الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ١٩٤-١٩٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةلما خرج المؤمنون مع النبي للنسك عام الحديبية صدهم المشركون وقاتلوهم رميًا بالسهام والحجارة، وكان ذلك في ذي القعدة من الأشهر الحرام سنة ست، ولو قابلهم المسلمون عامئذٍ بالمثل ولم يرض النبي بالصلح لاحتدام القتال، ولما خرجوا في العام الآخر لعمرة القضاء، وكرهوا قتال المشركين وإن اعتدوا ونكثوا العهد في الشهر الحرام، بين لهم أن المحظور في الأشهر الحرم إنما هو الاعتداء بالقتال دون المدافعة، وأن ما عليه المشركون من الإصرار على الفتنة وإيذاء المؤمنين لأنهم مؤمنون هو أشد قبحًا من القتل لإزالة الضرر العام وهو منعهم الحق وتأييدهم الشرك.
ثم بيّن قاعدة عظيمة معقولة وهي أن الحرمات أي ما يجب احترامه والمحافظة عليه يجب أن يجري فيه القصاص والمساواة فقال ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ ذكر هذه القاعدة حجة لوجوب مقاصة المشركين على انتهاك الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقًا.
وفي جملة والحرمات قصاص من الإيجاز ما ترى حسنه وإبداعه.
ثم صرح بالأمر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة وإن كان يفهم مما قبله لمكان كراهتهم للقتال في الحرم والشهر الحرام فقال تفريعًا على القاعدة وتأييدًا للحكم ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ وإنما يتحقق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة، وسمي الجزاء اعتداء للمشاكلة ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فلا تعتدوا على أحد ولا تبغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الإيذاء، وأكد الأمر بالتقوى بما بين من مزيتها وفائدتها فقال ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ بالمعونة والتأييد، فإن المتقي هو صاحب الحق وبقاؤه هو الأصلح، والعاقبة له في كل ما ينازعه به الباطل، لأن من أصول التقوى اتقاء جميع أسباب الفشل والخذلان.
ولما كان الجهاد بالنفس وهو القتال، يتوقف على الجهاد بالمال، أمرهم به فقال ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه ﴾ وهو عطف على قاتلوا رابط لأحكام القتال والحج بحكم الأموال السابق، فهناك ذكر ما يحرم من أكل المال مجملًا، وههنا ذكر ما يجب من إنفاقه منه كذلك، وسبيل الله هو طريق الخير والبر والدفاع عن الحق ثم ذكر علة هذا الأمر وحكمته على ما هو سنته في ضمن حكم آخر فقال: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ بالإمساك عن الإنفاق في الاستعداد للقتال، فإن ذلك يضعفكم ويمكن الأعداء من نواصيكم فتهلكون.
ويدخل في النهي التطوح في الحرب بغير علم بالطريق الحربية التي يعرفها العدو كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة بأن تكون لأتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييد حزبه.
وقال بعضهم يدخل فيه الإسراف الذي يوقع صاحبه في الفقر المدقع فهو من قبيل ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ .
وفسر (الجلال) سبيل الله "بطاعته" الجهاد وغيره "والتهلكة" بالإمساك عن النفقة وترك الجهاد.
قال: لأنه يقوي العدو عليكم.
ولقد أصاب مفسرنا وأجاد في تفسير هذه الآية، وقال بعضهم في تفسير النهي عن التهلكة أي لا تقاتلوا إلا حيث يغلب على ظنكم النصر وعدم الهزيمة، وهذا لا معنى له إذ لا يلتئم مع ما سبقه، وقال بعضهم إنه نهى عن الإسراف ولا يلتئم مع الأسلوب قبله وبعده، وإنما الذي يلتئم ويناسب هو ما قاله الجلال وآخرون، فالمعنى إذا لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال واستعداد فقد أهلكتم أنفسكم.
وفي أسباب النزول عن أبي أيوب الأنصاري قال نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًا إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام فلو أقمنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يرد علينا ما قلنا ﴿ وَأَنْفِقُوا ﴾ الآية فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.
ثم قال تعالى ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الأمر بالإحسان على عمومه أي أحسنوا أعمالكم وأتقنوها فلا تهملوا إتقان شيء منها، ويدخل فيه التطوع بالإنفاق.
وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية سورة ﴿ التَّوْبَةُ ﴾ التي يسمونها آية السيف.
وعندي أن محصل تفسير الآيات ينطبق على ما ورد من سبب نزولها وهو إباحة القتال للمسلمين في الإحرام بالبلد الحرام والشهر الحرام إذا بدأهم المشركون بذلك وأن لا يبقوا عليهم إذا نكثوا عهدهم واعتدوا في هذه المرة، وحكمها باق مستمر لا ناسخ ولا منسوخ، فالكلام فيها متصل بعضه ببعض في واقعة واحدة فلا حاجة إلى تمزيقه، ولا إدخال آية براءة فيه، وقد نقل عن ابن عباس أنه لا نسخ فيها، ومن حمل الأمر بالقتال فيها على عمومه ولو مع انتفاء الشرط فقد أخرجها عن أسلوبها وحملها ما لا تحمل.
وآيات سورة آل عمران نزلت في غزوة أحد.
وكان المشركون هم المعتدين.
وآيات الأنفال نزلت في غزوة بدر الكبرى وكان المشركون عم المعتدين أيضًا، وكذلك آيات سورة براءة نزلت في ناكثي العهد من المشركين ولذلك قال: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾ وقال بعد ذكر نكثهم: ﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ الآيات.
كان المشركون يبدأون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدأوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذائهم ومنع الدعوة، كل ذلك كافيًا في اعتبارهم معتدين.
فقتال النبي كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق ولذلك كان تقديم الدعوة شرطًا لجواز القتال، وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة ونشر الدعوة لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ ويقول ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإرهاق الأرواح ولا لأجل الطمع في الكسب.
ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة، ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان.
فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة الإسلام ويؤذونهم وأولياءهم من العرب المنتصرة ومن يظفرون به من المسلمين، وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم فقد مزقوا كتاب النبي ورفضوا دعوته وهددوا رسوله وكذلك كانوا يفعلون.
وما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقًا لأحكام الدين، فإن من طبيعة الكون أن يبسط القوى يده على جاره الضعيف، ولم تعرف أمة أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك.
وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهلة وحماية الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحيي الدعوة الإسلامية، ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه، ويقرب ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتهم يعرف ما يجب في ذلك وما ينبغي له في هذا العصر.
وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلام -حتى من المنتمين إليه- من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين إنه ليس دينًا إلهيًا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء وإن العقائد الإسلامية خطر على المدنية- كل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين.
<div class="verse-tafsir"