووَجْهُهُ البَدَلُ مِنَ "الشَياطِينُ" في قَوْلِهِ: ﴿ تَتْلُو الشَياطِينُ ﴾ أو مِنَ الشَياطِينِ الثانِي عَلى قِراءَةِ مَن خَفَّفَ "لَكِنْ" ورَفَعَ، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هُما "هارُوتُ ومارُوتُ".
ورَوى مَن قالَ إنَّهُما مَلَكانِ أنَّ المَلائِكَةَ مَقَتَتْ حُكّامَ بَنِي آدَمَ، وزَعَمَتْ أنَّها لَوْ كانَتْ بِمَثابَتِهِمْ مِنَ البُعْدِ عَنِ اللهِ لَأطاعَتْ حَقَّ الطاعَةِ، فَقالَ اللهُ لَهُمُ: اخْتارُوا مَلَكَيْنِ يَحْكُمانِ بَيْنَ الناسِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَكانا يَحْكُمانِ، فاخْتَصَمَتْ إلَيْهِما امْرَأةٌ، فَفُتِنا بِها، فَراوَداها، فَأبَتْ حَتّى يَشْرَبا الخَمْرَ ويُقْتَلا، فَفَعَلا، وسَألَتْهُما عَنِ الِاسْمِ الَّذِي يَصْعَدانِ بِهِ إلى السَماءِ فَعَلَّماها إيّاهُ، فَتَكَلَّمَتْ بِهِ فَعَرَجَتْ فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا فَهي الزَهْرَةُ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَلْعَنُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وبَعِيدٌ عَلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
ورُوِيَ أنَّ الزَهْرَةَ نَزَلَتْ إلَيْهِما في صُورَةِ امْرَأةٍ مِن فارِسٍ فَجَرى لَهُما ما ذَكَرَ، فَأطْلَعَ اللهُ المَلائِكَةَ عَلى ما كانَ مِن هارُوتَ ومارُوتَ فَتَعَجَّبُوا، وبَقِيا في الأرْضِ لِأنَّهُما خُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ الدُنْيا فاخْتارا عَذابَ الدُنْيا، فَهُما في سِرْبٍ مِنَ الأرْضِ مُعَلَّقَيْنِ يُصَفِّقانِ بِأجْنِحَتِهِما.
وَرَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهُما يُعَلِّمانِ السِحْرَ في مَوْضِعِهِما ذَلِكَ، وأخَذَ عَلَيْهِما ألّا يُعَلِّما أحَدًا حَتّى يَقُولا لَهُ: ﴿ إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ .
وهَذا القَصَصُ يَزِيدُ في بَعْضِ الرِواياتِ ويَنْقُصُ في بَعْضٍ ولا يَقْطَعُ مِنهُ بِشَيْءٍ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرَتْهُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على قوله: ﴿ قل من كان عدواً لجبريل ﴾ [البقرة: 97] عطف القصة على القصة لذكر كفرهم بالقرآن فهومن أحوالهم.
وهاته الجملة جواب لقسم محذوف فعطفها على ﴿ قل من كان عدواً ﴾ من عطف الإنشاء على الإنشاء وفيه زيادة إبطال لقولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91].
وفي الانتقال إلى خطاب النبيء صلى الله عليه وسلم إقبال عليه وتسلية له عما لقي منهم وأن ما أنزل إليه لا يكذب به إلا من لا يؤبه بتكذيبه لكون هذا المنزل دلائل واضحة لا تقصر عن إقناعهم بأحقيتها ولكنهم يظهرون أنفسهم أنهم لم يوقنوا بحقيتها.
واللام موطئة لقسم محذوف فهنا جملة قسم وجوابه حذف القسم لدلالة اللام عليه.
وقوله: ﴿ وما يكفر بها إلا الفاسقون ﴾ عطف على ﴿ لقد أنزلنا ﴾ فهو جواب للقسم أيضاً.
والفاسق هو الخارج عن شيء من فسقت التمرة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين ﴾ [البقرة: 26] وقد شاع إطلاقه على الخارج عن طريق الخير لأن ذلك الوصف في التمرة وصف مذموم وقد شاع في القرآن وصف اليهود به، والمعنى ما يكفر بهاته الآيات إلا من كان الفسق شأنه ودأبه لأن ذلك بهيئه للكفر بمثل هذه الآيات، فالمراد بالفاسقين المتجاوزون الحد في الكفر المتمردون فيه.
والإخبار وقع بالمضارع الدال على التجدد.
والتوصيف وقع باسم الفاعل المعروف باللام.
وقوله: ﴿ أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم ﴾ استفهام مستعمل في التوبيخ معطوف على جملة القسم لا على خصوص الجواب وقدمت الهمزة محافظة على صدارتها كما هو شأنها مع حروف العطف.
والقول بأن الهمزة للاستفهام عن مقدر محذوف والواوعاطفة ما بعدها على المحذوف علمتم إبطاله عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ .
وتقديم (كلما) تبع لتقديم حرف الاستفهام وقد تقدم توجيهه عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول بمالا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ [البقرة: 87].
والنبذ إلقاء الشيء من اليد وهو هنا استعارة لنقض العهد شبه إبطال العهد وعدم الوفاء به بطرح شيء كان ممسوكاً باليد كما سموا المحافظة على العهد والوفاء به تمسكاً قال كعب: ولا تمسك بالوعد الذي وعدت *** والمراد بالعهد عهد التوراة أي ما اشتملت عليه من أخذ العهد على بني إسرائيل بالعمل بما أمروا به أخذاً مكرراً حتى سميت التوراة بالعهد، وقد تكرر منهم نقض العهد مع أنبيائهم.
ومن جملة العهد الذي أخذ عليهم أن يؤموا بالرسول المصدق للتوراة.
وأسند النبذ إلى فريق إما باعتبار العصور التي نقضوا فيها العهودكما تؤذن به (كلما) أو احتراساً من شمول الذم للذين آمنوا منهم.
وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله: ﴿ بل أكثرهم لا يؤمنون ﴾ وهذا من أفانين البلاغة وهو أن يظهر المتكلم أنه يوفي حق خصمه في الجدال فلا ينسب له المذمة إلا بتدرج وتدبر قبل الإبطال.
ولك أن تجعلها للانتقال من شيء إلى ما هو أقوى منه في ذلك الغرض لأن النبذ قد يكون بمعنى عدم العمل دون الكفر والأول أظهر.
وقوله: ﴿ ولما جاءهم رسول ﴾ إلخ معطوف على قوله: ﴿ أو كلما ﴾ عطف القصة على القصة لغرابة هاته الشؤون.
والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: ﴿ مصدق لما معهم ﴾ .
والنبذ طرح الشيء من اليد فهو يقتضي سبق الأخذ.
وكتاب الله ظاهر في أنه المراد به القرآن لأنه الأتم في نسبته إلى الله.
فالنبذ على هذا مراد به تركه بعد سماعه فنزل السماع منزلة الأخذ ونزل الكفر به بعد سماعه منزلة النبذ.
وقيل: المراد بكتاب الله التوراة وأشار في «الكشاف» إلى ترجيحه بالتقديم لأن النبذ يقتضي سابقة أخذ المنبوذ وهم لم يتمسكوا بالقرآن، والأصل في إطلاق اللفظ المفرد أنه حقيقة لفظاً ومعنى وقيل المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى وفيه نظر لأن ذلك في إعادة الاسم المعرف باللام، أو تجعل النبذ تمثيلاً لحال قلة اكتراث المعرض بالشيء فليس مراداً به معناه.
وقوله: ﴿ وراء ظهورهم ﴾ تمثيل للإعراض لأن من أعرض عن شيء تجاوزه فخلفه وراء ظهره وإضافة الوراء إلى الظهر لتأكيد بُعد المتروك بحيث لا يلقاه بعد ذلك فجعل للظهر وراء وإن كان هو هنا بمعنى الوراء.
فالإضافة كالبيانية وبهذا يجاب عما نقله ابن عرفة عن الفقيه أبي العباس أحمد بن عبلون أنه كان يقول: مقتضى هذا أنهم طرحوا كتاب الله أمامهم لأن الذي وراء الظهر هو الوجه وكما أن الظهر خلف للوجه كذلك الوجه وراء للظهر قال ابن عرفة: وأجيب بأن المراد أي بذكر الظهر تأكيد لمعنى وراء كقولهم من وراءِ وراء.
وقوله: ﴿ كأنهم لا يعلمون ﴾ تسجيل عليهم بأنهم عالمون بأن القرآن كتاب الله أو كأنهم لا يعلمون التوراة وما فيها من البشارة ببعثة الرسول من ولد إسماعيل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ ذَلِكَ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ويَسْتَخْرِجُونَ السِّحْرَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُلَيْمانَ ابْنَ داوُدَ عَلَيْهِ، فاسْتَخْرَجَهُ مِن أيْدِيهِمْ، ودَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمْ تَكُنِ الجِنُّ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَدْنُوَ مِنَ الكُرْسِيِّ، فَقالَتِ الإنْسُ بَعْدَ مَوْتِ سُلَيْمانَ: إنَّ العِلْمَ الَّذِي كانَ سُلَيْمانُ يُسَخِّرُ بِهِ الشَّياطِينَ والرِّياحَ هو تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فاسْتَخْرَجُوهُ وقالُوا: كانَ ساحِرًا ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَتَعَلَّمُوهُ وعَلَّمُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَراءَةَ سُلَيْمانَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: أنْ (آصِفَ بْنَ بَرْخِيا) وهو كاتِبُ سُلَيْمانَ واطَأ نَفَرًا مِنَ الشَّياطِينِ عَلى كِتابٍ كَتَبُوهُ سِحْرًا ودَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ اسْتَخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وقالُوا: هَذا سِحْرُ سُلَيْمانَ، فَبَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ﴾ ، وهم ما نَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ، ولَكِنَّهم نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ السِّحْرُ كُفْرًا صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ.
قالَ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كَفَرُوا بِما نَسَبُوهُ إلى سُلَيْمانَ مِنَ السِّحْرِ.
والثّانِي: أنَّهم كَفَرُوا بِما اسْتَخْرَجُوهُ مِنَ السِّحْرِ.
﴿ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ألْقَوْهُ في قُلُوبِهِمْ فَتَعَلَّمُوهُ.
والثّانِي: أنَّهم دَلُّوهم عَلى إخْراجِهِ مِن تَحْتِ الكُرْسِيِّ فَتَعَلَّمُوهُ.
﴿ وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ﴾ وفي ( ما ) هَهُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى الَّذِي، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي أنْزَلَ عَلى المَلَكَيْنِ.
والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى النَّفْيِ، وتَقْدِيرُهُ: ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ.
وَفي المَلَكَيْنِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ اللّامِ، كانا مِن مُلُوكِ بابِلَ وعُلُوجِها هارُوتُ ومارُوتُ، وهَذا قَوْلُ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: بِفَتْحِ اللّامِ مِنَ المَلائِكَةِ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ سَحَرَةَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ السِّحْرَ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ إلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: وما كَفَرَ سُلَيْمانَ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتُ ومارُوتُ، وهُما رَجُلانِ بِبابِلَ.
والثّانِي: أنَّ هارُوتَ ومارُوتَ مَلَكانِ، أهْبَطَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى الأرْضِ، وسَبَبُ ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أطْلَعَ المَلائِكَةَ عَلى مَعاصِي بَنِي آدَمَ، عَجِبُوا مِن مَعْصِيَتِهِمْ لَهُ مَعَ كَثْرَةِ أنْعُمِهِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُمْ: أما أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَعَمِلْتُمْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، فَقالُوا: سُبْحانَكَ ما يَنْبَغِي لَنا، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَخْتارُوا مَلَكَيْنِ لِيَهْبِطا إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأحَلَّ لَهُما كُلَّ شَيْءٍ، عَلى ألّا يُشْرِكا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخَمْرَ، ولا يَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، فَعَرَضَتْ لَهُما امْرَأةٌ وكانَ يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ تُخاصِمُ زَوْجَها واسْمُها بِالعَرَبِيَّةِ: الزُّهَرَةُ، وبِالفارِسِيَّةِ: فَنْدَرِخْتُ، فَوَقَعَتْ في أنْفُسِهِما، فَطَلَباها، فامْتَنَعَتْ عَلَيْهِما إلّا أنْ يَعْبُدا صَنَمًا ويَشْرَبا الخَمْرَ، فَشَرِبا الخَمْرَ، وعَبَدا الصَّنَمَ، وواقَعاها، وقَتَلا سابِلًا مَرَّ بِهِما خافا أنْ يُشْهِرَ أمْرَهُما، وعَلَّماها الكَلامَ الَّذِي إذا تَكَلَّمَ بِهِ المُتَكَلِّمُ عَرَجَ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتْ وعَرَجَتْ، ثُمَّ نَسِيَتْ ما إذا تَكَلَّمَتْ بِهِ نَزَلَتْ فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا، قالَ كَعْبٌ: فَواللَّهِ ما أمْسَيا مِن يَوْمِهِما الَّذِي هَبَطا فِيهِ، حَتّى اسْتَكْمَلا جَمِيعَ ما نُهِيا عَنْهُ، فَتَعَجَّبَ المَلائِكَةُ مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ لَمْ يَقْدِرْ هارُوتُ ومارُوتُ عَلى الصُّعُودِ إلى السَّماءِ، فَكانا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ.
وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ نُزُولَهُما كانَ في زَمانِ ( إدْرِيسَ ).
وأمّا السِّحْرُ فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في مَعْناهُ: فَقالَ قَوْمٌ: يَقْدِرُ السّاحِرُ أنْ يَقْلِبَ الأعْيانَ بِسِحْرِهِ، فَيُحَوِّلُ الإنْسانَ حِمارًا، ويُنْشِئُ أعْيانًا وأجْسامًا.
وَقالَ آخَرُونَ: السِّحْرُ خِدَعٌ ومَعانٍ يَفْعَلُها السّاحِرُ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ بِخِلافِ ما هُوَ، كالَّذِي يَرى السَّرابَ مِن بَعِيدٍ، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ ماءٌ، وكَواكِبُ السَّفِينَةِ السّائِرَةِ سَيْرًا حَثِيثًا، يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّ ما عايَنَ مِنَ الأشْجارِ والجِبالِ سائِرَةٌ مَعَهُ.
وَقَدْ رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ يَهُودِيٌّ مِن يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأعْصَمِ، حَتّى كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وما فَعَلَهُ.
» قالُوا: ولَوْ كانَ في وُسْعِ السّاحِرِ إنْشاءُ الأجْسامِ وقَلْبُ الأعْيانِ عَمّا هي بِهِ مِنَ الهَيْئاتِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الباطِلِ والحَقِّ فَصْلٌ، ولَجازَ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الأجْسامِ مِمّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَةُ، فَقُلِبَتْ أعْيانُها، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ ﴿ فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ وقالَ آخَرُونَ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ: إنَّ السّاحِرَ قَدْ يُوَسْوِسُ بِسِحْرِهِ فَيُمْرِضُ ورُبَّما قَتَلَ، لِأنَّ التَّخَيُّلَ بَدْءُ الوَسْوَسَةِ، والوَسْوَسَةُ بَدْءُ المَرَضِ، والمَرَضُ بَدْءُ التَّلَفِ.
فَأمّا أرْضٌ بِبابِلَ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الكُوفَةُ وسَوادُها، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ حَيْثُ تَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ بِها وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّها مِن نُصَيْبِينَ إلى رَأْسِ عَيْنٍ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّها جَبَلُ نَهاوَنْدَ.
وَهي [فَطْرٌ] مِنَ الأرْضِ.
﴿ وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ بِما تَتَعَلَّمُهُ مِن سِحْرِنا.
﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ ﴾ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: (مِنهُما) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مِن هارُوتَ ومارُوتَ.
والثّانِي: مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ.
والثّالِثُ: مِنَ الشَّيْطانِ والمَلَكَيْنِ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ، ومِنَ المَلَكَيْنِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.
﴿ وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ.
﴿ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِأمْرِ اللَّهِ.
والثّانِي: بِعِلْمِ اللَّهِ.
﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ ﴾ يَعْنِي ما يَضُرُّهم في الآخِرَةِ، ولا يَنْفَعُهم في الدُّنْيا.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ﴾ يَعْنِي السِّحْرَ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.
﴿ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الخَلاقَ النَّصِيبُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ الخَلاقَ الجِهَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ الخَلاقَ الدِّينُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولَبِئْسَ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم مِنَ السِّحْرِ والكُفْرِ في تَعْلِيمِهِ وفِعْلِهِ.
والثّانِي: مِن إضافَتِهِمُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَحْرِيضِهِمْ عَلى الكَذِبِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «قال ابن صوريا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه ما أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل الله في ذلك ﴿ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون ﴾ وقال مالك بن الصيف: حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد إليهم في محمد، والله ما عهد إلينا في محمد ولا أخذ علينا ميثاقاً، فأنزل الله تعالى ﴿ أو كلما عاهدوا عهداً...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك.
وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتاباً، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، ففي ذلك عبرة لهم وبيان وحجة عليهم لو كانوا يعلمون.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ نبذه ﴾ قال: نقضه.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ نبذه فريق منهم ﴾ قال: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون إليه إلا نقضوه ويعاهدون اليوم وينقضون غداً قال: وفي قراءة عبدالله: نقضه فريق منهم.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم...
﴾ الآية.
قال: ولما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، كأنهم لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ جائز أن يكون المراد بقوله: ﴿ كِتَابَ الله ﴾ : القرآن، وجائز أن يكون المراد به: التوراة؛ لأن الذين كفروا بالنبي نبذوا التوراة (١) ويقال لكل من استخف بشيء (٢) (٣) قال الشعبي [[هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، تقدمت ترجمته [البقرة: 7].]]: هو بين أيديهم يقرؤونها، ولكن نبذوا العمل به (٤) وقال سفيان بن عُيينة: (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أعلَمَ أنهم نبذوا كتاب الله، ورفضوه على علم به، عداوهً للنبي (٧) وعنى بالفريق في هذه الآية: علماء اليهود الذين تواطؤوا على كتمان أمر محمد (٨) (١) هذا كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 182، وينظر: "زاد المسير" 1/ 120، و"تفسير الرازي" 1/ 202.
(٢) في (م): (استخف بشيء نبذه ولم يعمل).
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 443، "تفسير الثعلبي" 1/ 1053، "تفسير الرازي" 3/ 201.
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1054، البغوي في "تفسيره" 1/ 126وفي بعض نسخ الثعلبي في "تفسيره" يقرؤونه، وفي بعضها: يقرؤونها.
(٥) هو: الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران، ميمون الهلالي الكوفي المجتهد، شيخ الإسلام، من كبار المحدثين الثقات، كان واسع العلم، وله تفسير، توفي سنة 198 هـ.
ينظر: "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 196، و"السير" 8/ 454.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1054، "البغوي" 1/ 126.
(٧) من كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 182.
(٨) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 442.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَوَكُلَّمَا ﴾ الواو للعطف، قال الأخفش: زائدة ﴿ نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ نزلت في مالك بن الصيف اليهودي وكان قد قال: والله ما أخذ علينا عهد أن نؤمن بمحمد رسول يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ كتاب الله ﴾ يعني القرآن أو التوراة؛ لما فيها من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم أو المتقدّمين ﴿ مَا تَتْلُواْ ﴾ هو من القراءة أو الأتباع ﴿ على مُلْكِ سليمان ﴾ أي في ملك أو عهد ملك سليمان ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ تبرئة له مما نسبوه إليه، وذلك أن سليمان عليه السلام دفن السحر ليذهبه فأخرجوه بعد موته، ونسبوه إليه، وقالت اليهود: إنما كان سليمان ساحراً، وقيل إنّ الشياطين استرقوا السمع وألقوه إلى الكهان، فجمع سليمان ما كتبوا من ذلك ودفنه، فلما مات قالوا: ذلك علم سليمان ﴿ وَمَا كَفَرَ سليمان ﴾ بتعليم السحر وبالعمل به أو بنسبته إلى سليمان عليه السلام ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ ﴾ نفي أو عطف على السحر عليهما، إلاّ أن ذلك يردّه آخر الآية، وإن كانت معطوفة بمعنى الذي فالمعنى؛ أنهما أنزل عليهما ضرب من السحر ابتلاءً من الله لعباده، أو ليعرف فيحذر، وقرئ الملكين بكسر اللام وق الحسن: هما علجان، فعلى هذا يتعين أن تكون ما غير نافية ﴿ بِبَابِلَ ﴾ موضع معروف ﴿ هاروت وماروت ﴾ اسمان علمان بدل من الملكين أو عطف بيان ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ أي محنة، وذلك تحذير من السحر ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ أي بتعليم السحر، ومن هنا أخذ مالك أن الساحر نقتل كفراً ﴿ يُفَرِّقُونَ ﴾ زوال العصمة أو المنع من الوطء ﴿ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ عَلِمُواْ ﴾ أي اليهود والشياطين: ﴿ لَمَنِ اشتراه ﴾ أي اشتغلوا به، وذكر الشراء، لأنهم كانو يعطون الأجرة عليه ﴿ مَا ﴾ هنا بمعنى باعوا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جبريل ﴾ مفتوحة الجيم مكسورة الراء غير مهموز: ابن كثير.
وقرأ حمزه وعلي وخلف وعاصم غير حفص ويحيى مفتوحة الراء والجيم مهموزة مشبعاً.
وقرأ يحيى مختلساً.
الباقون: مكسورة الراء والجيم غير مهموز.
﴿ ميكال ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص، وقرأ أبو جعفر ونافع مختلساً مهموزاً.
الباقون: ميكائيل مهموزاً مشبعاً.
الوقوف: ﴿ للمؤمنين ﴾ (ه) ﴿ للكافرين ﴾ (ه) ﴿ بينات ﴾ (ج) لأن هذه الواو للابتداء أو الحال والحال أوجه لاتحاد القصة ﴿ الفاسقون ﴾ (ه) ﴿ فريق منهم ﴾ (ط) لأن "بل" للإعراض عن الأول ﴿ لا يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ أوتوا الكتاب ﴾ (ط) قد قيل يوقف لبيان أن كتاب الله مفعول "نبذ" لا بدل مما قبله ﴿ لا يعلمون ﴾ (ه) قد يجوز للآية، والوصل للعطف على ﴿ نبذ ﴾ لإتمام سوء اختيارهم في النبذ والاتباع.
التفسير: هذا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود، والسبب في نزوله أنه لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من أحبار فدك فقال: يا محمد، كيف نومك؟
فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان، فقال تنام عيناي ولا ينام قلبي.
قال: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد من الرجل يكون أو من المرأة؟
فقال: أما العظام والعصب والغضروف فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة.
فقال صدقت.
قال: فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله، أو يشبه أخواله دون أعمامه؟
فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له.
قال: صدقت.
قال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه، فقال : "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب على نفسه وهو لحمان الإبل وألبانها" ؟
فقالوا: اللهم نعم.
فقال له: بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك.
أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله؟
قال: جبريل قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي باليسر والرخاء.
فإن كان هو يأتيك آمنا بك.
فقال عمر: ما مبدأ هذا العداوة؟
فقال ابن صوريا: إن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس يخرب في زمان رجل يقال له بختنصر، ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله.
فهذا ليس هو ذاك وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه.
ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً.
وأما ميكائيل فإنه عدو لجبريل.
فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.
وقيل: كان لعمر أرض بالمدينة أعلاها، وكان ممره على مدراس اليهود، وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم.
فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك.
فقال: والله لا أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد وأرى آثاره في كتابكم.
ثم سألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟
فقال عمر: جبريل.
فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام.
فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟
قالوا: أقرب منزلة جبريل وهو عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل.
فقال عمر: إن كان كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير.
ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله.
ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي : "لقد وافقك ربك يا عمر" .
قال: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.
وعن مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عدونا أمر بأن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.
والأقرب في سبب عداوتهم إياه أنه كان ينزل بالقرآن على محمد كما يشعر بذلك قوله ﴿ فإنه نزله ﴾ أي إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرّفونه ويجحدون موافقته له كقولك "إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه" أو إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في النزول بما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.
ويمكن أن يتوجه الجزاء إلى قوله ﴿ بإذن الله ﴾ إلى آخره.
أي إن عاداه أحد فلا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وباختياره وإنما جاء به بإذن الله وأمره الذي لا محيص عنه ولا سبيل إلى مخالفته وجاء به مصدقاً هادياً مبشراً، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يلزم أن يكون مشكوراً.
فعداوة من هذا سبيله عداوة الله، ولو أنه أمر ميكائيل بذلك لانقاد لأمره أيضاً لا محالة ولتوجه الإشكال عليه، فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟
وجبريل ممتنع من الصرف للعلمية والعجمة بشرطها.
وعن ابن عباس وغيره أن معناه عبد الله، والضمير في نزله للقرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم مثل قوله ﴿ ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ وهذا النوع من الإضمار فيه فخامة لشأن صاحبه حيث جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه.
وأكثر الأمة على أن القرآن إنما نزل على محمد لا على قلبه، لكن خص القلب بالذكر لأن السبب في تمكنه من الأداء ثباته في قلبه، فمعنى على قلبك حفظه إياك وفهمه.
وقيل: أي جعل قلبك متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة "كان خلقه القرآن" وكان حق الكلام أن يقال على قلبي إلا أنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي ﴿ من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك ﴾ ومعنى ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ موافقاً لما قبله من كتب الأنبياء فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات.
ومعنى قوله ﴿ وهدى وبشرى ﴾ أن القرآن يشتمل على أمرين.
أحدهما بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأفعال الجوارح فهو من هذا الوجه هدى، وثانيهما بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه فهو من هذا الوجه بشرى، والأول مقدم على الثاني في الوجود فقدم في الذكر أيضاً.
ولا ريب أن البشرى تختص بالمؤمنين، وأما الهدى فلأنهم هم المنتفعون به كما مر في ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ولما بين في الآية المتقدمة أن من كان عدواً لجبريل لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد وجب أن يكون عدواً لله ، بين في الآية التالية أن من كان عدواً لله وللمخصوصين بكرامته فإن الله يعاديهم وينتقم منهم.
والعداوة بالحقيقة لا تصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا التصور يستحيل في حقه من العاقل المتفطن لا الغافل المتغابي.
فمعنى قوله ﴿ من كان عدواً لله ﴾ أي لأولياء الله كقوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله ﴾ .
أو يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وبعدهم عن التمسك بدينه، لأن العدو لا يكاد يوافق عدوه وينقاد لأمره.
قال أهل التحقيق: عداوتهم لله وملائكته نتيجة عداوة الله لهم ونظره إليهم في الأزل بالقهر " هؤلاء في النار ولا أبالي" كما أن محبة المؤمنين لله نتيجة محبة الله إياهم ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ وذلك أن صفات الله قديمة وصفات الخلق محدثة، والأولى علة الثانية.
وأفرد الملكان بالذكر دلالة على فضلها كأنهما من جنس آخر، فإن التغاير في الوصف قد ينزل منزلة التغاير في الذات، ولأن الآية نزلت فيما يتعلق بهما فحسن أن ينص على اسميهما.
وتقديم جبريل في الذكر يدل على أنه أفضل من ميكائيل وأيضاً أن جبريل ينزل بالوحي والعلم وذلك سبب بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والرزق وهو سبب بقاء الأبدان.
والواو في جبريل وميكائيل بمعنى "أو" لأن عداوة أحد هؤلاء توجب عداوة الله كما أن عداوة كلهم توجب ذلك، ويحتمل أن يكون الواو على الأصل ويعرف ما ذكرنا من القرينة.
وقوله ﴿ للكافرين ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن عداوة هؤلاء كفر.
الآيات البينات هي آيات القرآن، ولا يبعد أن تشمل سائر معجزاته وإن كان لفظ الإنزال نابياً عنه بضع النبوّ.
ومعنى كون الآية بينة أن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله، والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصل إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو الآية البينة.
والكفر بها إما جحودها مع العلم بصحتها، وإما جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها، وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه، والفسق هو خروج الإنسان عما حد له إلى الفساد ويقرب منه الفجور، لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد.
عن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.
ولهذا لا يوصف صاحب الصغيرة بالفسق وإن تجاوز عن أمر الله كمن فتح من النهر نقباً صغيراً لا يقال: إنه فجر النهر.
وفي قوله ﴿ إلا الفاسقون ﴾ وجهان: أحدهما أن كل كافر فاسق ولا ينعكس، وكان ذكر الفاسق أولى ليأتي على الكافر وغيره.
الثاني أن المراد وما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره.
وهذه الآيات لما كانت بينة لم يكفر بها إلا الكافر الذي بلغ في الكفر النهاية القصوى، وهذا نوع آخر من فضائح اليهود.
عن ابن عباس أنهم كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه، فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا بما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته.
فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فنزلت.
واللام في ﴿ الفاسقون ﴾ للجنس أو إشارة إلى أهل الكتاب.
﴿ أو كلما ﴾ الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات؟
وكلما عاهدوا واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة.
وفيه تسلية لرسول الله لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس من مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.
والنبذ الرمي بالذمام ورفضه، وإنما قيل ﴿ فريق منهم ﴾ لأن منهم من لم ينقض بل أكثرهم لا يؤمنون بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً.
﴿ ولما جاءهم رسول ﴾ أي كتاب لتلازمهما بدليل كتاب الله وهو القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني أن علمهم بذلك رصين من قبل التوراة ولكن المكابرة هجيراهم، ونبذه وراء ظهورهم مثل لإعراضهم عنه وتركهم العمل به.
وقيل: كتاب الله التوراة لأنهم لكفرهم برسول الله كافرون بها.
وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.
اللهم ارزقنا العلم بكتابك والعمل به.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
بيَّن فيها الحلالَ والحرام، وما يُؤْتى وما يُتَّقى، وما يُنْهى وما يُؤْمر.
ويحتمل: الآيات التي أنزلها عليه ليُنْصر بها على المعاندين له، والمكابرين، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
يقول: كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم.
يحتمل: العهودَ التي أُخذت عليهم - في التوراة - أَن يؤمنوا بمحمد ، ولا يكفروا به بعد الإيمان.
أَو أَخذ عليهم: ألا يكتموا نعته، وصفته، الذي في التوراة لأَحد، فنبذوا ذلك، ونقضوا تلك المواثيق والعهود التي أخذت عليهم.
ثم في الآية دلالة جعل القرآن حجة؛ لأنه قال: ﴿ نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ ، ولو كان في كتبهم ما ادعوا من الحجة والاتباع لأَتوا به معارضاً؛ لدفع ما احتج به عليهم؛ فثبت أَنهم كانوا كذبة في دعاويهم؛ حيث امتنعوا عن معارضته.
وقوله: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ ﴾ .
أي: وما يكفر بتلك الآيات إلا الفاسقون.
وقوله: ﴿ وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
يعني محمداً .
﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .
أي: نَعْتُه الذي كان في التوراة موافق لمحمد .
وقيل: لما جاءَهم محمد عارضوه بالتوراة؛ فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة والقرآن، وأَخذوا بكتاب السحر الذي كتبه الشياطين.
ويحتمل: أَن محمداً لما جاءَهم كان موافقاً لما مضى من الرسل، غير مخالف لهم؛ لأَن الرسل كلهم آمنوا به، وصدق بعضهم بعضاً.
وقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ .
يحتمل: كتاب الله: التوراة، على ما ذكرنا.
ويحتمل: كتاب الله، القرآن العظيم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: يعلمون، ولكن تركوا العمل به، والإيمان بما معهم؛ كأَنهم لا يعلمون؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم خرج فعلهم فعل من لا يعلم.
أَخبر: أَنهم نبذوا نبذ من لا يعلم، لا أَنهم لم يعلموا، ولكن نبذوه، سفهاً، وتعنتاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ ﴾ .
قيل: تتلو: ما كتبت الشياطين من السحر.
وقيل: تتلو؛ من التلاوة.
وقيل: ما تتلو: ما يروى الشياطينُ من السحر.
وهو قول ابن عباس - ما - وهو يرجع إلى واحد.
والآية في موضع الاحتجاج على اليهود؛ لأَنهم ادعوا: أَن الذي هم عليه أُخِذَ عن سليمان ، فإن كان كفراً فقد كفر سليمان.
فأَخبر الله - عز وجل - نبيَّه : أَن سليمان ما كفر، ولكن الشياطين كفروا بما علَّموا الناس من السحر.
ويحتمل: لكن أَتْباع الشياطين كفروا باعتقادهم السحر، وعملهم به بتعليم الشياطين، فنسب ذلك إلى الشياطين بما بهم كفروا، كما نسبت عبادة الأصنام إلى الشياطين بما بهم عبدوا، والله أعلم.
وروي عن ابن عباس - ما - قال: كان آصفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأَعظم، وكان يكتب كل شيء بأَمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه؛ فلما مات سليمان أَخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً، وكفراً، وكذباً؛ فقالوا: هذا الذي كان يعمل به سليمان؛ فأَكفرَه جهالُ الناس وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالُهم يسبونَه؛ حتى أَنزل الله - عز وجل - على محمد : ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ...
﴾ الآية.
وقال بعضهم: إن الشياطين ابتدعت كتاباً من السحر والأَمر العظيم، ثم أَفشته في الناس وعلمته إياهم؛ فلما سمع بذلك سليمان تتبع تلك الكتبَ، فدفنها تحت كرسيه كراهية أَن يتعلمها الناس.
فلما قُبض نبيُّ الله سليمان - - عمدت الشياطين إلى تلك الكتب فاستخرجتها من مكانها، وعلموها الناس، وأَخبروهم أَنه علم كان سليمان يكتمه، ويستأثره؛ فَعَذر الله نبيَّه سليمان، وبرأَه من ذلك على لسان نبينا محمد بقوله : ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ...
﴾ الآية.
وقيل أيضاً: لما مات سليمان - - وقع في الناس أوصابٌ وأَوجاعٌ؛ فقال الناس: لو كان سليمان - - حيّاً لكان عنده من هذا فرج، فظهرت الشياطينُ لهم فقالوا: نحن ندلكم على ما كان يعمل به سليمان - - فكتبوا كتباً، فجعلوها في البيوت، فاستخرجوا الكتب التي كتبت لهم الشياطينُ من السحر، فقالوا: هذا ما كان يعمل به سليمان.
فأَنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ...
﴾ الآية.
فلا ندري كيف كانت القصة، غير أن اليهود تركت كتب الأَنبياءِ والرسل، واتبعوا كتب الشياطين وما دعوهم إليه من السحر والكفر، وبالله التوفيق.
وفيه دلالةُ رسالة محمد ؛ بما أَخبرهم عن قصتهم - على ما كان - فدل أَنه كان عرف ذلك بالله عز وجل.
وفي ذلك أَن قد نسب إلى سليمان ما برأَه الله عنه من غير أَن يُبَيِّن ماهيَّته.
ذكره الله عز وجل لوجهين: دلالة لرسوله، وتكذيباً للذين نَحَلوه بما هو كفر.
وقوله: ﴿ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ﴾ .
أي: في ملكه؛ إذ كان ذلك الوقت هو وقت ظهورهم، ثم سخَّرهم الله لسليمان، فأَمكن ذلك منهم.
أَلقاهُ على أَلسن المعاندين لسليمان في السِّر؛ فَروَوْه عنه بعد الوفاة؛ فكذبهم الله - عز وجل - وبرأَ نبيَّه - - عن ذلك، وبين كيف كان بَدْؤُه.
فإِنما بينها للخلق؛ لئلا يتبعوا في الرواية كلَّ من لقي النبي؛ إذ قد يكون من أَمثالهم: اختراعُ الرواية، وإِلزامُ السامعين الأُمورَ المعتادة من الرسل، ورد ما لا يوافق ذلك من الرواية؛ ولذلك أَبطل أصحابُنا خبر الخاصِّ فيما يُبلى به العام.
وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ .
قيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ ﴾ على النفي، والجحد، معطوفاً على قوله: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ﴾ : والذي أُنزل على الملكين بِبَابل.
وقيل: سميت بابل لما تبلبلت به الأَلسن، يعني: اختلفت؛ فلا يعلم ذلك إلا بالسمع.
ثم اختُلِفَ في "هاروت" و"ماروت": فقال الحسن: لم يكونا ملكين، ولكنهما كانا رجلين فاسقين متمردين؛ وذلك أَن الله - عز وجل - وصف ملائكته بالطاعة له والائتمار بأَمره، بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...
﴾ الآية [التحريم: 6]، وكقوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 27].
وكذلك يقول الحسن في إبليس: إنه لم يكن من الملائكة.
وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.
ثم عارض نفسه بقولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ .
فقال: إن المُخبِرَ بمثله إِذا عرف ولوع السامع به، وبما يعرض مثله - على العلم منه: أَنه يفعل، ولا يرتدع عن ذلك - يقول ذلك له؛ ترغيباً منه، والله أعلم.
ومنهم من يقول: كانا ملكين، لكنهما علما الاسمَ والأَعظم، فيقضيان به الحوائج إلى أَن حل بهما ما حل.
وبهذا يحتج في بَلْعَم بقوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ...
﴾ الآية [الأعراف: 175].
ثم اختلف بعد هذا على أَوجه: قال بعضهم: لم يكن ذلك منهما سحراً، بل هو تعويذ الفرقة يقدر عليه.
وقال قائلون: إن ما أُنزل على الملكين أُنزل كلاماً حسناً صواباً، لكنه خلط بالذي لقنهم الشيطان؛ فصار سحراً.
وقال آخرون: بلى.
كان هو في نفسه سحراً، يعلمان الناس ذلك، لكنه لا يُنهى عن تعليمه، ولا يكفر الذي تعلم.
إنما ينهى عن الاعتقاد له، فكان كالكفر الذي يعلم، لا يُنهى عن ذلك؛ لأَنه ما لم يعلم لم نعلم قبحهُ وفساده، ولكن إنما يُنهى عن الاعتقاد له؛ فكان كالكفر الذي في تعلمه، والله أعلم.
ثم نقول: إن قولهما: ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ على الاختيار منهما، وكلمة السحر جار عليهما في اللسان، من غير صنع لهما فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: إلا بعلم الله وقضائه.
وقيل: بخذلانه وتخليه.
وقيل: بمشيئة الله وإرادته.
وأَما ظاهر الإذن فهو يخرج على الإباحة؛ فالعقل يدفعه.
وقيل: إنه لا يصل إلى هاروت وماروت أَحد من بني آدم، وإنما يختلف بينهم شيطان في كل مسألة، والله أعلم.
ثم السحر يكون على وجهين.
سحر يكفر به صاحبه؛ فإن كان ذلك منه بعد الإسلام، يُقْتل به صاحبُه؛ لأَنه ارتداد منه.
وسحرُ لا يكفر به صاحبه؛ فلا يقتل به، إلا أَن يسعى في الأَرض بالفساد: من قتل الناس، وأَخذ الأَموال.
فهو كقاطع الطريق، يُحكم بحكمهم من القتل وسائر العقوبات، وإذا تاب قُبِلت توبتُه.
أَلاَ ترى أَن سحرةَ فرعون لما رأَوا الآيات آمنوا بالله - - وتابوا توبة لا يطمع في مثل تلك التوبة من المسلم الذي نشأَ على الإسلام، حيث أَوعدهم فرعون بقطع الأَيدي والأَرجل، والصلب، وأَنواع العذاب، فقالوا: ﴿ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ .
وذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - في الساحرة: أَنها لا تقتل مرةً، وذكر عنه مرةً: أنها تقتل.
وقال في الساحر بالقولين.
فأَما ما روي عنه فيه بالقتل بعمل السحر، فهو على ما ذكرنا من قتله الناس بالسحر؛ فهو كالساعي في الأَرض بالفساد، لا بِعَيْن السحر.
أَو كفر بسحره بعد الإسلام؛ فيقتل كالمرتد عن الإسلام.
وما ذكر عنه: أَنه لا يُقْتل؛ فهو إذا لم يكن سحره سحرَ كفرٍ، ولا يسعى بالقتل في الأَرض لم يقتل به.
ثم قوله - في الساعي في الأَرض بالفساد: إنه إذا تاب قبل أن يُقدر عليه، سقط عنه القتل؛ فكذا الساحر.
وأما الذي هو لأجل الكفر يلزم القتل قبل التوبة، بعد القدرة عليه.
وعلى هذا يخرج قوله في الساحرة أيضاً.
ففيما قال: إنها لا تقتل؛ لما كان سحرها سحر كفر، والنساءُ لا يُقتلن للكفر.
وفيما قال: يقتلن؛ فلأَنهن يقتلن للسعي في الأَرض بالفساد كالرجل، والله أعلم.
وقال بعض الناس: لا تقبل توبة الساحر.
وهو غلط.
وأَحقُّ من يقبل توبتُه الساحرُ؛ إذ هو أَبلغ في تمييز ما هو حجة مما لا حجة.
وهذا هو الأَصل: أَن المُدَّعِيَ لشيء - على عهد الأَنبياءِ - إذا استقبلهم بمثله الأَنبياء - عليهم السلام - فهو أَحق من يلزمهم الإيمان به؛ لعلمهم بالحق منه.
والعوَامُّ منهم لا يعرفون إلا ظاهر ما يلزمهم، من تصديق الحجج، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ﴾ - من الدنيا - ﴿ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ في آخرتهم.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ ﴾ .
يعني: اليهود في التوراة.
وقوله: ﴿ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ .
يعني: اختاره للسحر.
وقيل: يتعلمون ما يضرهم في آخرتهم، ولا ينفعهم إن علموه.
﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ ﴾ يقول: لقد علمت اليهود أَن في التوراة آية لمن اختار السحر.
وقوله: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ ﴾ .
يقول: نصيب في الثواب.
وقيل: ﴿ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ أَي: ما له عند الله وجه.
وقوله: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: بئس ما باعوا به أنفسهم، يعني: اليهود الذين يعلِّمون الفرقة والسحر.
وقيل: ﴿ مَا شَرَوْاْ بِهِ ﴾ يقول: ما باعوا به أَنفسهم من السحر والكفر.
يعني: من لا يقرأَ التوراة.
أَو يعني: أن لو كانوا يعلمون ما باعوا به أنفسهم، ولكنهم لا يعلمون.
أي: لو علموا أنهم بم باعوا أَنفسهم من العذاب الدائم، لعلموا أنهم بئس ما باعوا به.
وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ ﴾ .
بتوحيد الله.
﴿ وٱتَّقَوْا ﴾ .
الشركَ، والسحر.
﴿ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ ﴾ .
يقول: لكان ثوابهم عند الله خيراً من السحر والكفر.
﴿ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
ولكنهم لا يعلمون علم الانتفاع به، وهو كقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ ليسوا بصم ولا بكم ولا عمي في الحقيقة، ولكنهم صم من حيث لا ينتفعون به؛ إذ الحاجة من العلم، والبصر، والسمع الانتفاعُ به، فإذا ذهبت المنافع بهما فكان كمن لا علم معه ولا بصر له ولا سمع؛ حيث لا ينتفع، ولا يعمل به، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولما جاءهم محمد رسولًا من عند الله وهو موافق لما في التوراة من صفته، أعرض فريق منهم عما دلت عليه، وطرحوها وراء ظهورهم غير مبالين بها، مشابهين حال الجاهل الَّذي لا ينتفع بما فيها من الحق والهدى، فلا يبالي بها.
من فوائد الآيات المؤمن الحق يرجو ما عند الله من النعيم المقيم، ولهذا يفرح بلقاء الله ولا يخشى الموت.
حِرص اليهود على الحياة الدنيا حتَّى لو كانت حياة حقيرة مهينة غير كريمة.
أنّ من عادى أولياء الله المقربين منه فقد عادى الله تعالى.
إعراض اليهود عن نبوة محمد بعدما عرفوا تصديقه لما في أيديهم من الكتب.
أنّ من لم ينتفع بعلمه صح أن يوصف بالجهل؛ لأنه شابه الجاهل في جهله.
<div class="verse-tafsir" id="91.ngB6K"
قوله تعالى ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ﴾ تقدم معناه في تفسير الآية ٤١ والآية ٨٩ وقوله ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ بيان لحال جديدة من أحوال أهل الكتاب يصح أن تكون علة لجميع ما صدر عنهم من الشناعات في معاداة النبي ومجاحدته، وهي أن فريقًا منهم قد نبذوا كتاب الله الذي يفاخرون به ويحتجون بأنهم اكتفوا بالهداية به، وأنه لا حاجة لهم بسواه.
نبذوه أن جاءهم رسول مصدق له بحاله وصفاته، لأن البشارات التي فيه بالنبي الذي يجئ من آل إسماعيل لا تنطبق إلا على هذا الرسول، ومصدق له بمقاله باعترافه بنبوة موسى وصدقه فيما جاء به من الهدى والشريعة، وتوبيخه اليهود على تحريف بعضها ونسيان بعض وترك العمل بما بقي لهم منها.
وليس المراد بنبذ الكتاب وراء ظهورهم أنهم طرحوه برمته، وتركوا التصديق به في جملته وتفصيله، وإنما المراد أنهم طرحوا جزءًا منه وهو ما يبشر بالنبي ويبين صفاته ويأمرهم بالإيمان به واتباعه، أي فهو تشبيه لتركهم إياه وإنكاره بمن يلقي الشيء وراء ظهره حتى لا يراه فيتذكره.
وترك الجزء منه كتركه كله لأن ترك البعض يذهب بحرمة الوحي من النفس ويجرئ على ترك الباقي ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ ..
ولا فرق في هذا الحكم بين اليهود والنصارى فكل منها مبشَّر بالنبي في كتابه، وكل منها قد نبذ الكتاب فلم يعمل به.
ولم يضر النبي هذا الجحود من الفريق الجاحد لأن دعوته قد قبلها الآخرون واهتدى بها من لا يحصى من الأمتين ومن سائر الأمم، وإنما يضر الجاحدين لأنهم تركوا كتابهم الذي يزعمون أنه المنجي والمخلص لهم وحرموا من هداية خاتم النبيين، التي هي أكمل هداية أنعم الله بها على العالمين.
قال تعالى بعدما ذكر نبذهم الكتاب ﴿ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أي نبذوه نبذ من لا يعلم أنه كتاب الله، يريد أنهم بالغوا في تركه وإهماله، ومن ترك شيئًا من أمر الله وهو يعلم أنه أمره ولكن طاف به طائف من الشيطان فغلب على أمره فإنه لا يلبث أن يعود، ولكن هذا الفريق النابذ لكتاب الله تعالى من حيث هو مبشِّر بالنبي وآمر باتباعه يتمادى بهم الزمان ولا يتوبون ولا يرجعون، وما أحسن التعبير عن ذلك بنفي الحال والاستقبال دون نفي الماضي.
ثم ذكر تعالى أن أولئك الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم مجاحدة للنبي وحسدًا له قد تبدلوا الكفر بالإيمان واشتروا الضلالة بالهدى ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ ﴾ من الإنس في قصصها وأساطيرها، أو من الجن في وسوستها أو منهما جميعًا، على حد قوله تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ أي ما كانت تتلو على عهده وفي أيام ملكه إذ زعموا أن ملكه قام على أساس السحر والطلسمات، وأنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام مرضاة لنسائه الوثنيات ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ وما سحر ﴿ وَلَكِنَّ ﴾ أولئك ﴿ الشَّيَاطِينَ ﴾ الذين يسندون إليه ما انتحلوه من السحر، وما تلبسوا به من الكفر، هم الذين ﴿ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ليفتنوا به العامة ويضلونهم عن طلب الأشياء من أسبابها الظاهرة ومناهجها المشروعة.
بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين، وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب، ومن عاداتهم النافع والضار، لأجل الموعظة والاعتبار، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح.
وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله ﴿ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ﴾ وكقوله ﴿ بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ﴾ وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرًا من كتاب العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية.
ويقول أهل السواحل غربت الشمس أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء، ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئي.
جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن وأكثره في قصة موسى وفرعون وذكر هنا في الكلام عن اليهود.
وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفي، وقالوا سحره وسحَّره بمعنى خدعه وعلله، وقالوا عين ساحرة وعيون سواحر، وفي الحديث الصحيح "إن من البيان لسحرًا" والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة والرئة في الباطن فيا لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدي إليه غير أهله فهو باطن خفي، ومنه الخداع وهو أن يظهر لك شيئًا غير الواقع في نفس الأمر، فالواقع باطن خفي، وتأثير العيون في عشاق الحسان، والكلام البليغ في عشاق البيان، مما يخفى مسلكه ويدق سببه، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره.
وقد وصف الله السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس بكائن كائنًا فقال ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ والكلام في حبال السحرة وعصيهم وفي آية أخرى ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم، والتاريخ يشهد بهذا، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم كما يؤخذ من قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ ﴾ ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرًا لخفاء سببه، و لطف مأخذه، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة .
وقد قال المؤرخون إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى.
وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام مبهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي.
ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة، وسببه اعتقاد الواهم أن الشياطين يستجيبون لقارئه ويطيعون أمره، ومنهم من يعتقد أن فيه خاصية التأثير، وليس فيه خاصية وإنما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته.
وهذا هو السبب في اعتقاد الدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب.
وقد اختلف المتكلمون والمفسرون والفقهاء في حقيقة السحر وفي أحكامه وعده بعضهم من خوارق العادات، وفرقوا بينه وبين المعجزة، ولم يذكروا في فروقهم أن السحر يتلقى بالتعليم ويتكرر بالعمل فهو أمر عادي قطعًا بخلاف المعجزة.
وفي قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ وجهان: (أحدهما): أنه متصل بقوله ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ أي أن الشياطين هم الذين يعلمون الناس السحر.
(وثانيهما): وهو الأظهر، أنه متصل بالكلام عن اليهود، وأن الكلام في الشياطين قد انتهى عند القول بكفرهم.
وانتحال اليهود لتعليم السحر أمر كان مشهورًا في زمن التنزيل، ولا يزالون ينتحلون ذلك إلى اليوم.
أي إن فريقًا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان.
وههنا يقول القائل بماذا اتبعوا أولئك الشياطين الذين كذبوا على سليمان في رميه بالكفر وزعمهم أن السحر استخرج من كتبه التي كانت تحت كرسيه؟
فأجاب على طريق الاستئناف البياني ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ إلخ، ونفي الكفر عن سليمان وإلصاقه بالشياطين الكاذبين ذكر بطريق الاعتراض فعلم أيضًا أنهم اتبعوا الشياطين بهذه الفرية أيضًا.
وإنما كان القصد إلى وصف اليهود بتعليم السحر لأنه من السيئات التي كانوا متلبسين بها ويضرون بها الناس خداعًا وتمويهًا وتلبيسًا.
ثم قال ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ فأجمل بهذه العبارة الوجيزة خبر قصة كانوا يتحدثون بها، كما أجمل في ذكر تعليم السحر فلم يذكر ما هو؟
أشعوذة وتخييل، أم خواص طبيعية، وتأثيرات نفسية؟
وهذا ضرب من الإعجاز في الإيجاز انفرد به القرآن.
يذكر الأمر المشهور بين الناس في وقت من الأوقات لأجل الاعتبار به فينظمه في أسلوب يمكن لكل أحد أن يقبله فيه مهما يكن اعتقاده لذلك الشيء في تفصيله.
ألا ترى كيف ذكر السحر هنا وفي مواضع أخرى وبأساليب لا يستطيع أن ينكرها من يدعي أن السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك مما ذكرناه، ولا يستطيع أن يردها من يدعي أنه من خوارق العادات.
والحكمة في ذلك أن الله قد وكل معرفة هذه الحقائق الكونية إلى بحث الإنسان واشتغاله بالعلم لأنه من الأمور الكسبية، ولو بين مسائلها بالنص القاطع لجاءت مخالفة لعلم الناس واختبارهم في كل جيل لم يرتق العلم فيه إلى أعلى درجة، ولكانت تلك المخالفة من أسباب الشك أو التكذيب فإننا نرى من الناس من يطعن في كتب الوحي لتفسير بعض تلك الأمور المجملة بما يتراءى لهم وإن لم تكن نصًا ولا ظاهرًا فيه، ويزعمون أن كتاب الدين جاء مخالفًا للعلم وإن كان ذلك الذي يطلقون عليه اسم العلم ظنيًا أو فرضيًا.
في ﴿ الْمَلَكَيْنِ ﴾ قراءتان: فتح اللام وكسرها فالأولى قراءة الجمهور والثانية قراءة ابن عباس والحسن وأبي الأسود والضحاك.
وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر ويؤيده ما قيل إن المراد بهما داود وسليمان عليهما السلام.
وقيل بل هما رجلان صاحبا وقار وسمت فشبها بالملائكة، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الإجلال فشبها بالملوك، وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة يقولون: هذا ملَك وليس بإنسان: كما يقولون فيمن كان سيدًا عزيزًا يظهر الغنى عن الناس من حيث يحتاجون إليه: هذا سلطان زمانه: جلت حكمة الله في خلقه فقد قَدَّ هؤلاء الآدميين من أديم واحد، كان الناس على عهد"هاروت"و"ماروت"-اللذين كان يتحدث بخبرهما ولا يحدد تاريخهما- على مثالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الأهلية من الجهة الروحانية إلا إلى أهل السمت والوقار اللابسين لباس أهل التقوى والصلاح، هذا ما نشاهدهم عليه في زماننا وهذا ما حكى الله تعالى عنهم في الزمن القديم، ولعل الله تعالى سماهم ملكين (بفتح اللام) حكاية لاعتقاد الناس فيهما، أو على سبيل المجاز كما قال بعض المفسرين.
قال تعالى في اليهود ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ﴾ والظاهر هو العطف أن ما أنزل عليهما هو غير السحر ضم إليه لأنه من جنسه في كون تعليمه سيئة مذمومة أو هو لتغاير الاعتبار أو النوع.
وليس معنى الإنزال عليهما أنه وحي من الله كوحيه للأنبياء فيشكل عده من الشر والباطل الذي يذم تعلمه، فإن كلمة أنزل تستعمل في مواضع لا صلة بينها وبين وحي الأنبياء قالوا: أنزلت حاجتي على كريم، وأنزل لي عن هذه الأبيات: ويقال: قد أنزل الصبر على قلب فلان: وقال تعالى ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ﴾ وقال ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
ولعل التعبير عما أوتياه من العلم بالإنزال لأنه لم يكن يعرف له مأخذ غيرهما يراد أنهما ألهماه إلهامًا واهتديا إليه من غير أستاذ ولا معلم.
ويصح أن يسمى مثل هذا وحيًا لخفاء منبعه وليس الوحي وإلهام الخواطر خاصًا في عرف اللغة ولا عرف القرآن بالأنبياء ولا بما يكون موضوعه خيرًا أو حقًا فقد قال تعالى ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾ وقال ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ وقال ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ وقال الشاعر: رأس الغواية في العقل السقيم فما فيه فأكثره وحي الشياطين وذكر ابن جرير الطبري وجهًا آخر في تفسير ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ﴾ ونقله كثير من المفسرين وهو أن ﴿ وَمَا ﴾ نافية أي أن اليهود يعلمون الناس السحر ويرتقون بسنده إلى الملكين ببابل وما أنزل السحر على الملكين فكيف كانوا يعلمونه بني إسرائيل؟.
وقد ضعفوه بأن الثابت في الواقع أن بني إسرائيل كانوا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين.
ثم قال ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ أي أن ما عندنا هو أمر يبتلي به الله الناس ويختبرهم فلا تتعلم ما هو كفر.
فإن أصر علَّماه.
قال تعالى ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ صيغة المضارع في هذه الجملة وما قبلها لتصوير ما كان كأنه كائن فالكلام تصوير للقصة لا حكم بمضمونها أي أنهم كانوا يتعلمون منهم ما وضع لأجل التفريق بين الزوجين وهو نحو ما يسميه الدجاجلة الآن "كتاب البغضة".
وليس في العبارة ما يدل على أن ما يتعلمونه لهذا الغرض هو مؤثر فيه بطبعه أو بسبب خفي أو بخارقة لا تعقل لها علة ولا أنه غير مؤثر، وليس فيها بيان لما يتعلمونه هل هو كتابة تمائم، أو تلاوة رقي وعزائم، أو أساليب سعاية، أو دسائس تنفير ونكاية، أو تأثير نفساني، أو وسواس شيطاني، وأي شيء من ذلك ثبت علمًا كان تفصيلًا لما أجمله القرآن في الواقع.
ولا يجوز لنا أن نتحكم بتفصيل ما أجمله القرآن فنحمله على أحد ما ذكر أو على غيره.
ولو علم الله أن الخير لنا في بيان ذلك لبينه كما قلنا في مثله مرار.
لم يبين القرآن ذلك الإجمال ولا حقيقة ذلك العلم لأنه موكول إلى بحث البشر وارتقائهم في العلم كما تقدم، ولكنه لم يهمل ما يتعلق بالعقائد وبيان الحق فيها ولذلك قال بعد حكاية السحر عنهم ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي أنهم ليس لهم قوة غيبية وراء الأسباب التي ربط الله بها المسببات فهم يفعلون بها ما يوهمون الناس أنه فوق استعداد البشر، وفوق ما منحوا من القوى والقدر، فإذا اتفق أن أصيب أحد بضرر من أعمالهم فإنما ذلك بإذن الله أي بسبب من الأسباب التي جرت العادة بأن تحصل المسببات من ضـر ونفع عند حصولها بإذن الله تعالى.
وهذا الحكم التوحيدي هو المقصد الأول من مقاصد الدين، فالقرآن لا يترك بيانه عند الحاجة، بل عند كل مناسبة، وربما ترد في القرآن قصة مثل هذه القصة لأجل بيان الحق في مسألة اعتقادية كهذه المسألة لأن إيراد الأحكام في سياق الوقائع أوقع في النفس وأعصى على التأويل والتحريف.
ثم قال بعد نفي القوة التي وراء الأسباب عنهم ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ ﴾ يضرهم لأنه سبب في الإضرار بالناس وهو محرم يعاقب الله تعالى عليه في الأخرة ومن عرف بإيذاء الناس يمقته الناس ويكونون عليه.
ولما كان بعض الضار من جهة نافعًا من جهة أخرى وربما كانت منفعته أكبر من إثمه نفى المنفعة بعد إثبات المضرة، فهذا النفي واجب في قانون البلاغة لا بد منه.
وقد صدق الله تعالى، فإننا نرى منتحلي السحر وما في معناه أفقر الناس وأحقرهم، ولو عقل السفهاء الذين يختلفون إليهم يلتمسون المنافع لأنفسهم والإيقاع بأعدائهم لعلموا أن الشقي في نفسه لا يمكن أن يهب السعادة لغيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
هذه حالهم في الدنيا فكيف يكونون في الآخرة يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون؟
لا جرم أنها تكون حالًا سوءى، واليهود يعلمون ذلك كما قال ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ أي أنهم يعلمون أن من اختار هذا واستبدله بما آتاه الله من أصول الدين الحق وأحكام الشريعة العادلة الموصلين إلى سعادة الدنيا والآخرة فليس له نصيب في نعيم الآخرة، وذلك أن التوراة قد حظرت تعليم السحر وجعلته كعبادة الأوثان وشددت العقوبة على فاعله وعلى أتباع الجن والشياطين والكهان، ولا ينافي هذا العلم قوله ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ فإن العلم علمان: علم تفصيلي متمكن من النفس متسلط على إرادتها يحركها إلى العمل، وعلم إجمالي خيالي يلوح في الذهن مبهمًا عندما يعرض ما يذكر به ككتاب وإلقاء سؤال، وهو يقبل التحريف والتأويل، وليس له منفذ إلى الإرادة ولا سبيل، فقد كانوا يستحلون أكل السحت كالرشوة والربا بالتأويل كما يفعل غيرهم اليوم وقبل اليوم.
ولو كانوا يعلمون حرمة ما ذكر علمًا تفصيليًا يستغرق جميع جزئيات المحرم ويفقهون علة التحريم وسره ويصدقون بما توعد الله مرتكبه من العقوبة في الآخرة تصديقًا جازمًا ويتذكرونه وقت العمل بما للعقيدة من السلطان على الإرادة لما ارتكبوا ما ارتكبوه مع الإصرار عليه، ولكنهم فقدوا هذا النوع من العلم ولم يغن عنهم تصور أن السحر والخداع كلاهما حرام كالربا والرشوة لأن في الكتاب عبارة تدل على ذلك فإن العبارة تحتمل ضروبًا من التأويل ككون النهي خاصًا بمعاملة شعب إسرائيل وكانوا يقولون ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ إذا أكلنا أموالهم بالباطل، و كاشتراط الضرر في السحر مع ادعاء أن ما يأتونه منه نافع غير ضار وغير ذلك.
وإننا نرى كثيرًا من الحرمات قد انتهكت في المسلمين بمثل تلك التأويلات حتى جوز بعض المشتغلين بالفقه هدم ركن من أعظم أركان الإسلام بالحيلة وهو ركن الزكاة الذي يحارب تاركوه شرعًا، ونرى هذه الحيل قد أثرت في الأمة أسوأ التأثير فقلما يوجد فيها غني يؤدي الزكاة.
ولا يعتقد المتمسك بالدين من هؤلاء الأغنياء أنه متعرض لمقت الله وعقوبته، وأنه قد فسق عن أمر ربه، لأنه يمنع الزكاة بحيلة يسميها شرعية، وقد أخذها عمن يسمون فقهاء، ويفتخرون بأنهم ورثة الأنبياء، ثم إن الحيل على التزوير وأكل أموال الناس بالباطل لها في بعض الكتب وعلى ألسنة كثيرين من أصحاب العمائم مجال واسع و ميدان فسيح ، ولها أقبح التأثير في إفساد العامة واستباحتهم المحظورات ولقد صارت هذه الحيل على الله والتأويلات الباطلة الهادمة لدينه معدودة من علم الدين حتى أنه ليأتيها من لا منفعة له في إتيانها ممن يعدون صالحين، ومن أعجب ذلك أن بعض أهل العلم الصالحين يشهد الزور بمثل هذه التأويلات وقد نقل الثقات أن طالب الشهادة يستعطفه ويستميل قلبه بالشكوى من الظلم وإرادة الاستعانة بشهادته على دفع المظلمة والتخلص من الأذى فيأمر الشيخ بأن تطوى الورقة المشتملة على قول الزور بحيث يحجب سواد الكتابة فلا يراه ويضع توقيعه وختمه في ذيلها كأنه وضعهما على ورقة خالية، وهو يعلم أنها ليست خالية من الكتابة، ويعرف ما فيها من الكذب.
فهل نقول إنه غير عالم بقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وبما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي قال وكان متكئًا: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
الإشراك بالله وعقوق الوالدين - ثم قعد فقال- ألا وقول الزور وشهادة الزور" فمازال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
وبما روياه من حديث أبي هريرة مرفوعًا أيضًا" آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان" وفي رواية لغيرهما" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم" وذكرهن - بل إنه عالم بكل ذلك ولكنه التأويل أفسد على كل اهل دين دينهم.
ولقد صار العالم المسلم عاجزًا في أكثر بلاد المسلمين عن إنكار ما يخالف هدى الكتاب والسنة من كتب الميتين، لا سيما إذا اشتهروا باختبار كتبهم للتدريس.
وحجة هؤلاء المقلدين على نصر كتب الميتين وترجيحها على كتاب الله وسنة رسوله هي أن القادرين على الاهتداء بهما قد انقرضوا فوجب على المسلمين ترك العمل بهما والاعتماد على كتب العلماء المتأخرين الذين استنبطوا من قواعد أئمتهم جميع مسائل الدين، فعلينا أن نأخذ بكل ما قالوا، وأن لا ننظر في الكتاب والسنة إلا للتبرك بهما، فإن رأينا خلافًا بين قول الله ورسوله وقول الفقيه لا يحتمل التأويل فعلينا أن نتهم عقولنا وأفهامنا وننزه فهم الفقيه الميت وعقله ونعمل بقوله مكابرين أنفسنا التي سجل عليها الحرمان من فهم الكتاب المبين والسنة البيضاء التي وصفها صاحبها بأن ليلها كنهارها أي لا يشتبه فيها أحد!!!
هذا ما عليه جماهير المسلمين، ولم يبعد من قبلهم عن كتاب ربهم أشد من هذا البعد، وسيعودون إليه بعد حين، فقد أخذهم العذاب على تركه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾ أي لو أنهم استبدلوا الإيمان بما جاء به النبي بهذا السحر الخادع واتباع نزعات الشياطين أو لو آمنوا بكتابهم إيمانا حقيقيًا ومنه البشارة بالنبي والأمر باتباعه واتقوا بالعمل به والمحافظة على حدوده مغبة ما ينتظره المجرمون من العقوبة على العصيان، لكان ثواب الله لهم على الإيمان الصحيح والعمل الصالح خيرًا لهم من جميع ما توهموه في المخالفة من المنافع، ثم قال ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ أي أنهم في كل ما هم عليه من الأباطيل، ومن زعمهم أنها ترجع إلى الكتاب بضروب من التأويل، يتبعون الظنون ويعتمدون على التقليد، وليسوا على شيء من العالم الصحيح، ولو كانوا يعلمون علمًا صحيحًا لظهر أثره في أعمالهم ولآمنوا بالنبي واتبعوه فكانوا من المفلحين.
ومن مباحث اللفظ في الآيات أن ﴿ بَابِلَ ﴾ بلدة قديمة كانت في سواد الكوفة -قبل الكوفة- في أشهر أقوال المفسرين، ويؤخذ من بعض كتب التاريخ أنها كانت في الجانب الشرقي من نهر الفرات بعيدة عنه، ويقال إن أصل اشتقاقها في العبرانية يدل على الخلط إشارة إلى ما يرويه العبرانيون من اختلاط الألسنة هناك.
و ﴿ هَارُوتَ ﴾ و ﴿ مَارُوتَ ﴾ اسمان أعجميان ولو كانا مشتقين من الهرت والمرت كما زعم بعضهم لا منعا من الصرف.
و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله تعالى ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ لاستغراق النفي وتأكيده، وهي ليست بزائدة، وإنما الزائد ما يذكر للتحلية ولا يكون له معنى ما وفاقًا لكثير من المفسرين.
والمثوبة الثواب و ﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ خبر (لو) أي لكانت مثوبة من الله خيرًا.
وقد قدروا لها فعلًا فقالوا: الأصل لأثيبوا مثوبة فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة ونكرت لبيان أنها مهما قلت فهي خير لهم وأصلها الثوب بمعنى الرجوع كأن المحسن يثوب إلى من أحسن إليه بعد الإعراض.
<div class="verse-tafsir"