تفسير سورة البقرة الآيات ١١٤-١١٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١١٤-١١٧

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌۭ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١١٤ وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ١١٥ وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَـٰنَهُۥ ۖ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ ١١٦ بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًۭا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 16 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام في أهل الكتاب عامة ومن على شاكلتهم، فقوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا  ﴾ الآية فيه وجوه: (أحدها): أنه يشير إلى حادثة وقعت بعد المسيح بسبعين سنة وهي دخول "تيطس" الروماني بيت المقدس وتخريبها حتى صارت المدينة تلا من التراب، وهدمه هيكل سليمان  حتى لم يبق منه إلا بعض الجدر المدعثرة، وإحراقه ما كان عند اليهود من نسخ التوراة، وكان المسيح  قد أوعد اليهود بذلك.

وقال بعض المفسرين إن أتباع المسيح هم الذين هيجوا الرومانيين وأغروهم بهذا العمل.

ولا أدري هل يصح هذا الخبر أم لا، فإن قائليه لم يأتوا عليه بأدلة ولا بنقول تاريخية ولكنني أعلم أن المسيحيين على قتلهم وتشتتهم واستخفائهم من اضطهاد اليهود كانوا قد وصلوا إلى "رومية" وكانوا يودون الإيقاع باليهود الذين اضطروهم إلى الخروج من بلادهم انتقامًا منهم وتحقيقًا لوعيد المسيح، وأن الرومانيين -وإن كانوا وثنيين يرون أن اليهود ليسوا على شيء- لم تكن حروبهم دينية وإنما كانوا يحاربون اليهود وغيرهم لشغبهم وفتنهم أو للطمع في بلادهم وذلك لا يقضي بهدم المعبد وإحراق كتب الدين.

فهذه قرائن ترجع أنه كان للمسيحيين يد في إغارة تيطس، ولكن لا يجزم به إلا إذا وجد نقل تاريخي صحيح يؤيد الخبر.

ومن الغريب أن ابن جرير قال في تفسيره إن الآية في اتحاد المسيحيين مع "بختنصر" البابلي على تخريب بيت المقدس مع أن حادثة بختنصر كانت قبل وجود المسيح والمسيحية بست مئة وثلاث وثلاثين سنة.

ولو لم يكن مؤرخًا من أكبر المؤرخين لالتمس له العذر بحمل قوله على حادثة "أردينال" الروماني الذي جاء بعد المسيح بمئة وثلاثين سنة، وبنى مدينة على أطلال أورشليم وزينها وجعل فيها الحمامات، وبنى هيكلًا للمشترى على أطلال هيكل سليمان، وحرم على اليهود دخول هذه المدينة وجعل جزاء من يدخلها القتل، فلذلك كان اليهود يسمونه "بختنصر الثاني" لشدة ما قاسوا من ظلمه واضطهاده.

ولكن هذا لا يصح أن يكون عذرًا للمؤرخ.

(الثاني): ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ  ﴾ نزل في منع مشركي العرب النبي وأصحابه من دخول مكة في قصة عمرة الحديبية، وقالوا إن حادثة الرومانيين كانت قد طال عليها الأمد فلا مناسبة لإرادتها بالآية.

واعترض هذا القول بأن مشركي العرب ما سعوا في خراب الكعبة، بل كانوا عمروها في الجاهلية وكانوا يعظمونها ويرونها مناط عزهم ومحل شرفهم وفخرهم..

ويصح أن تكون الآية في الأمرين على التوزيع فالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم مشركو مكة والذين سعوا في خرابها هم مشركو الرومانيين.

ويكون قرن ما عمل المشركون من منع البيت الحرام أن يذكر فيه اسم الله بزيارة النبي وأصحابه بما عمل من قبلهم من مشركي الرومانيين من التخريب من قبيل الإشارة إلى تساوي الفعلين في القبح.

(الثالث): إن الكلام في أهل الكتاب وأن الآية ليست منبئة بأمر وقع، ولكن بأمر سيقع، وهو ما كان بعد ذلك من إغارة الصليبين على بيت المقدس وغيره من بلاد المسلمين وصدهم إياهم عن المسجد الأقصى وتخريبهم كثيرًا من المساجد.

(الرابع): وهو مبني أيضًا على أن الآية منبئة عن أمر سيقع أن المراد بها حادثة القرامطة الذين هدموا الكعبة ومنعوا المسلمين منها وهدموا كثيرًا من المساجد.

كأنه بعد أن ذكر حال أهل الكتاب في طعن اليهود منهم بالنصارى وقولهم فيهم إنهم ليسوا على شيء من الدين وطعن النصارى في اليهود كذلك وبعد قوله في المشركين الذين لا يعلمون الكتاب إنهم قالوا مثل قولهم لم يبق إلا ما سيقع للمسلمين وفي المسلمين فأنبأ الله تعالى بهذه الحادثة من الإخبار بالغيب فوقعت وكانت حادثتهم من أكبر الأحداث في المسلمين فإنهم استولوا على جزء كبير من ممالك الإسلام وهدموا المساجد وعاثوا في الأرض فسادًا ولم يكن في أيام الحروب الصليبية على طولها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة مثلما كان على عهد القرامطة فالآيات على هذا مبينة لأحوال جميع الملل.

وسواء كانت الآية في حادثة واقعة أو منتظرة أم كانت وعيدًا للذين لا يحترمون المعابد على الإطلاق، هي على كل حال ناطقة بوجوب احترام كل معبد يذكر فيه اسم الله تعالى بالصلاة والتسبيح وبتحريم السعي في خراب المعابد، وبالحكم على الذين يصدون الناس عنها ويسعون في خرابها -أي هدمها أو تعطيل شعائرها ومنع عبادة الله فيها- بكونهم أظلم الناس كما يستفاد من استفهام الإنكار، لأن المنع من ذكر الله تعالى وإبطال شعائر المعابد التي تذكر به وتشعر القلوب عظمته انتهاك لحرمة الدين يفضي إلى نسيان الناس الرقيب المهيمن عليهم فيمسون كالهمل وتفشو فيهم المنكرات والفواحش، وانتهاك الحرمات، وهضم الحقوق، وسفك الدماء، وعبادة الله تعالى بذكره والصلاة له تنهى بطبيعتها عن الفحشاء والمنكر، ولا ينافي ذلك ما عساه يطرأ على العبادة أو يوجد في المساجد من الأشياء المبتدعة التي لم يأمر بها الكتاب.

فمن علم بهذه البدع فعليه أن ينكرها ويسعى في إزالتها ولا يجوز له السعي في إزالة المعابد من الأرض لما في ذلك من الفساد الذي أشرنا إليه.

وهذا هو السر في حكم الشريعة الإسلامية باحترام كنائس أهل الكتاب وبيعهم وصوامعهم وعبادهم واحترام معابد الذين لهم شبهة كتاب أيضًا كالمجوس، أما الصابئون فهم من أهل الكتاب.

وأما الوثنيون الخلص الذين اختاروا من دون الله أولياء ويبنون المساجد لذكر غيره والتقرب إلى سواه فهؤلاء لم يتعرض لذكرهم ولم يتوعد من يمنعهم من سخفهم.

ثم قال تعالى في شأن المعتدين على المساجد ﴿ أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ  ﴾ أي فكيف يدخلونها مفسدين ومخربين، ولا ينبغي للعاقل أن يقدم على أمر إلا بعد النظر فيه والعلم بدرجة نفعه أو ضره.

وما كانت عبادة الله تعالى إلا نافعة وما كان تركها إلا ضارًا.

وما عساه يوجد في عبادات الأمم من الخرافات الضارة فإنما المكروه منه ما فيه مما يبعد عن عبادة الله تعالى ويوقع في إشراك غيره فيها.

على أن العبادة الممزوجة بنزغات الوثنية، أهون من التعطيل القاضي بالجحود المطلق، ولذلك توعد الله تعالى أولئك المعتدين الظالمين بقوله ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ فأما خزي الدنيا فهو ما يعقبه الظلم من فساد العمران، المفضي إلى الذل والهوان وناهيك بظلم يحل القيود، ويهدم الحدود، ويغري الناس بالفواحش والمنكرات، ويسهل عليهم سبل الشرور والموبقات، وهو ظلم إبطال العبادة من المساجد، والسعي في خراب المعابد، إذا وقع هذا الظلم كان الحاكم الظالم مخذولًا في حكمه، والفاتح الظالم غير أمين في فتحه، وإذا أردت تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ماذا حل بالرومانيين، وماذا كانت عاقبة العرب المشركين، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين، وأما عذاب الآخرة فالله أعلم به ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين.

ثم قال تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  ﴾ ذهب المفسر (الجلال) إلى أن المراد بالمشرق والمغرب الأرض كلها لأنهما ناحيتاها وقال في قوله ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  ﴾ أي أي مكان تستقبلونه في صلاتكم فهناك وجه القبلة التي أمر الله بأن يتوجه إليها.

ووجه هذا الرأي أن من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود ولما كان سبحانه منزهًا عن المادة والجهة استقباله بهذا المعنى مستحيلًا شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عباداتهم إياه وجعل استقبال ذلك المكان كاستقبال وجهه تعالى.

وهذه الآية متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ  ﴾ إلخ وأكثر المفسرين على خلاف ما قال (الجلال) في تفسير المشرق والمغرب: قالوا إن المراد بهما الجهتان المعلومتان لكل أحد ولذلك خصهما بالذكر فهو كقوله تعالى ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ  ﴾ وهو يستلزم ما قاله"الجلال"فإن المراد على كل حال: أية جهة استقبلت وتوجهت إليها في صلاتك فأنت متوجه إلى الله تعالى لأن كل الجهات له ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ  ﴾ لا يتحدد ولا يحصر فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان ﴿ عَلِيمُ  ﴾ بالمتوجه إليه أينما كان أي فاعبد الله حيثما كنت، وتوجه إليه أينما حللت، ولا تتقيد بالأمكنة فإن معبودك غير مقيد.

ووجه المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها ظاهر على هذا التفسير فإن فيها إبطال ما كان عليه أهل الملل السابقة من اعتقاد أن العبادة لله تعالى لا يصح أن تكون إلا في الهيكل والمعبد المخصوص، وفي إبطال هذا إزالة ما عساه يتوهم من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه من أنه وعيد على إبطال العبادة في المواضع المخصوصة لأنه إبطال لها بالمرة إذ لا تصح إلا في تلك المواضع، فهذه الآية تنفي ذلك التوهم من حيث تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد وهي أن الله تعالى لا تحدده الجهات، ولا تحصره الأمكنة، ولا يتقرب إليه بالبقاع والمعابد، ولا تنحصر عبادته في الهياكل والمساجد، وإنما ذلك الوعيد لانتهاك حرمات الله وإبطال نوع من أنواع عبادته وهو العبادة الاجتماعية التي يجتمع لها الناس في أشرف المعابد على خير الأعمال التي تطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم.

وهذا الضرب من البيان مما امتاز به القرآن على سائر الكلام فإنك لترى فيه فنونًا من الاستدراك والاحتراس قد جاءت في خلال القصص وسياق الأحكام، تقرأ الآية في حكم من الأحكام، أو عظة من المواعظ، أو واقعة تاريخية فيها عبرة من العبر، فتراها مستقلة بالبيان، ولكنها باتصالها بما قبلها قد أزالت وهمًا، أو تممت حكمًا، وكان ينبغي لأهل العربية أن يقتبسوا هذه الضروب من البيان، ويتوسعوا بها في أساليب الكلام، فإن القرآن قد أطلق لهم اللغة من عقالها، وعلمهم من الأساليب الرفيعة ما كانت تستحليه أذواقهم، وتنفعل له قلوبهم، وتهتز له نفوسهم، وتتحرك به أريحتهم، ولكنهم لم يوفقوا لاقتباس هذه الأساليب الجديدة، على أن ملكتهم في حسن البيان، قد ارتقت بعد نزول القرآن.

وسنعطي هذا الموضوع حقه من البيان في موضع تكون مناسبته أقوى من هذه المناسبة.

ثم عاد الكتاب إلى النسق السابق في تعداد مخازي أهل الكتاب والمشركين بعد ما ذكر من وعيد من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ما ذكر وبين أن يعبد في كل مكان فقال  ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا  ﴾ فهذا عطف على قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى  ﴾ قوله ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ  ﴾ إلخ ويصح أن ينسب هذا إلى اليهود والنصارى والذين لا يعلمون جميعًا وإلى فرقة واحدة منهم.

ووجه العموم أن الله تعالى أخبرنا في مواضع من كتابه بأن اليهود قالت: عزير ابن الله: وأن النصارى قالت: المسيح ابن الله: وأن المشركين قالوا: إن الملائكة بنات الله.

ولا فرق في الأحكام التي تسند إلى الأمم بين كونها صدرت من جميع أفراد الأمة أو صدرت من بعضهم فإن مثل هذا الإسناد منبئ بتكافل الأمم كما تقدم غير مرة.

وقد نقل أن كلمة: عزير ابن الله: قالها بعض اليهود لا كلهم، وكذلك اعتقاد كون الملائكة بنات الله لم يكن عامًا في مشركي العرب وإنما عرف عن بعضهم.

ثم رد على مدعي اتخاذ الولد بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ  ﴾ نزه تعالى نفسه بكلمة ﴿ سُبْحَانَهُ  ﴾ التي تفيد التنزيه، مع التعجب مما ينافيه، كأن الذي يعرفه تعالى لا ينبغي أن يصدر عنه مثل هذا القول الذي يشعر بأن له تعالى جنسًا يماثله، فإن قائل ذلك لا يكون على علم بالله تعالى وإنما يكون زاعمًا فيه المزاعم وظانًا فيه الظنون، أي تنزيهًا له أن يكون له ولد كما زعم هؤلاء الجاهلون الظانون بالله غير الحق، فإنه لا جنس له فيكون له ولد منه، وهذا الولد الذي نسبوه إليه تعالى لا بد أن يكون من العالم العلوي وهو السماء أو من العالم السفلي وهو الأرض، ولا يصلح شيء منهما أن يكون متجانسًا له  ، لأن جميع ما في السموات والأرض ملك له قانت لعزته وجلاله، أي خاضع لقهره مسخر لمشيئته، فإذا كانوا سواء في كونهم مسخرين له بفطرتهم، منقادين لإرادته بطبيعتهم واستعدادهم، فلا معنى حينئذ لتخصيص واحد منهم بالانتساب إليه وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  ﴾ نعم إن له سبحانه أن يختص من شاء بما شاء كما اختص الأنبياء بالوحي، ولكن هذا التخصيص لا يرتقي بالمخلوق إلى مرتبة الخالق، ولا يعرج بالموجود الممكن إلى درجة الوجود الواجب، وإنما يودع سبحانه في فطرة من شاء ما يؤهله لمن شاء منه ﴿ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى  ﴾ ، وليست شبهة الذين اتخذوا بعض البشر آلهة بأمثل من شبهة الذين اتخذوا بعض الكواكب آلهة، إذ التفاوت بين الشمس والقمر أظهر مثلًا من التفاوت بين المسيح وبين سائر الناس الذين عبدوه وقالوا هو ابن الله أو هو الله.

وقد غَلَّب في المِلْكِيَّة ما لا يَعْقِل فقال ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ  ﴾ إلخ لأن المراد بتسخيرها له التسخير الطبيعي الذي لا يشترط فيه الاختيار لا التسخير الشرعي المعبر عنه بالتكليف الذي يفعله الكاسب باختياره.

ويستوي في التسخير الطبيعي العاقل وغيره ولكنه في غير العاقل أظهر، ولما ذكر القنوت له تعالى جمعه بضمير العاقل فغَلِّب فيه العقلاء لأن من شأن القنوت أن يكون من العاقل الذي يشعر بموجبه ويفعله باختياره، وإن كان لغير العاقل قنوت يليق به.

وجملة القول أن الآية ناطقة بأن ما في السموات والأرض ملك لله تعالى ومسخر لإرادته ومشيئته لا فرق بين العاقل وغيره، فقد حكم على الجميع بالملكية وبالقنوت الذي يراد به التسخير وقبول تعلق الإرادة والقدرة، ولكنه عند ذكر الملك عبر عنه بالكلمة التي تستعمل غالبًا في غير العاقل وهي كلمة ﴿ مَا  ﴾ لأن المعهود في ذوق اللغة وعرف أهلها أن الملك يتعلق بما لا يعقل، وعند ذكر القنوت عبر عنه بضمير العقلاء لأنه من أعمالهم ومما يعهد منهم ويسند إليهم لغة وعرفًا.

وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه، وأعلى البيان وأشرفه.

ثم زاد هذين الحكمين بيانًا وتأكيدًا فقال ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ قال المفسرون إن البديع بمعنى المبدع فهو مشتق من الرباعي "أبدع"، واستشهدوا ببيت من كلام عمرو بن معدي كرب جاء فيه (سميع) بمعنى مسمع، وقالوا قد تعاقب فعيل ومفعل في حروف كثيرة كحكيم ومحكم وقعيد ومقعد وسخين ومسخن.

وقالوا إن الإبداع هو إيجاد الشيء بصورة مخترعة على غير مثال سبق وهو لا يقتضي سبق المادة، وأما الخلق فمعناه التقدير وهو يقتضي شيئًا موجودًا يقع فيه التقدير.

وإذا كان هو المبدع للسموات والأرض والمخترع لهما والموجد لجميع ما فيهما فكيف يصح أن ينسب إليه شيء منهما على أنه جنس له، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وكان الأصمعي ينكر فعيلًا بمعنى مفعل لأن القياس بناؤه من الثلاثي ويقول إن بديعًا صفة مشبهة بمعنى لا نظير له، وبديع السموات معناه البديعة سمواته وفي هذا الترك ترك للقياس الذي قضى في الصفة المشبهة التي تضاف إلى الفاعل أن تكون متضمنة ضميرًا يعود على الموصوف، والحق أن تحكيم القياس فيما يثبت من كلام العرب تحكيم جائر، فما كان للدخيل في القوم أن يعمد إلى طائفة من كلامهم فيضع لها قانونًا يبطل به كلامًا آخر ثبت عنهم ويعده خارجًا عن لغتهم بعد ثبوت نطقهم به.

فإذا كان كل واحد من الوجهين صحيح المعنى، حكمنا بصحة كل منهما، والأول أظهر، وشواهده المسموعة أكثر.

وأما قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ فمعناه أنه إذا أراد إيجاد أمر وإحداثه فإنما يأمره أن يكون موجودًا، فكن ويكون من كان التامة.

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا ضرب من التمثيل أي أن تعلق إرادته تعالى بإيجاد الشيء يعقبه وجوده كأمر يصدر فيعقبه الامتثال فليس بعد الإرادة إلا حصول المراد.

وقال بعضهم بل هو قول حقيقي.

وقد وقع هذا الخلاف من أهل السنة وغيرهم، وعجيب وقوعه منهم، فإن عندهم مذهبين في المتشابهات التي يستحيل حملها على ظاهرها وهما مذهب السلف في التفويض، ومذهب الخلف في التأويل، وظاهر أن هذا من المتشابه، والقاعدة في تأويل مثله معروفة ومتفق عليها وهي إرجاع النقلي إلى العقلي لأنه الأصل وههنا يقولون إن الأمر بمعنى تعلق الإرادة وأن معنى ﴿ يَكُونُ  ﴾ يوجد.

ذلك شأنه تعالى في الإيجاد والتكوين، وهو أغمض أسرار الألوهية، فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع الأول، وذلك ما لا مطمع فيه.

وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقربه من الفهم، بما لا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق من هذا التعبير يقول للشيء: ﴿ كُنْ  ﴾ فيكون، فالتوالد محال في جانبه تعالى، لأن ما يعهد في حدوث بعض الأشياء وتولدها من بعض فهو لا يعدو طريقتين: الاستعداد القهري الذي لا مجال للاختيار فيه، كحدوث الحرارة من النور وتولد العفونة من الماء يتحد بغيره، والسعي الاختياري كتولد الناس بالازدواج الذي يساقون إليه مع اختياره والقصد إليه.

وإذا كان كل واحد من الأمرين محالًا على الله تعالى، وكان تعالى هو المبدع لجميع الكائنات وهي بأسرها ملكة مسخرة لإرادته، فلا معنى لإضافة الولد إليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله