تفسير سورة البقرة الآية ٢٥٩ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٩

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٥٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكاف في قوله ﴿ أَوْ كَالَّذِي  ﴾ بمعنى "مثل" فهي اسم، ومن الشواهد على ذلك قول الراجز: بيض ثلاث كنعاج جم يضحكن عن كالبرد المنهم.

أي عن ثنايا مثل حب البرد الذائب وقول الشاعر: أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وزعم (الجلال) أنها زائدة، انتصارًا لمذهب البصريين الذي أتركوا مجيء "الكاف" بمعنى (مثل) ولكن المعنى لا يستقيم كما يليق ببلاغة القرآن إلا على الأول.

وإن تحكيم مذاهبهم النحوية في القرآن، ومحاولة تطبيقه عليها وإن أخل ذلك ببلاغته جراءة كبيرة على الله تعالى، وإذا كان النحو وجد لمثل ذلك فليته لم يوجد.

للمفسرين في الآية قولان: أحدهما- أن هذا الذي مر على القرية كان من الصديقين أو الأنبياء.

ثانيهما- أنه كان من الكافرين، وهو ضعيف، لأن الكافر لا يؤيد بآيات الله، فالكلام على الوجه الأول، وهو الصحيح، مثل لهداية الله تعالى للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر، وقالوا إن هذا لا يصح أن يكون معطوفًا على قصة الذي حاج إبراهيم في ربه لأن ذلك منكر ورد على طريقة التعجيب والإنكار لأن من شأن مثله أن لا يقع، وهذا وإن كان عجيبًا لا يصح إنكار وقوعه لأن الشبهة قد تعرض للمؤمن وهو مؤمن فيطلب المخرج بالبرهان فيهديه الله إليه بما له من الولاية والسلطان على نفسه ويخرجه من ظلمات الشبهة والحيرة إلى نور البرهان والطمأنينة.

وقد قدروا هنا "أرأيت" لإثبات التعجيب دون الإنكار أي ﴿ أَوْ  ﴾ رأيت ﴿ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ  ﴾ أي مثل الذي مر على قرية في إلمام ظلمة الشبهة به وإخراج الله إياه منها إلى النور.

وقد أبهم الله تعالى هذا المار وهذه القرية فلم يذكر مكانها وأصحابها بل اقتصر على الوصف الذي به تقرر الحجة حتى لا يشغل القارئ أو السامع عنها شاغل فهو من الاختصار البليغ، ولكن المفسرين أبوا إلا أن يبحثوا عنها وعمن مر بها فقال بعضهم إنها قرية الذين خرجوا من ديارهم، وقيل غير ذلك، وقيل إن الذي مر أرمياء وقيل العزير، رجمًا بالغيب أو تسليمًا للإسرائيليات.

وقوله ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا  ﴾ معناه وهي خالية من السكان واقعة على عروشها فقوله ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا  ﴾ خبر بعد خبر أو متعلق بخاوية على القول الثاني أي ساقطة على عروشها.

وقيل المعنى وهي خاوية من السكان وقائمة على عروشها، ومن أمثالهم إذا نزعت القوائم سقطت العروش، والحال تأتي من النكرة خلافًا لمن منع ذلك، وأوقع المفسرين في التعسف في التأويل واختيار الجملة الحالية على الحال المفرد لتمثيل حال القرية في النفس بذكر ضميرها وإسناد خاوية إليه ولو قال: على قرية خاوية لما أفاد هذا.

﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ يتعجب من ذلك ويعده غريبًا لا يكاد يقع ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  ﴾ قالوا معناه ألبثه مئة عام ميتًا وذلك أن الموت يكون في لحظة واحدة، وفاتهم أن من الموت ما يمتد زمنًا طويلًا وهو ما يكون من فقد الحس والحركة والإدراك من غير أن تفارق الروح البدن بالمرة وهو ما كان لأهل الكهف وقد عبّر عنه تعالى بالضرب على الآذان.

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ  ﴾ لنزيل تعجبك ونريك آياتنا في نفسك وطعامك وشرابك وحمارك ولنجعلك آية للناس فالعطف دلنا على المحذوف المطوي دلالة ظاهرة، وهذا من لطائف إيجاز القرآن.

أما كون ما رأى آية له فظاهر، أما كونه هو آية للناس فهو أن علمهم بموته مئة سنة ثم بحياته بعد ذلك من أكبر الآيات.

وقد قال المفسرون إنه كان عند موته لا يزال شابًا وكان له أولاد قد شابوا وهرموا وقد عرفوه وعرفهم، وبيان ذلك أن بدنه لم يعمل في هذه المدة الأعمال التي تضنيه وتذهب بماء الشباب منه فتهرمه بل حفظت له حالته التي توفيت نفسه وهو عليها.

ثم قال ﴿ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا  ﴾ إنه بعد أن أراه الآية التي تكون حجة خاصة لمن رآها نبهه إلى الحجة العامة والدليل الثابت الذي يمكن أن يحتج به على البعث في كل زمان ومكان وهو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه فالإنشاء معناه التقوية والإنشاز معناه التنمية لأن الذي ينمو يعلو ويرتفع كأنه يقول كما أطلعناك على بعض الآيات الخاصة التي تدلك على قدرتنا على البعث نهديك إلى الآية الكبرى العامة وهي كيفية التكوين.

وإنما كانت هي الآية العامة لأن القرآن يحتج بها على جميع الخلق بمثل قوله ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  ﴾ وقوله ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  ﴾ وقوله في آيات تبين تفصيل كيفية البدء ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا  ﴾ .

ثم قال: فهذه العظام توجد في أول الخلقة عارية من لباس الحياة، بل قال فقيرة من مادتها، فالقادر على أن يكسوها لحمًا بمدها بالحياة ويجعلها أصلًا لجسم حي قادر على أن يعيد الخصب والعمران للقرية، كما أن القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى ألوفًا من السنين.

هكذا يشبه بعض أفعاله بعضًا.

﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ .

وإذا سأل سائل عن كيفية هذا التكلم؟

فجوابنا: أن الله تعالى لم يبينه وهو مما لا يدركه كل سامع، فكانت الحكمة في عدم بيانه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله