تفسير سورة البقرة الآيات ١١-١٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١١-١٣

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١١ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ١٢ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ١٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

تنطق هذه الآيات بأن ما عليه هذا الصنف من الغرور بما عنده من التقاليد قد سول له الباطل وزين له سوء عمله فرآه حسنًا، وشوه في نظره كل حق لم يأته على لسان رؤسائه ومقلَّديه بنصه التفصيلي فهو يراه قبيحًا، وقد صورت الآيات هذا الغرور بما حكته عن بعض أفراده وهو: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ  ﴾ بما تصدون عن سبيل الله من آمن وتبغونها عوجاء، وتنفرون الناس من محمد  والأخذ بما جاء به من الإصلاح، الذي يجتث أصول الفساد، ويصطلم جراثيم الأدواء، ويحيي ما أماتته البدع من إرشاد الدين، ويقيم ما قوضته التقاليد من سنن المرسلين، ﴿ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  ﴾ بالتمسك بما استنبطه الرؤساء، وما كان عليه الأحبار والعرفاء من تعاليم الأنبياء، فإنهم أعرف بسنتهم، وأدرى بطريقتهم، فكيف ندع ما تلقيناه منهم، ونذر ما يؤثره آباؤنا وشيوخنا عنهم، ونأخذ بشيء جديد، وطارف ليس له تليد؟

هكذا شأن كل مفسد: يدعي أنه مصلح في نفس إفساده، فإن كان على بينة من إفساده عارفًا أنه مضل - وإنما يكون كذلك إذا كان إفساده لغيره لعداوة ومنه له- فإنما يدعي ذلك لتبرئة نفسه من وصمة الإفساد بالتمويه والمواربة.

وإن كان مسوقًا إلى الإفساد بسوء التقليد الأعمى الذي لا ميزان فيه لمعرفة الإصلاح من الإفساد إلا الثقة بالرؤساء المقلَّدين، فهو يدعيه عن اعتقاد ولا يريد أن يفهم غير ما تلقاه عنهم.

وإن كان أثر تقليدهم، والسير على طريقتهم، مفسدًا للأمة في الواقع ونفس الأمر، لأن الوجود والحقيقة الواقعة لا قيمة لهما ولا اعتبار في نظر المقلِّدين، بل هم لا يعرفون مناشئ الفساد ومصادر الخلل، ولا مزالق الزلل، لأنهم عطلوا نظرهم الذي يميز ذلك، وأرادوا أن يوقعوا غيرهم بهذه المهالك، بصدهم عن سبيل الإسلام، الداعي إلى الوحدة والالتئام، فكان ذلك منهم دعاء إلى الفرقة والانفصام، والثبات على عبادة الملائكة أو البشر أو الأصنام، وأي إفساد في الأرض أعظم من التنفير عن اتباع الحق، وعن الاعتصام بدين فيه سعادة الدارين، والأرض إنما تفسد وتصلح بأهلها؟

ولذلك قال تعالى ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ  ﴾ فابتدأ الكلام المؤكد لإثبات إفسادهم بكلمة"ألا"التي يراد بها التنبيه والإيقاظ وتوجيه النظر، وتدل على اهتمام المتكلم بما يحكيه بعدها ﴿ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ  ﴾ بأن هذا إفساد غرز في طبائعهم، بما تمكن فيها من الشبهة بتقليد رؤسائهم الذين أشربوا عظمتهم، وهذا دليل على أنهم لم يكونوا معاندين ولا مرائين، وأنهم على اعتقاد ضعيف يشهد له العمل كما تقدم في تفسير آية ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ  ﴾ .

وإذا كانت الآيات في وصف طائفة من الناس توجد في كا امة كما قدمنا فيحاسب بها نفسه كل مسلم يعتقد أن القرآن إمامه، وأن فيه هدى له، فإنها حجة على كثير ممن يدَّعون الإسلام بالقول ويعملون بخلاف ما جاء به، ويتبعون غير سبيله.

ثم صورت الآيات ذلك الجهل والغرور في الفريقين بصورة أخرى أشد تشويهًا مما قبلها، لأن تلك صورتهم في عملهم، وهذه صورتهم في جوهر إيمانهم.

وهي ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ  ﴾ الذين تعتقدون كمالهم، وترون تعظيمهم وإجلالهم، كإبراهيم وموسى وعيسى وأتباعهم، الذين كان الإيمان راسخًا في جنانهم، ومؤثرًا في وجدانهم، ومصرفًا لأبدانهم، أو كعبد الله بن سلام وأمثاله من علمائكم، ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ  ﴾ ويعنون بالسفهاء أتباع النبي  الواقفين عند ما كان عليه، المعرضين عن غير ما أنزل إليه، لما تضمنه الأمر من الشهادة لهم بأنهم في إيمانهم كأتباع أولئك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم سلف اليهود الذين كان الكلام معهم، وكانوا يفتخرون بما يتناقلونه من سيرتهم.

فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ  ﴾ أي وحدهم دون من عَرَّضوا بهم، لأن لهم سلفًا صالحًا تركوا الاقتداء بهم، زعمًا أن المتأخر لا يمكن أن يكون على هدى المتقدم، لأنه يصعب أو يتعذر عليه اللحاق به، واحتذاء عمله، لعلوه في الدرجة، وبهده في المنزلة، وأن حظهم من سلفهم انتظار شفاعتهم، وإن لم يسيروا على سنتهم، فأي الفريقين أجدر بلقب السفيه؟

أهم أولئك اليهود الذين لهم أسوة صالحة ولكنهم لا يهتدون بها وهذه حالهم من سوء العقيدة وقبح العمل؟

أم من لا سلف له إلا عبدة الأوثان، وقلبه مع ذلك مطمئن بالإيمان، وأعماله تشهد له بالإحسان، كالصحابة الذين هداهم الله بنور الإسلام، فكانوا كأتباع أولئك الأنبياء الكرام، بل ربما سبقوهم بالفضائل، وزادوا عليهم في الفواضل؟

لا شك أن أولئك المفسدين بعد ما تقدم لهم من سلف صالح، ودين قيم، هم السفهاء، دون هؤلاء العقلاء.

﴿ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ  ﴾ أن السفه محصور فيهم، ومقصور عليهم، وإنما عندهم شعور ما بأنهم ركبوا هواهم، ولم يتبعوا هدى سلفهم ولا هداهم، ينتحلون له العلل الضعيفة، ويتمحلون له الأعذار السخيفة، فهو لم يصل إلى حد العلم الذي تتكيف به النفس.

ويكفي في إثبات سفههم، أنهم يعرفون حسن حال سلفهم، ويعترفون به ولكن لا يقتدون بهم، ولا يقتفون أثرهم وإنما يعتمدون في نجاتهم وسعادتهم على تلك الأماني والتعلات، كقولهم (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات) وقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وشعبه وأصفياؤه، وإنما هو نفي العلم الكامل الذي يزيل الشبه ويذهب بالعلل، ويبعث على الاقتداء بالعمل.

وهذا أيضًا حجة على كثير من اللابسين لباس الإسلام، وهم من هذا الصنف، يعتقدون كمال سلفهم، ولا يقتدون بهم، وإنما يطمعون في سعادة الدنيا والآخرة بانتسابهم إلى أولئك السلف العظام، ولكونهم من أمة النبي  ، وهي خير الأمم، بشهادة الله في القدم، ولكنهم لا يعلمون انها فضلت سواها بكونها أمة وسطًا تقوم على جادة الاعتدال، في العقائد والأخلاق والأعمال، وتسعى في إصلاح البشر، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كما سيأتي في تفسير ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وتفسير ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ وليس عند هؤلاء السفهاء شيء من هذه الصفات، إلا الأماني والتعلات.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد