تفسير سورة البقرة الآيات ١٧-١٨ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٧-١٨

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَـٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ ١٧ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ١٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذا مثل من مثلين ضربهما الله في هذه الايات للصنف الثالث من الناس الذين قرع القرآن أبواب قلوبهم.

وكان من عناية الله تعالى في بيان حاله أن قفى على ذلك التفصيل في شأن فرقه وأطوارهم بضرب المثل الذي يقصد به تجلي المعنى في أتم مجاليه، وتأثر النفوس بما أودع فيه، ناهيك بما في التنقل في الأساليب من توجيه الذهن إلى سابق القول، ودعوة الفكر إلى مراجعة ما مضى منه.

ولولا أن بلاء هذا الصنف عظيم، وداءه دفين، وعلاجه متعسر -لأنه متولد من الدواء الذي كان يجب أن تكون فيه الصحة ونعمة العافية- لما كان من البلاغة ولا من الحكمة، أن يعنى بشأنه كل هذه العناية، كما قلنا في تزييف رأيمنذهب إلى أن الكلام في تلك الشرذمة من المنافقين في عصر التنزيل.

ضرب الله تعالى لهذا الصنف في مجموعه مثلين، ينبئان بانقسامه إلى فريقين، خلافًا لما في أكثر التفاسير في أن المثلين لفريق واحد، وأن معناهما وموضوعهما واحد.

الأول- من آتاهم الله دينًا وهداية عمل بها سلفهم فجنوا ثمرها، وصلح حالهم بها، أيام كانوا مستقيمين على الطريقة، آخذين بإرشاد الوحي واقفين عند حدود الشريعة، ولكنهم انحرفوا عن سنن سلفهم في الأخذ بها ظاهرًا وباطنًا، ولم ينظروا في حقائق ما جاءهم، بل ظنوا أن ما كان عند سلفهم من نعمة وسعادة، وإنما كان أمرًا خصوا به أو خيرًا سيق إليهم، لظاهر قول أو عمل امتازوا به عن غيرهم ممن لم يأخذ بدينهم، وإن كان ذلك العمل لم يخالط سرائرهم، ولم تصلح به ضمائرهم، فأخذوا بتقاليد وعادات لم تدع في نفوسهم مجالًا لغيرها، ولذلك لم يتفكروا قط في كونهم أحرى بالتمتع بتلك السعادة والسيادة من سلفهم، لأن حفظ الموجود، أيسر من إيجاد المفقود، بل لم يبيحوا لأنفسهم فهم الكتاب الذي اهتدى من قبلهم بما فيه من شموس العرفان، ونجوم الفرقان، لزعمهم أن فهمه لا يرتقي إليه إلا أفراد من رؤساء الدين، يؤخذ بأقوالهم ما وجدوا، وبكتبهم إذا فقدوا.

فمثل هذا الفريق من الصنف المخذول في فقده لما كان عنده من نور الهداية الدينية، وحرمانه من الاهتداء بها بالمرة، وانطماس الآثار دونها عنده - مثل من استوقد نارًا إلخ.

والوجه في التمثيل أن من يدعي الإيمان بكتاب نزل من عند ربه قد طلب بذلك الإيمان أن توقد له نار يهتدي بها في الشبهات، ويستضيء بها في ظلمات الريب والمشكلات، ويبصر على ضوئها ما قد يهجم عليه من مفترسة الأهواء والشهوات، فلما أضاءت ما حوله بما أودعته من الهدى والرشاد، وكان بالنظر فيها يمشي على هداية وسداد، هجمت عليه من نفسه ظلمة التقليد الخبيث، وعصب عينيه شيطان الغرور، فذهب عنه ذلك النور، وأطبق عليه جو الضلالة، بل طفئ فيه نور الفطرة، وتعطلت قوى الشعور بما بين يديه، فهو بمنزلة الأعمى الأصم الذي لا يبصر ولا يسمع.

وأما الفريق الثاني: فقد ضرب الله له المثل في قوله ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ  ﴾ إلخ، وهو الذي بقي له بصيص من النور، فله نظرات ترمي إلى ما بين يديه من الهداية أحيانًا، ولمعاني التنزيل لمعان يسطع على نفسه الفينة بعد الفينة، ويأتلق في نظره الحين بعد الحين،عندما تحركه الفطرة، أو تدفعه الحوادث للنظر فيما بين يديه، ولكنه من التقاليد والبدع في ظلمات حوالك، ومن الخبط فيها على حال لا تخلو من المهالك، وهو في تخبطه يسمع قوارع الإنذار الإلهي ويبرق في عينيه نور الهداية، فإذا أضاء له ذلك البرق السماوي سار، وإذا انصرف عنه بشبه الضلالات الغرارة قام وتحير لا يدري أين يذهب.

ثم إنه ليعرض عن سماع نذر الكتاب ودعاة الحق كمن يضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع إرشاد المرشد ولا نصح الناصح يخاف من تلك القوارع أن تقتله، ومن عواصف النذر أن تهلكه.

هذا هو شأن فريقي هذا الصنف بما يشير إليه المثلان إجمالًا.

وفي تفسير الآيات تفصيل ما أشرنا إليه.

قال تعالى ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا  ﴾ العرب تستعمل لفظ"الذي"في الجمع كلفظي"ما"و"من"ومنه قوله تعالى ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا  ﴾ وإن شاع في الذي الإفراد لأن له جمعًا، وقد روعي في قوله ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ  ﴾ معناه، والفصيح فيه مراعاة اللفظ أولًا ومراعاة المعنى آخرًا.

والتفنن في إرجاع الضمائر متفرعة ضرب من استعمال البلغاء، يقرر المعنى في الذهن ويهبه فضل تمكن وتأكيد، بما يحدث فيه من الرؤية والتوجه إلى الإحاطة بمعاني المختلفات.

﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ  ﴾ يقال ضاءت النار والشمس وأضاءت (لازم) ويقال ضاء المكان وأضاءته النار أي أظهرته بضوئها.

قال العباس  في النبي  .

وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ض وضاءت بنورك الأفق استوقدوا بفطرتهم السليمة نار الهداية الإلهية بتصديقهم، فلما أضاءت لهم بروقها، ووضح لهم طريقها، فاجأتهم التقاليد الموروثة، وباغتتهم العادات المألوفة، وشغلهم ما يتوهمونه فيها من المنافع والفوائد، وما يتوقعونه في الإعراض عنها من المصارع والمفاسد، عن الاستعانة بذلك الضوء على ذلك الصراط المستقيم، والتفرقة بين نهاره المشرق وظلمات ليلها البهيم، بل استبدلوا هذا الديجور، بذلك الضياء والنور، وهذا هو معنى ذهاب نورهم.

وإنما قال ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ  ﴾ ولم يقل ذهب نورهم، أو أذهب الله نورهم - للإشعار بأن الله تعالى كان معهم بمعونته وتوفيقه عندما استوقدوا النار فأضاءت، وذلك أنهم كانوا قائمين على سبيل فطرته التي فطر الناس عليها، معتقدين صحة شريعته التي دعا الناس إليها، وبأنه تخلى عنهم عندما نكبوا عن تلك السبيل، وعافوا ذلك المورد السلسبيل.

ولا شك أن المستوقد المسترشد تكون له حالة مع الله تعالى مرضية في التوجه إليه وقصد اتباع هداه، والاستضاءة بنوره الذي وهبه إياه، فإذا أعرض عنه وكله الله إلى نفسه، وذهب بنوره.

وإذا ذهب النور لا يبقى إلا الظلمة، وما كان هؤلاء في ظلمة واحدة، ولكنها ظلمات بعضها فوق بعض، متعددة بأنواع التقاليد التي فتنوا بها، وبتعدد أنواع الهداية التي أعرضوا عنها، ولذلك قال ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ  ﴾ شيئًا.

حذف مفعول يبصرون إيذانًا بالعموم، أي لا يبصرون مسلكًا من مسالك الهداية ولا يرون طريقًا من طرقها، لأنه صرف عنايته عنهم بتركهم سنته، وإهمالهم هدايته، ووكلهم إلى أنفسهم.

ويا ويل من وكله الله إلى نفسه، وحرمه توفيقه، نسأل الله العافية.

هذا المثل مضروب لفريق لا ترجى هدايته، لأنه سد على نفسه جميع أبواب الهداية، فلا يثق بعقله ولا بحواسه ولا بوجدانه إذا خالفت تقاليده، وعدم الإبصار بذهاب النور غير كافٍ لتمثيل هذا اليأس والحرمان، لجواز أن يلوح بارق، أو يذر شارق، أو يصيح طارق، فتكون الهداية، وتنكشف الغواية، ولذلك عقبه بقوله تعالى ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ أي أنهم فقدوا منفعة السمع الذي يؤدي إلى النفس ما يلقيه المرشدون إليها من الحجج القاطعة، والدلائل الناصعة، فلا يصيخون إلى وعظ واعظ، ولا يصغون لتنبيه منبه: * فما أضيع البرهان عند المقلد * بل لا يسمعون وإن أصاخوا، ولا يفقهون إن سمعوا، فكأنهم صم لم يسمعوا.

وفقدوا منفعة الاسترشاد بالقول وطلب الحكمة من معاهدها، فلا يسألون بيانًا، ولا يطلبون برهانًا، وفقدوا خير منافع الأبصار، وهو نظر الاستفادة والاعتبار، فلا يرون ما يحل بهم من الفتن فينزجروا، ولا يبصرون ما تتقلب به أحوال الأمم فيعتبروا، ﴿ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ  ﴾ عن ضلالتهم، ولا يخرجون من ظلماتهم، لأن من وقع في أرض فلاة في ليلة مظلمة وفقد فيها جميع حواسه لا يمكنه أن يسمع صوتًا يهتدي به، ولا أن يصيح هو لينقذه من يسمعه، ولا أن يرى بارقًا يؤمه ويقصده، فهو لا يرجع من تيهه، بل يظل يعمه في الظلمات، حتى يفترسه سبع ضار، أو يصل إلى شفا جرف هار، فينهار به في شر قرار، ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد