الآية ٢٥٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٩ من سورة البقرة

أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ فَٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةًۭ لِّلنَّاسِ ۖ وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٢٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 329 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تقدم قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه [ أن آتاه الله الملك ] ) وهو في قوة قوله : هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه ؟

ولهذا عطف عليه بقوله : ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ) اختلفوا في هذا المار من هو ؟

فروى ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد عن آدم بن أبي إياس عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه قال : هو عزير .

ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه .

وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة وهذا القول هو المشهور .

وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير : هو أرميا بن حلقيا .

قال محمد بن إسحاق ; عمن لا يتهم عن وهب بن منبه أنه قال : وهو اسم الخضر عليه السلام .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال : سمعت سليمان بن محمد اليساري الجاري من أهل الجار ، ابن عم مطر فقال : سمعت رجلا من أهل الشام يقول : إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه : حزقيل بن بورا .

وقال مجاهد بن جبر : هو رجل من بني إسرائيل .

[ وذكر غير واحد أنه مات وهو ابن أربعين سنة ; فبعثه الله وهو كذلك ، وكان له ابن فبلغ من السن مائة وعشرين سنة ، وبلغ ابن ابنه تسعين وكان الجد شابا وابنه وابن ابنه شيخان كبيران قد بلغا الهرم ، وأنشدني به بعض الشعراء : واسود رأس شاب من قبل ابنه ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر يرى أنه شيخا يدب على عصا ولحيته سوداء والرأس أشعر وما لابنه حبل ولا فضل قوة يقوم كما يمشي الصغير فيعثر وعمر ابنه أربعون أمرها ولابن ابنه في الناس تسعين غبر ] وأما القرية : فالمشهور أنها بيت المقدس مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها .

( وهي خاوية ) أي : ليس فيها أحد من قولهم : خوت الدار تخوي خواء وخويا .

وقوله : ( على عروشها ) أي : ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها ، فوقف متفكرا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة وقال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه .

قال الله تعالى : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) قال : وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته وتكامل ساكنوها وتراجعت بنو إسرائيل إليها .

فلما بعثه الله عز وجل بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه ؟

فلما استقل سويا قال الله له أي بواسطة الملك : ( كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ) قالوا : وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر نهار ، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال : ( أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) وذلك : أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير فوجده كما فقده لم يتغير منه شيء ، لا العصير استحال ولا التين حمض ولا أنتن ولا العنب تعفن ( وانظر إلى حمارك ) أي : كيف يحييه الله عز وجل وأنت تنظر ( ولنجعلك آية للناس ) أي : دليلا على المعاد ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) أي : نرفعها فتركب بعضها على بعض .

وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نعيم عن إسماعيل بن أبي حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : ( كيف ننشزها ) بالزاي ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وقرئ : ( ننشرها ) أي : نحييها قاله مجاهد ( ثم نكسوها لحما ) .

وقال السدي وغيره : تفرقت عظام حماره حوله يمينا ويسارا فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة ، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارا قائما من عظام لا لحم عليها ثم كساها الله لحما وعصبا وعروقا وجلدا ، وبعث الله ملكا فنفخ في منخري الحمار فنهق ، كله بإذن الله عز وجل وذلك كله بمرأى من العزير ، فعند ذلك لما تبين له هذا كله ( قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) أي : أنا عالم بهذا وقد رأيته عيانا فأنا أعلم أهل زماني بذلك ، وقرأ آخرون : " قال اعلم " على أنه أمر له بالعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

أو كالذي مر على قرية القول في تأويل قوله تعالى : { أو كالذي مر على قرية } يعني تعالى ذكره بقوله : { أو كالذي مر على قريه } نظير الذي عنى بقوله : { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } من تعجيب محمد صلى الله عليه وسلم منه .

وقوله : { أو كالذي مر على قريه } عطف على قوله : { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } .

وإنما عطف قوله : { أو كالذي } على قوله : { إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } وإن اختلف لفظاهما , لتشابه جنسهما , لأن قوله , { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } بمعنى : هل رأيت يا محمد كالذي حاج إبراهيم في ربه , ثم عطف عليه بقوله : { أو كالذي مر على قريه } لأن من شأن العرب العطف بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه وإن خالف لفظه لفظه .

وقد زعم بعض نحويي البصرة أن " الكاف " في قوله , { أو كالذي مر على قريه } زائدة , وأن المعنى : ألم ترى إلى الذي حاج إبراهيم جميعا , أو الذي مر على قرية .

وقد بينا قبل فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

واختلف أهل التأويل في الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها , فقال بعضهم : هو عزير .

ذكر من قال ذلك : 4591 - حدثنا محمد بن بشار , قال , ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن ناجية بن كعب .

{ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها } قال : عزير .

4592 - حدثنا ابن حميد .

قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو خزيمة , قال : سمعت سليمان بن بريدة في قوله : { أو كالذي مر على قريه } قال : هو عزير .

4593 - حدثنا بشر , قال , ثنا يزيد .

قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { أو كالذي مر على قريه خاوية على عروشها } قال , ذكر لنا أنه عزير .

4594 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتاده مثله .

4595 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه قوله : { أو كالذي مر على قريه } قال : قال الربيع : ذكر لنا والله أعلم أن الذي أتى على القرية هو عزير .

4596 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن جريج , عن عكرمة : { أو كالذي مر على قريه وهي خاوية على عروشها } قال : عزير .

4597 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط عن السدي : { أو كالذي مر على قرية } قال : عزير .

4598 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { أو كالذي مر على قريه وهي خاويه على عروشها } إنه هو عزير .

4599 - حدثني يونس , قال : قال لنا سلم الخواص : كان ابن عباس يقول : هو عزير .

وقال آخرون : هو إرميا بن حلقيا وزعم محمد بن إسحاق أن إرميا هو الخضر .

4600 - حدثنا بذلك ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثنا ابن إسحاق , قال : اسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل , إرميا بن حلقيا , وكان من سبط هارون بن عمران .

ذكر من قال ذلك : 4601 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : ثنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } إن إرميا لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب , وقف في ناحية الجبل , فقال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } .

4602 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثني ابن إسحاق , عمن لا يتهم , عن وهب بن منبه , قال : هو إرميا .

* - حدثني محمد بن عسكر , قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم , قال : سمعت عبد الصمد بن معقل , عن وهب بن منبه , مثله .

4603 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى بن ميمون , عن قيس بن سعد , عن عبد الله بن عبيد بن عمير في قول الله : { أو كالذي مر على قريه وهي خاوية على عروشها } قال : كان نبيا وكان اسمه إرميا .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن قيس بن سعد , عن عبد الله بن عبيد , مثله .

4604 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني بكر بن مضر قال : يقولون والله أعلم : إنه إرميا .

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره عجب نبيه صلى الله عليه وسلم ممن قال إذ رأى قرية خاوية على عروشها : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } مع علمه أنه ابتدأ خلقها من غير شيء , فلم يقنعه علمه بقدرته على ابتدائها , حتى قال : أنى يحييها الله بعد موتها !

ولا بيان عندنا من الوجه الذي يصح من قبله البيان على اسم قائل ذلك , وجائز أن يكون ذلك عزيرا , وجائز أن يكون إرميا , ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه , إذ لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك .

وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم , وإعادتهم بعد فنائهم , وأنه الذي بيده الحياة والموت من قريش , ومن كان يكذب بذلك من سائر العرب , وتثبيت الحجة بذلك على من كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بني إسرائيل بإطلاعه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على ما يزيل شكهم في نبوته , ويقطع عذرهم في رسالته , إذ كانت هذه الأنباء التي أوحاها إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه من الأنباء التي لم يكن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم وقومه , ولم يكن علم ذلك إلا عند أهل الكتاب , ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم وقومه منهم , بل كان أميا وقومه أميون , فكان معلوما بذلك عند أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله إليه .

ولو كان المقصود بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك لكانت الدلالة منصوبة عليه نصبا يقطع العذر ويزيل الشك , ولكن القصد كان إلى ذم قيله , فأبان تعالى ذكره ذلك لخلقه .

واختلف أهل التأويل في القرية التي مر عليها القائل : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } فقال بعضهم : هي بيت المقدس .

ذكر من قال ذلك : 4605 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر ومحمد بن عبد الملك , قالا : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم , قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه , قال : لما رأى إرميا هدم بيت المقدس كالجبل العظيم , قال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } .

4606 - ثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه , قال : هي بيت المقدس .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثني ابن إسحاق عمن لا يتهم أنه سمع وهب بن منبه يقول ذلك .

4607 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر لنا أنه بيت المقدس , أتى عزير بعدما خربه بختنصر البابلي .

4608 - حدثنا عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { أو كالذي مر على قريه وهي خاوية على عروشها } أنه مر على الأرض المقدسة .

4609 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عكرمة في قوله : { أو كالذي مر على قرية } قال : القرية : بيت المقدس , مر بها عزير بعد إذ خربها بختنصر .

4610 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { أو كالذي مر على قريه } قال : القرية بيت المقدس , مر عليها عزير وقد خربها بختنصر .

وقال آخرون : بل هي القرية التي كان الله أهلك فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت , فقال لهم الله موتوا .

ذكر من قال ذلك : 4611 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قول الله تعالى ذكره : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف } قال : قرية كان نزل بها الطاعون , ثم اقتص قصتهم التي ذكرناها في موضعها عنه , إلى أن بلغ فقال لهم الله موتوا في المكان الذي ذهبوا يبتغون فيه الحياة , فماتوا ثم أحياهم الله { إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون } .

2 243 قال : ومر بها رجل وهي عظام تلوح , فوقف ينظر , فقال { أنى يحيي هذه الله بعد موتها , فأماته الله مائة عام ثم بعثه } إلى قوله { لم يتسنه } .

والصواب من القول في ذلك كالقول في اسم القائل : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } سواء لا يختلفان .وهي خاوية على عروشها القول في تأويل قوله تعالى : { وهي خاوية على عروشها } .

يعني تعالى ذكره بقوله : { وهي خاويه } وهي خالية من أهلها وسكانها , يقال من ذلك : خوت الدار تخوي خواء وخويا , وقد يقال للقرية : خويت , والأول أعرب وأفصح .

وأما في المرأة إذا كانت نفساء فإنه يقال : خويت تخوى خوى منقوصا , وقد يقال فيها : خوت تخوي , كما يقال في الدار , وكذلك خوي الجوف يخوى خواء شديدا , ولو قيل في الجوف ما قيل في الدار وفي الدار ما قيل في الجوف كان صوابا , غير أن الفصيح ما ذكرت .

وأما العروش : فإنها الأبنية والبيوت , واحدها عرش , وجمع قليله أعرش , وكل بناء فإنه عرش , ويقال : عرش فلان دارا يعرش ويعرش , وعرش تعريشا , ومنه قول الله تعالى ذكره : { وما كانوا يعرشون } 7 137 يعني يبنون , ومنه قيل عريش مكه , يعني به : خيامها وأبنيتها .

وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك .

4612 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال , قال ابن جريج , قال ابن عباس : خاوية : خراب .

قال ابن جريج : بلغنا أن عزيرا خرج فوقف على بيت المقدس وقد خربه بختنصر , فوقف فقال : أبعد ما كان لك من القدس والمقاتلة والمال ما كان !

فحزن .

4613 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وهي خاوية على عروشها } قال : هي خراب .

4614 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : مر عليها عزير وقد خربها بختنصر .

4615 - حدثت عن موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وهي خاوية على عروشها } يقول : ساقطة على سقفها .قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام القول في تأويل قوله تعالى : { قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام } ومعنى ذلك فيما ذكرت : أن قائله لما مر ببيت المقدس , أو بالموضع الذي ذكر الله أنه مر به خرابا بعدما عهده عامرا , قال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها لا } ؟

فقال بعضهم : كان قيله ما قال من ذلك شكا في قدرة الله على إحيائه .

فأراه الله قدرته على ذلك بضربه المثل له في نفسه , ثم أراه الموضع الذي أنكر قدرته على عمارته وإحيائه , أحيا ما رآه قبل خرابه , وأعمر ما كان قبل خرابه .

وذلك أن قائل ذلك كان فيما ذكر لنا عهده عامرا بأهله وسكانه , ثم رآه خاويا على عروشه , قد باد أهله وشتتهم القتل والسباء , فلم يبق منهم بذلك المكان أحد , وخربت منازلهم ودورهم , فلم يبق إلا الأثر .

فلما رآه كذلك بعد الحال التي عهده عليها , قال : على أي وجه يحيي هذه الله بعد خرابها فيعمرها !

استنكارا فيما قاله بعض أهل التأويل .

فأراه كيفية إحيائه ذلك بما ضربه له في نفسه .

وفيما كان من شرابه وطعامه , ثم عرفه قدرته على ذلك وعلى غيره بإظهاره إحياء ما كان عجيبا عنده في قدرة الله إحياؤه لرأي عينه حتى أبصره ببصره , فلما رأى ذلك قال : { أعلم أن الله على كل شيء قدير } .

وكان سبب قيله ذلك كالذي : 4616 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عمن لا يتهم , عن وهب بن منبه اليماني أنه كان يقول : قال الله لإرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل : يا إرميا من قبل أن أخلقك اخترتك , ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك , ومن قبل أن أخرجك من بطنها طهرتك , ومن قبل أن تبلغ السعي نبأتك , ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك , ولأمر عظيم اجتبيتك , فبعث الله تعالى ذكره إرميا إلى ملك بني إسرائيل يسدده ويرشده , ويأتيه بالبر من الله فيما بينه وبينه ; قال : ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل , وركبوا المعاصي , واستحلوا المحارم , ونسوا ما كان الله صنع بهم , وما نجاهم من عدوهم سنحاريب , فأوحى الله إلى إرميا : أن ائت قومك من بني إسرائيل , فاقصص عليهم ما آمرك به , وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم , ثم ذكر ما أرسل الله به إرميا إلى قومه من بني إسرائيل , قال : ثم أوحى الله إلى إرميا : إني مهلك بني إسرائيل بيافث , ويافث أهل بابل , وهم من ولد يافث بن نوح ; فلما سمع إرميا وحي ربه , صاح وبكى وشق ثيابه , ونبذ الرماد على رأسه , فقال : ملعون يوم ولدت فيه , ويوم لقيت التوراة , ومن شر أيامي يوم ولدت فيه , فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو شر علي , لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل , فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك ; فلما سمع الله تضرع الخضر وبكاءه وكيف يقول : ناداه : إرميا أشق عليك ما أوحيت إليك ؟

قال : نعم يا رب أهلكني في بني إسرائيل ما لا أسر به , فقال الله : وعزتي العزيزة لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك , ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه , وطابت نفسه , وقال : لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق , لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا , ثم أتى ملك بني إسرائيل , وأخبره بما أوحى الله إليه , ففرح واستبشر , وقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا , وإن عفا عنا فبقدرته ; ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية , وتمادوا في الشر , وذلك حين اقترب هلاكهم , فقل الوحي , حتى لم يكونوا يتذكرون الآخرة , وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها , فقال ملكهم : يا بني إسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس من الله , وقبل أن يبعث عليكم ملوك لا رحمة لهم بكم , فإن ربكم قريب التوبة , مبسوط اليدين بالخير , رحيم من تاب إليه , فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه , وإن الله ألقى في قلب بختنصر بن نعون بن زادان أن يسير إلى بيت المقدس , ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعله , فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس ; فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر أقبل هو وجنوده يريدكم , فأرسل الملك إلى إرميا , فجاءه فقال : يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربنا أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك , فقال إرميا للملك : إن ربي لا يخلف الميعاد , وأنا به واثق ; فلما اقترب الأجل , ودنا انقطاع ملكهم , وعزم الله على هلاكهم , بعث الله ملكا من عنده , فقال له : اذهب إلى إرميا فاستفته , وأمره بالذي يستفتيه فيه , فأقبل الملك إلى إرميا , وقد تمثل له رجلا من بني إسرائيل , فقال له إرميا : من أنت ؟

قال : رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري , فأذن له , فقال الملك : يا نبي الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي , وصلت أرحامهم بما أمرني الله به , لم آت إليهم إلا حسنا , ولم آلهم كرامة , فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي , فأفتني فيهم يا نبي الله , فقال له : أحسن فيما بينك وبين الله , وصل ما أمرك الله به أن تصل , وأبشر بخير , فانصرف عنه الملك ; فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل الذي جاءه , فقعد بين يديه , فقال له إرميا : من أنت ؟

قال : أنا الرجل الذي أتيتك في شأن أهلي , فقال له نبي الله , أوما طهرت لك أخلاقهم بعد , ولم تر منهم الذي تحب , فقال : يا نبي الله , والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمه إلا وقد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم , أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم , وأن يجمعكم على مرضاته , ويجنبكم سخطه , فقال الملك من عنده , فلبث أياما , وقد نزل بختنصر بجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجراد , ففزع بنو إسرائيل فزعا شديدا , وشق ذلك على ملك بني إسرائيل , فدعا إرميا , فقال : يا نبي الله , أين ما وعدك الله , إني بربي واثق , ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده , فقعد بين يديه , فقال له إرميا : من أنت ؟

قال : أنا الذي كنت استفتيتك في شأن أهلي مرتين , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أولم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه ؟

فقال الملك : يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه , وأعلم أنما قصدهم في ذلك سخطي , فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله , ولا يحبه الله , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : على أي عمل رأيتهم ؟

قال : يا نبي الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله , ولو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتد عليهم غضبي , وصبرت لهم ورجوتهم , ولكن غضبت اليوم لله ولك , فأتيتك لأخبرك خبرهم , وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم ربك أن يهلكهم , فقال إرميا : يا مالك السموات والأرض , إن كانوا على حق وصواب فأبقهم , وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه , فأهلكهم ; فلما خرجت الكلمة من في إرميا أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس , فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها ; فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه , ونبذ الرماد على رأسه , فقال يا ملك السماء , ويا أرحم الراحمين أين ميعادك الذي وعدتني ؟

فنودي إرميا إنه لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا , فاستيقن النبي صلى الله عليه وسلم أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات , وأنه رسول ربه , فطار إرميا حتى خالط الوحوش , ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس , فوطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم , وخرب بيت المقدس , ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس , فقذفوا فيه التراب حتى ملئوه , ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل , واحتمل معه سبايا بني إسرائيل , وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم , فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل , فاختار منهم تسعين ألف صبي ; فلما خرجت غنائم جنده , وأراد أن يقسمهم فيهم , قالت له الملوك الذين كانوا معه : أيها الملك , لك غنائمنا كلها , واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل , ففعل , فأصاب كل واحد منهم أربعة غلمة , وكان من أولئك الغلمان : دانيال , وعزاريا , ومسايل , وحنانيا .

وجعلهم بختنصر ثلاث فرق : فثلثا أقر بالشام , وثلثا سبى , وثلثا قتل , وذهب بأسبية بيت المقدس حتى أقدمها بابل وبالصبيان التسعين الألف حتى أقدمهم بابل , فكانت هذه الواقعة الأولى التي ذكر الله تعالى ذكره نبي الله بأحداثهم وظلمهم , فلما ولى بختنصر عنه راجعا إلى بابل بمن معه من سبايا بني إسرائيل , أقبل إرميا على حمار له معه عصير من عنب في زكرة وسلة تين , حتى أتى إيليا , فلما وقف عليها , ورأى ما بها من الخراب دخله شك , فقال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام } وحماره وعصيره وسلة تينه عنده حيث أماته الله , ومات حماره معه , فأعمى الله عنه العيون , فلم يره أحد , ثم بعثه الله تعالى , فقال له : { كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } يقول : لم يتغير { وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } فنظر إلى حماره يتصل بعضه إلى بعض , وقد مات معه بالعروق والعصب , ثم كيف كسي ذلك منه اللحم , حتى استوى , ثم جرى فيه الروح , فقام ينهق , ونظر إلى عصيره وتينه , فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير .

فلما عاين من قدرة الله ما عاين قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير , ثم عمر الله إرميا بعد ذلك , فهو الذي يرى بفلوات الأرض والبلدان .

4617 - حدثني محمد بن عسكر وابن زنجويه , قالا : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم , قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : أوحى الله إلى إرميا وهو بأرض مصر أن الحق بأرض إيليا , فإن هذه ليست لك بأرض مقام , فركب حماره , حتى إذا كان ببعض الطريق , ومعه سلة من عنب وتين , وكان معه سقاء حديد , فملأه ماء , فلما بدا له شخص بيت المقدس وما حوله من القرى والمساجد , ونظر إلى خراب لا يوصف , ورأى هدم بيت المقدس كالجبل العظيم , قال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } وسار حتى تبوأ منها منزلا , فربط حماره بحبل جديد .

وعلق سقاءه , وألقى الله عليه السبات ; فلما نام نزع الله روحه مائة عام ; فلما مرت من المائة سبعون عاما , أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس عظيم يقال له يوسك , فقال : إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء وأرضها , حتى تعود أعمر ما كانت , فقال الملك : أنظرني ثلاثه أيام حتى أتأهب لهذا العمل ولما يصلحه من أداء العمل , فأنظره ثلاثة أيام , فانتدب ثلاثمائة قهرمان , ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل , وما يصلحه من أداة العمل , فسار إليها قهارمته , ومعهم ثلاثمائة ألف عامل ; فلما وقعوا في العمل رد الله روح الحياة في عين إرميا , وأخر جسده ميتا , فنظر إلى إيليا وما حولها من القرى والمساجد والأنهار والحروث تعمل وتعمر وتجدد , حتى صارت كما كانت .

وبعد ثلاثين سنة تمام المائه , رد إليه الروح , فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه , ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب , ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة , وقد أتى على ذلك ريح مائة عام وبرد مائة عام وحر مائة عام , لم تتغير ولم تنتقض شيئا , وقد نحل جسم إرميا من البلى , فأنبت الله له لحما جديدا , ونشز عظامه وهو ينظر , فقال له الله : { انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } .

4618 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول في قوله : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } إن إرميا لما خرب بيت المقدس وحرقت الكتب , وقف في ناحية الجبل , فقال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام } ثم رد الله من رد من بني إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته يعمرونها ثلاثين سنة تمام المائة ; فلما ذهبت المائة رد الله روحه وقد عمرت على حالها الأولى , فجعل ينظر إلى العظام كيف تلتام بعضها إلى بعض , ثم نظر إلى العظام كيف تكسى عصبا ولحما .

{ فلما تبين } له ذلك { قال أعلم أن الله على كل شيء قدير } فقال الله تعالى ذكره : { انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } قال : فكان طعامه تينا في مكتل , وقلة فيها ماء .

4619 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أو كالذي مر على قريه وهي خاويه على عروشها } وذلك أن عزيرا مر جائيا من الشام على حمار له معه عصير وعنب وتين ; فلما مر بالقرية فرآها , وقف عليها وقلب يده وقال : كيف يحيي هذه الله بعد موتها ؟

ليس تكذيبا منه وشكا .

فأماته الله وأمات حماره , فهلكا ومر عليهما مائة سنة .

ثم إن الله أحيا عزيرا فقال له : كم لبثت ؟

قال له : لبثت يوما أو بعض .

قيل له : بل لبثت مائة عام , فانظر إلى طعامك من التين والعنب , وشرابك من العصير { لم يتسنه } .

الآية .ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام القول في تأويل قوله تعالى : { ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل مائة عام } .

يعني تعالى ذكره بقوله : { ثم بعثه } ثم أثاره حيا من بعد مماته .

وقد دللنا على معنى البعث فيما مضى قبل .

وأما معنى قوله : { كم لبثت } فإن كم استفهام في كلام العرب عن مبلغ العدد , وهو في هذا الموضع نصب ب " لبثت " , وتأويله : قال الله له : كم قدر الزمان الذي لبثت ميتا قبل .

أن أبعثك من مماتك حيا ؟

قال المبعوث بعد مماته : لبثت ميتا إلى أن بعثتني حيا يوما واحدا أو بعض يوم .

وذكر أن المبعوث هو إرميا أو عزير , أو من كان ممن أخبر الله عنه هذا الخبر .

وإنما قال : { لبثت يوما أو بعض يوم } لأن الله تعالى ذكره كان قبض روحه أول النهار , ثم رد روحه آخر النهار بعد المائة عام فقيل له : كم لبثت ؟

قال : لبثت يوما ; وهو يرى أن الشمس قد غربت فكان ذلك عنده يوما لأنه ذكر أنه قبض روحه أول النهار وسئل عن مقدار لبثه ميتا آخر النهار وهو يرى أن الشمس قد غربت , فقال : لبثت يوما , ثم رأى بقية من الشمس قد بقيت لم تغرب , فقال : أو بعض يوم , بمعنى : بل بعض يوم , كما قال تعالى ذكره : { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } 37 147 بمعنى : بل يزيدون .

فكان قوله : { أو بعض يوم } رجوعا منه عن قوله : { لبثت يوما } .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 4620 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } قال : ذكر لنا أنه مات ضحى , ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس , فقال : لبثت يوما .

ثم التفت فرأى بقية من الشمس , فقال : أو بعض يوم .

فقال : بل لبثت مائة عام .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } قال : مر على قرية فتعجب , فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها !

فأماته الله أول النهار , فلبث مائة عام , ثم بعثه في آخر النهار , فقال : كم لبثت ؟

قال : لبثت يوما أو بعض يوم , قال : بل لبثت مائة عام .

4621 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , قال : قال الربيع : أماته الله مائة عام , ثم بعثه , قال : كم لبثت ؟

قال : لبثت يوما أو بعض يوم .

قال : بل لبثت مائة عام .

4622 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال , ثني حجاج , قال : قال ابن جريج : لما وقف على بيت المقدس وقد خربه بختنصر , قال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها !

كيف يعيدها كما كانت ؟

فأماته الله .

قال : وذكر لنا أنه مات ضحى , وبعث قبل غروب الشمس بعد مائة عام , فقال : كم لبثت ؟

قال : يوما .

فلما رأى الشمس , قال : أو بعض يوم .فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه القول في تأويل قوله تعالى : { فانطر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } .

يعني تعالى ذكره بقوله : { فانطر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } لم تغيره السنون التي أتت عليه .

وكان طعامه فيما ذكر بعضهم سلة تين وعنب وشرابه قلة ماء .

وقال بعضهم : بل كان طعامه سلة عنب وسلة تين وشرابه زق من عصير .

وقال آخرون : بل كان طعامه سلة تين , وشرابه دن خمر أو زكرة خمر .

وقد ذكرنا فيما مضى قول بعضهم في ذلك ونذكر ما فيه فيما يستقبل إن شاء الله .

وأما قوله { لم يتسنه } ففيه وجهان من القراءة : أحدهما : " لم يتسن " بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف .

ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في يتسنه زائدة صلة كقوله : { فبهداهم اقتده } 6 90 وجعل فعلت منه : تسنيت تسنيا , واعتل في ذلك بأن السنة تجمع سنوات , فيكون تفعلت على نهجه .

ومن قال في السنه سنينة فجائز على ذلك وإن كان قليلا أن يكون تسننت تفعلت , أبدلت النون ياء لما كثرت النونات كما قالوا : تظنيت وأصله الظن ; وقد قال قوم .

هو مأخوذ من قوله : { من حمإ مسنون } 15 26 وهو المتغير .

وذلك أيضا إذا كان كذلك , فهو أيضا مما بدلت نونه ياء , وهو قراءة عامة قراء الكوفة .

والآخر منهما : إثبات الهاء في الوصل والوقف , ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في يتسنه لام الفعل ويحملها مجزومة بلم , ويحصل فعلت منه تسنهت , ويفعل : أتسنه تسنها , وقال في تصغير السنه : سنيهة , ومنه : أسنهت عند القوم , وتسنهت عندهم : إذا أقمت سنة , هذه قراءة عامة قراء أهل المدينة والحجاز .

والصواب من القراءة عندي في ذلك , إثبات الهاء في الوصل والوقف , لأنها مثبتة في مصحف المسلمين , ولإثباتها وجه صحيح في كلتا الحالتين في ذلك .

ومعنى قوله : { لم يتسنه } لم يأت عليه السنون فيتغير , على لغة من قال : أسنهت عندكم أسنه : إذا أقام سنة , وكما قال الشاعر : وليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح فجعل الهاء في السنة أصلا , وهي اللغة الفصحى , وغير جائز حذف حرف من كتاب الله في حال وقف أو وصل لإثباته وجه معروف في كلامها .

فإن اعتل معتل بأن المصحف قد ألحقت فيه حروف هن زوائد على نية الوقف , والوجه في الأصل عند القراءة حذفهن , وذلك كقوله : { فبهداهم اقتده } 6 90 وقوله : { يا ليتني لم أوت كتابيه } 69 25 فإن ذلك هو مما لم يكن فيه شك أنه من الزوائد , وأنه ألحق على نية الوقف .

فأما ما كان محتملا أن يكون أصلا للحرف غير زائد فغير جائز , وهو في مصحف المسلمين مثبت صرفه إلى أنه من الزوائد والصلات .

على أن ذلك وإن كان زائدا فيما لا شك أنه من الزوائد , فإن العرب قد تصل الكلام بزائد , فتنطق به على نحو منطقها به في حال القطع , فيكون وصلها إياه وقطعها سواء .

وذلك من فعلها دلالة على صحة قراءة من قرأ جميع ذلك بإثبات الهاء في الوصل والوقف , غير أن ذلك وإن كان كذلك فلقوله : { لم يتسنه } حكم مفارق حكم ما كان هاؤه زائدا لا شك في زيادته فيه .

ومما يدل على صحة ما قلنا , من أن الهاء في يتسنه من لغة من قال : " قد أسنهت " و " المسانهة " , ما : 4623 - حدثت به عن القاسم بن سلام , قال : ثنا ابن مهدي , عن أبي الجراح , عن سليمان بن عمير , قال : ثني هانئ مولى عثمان , قال : كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت , فقال زيد : سله عن قوله : لم يتسن , أو لم يتسنه ؟

فقال عثمان : اجعلوا فيها هاء .

4624 - حدثت عن القاسم , وحدثنا محمد بن محمد العطار , عن القاسم , وحدثنا أحمد والعطار جميعا , عن القاسم , قال : ثنا ابن مهدي , عن ابن المبارك , قال : ثني أبو وائل شيخ من أهل اليمن عن هانئ البربري , قال : كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف , فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها : " لم يتسن " و " فأمهل الكافرين " و " لا تبديل للخلق " .

قال : فدعا بالدواة , فمحا إحدى اللامين وكتب : { لا تبديل لخلق الله } 30 30 ومحا " فأمهل " وكتب : { فمهل الكافرين } 86 17 وكتب : " لم يتسنه " ألحق فيها الهاء .

ولو كان ذلك من " يتسنى " أو " يتسنن " لما ألحق فيه أبي هاء لا موضع لها فيه , ولا أمر عثمان بإلحاقها فيها .

وقد روي عن زيد بن ثابت في ذلك نحو الذي روي فيه عن أبي بن كعب .

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله { لم يتسنه } فقال بعضهم بمثل الذي قلنا فيه من أن معناه لم يتغير .

ذكر من قال ذلك : 4625 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة بن المفضل , عن محمد بن إسحاق , عمن لا يتهم , عن وهب بن منبه : { لم يتسنه } لم يتغير .

4626 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { لم يتسنه } لم يتغير .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , مثله .

4627 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } يقول : فانظر إلى طعامك من التين والعنب , وشرابك من العصير لم يتسنه , يقول : لم يتغير فيحمض التين والعنب , ولم يختمر العصير هما حلوان كما هما .

وذلك أنه مر جائيا من الشام على حمار له معه عصير وعنب وتين , فأماته الله , وأمات حماره , ومر عليهما مائة سنة .

4628 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } يقول : لم يتغير , وقد أتى عليه مائة عام .

* - حدثني المثنى , قال : أخبرنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك , بنحوه .

4629 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { لم يتسنه } لم يتغير .

4630 - حدثنا سفيان , قال : ثنا أبي , عن النضر , عن عكرمة : { لم يتسنه } لم يتغير .

4631 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { لم يتسنه } لم يتغير في مائة سنة .

4632 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني بكر بن مضر , قال : يزعمون في بعض الكتب أن إرميا كان بإيليا حين خربها بختنصر , فخرج منها إلى مصر فكان بها , فأوحى الله إليه أن اخرج منها إلى بيت المقدس .

فأتاها فإذا هي خربة , فنظر إليها فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها !

فأماته الله مائة عام ثم بعثه , فإذا حماره حي قائم على رباطه , وإذا طعامه سل عنب وسل تين لم يتغير عن حاله .

قال يونس : قال لنا سلم الخواص : كان طعامه وشرابه سل عنب وسل تين وزق عصير .

وقال آخرون : معنى ذلك : لم ينتن .

ذكر من قال ذلك : 4633 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد قوله : { لم يتسنه } لم ينتن .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

4634 - حدثني القاسم , قال : ثنا الحسن , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال مجاهد قوله : { إلى طعامك } قال : سل تين , { وشرابك } دن خمر , { لم يتسنه } يقول : لم ينتن .

وأحسب أن مجاهدا والربيع ومن قال في ذلك بقولهما رأوا أن قوله : { لم يتسنه } من قول الله تعالى ذكره : { من حمإ مسنون } 15 26 بمعنى المتغير الريح بالنتن من قول القائل : تسنن .

وقد بينت الدلالة فيما مضى على أن ذلك ليس كذلك .

فإن ظن ظان أنه من الآسن من قول القائل : أسن هذا الماء يأسن أسنا , كما قال الله تعالى ذكره : { فيها أنهار من ماء غير آسن } 47 15 فإنه ذلك لو كان كذلك لكان الكلام : فانطر إلى طعامك وشرابك لم يتأسن , ولم يكن يتسنه .

فإنه منه , غير أنه ترك همزة , قيل : فإنه وإن ترك همزه فغير جائز تشديد نونه , لأن النون غير مشددة , وهي في يتسنه مشددة , ولو نطق من يتأسن بترك الهمزة لقيل يتسن بتخفيف نونه بغير هاء تلحق فيه , ففي ذلك بيان واضح أنه غير جائز أن يكون من الأسن .وانظر إلى حمارك القول في تأويل قوله تعالى : { وانظر إلى حمارك } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { وانظر إلى حمارك } فقال بعضهم : معنى ذلك : وانظر إلى إحيائي حمارك , وإلى عظامه كيف أنشزها ثم أكسوها لحما .

ثم اختلف متأولو ذلك في هذا التأويل , فقال بعضهم : قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن أحياه خلقا سويا , ثم أراد أن يحيي حماره ; تعريفا منه تعالى ذكره له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها , فقال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } مستنكرا إحياء الله إياها .

ذكر من قال ذلك : 4635 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عمن لا يتهم , عن وهب بن منبه , قال : بعثه الله فقال : { كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم } إلى قوله : { ثم نكسوها لحما } قال : فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض , وقد كان مات معه بالعروق والعصب , ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح , فقام ينهق .

ونظر إلى عصيره وتينه , فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير .

فلما عاين من قدرة الله ما عاين , قال : { أعلم أن الله على كل شيء قدير } .

4636 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : ثم إن الله أحيا عزيرا , فقال : كم لبثت ؟

قال : لبثت يوما أو بعض يوم .

قال : بل لبثت مائة عام , فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه , وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه , وانظر إلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما .

فبعث الله ريحا , فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع , فاجتمعت , فركب بعضها في بعض وهو ينظر , فصار حمارا من عظام ليس له لحم ولا دم .

ثم إن الله كسا العظام لحما ودما , فقام حمارا من لحم ودم وليس فيه روح .

ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار , فنفخ فيه فنهق الحمار , فقال : أعلم أن الله على كل شيء قدير .

فتأويل الكلام على ما تأوله قائل هذا القول : وانظر إلى إحيائنا حمارك , وإلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما , ولنجعلك آية للناس .

فيكون في قوله : { وانظر إلى حمارك } متروك من الكلام , استغني بدلالة ظاهره عليه من ذكره , وتكون الألف واللام في قوله : { وانظر إلى العظام } بدلا من الهاء المرادة في المعنى , لأن معناه : وانظر إلى عظامه : يعني إلى عظام الحمار .

وقال آخرون منهم : بل قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن نفخ فيه الروح في عينه , قالوا : وهي أول عضو من أعضائه نفخ الله فيه الروح , وذلك بعد أن سواه خلقا سويا , وقبل أن يحيي حماره .

ذكر من قال ذلك : 4637 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : كان هذا رجلا من بني إسرائيل نفخ الروح في عينيه , فنظر إلى خلقه كله حين يحييه الله , وإلى حماره حين يحييه الله .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .

4638 - حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : بدأ بعينيه فنفخ فيهما الروح , ثم بعظامه فأنشزها , ثم وصل بعضها إلى بعض , ثم كساها العصب , ثم العروق , ثم اللحم .

ثم نظر إلى حماره , فإذا حماره قد بلي وابيضت عظامه في المكان الذي ربطه فيه , فنودي : يا عظام اجتمعي , فإن الله منزل عليك روحا !

فسعى كل عظم إلى صاحبه , فوصل العظام , ثم العصب , ثم العروق .

ثم اللحم , ثم الجلد , ثم الشعر , وكان حماره جذعا , فأحياه الله كبيرا قد تشنن , فلم يبق منه إلا الجلد من طول الزمن , وكان طعامه سل عنب وشرابه دن خمر .

قال ابن جريج عن مجاهد : نفخ الروح في عينيه , ثم نظر بهما إلى خلقه كله حين نشره الله , وإلى حماره حين يحييه الله .

وقال آخرون : بل جعل الله الروح في رأسه وبصره وجسده ميتا , فرأى حماره قائما كهيئته يوم ربطه وطعامه وشرابه كهيئته يوم حل البقعة , ثم قال الله له : انظر إلى عظام نفسك كيف ننشزها .

ذكر من قال ذلك : 4639 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر , قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم , قال : ثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول : رد الله روح الحياة في عين إرميا وآخر جسده ميت , فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه , ونظر إلى حماره واقفا كهيئته يوم ربطه , لم يطعم ولم يشرب , ونظر إلى الرمة في عنق الحمار لم تتغير جديدة .

4640 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } فنظر إلى حماره قائما قد مكث مائة عام , وإلى طعامه لم يتغير قد أتى عليه مائة عام , { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما } فكان أول شيء أحيا الله منه رأسه , فجعل ينظر إلى سائر خلقه يخلق .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { فأماته الله مائة عام ثم بعثه } فنظر إلى حماره قائما , وإلى طعامه وشرابه لم يتغير , فكان أول شيء خلق منه رأسه , فجعل ينظر إلى كل شيء منه يوصل بعضه إلى بعض .

فلما تبين له , قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير .

4641 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر لنا أنه أول ما خلق الله منه رأسه , ثم ركبت فيه عيناه , ثم قيل له : انظر !

فجعل ينظر , فجعلت عظامه تواصل بعضها إلى بعض , وبعين نبي الله عليه السلام كان ذلك .

فقال : أعلم أن الله على كل شيء قدير .

4642 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك } وكان حماره عنده كما هو , { ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها } .

قال الربيع : ذكر لنا والله أعلم أنه أول ما خلق منه عيناه , ثم قيل انظر , فجعل ينظر إلى العظام يتواصل بعضها إلى بعض وذلك بعينيه .

فقيل : أعلم أن الله على كل شيء قدير .

4643 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرنا ابن زيد قال قوله : { وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك } واقفا عليك منذ مائة سنة , { ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام } يقول : وانظر إلى عظامك كيف نحييها حين سألتنا كيف نحيي هذه الأرض بعد موتها .

قال : فجعل الله الروح في بصره وفي لسانه , ثم قال : ادع الآن بلسانك الذي جعل الله فيه الروح , وانظر ببصرك !

قال : فكان ينظر إلى الجمجمة , قال : فنادى : ليلحق كل عظم بأليفه , قال : فجاء كل عظم إلى صاحبه , حتى اتصلت وهو يراها , حتى أن الكسرة من العظم لتأتي إلى الموضع الذي انكسرت منه , فتلصق به حتى وصل إلى جمجمته , وهو يرى ذلك .

فلما اتصلت شدها بالعصب والعروق , وأجرى عليها اللحم والجلد , ثم نفخ فيها الروح , ثم قال : { انظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له } ذلك { قال أعلم أن الله على شيء قدير } .

قال : ثم أمر فنادى تلك العظام التي قال : { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } كما نادى عظام نفسه , ثم أحياها الله كما أحياه .

4644 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني بكر بن مضر , قال : يزعمون في بعض الكتب أن الله أمات إرميا مائة عام , ثم بعثه , فإذا حماره حي قائم على رباطه .

قال : ورد الله إليه بصره وجعل الروح فيه قبل أن يبعث بثلاثين سنة , ثم نظر إلى بيت المقدس وكيف عمر وما حوله .

قال : فيقولون والله أعلم : إنه الذي قال الله تعالى ذكره : { أو كالذي مر على قرية وهي خاوية .

..

} آية .

ومعنى الآية على تأويل هؤلاء : وانظر إلى حمارك , ولنجعلك آية للناس , وانظر إلى عظامك كيف ننشزها بعد بلاها , ثم نكسوها لحما , فنحييها بحياتك , فتعلم كيف يحيي الله القرى وأهلها بعد مماتها .

وأولى الأقوال في هذه الآية بالصواب قول من قال : إن الله تعالى ذكره بعث قائل { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } من مماته , ثم أراه نظير ما استنكر من إحياء الله القرية التي مر بها بعد مماتها عيانا من نفسه وطعامه وحماره , فحمل تعالى ذكره ما أراه من إحيائه نفسه وحماره مثلا لما استنكر من إحيائه أهل القرية التي مر بها خاويه على عروشها , وحمل ما أراه من العبرة في طعامه وشرابه عبرة له وحجة عليه في كيفية إحيائه منازل القرية وجنانها , وذلك هو معنى قول مجاهد الذي ذكرناه قبل .

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية , لأن قوله : { وانظر إلى العظام } إنما هو بمعنى : وانظر إلى العظام التي تراها ببصرك كيف ننشزها , ثم نكسوها لحما , وقد كان حماره أدركه من البلى في قول أهل التأويل جميعا نظير الذي لحق عظام من خوطب بهذا الخطاب , فلم يمكن صرف معنى قوله : { وانظر إلى العظام } إلى أنه أمر له بالنظر إلى عظام الحمار دون عظام المأمور بالنظر إليها , ولا إلى أنه أمر له بالنطر إلى عظام نفسه دون عظام الحمار .

وإذا كان ذلك كذلك , وكان البلى قد لحق عظامه وعظام حماره , كان الأولى بالتأويل أن يكون الأمر بالنظر إلى كل ما أدركه طرفه مما قد كان البلى لحقه لأن الله تعالى ذكره جعل جميع ذلك عليه حجة وله عبرة وعظة .ولنجعلك آية للناس القول في تأويل قوله تعالى : { ولنجعلك آية للناس } يعني تعالى ذكره بذلك : { ولنجعلك آية للناس } أمتناك مائة عام ثم بعثناك .

وإنما أدخلت الواو مع اللام التي في قوله : { ولنجعلك آية للناس } وهو بمعنى " كي " , لأن في دخولها في كي وأخواتها دلالة على أنها شرط لفعل بعدها , يعني : ولنجعلك كذا وكذا فعلنا ذلك , ولو لم تكن قبل اللام أعني لام كي واو كانت اللام شرطا للفعل الذي قبلها , وكان يكون معناه : وانظر إلى حمارك , لنجعلك آية للناس .

وإنما عنى بقوله : { ولنجعلك آية } ولنجعلك حجة على من جهل قدرتي , وشك في عظمتي , وأنا القادر على فعل ما أشاء من إماتة وإحياء , وإنشاء , وإنعام وإذلال , وإقتار وإغناء , بيدي ذلك كله , لا يملكه أحد دوني , ولا يقدر عليه غيري .

وكان بعض أهل التأويل يقول : كان آية للناس بأنه جاء بعد مائة عام إلى ولده وولد ولده شابا وهم شيوخ .

ذكر من قال ذلك : 4645 - حدثني المثنى , قال : أخبرنا إسحاق , قال : ثنا قبيصة بن عقبة , عن سفيان , قال : سمعت الأعمش يقول : { ولنجعلك آية للناس } قال : جاء شابا وولده شيوخ .

وقال آخرون : معنى ذلك أنه جاء وقد هلك من يعرفه , فكان آية لمن قدم عليه من قومه .

ذكر من قال ذلك : 4646 - حدثني موسى , قال , ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : رجع إلى أهله , فوجد داره قد بيعت وبنيت , وهلك من كان يعرفه , فقال : اخرجوا من داري !

قالوا : ومن أنت ؟

قال : أنا عزير .

قالوا : أليس قد هلك عزير منذ كذا وكذا ؟

قال : فإن عزيرا أنا هو , كان من حالي وكان .

فلما عرفوا ذلك , خرجوا له من الدار ودفعوها إليه .

والذي هو أولى بتأويل الآية من القول , أن يقال : إن الله تعالى ذكره , أخبر أنه حمل الذي وصف صفته في هذه الآية حجة للناس , فكان ذلك حجة على من عرفه من ولده وقومه ممن علم موته , وإحياء الله إياه بعد مماته , وعلى من بعث إليه منهم .وانظر إلى العظام كيف ننشزها القول في تأويل قوله تعالى : { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } قد دللنا فيما مضى قبل على أن العظام التي أمر بالنظر إليها هي عظام نفسه وحماره , وذكرنا اختلاف المختلفين في تأويل ذلك وما يعني كل قائل بما قاله في ذلك بما أغنى عن إعادته .

وأما قوله : { كيف ننشزها } فإن القراء اختلفت في قراءته , فقرأ بعضهم : { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } بضم النون وبالزاي , وذلك قراءة عامة قراء الكوفيين , بمعنى : وانظر كيف نركب بعضها على بعض , وننقل ذلك إلى مواضع من الجسم .

وأصل النشز : الارتفاع , ومنه قيل : قد نشز الغلام إذا ارتفع طوله وشب , ومنه نشوز المرأة على زوجها , ومن ذلك قيل للمكان المرتفع من الأرض : نشز ونشز ونشاز , فإذا أردت أنك رفعته , قلت : أنشزته إنشازا , ونشز هو : إذا ارتفع .

فمعنى قوله : { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } في قراءة من قرأ ذلك بالزاي : كيف نرفعها من أماكنها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسم .

وممن تأول ذلك هذا التأويل جماعة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 4647 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس في قوله : { كيف ننشزها } كيف نخرجها .

4648 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { كيف ننشزها } قال : نحركها .

وقرأ ذلك آخرون : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " بضم النون , قالوا من قول القائل : أنشر الله الموتى فهو ينشرهم إنشارا .

وذلك قراءة عامة قراء أهل المدينة , بمعنى : وانظر إلى العظام كيف نحييها ثم نكسوها لحما .

ذكر من قال ذلك : 4649 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : " كيف ننشرها " قال : انظر إليها حين يحييها الله .

* - حدثنا المثنى قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

4650 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة مثله .

4651 - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : " وانظر إلى العظام كيف ننشرها " قال : كيف نحييها .

واحتج بعض قراء ذلك بالراء وضم نون أوله بقوله : { ثم إذا شا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قديرقوله تعالى : أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها " أو " للعطف حملا على المعنى والتقدير عند الكسائي والفراء : هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه ، أو كالذي مر على قرية .

وقال المبرد : المعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ، ألم تر من مر!

كالذي مر على قرية .

فأضمر في الكلام من هو .

وقرأ أبو سفيان بن حسين " أو كالذي مر " بفتح الواو ، وهي واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام الذي معناه التقرير .

وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها ، من قولهم : قريت الماء أي جمعته ، وقد تقدم .

قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك : الذي مر على القرية هو عزير .

وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الله بن بكر بن مضر : هو إرمياء وكان نبيا .

وقال ابن إسحاق : إرمياء هو الخضر ، وحكاه النقاش عن وهب بن منبه .

قال ابن عطية : وهذا كما تراه ، إلا أن يكون اسما وافق اسما ؛ لأن الخضر معاصر لموسى ، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما رواه وهب بن منبه .قلت : إن كان الخضر هو إرمياء فلا يبعد أن يكون هو ؛ لأن الخضر لم يزل حيا من وقت موسى حتى الآن على الصحيح في ذلك ، على ما يأتي بيانه في سورة " الكهف " .

وإن كان مات قبل هذه القصة فقول ابن عطية صحيح ، والله أعلم .

وحكى النحاس ومكي عن مجاهد أنه [ ص: 264 ] رجل من بني إسرائيل غير مسمى .

قال النقاش : ويقال هو غلام لوط عليه السلام .

وحكى السهيلي عن القتبي هو شعيا في أحد قوليه .

والذي أحياها بعد خرابها كوشك الفارسي .

والقرية المذكورة هي بيت المقدس في قول وهب بن منبه وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم .

قال : وكان مقبلا من مصر وطعامه وشرابه المذكوران تين أخضر وعنب وركوة من خمر .

وقيل من عصير .

وقيل : قلة ماء هي شرابه .

والذي أخلى بيت المقدس حينئذ بختنصر وكان واليا على العراق للهراسب ثم ليستاسب بن لهراسب والد اسبندياد .

وحكى النقاش أن قوما قالوا : هي المؤتفكة .

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم أناسا كثيرة فجاء بهم وفيهم عزير بن شرخيا وكان من علماء بني إسرائيل فجاء بهم إلى بابل ، فخرج ذات يوم في حاجة له إلى دير هزقل على شاطئ الدجلة .

فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له ، فربط الحمار تحت ظل الشجرة ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وهي خاوية على عروشها فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها وقيل : إنها القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت ، قاله ابن زيد .

وعن ابن زيد أيضا أن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ، مر رجل عليهم وهم عظام نخرة تلوح فوقف ينظر فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام .

قال : ابن عطية : وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية ، إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها ، والإشارة ب " هذه " إنما هي إلى القرية .

وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان .

وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك والربيع وعكرمة : القرية بيت المقدس لما خربها بختنصر البابلي .

وفي الحديث الطويل حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف إرمياء أو عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس ؛ لأن بختنصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل ، ورأى إرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها .والعريش : سقف البيت .

وكل ما يتهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ، ومنه عريش الدالية ، ومنه قوله تعالى : ومما يعرشون .

قال السدي : يقول هي ساقطة على سقفها ، أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها ، واختاره الطبري .

وقال غير السدي : معناه خاوية من الناس والبيوت قائمة ، وخاوية معناها خالية ، وأصل الخواء الخلو ، يقال : خوت الدار وخويت تخوى خواء ( ممدود ) وخويا : أقوت ، وكذلك إذا سقطت ، ومنه قوله تعالى : فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ؛ أي خالية ، ويقال ساقطة ، كما يقال : فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على [ ص: 265 ] سقفها .

والخواء الجوع لخلو البطن من الغذاء .

وخوت المرأة وخويت أيضا خوى أي خلا جوفها عند الولادة .

وخويت لها تخوية إذا عملت لها خوية تأكلها وهي طعام .

والخوي البطن السهل من الأرض على فعيل .

وخوى البعير إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه ، وكذلك الرجل في سجوده .قوله تعالى : قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها معناه من أي طريق وبأي سبب ، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان ، كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن : أنى تعمر هذه بعد خرابها .

فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته .

وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه ، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم ، أي أنى يحيي الله موتاها .

وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال : كان هذا القول شكا في قدرة الله تعالى على الإحياء ، فلذلك ضرب له المثل في نفسه .

قال ابن عطية : وليس يدخل شك في قدرة الله تعالى على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصور الشك من جاهل في الوجه الآخر ، والصواب ألا يتأول في الآية شك .قوله تعالى : فأماته الله مائة عام " مائة " نصب على الظرف .

والعام : السنة ، يقال : سنون عوم وهو تأكيد للأول ، كما يقال : بينهم شغل شاغل .

وقال العجاج :من مر أعوام السنين العوموهو في التقدير جمع عائم ، إلا أنه لا يفرد بالذكر ؛ لأنه ليس باسم وإنما هو توكيد ، قاله الجوهري .

وقال النقاش : العام مصدر كالعوم ، سمي به هذا القدر من الزمان لأنها عومة من الشمس في الفلك .

والعوم كالسبح ، وقال الله تعالى : كل في فلك يسبحون .

قال ابن عطية : هذا بمعنى قول النقاش ، والعام على هذا كالقول والقال ، وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد .

وروي في قصص هذه الآية أن الله تعالى بعث لها ملكا من الملوك يعمرها ويجد في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل .

وقد قيل : إنه لما مضى لموته سبعون سنة أرسل الله ملكا من ملوك فارس عظيما يقال له " كوشك " فعمرها في ثلاثين سنة .قوله تعالى : ثم بعثه معناه أحياه ، وقد تقدم الكلام فيه .قوله تعالى : قال كم لبثت اختلف في القائل له كم لبثت ، فقيل .

الله جل وعز ، [ ص: 266 ] ولم يقل له إن كنت صادقا كما قال للملائكة على ما تقدم .

وقيل : سمع هاتفا من السماء يقول له ذلك .

وقيل : خاطبه جبريل .

وقيل : نبي .

وقيل : رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له : كم لبثت .قلت : والأظهر أن القائل هو الله تعالى ، لقوله : وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما والله أعلم .

وقرأ أهل الكوفة " كم لبت " بإدغام الثاء في التاء لقربها منها في المخرج .

فإن مخرجهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان .

قال النحاس : والإظهار أحسن لتباين مخرج الثاء من مخرج التاء .

ويقال : كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير .

و " كم " في موضع نصب على الظرف .قال لبثت يوما أو بعض يوم إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه ، وعلى هذا لا يكون كاذبا فيما أخبر به ، ومثله قول أصحاب الكهف قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ، وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين - على ما يأتي - ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم ، كأنهم قالوا : الذي عندنا وفي ظنوننا أننا لبثنا يوما أو بعض يوم .

ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين : لم أقصر ولم أنس .

ومن الناس من يقول : إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به ، وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل ، وهذا بين في نظر الأصول .

فعلى هذا يجوز أن يقال : إن الأنبياء لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد ، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان .

فهذا ما يتعلق بهذه الآية ، والقول الأول أصح .

قال ابن جريج وقتادة والربيع : أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب فظن هذا اليوم واحدا فقال : لبثت يوما ، ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذبا فقال : أو بعض يوم .

فقيل : بل لبثت مائة عام ، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك .قوله تعالى : فانظر إلى طعامك وهو التين الذي جمعه من أشجار القرية التي مر عليها .

وشرابك لم يتسنه قرأ ابن مسعود " وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه " .

وقرأ طلحة بن مصرف وغيره " وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة " .

وقرأ الجمهور بإثبات الهاء في الوصل إلا الأخوان فإنهما يحذفانها ، ولا خلاف أن الوقف عليها بالهاء .

وقرأ طلحة بن مصرف أيضا " لم يسن " " وانظر " أدغم التاء في السين ، فعلى قراءة الجمهور الهاء أصلية ، وحذفت الضمة [ ص: 267 ] للجزم ، ويكون " يتسنه " من السنة أي لم تغيره السنون .

قال الجوهري : ويقال سنون ، والسنة واحدة السنين ، وفي نقصانها قولان : أحدهما الواو ، والآخر الهاء .

وأصلها سنهة مثل الجبهة ؛ لأنه من سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون .

ونخلة سناء أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى ، وسنهاء أيضا ، قال بعض الأنصار :فليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائحوأسنهت عند بني فلان أقمت عندهم ، وتسنيت أيضا .

واستأجرته مساناة ومسانهة أيضا .

وفي التصغير سنية وسنيهة .

قال النحاس : من قرأ " لم يتسن " و " انظر " قال في التصغير : سنية وحذفت الألف للجزم ، ويقف على الهاء فيقول : " لم يتسنه " تكون الهاء لبيان الحركة .

قال المهدوي : ويجوز أن يكون أصله من سانيته مساناة ، أي عاملته سنة بعد سنة ، أو من سانهت بالهاء ، فإن كان من سانيت فأصله يتسنى فسقطت الألف للجزم ، وأصله من الواو بدليل قولهم " سنوات " والهاء فيه للسكت ، وإن كان من سانهت فالهاء لام الفعل ، وأصل سنة على هذا سنهة .

وعلى القول الأول سنوة .

وقيل : هو من أسن الماء إذا تغير ، وكان يجب أن يكون على هذا يتأسن .

أبو عمرو الشيباني : هو من قوله حمإ مسنون فالمعنى لم يتغير .

الزجاج ، ليس كذلك ؛ لأن قوله ( مسنون ) ليس معناه ( متغير ) وإنما معناه ( مصبوب ) على سنة الأرض .

قال المهدوي : وأصله على قول الشيباني " يتسنن " فأبدلت إحدى النونين ياء كراهة التضعيف فصار يتسنى ، ثم سقطت الألف للجزم ودخلت الهاء للسكت .

وقال مجاهد : لم يتسنه لم ينتن .

قال النحاس : أصح ما قيل فيه إنه من السنة ، أي لم تغيره السنون .

ويحتمل أن يكون من السنة وهي الجدب ، ومنه قوله تعالى : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ، وقوله عليه السلام اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف .

يقال منه : أسنت القوم أي أجدبوا ، فيكون المعنى لم يغير طعامك القحوط والجدوب ، أو لم تغيره السنون والأعوام ، أي هو باق على طراوته وغضارته .[ ص: 268 ] قوله تعالى : وانظر إلى حمارك قال وهب بن منبه وغيره : وانظر إلى اتصال عظامه وإحيائه جزءا جزءا .

ويروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاما ملتئمة ، ثم كساه لحما حتى كمل حمارا ، ثم جاءه ملك فنفخ فيه الروح فقام الحمار ينهق ، على هذا أكثر المفسرين .

وروي عن الضحاك ووهب بن منبه أيضا أنهما قالا : بل قيل له : وانظر إلى حمارك قائما في مربطه لم يصبه شيء مائة عام ، وإنما العظام التي نظر إليها عظام نفسه بعد أن أحيا الله منه عينيه ورأسه ، وسائر جسده ميت ، قالا : وأعمى الله العيون عن إرمياء وحماره طول هذه المدة .قوله تعالى : ولنجعلك آية للناس قال الفراء : إنما أدخل الواو في قوله ( ولنجعلك ) دلالة على أنها شرط لفعل بعده ، معناه ولنجعلك آية للناس ودلالة على البعث بعد الموت جعلنا ذلك .

وإن شئت جعلت الواو مقحمة زائدة .

وقال الأعمش : موضع كونه آية هو أنه جاء شابا على حاله يوم مات ، فوجد الأبناء والحفدة شيوخا .

عكرمة : وكان يوم مات ابن أربعين سنة .

وروي عن علي رضوان الله عليه أن عزيرا خرج من أهله وخلف امرأته حاملا ، وله خمسون سنة فأماته الله مائة عام ، ثم بعثه فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة وله ولد من مائة سنة فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة .

وروي عن ابن عباس قال : لما أحيا الله عزيرا ركب حماره فأتى محلته فأنكر الناس وأنكروه ، فوجد في منزله عجوزا عمياء كانت أمة لهم ، خرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة ، فقال لها : أهذا منزل عزير ؟

فقالت نعم!

ثم بكت وقالت : فارقنا عزير منذ كذا وكذا سنة قال : فأنا عزير ، قالت : إن عزيرا فقدناه منذ مائة سنة .

قال : فالله أماتني مائة سنة ثم بعثني .

قالت : فعزير كان مستجاب الدعوة للمريض وصاحب البلاء فيفيق ، فادع الله يرد علي بصري ، فدعا الله ومسح على عينيها بيده فصحت مكانها كأنها أنشطت من عقال .

قالت : أشهد أنك عزير ثم انطلقت إلى ملإ بني إسرائيل وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة وثمان وعشرين سنة ، وبنو بنيه شيوخ ، فقالت : يا قوم ، هذا والله عزير فأقبل إليه ابنه مع الناس فقال ابنه : كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه ، فنظرها فإذا هو عزير .

وقيل : جاء وقد هلك كل من يعرف ، فكان آية لمن كان حيا من قومه إذ كانوا موقنين بحاله سماعا .

قال ابن عطية : وفي إماتته هذه المدة ثم إحيائه بعدها أعظم آية ، وأمره كله آية غابر الدهر ، ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض .قوله تعالى : وانظر إلى العظام كيف ننشزها قرأ الكوفيون وابن عامر بالزاي والباقون بالراء ، وروى أبان عن عاصم " ننشرها " بفتح النون وضم الشين والراء ، وكذلك قرأ ابن عباس والحسن وأبو حيوة ، فقيل : هما لغتان في الإحياء بمعنى ، كما يقال رجع ورجعته ، [ ص: 269 ] وغاض الماء وغضته ، وخسرت الدابة وخسرتها ، إلا أن المعروف في اللغة أنشر الله الموتى فنشروا ، أي أحياهم الله فحيوا ، قال الله تعالى : ثم إذا شاء أنشره ويكون نشرها مثلا ( نشر الثوب ) .

نشر الميت ينشر نشورا أي عاش بعد الموت ، قال الأعشى :حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشرفكأن الموت طي للعظام والأعضاء ، وكأن الإحياء وجمع الأعضاء بعضها إلى بعض نشر .

وأما قراءة ننشزها بالزاي فمعناه نرفعها .

والنشز : المرتفع من الأرض ، قال :ترى الثعلب الحولي فيها كأنه إذا ما علا نشزا حصان مجللقال مكي : المعنى : انظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء ؛ لأن النشز الارتفاع ، ومنه المرأة النشوز ، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها ، ومنه قوله تعالى : وإذا قيل انشزوا فانشزوا ؛ أي ارتفعوا وانضموا .

وأيضا فإن القراءة بالراء بمعنى الإحياء ، والعظام لا تحيا على الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض ، والزاي أولى بذلك المعنى ، إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء .

فالموصوف بالإحياء هو الرجل دون العظام على انفرادها ، ولا يقال : هذا عظم حي ، وإنما المعنى فانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء .

وقرأ النخعي " ننشزها " بفتح النون وضم الشين والزاي ، وروي ذلك عن ابن عباس وقتادة .

وقرأ أبي بن كعب " ننشيها " بالياء .والكسوة : ما وارى من الثياب ، وشبه اللحم بها .

وقد استعاره لبيد للإسلام فقال :الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالاوقد تقدم أول السورة .قوله تعالى : فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير بقطع الألف .

وقد روي أن الله جل ذكره أحيا بعضه ثم أراه كيف أحيا باقي جسده .

قال قتادة : إنه جعل ينظر كيف يوصل بعض عظامه إلى بعض ؛ لأن أول ما خلق الله منه رأسه وقيل له : انظر ، فقال عند ذلك : ( أعلم ) بقطع الألف ، أي أعلم هذا .

وقال الطبري : المعنى في قوله فلما تبين له أي لما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة الله عنده قبل عيانه قال : أعلم .

قال ابن عطية : وهذا خطأ ؛ لأنه ألزم ما لا يقتضيه اللفظ ، وفسر على القول الشاذ والاحتمال الضعيف ، وهذا عندي ليس بإقرار بما كان قبل ينكره كما زعم الطبري ، بل هو قول بعثه الاعتبار ، كما يقول الإنسان [ ص: 270 ] المؤمن إذا رأى شيئا غريبا من قدرة الله تعالى : لا إله إلا الله ونحو هذا .

وقال أبو علي : معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته .قلت : وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة ، وكذلك قال مكي رحمه الله ، قال مكي : إنه أخبر عن نفسه عندما عاين من قدرة الله تعالى في إحيائه الموتى ، فتيقن ذلك بالمشاهدة ، فأقر أنه يعلم أن الله على كل شيء قدير ، أي أعلم أنا هذا الضرب من العلم الذي لم أكن أعلمه على معاينة ، وهذا على قراءة من قرأ ( أعلم ) بقطع الألف وهم الأكثر من القراء .

وقرأ حمزة والكسائي بوصل الألف ، ويحتمل وجهين : أحدهما قال له الملك : اعلم ، والآخر هو أن ينزل نفسه منزلة المخاطب الأجنبي المنفصل ، فالمعنى فلما تبين له قال لنفسه : اعلمي يا نفس هذا العلم اليقين الذي لم تكوني تعلمين معاينة ، وأنشد أبو علي في مثل هذا المعنى ( للشاعر الأعشى :ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجلألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعاك ما عاد السليم المسهداقال ابن عطية : وتأنس أبو علي في هذا الشعر بقول الشاعر :تذكر من أنى ومن أين شربه يؤامر نفسيه كذي الهجمة الإبلقال مكي : ويبعد أن يكون ذلك أمرا من الله جل ذكره له بالعلم ؛ لأنه قد أظهر إليه قدرته ، وأراه أمرا أيقن صحته وأقر بالقدرة فلا معنى لأن يأمره الله بعلم ذلك ، بل هو يأمر نفسه بذلك وهو جائز حسن .

وفي حرف عبد الله ما يدل على أنه أمر من الله تعالى له بالعلم على معنى الزم هذا العلم لما عاينت وتيقنت ، وذلك أن في حرفه : قيل اعلم .

وأيضا فإنه موافق لما قبله من الأمر في قوله انظر إلى طعامك و انظر إلى حمارك و انظر إلى العظام فكذلك واعلم أن الله وقد كان ابن عباس يقرؤها " قيل اعلم " ويقول أهو خير أم إبراهيم ؟

إذ قيل له : واعلم أن الله عزيز حكيم .

فهذا يبين أنه من قول الله سبحانه له لما عاين من الإحياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا أيضا دليل آخر على توحد الله بالخلق والتدبير والإماتة والإحياء، فقال: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} أي: قد باد أهلها وفني سكانها وسقطت حيطانها على عروشها، فلم يبق بها أنيس بل بقيت موحشة من أهلها مقفرة، فوقف عليها ذلك الرجل متعجبا و {قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها} استبعادا لذلك وجهلا بقدرة الله تعالى، فلما أراد الله به خيرا أراه آية في نفسه وفي حماره، وكان معه طعام وشراب، {فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم} استقصارا لتلك المدة التي مات فيها لكونه قد زالت معرفته وحواسه وكان عهد حاله قبل موته، فقيل له {بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} أي: لم يتغير بل بقي على حاله على تطاول السنين واختلاف الأوقات عليه، ففيه أكبر دليل على قدرته حيث أبقاه وحفظه عن التغير والفساد، مع أن الطعام والشراب من أسرع الأشياء فسادا {وانظر إلى حمارك} وكان قد مات وتمزق لحمه وجلده وانتثرت عظامه، وتفرقت أوصاله {ولنجعلك آية للناس} على قدرة الله وبعثه الأموات من قبورهم، لتكون أنموذجا محسوسا مشاهدا بالأبصار، فيعلموا بذلك صحة ما أخبرت به الرسل {وانظر إلى العظام كيف ننشزها} أي: ندخل بعضها في بعض، ونركب بعضها ببعض {ثم نكسوها لحما} فنظر إليها عيانا كما وصفها الله تعالى، {فلما تبين له} ذلك وعلم قدرة الله تعالى {قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} والظاهر من سياق الآية أن هذا رجل منكر للبعث أراد الله به خيرا، وأن يجعله آية ودليلا للناس لثلاثة أوجه أحدها قوله {أنى يحيي هذه الله بعد موتها} ولو كان نبيا أو عبدا صالحا لم يقل ذلك، والثاني: أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه ليراه بعينه فيقر بما أنكره، ولم يذكر في الآية أن القرية المذكورة عمرت وعادت إلى حالتها، ولا في السياق ما يدل على ذلك، ولا في ذلك كثير فائدة، ما الفائدة الدالة على إحياء الله للموتى في قرية خربت ثم رجع إليها أهلها أو غيرهم فعمروها؟!

وإنما الدليل الحقيقي في إحيائه وإحياء حماره وإبقاء طعامه وشرابه بحاله، والثالث في قوله: {فلما تبين له} أي: تبين له أمر كان يجهله ويخفى عليه، فعلم بذلك صحة ما ذكرناه، والله أعلم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( أو كالذي مر على قرية ) وهذه الآية منسوقة على الآية الأولى تقديره ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ) وإلى الذي مر على قرية وقيل : تقديره : هل رأيت الذي حاج إبراهيم في ربه وهل رأيت الذي مر على قرية؟

واختلفوا في ذلك المار فقال قتادة وعكرمة والضحاك : هو عزير بن شرخيا ، وقال وهب بن منبه : هو أرميا بن حلقيا ، وكان من سبط هارون وهو الخضر وقال مجاهد : هو كافر شك في البعث واختلفوا في تلك القرية فقال وهب وعكرمة وقتادة : هي بيت المقدس ، وقال الضحاك : هي الأرض المقدسة وقال الكلبي : هي دير سابر أباد ، وقال السدي : مسلم باذ ، وقيل دير هرقل وقيل : هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف وقيل : هي قرية العنب وهي على فرسخين من بيت المقدس ( وهي خاوية ) ساقطة يقال : خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى مقصورا إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواء ممدودا إذا خلا ( على عروشها ) سقوفها واحدها عرش وقيل : كل بناء عرش ومعناه : أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها .

( قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق بن منبه أن الله تعالى بعث إرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل يسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله عز وجل فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى إرمياء : أن ذكر قومك نعمي وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي فقال إرمياء إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني فقال الله عز وجل : أنا ألهمك فقام إرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال في آخرها عن الله تعالى : وإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحكيم ولأسلطن عليهم جبارا فارسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله إلى إرمياء إني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث من أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام فلما سمع إرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه : يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك قال : نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى : وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح إرمياء بذلك وطابت نفسه فقال : لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل ، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكا صالحا فاستبشر وفرح فقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا فبرحمته .

ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس ، فلما فصل سائرا أتى الملك الخبر فقال لإرمياء : أين ما زعمت أن الله أوحى إليك؟

فقال إرمياء : إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق ، فلما قرب الأجل بعث الله إلى إرمياء ملكا قد تمثل له رجلا من بني إسرائيل فقال له إرمياء : من أنت؟

قال : أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا إسخاطا لي فأفتني فيهم قال : أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير .

فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه فقال : أنا الذي أتيتك في شأن أهلي فقال له إرمياء : أما طهرت أخلاقهم لك بعد؟

قال : يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلا رحمة إلا قدمتها إليهم وأفضل فقال له النبي إرمياء عليه السلام : ارجع فأحسن إليهم اسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم فقام الملك فمكث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لإرمياء : يا نبي الله أين ما وعدك الله؟

قال : إني بربي واثق ثم أقبل الملك إلى إرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه عز وجل الذي وعده فقعد بين يديه فقال : أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين فقال النبي : ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟

فقال الملك : يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله : فقال النبي : على أي عمل رأيتهم؟

قال : على عمل عظيم من سخط الله فغضب الله وأتيتك لأخبرك وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبيا إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم فقال إرمياء : يا مالك السماوات والأرض إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم فلما خرجت الكلمة من فم إرمياء أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها فلما رأى ذلك إرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال : يا مالك السماوات أين ميعادك الذي وعدتني؟

فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه وأن ذلك السائل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فطار إرمياء حتى خالط الوحوش .

ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس ، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس ، ففعلوا حتى ملئوه ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل ، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق فثلثا قتلهم وثلثا سباهم وثلثا أقرهم بالشام ، وكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم فلما ولى عنهم بختنصر راجعا إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل إرمياء على حمار له معه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشى إيلياء فلما وقف عليها ورأى خرابها قال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) .

وقال الذي قال إن المار كان عزيرا : وإن بختنصر لما خرب بيت المقدس وقدم بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير فيها أحدا وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال : ( أنى يحيي هذه الله بعد موتها ) قالها تعجبا لا شكا في البعث .

رجعنا إلى حديث وهب قال : ثم ربط إرمياء حماره بحبل جديد فألقى الله تعالى عليه النوم فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام وأمات حماره وعصيره وتينه عنده فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى ومنع الله السباع والطير لحمه فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك فقال : إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان فانتدب الملك بألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه فأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله من بقي من بني إسرائيل ، ولم يمت ببابل وردهم جميعا إلى بيت المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى عادوا على أحسن ما كانوا عليه فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه وسائر جسده ميت ثم أحيا جسده وهو ينظر إليه ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح فسمع صوتا من السماء : أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض ثم نودي أن الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا فكانت كذلك ثم نودي : إن الله يأمرك أن تحيا فقام بإذن الله ونهق وعمر الله إرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى : ( فأماته الله مائة عام ثم بعثه ) أي أحياه ( قال كم لبثت ) أي : كم مكثت؟

يقال : لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت؟

( قال لبثت يوما ) وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس فقال : لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال ( أو بعض يوم ) بل بعض يوم ( قال ) الملك ( بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ) يعني التين ( وشرابك ) يعني العصير ( لم يتسنه ) أي لم يتغير فكان التين كأنه قطف في ساعته والعصير كأنه عصر في ساعته .

قال الكسائي : كأنه لم تأت عليه السنون .

وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لم يتسن بحذف الهاء في الوصل وكذلك " فبهداهم اقتده " ( 90 - الأنعام ) وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلا ووقفا فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال : أصله يتسنى فحذف الياء بالجزم وأبدل منه هاء في الوقف وقال أبو عمرو : هو من التسنن بنونين : وهو التغير كقوله تعالى : " من حمإ مسنون " ( 26 - الحج ) أي متغير فعوضت من إحدى النونين ياء كقوله تعالى : " ثم ذهب إلى أهله يتمطى " ( 33 - القيامة ) أي يتمطط وكقوله " وقد خاب من دساها " ( 10 - الشمس ) وأصله دسيتها ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل وهذا على قول من جعل أصل السنة السنهة وتصغيرها سنيهة والفعل من السانهة وإنما قال : لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين رد التغيير إلى أقرب اللفظين وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر ( وانظر إلى حمارك ) فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر ( ولنجعله آية للناس ) قيل الواو زائدة مقحمة .

وقال الفراء أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه ولنجعلك آية أي : عبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله أكثر المفسرين وقال الضحاك وغيره : إنه عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية .

قوله تعالى : ( وانظر إلى العظام كيف ننشزها ) قرأ أهل الحجاز والبصرة ننشرها بالراء معناه نحييها يقال : أنشر الله الميت إنشارا ونشرة ونشورا قال الله تعالى : " ثم إذا شاء أنشره " ( 22 - عبس ) وقال في اللازم " وإليه النشور " ( 15 - الملك ) وقرأ الآخرون بالزاي أي نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه يقال : أنشزته فنشز أي رفعته فارتفع .

واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون : أراد به عظام حماره وقال السدي : إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له : انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه فبعث الله تعالى ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل وقد ذهبت بها الطير والسباع فاجتمعت فركب بعضها في بعض وهو ينظر فصار حمارا من عظام ليس فيها لحم ولا دم ( ثم نكسوها لحما ) ثم كسا العظام لحما ودما فصار حمارا لا روح فيه ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله .

وقال قوم أراد به عظام هذا الرجل وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت ثم قال : انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرمة في عنقه جديدة لم تتغير وتقدير الآية : ( وانظر إلى حمارك ) وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرهما : وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشزها ولنجعلك آية للناس .

وقال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما والسدي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما أحيا الله تعالى عزيرا بعد ما أماته مائة سنة ركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير : يا هذه هذا منزل عزير؟

قالت : نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت : ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا قال : فإني أنا عزير قالت : سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه من مائة سنة لم نسمع له بذكر قال : فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت : فإن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة ويدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية فادع الله أن يرد لي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال : قومي بإذن الله تعالى فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة فنظرت إليه فقالت : أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ كبير ابن مائة سنة وثماني عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس فنادت هذا عزير قد جاءكم ، فكذبوها فقالت : أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ولده : كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير .

وقال السدي والكلبي : لما رجع عزير إلى قومه وقد أحرق بختنصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلق فبكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة وبعثه نبيا فقال : أنا عزير فلم يصدقوه فقال : إني عزير قد بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم قالوا : أملها علينا فأملاها عليهم عن ظهر قلبه فقالوا : ما جعل الله التوراة في صدر رجل بعدما ذهبت إلا أنه ابنه فقالوا : عزير ابن الله وستأتي القصة في سورة ( براءة ) إن شاء الله تعالى .

قوله تعالى : ( فلما تبين له ) ذلك عيانا ( قال أعلم ) قرأ حمزة والكسائي مجزوما موصولا على الأمر على معنى قال الله تعالى له اعلم وقرأ الآخرون " أعلم " بقطع الألف ورفع الميم على الخبر عن عزير أنه قال لما رأى ذلك أعلم ( أن الله على كل شيء قدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أو» رأيت «كالذي» الكاف زائدة «مرَّ على قرية» هي بيت المقدس راكبا على حمار ومعه سلة تين وقدح عصير وهوعزيز «وهي خاوية» ساقطة «على عروشها» سقوطها لما خرَّبها بختنصر «قال أنَّى» كيف «يحيي هذه الله بعد موتها» استعظاما لقدرته تعالى «فأماته الله» وألبثه «مائه عام ثم بعثه» أحياء ليريه كيفية ذلك «قال» تعالى له «كم لبثت» مكثت هنا «قال لبثت يوما أو بعض يوم» لأنه نام أول النهار فقبض وأحيي عند الغروب فظن أنه يوم النوم «قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك» التين «وشرابك» العصير «لم يتسنَّه» لم يتغير مع طول الزمان، والهاء قيل أصل من سانهت وقيل للسكت من سانيت وفي قراءة بحذفها «وانظر إلى حمارك» كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض تلوح فعلْنا ذلك لتعلم «ولنجعلك آية» على البعث «للناس وانظر إلى العظام» من حمارك «كيف ننشزها» نحييها بضم النون وقرئ بفتحها من أنشز ونشز - لغتان - وفي قراءة بضمها والزاي- نحركها ونرفعها- «ثم نكسوها لحما» فنظر إليه وقد تركبت وكسيت لحما ونفخ فيه الروح ونهق «فلما تبيَّن له» ذلك بالمشاهدة «قال أعلم» علم مشاهدة «أن الله على كل شيء قدير» وفي قراءة إعْلَمْ أمر من الله له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أو هل رأيت -أيها الرسول- مثل الذي مرَّ على قرية قد تهدَّمت دورها، وخَوَتْ على عروشها، فقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها؟

فأماته الله مائة عام، ثم ردَّ إليه روحه، وقال له: كم قدر الزمان الذي لبثت ميتًا؟

قال: بقيت يومًا أو بعض يوم، فأخبره بأنه بقي ميتًا مائة عام، وأمره أن ينظر إلى طعامه وشرابه، وكيف حفظهما الله من التغيُّر هذه المدة الطويلة، وأمره أن ينظر إلى حماره كيف أحياه الله بعد أن كان عظامًا متفرقة؟

وقال له: ولنجعلك آية للناس، أي: دلالة ظاهرة على قدرة الله على البعث بعد الموت، وأمره أن ينظر إلى العظام كيف يرفع الله بعضها على بعض، ويصل بعضها ببعض، ثم يكسوها بعد الالتئام لحمًا، ثم يعيد فيها الحياة؟

فلما اتضح له ذلك عِيانًا اعترف بعظمة الله، وأنه على كل شيء قدير، وصار آية للناس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساتق السورة الكريمة قصتين تدلان أبلغ دلالة على قدرة الله - تعالى - وعلى صحة البعث والنشور استمع إلى القرآن استمع إلى القرآن وهو يحكي هاتين القصتين بأسلوبه البليغ فيقول :( أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ .

.

.

)قال الآلوسي ما ملخصه : قوله : ( أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ ) معطوف على سابقه - وهو قوله : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ ) والكاف اسمية بمعنى مثل معمولة لا رأيت محذوفاً .

أي أو أرأيت مثل الذي مر على قرية .

.

وحذف لدلالة ( أَلَمْ تَرَ ) عليه .

وقيل : إن الكاف زائدة والتقدير : ألأم تر إلى الذي حاج إبراهيم أو الذي مر على قرية .

.

وقيل : إن العطف هنا محمول على المعنى كأنه قيل : أرأيت شيئاً عجيباً - كالذي حاج إبراهيم في ربه ، أو كالذي مر على قرية " .والذي ( مَرَّ على قَرْيَةٍ ) قيل هو عزير بن شرخيا ، وقيل حزقيال بن بوزي وقيل غير ذلك ، والقرية قيل المراد بها بيت المقدس وكان قد خربها " بختنصر " البابلي .

.

والقرآن الكريم لم يهتم بتحديد الأشخاص والأماكن لأنه يقصد العبرة وبيان الحال والشأن .

وجملة ( وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ) في موضع الحال من الضمير المستتر في ( مَرَّ ) والواو رابطة بين الجملة الحالية وبين صاحبها والإِتيان بها واجب لخلو الجملة من ضمير يعود على صاحبها وقيل هي حال من قرية ، وسوغ إتيان الحال منها مع كونها نكرة وقوعها بعد الاستفهام المقدر وهو أرأيت ومعنى ( وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ) أن جدرانها ساطقة على سقوفها ، أي أن الخراب قد عمها والدمار قد نزل بها ، فأصبحت خالية من أهلها وفارغة ممن كان يعمرها وأصل الخواء الخلو .

يقال خوت الدار وخربت تخوى خواء إذا سقطت وخلت .والعروش جمع عرش وهو سقف البيت ويسمى العريش ، وكل شيء يهيأ ليظل أو يكنّ فهو عريش وعرش .وقوله - تعالى - : ( قَالَ أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا ) حكاية لما قاله ذلك الذي مر على تلك القرية ورأى فيها ما رأى من مظاهر الخراب والدمار والمعنى : أو أرأيت مثل الذي مر على قرية وهي ساقطة حياطانها على سقوفها ، وفارغة ممن كان يسكنها ، فهاله أمرها ، وراعه شأنها ، وقال على سبيل التعجب كيف يحيى الله هذه القرية بعد موتها ، بأن يعيد إليها العمران بعد الخراب ، ويجعلها عامرة بسكانها الذي خلت منهم .

فقوله : ( قَالَ أنى يُحْيِي هذه ) بمعنى كيف فتكون منصوبة على الحالية من اسم الإِشارة ويجوز أن تكون ( أنى ) هنا بمعنى متى أي : متى يحيى الله هذه القرية بعد موتها فتكون منصوبة على الظرفية .وقال القرطبي : قوله ( قَالَ أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا ) معناه من أي طريق وبأي سبب ، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان ، كما يقال الآن في المدن الخربة يبعد أن تعمر وتسكن أي : أنى تعمر هذه بعد خرابها .

فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته " .وقوله هذا إنما هو تساؤل عن كيفية الإِعادة لا عن أصل الإِعادة لأنه كان مؤمنا بالبعث والنشور ، إلا أنه لما رأى حال القرية على تلك الصورة من الخراب تعجب من قدرة الله على إحيائها ، وتشوق إلى عمارتها واعترف بالعجو عن معرفة طريق الإِحياء .

فماذا كانت نتيجة هذا التساؤل؟

كانت نتيجته كما حكاها القرآن : ( فَأَمَاتَهُ الله مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) .أي : بعد أن قال هذا الذي مر على تلك القرية الخاوية على عروشها ما قال ، ألبثه الله - تعالى - في الموت مائة عام ( ثُمَّ بَعَثَهُ ) أي أحياه ببعث روحه إلى بدنه ( قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ) أي كم مدة من الزمان لبتثها على هذه الحال؟

( قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) .وقال - سبحانه - : ( فَأَمَاتَهُ الله مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ) ولم يقل ثم أحياه ، للدلالة على أنه عاد كهيئته يوم مات عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال وكان ذلك بعد عمارة القرية وللإِشهار بسرعته وسهولة تأتيه على الباري - سبحانه - .قال ابن كثير : كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيى بدنه فلما استقل سوياً قال الله له بواسطة الملك ( كَمْ لَبِثْتَ ) ؟

( قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) وذلك أنه مات أول النهار ثم بعثه الله في آخر النهار فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال : ( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) .وقوله : ( قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ) استئناف مبنى على سؤال كأنه قيل : فماذا قال له بعد بعثه؟فقيل : قال كم لبثت ليظهر له العجز عن الإِحاطة بشئون الله - تعالى - على أتم وجه وتنحسم مادة استبعاده بالمرة .وكم منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف والتقدير كم يوما أو وقتا والناصب لها قوله : ( لَبِثْتُ ) .وفي هذه الجملة الكريمة بيان للناس بأن الموت يشبه النوم ، وأن البعث يشبه اليقظة بعده وأنه لا شيء محال على الله - تعالى - فهو القائل : ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) وفي الحديث الشريف : " والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون ، ولتجزون بالإِحسان إحسانا وبالسوء سوءا ، وإنها لجنة أبدا ، أو لنار أبدا " .وقوله - تعالى - : ( قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ) معطوف على مقدر ، أي : ليس الأمر كما قلت إنك لبثت يوما أو بعض يوم بل إنك لبثت مائة عام ثم أرشده - سبحانه - إلى التأمل في أمور فبها أبلغ دلالة على قدرة الله تعالى وعلى صحة البعث فقال - سبحانه - : ( فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانظر إلى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ) .قوله : ( لَمْ يَتَسَنَّهْ ) أي لم يتغير بمرور السنين الطويلة ولم تذهب طراوته فكأنه لم تمر عليه السنون ولفظ يتسنه : مشتق من السنة ، والهاء فيه أصلية إذا قدر لام سنة هام ، وأصلها سنهة لتصغيرها على سنيهة وجمعها على سنهات كسجدة وسجدات ، ولقولهم : سانهته إذا عاملته سنة فسنة ، وتسنه عند القوم إذا أقام فيهم سنة .

أو الهاء للوقف نحو كتابيه وجزمه بحذف حرف العلة إذا قدر لام سنة واوا ، وأصلها سنوه لتصغيرها على سنية وجمعها على سنوات .وقوله : ( نُنْشِزُهَا ) أي نرفعها .

يقال : أنشز الشيء إذا رفعه من مكانه .

وأصله من النشز - بفتحتين وبالسكون - وهو الكان المرتفع .

وقرئ ( نُنْشِزُهَا ) - بضم النون والراء - أي نحييها من أنشر الله الموتى أي أحياهم .

والمعنى : قال الله - تعالى - لهذا الذي مر على قرية وهي خاوية على غروشها إنك لم تلبث يوما أو بعض يوم في الموت كما تظن بل لبثت مائة عام فإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى طعامك وشرابك لتشاهد أمرا آخر من دلائل قدرتنا فإن هذا الطعام والشراب كما ترى لم يتغير بمرور السنين وكر الأعوام بل بقي على حالته .

وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه ، وتفرقت أوصاله مما يشهد بأنه قد مرت عليه السنوات الطويلة .وقوله : ( وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ) معطوف على محذوف متعلق بفعل مقدر قبله بطريق الاستئناف مقرر لمضمون ما سبق ، والتقدير : فعلنا ما فعلنا لترى وتشاهد بنفسك مظاهر قدرة الله ، ولنجعلك آية معجزة ودليلا على صحة البعث وقوله : ( وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ) أي انظر وتأمل في هذا العظام كيف نركب بعضها في بعض بعد أن نوجدها .وقيل المعنى : وانظر إلى العظام أي عظام حمارك التي تفرقت وتناثرت لتشاهد كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها في جسده .قال ابن كثير : قال السدي وغيره : " تفرقت عظام حماره يمينا وشمالا حوله فنظر إليها وهي تلوح من بياضها ، فبعث الله ريحا فجمعتها من كل موضع ، ثم ربك كل عظم في موضعه ، وذلك كله بمرأى من العزير " .وجاء الضمير في قوله : ( لَمْ يَتَسَنَّهْ ) بالإِفراد مع أن المتقدم طعام وشراب ، لأنهما متلازمان بمعننى أن أحدهما لا يكتفى به عن الآخر فصارا بمنزلة شيء واحد ، فكأنه قال : انظر إلى غذائك .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أي فلما تبين له بالأدلة الناصعة ، وبالمشاهدة الحسية قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة ، وعلى البعث والنشور قال أعلم أي أستيقن وأومن وأعتقد أن الله - تعالى - على كل شيء قدير ، وأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء .والفاء في قوله : ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ .

.

.

) عاطفة على مقدر يستدعيه المقام فكأنه قيل : رفع الله العظام من أماكنها وأكساها لحما فلما تبين له ذلك ، وتيقنه قال أعلم أن الله على كل شيء قدير .

وفاعل ( تَبَيَّنَ ) مضمر يفسره سياق الكلام والتقدير : فلما تبين له كيفية الإِحياء أو فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر إحياء الموتى قال أعلم أن الله على كل شيء قدير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الاولى: اعلم إنه تعالى ذكر هاهنا قِصَصًا ثَلَاثَةً: الْأُولَى: مِنْهَا فِي بَيَانِ إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ، وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ: فِي إِثْبَاتِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْبَعْثِ، وَالْقِصَّةُ الْأُولَى مُنَاظَرَةُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَلِكِ زَمَانِهِ وَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ فَهِيَ كَلِمَةٌ يُوقَفُ بِهَا الْمُخَاطَبُ عَلَى تَعَجُّبٍ مِنْهَا، وَلَفْظُهَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ كَمَا يُقَالُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى فُلَانٍ كَيْفَ يَصْنَعُ، مَعْنَاهُ: هَلْ رَأَيْتَ كَفُلَانٍ فِي صُنْعِهِ كَذَا.

أَمَّا قَوْلُهُ: إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ/ تَجَبَّرَ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمُحَاجَّةِ قِيلَ: إِنَّهُ عِنْدَ كَسْرِ الْأَصْنَامِ قَبْلَ الْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ عَنْ مُقَاتِلٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، وَالْمُحَاجَّةُ الْمُغَالَبَةُ، يُقَالُ: حَاجَجْتُهُ فَحَجَجْتُهُ، أَيْ غَالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِي رَبِّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الطَّاعِنِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، كَمَا قَالَ: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ [الْأَنْعَامِ: 80] وَالْمَعْنَى وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ فِي رَبِّهِ.

أَمَّا قَوْلُهُ: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ قَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْهَاءَ فِي آتَاهُ عَائِدٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَى إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُلْكَ، وَاحْتَجُّوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النِّسَاءِ: 54] أَيْ سُلْطَانًا بِالنُّبُوَّةِ، وَالْقِيَامِ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي: أنه تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْتِيَ الْمُلْكَ الْكُفَّارَ، وَيَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ وَاجِبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورِينَ إِلَى هَذَا الضَّمِيرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَيْهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى ذَلِكَ الْإِنْسَانِ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ.

وَأَجَابُوا عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمُلْكِ لِآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى حُصُولِ الْمُلْكِ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَعَنِ الْحُجَّةِ الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التَّمَكُّنُ وَالْقُدْرَةُ وَالْبَسْطَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالْحِسُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ يُعْطِي الْكَافِرَ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَيْضًا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى أَعْطَاهُ الْمُلْكَ حَالَ مَا كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى.

وَعَنِ الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ الْمَذْكُورِينَ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةَ وَارِدَةٌ بِأَنَّ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ هُوَ الْمَلِكَ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، ثُمَّ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَاتٍ ثَلَاثَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا قُلْنَا: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْمُلْكِ لَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَحَدُ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ لِأَجْلِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ إِيتَاءَ الْمُلْكِ أَبْطَرَهُ وَأَوْرَثَهُ الْكِبَرَ وَالْعُتُوَّ فَحَاجَّ لِذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْمَلِكِ الْعَاتِي، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَ مُحَاجَّتَهُ فِي رَبِّهِ شُكْرًا عَلَى أَنْ آتَاهُ رَبُّهُ الْمُلْكَ، كَمَا يُقَالُ: عَادَانِي فُلَانٌ لِأَنِّي أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ عَكَسَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُوَالَاةِ لِأَجْلِ الْإِحْسَانِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَةِ: 82] وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَيْضًا لَا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِظْهَارُ الْمُحَاجَّةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمُلْكِ وَبَعْدَهُ أَمَّا الْمَلِكُ الْعَاتِي فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ إِظْهَارُ هَذَا الْعُتُوِّ الشَّدِيدِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَحْصُلَ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لِقَوْلِهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ مَعْنًى وَتَأْوِيلٌ إِلَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمَلِكِ الْعَاتِي.

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ كَمَالِ حَالِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَمَتَى كَانَ الْكَافِرُ سُلْطَانًا مَهِيبًا، وَإِبْرَاهِيمُ مَا كَانَ مَلِكًا، كَانَ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمَّ مِمَّا إِذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ مَلِكًا، وَلَمَّا كَانَ الْكَافِرُ مَلِكًا، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا.

الْحُجَّةُ الثانية: مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ، وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ هُوَ الْمَلِكَ لَمَا قَدَرَ الْكَافِرُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ وَيَسْتَبْقِيَ الْآخَرَ، بَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْنَعُهُ مِنْهُ أَشَدَّ مَنْعٍ، بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالْمَلْجَأِ إِلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي هَذَا الِاسْتِدْلَالُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَلِكًا وَسُلْطَانًا فِي الدِّينِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ، وَذَلِكَ الْكَافِرُ كَانَ مَلِكًا مُسَلَّطًا قَادِرًا عَلَى الظُّلْمِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ أَمْكَنَهُ قَتْلُ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَأَيْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا قَتَلَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ قَوْدًا، وَكَانَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ، وَاسْتَبْقَى الْآخَرَ، إِمَّا لِأَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ أَوْ بَذَلَ الدِّيَةَ وَاسْتَبْقَاهُ.

وَأَيْضًا قَوْلُهُ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ خبر ووعد، ولا دليلي فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ سَابِقٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بُعِثُوا لِلدَّعْوَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى الرِّسَالَةَ، فَإِنَّ الْمُنْكِرَ يُطَالِبُهُ بِإِثْبَاتِ أَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا، أَلَا تَرَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السلام لما قال: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الزخرف: 46] قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [الشُّعَرَاءِ: 23] فَاحْتَجَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى إِثْبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فكذا هاهنا الظَّاهِرُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ادَّعَى الرِّسَالَةَ، فَقَالَ نَمْرُوذُ: مَنْ رَبُّكَ؟

فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ حُذِفَتْ، لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ تَدُلُّ عَلَيْهَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: دَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِوَاسِطَةِ أَفْعَالِهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْقَادِرِينَ، وَالْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْهُمَا، وَالْعِلْمُ بَعْدَ الِاخْتِيَارِ ضَرُورِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُؤَثِّرٍ آخَرَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الْقَادِرِينَ الَّذِينَ تَرَاهُمْ، وَذَلِكَ الْمُؤَثِّرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجَبًا أَوْ مُخْتَارًا، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ دَوَامِهِ دَوَامُ الْأَثَرِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَتَبَدَّلَ الْإِحْيَاءُ بِالْإِمَاتَةِ، وَأَنْ لَا تَتَبَدَّلَ الْإِمَاتَةُ بِالْإِحْيَاءِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّا نَرَى فِي الْحَيَوَانِ أَعْضَاءً مُخْتَلِفَةً فِي الشَّكْلِ وَالصِّفَةِ وَالطَّبِيعَةِ وَالْخَاصِّيَّةِ، وَتَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنْ وُجُودٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ عَلَى سَبِيلِ الْقُدْرَةِ، وَالِاخْتِيَارِ فِي إِحْيَاءِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ وَفِي إِمَاتَتِهَا، وَذَلِكَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ دَلِيلٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مَوَاضِعَ فِي كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ/ طِينٍ [الْمُؤْمِنُونَ: 12] إِلَى آخِرِهِ، وَقَوْلِهِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [التِّينِ: 4، 5] وَقَالَ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: 2] .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ فِي آيَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28] وَقَالَ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: 2] وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي ثَنَائِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشُّعَرَاءِ: 81] فَلِأَيِّ سَبَبٍ قُدِّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ الْحَيَاةِ عَلَى الْمَوْتِ، حَيْثُ قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.

وَالْجَوَابُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ الدَّلِيلِ إِذَا كَانَ هُوَ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَجَائِبَ الْخِلْقَةِ حَالَ الْحَيَاةِ أَكْثَرُ، وَاطِّلَاعَ الْإِنْسَانِ عَلَيْهَا أَتَمُّ، فَلَا جَرَمَ وَجَبَ تقديم الحياة هاهنا فِي الذِّكْرِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: يُرْوَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا احْتَجَّ بِتِلْكَ الْحُجَّةِ، دَعَا ذَلِكَ الْمَلِكُ الْكَافِرُ شَخْصَيْنِ، وَقَتَلَ أَحَدَهُمَا، وَاسْتَبْقَى الْآخَرَ، وَقَالَ: أَنَا أَيْضًا أُحْيِي وَأُمِيتُ، هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ فِي التَّفْسِيرِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ شَرَحَ حَقِيقَةَ الْإِحْيَاءِ وَحَقِيقَةَ الْإِمَاتَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْنَاهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَمَتَى شرحه على ذلك الوجه الممتنع أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَى الْعَاقِلِ الْإِمَاتَةُ وَالْإِحْيَاءُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بِالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءُ بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَتَرْكِهِ، وَيَبْعُدُ فِي الْجَمْعِ الْعَظِيمِ أَنْ يَكُونُوا فِي الْحَمَاقَةِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُونَ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْفَرْقِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا احْتَجَّ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ قَالَ الْمُنْكِرُ، تَدَّعِي الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ مِنَ اللَّهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ، أَوْ تَدَّعِي صُدُورَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ بِوَاسِطَةِ سَائِرِ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّ الْجِمَاعَ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْوَلَدِ الْحَيِّ بِوَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالسَّمَاوِيَّةِ، وَتَنَاوُلُ السُّمِّ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ، فَلَمَّا ذَكَرَ نَمْرُوذُ هَذَا السُّؤَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَجَابَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ قَالَ: هَبْ أَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ حَصَلَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الِاتِّصَالَاتِ الْفَلَكِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِتِلْكَ الِاتِّصَالَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ مِنْ فَاعِلٍ مُدَبِّرٍ، فَإِذَا كَانَ الْمُدَبِّرُ لِتِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ الْحَاصِلَانِ بِوَاسِطَةِ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ الصَّادِرَانِ عَلَى الْبَشَرِ بِوَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْفَلَكِيَّةِ وَالْعُنْصُرِيَّةِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلَى الِاتِّصَالَاتِ الْفَلَكِيَّةِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ.

وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ لَيْسَ دَلِيلًا آخَرَ، بَلْ تَمَامُ الدَّلِيلِ/ الْأَوَّلِ: وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ مِنَ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ، إِلَّا أَنَّ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ مِنَ اللَّهِ فَكَانَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْبَشَرُ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَدَرَ مِنْهُ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ بِوَاسِطَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ إِلَّا أَنَّ الْأَسْبَابَ لَيْسَتْ وَاقِعَةً بِقُدْرَتِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ الصَّادِرَيْنِ عَنِ الْبَشَرِ لَيْسَتْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَقْضًا عَلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ فِي كَيْفِيَّةِ جَرَيَانِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ، لَا مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى إِسْقَاطِ أَلِفِ أَنَا فِي الْوَصْلِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مِنْ إِثْبَاتِهِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ الْهَمْزَةِ، وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ ضَمِيرَ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ (أَنَ) وَهُوَ الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ، فَأَمَّا الْأَلِفُ فَإِنَّمَا تَلْحَقُهَا فِي الْوَقْفِ كَمَا تَلْحَقُ الْهَاءَ فِي سُكُوتِهِ لِلْوَقْفِ، وَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الْهَاءَ تَسْقُطُ عِنْدَ الْوَصْلِ، فَكَذَا هَذِهِ الْأَلِفُ تَسْقُطُ عِنْدَ الْوَصْلِ، لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَمْزَةَ الْوَصْلِ إِذَا اتَّصَلَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ فِيهَا بِشَيْءٍ سَقَطَتْ وَلَمْ تَثْبُتْ، لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى النُّطْقِ بِمَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ فَلَا تَثْبُتُ الْهَمْزَةُ فَكَذَا الْأَلِفُ فِي أَنَا وَالْهَاءُ الَّتِي فِي الْوَقْفِ يَجِبُ سُقُوطُهَا عِنْدَ الْوَصْلِ كَمَا يَجِبُ سُقُوطُ الْهَمْزَةِ عِنْدَ الْوَصْلِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي هذه الْمَقَامِ طَرِيقَيْنِ الْأَوَّلُ: وَهُوَ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى مِنْ نَمْرُوذَ أَنَّهُ أَلْقَى تِلْكَ الشُّبْهَةَ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ أَوْضَحَ مِنْهُ، فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَزَعَمَ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ أَوْضَحَ مِنْهُ جَائِزٌ لِلْمُسْتَدِلِّ.

فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا قَالَ نَمْرُوذُ: فَلْيَأْتِ رَبُّكَ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ؟.

قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْمُحَاجَّةَ كَانَتْ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ وَخُرُوجِهِ مِنْهَا سَالِمًا، فَعَلِمَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى حِفْظِ إِبْرَاهِيمَ فِي تِلْكَ النَّارِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الِاحْتِرَاقِ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ خَذَلَهُ وَأَنْسَاهُ إِيرَادَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ: أَنَّ هَذَا مَا كَانَ انْتِقَالًا مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ بَلِ الدَّلِيلُ وَاحِدٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ أَنَّا نَرَى حُدُوثَ أَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى إِحْدَاثِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ قَادِرٍ آخَرَ يَتَوَلَّى إِحْدَاثَهَا وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَنَا: نَرَى حُدُوثَ أَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى إِحْدَاثِهَا لَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: الْإِحْيَاءُ، وَالْإِمَاتَةُ، وَمِنْهَا السَّحَابُ، وَالرَّعْدُ، وَالْبَرْقُ، وَمِنْهَا حَرَكَاتُ/ الْأَفْلَاكِ، وَالْكَوَاكِبِ، وَالْمُسْتَدِلُّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، لَكِنْ إِذَا ذَكَرَ لِإِيضَاحِ كَلَامٍ مِثَالًا فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ ذَلِكَ الْمِثَالِ إِلَى مِثَالٍ آخَرَ، فَكَانَ مَا فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بَابِ مَا يَكُونُ الدَّلِيلُ وَاحِدًا إِلَّا أَنَّهُ يَقَعُ الِانْتِقَالُ عِنْدَ إِيضَاحِهِ مِنْ مِثَالٍ إِلَى مِثَالٍ آخَرَ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ مَا يَقَعُ الِانْتِقَالُ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَحْسَنُ مِنَ الْأَوَّلِ وَأَلْيَقُ بِكَلَامِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ مِنْهُ، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِمَا مِنْ وُجُوهٍ: الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ صَاحِبَ الشُّبْهَةِ إِذَا ذَكَرَ الشُّبْهَةَ، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ فِي الْأَسْمَاعِ، وَجَبَ عَلَى الْمُحِقِّ الْقَادِرِ عَلَى الْجَوَابِ أَنْ يَذْكُرَ الْجَوَابَ فِي الْحَالِ إِزَالَةً لِذَلِكَ التَّلْبِيسِ وَالْجَهْلِ عَنِ الْعُقُولِ، فَلَمَّا طَعَنَ الْمَلِكُ الْكَافِرُ فِي الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ، أَوْ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِإِزَالَةِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ وَاجِبًا مُضَيِّقًا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْمَعْصُومِ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الْوَاجِبَ.

وَالْإِشْكَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا أَوْرَدَ الْمُبْطِلُ ذَلِكَ السُّؤَالَ، فَإِذَا تَرَكَ الْمُحِقُّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ وَانْتَقَلَ إِلَى كَلَامٍ آخَرَ، أَوْهَمَ أَنَّ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ كَانَ ضَعِيفًا سَاقِطًا، وَأَنَّهُ مَا كَانَ عَالِمًا بِضَعْفِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُبْطِلَ عَلِمَ وَجْهَ ضَعْفِهِ وكونه ساقطاً، وأنه كأنه عَالِمًا بِضَعْفِهِ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا رُبَّمَا يُوجِبُ سُقُوطَ وَقْعِ الرَّسُولِ وَحَقَارَةَ شَأْنِهِ وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ.

وَالْإِشْكَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الِانْتِقَالَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ، أَوْ مِنْ مِثَالٍ إِلَى مِثَالٍ، لَكِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب، وهاهنا لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ جِنْسَ الْإِحْيَاءِ لَا قُدْرَةَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا جِنْسُ تَحْرِيكِ الْأَجْسَامِ، فَلِلْخَلْقِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَبْعُدُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُ مَلِكٍ عَظِيمٍ فِي الْجُثَّةِ أَعْظَمُ مِنَ السموات، وأنه هو الذي يكون محركاً للسموات، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الِاسْتِدْلَالُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ أَظْهَرُ وَأَقْوَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ الْمَعْصُومِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الدَّلِيلِ الْأَوْضَحِ الْأَظْهَرِ إِلَى الدَّلِيلِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَوِيًّا.

وَالْإِشْكَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ دَلَالَةَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّا نَرَى فِي ذَاتِ الْإِنْسَانِ وَصِفَاتِهِ تَبْدِيلَاتٍ وَاخْتِلَافَاتٍ وَالتَّبَدُّلُ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَاجَةِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ الْقَادِرِ، أَمَّا الشَّمْسُ فَلَا نَرَى فِي ذَاتِهَا تَبَدُّلًا، وَلَا فِي صِفَاتِهَا تَبَدُّلًا، وَلَا فِي مَنْهَجِ حَرَكَاتِهَا تَبَدُّلًا الْبَتَّةَ، فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى الصَّانِعِ أَقْوَى، فَكَانَ الْعُدُولُ مِنْهُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ انْتِقَالًا مِنَ الْأَقْوَى الْأَجْلَى إِلَى الْأَخْفَى الْأَضْعَفِ، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

الْإِشْكَالُ الْخَامِسُ: أَنْ نَمْرُوذَ لَمَّا لَمْ يَسْتَحِ مِنْ مُعَارَضَةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ الصَّادِرَيْنِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَتْلِ وَالتَّخْلِيَةِ، فَكَيْفَ يُؤْمَنُ مِنْهُ عِنْدَ اسْتِدْلَالِ إِبْرَاهِيمَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَنْ يَقُولَ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنِّي فَإِنْ كَانَ لَكَ إِلَهٌ فَقُلْ لَهُ حَتَّى يُطْلِعَهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ الْتَزَمَ الْمُحَقِّقُونَ/ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَوْ أَوْرَدَ هَذَا السُّؤَالَ لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِإِظْهَارِ فَسَادِ سُؤَالِهِ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ أَسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْتِزَامِ إِطْلَاعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَحْصُلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ هُوَ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَلَا يَكُونُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ دَلِيلُهُ الثَّانِي ضَائِعًا كَمَا صَارَ دَلِيلَهُ الْأَوَّلُ ضَائِعًا، وَأَيْضًا فَمَا الدَّلِيلُ الَّذِي حَمَلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَنْ تَرَكَ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ الرَّكِيكِ وَالْتَزَمَ الِانْقِطَاعَ، وَاعْتَرَفَ بِالْحَاجَةِ إِلَى الِانْتِقَالِ إِلَى تَمَسُّكٍ بِدَلِيلٍ لَا يُمْكِنُهُ تَمْشِيَتُهُ إِلَّا بِالْتِزَامِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَأْتِيَ بِإِطْلَاعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَضِيعُ دَلِيلُهُ الثَّانِي كَمَا ضَاعَ الْأَوَّلُ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْتِزَامَ هَذِهِ الْمَحْذُورَاتِ لَا يَلِيقُ بِأَقَلِّ النَّاسِ عِلْمًا فَضْلًا عَنْ أَفْضَلِ الْعُقَلَاءِ وَأَعْلَمِ الْعُلَمَاءِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ الَّذِي أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَيْهِ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ، لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا احْتَجَّ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ أَوْرَدَ الْخَصْمُ عَلَيْهِ سُؤَالًا لَا يَلِيقُ بِالْعُقَلَاءِ، وَهُوَ أَنَّكَ إِذَا ادَّعَيْتَ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ لَا بِوَاسِطَةٍ، فَذَلِكَ لَا تَجِدُ إِلَى إِثْبَاتِهِ سَبِيلًا، وَإِنِ ادَّعَيْتَ حُصُولَهُمَا بِوَاسِطَةِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ فَنَظِيرُهُ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ حَاصِلٌ لِلْبَشَرِ، فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ وَإِنْ حَصَلَا بِوَاسِطَةِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى تَحْرِيكَاتِ الْأَفْلَاكِ فَلَا جَرَمَ لَا يَكُونُ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ صَادِرَيْنِ مِنْهُمْ، وَمَتَى حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْمَحْذُورَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَازِمًا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فَالْمَعْنَى: فَبَقِيَ مَغْلُوبًا لا يجد مقالًا، ولا للمسألة جوابه، وَهُوَ كَقَوْلِهِ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها [الْأَنْبِيَاءِ: 40] قَالَ الْوَاحِدِيُّ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: بُهِتَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَبْهُوتٌ، وَبَهَتَ وَبَهِتَ، قَالَ عُرْوَةُ الْعُذْرِيُّ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أُرَاهَا فُجَاءَةً ...

فَأُبْهَتُ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ أَيْ أَتَحَيَّرُ وَأَسْكُتُ.

ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِنَا ظَاهِرٌ، أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ لِظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ لِلْحِجَاجِ وَلِلْحَقِّ كَمَا يَهْدِي الْمُؤْمِنَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْكَافِرِ مِنْ أَنْ يَعْجِزَ وَيَنْقَطِعَ.

وَأَقُولُ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَهْدِيهِمْ لِلْحِجَاجِ، إِنَّمَا يَصِحُّ حَيْثُ يَكُونُ الْحِجَاجُ مَوْجُودًا وَلَا حِجَاجَ عَلَى الْكُفْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَهْدِيهِ إِلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْهَا/ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ لِزِيَادَاتِ الْأَلْطَافِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ بِالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ سَدُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الِانْتِفَاعِ بِهِ.

وَأَقُولُ: هَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ إِذَا كَانَتْ فِي حَقِّهِمْ مُمْتَنِعَةً عَقْلًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِيهِمْ، كَمَا لَا يُقَالُ: إِنَّهُ تَعَالَى يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ.

وَأَقُولُ: هَذَا أيضاً ضعيف، لأن المذكور هاهنا أَمْرُ الِاسْتِدْلَالِ وَتَحْصِيلُ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَجْرِ لِلْجَنَّةِ ذِكْرٌ، فَيَبْعُدُ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَى الْجَنَّةِ، بَلْ أَقُولُ: اللَّائِقُ بِسِيَاقِ الْآيَةِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الدَّلِيلَ كَانَ قَدْ بَلَغَ فِي الظُّهُورِ وَالْحُجَّةِ إِلَى حَيْثُ صَارَ الْمُبْطِلُ كَالْمَبْهُوتِ عِنْدَ سَمَاعِهِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الِاهْتِدَاءَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الظَّاهِرُ، وَنَظِيرُ هَذَا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الْأَنْعَامِ: 111] .

الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ: وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا إِثْبَاتُ الْمَعَادِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي إِدْخَالِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ أَوْ كَالَّذِي وَذَكَرُوا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [البقرة: 258] فِي مَعْنَى (أَلَمْ تَرَ كَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ) وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَرَأَيْتَ كَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، فَيَكُونُ هَذَا عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَأَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: وَنَظِيرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 84، 85] ثُمَّ قَالَ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 85، 86] فَهَذَا عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ معناه: لمن السموات؟

فَقِيلَ لِلَّهِ.

قَالَ الشَّاعِرُ: مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ...

فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى وَتَرْكِ اللَّفْظِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَخْفَشِ: أَنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ وَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُبَرِّدِ: أَنَّا نُضْمِرُ فِي الْآيَةِ زِيَادَةً، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، وَأَلَمْ تَرَ إِلَى مَنْ كَانَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي مَرَّ بِالْقَرْيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ رَجُلًا كَافِرًا شَاكًّا فِي الْبَعْثِ/ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: إِنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَاكُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ عُزَيْرٌ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ أَرْمِيَاءُ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَرْمِيَاءَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عند ما خَرَّبَ بُخْتَنَصَّرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَحْرَقَ التَّوْرَاةَ، حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَارَّ كَانَ كَافِرًا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وَهَذَا كَلَامُ مَنْ يَسْتَبْعِدُ مِنَ اللَّهِ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَذَلِكَ كُفْرٌ.

فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ.

قُلْنَا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تعالى أن يعجب رسوله منه إذا الصَّبِيُّ لَا يُتَعَجَّبُ مِنْ شَكِّهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِبْعَادَ مَا كَانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، بَلْ كَانَ بِسَبَبِ اطِّرَادِ الْعَادَاتِ فِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْخَرَابِ قَلَّمَا يُصَيِّرُهُ اللَّهُ مَعْمُورًا وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يُشِيرُ إِلَى جَبَلٍ، فَيَقُولُ: مَتَى يَقْلِبُهُ اللَّهُ ذَهَبًا، أَوْ يَاقُوتًا، لَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْهُ الشَّكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ وَلَا يَحْصُلُ في مطرد العادات، فكذا هاهنا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّهِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّبَيُّنُ حَاصِلًا لَهُ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّ تَبَيُّنَ الْإِحْيَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاهَدَةِ مَا كَانَ حَاصِلًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ مَا كَانَ حَاصِلًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهَذَا يَدُلُّ على أن هذا العالم إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ كَانَ خَالِيًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُشَاهَدَةَ لَا شَكَّ أَنَّهَا أَفَادَتْ نَوْعَ تَوْكِيدٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَوُثُوقٍ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنَ التَّأْكِيدِ إِنَّمَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ مَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْمَارَّ كَانَ كَافِرًا لِانْتِظَامِهِ مَعَ نَمْرُوذَ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ قِصَّةَ نَمْرُوذَ، وَلَكِنَّ بَعْدَهُ قِصَّةَ سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مِنْ جِنْسِ إِبْرَاهِيمَ.

وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا وَكَانَ نَبِيًّا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِاللَّهِ، وَعَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ تَعَالَى يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْيَاءُ فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ تَخْصِيصَ هَذَا الشَّيْءِ بِاسْتِبْعَادِ الْإِحْيَاءِ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ حَصَلَ الِاعْتِرَافُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِحْيَاءِ فِي الْجُمْلَةِ فَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِحْيَاءِ مُمْتَنِعَةٌ لَمْ يُبْقِ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةً.

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ كَمْ لَبِثْتَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَائِلٍ وَالْمَذْكُورُ السَّابِقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَصَارَ التَّقْدِيرُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَمْ لَبِثْتَ فَقَالَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى جَعْلِهِ آيَةً لِلنَّاسِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها، ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً وَلَا شَكَّ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ هَذَا الْكَافِرِ.

فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ تَعَالَى بَعْثَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَوْ مَلَكًا حَتَّى قَالَ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.

قُلْنَا: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَعَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ إِلَى الْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ غَيْرُ جَائِزٍ.

وَالْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ إِعَادَتَهُ حَيًّا وَإِبْقَاءَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى حَالِهِمَا، وَإِعَادَةَ الحمار حياً بعد ما صَارَ رَمِيمًا مَعَ كَوْنِهِ مُشَاهِدًا لِإِعَادَةِ أَجْزَاءِ الْحِمَارِ إِلَى التَّرْكِيبِ وَإِلَى الْحَيَاةِ إِكْرَامٌ عَظِيمٌ وَتَشْرِيفٌ كَرِيمٌ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْكَافِرِ لَهُ.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِنَّمَا أَدْخَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوُجُودِ إِكْرَامًا لِإِنْسَانٍ آخَرَ كَانَ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.

قُلْنَا: لَمْ يَجْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ هَذَا النَّبِيِّ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَالَةٌ مُشْعِرَةٌ بِوُجُودِ النَّبِيِّ أَصْلًا فَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ إِظْهَارِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِكْرَامَ ذَلِكَ النَّبِيِّ وَتَأْيِيدَ رِسَالَتِهِ بِالْمُعْجِزَةِ لَكَانَ تَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ الرَّسُولِ إِهْمَالًا لِمَا هُوَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْكَلَامِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مِنْ قَبْلِ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ أَوْ بَعْدَهُمَا، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّ إِرْسَالَ النَّبِيِّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ، وَإِنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ فَالْمُعْجِزُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الدَّعْوَى، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٌ.

قُلْنَا: إِظْهَارُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَلَى يَدِ مَنْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَصِيرُ رَسُولًا جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ زَالَ السُّؤَالُ.

الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَهَذَا اللَّفْظُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 91] فَكَانَ هَذَا وَعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ نَبِيًّا، وَأَيْضًا فَهَذَا الْكَلَامُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى النُّبُوَّةِ بِصَرِيحِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُفِيدُ التَّشْرِيفَ الْعَظِيمَ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَعَلَى الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ جَعْلِهِ آيَةً أَنَّ مَنْ عَرَفَهُ مِنَ النَّاسِ شَابًّا كَامِلًا إِذَا شَاهَدُوهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ عَلَى شَبَابِهِ وَقَدْ شَاخُوا أَوْ هَرِمُوا، أَوْ سَمِعُوا بِالْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ مَاتَ مُنْذُ زَمَانٍ/ وَقَدْ عَادَ شَابًّا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لِأَجْلِ ذَلِكَ إِنَّهُ آيَةٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ وَيَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُبُوَّةَ نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ.

وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُهُ آيَةً، وَهَذَا الْإِخْبَارُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ أَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ، وَتَكَلَّمَ مَعَهُ، وَالْمَجْعُولُ لَا يُجْعَلُ ثَانِيًا، فَوَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ عَنْ هَذَا الْإِحْيَاءِ، وَأَنْتُمْ تَحْمِلُونَهُ عَلَى نَفْسِ هَذَا الْإِحْيَاءِ فَكَانَ بَاطِلًا والثاني: أنه وَجْهَ التَّمَسُّكِ أَنَّ قَوْلَهُ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ يَدُلُّ عَلَى التَّشْرِيفِ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَالشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ قَالَ: إِنَّ بُخْتَنَصَّرَ غَزَا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون، وَمِنْهُمْ عُزَيْرٌ وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَجَاءَ بِهِمْ إلى بابل، فدخل عزيز يَوْمًا تِلْكَ الْقَرْيَةَ وَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ، فَرَبَطَ حِمَارَهُ وَطَافَ فِي الْقَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا أَحَدًا فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ فِي الْقُدْرَةِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِبْعَادِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَكَانَتِ الْأَشْجَارُ مُثْمِرَةً، فَتَنَاوَلَ مِنَ الْفَاكِهَةِ التِّينَ وَالْعِنَبَ، وَشَرِبَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَامَ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَنَامِهِ مِائَةَ عَامٍ وَهُوَ شَابٌّ، ثُمَّ أَعْمَى عَنْ مَوْتِهِ أَيْضًا الْإِنْسَ وَالسِّبَاعَ وَالطَّيْرَ، ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ الْمِائَةِ وَنُودِيَ من السماء: يا عزيز كَمْ لَبِثْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ يَوْماً فَأَبْصَرَ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةً فَقَالَ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ مِنَ التِّينِ وَالْعِنَبِ وَشَرَابِكَ مِنَ الْعَصِيرِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُمَا، فَنَظَرَ فَإِذَا التِّينُ وَالْعِنَبُ كَمَا شَاهَدَهُمَا ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ بِيضٌ تَلُوحُ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُ وَسَمِعَ صَوْتًا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إِنِّي جَاعِلٌ فِيكِ رُوحًا فَانْضَمَّ أَجْزَاءُ الْعِظَامِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ الْتَصَقَ كُلُّ عُضْوٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ الضِّلْعُ إِلَى الضِّلْعِ وَالذِّرَاعُ إِلَى مَكَانِهِ ثُمَّ جَاءَ الرَّأْسُ إِلَى مَكَانِهِ ثُمَّ الْعَصَبُ وَالْعُرُوقُ ثُمَّ أَنْبَتَ طَرَاءُ اللَّحْمِ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْبَسَطَ الْجِلْدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الشُّعُورُ عَنِ الْجِلْدِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْهَقُ فَخَرَّ عُزَيْرٌ سَاجِدًا، وَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَالَ الْقَوْمُ: حَدَّثَنَا آبَاؤُنَا أَنَّ عُزَيْرَ بْنَ شَرْخَيَاءَ مَاتَ بِبَابِلَ، وَقَدْ كَانَ بُخْتَنَصَّرُ قَتَلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِمَّنْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَكَانَ فِيهِمْ عُزَيْرٌ، وَالْقَوْمُ مَا عَرَفُوا أَنَّهُ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ جَدَّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ وَأَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لَمْ يَخْرِمْ مِنْهَا حَرْفًا، وَكَانَتِ التَّوْرَاةُ قَدْ دُفِنَتْ فِي مَوْضِعٍ فَأُخْرِجَتْ وَعُورِضَ بِمَا أَمْلَاهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ، فَعِنْدَ ذلك قالوا: عزيز ابْنُ اللَّهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَشْهُورَةٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَارَّ كَانَ نَبِيًّا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَقَالَ وَهْبٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ: إِيلِيَاءُ وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا الْأُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ.

/ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: خَوَى الْبَيْتُ فَهُوَ يَخْوِي خَوَاءً ممدود إِذَا مَا خَلَا مِنْ أَهْلِهِ، وَالْخَوَا: خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى» أَيْ خَلَّى مَا بَيْنَ عَضُدَيْهِ وَجَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ وَفَخْذَيْهِ، وَخَوَّى الْفَرَسُ مَا بَيْنَ قَوَائِمِهِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْبَيْتِ إِذَا انْهَدَمَ: خَوَى لِأَنَّهُ بِتَهَدُّمِهِ يَخْلُو مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ: خَوَتِ النُّجُومُ وَأَخْوَتْ إِذَا سَقَطَتْ وَلَمْ تُمْطِرْ لِأَنَّهَا خَلَتْ عَنِ الْمَطَرِ، وَالْعَرْشُ سَقْفُ الْبَيْتِ، وَالْعُرُوشُ الْأَبْنِيَةُ، وَالسُّقُوفُ مِنَ الْخَشَبِ يُقَالُ: عَرَشَ الرَّجُلُ يَعْرِشُ وَيَعْرُشُ إِذَا بَنَى وَسَقَّفَ بِخَشَبٍ، فَقَوْلُهُ: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أَيْ مُنْهَدِمَةٌ سَاقِطَةٌ خَرَابٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ حِيطَانَهَا كَانَتْ قَائِمَةً وَقَدْ تَهَدَّمَتْ سُقُوفُهَا، ثُمَّ انْقَعَرَتِ الْحِيطَانُ مِنْ قَوَاعِدِهَا فَتَسَاقَطَتْ عَلَى السُّقُوفِ الْمُنْهَدِمَةِ، وَمَعْنَى الْخَاوِيَةِ الْمُنْقَلِعَةِ وَهِيَ الْمُنْقَلِعَةُ مِنْ أُصُولِهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الْحَاقَّةِ: 7] وَمَوْضِعٌ آخَرُ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [الْقَمَرِ: 20] وَهَذِهِ الصِّفَةُ فِي خَرَابِ الْمَنَازِلِ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُوصَفُ بِهِ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أَيْ خَاوِيَةٌ عَنْ عُرُوشِهَا، جَعَلَ (عَلَى) بِمَعْنَى (عَنْ) كَقَوْلِهِ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ [الْمُطَفِّفِينَ: 2] أَيْ عَنْهُمْ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقَرْيَةَ خَاوِيَةٌ مَعَ كَوْنِ أَشْجَارِهَا مَعْرُوشَةً فَكَانَ التَّعَجُّبُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْقَرْيَةِ الْخَالِيَةِ الْخَاوِيَةِ أَنْ يَبْطُلَ مَا فِيهَا مِنْ عُرُوشِ الْفَاكِهَةِ، فَلَمَّا خَرِبَتِ الْقَرْيَةُ مَعَ بَقَاءِ عُرُوشِهَا كَانَ التَّعَجُّبُ أَكْثَرَ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ قَالَ: الْمَارُّ كَانَ كَافِرًا حَمَلَهُ عَلَى الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ قَالَ كَانَ نَبِيًّا حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِبْعَادِ بِحَسَبِ مَجَارِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ طَلَبَ زِيَادَةِ الدَّلَائِلِ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 260] وَقَوْلُهُ أَنَّى أَيْ مِنْ أَيْنَ كَقَوْلِهِ أَنَّى لَكِ هَذَا [آلِ عِمْرَانَ: 37] وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ عِمَارَتُهَا، أَيْ مَتَى يَفْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يُرِيَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفِي إِحْيَاءِ الْقَرْيَةِ آيَةً فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقِصَّةَ.

فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَائِدَةُ فِي إِمَاتَةِ اللَّهِ لَهُ مِائَةَ عَامٍ، مَعَ أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بَعْضِ يَوْمٍ حَاصِلٌ.

قُلْنَا: لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ تَرَاخِي الْمُدَّةِ أَبْعَدُ فِي الْعُقُولِ مِنَ الْإِحْيَاءِ بَعْدَ قُرْبِ الْمُدَّةِ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّ بَعْدَ تَرَاخِي الْمُدَّةِ مَا يُشَاهَدُ مِنْهُ، وَيُشَاهِدُ هُوَ مِنْ غيره أعجب.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعَثَهُ فَالْمَعْنَى: ثُمَّ أَحْيَاهُ، وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يُسَمَّى يَوْمَ الْبَعْثِ لِأَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأَصْلُهُ مِنْ بَعَثْتُ النَّاقَةَ إِذَا أَقَمْتُهَا مِنْ مَكَانِهَا، وَإِنَّمَا قَالَ ثُمَّ بَعَثَهُ وَلَمْ يَقُلْ: ثُمَّ أَحْيَاهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ بَعَثَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَادَ كَمَا كَانَ أَوَّلًا حَيًّا عَاقِلًا فَهِمًا مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: ثُمَّ أَحْيَاهُ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الْفَوَائِدُ.

/ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ كَمْ لَبِثْتَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِدْغَامِ وَالْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ، فَمَنْ أَدْغَمَ فَلِقُرْبِ الْمَخْرَجَيْنِ وَمَنْ أَظْهَرَ فَلِتَبَايُنِ الْمَخْرَجَيْنِ وَإِنْ كَانَا قَرِيبَيْنِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا عُرِفَ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِطَابَ كَانَ مَقْرُونًا بِالْمُعْجِزِ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ شَاهَدَ مِنْ أَحْوَالِ حِمَارِهِ وَظُهُورِ الْبِلَى فِي عِظَامِهِ مَا عَرَفَ بِهِ أَنَّ تِلْكَ الْخَوَارِقَ لَمْ تَصْدُرْ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَكَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ حَيًّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِ كَانَتْ طَوِيلَةً أَمْ قَصِيرَةً، فَمَعَ ذَلِكَ لِأَيِّ حِكْمَةٍ سَأَلَهُ عَنْ مِقْدَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ.

وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ التَّنْبِيهُ عَلَى حُدُوثِ مَا حَدَثَ مِنَ الْخَوَارِقِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَفِيهِ سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ هَذَا التَّرْدِيدَ؟.

الْجَوَابُ: أَنَّ الْمَيِّتَ طَالَتْ مُدَّةُ مَوْتِهِ أَوْ قَصُرَتْ فَالْحَالُ وَاحِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَأَجَابَ بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّ إِمَاتَتَهُ كَانَتْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَقَالَ يَوْماً ثُمَّ لَمَّا نَظَرَ إِلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ بَاقِيًا على رؤوس الْجُدْرَانِ فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللُّبْثُ مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَلَيْسَ هَذَا يَكُونُ كَذِبًا؟.

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الظَّنِّ، وَلَا يَكُونُ مُؤَاخَذًا بِهَذَا الْكَذِبِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الْكَهْفِ: 19] عَلَى مَا تَوَهَّمُوهُ وَوَقَعَ عِنْدَهُمْ، وأيضا قال أخوة يوسف عليه السلام: يَا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [يُوسُفَ: 81] وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْأَمَارَةِ مِنْ إِخْرَاجِ الصُّوَاعِ مِنْ رَحْلِهِ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: هَلْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ.

الْجَوَابُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَصْلِيَّ فِي إِمَاتَتِهِ ثُمَّ إِحْيَائِهِ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ أَنْ يُشَاهِدَ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، وَهُوَ أَيْضًا قَدْ شَاهَدَ إِمَّا فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي حِمَارِهِ أَحْوَالًا دَالَّةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الموت.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَالْمَعْنَى ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: الْعَامُ أَصْلُهُ مِنَ الْعَوْمِ الَّذِي هُوَ السِّبَاحَةُ، لِأَنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا لَا يُمْكِّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي إِثْبَاتِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ ومالِيَهْ وسُلْطانِيَهْ وما هِيَهْ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْفِ، فَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ هَذِهِ الْحُرُوفَ كُلَّهَا بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ، وَكَانَ حَمْزَةُ يَحْذِفُهُنَّ فِي الْوَصْلِ وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَحْذِفُ الْهَاءَ فِي الْوَصْلِ مِنْ قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ وَيُثْبِتُهَا فِي الْوَصْلِ فِي الْبَاقِي وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَوْلِهِ لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ [الْحَاقَّةِ: 25، 26] أَنَّهَا بِالْهَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ.

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا الْحَذْفُ ففيه وجوه أحدهما: أن اشتقاق قوله يَتَسَنَّهْ من السنة وزعم كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ أَصْلَ السَّنَةِ سَنَوَةٌ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْهَا أَسَنَّتِ الْقَوْمَ إِذَا أَصَابَتْهُمِ السَّنَةُ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَرِجَالُ مَكَّةَ مِسْنِتُونَ عِجَافُ وَيَقُولُونَ فِي جَمْعِهَا: سَنَوَاتٌ وَفِي الْفِعْلِ مِنْهَا: سَانَيْتُ الرَّجُلَ مُسَانَاةً إِذَا عَامَلَهُ سَنَةً سَنَةً، وَفِي التَّصْغِيرِ: سُنَيَّةٌ إِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَتَسَنَّهْ لِلسَّكْتِ لَا لِلْأَصْلِ وَثَانِيهَا: نَقَلَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَصْلُ سَنَةٍ سَنَنَةً، لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَصْغِيرِهَا: سُنَيْنَةٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أَصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ، ثُمَّ أُسْقِطَتِ النُّونُ الْأَخِيرَةُ ثم أدخل عليها هاء السكت عن الْوَقْفِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ لَمْ يَتَقَضَّ الْبَازِيُّ لَمْ يَتَقَضَّضِ الْبَازِيُّ ثُمَّ أُسْقِطَتِ الضَّادُ الْأَخِيرَةُ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ هَاءُ السَّكْتِ عِنْدَ الْوَقْفِ، فَيُقَالُ: لَمْ يَتَقَضَّهْ وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَسَنَّهْ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الْحِجْرِ: 26] وَالسِّنُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الصَّبُّ، هَكَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، فَقَوْلُهُ: لَمْ يَتَسَنَّنْ.

أَيِ الشَّرَابُ بَقِيَ بِحَالِهِ لَمْ يَنْضُبْ، وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ مِائَةُ عَامٍ، ثُمَّ أنه حذفت النون الأخيرة وأبدلت بها السَّكْتِ عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ لِبَيَانِ الْحَذْفِ، وَأَمَّا بَيَانُ الْإِثْبَاتِ فَهُوَ أَنَّ لَمْ يَتَسَنَّهْ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ أَصْلُهَا سَنْهَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ فِي تَصْغِيرِهَا: سُنَيْهَةٌ، وَيُقَالُ: سَانَهَتِ النَّخْلَةُ بِمَعْنَى عَاوَمَتْ، وَآجَرْتُ الدَّارَ مُسَانَهَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْهَاءُ فِي لَمْ يَتَسَنَّهْ لَامُ الْفِعْلِ، فَلَا جَرَمَ لَمْ يُحْذَفِ الْبَتَّةَ لَا عِنْدَ الْوَصْلِ وَلَا عِنْدَ الْوَقْفِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَتَسَنَّهْ أَيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَأَصْلُ مَعْنَى لَمْ يَتَسَنَّهْ أَيْ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ لِأَنَّ مَرَّ السِّنِينَ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ، وَنَقَلْنَا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ: لَمْ يَتَسَنَّنْ أَيْ لَمْ يَنْضُبِ الشَّرَابُ، بَقِيَ فِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ: / السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَبِثَ مِائَةَ عَامٍ بَلْ يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَبِثَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ الشُّبْهَةُ أَقْوَى مَعَ عِلْمِ الْإِنْسَانِ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّهَا شُبْهَةٌ كَانَ سَمَاعُ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ آكَدَ وَوُقُوعُهُ فِي الْعَمَلِ أَكْمَلَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ قَالَ: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ قَوْلَكَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ اشْتِيَاقُكَ إِلَى الدَّلِيلِ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فَرَأَى الْحِمَارَ صَارَ رَمِيمًا وَعِظَامًا نَخِرَةً فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ يُسْرِعُ التَّغَيُّرُ فِيهِمَا، وَالْحِمَارُ رُبَّمَا بَقِيَ دَهْرًا طَوِيلًا وَزَمَانًا عَظِيمًا، فَرَأَى مَا لَا يَبْقَى بَاقِيًا، وَهُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَمَا يَبْقَى غَيْرَ بَاقٍ وَهُوَ الْعِظَامُ، فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَمَكُّنُ وُقُوعِ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي عَقْلِهِ وَفِي قَلْبِهِ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّهْ رَاجِعٌ إِلَى الشَّرَابِ لَا إِلَى الطَّعَامِ.

وَالْجَوَابُ: كَمَا يُوصَفُ الشَّرَابُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَذَلِكَ يُوصَفُ الطَّعَامُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ لَطِيفًا يَتَسَارَعُ الْفَسَادُ إِلَيْهِ، وَالْمَرْوِيُّ أَنَّ طَعَامَهُ كَانَ التِّينَ وَالْعِنَبَ، وَشَرَابُهُ كَانَ عَصِيرَ الْعِنَبِ وَاللَّبَنَ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَهَذَا شَرَابُكَ لَمْ يَتَسَنَّنْ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ عرف طُولَ مُدَّةَ مَوْتِهِ بِأَنْ شَاهَدَ عِظَامَ حِمَارِهِ نَخِرَةً رَمِيمَةً، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَدُلُّ بِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا شَاهَدَ انْقِلَابَ الْعِظَامِ النَّخِرَةِ حَيًّا فِي الْحَالِ عَلِمَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمِيتَ الْحِمَارَ فِي الْحَالِ وَيَجْعَلَ عِظَامَهُ رَمِيمَةً نَخِرَةً فِي الْحَالِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِعِظَامِ الْحِمَارِ عَلَى طُولِ مُدَّةِ الْمَوْتِ، بَلِ انْقِلَابُ عِظَامِ الْحِمَارِ إِلَى الْحَيَاةِ مُعْجِزَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ مَا سُمِعَ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ قَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا أُحْيِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْبَعْثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ آيَةً لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ شَابًّا أَسْوَدَ الرَّأْسِ، وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ بيض اللحى والرؤوس.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّشْرِيفُ وَالتَّعْظِيمُ وَالْوَعْدُ بِالدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِمَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَالشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَلِنَجْعَلَكَ قُلْنَا: قَالَ الْفَرَّاءُ: دَخَلَتِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْدَهَا مُضْمَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً، كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْحِمَارِ شَرْطًا، وَجَعْلُهُ آيَةً جَزَاءً، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، أَمَّا لَمَّا قَالَ: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً كَانَ الْمَعْنَى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا مِنَ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [الْأَنْعَامِ: 105] وَالْمَعْنَى: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَّفْنَا الْآيَاتِ وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الْأَنْعَامِ: 75] أَيْ وَنُرِيَهُ الْمَلَكُوتَ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِظَامِ عِظَامُ حِمَارِهِ، فَإِنَّ اللَّامَ فِيهِ بَدَلُ الْكِنَايَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ أَرَادُوا بِهِ عِظَامَ هَذَا الرَّجُلِ نَفْسِهِ، قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى أَحْيَا رَأْسَهُ وَعَيْنَيْهِ، وَكَانَتْ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ عِظَامًا نَخِرَةً، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْزَاءِ عِظَامِ نَفْسِهِ فَرَآهَا تَجْتَمِعُ وَيَنْضَمُّ الْبَعْضُ إِلَى الْبَعْضِ، وَكَانَ يَرَى حِمَارَهُ وَاقِفًا كَمَا رَبَطَهُ حِينَ كَانَ حَيًّا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عَامٍ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِكَ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَابْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إِنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ لَا يَرَى أَثَرَ التَّغَيُّرِ فِي نَفْسِهِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فِي بَعْضِ يَوْمٍ، أَمَّا مَنْ شَاهَدَ أَجْزَاءَ بَدَنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَعِظَامَ بَدَنَةٍ رَمِيمَةٍ نَخِرَةٍ، فَلَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ القول وثانيها: أنه تعالى حكي عنه أن خَاطَبَهُ وَأَجَابَ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُجِيبُ هُوَ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ، فَإِذَا كَانَتِ الْإِمَاتَةُ رَاجِعَةً إِلَى كُلِّهِ، فَالْمُجِيبُ أَيْضًا الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةَ الشَّخْصِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلِهِ فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ أَحْيَاهَا وَبَعَثَهَا.

أَمَّا قَوْلُهُ كَيْفَ نُنْشِرُهَا فَالْمُرَادُ يُحْيِيهَا، يُقَالُ: أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ وَنَشَرَهُ، قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْعِظَامَ بِالْإِحْيَاءِ فِي قَوْلِهِ تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا [يس: 78، 79] وَقُرِئَ نَنْشُرُهَا بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الشِّينِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى النَّشْرِ بَعْدَ الطَّيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ بِالْحَيَاةِ يَكُونُ الِانْبِسَاطُ فِي التَّصَرُّفِ، فَهُوَ كَأَنَّهُ مَطْوِيٌّ مَا دَامَ مَيِّتًا، فَإِذَا عَادَ صَارَ كَأَنَّهُ نُشِرَ بَعْدَ الطَّيِّ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ نُنْشِزُها بِالزَّايِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ فَوْقُ، وَالْمَعْنَى نَرْفَعُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَإِنْشَازُ الشَّيْءِ رَفْعُهُ، يُقَالُ أَنَشَزْتُهُ فَنَشَزَ، أَيْ رَفَعْتُهُ فَارْتَفَعَ، وَيُقَالُ لِمَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ نَشَزَ، وَمِنْهُ نُشُوزُ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ أَنْ تَرْتَفِعَ عَنْ حَدِّ رِضَا الزَّوْجِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: كَيْفَ نرفعها من الأرض فتردها إِلَى أَمَاكِنِهَا مِنَ الْجَسَدِ وَنُرَكِّبَ بَعْضَهَا عَلَى الْبَعْضِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ نُنْشِزُها بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الشِّينِ وَالزَّايِ وَوَجْهُهُ مَا قَالَ الْأَخْفَشُ أَنَّهُ يُقَالُ: نَشَزْتُهُ وَأَنْشَزْتُهُ أَيْ رَفَعْتُهُ، وَالْمَعْنَى مِنْ جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ أَنَّهُ تَعَالَى رَكَّبَ الْعِظَامَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى اتَّصَلَتْ عَلَى نِظَامٍ، ثُمَّ بَسَطَ اللَّحْمَ عَلَيْهَا، وَنَشَرَ الْعُرُوقَ وَالْأَعْصَابَ وَاللُّحُومَ وَالْجُلُودَ عَلَيْهَا، وَرَفَعَ بَعْضَهُ إِلَى جَنْبِ الْبَعْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ الْقِرَاءَاتِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها/ وَالْمَعْنَى فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وُقُوعُ مَا كَانَ يَسْتَبْعِدُ وُقُوعَهُ وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : فَاعِلُ تَبَيَّنَ لَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَحُذِفَ الْأَوَّلُ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ تَعَسُّفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاهَدَةِ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَتَأْوِيلُهُ: أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ مُشَاهَدَةَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قالَ أَعْلَمُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِنْدَ التَّبَيُّنِ أَمَرَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، قَالَ الْأَعْشَى: وَدِّعْ أُمَامَةَ إِنَّ الرَّكْبَ قَدْ رَحَلُوا وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَعْمَشِ: قِيلَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 260] ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 260] قال القاضي: والقراءة الأولى وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ إِنَّمَا يَحْسُنُ عِنْدَ عدم المأمور به، وهاهنا الْعِلْمُ حَاصِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فَكَانَ الْأَمْرُ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ، أَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْ أَنَّهُ حَصَلَ كَانَ جائزاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ تعجيب من محاجة نمروذ في الله وكفره به ﴿ أَنْ آتاه الله الملك ﴾ متعلق بحاجَّ على وجهين: أحدهما حاجّ لأن آتاه الله الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوَّ فحاجّ لذلك، أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه الله الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، كما تقول: عاداني فلان لأني أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82] .

والثاني: حاجّ وقت أن آتاه الله الملك.

فإن قلت: كيف جاز أن يؤتي الله الملك الكافر؟

قلت: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا.

وقيل: ملكه امتحاناً لعباده.

و ﴿ إِذْ قَالَ ﴾ نصب بحاج أو بدل من آتاه إذ جعل بمعنى الوقت ﴿ أَنَاْ أُحْىِ وَأُمِيتُ ﴾ يريد أعفو عن القتل وأقتل.

وكان الاعتراض عتيداً ولكن إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء.

وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة.

وقريء: ﴿ فبهت الذي كفر ﴾ أي فغلب إبراهيم الكافر.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ فبهت ﴾ ، بوزن قرب.

وقيل: كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ، ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟

فقال: ربي الذي يحيي ويميت.

﴿ أَوْ كالذى ﴾ معناه.

أو أرأيت مثل الذي مرَّ فحذف لدلالة ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ عليه؛ لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب.

ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية.

والمارّ كان كافراً بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: (أنى يُحْيىِ).

وقيل: هو عزير أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام.

وقوله: ﴿ أَنَّى يُحْىِ ﴾ اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي.

والقرية: بيت المقدس حين خربه بختنصر.

وقيل: هي التي خرج منها الألوف ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ تفسيره فيما بعد ﴿ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ بناء على الظن.

روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.

وروي: أن طعامه كان تيناً وعنباً.

وشرابه عصيراً أو لبناً، فوجد التين والعنب كما جنيا، والشراب على حاله ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ لم يتغير، والهاء أصلية أو هاء سكت.

واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأن لامها هاء أو واو، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان.

وقيل: أصله يتسنن، من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علة، كتقضي البازي.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه، يعني هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة سنة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن ﴾ .

وقرأ أبيّ: ﴿ لم يسَّنه ﴾ ، بإدغام التاء في السين ﴿ وانظر إلى حِمَارِكَ ﴾ كيف تفرّقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه.

ويجوز أن يراد: وانظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ ﴾ فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه، وقيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير، فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة فأخذ يهذها هذاً عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفاً، فقالوا: هو ابن الله.

ولم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير، فذلك كونه آية.

وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب، فإذا حدّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة ﴿ وانظر إِلَى العظام ﴾ هي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم ﴿ كَيْفَ نُنشِزُهَا ﴾ كيف نحييها.

وقرأ الحسن: ﴿ ننشرها ﴾ ، من نشر الله الموتى، بمعنى: أنشرهم فنشروا، وقريء بالزاي، بمعنى نحرّكها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.

وفاعل (تَّبَيَّنَ) مضمر تقديره: فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً.

ويجوز: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعني أمر إحياء الموتى.

وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ فلما تبين له ﴾ على البناء للمفعول.

وقرئ: ﴿ قال اعلم ﴾ ، على لفظ الأمر: وقرأ عبد الله: ﴿ قيل اعلم ﴾ .

فإن قلت: فإن كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟

قلت: كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ تَقْدِيرُهُ أوْ أرَأيْتَ مَثَلَ الَّذِي فَحُذِفَ لِدَلالَةِ (ألَمْ تَرَ) عَلَيْهِ، وتَخْصِيصُهُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ لِأنَّ المُنْكِرَ لِلْإحْياءِ كَثِيرٌ والجاهِلَ بِكَيْفِيَّتِهِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، بِخِلافِ مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ الكافُ مَزِيدَةٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ أوِ الَّذِي مَرَّ.

وقِيلَ إنَّهُ عَطْفٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ كالَّذِي حاجَّ أوْ كالَّذِي مَرَّ.

وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ ذَكَرَهُ جَوابًا لِمُعارَضَتِهِ وتَقْدِيرِهِ أوْ إنْ كُنْتَ تُحْيِي فَأحْيِي كَإحْياءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.

وهو عُزَيْرُ بْنُ شَرْحِيا.

أوِ الخِضْرُ، أوْ كافِرٌ بِالبَعْثِ.

ويُؤَيِّدُهُ نَظْمُهُ مَعَ نُمْرُوذَ.

والقَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ حِينَ خَرَّبَهُ بُخْتُنَصَّرُ.

وقِيلَ القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ.

وقِيلَ غَيْرُهُما واشْتِقاقُها مِنَ القُرى وهو الجَمْعُ.

﴿ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ خالِيَةٌ ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها.

﴿ قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ اعْتِرافًا بِالقُصُورِ عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الإحْياءِ، واسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ المُحْيِي إنْ كانَ القائِلُ مُؤْمِنًا، واسْتِبْعادًا إنْ كانَ كافِرًا.

و ﴿ أنّى ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِ بِمَعْنى مَتى أوْ عَلى الحالِ بِمَعْنى كَيْفَ.

﴿ فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ﴾ فَألْبَثَهُ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ، أوْ أماتَهُ اللَّهُ فَلَبِثَ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ.

﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ بِالإحْياءِ.

﴿ قالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ القائِلُ هو اللَّهُ وساغَ أنْ يُكَلِّمَهُ وإنْ كانَ كافِرًا لِأنَّهُ آمَنَ بَعْدَ البَعْثِ أوْ شارَفَ الإيمانَ.

وقِيلَ مَلَكٌ أوْ نَبِيٌّ.

﴿ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ كَقَوْلِ الظّانِّ.

وقِيلَ: إنَّهُ ماتَ ضُحًى وبُعِثَ بَعْدَ المِائَةِ قُبَيْلِ الغُرُوبِ فَقالَ قَبْلَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ يَوْمًا ثُمَّ التَفَتَ فَرَأى بَقِيَّةً مِنها فَقالَ ﴿ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ عَلى الإضْرابِ.

﴿ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِمُرُورِ الزَّمانِ، واشْتِقاقِهِ مِنَ السَّنَةِ.

والهاءُ أصْلِيَّةٌ إنْ قُدِّرَتْ لامُ السَّنَةَ هاءً وهاءَ سَكْتٍ إنْ قُدِّرَتْ واوًا.

وقِيلَ أصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ مِنَ الحَمَأِ المَسْنُونِ فَأبْدِلَتِ النُّونُ الثّالِثَةُ حَرْفَ عِلَّةٍ كَتَقَضِّي البازِي، وإنَّما أفْرَدَ الضَّمِيرَ لِأنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ كالجِنْسِ الواحِدِ.

وقِيلَ كانَ طَعامُهُ تِينًا وعِنَبًا وشَرابُهُ عَصِيرًا أوْ لَبَنًا وكانَ الكُلُّ عَلى حالِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « لَمْ يَتَسَنَّ» بِغَيْرِ الهاءِ في الوَصْلِ.

﴿ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ﴾ كَيْفَ تَفَرَّقَتْ عِظامُهُ، أوِ انْظُرْ إلَيْهِ سالِمًا في مَكانِهِ كَما رَبَطْتَهُ حَفِظْناهُ بِلا ماءٍ وعَلَفٍ كَما حَفِظْنا الطَّعامَ والشَّرابَ مِنَ التَّغَيُّرِ، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى الحالِ وأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ.

ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ أيْ وفِعْلُنا ذَلِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً.

رُوِيَ أنَّهُ أتى قَوْمَهُ عَلى حِمارِهِ وقالَ أنا عُزَيْرٌ فَكَذَّبُوهُ، فَقَرَأ التَّوْراةَ مِنَ الحِفْظِ ولَمْ يَحْفَظْها أحَدٌ قَبْلَهُ فَعَرَفُوهُ بِذَلِكَ، وقالُوا هو ابْنُ اللَّهِ.

وقِيلَ لَمّا رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ كانَ شابًّا وأوْلادُهُ شُيُوخًا فَإذا حَدَّثَهم بِحَدِيثٍ قالُوا حَدِيثُ مِائَةِ سَنَةٍ.

﴿ وانْظُرْ إلى العِظامِ ﴾ يَعْنِي عِظامَ الحِمارِ، أوِ الأمْواتِ الَّذِينَ تَعْجَبُ مِن إحْيائِهِمْ.

﴿ كَيْفَ نُنْشِزُها ﴾ كَيْفَ نُحْيِيها، أوْ نَرْفَعُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ ونَرْكَبُهُ عَلَيْهِ، وكَيْفَ مَنصُوبٌ بِنَشْزِها والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ العِظامِ أيِ: انْظُرْ إلَيْها مُحْيّاةً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرِ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ « نُنْشِرُها» مِن أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى، وقُرِئَ « نَنْشُرُها» مِن نَشَرَ بِمَعْنى أنْشَرَ.

﴿ ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ فاعِلُ تَبَيَّنَ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

﴿ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، أوْ يُفَسِّرُهُ ما قَبْلَهُ أيْ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ما أشْكَلَ عَلَيْهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « قالَ اعْلَمْ» عَلى الأمْرِ والأمْرُ مُخاطَبَةٌ، أوْ هو نَفْسُهُ خاطَبَها بِهِ عَلى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)

{أَوْ كالذى مَرَّ} معناه أو أرأيت مثل الذى فحذف لدلالة ألم تر عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب أو هو محمول على المعنى دون اللفظ تقديره أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر وقال صاحب

الكشف فيه الكاف زائدة والذى عطف على قوله إلى الذي حاج عن الحسن إن المار كان كافرا بالبعث لا نتظامه مع نمرود في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هى انى يحيى والأكثر أنه عزيز أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام وانى يحيى اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء واستعظام لقدرة المحيي {على قَرْيَةٍ} هي بيت المقدس حيث خربه بختنصر وهي التي خرج منها الألوف {وهي خاوية على عروشها} ساقطة

البقرة (٢٥٩ _ ٢٦٠)

مع سفوفها أو سقطت السقوف ثم سقطت عليها الحيطان كل مر عرش {قال أنى يحيي} أي كيف {هذه} أي أهل هذه {الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} أي أحياه {قَالَ} له ملك {كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بناء على الظن وفيه دليل جواز الاجتهاد روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس فقال قبل النظر إلى الشمس يوماً ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال أو بعض يوم {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ} روي أن طعامه كان تيناً وعنباً وشرابه عصيراً ولبناً فوجد التين والعنب كما جنيا والشراب على حاله {لَمْ يَتَسَنَّهْ} لم يتغير والهاء أصلية أو هاء سكت واشتقاقه من السنة على الوجهين لأن لا مهاهاء لأن الأصل سنهة والفعل سانهت يقال سانهت فلاناً أي عاملته سنة أو واو لأن الأصل سنوة والفعل سانيت ومعناه لم تغيره السنون لم يتسن بحذف الهاء في الوصل وبإثباتها في الوقف حمزة وعلي {وانظر إلى حِمَارِكَ} كيف تفرقت عظامه ونخرت وكان له حمار قد ربطه فمات وتفتتت عظامه أو وانظر ليه سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه

وشرابه من التغير {ولنجعلك آية لِلنَّاسِ} فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه وقيل الواو عطف على محذوف أي لتعتبر ولنجعلك قيل أتى قومه راكباً حماراً وقال أنا عزير فكذبوه فقال هاتوا التوراة فأخذ يقرؤها عن ظهر قلبه ولم يقرا التوراة ظاهرا أحد قبل عزير فذلك كونه آية وقيل رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب {وانظر إِلَى العظام} أي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم {كَيْفَ نُنشِزُهَا} نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب ننشرها بالرا حجازي وبصري نحييها {ثمّ نكسوها} أي العظام {لحماً} جعل اللحم كاللباس مجازاً {فلمّا تبيّن له} فاعله مضمر تقديره فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير {قال أعلم أنّ الله على كلّ شيءٍ قديرٌ} فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقولهم ضربني وضربت زيداً ويجوز فلما تبين له ما أشكل عليه يعني أمر إحياء الموتى قال اعلم على لفظ الأمر حمزة وعلي أي قال الله له اعلم أو هو خاطب نفسه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ والكافُ إمّا اِسْمِيَّةٌ بِمَعْنى مِثْلَ مَعْمُولَةٌ لِ أرَأيْتَ مَحْذُوفًا أيْ أوْ أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي مَرَّ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو عَلِيٍّ وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ وحُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ عَلَيْهِ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ مِثالَ هَذا النَّظْمِ كَثِيرًا ما يُحْذَفُ مِنهُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ: قالَ لَها كِلابُها أسْرِعِي كاليَوْمِ (مَطْلُوبًا ولا طالِبا) وجِيءَ بِهَذِهِ الكافِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ وعَدَمِ اِنْحِصارِها فِيما ذُكِرَ كَما في قَوْلِكَ الفِعْلِ الماضِي مِثْلَ: نَصَرَ، وتَخْصِيصُ هَذا بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: لِأنَّ مُنْكِرَ الإحْياءِ كَثِيرٌ، والجاهِلَ بِكَيْفِيَّتِهِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى بِخِلافِ مُدَّعِي الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الأخْفَشُ أيْ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ أوِ الَّذِي مَرَّ الخ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ كاَلَّذِي حاجَّ أوْ كاَلَّذِي مَرَّ وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَهُ جَوابًا لِمُعارَضَةِ ذَلِكَ الكافِرِ، وتَقْدِيرُهُ وإنْ كُنْتَ تُحْيِي فَأحْيِ كَإحْياءِ الَّذِي مَرَّ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ لِلْفَصْلِ وكَثْرَةِ التَّقْدِيرِ، وإنَّما لَمْ تُجْعَلِ الكافُ أصْلِيَّةً والعَطْفُ عَلى ”الَّذِي“ نَفْسُهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِاسْتِلْزامِهِ دُخُولَ (إلى) عَلى الكافِ، وفِيهِ إشْكالٌ لِأنَّها إنْ كانَتْ حَرْفِيَّةً فَظاهِرٌ وإنْ كانَتِ اِسْمِيَّةً فَلِأنَّها مُشَبَّهَةٌ بِالحَرْفِ في عَدَمِ التَّصَرُّفِ لا يَدْخُلُ عَلَيْها مِنَ الحُرُوفِ إلّا ما ثَبَتَ في كَلامِهِمْ، وهو عَنْ وذَلِكَ عَلى قِلَّةٍ أيْضًا، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كُلًّا مِن لَفْظِ (ألَمْ تَرَ) و(أرَأيْتَ) مُسْتَعْمِلٌ لِقَصْدِ التَّعَجُّبِ إلّا أنَّ الأوَّلَ: تَعَلَّقَ بِالمُتَعَجَّبِ مِنهُ فَيُقالُ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي صَنَعَ كَذا بِمَعْنى اُنْظُرْ إلَيْهِ فَتَعَجَّبْ مِن حالِهِ، والثّانِي: بِمِثْلِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ فَيُقالُ أرَأيْتَ مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ كَذا بِمَعْنى أنَّهُ مِنَ الغَرابَةِ بِحَيْثُ لا يُرى لَهُ مِثْلٌ ولا يَصِحُّ ألَمْ تَرَ إلى مَثَلِهِ إذْ يَكُونُ المَعْنى اُنْظُرْ إلى المِثْلِ وتَعَجَّبْ مِنَ الَّذِي صَنَعَ، ولِذا لَمْ يَسْتَقِمْ عَطْفُكَ ”الَّذِي مَرَّ“ عَلى ﴿ الَّذِي حاجَّ ﴾ ويُحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ في المَعْطُوفِ بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أيْ أرَأيْتَ كاَلَّذِي مَرَّ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ أوْ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ نَظَرًا إلى أنَّهُ في مَعْنى أرَأيْتَ كاَلَّذِي حاجَّ فَيَصِحُّ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الِاسْتِقامَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ اِمْتِناعِ دُخُولِ (إلى) عَلى الكافِ بَلْ لَوْ قُلْتَ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ أوْ مِثْلِ الَّذِي مَرَّ فَعَدَمُ الِاسْتِقامَةِ بِحالِهِ عِنْدَ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأسالِيبِ الكَلامِ، وإنَّ هَذا لَيْسَ مِن زِيادَةِ الكافِ في شَيْءٍ بَلْ لا بُدَّ في التَّعَجُّبِ بِكَلِمَةِ (أرَأيْتَ) مِن إثْباتٍ كافٍ، أوْ ما في مَعْناهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ فَإنَّ (ألَمْ تَرَ) يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ مَعَ التَّشْبِيهِ في كَلامِ العَرَبِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، و(أرَأيْتَ) كَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ بِدُونِ الكافِ أوْ ما في مَعْناهُ، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ وكَيْفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ الأوَّلَ تَعَلَّقَ بِالمُتَعَجَّبِ مِنهُ، وفي الثّانِي بِمِثْلِهِ، والمِثْلِيَّةُ إنَّما جاءَتْ مِن ذِكْرِ الكافِ ولَوْ ذُكِرَتْ في الأوَّلِ لَكانَ مِثْلَهُ بِلا فَرْقٍ، فَهَذا مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ فَلَيْسَ إلّا ما ذُكِرَ أوَّلًا سِوى أنَّ تَقْدِيرَ (أرَأيْتَ) مَعَ الكافِ أوْلى لِأنَّ اِسْتِعْمالَهُ مَعَها أكْثَرُ فَتَدَبَّرْ.

و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ أوْ لِلتَّفْصِيلِ والمارُّ هو عَزِيزُ بْنُ شَرْخِيا، كَما أخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وإسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والرَّبِيعُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وخَلْقٌ كَثِيرٌ، وقِيلَ: هو أرْمِيا بْنُ خَلْقِيا مِن سِبْطِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ وهْبٌ، وقِيلَ: هو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ واحِدٌ، وأنَّ أرْمِيا هو الخَضِرُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: شِعْيا، وقِيلَ: غُلامُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ المارُّ رَجُلًا كافِرًا بِالبَعْثِ وأُيِّدَ بِنَظْمِهِ مَعَ نَمْرُوذَ في سِلْكٍ واحِدٍ حَيْثُ سِيقَ الكَلامُ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِما، وبِأنَّ كَلِمَةَ الِاسْتِبْعادِ في هَذا المَقامِ تُشْعِرُ بِالإنْكارِ ظاهِرًا ولَيْسَتْ هي فِيهِ مِثْلَها في ﴿ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ و ﴿ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ وعُورِضَ بِما بَيْنَ قِصَّتِهِ وقِصَّةِ إبْراهِيمَ الآتِيَةِ بُعْدٌ مِنَ التَّناسُبِ المَعْنَوِيِّ فَإنَّ كِلَيْهِما طَلَبا مُعايَنَةَ الإحْياءِ مَعَ أنَّ ما جَرى لَهُ في القِصَّةِ مِمّا يَبْعُدُ أنْ يَجْرِيَ مَعَ كافِرٍ - وإذا اِنْضَمَّ إلى ذَلِكَ تَحَرِّيهِ الظّاهِرُ في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ في القَوْلِ الصّادِرِ قَبْلَ التَّبْيِينِ المُوجِبِ لِإيمانِهِ عَلى زَعْمِ مَن يَدَّعِي كُفْرَهُ - قَوّى المُعارِضَ جِدًّا، وإنْ قُلْنا: بِأنَّ دَلالَةَ الِانْتِظامِ في سِلْكِ نَمْرُوذَ عَلى الإيمانِ أحَقُّ لِيَنْطَبِقَ عَلى التَّفْصِيلِ المُقَدَّمِ في ﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الخ حَسَبَ ما أشَرْنا إلَيْهِ في القِيلِ قَبْلُ، لَمْ يَكَدْ يُتَوَهَّمُ القَوْلُ بِالكَفْرِ كَما لا يَخْفى، والقَرْيَةُ قالَ اِبْنُ زَيْدٍ: هي الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: دَيْرُ سابِرابادَ، وقالَ السُّدِّيُّ: دَيْرُ سَلْما باذَ، وقِيلَ: دَيْرُ هِرَقْلَ، وقِيلَ: المُؤْتَفِكَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةُ العِنَبِ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والرَّبِيعُ ووَهْبٌ: هي بَيْتُ المَقْدِسِ، وكانَ قَدْ خَرَّبَها بُخْتَنَصَّرُ وهَذا هو الأشْهَرُ، واشْتِقاقُها مِنَ القُرى وهو الجَمْعُ.

﴿ وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها بِأنْ سَقَطَ السَّقْفُ أوَّلًا ثُمَّ تَهَدَّمَتِ الجُدْرانُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى خالِيَةٌ عَنْ أهْلِها ثابِتَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ إنَّ بُيُوتَها قائِمَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِخاوِيَةٍ، وعَلى الثّانِي بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرِ لَهِيَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (مَرَّ) وقِيلَ: مِن (قَرْيَةٍ) ويَجِيءُ الحالُ مِنَ النَّكِرَةِ عَلى القِلَّةِ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَها، ويُبْعِدُهُ تَوَسُّطُ الواوِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ ﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ قَرْيَةٍ ﴾ بِإعادَةِ الجارِّ وكَوْنِهِ صِفَةً لَها، وجُمْلَةُ ﴿ وهِيَ خاوِيَةٌ ﴾ إمّا حالٌ مِنَ العُرُوشِ أوْ مِنَ القَرْيَةِ أوْ مِن ها والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ والكُلُّ مِمّا لا يَنْبَغِي حَمْلُ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِ.

(قالَ) في نَفْسِهِ أوْ بِلِسانِهِ ﴿ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ المُشارُ إلَيْهِ إمّا نَفْسُ القَرْيَةِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ كَما هو الظّاهِرُ، فالإحْياءُ والإماتَةُ مَجازانِ عَنِ العِمارَةِ والخَرابِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ أصْحابِ هَذِهِ القَرْيَةِ فالإحْياءُ والإماتَةُ عَلى حَقِيقَتِها، وإمّا عِظامُ القَرْيَةِ البالِيَةُ وجُثَثُهُمُ المُتَفَرِّقَةُ، والسِّياقُ دالٌّ عَلى ذَلِكَ، والإحْياءُ والإماتَةُ عَلى حالِهِما أيْضًا، فَعَلى القَوْلِ بِالمَجازِ يَكُونُ هَذا القَوْلُ عَلى سَبِيلِ التَّلَهُّفِ والتَّشَوُّقِ إلى عِمارَةِ تِلْكَ القَرْيَةِ لَكِنْ مَعَ اِسْتِشْعارِ اليَأْسِ عَنْها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأوْكَدِهِ ولِذا أراهُ اللَّهُ تَعالى أبْعَدَ الأمْرَيْنِ في نَفْسِهِ ثُمَّ في غَيْرِهِ، ثُمَّ أراهُ ما اِسْتَبْعَدَهُ صَرِيحًا مُبالَغَةً في إزاحَةِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في خُلْدِهِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونُ اِعْتِرافًا بِالعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الإحْياءِ، واسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ المُحْيِي إذا قُلْنا: إنَّ القائِلَ كانَ مُؤْمِنًا، وإنْكارًا لِلْقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ كافِرًا، ورُجِّحَ أوَّلُ الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ في المُشارِ إلَيْهِ بِأنَّ إرادَةَ إحْياءٍ لِأهْلٍ أوْ عِظامِهِمْ يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِحالِ القَرْيَةِ دُونَ حالٍ مِن ذِكْرٍ والِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ مَوْتِهِمْ دُونَ كَوْنِهِمْ تُرابًا أوْ عِظامًا نَخِرَةً مَعَ كَوْنِهِ أدْخَلَ في الِاسْتِبْعادِ لِشَدَّةِ مُبايَنَتِهِ لِلْحَياةِ، وغايَةُ بُعْدِهِ عَنْ قَبُولِها عَلى أنَّهُ لَمْ تَتَعَلَّقْ إرادَتُهُ تَعالى بِإحْيائِهِمْ كَما تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ تَعالى بِعِمارَتِها ومُعايَنَةِ المارِّ لَها كَما سَتَسْمَعُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّ الِاسْتِبْعادَ ناشِئٌ مِن جِهَتِهِ لا مِن جِهَةِ الفاعِلِ، و ﴿ أنّى ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إنْ كانَتْ بِمَعْنى مَتى، وعَلى الحالِيَّةِ مِن هَذِهِ إنْ كانَتْ بِمَعْنى كَيْفَ، والعامِلُ فِيهِ عَلى أيِّ حالٍ ﴿ يُحْيِي ﴾ .

﴿ فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ﴾ أيْ فَألْبَثَهُ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ ولا بُدَّ مِنَ اِعْتِبارِ هَذا التَّضْمِينِ لِأنَّ الإماتَةَ بِمَعْنى إخْراجِ الرُّوحِ وسَلْبِ الحَياةِ مِمّا لا تَمْتَدُّ، والعامُ السَّنَةُ مِنَ العَوْمِ وهو السِّباحَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الشَّمْسَ تَعُومُ في جَمِيعِ بُرُوجِها ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ أيْ أحْياهُ مِن بَعَثْتُ النّاقَةَ إذا أقَمْتُها مِن مَكانِها، ولَعَلَّ إيثارَهُ عَلى أحْياهُ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَتِهِ وسُهُولَةِ تَأتِّيهِ عَلى البارِي عَزَّ اِسْمُهُ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهُ قامَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ماتَ عاقِلًا فاهِمًا مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ عِمارَةِ القَرْيَةِ، فَفي «اَلْبَحْرِ» أنَّهُ لَمّا مَرَّ لَهُ سَبْعُونَ سَنَةً مِن مَوْتِهِ وقَدْ مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ السِّباعِ والطَّيْرِ ومَنَعَ العُيُونَ أنْ تَراهُ أرْسَلَ مَلَكًا إلى مَلِكٍ عَظِيمٍ مِن مُلُوكِ فارِسٍ يُقالُ لَهُ: كَوْسَكُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُكَ أنْ تَنْفِرَ بِقَوْمِكَ فَتُعَمِّرَ بَيْتَ المَقْدِسِ وإيلِيّا وأرْضِها حَتّى تَعُودَ أحْسَنَ مِمّا كانَتْ فانْتَدَبَ المَلِكُ في ثَلاثَةِ آلافِ قَهْرَمانٍ مَعَ كُلِّ قَهْرَمانٍ ألْفُ عامِلٍ وجَعَلُوا يُعَمِّرُونَها وأهْلَكَ اللَّهُ تَعالى بُخْتَنَصَّرَ بِبَعُوضَةٍ دَخَلَتْ دِماغَهُ ونَجّى اللَّهُ تَعالى مَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ورَدَّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَعَمَّرُوها ثَلاثِينَ سَنَةً وكَثَرُوا حَتّى كانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى.

(قالَ) اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ؟

فَقِيلَ قالَ: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ لِيَظْهَرَ لَهُ العَجْزُ عَنِ الإحاطَةِ بِشُؤُونِ اللَّهِ تَعالى عَلى أتَمِّ وجْهٍ وتَنْحَسِمُ مادَّةُ اِسْتِبْعادِهِ بِالمَرَّةِ و(كَمْ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ومُمَيِّزُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَمْ وقْتًا والنّاصِبُ لَهُ ﴿ لَبِثْتَ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: هاتِفٌ مِنَ السَّماءِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ، وقِيلَ: نَبِيٌّ، وقِيلَ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ شاهَدَهُ يَوْمَ ماتَ وعَمَّرَ إلى حِينِ إحْيائِهِ فَيَكُونُ الإسْنادُ إلَيْهِ تَعالى مَجازًا ﴿ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالَهُ بِناءً عَلى التَّقْرِيبِ والتَّخْمِينِ أوِ اِسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ ماتَ ضُحًى وبُعِثَ بَعْدَ المِائَةِ قَبْلِ الغُرُوبِ فَقالَ قَبْلَ النَّظَرِ إلى الشَّمْسِ: ﴿ يَوْمًا ﴾ ثُمَّ اِلْتَفَّتْ فَرَأى بَقِيَّةً مِنها فَقالَ: ﴿ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ عَلى الإضْرابِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلْجَزْمِ بِتَمامِ اليَوْمِ ولَوْ بِناءً عَلى حُسْبانِ الغُرُوبِ لِتَحَقُّقِ النُّقْصانِ مِن أوَّلِهِ.

﴿ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ ما لَبِثْتَ ذَلِكَ القَدْرَ بَلْ هَذا المِقْدارَ ﴿ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ ﴾ قِيلَ: كانَ طَعامُهُ عِنَبًا أوْ تِينًا وشَرابُهُ عَصِيرًا أوْ لَبَنًا ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ أيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ السَّنَةِ وفي لامِها اِخْتِلافٌ، فَقِيلَ: هاءٌ بِدَلِيلِ سانَهْتُ فُلانًا فَهو مَجْزُومٌ بِسُكُونِ الهاءِ، وقِيلَ: واوٌ بِدَلِيلِ الجَمْعِ عَلى سَنَواتٍ فَهو مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الآخِرِ، والهاءُ هاءُ سَكْتٍ ثَبَتَتْ في الوَقْفِ وفي الوَصْلِ لِإجْرائِهِ مَجْراهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّسَنُّهُ عِبارَةً عَنْ مُضِيِّ السِّنِينَ كَما هو الأصْلُ ويَكُونُ عَدَمُ التَّسَنُّهِ كِنايَةً عَنْ بَقائِهِ عَلى حالِهِ غَضًّا طَرِيًّا غَيْرَ مُتَكَرِّجٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ ومِنهُ الحَمَأُ المَسْنُونُ أيِ الطِّينُ المُتَغَيِّرُ، ومَتى اِجْتَمَعَتْ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ مُتَجانِسَةٍ يُقْلَبُ أحَدُها حَرْفَ عِلَّةٍ كَما قالُوا في تَظَنَّنْتُ: تَظَنَّيْتُ، وفي تَقَضَّضْتُ: تَقَضَّيْتُ، وقَدْ أُبْدِلَتْ هُنا النُّونُ الأخِيرَةُ في رَأْيٍ ياءً، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ ألِفًا، ثُمَّ حُذِفَتْ لِلْجازِمِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالٌ، وقَدْ جاءَ مِثْلُها بِغَيْرِ واوٍ خِلافًا لِمَن تَرَدَّدَ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ ﴾ و ﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ وصاحِبُها إمّا الطَّعامُ والشَّرابُ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِإجْرائِهِما مَجْرى الواحِدِ كالغِذاءِ، وإمّا الأخِيرُ واكْتُفِيَ بِدَلالَةِ حالِهِ عَلى حالِ الأوَّلِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ (وهَذا شُرْبُكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) وقَرَأ أُبَيٌّ لَمْ يَسَّنَّهْ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ واسْتُشْكِلَ تَفَرُّعِ ﴿ فانْظُرْ ﴾ عَلى لُبْثِ المِائَةِ بِالفاءِ وهو يَقْتَضِي التَّغَيُّرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ لَيْسَ لُبْثَ المِائَةِ بَلْ لُبْثَ المِائَةِ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ في جِسْمِهِ حَتّى ظَنَّهُ زَمانًا قَلِيلًا فَفُرِّعَ عَلَيْهِ ما هو أظْهَرُ مِنهُ وهو عَدَمُ تَغَيُّرِ الطَّعامِ والشَّرابِ وبَقاءُ الحَيَوانِ حَيًّا مِن غَيْرِ غِذاءٍ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ إنْ حَصَلَ لَكَ عَدَمُ طُمَأْنِينَةٍ في أمْرِ البَعْثِ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ السَّرِيعِ التَّغَيُّرُ حَتّى تَعْرِفَ أنَّ مَن لَمْ يُغَيِّرْهُ يَقْدِرُ عَلى البَعْثِ.

وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ﴾ كَيْفَ نَخَرَتْ عِظامُهُ وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهُ وهَذا هُوَ الظّاهِرُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الحالِ وأوْفَقُ بِما بَعْدَهُ، وكَوْنُ المُرادِ اُنْظُرْ إلَيْهِ سالِمًا في مَكانِهِ كَما رَبَطْتَهُ حَفِظْناهُ بِلا ماءٍ وعَلَفٍ كَما حَفِظْنا الطَّعامَ والشَّرابَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولا يُساعِدُهُ المَأْثُورُ، ﴿ ولِنَجْعَلَكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أيْ وفَعَلْنا ذَلِكَ لِنَجْعَلَكَ، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ مُتَأخِّرًا، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ والواوُ زائِدَةٌ وعَلى تَقْدِيرِهِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ لَبِثْتَ ﴾ أوْ عَلى مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِتُعايِنَ ما اَسْتَبْعَدْتَ أوْ لِتُهْدى ولِنَجْعَلَكَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى (قالَ) فَفِيهِ اِلْتِفاتٌ، (آيَةً) أيْ عِبْرَةً أوْ مُرْشِدًا ﴿ لِلنّاسِ ﴾ أيْ جِنْسِهِمْ أوْ مَن بَقِيَ مِن قَوْمِهِ أوْ لِلْمَوْجُودِينَ في هَذا القَرْنِ بِأنْ يُشاهِدُوكَ وأنْتَ مِن أهْلِ القُرُونِ الخالِيَةِ ويَأْخُذُوا عَنْكَ ما اِنْطَوى عَنْهم مُنْذُ أحْقابٍ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ اللُّبْثِ المَدِيدِ ولِذَلِكَ قُرِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ إلى حِمارِهِ.

﴿ وانْظُرْ إلى العِظامِ ﴾ أيْ عِظامِ الحِمارِ كَما قالَهُ السُّدِّيُّ وكَرَّرَ الأمْرَ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أوَّلًا هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى المُكْثِ المَدِيدِ، وثانِيًا: هو النَّظَرُ إلَيْها مِن حَيْثُ تَعْتَرِيها الحَياةُ ومَبادِيها، وقِيلَ: عِظامُ أمْواتِ أهْلِ القَرْيَةِ، وعَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ والرَّبِيعِ: عِظامُ نَفْسِهِ قالُوا: أوَّلُ ما أحْيا اللَّهُ تَعالى مِنهُ عَيْناهُ وسائِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ وعِظامُهُ نَخِرَةٌ فَأمَرَ بِالنَّظَرِ إلَيْها، وقِيلَ: عِظامُهُ وعِظامُ حِمارِهِ والكُلُّ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

﴿ كَيْفَ نُنْشِزُها ﴾ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ مِنَ الإنْشازِ وهو الرَّفْعُ أيْ كَيْفَ نَرْفَعُها مِنَ الأرْضِ فَنَرُدُّها إلى أماكِنِها مِنَ الجَسَدِ، وقالَ الكِسائِيُّ: نُلَيِّنُها ونُعَظِّمُها، وقَرَأ أُبِيٌّ (نُنْشِيها)، وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (نُنْشِرُها) مَن أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَوْتى أحْياها ولَعَلَّ المُرادَ بِالإحْياءِ ما تَقَدَّمَ لا مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا ﴾ أيْ نَسْتُرُها بِهِ كَما نَسْتُرُ الجَسَدَ بِاللِّباسِ، وقَرَأ أبانُ عَنْ عاصِمٍ (نَنْشُرُها) بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ والرّاءِ وهو حِينَئِذٍ مِنَ النَّشْرِ ضِدُّ الطَّيِّ كَما قالَ الفَرّاءُ فالمَعْنى كَيْفَ نُبَسِّطُها، والجُمْلَةُ قِيلَ: إمّا حالٌ مِنَ العِظامِ، أيْ وانْظُرْ إلَيْها مُرَكَّبَةً مَكْسُوَّةً لَحْمًا، أوْ بَدَلُ اِشْتِمالٍ، أيْ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفِيَّةَ إنْشازِها وبَسْطِ اللَّحْمِ عَلَيْها، واعْتُرِضَتِ الحالِيَّةُ بِأنَّ الجُمْلَةَ اِسْتِفْهامِيَّةٌ وهي لا تَقَعُ حالًا، وأُجِيبَ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَيْسَ حَقِيقَتَهُ فَما المانِعُ مِنَ الحالِيَّةِ، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِكَيْفِيَّةِ نَفْخِ الرُّوحِ كَما قِيلَ لِما أنَّها مِمّا لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ بَيانَها، وفي بَعْضِ الآثارِ إنَّ مَلَكًا نادى العِظامَ فَأجابَتْ وأقْبَلَتْ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ ثُمَّ ألْبَسَها العُرُوقَ والعَصَبَ ثُمَّ كَساها اللَّحْمَ ثُمَّ أنْبَتَ عَلَيْها الجِلْدَ والشَّعْرَ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَقامَ الحِمارُ رافِعًا رَأْسَهُ وأُذُنَيْهِ إلى السَّماءِ ناهِقًا.

﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ أيِ اِتَّضَحَ اِتِّضاحًا تامًّا لَهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ مِن كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ بِمَبادِيهِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ الأمْرُ المَذْكُورُ وإنَّما حُذِفَ لِلْإيذانِ بِظُهُورِ تَحَقُّقِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ ولِلْإشْعارِ بِسُرْعَةِ وُقُوعِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأنْشَرَها اللَّهُ تَعالى وكَساها لَحْمًا فَنَظَرَ إلَيْها فَتَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّتُهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ ذَلِكَ ﴿ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ما شُوهِدَ ﴿ قَدِيرٌ  ﴾ وقِيلَ: فاعِلُ (تَبَيَّنَ) مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ مَفْعُولُ (أعْلَمُ) فالكَلامُ مِن بابِ التَّنازُعِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ شَرْطَ التَّنازُعِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النُّحاةُ اِشْتِراكُ العامِلَيْنِ بِعَطْفٍ ونَحْوِهِ بِحَيْثُ يَرْتَبِطانِ فَلا يَجُوزُ ضَرَبَنِي أهَنْتُ زَيْدًا قِيلَ: ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْهُ إلّا اِبْنُ عُصْفُورٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِذاتِ الفَنِّ بِخِلافِهِ كَأبِي عَلِيٍّ وغَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُخَصَّ بِالعَطْفِ إذْ هو جارٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ و(لَمّا) رابِطَةٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ فَيَكْفِي مِثْلُهُ في الرَّبْطِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَحْسَنَ أنْ يَجْعَلَ مِن بابِ ما يَكُونُ المُرادُ بِالفِعْلِ نَفْسَ وُقُوعِهِ لا التَّلَبُّسَ بِالفاعِلِ فَكانَ مَعْناهُ فَلَمّا حَصَلَ لَهُ التَّبَيُّنُ قالَ أعْلَمُ الخ، ويُساعِدُهُ قِراءَةُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ نَظَرًا إلى أنَّ أصْلَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ بَلْ إنَّما تَبَدَّلَ بِالعِيانِ وصْفُهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما قالَ ما قالَ بِناءً عَلى الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ واسْتِعْظامًا لِلْأمْرِ، وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ (قِيلَ اِعْلَمْ) عَلى وجْهِ الأمْرِ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ﴿ قالَ أعْلَمُ ﴾ ويَقُولُ: لَمْ يَكُنْ بِأفْضَلَ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ ﴾ وبِذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والآمِرُ هو اللَّهُ تَعالى أوِ النَّبِيُّ أوِ المَلَكُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ هو نَفْسُهُ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ مُبَكِّتًا لَها مُوَبِّخًا عَلى ما اِعْتَراها مِن ذَلِكَ الِاسْتِبْعادِ.

يُرْوى أنَّهُ بَعْدَ هَذا القَوْلِ قامَ فَرَكِبَ حِمارَهُ حَتّى أتى مَحَلَّتَهُ فَأنْكَرَهُ النّاسُ وأنْكَرَهم وأنْكَرَ مَنازِلَهم فانْطَلَقَ عَلى وهْمٍ مِنهم حَتّى أتى مَنزِلَهُ فَإذا هو بِعَجُوزٍ عَمْياءَ مُقْعَدَةٍ قَدْ أتى عَلَيْها مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً كانَتْ أمَةً لَهُ وكانَ قَدْ خَرَجَ عُزَيْرٌ وهي بِنْتُ عِشْرِينَ سَنَةً فَقالَ لَها: يا هَذِهِ أهَذا مَنزِلُ عُزَيْرٍ؟

قالَتْ: نَعَمْ وبَكَتْ وقالَتْ: ما رَأيْتُ أحَدًا مُنْذُ كَذا وكَذا سَنَةٍ يَذْكُرُ عُزَيْرًا وقَدْ نَسِيَهُ النّاسُ، قالَ: فَإنِّي أنا عُزَيْرٌ، قالَتْ: سُبْحانَ اللَّهُ فَإنَّ عُزَيْرًا قَدْ فَقَدْناهُ مُنْذُ مِائَةٍ سَنَةٍ فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ قالَ: فَإنِّي عُزَيْرٌ كانَ اللَّهُ تَعالى أماتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي قالَتْ: فَإنَّ عُزَيْرًا كانَ رَجُلًا مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ يَدْعُو لِلْمَرِيضِ ولِصاحِبِ البَلاءِ بِالعافِيَةِ والشِّفاءِ فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي حَتّى أراكَ فَإنْ كُنْتَ عُزَيْرًا عَرَفْتُكَ فَدَعا رَبَّهَ ومَسَحَ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْها فَصَحَّتا وأخَذَ بِيَدِها فَقالَ: قُومِي بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَأطْلَقَ اللَّهُ تَعالى رِجْلَيْها فَقامَتْ صَحِيحَةً كَأنَّما نَشِطَتْ مِن عِقالٍ فَنَظَرَتْ فَقالَتْ: أشْهَدُ أنَّكَ عُزَيْرٌ فانْطَلَقَتْ إلى مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وأنْدِيَتِهِمْ ومَجالِسِهِمْ، وابْنُ العُزَيْرِ شَيْخٌ اِبْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً وبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ في المَجْلِسِ فَنادَتْهم فَقالَتْ: هَذا عُزَيْرٌ قَدْ جاءَكم فَكَذَّبُوها فَقالَتْ: أنا فُلانَةٌ مَوْلاتُكم دَعا إلى رَبِّهِ فَرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وأطْلَقَ رِجْلَيَّ، وزَعَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ أماتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ فَنَهَضَ النّاسُ فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فَقالَ اِبْنُهُ: كانَتْ لِأبِي شامَةٌ سَوْداءُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ فَإذا هو عُزَيْرٌ فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِينا أحَدٌ حَفِظَ التَّوْراةَ فِيما حَدَّثَنا غَيْرُ عُزَيْرٍ وقَدْ حَرَقَ بُخْتَنَصَّرُ التَّوْراةَ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ إلّا ما حَفِظَتِ الرِّجالُ فاكْتُبْها لَنا وكانَ أبُوهُ قَدْ دَفَنَ التَّوْراةَ أيّامَ بُخْتَنَصَّرَ في مَوْضِعٍ لَمْ يَعْرِفْهُ غَيْرُ عُزَيْرٍ فانْطَلَقَ بِهِمْ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ فَحَفَرَهُ فاسْتَخْرَجَ التَّوْراةَ وكانَ قَدْ عَفِنَ الوَرَقُ ودَرَسَ الكِتابُ فَجَلَسَ في ظِلِّ شَجَرَةٍ وبَنُو إسْرائِيلَ حَوْلَهُ فَنَزَلَ مِنَ السَّماءِ شِهابانِ حَتّى دَخَلا جَوْفَهُ فَتَذَّكَّرُ التَّوْراةَ فَجَدَّدَها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قَرَأها عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ ذَلِكَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ مِن غَيْرِ أنْ يَخْرِمَ مِنها حَرْفًا، فَقالَ رَجُلٌ مِن أوْلادِ المَسْبِيِّينَ مِمّا ورَدَ بَيْتُ المَقْدِسِ بَعْدَ مَهْلِكِ بُخْتَنَصَّرَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي أنَّهُ دُفِنَ التَّوْراةُ يَوْمَ سَبْيِنا في خابِيَةٍ في كَرْمٍ فَإنْ أرَيْتُمُونِي كَرْمَ جَدِّي أخْرَجْتُها لَكم فَذَهَبُوا إلى كَرْمِ جَدِّهِ فَفَتَّشُوها فَوَجَدُوها فَعارَضُوها بِما أمْلى عَلَيْهِمْ عُزَيْرٌ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فَما اِخْتَلَفا في حَرْفٍ واحِدٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآياتِ: ﴿ لا إكْراهَ في الدِّينِ ﴾ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ هو الهُدى المُسْتَفادُ مِنَ النُّورِ القَلْبِيِّ اللّازِمِ لِلْفِطْرَةِ وهو لا مَدْخَلَ لِلْإكْراهِ فِيهِ ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ ﴾ ووَضَحَ ﴿ الرُّشْدُ ﴾ الَّذِي هو طَرِيقُ الوَحْدَةِ وتَمَيَّزَ ﴿ مِنَ الغَيِّ ﴾ الَّذِي هو النَّظَرُ إلى الأغْيارِ ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ﴾ وهو ما سِوى اللَّهِ تَعالى ﴿ ويُؤْمِن بِاللَّهِ ﴾ إيمانًا حَقِيقِيًّا شُهُودِيًّا ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى ﴾ الَّتِي هي الوَحْدَةُ الذّاتِيَّةُ ﴿ لا انْفِصامَ لَها ﴾ في نَفْسِها لِأنَّها المُوافِقَةُ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، والمُمْكِناتُ والشُّؤُونُ داخِلَةٌ في دائِرَتِها غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ عَنْها ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ يَسْمَعُ قَوْلَ كُلِّ ذِي دِينٍ، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيَّتِهِ ﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ولَيْسَ ولِيٌّ سِواهُ ولا ناصِرٌ ولا مُعِينٌ لَهم غَيْرُهُ ﴿ يُخْرِجُهم مِنَ ﴾ ظُلُماتِ النَّفْسِ وشُبَهِ الخَيالِ والوَهْمِ إلى نُورِ اليَقِينِ والهِدايَةِ وفَضاءِ عالَمِ الأرْواحِ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالمَيْلِ إلى الأغْيارِ ﴿ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ ﴾ الَّذِي حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ﴿ يُخْرِجُونَهم مِنَ ﴾ نُورِ الِاسْتِعْدادِ والهِدايَةِ الفِطْرِيَّةِ إلى ظُلُماتِ صِفاتِ النَّفْسِ والشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المُبْعِدُونَ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ أصْحابُ النّارِ ﴾ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ، ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ ﴾ وهو نَمْرُوذُ النَّفْسُ الأمّارَةُ المُجادِلَةُ لِإبْراهِيمَ الرُّوحِ القُدْسِيَّةِ الَّتِي أُلْقِيَتْ في نارِ الطَّبِيعَةِ فَعادَتْ عَلَيْها بَرْدًا وسَلامًا، أوْ نَمْرُوذُ الجَبّارُ وإبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ الَّذِي هو عالَمُ القُوى البَدَنِيَّةِ ومُلْكُ هَذِهِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ ﴿ إذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ الرُّوحُ أوْ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ ﴿ رَبِّيَ ﴾ أيْ مَن غُذِّيتُ بِبَيانِ أنْوارِهِ أوْ إيجادِهِ وهِدايَتِهِ ﴿ الَّذِي يُحْيِي ﴾ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ ﴿ ويُمِيتُ ﴾ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، أوْ يَحْيى ويُمِيتُ الإحْياءَ والإماتَةَ المَعْهُودَتَيْنِ (قالَ) نَمْرُوذُ النَّفْسُ الأمّارَةُ أوِ الجَبّارُ ﴿ أنا أُحْيِي ﴾ بَعْضَ القُوى بِصَرْفِها في مَيادِينِ اللَّذّاتِ واسْتِنْشاقِ رِيحِ الشَّهَواتِ ﴿ وأُمِيتُ ﴾ بَعْضَها بِتَعْطِيلِهِ عَنْ ذَلِكَ بُرْهَةً، أوْ أُحْيِيَ بِالعَفْوِ وأُمِيتُ بِالقَتْلِ، ﴿ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ الرُّوحُ أوِ الخَلِيلُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي ﴾ بِشَمْسِ العِرْفانِ مِن مَشْرِقِها وهو جانِبُ المَبْدَأِ الفَيّاضِ ﴿ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ ﴾ أيْ أظْهِرْها بَعْدَ غُرُوبِها وحَيْلُولَةِ أرْضِ الوُجُودِ بَيْنَكَ وبَيْنَها، أوْ أنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِشَمْسِ الرُّوحِ مِن مَشْرِقِها وهو مَبْدَأُها الأصْلِيُّ فَتُشْرِقُ أنْوارُها عَلى صَفَحاتِ البَدَنِ فَأْتِ بِها بَعْدَما غَرَبَتْ أيْ فَأرْجِعْها إلى مَن قَتَلْتَهُ وأُمَّتَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ ﴿ فَبُهِتَ ﴾ وغُلِبَ ﴿ الَّذِي كَفَرَ ﴾ وهو النَّفْسُ الأمّارَةُ المُدَّعِيَةُ لِلرُّبُوبِيَّةِ عَلى عَرْشِ البَدَنِ أوْ نَمْرُوذُ اللَّعِينُ ﴿ أوْ كالَّذِي مَرَّ ﴾ وهو العَقْلُ الإنْسانِيُّ ﴿ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ القَلْبُ الَّذِي هو البَيْتُ المُقَدَّسُ، أوْ هو عُزَيْرٌ النَّبِيُّ وكانَ قَدِمَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّجَلِّي بِاسْمِهِ تَعالى المُحْيِي ﴿ وهِيَ خاوِيَةٌ ﴾ خالِيَةٌ مِنَ التَّجَلِّياتِ النّافِعَةِ، ثابِتَةٌ ﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ صُوَرِها أوْ ساقِطَةٌ مُنْهَدِمَةٌ لِضَعْفِ أُسِّ الِاسْتِعْدادِ عَلى عُرُوشِ العَزائِمِ (قالَ) لِذُهُولِهِ عَنِ النَّظَرِ إلى الحَقائِقِ (أنّى) مَتى أوْ كَيْفَ ﴿ يُحْيِي هَذِهِ ﴾ القَرْيَةَ ﴿ اللَّهُ ﴾ الجامِعُ لِصِفاتِ الجَمالِ والجَلالِ ﴿ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ بِداءِ الجَهْلِ والِالتِفاتِ إلى السِّوى ﴿ فَأماتَهُ اللَّهُ ﴾ أبْقاهُ جاهِلًا ﴿ مِائَةَ عامٍ ﴾ أيْ مُدَّةً طَوِيلَةً، وقِيلَ: هي عِبارَةٌ في الأصْلِ عَنْ ثَمانِيَةِ أعْوامٍ وأرْبَعَةِ أشْهُرٍ أوْ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ وطَلَبَ مِنهُ الوُقُوفَ عَلى مُدَّةِ اللُّبْثِ فَما ظَنَّها إلّا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ اِسْتِصْغارًا لِمُدَّةِ اللُّبْثِ في مَوْتِ الجَهْلِ المُنْقَضِيَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، أوْ أماتَهُ بِالمَوْتِ الإرادِيِّ في إحْدى المُدَدِ المَذْكُورَةِ فَتَكُونُ المُدَّةُ زَمانَ رِياضَتِهِ وسُلُوكِهِ ومُجاهَدَتِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، أوْ أماتَهُ حَتْفَ أنْفِهِ بِالمَوْتِ الطَّبِيعِيِّ ثُمَّ بَعَثَهُ بِالإحْياءِ، قالَ: بَلْ لَبِثْتَ في الحَقِيقَةِ مِائَةَ عامٍ.

﴿ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ ﴾ وكانَ التِّينَ أوِ العِنَبَ، والأوَّلُ: إشارَةٌ إلى المُدْرَكاتِ الكُلِّيَّةِ لِكَوْنِهِ لُبًّا كُلِّهِ وكَوْنِ الجُزْئِيّاتِ فِيهِ بِالقُوَّةِ كالحَبّاتِ الَّتِي في التِّينِ، والثّانِي: إشارَةٌ إلى الجُزْئِيّاتِ لِبَقاءِ اللَّواحِقِ المادِّيَّةِ مَعَها في الإدْراكِ كالقِشْرِ والعَجَمِ ﴿ وشَرابِكَ ﴾ وكانَ عَصِيرَ العِنَبِ أوِ اللَّبَنِ، والأوَّلُ: إشارَةٌ إلى العِشْقِ والإرادَةِ وعُلُومِ المَعارِفِ والحَقائِقِ، والثّانِي: إشارَةٌ إلى العِلْمِ النّافِعِ كالشَّرائِعِ ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ أيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَمّا كانَ في الأوَّلِ بِحَسَبِ الفِطْرِ مُودَعًا فِيكَ، فَإنَّ العُلُومَ مَخْزُونَةٌ في كُلِّ نَفْسٍ بِحَسَبِ اِسْتِعْدادِهِ والنّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وإنْ حُجِبَتْ بِالمَوادِّ وخَفِيَتْ مُدَّةً بِالتَّقَلُّبِ في البَرازِخِ وظُلُماتِها لَمْ تَبْطُلْ ولَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حالِها حَتّى إذا رُفِعَ الحِجابُ ظَهَرَتْ كَما كانَتْ ﴿ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ﴾ وهو القالَبُ الحامِلُ لِلْقَلْبِ أوْ المَعْنى الظّاهِرُ ﴿ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً ﴾ أيْ دَلِيلًا ﴿ لِلنّاسِ ﴾ بَعَثْناكَ ﴿ وانْظُرْ إلى العِظامِ ﴾ مِنَ القُوى ﴿ كَيْفَ نُنْشِزُها ﴾ ونَرْفَعُها عَنْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ﴿ ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا ﴾ وهو العِرْفانُ الَّذِي يَكُونُ لِباسًا لَها، وعَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّحْمِ لِنُمُوِّهِ وزِيادَتِهِ كُلَّما تَغَذَّتِ الرُّوحُ بِأطْعِمَةِ الشُّهُودِ وأشْرِبَةِ الوِصالِ، والمَعْنى الظّاهِرُ ظاهِرٌ ﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ ﴾ ووَضَحَ (لَهُ) ذَلِكَ ﴿ قالَ أعْلَمُ ﴾ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا ﴿ أنّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ما كانَ ﴿ قَدِيرٌ ﴾ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ ولا يُعْجِزُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قال بعضهم: معناه إحيائي ليس كإحياء النمرود، ولكن إحيائي كإحياء عزير-  - أحييته بعد مائة عام.

وقال بعضهم هو معطوف على ما سبق من قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة: 243] وإِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة: 258] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.

قال مقاتل: والذي مرَّ على قرية هو عزير بن شرخيا، وكان من علماء بني إسرائيل، فمرَّ بدير هرقل بين واسط والمدائن على حمار فمرَّ بها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها.

وقال الضحاك بن مزاحم: هو عزير النبي-  - مرَّ ببيت المقدس، وقد خربها بخت نصر، وقتل منهم سبعين ألفاً، وأسر منهم سبعين ألفاً، أي من بني إسرائيل فمرَّ عزير فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن بخت نصر غزا بني إسرائيل، فسبى منهم ناساً كثيرةً، فجاء بهم وفيهم عزير بن شرخيا وكان من علماء بني إسرائيل، فجاء بهم إلى بابل.

فخرج ذات يوم لحاجة له إلى دير هرقل على شاطئ دجلة، فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له، فربط حماره تحت ظل شجرة، ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكناً وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، يقول: ساقطة على سقوفها، وذلك أن السقف يقع قبل الحيطان ثم الحيطان على السقف، فَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا.

قال بعض أهل اللغة: الخاوية، الخالية.

وقال بعضهم: بقيت حيطانها لا سقوف عليها.

وقال الزجاج: عروشها هي الخيام وهي بيوت الأعراب.

فتناول من الفاكهة والتين والعنب، ثم رجع إلى حماره فجلس يأكل من تلك الفاكهة، ثم عصر من العنب فشربه، ثم جعل فضل التين والعنب في سلة، وفضل العصير في الزق ثم نظر إلى القرى فتعجب من كثرة ثمرها وفناء أهلها ف قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فلم يشك في البعث، ولكن أحب أن يريه الله كيف يحيي الموتى.

فلما تكلم عزير بذلك، نام في ذلك الموضع.

فَأَماتَهُ اللَّهُ في منامه مِائَةَ عامٍ، وأمات حماره، ثُمَّ بَعَثَهُ الله تعالى في آخر النهار، ومنعه الله تعالى- في حال موته- عن أبصار الناس والسباع والطير.

فلما بعثه الله تعالى، سمع صوتاً قالَ له: كَمْ لَبِثْتَ، أي كم مكثت في نومك يا عزير؟

قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً ثم نظر إلى الشمس، وقد بقي منها شيء لم تغرب فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

قالَ له: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ، يعني كنت ميتاً مائة عام، ثم أخبره ليعتبر.

فقال: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ، يعني الفاكهة وَشَرابِكَ، يعني العصير.

لَمْ يَتَسَنَّهْ، يعني لم يتغير، كقوله: مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: 15] ، أي غير متغير.

ويقال: لم يتسنّه، كأنه لم تأت عليه السنون.

قرأ حمزة وابن عامر وأبو عمرو: كَمْ لَبِثْتَ بإدغام الثاء والتاء.

وقرأ الباقون بإظهارها.

وقرأ الكسائي: لم يتسنّ بغير هاء عند الوصل وأثبتت عند القطع.

وقرأ حمزة: بحذف الهاء عند الوصل والقطع جميعاً.

وقرأ الباقون بإثبات الهاء عند الوصل والقطع.

وقرأ نافع: أَنَا أُحْيِي بمد الألف، وكذلك في جميع القرآن نحو هذا، إلا في قوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ [الأعراف: 188] وقرأ الباقون بغير مد ومعنى القراءتين في هذا كله واحد.

ثم نظر عزير-  - إلى حماره وقد بلي فنودي: انظر إلى حمارك، فإذا هو عظم أبيض يلوح، وقد تفرقت أوصاله.

ثم سمع صوتاً قال: أيتها العظام البالية، إني جاعل فيكن روحاً فاجتمعن، فسعى بعضها إلى بعض حتى استقر كل شيء في موضعه، ثم بسط عليه الجلد ونفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق.

فخرَّ عزير ساجداً لله تعالى وقال عند ذلك: أعلم إن الله على كل شىء قدير فذلك قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، أي عبرة للناس، لأن أولاده قد صاروا شيوخاً وقد كان شاباً.

وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالزاي، وقرأ الباقون بالراء.

فمن قرأ بالراء، فمعناه كيف نحييها.

ونظيرها أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [الأنبياء: 21] ، أي يبعثون الموتى.

ومن قرأ بالزاي: أي كيف يضم بعضها إلى بعض.

النشز: ما ارتفع من الأرض.

وهذا كما جاء في الأثر: الرضاع ما أنبت اللحم، وأنشز العظم.

وقال أهل اللغة: أصل النشز الحركة يقال: نشز الشيء إذا تحرك، ونشزت المرأة عن زوجها والمراد هاهنا تضمنها.

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ، قرأ حمزة والكسائي: أَعْلَمُ بالجزم على مضي الأمر، وقرأ الباقون: قالَ أَعْلَمُ على معنى الخبر عن نفسه ومعناه علمت بالمعاينة ما كنت أعلمه قبل ذلك غيباً.

أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الإحياء وغيره.

وقال بعضهم: أن عزيراً لما أحياه الله تعالى قال في نفسه: كم لبثت؟

قال: لبثت يوما أو بعض يوم.

فلما رجع إلى منزله ولقيه أقرباؤه وحسبوا غيبته، فقالوا له: بل لبثت مائة عام وهذا قول من قال: إن هذا لم يكن عزيراً النبي-  - بل رجل آخر سوى عزير النبي-  -.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ولما كان الإِيمان ممَّا ينطقُ به اللِّسان، ويعتقده القلبُ، حَسُن في الصفاتِ- سَمِيعٌ: من أجل النّطق، وعَلِيمٌ من أجْل المعتقَدِ.

قوله سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: الوليُّ من: وَلِيَ، فَإِذا لازم أحدٌ أحداً بنَصْره، وودِّه، واهتباله، فهو وليُّه هذا عُرْفُهُ لغةً، ولفظ الآية مترتِّب في الناس جميعاً، وذلك أن منْ آمن منهم، فاللَّه وليُّه، أخرجه من ظلمة الكُفْر إِلى نور الإِيمان، ومَنْ كفر بعد وجودِ الرسول صلّى الله عليه وسلم فَشَيْطَانَهُ ومُغْوِيهِ أخرجه من الإِيمان إِذ هو معدٌّ وأهل للدخول فيه، ولفظ الطاغوت في هذه الآيةِ يَقْتَضِي أنَّه اسم جنْسٍ ولذلك قال: أَوْلِياؤُهُمُ بالجمع إذ هي أنواع.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ...

الاية: أَلَمْ تَرَ: تنبيهٌ، وهي رؤية القَلْب، والَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، هو نُمْرَوذُ بْنُ كَنْعَانَ «١» مَلِكُ زمانه، وصاحبُ النَّار، والبَعُوضَةِ، قاله مجاهد وغيره «٢» ، قال قتادة: هو أولُ من تجبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ «٣» ، قيل: إِنه مَلكَ الدُّنْيَا بأجمعها، وهو أحد الكَافِرَيْنِ، والآخر بُخْتَ نَصَّرَ «٤» ، وقيل: إِن النُّمْرُوذَ الذي حاجَّ إِبراهيم هو نُمْرُوذُ بْنُ فَالخ، وفي قصص هذه

المحاجَّة روايتان.

إحداهما: ذكر زيْد بن أسْلم أنَ النُّمْروذ هذا قَعَدَ يأمر للنَّاس بالميرة «١» ، فكلَّما جاء قومٌ، قال: مَنْ رَبُّكُمْ وَإِلَهُكِمْ، فيقولُونَ: أَنْتَ، فيقولُ: مِيرُوهُمْ، وجاء إِبراهيم- عليه السلام-، يَمْتَارُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ وَإِلَهُكَ؟

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا نُمْرُوذُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فَعَارَضَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ الشَّمْسِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وَقَالَ: لاَ تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ على كَثِيبٍ رَمْلٍ كَالدَّقِيقِ، فَقَالَ: لَوْ مَلأْتُ غَرَارَتِي مِنْ هَذَا، فَإذَا دَخَلْتُ بِهِ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ حتى أَنْظُرَ لَهُمَا، فَذَهَبَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ، وَجَعَلاَ يَلْعَبَانِ فَوْقَ الغِرَارَتَيْنِ، وَنَامَ هُوَ مِنَ الإِعْيَاءِ، فَقَالَتِ امرأته: لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعَاماً يَجِدُهُ حَاضِراً، إِذَا انتبه، فَفَتَحَتْ إِحْدَى الْغِرَارَتَيْنِ، فَوَجَدَتْ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحَوَارِيِّ، فَخَبَزَتْهُ، فَلَمَّا قَامَ: وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟

قَالَتْ: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إِبْرَاهِيمُ أنَّ اللَّه يسَّر لَهُمْ ذَلِكَ.

وقال «٢» الربيعُ وغيره في هذا القصص: إِن النُّمروذَ لَمَّا قال: أنَا أُحْيِي وأُمِيتُ، أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَل أحَدَهُمَا، وأَرْسَلَ الآخَرَ، وقَالَ: قَدْ أحْيَيْتُ هَذَا، وأَمَتُّ هذا، فردَّ علَيْهِ إِبراهيمُ بأمْرِ الشمْسِ «٣» .

والروايةُ الأخرى: ذكر السُّدِّيُّ أنه لما خَرَجَ إِبراهيمُ من النَّار، وأُدْخِلَ على المَلِكِ، قالَ له: مَنْ ربُّكَ؟

قَالَ: ربِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ «٤» .

يقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ، إِذا انقطعَ، وقامت عليه الحجّة.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: إخبار لمحمّد صلّى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى:

لا يرشدهم في حججهم على ظُلْمهم، وظاهر اللفْظ العمومُ، ومعناه الخصوصُ لأنَّ اللَّه سبحانه قد يَهْدي بعْضَ الظالمينَ بالتَّوْبة والرجوع إِلى الإِيمان.

قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ...

الآية: عطفت «أوْ» في هذه الآية على المعنى الَّذِي هو التعجُّب في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ.

٦٦ أقال ابن عبَّاس وغيره: الذي مَرَّ على القَرْيَة هو عُزَيْرٌ، وقال «١» / وهْبُ بن مُنَبِّهٍ وغيره: هو أَرْمِيَا «٢» ، قال ابن إِسحاق: أَرْمِيَا هو الخَضِرُ «٣» ، وحكاه النَّقَّاش عن وهْب بن منَبِّه.

واختلف في القَرْيَةِ، مَا هِيَ؟

فقِيلَ: المُؤْتَفِكَةُ، وقال زيْدُ بن أسلم: قريةُ الَّذين خَرَجُوا مِنْ ديارهم، وهم أُلُوفٌ «٤» ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ، وقتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع، وعِكْرِمَة: هي بَيْت المَقْدِسِ «٥» ، لما خرَّبها بُخْتَ نَصَّرُ البابليُّ، والعَرِيشُ: سقْف البيتِ، قال السُّدِّيُّ: يقول: هي ساقطةٌ على سَقْفِها، أي: سقطت السقْف، ثم سقطت الحيطانُ عليها «٦» ، وقال غيره: معناه: خاوية من الناس، وخاوية: معناه: خاليةٌ يقال: خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وخُوِيًّا، ويقال: خويت، قال الطبريُّ «٧» : والأول أفصح، قال ص:

وَهِيَ خاوِيَةٌ في موضع الحالِ من فَاعِلِ «مرّ» أو من «قرية» وعَلى عُرُوشِها: قيل:

على بابِهَا، والمعنى: خاويةٌ من أهلها، ثابتةٌ على عروشها، والبُيُوت قائمةٌ، والمَجْرور على هذا يتعلَّق بمحذوفٍ، وهو ثابتةٌ، وقيل: يتعلَّق ب «خَاوِيَة» والمعنى: وقعتْ جُدُرَاتُهَا على سقوفها بعْد سُقُوط السقوفِ.

انتهى، وقد زدنا هذا المعنى وضوحاً في سورة الكهف، واللَّه الموفِّق بفضله.

وقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها: ظاهر اللفظ السؤَالُ عن إِحياءِ القَرْيَة بعمارةٍ أو سُكَّانٍ، فكأنَّ هذا تلهُّفٌ من الواقِفِ المعتبر على مدينة أحبَّته، ويحتمل أنْ يكونَ سؤاله إِنما كانَ عن إِحياء الموتى، فضرب له المَثَل في نَفْسه، وحكى الطبريُّ «١» عن بعضهم أنَّ هذا القَوْلَ منه شك في قدرة اللَّه على الإِحياء قال ع «٢» : والصواب ألاَّ يتأول في الآية شكٌّ، وروي في قصص هذه الآية أنَّ بني إِسرائيل، لَمَّا أحدثوا الأحدَاثَ، بعث اللَّه عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، فقتَلَهُم، وجَلاَهم من بْيتِ المَقْدِسِ، وخرَّبه، فلَمَّا ذهب عنه، جاء عُزَيْرٌ أَوْ أزمِيَّا، فوقَف على المدينة معتبراً، فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فأماته اللَّه تعالى، وكان معه حمارٌ قد رَبَطَهُ بحَبْلٍ جديدٍ، وكان معه سَلَّة فيها تِينٌ هو طعامه، وقيل: تِينٌ وعِنَبٌ، وكانتْ معه رِكْوة «٣» من خَمْر، وقيل: من عصيرٍ، وقيل: قُلَّة من ماءٍ هي شرابُهُ، وبقي ميتاً مائةَ عامٍ، فروي أنَّه بَلِيَ، وتفرَّقت عظامه هو وحمارُهُ، وروي أنَّ الحمار بَلِيَ، وتفرَّقت أوصاله، دون عُزَيْرٍ.

وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثَهُ: معناه: أحياه، فسأله اللَّه تعالى بوسَاطَةِ المَلَكِ، كَمْ لَبِثْتَ على جهة التقرير، فقال: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قال ابن جُرَيْج، وقتادة، والربيع: أماته اللَّه غدوة يَوْمٍ، ثم بعثه قُرْبَ الغروبِ، فظنَّ هو اليومَ واحداً، فقال: لَبِثْتُ يوماً، ثم رأى بَقِيَّةً مِن الشمْسِ، فَخَشِيَ أنْ يكون كاذباً، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فقيل له:

وقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، أي: لم يتغيّر.

ت: قال البخاريُّ في «جامعه» : يَتَسَنَّهْ: يتغيَّر.

وأمَّا قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ، فقال وهْبُ بن منَبِّه وغيره: المعنى: انظر إِلى اتصال عظامِهِ، وإِحيائه جُزْءاً جُزْءاً «١» ، ويروى أنه أحياه اللَّهُ كذلك حتى صار عظَاماً ملتئِمَةً، ثم كساه لَحْماً، حتى كمل حماراً، ثم جاء ملَكٌ، فنفَخَ في أنْفِهِ الرُّوح، فقام الحمارُ ينْهَقُ.

ورُوِيَ عن الضَّحَّاكِ، ووهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيضاً أنهما قالا: بل قيلَ لَهُ: وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه، لم يُصِبْهُ شيء مِائَةَ سَنَةٍ، قالا: وإِنما العظامُ التي نَظَر إِلَيْها عظامُ نَفْسِهِ، وأعمى اللَّه العُيُون عنه، وعن حِمَاره طُولَ هذه المُدَّة «٢» ، وكثّر أهل القصص في ٦٦ ب صورة هذه النَّازلة تَكْثيراً اختصرته، / لعدم صحته.

وقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، قال ع «٣» : وفي إِمَاتَتِهِ هذه المُدَّةَ، ثم إِحيائِهِ- أعظمُ آية، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر.

ت: قال ابن هِشَامٍ: لا يصحُّ انتصاب «مِائَة» ب «أَمَاتَهُ» لأن الإِماتة سلْبُ الحياة، وهي لا تمتدُّ، وإِنما الوجْهُ أنْ يضمَّن «أَمَاتَهُ» معنى «أَلْبَثَهُ» ، فكأنه قيلَ: فألبثه اللَّه بالمَوْت مِائَةَ عامٍ وحينئذٍ يتعلَّق به الظرف.

انتهى من «المُغْنِي» .

ومعنى «نُنْشِرُهَا» ، أي: نُحْيِيها، وقرأ حمزةُ وغيره: «نُنْشِزُهَا» «٤» ومعناه: نرفعها، أي: ارتفاعا قليلاً قليلاً فكأنه وَقَفَ على نباتِ العظامِ الرُّفَاتِ، وقال النَّقَّاشُ: نُنْشِزُهَا:

معناه: نُنْبِتُهَا، ومِنْ ذلك: نَشَزَ نَابُ البعير.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، مَعْناهُ: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ، أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ؟

وفي المُرادِ بِالقَرْيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ لَمّا خَرَّبَهُ بُخْتِنْصَّرُ، قالَهُ وهْبٌ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّانِي: أنَّها الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ حَذَرَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ: وفي الَّذِي مَرَّ عَلَيْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عُزَيْرٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ أرْمِياءُ، قالَهُ وهْبٌ، ومُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَجُلٌ كافِرٌ شَكَّ في البَعْثِ، نَقَلَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخاوِيَةُ: الخَرابُ، والعُرُوشُ: السُّقُوفُ، وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ تَسْقُطَ السُّقُوفُ، ثُمَّ تَسْقُطُ الحِيطانُ عَلَيْها ﴿ قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ ﴾ أيْ: كَيْفَ يُحْيِيها.

فَإنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الرَّجُلَ نَبِيٌّ، فَهو كَلامُ مَن يُؤْثِرُ أنْ يَرى كَيْفِيَّةَ الإعادَةِ، أوْ يَسْتَهْوِ لَها، فَيُعَظِّمُ قُدْرَةَ اللَّهِ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ رَجُلًا كافِرًا، فَهو كَلامُ شاكٍّ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ .

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِ.

رَوى ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: خَرَجَ عُزَيْرٌ نَبِيُّ اللَّهِ مِن مَدِينَتِهِ، وهو رَجُلٌ شابٌّ، فَمَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، فَقالَ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها، فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ، وأوَّلُ ما خَلْقَ اللَّهِ مِنهُ عَيْناهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى عِظامِهِ تَنْضَمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا، ونُفِخَ فِيها الرُّوحُ.

قالَ الحَسَنُ: قَبَضَهُ اللَّهُ أوَّلَ النَّهارِ، وبَعَثَهُ آَخِرَ النَّهارِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: ونُودِيَ مِنَ السَّماءِ: كَمْ لَبِثْتَ؟

قالَ قَتادَةُ: فَقالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا، ثُمَّ نَظَرَ فَرَأى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمْسِ، فَقالَ: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عُزَيْرٌ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أقامَ أرْمَيا بِأرْضِ مِصْرَ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ الحَقَّ بِأرْضِ إيلِياءَ، فَرَكِبَ حِمارَهُ، وأخَذَ مَعَهُ سَلَّةً مِن عِنَبٍ وتِينٍ، ومَعَهُ سِقاءٌ جَدِيدٌ، فِيهِ ماءٌ، فَلَمّا بَدا لَهُ شَخَصَ بَيْتَ المَقْدِسِ وما حَوْلَهُ مِنَ القُرى [والمَساجِدِ ] نَظَرَ إلى خَرابٍ لا يُوصَفُ [فَلَمّا رَأى هَدْمَ بَيْتِ المَقْدِسِ كالجَبَلِ العَظِيمِ ] قالَ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟

ثُمَّ نَزَلَ مِنها مَنزِلًا، ورَبَطَ حِمارَهُ، [وَعَلَّقَ سِقاءَهُ ] فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ النُّوَّمَ، ونَزَعَ رُوحَهُ مِائَةَ عامٍ، فَلَمّا مَرَّ مِنها سَبْعُونَ عامًا، أرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسٍ، عَظِيمٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَنْفِرَ بِقَوْمِكَ، فَتُعَمِّرَ بَيْتَ المَقْدِسِ وإيلِياءَ وأرْضَها حَتّى تَعُودَ أعْمَرَ ما كانَتْ، [فَقالَ المَلِكُ: أنْظِرْنِي ثَلاثَةَ أيّامٍ حَتّى أتَأهَّبَ لِهَذا العَمَلِ، ولِما يُصْلِحُهُ مِن أداةِ العَمَلِ، فَأنْظَرَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ] فانْتَدَبَ ثَلاثَمِائَةِ قَهْرَمانَ، ودَفَعَ إلى كُلِّ قَهْرَمانَ ألْفَ عامِلٍ، وما يُصْلِحُهُ مِن أداةِ العَمَلِ [فَسارَ إلَيْها قَهارَمَتُهُ ومَعَهم ثَلاثُمِائَةِ ألْفِ عامِلٍ ] فَلَمّا وقَعُوا في العَمَلِ، رَدَّ اللَّهُ رُوحَ الحَياةِ في عَيْنَيْ أرَمِيا، وآَخِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ، فَنَظَرَ إلَيْها تُعَمَّرُ، فَلَمّا تَمَّتْ بَعْدَ ثَلاثِينَ سَنَةً؛ رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ الرَّوْحَ، فَنَظَرَ إلى طَعامِهِ وشَرابِهِ لَمْ يَتَسَنَّهْ [وَنَظَرَ إلى حِمارِهِ واقِفًا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ رَبَطَهُ لَمْ يَطْعَمْ ولَمْ يَشْرَبْ، ونَظَرَ إلى الرُّمَّةِ في عُنُقِ الحِمارِ لَمْ تَتَغَيَّرْ جَدِيدَةً، وقَدْ أتى عَلى ذَلِكَ رِيحُ مِائَةِ عامٍ، وبَرْدُ مِائَةِ عامٍ، وحَرُّ مِائَةِ عامٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ ولَمْ تَنْتَقِصْ شَيْئًا، وقَدْ نَحَلَ جِسْمُ أرَمَيا مِنَ البِلى، فَأنْبَتَ اللَّهُ لَهُ لَحْمًا جَدِيدًا، ونَشَزَ عِظامُهُ وهو يَنْظُرُ، فَقالَ لَهُ اللَّهُ: انْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنّاسِ، وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] .

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ "لَبِثْتُ" و"لَبِثْتُمْ" في كُلِّ القُرْآَنِ بِإظْهارِ التّاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالإدْغامِ [لَبِتُّ ] قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن بَيَّنَ "لَبِثْتُ" فَلِتَبايُنِ المُخْرَجَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ الظّاءَ والذّالَ والثّاءَ مِن حَيِّزٍ، والطّاءَ والتّاءَ والدّالَ مِن حَيِّزٍ، فَلَمّا تَبايَنَ المَخْرَجانِ، واخْتَلَفَ الحَيِّزانِ، لَمْ يُدْغَمْ.

ومَن أدْغَمَها أجْراها مَجْرى المِثْلَيْنِ، لِاتِّفاقِ الحَرْفَيْنِ في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِّسانِ، وأصُولُ الثَّنايا، واتِّفاقُهُما في الهَمْسِ ورَأى الَّذِي بَيْنَهُما مِنَ الِاخْتِلافِ يَسِيرًا، فَأجْراهُما مَجْرى المِثْلَيْنِ.

فَأمّا طَعامُهُ وشَرابُهُ، فَقالَ وهْبٌ: كانَ مَعَهُ مِكْتَلٌ فِيهِ عِنَبٌ وتِينٌ، وقُلَّةٌ فِيها ماءٌ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مَعَهُ تِينٌ وعِنَبٌ، وشَرابُهُ مِنَ العَصِيرِ، لَمْ يَحْمُضِ التِّينُ والعِنَبُ، ولَمْ يَخْتَمِرِ العَصِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: (يَتَسَنَّهْ) و(اقْتَدِهْ) و(ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ) و(سُلْطانِيَهْ) و(وَماهِيَهْ) بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ.

وكانَ حَمْزَةُ يَحْذِفُهُنَّ في الوَصْلِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُّ في حَذْفِ مَوْضِعَيْنِ (يَتَسَنَّهُ) و(اقْتَدِهْ) وكُلُّهم يَقِفُ عَلى الهاءِ.

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في (كِتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ) أنَّها بِالهاءِ وصْلًا ووَقْفًا.

فَأمّا مَعْنى: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.

لَمْ يَتَغَيَّرْ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يَتَغَيَّرْ بِمَرِّ السِّنِينِ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنَهِ، يُقالُ: سانَهْتُ النَّخْلَةَ: إذا حَمَلَتْ عامًا، وحالَتْ عامًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: انْظُرْ إلَيْهِ، وقَدِ ابْيَضَّتْ عِظامُهُ، وتَفَرَّقَتْ أوْصالُهُ، فَأعادَهُ اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ ﴾ اللّامُ صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا بِكَ ذَلِكَ لِنُرِيَكَ قُدْرَتَنا، ولِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنّاسِ، أيْ: عَلَمًا عَلى قُدْرَتِنا، فَأُضْمِرَ الفِعْلُ لِبَيانِ مَعْناهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ماتَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وابْنُهُ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ بُعِثَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ، وابْنُهُ ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةً، ثُمَّ أقْبَلَ حَتّى أتى قَوْمَهُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقالَ لَهُمْ: أنا عُزَيْرٌ، فَقالُوا: حَدَّثَنا آباؤُنا أنَّ عُزَيْرًا ماتَ بِأرْضِ بابِلَ، فَقالَ لَهُمْ: أنا هو أرْسَلَنِيَ اللَّهُ إلَيْكم أُجَدِّدُ لَكم تَوْراتَكم، وكانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ، ولَيْسَ مِنهم أحَدٌ يَقْرَؤُها، فَأمْلاها عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْظُرْ إلى العِظامِ ﴾ قِيلَ: أرادَ عِظامَ نَفْسِهِ، وقِيلَ: عِظامُ حِمارِهِ، وقِيلَ: هُما جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ نُنْشِزُها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو (نُنْشِرُها) بِضَمِّ النُّونِ الأُولى، وكَسْرِ الشِّينِ وراءِ مَضْمُومَةٍ.

ومَعْناهُ: نُحْيِيها، يُقالُ: أنْشَزَ اللَّهُ المَيِّتَ، فَنَشْرَهم.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، نُنْشِزُها، بِضَمِّ النُّونِ مَعَ الزّايِ، وهو مِنَ النَّشَزِ الَّذِي هو الِارْتِفاعُ.

والمَعْنى: نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضِ لِلْحَياءِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: نَنْشُزُها، بِفَتْحِ النُّونِ، ورَفْعِ الشِّينِ مَعَ الزّايِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: نَنْشُرُها، بِفَتْحِ النُّونِ مَعَ الرّاءِ، كَأنَّهُ مِنَ النَّشْرِ عَنِ الطَّيِّ، فَكَأنَّ المَوْتَ طَواها، والإحْياءَ نَشْرَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ أيْ: بانَ لَهُ إحْياءُ المَوْتى ﴿ قالَ أعْلَمُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أعْلَمُ" مَقْطُوعَةَ الألِفِ، مَضْمُومَةَ المِيمِ.

والمَعْنى: قَدْ عَلِمْتُ ما كُنْتُ أعْلَمُهُ غَيْبًا مُشاهَدَةً.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِوَصْلِ الألِفِ، وسُكُونِ المِيمِ عَلى مَعْنى الأمْرِ، والِابْتِداءِ عَلى قِراءَتِهِما بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهُ أمَرٌ مِنَ اللهِ لَهُ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: نَزَّلَ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ، فَأمَرَها وخاطَبَها.

وقَرَأ الجَعْفِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ، قالَ: "اعْلِمْ" بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِإعْلامِ الغَيْرَشِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتَ يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ﴾ عُطِفَتْ "أو" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَقْصِدَ التَعْجِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ  ﴾ يَقْتَضِي المَعْنى: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ؟

ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿ أو كالَّذِي ﴾ عَطْفًا عَلى ذَلِكَ المَعْنى.

وقَرَأ أبُو سُفْيانَ بْنُ حُسَيْنٍ: "أوَ كالَّذِي مَرَّ" بِفَتْحِ الواوِ وهي واوُ عَطْفٍ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ التَقْرِيرِ.

قالَ سُلَيْمانُ بْنُ بُرَيْدَةَ، وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الَّذِي مَرَّ عَلى القَرْيَةِ هو عُزَيْرٌ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وبَكْرُ بْنُ مُضَرٍ: هو أرْمِياءُ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أرْمِياءُ هو الخَضِرُ، وحَكاهُ النَقّاشُ عن وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وهَذا كَما تَراهُ، إلّا أنْ يَكُونَ اسْمًا وافَقَ اسْمًا، لِأنَّ الخَضِرَ مُعاصِرٌ لِمُوسى، وهَذا الَّذِي مَرَّ عَلى القَرْيَةِ هو بَعْدَهُ بِزَمانٍ مِن سِبْطِ هارُونَ فِيما رَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

وحَكى مَكِّيٌّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ مُسَمّىً، قالَ النَقّاشُ: ويُقالُ: هو غُلامُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتُلِفَ في القَرْيَةِ أيَّما هِيَ؟

فَحَكى النَقّاشُ أنَّ قَوْمًا قالُوا: هي المُؤْتَفِكَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ القَوْمَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا مَرَّ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ وهم عِظامٌ تَلُوحُ فَوَقَفَ يَنْظُرُ فَقالَ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها؟

فَأماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَصَصِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِأنَّ القَرْيَةَ الَّتِي مَرَّ عَلَيْها هي الَّتِي أهْلَكَ اللهُ فِيها الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ لا يُلائِمُ التَرْجَمَةَ لِأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ عَلى مُقْتَضى التَرْجَمَةِ هي إلى المَكانِ، وعَلى نَفْسِ القَوْلِ هي إلى العِظامِ والأجْسادِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ ابْنِ زَيْدٍ مُناقِضٌ لِألْفاظِ الآيَةِ، إذِ الآيَةُ إنَّما تَضَمَّنَتْ قَرْيَةً خاوِيَةً لا أنِيسَ فِيها، والإشارَةُ بِهَذِهِ إنَّما هي إلى القَرْيَةِ، وإحْياؤُها إنَّما هو بِالعِمارَةِ ووُجُودِ البِناءِ والسُكّانِ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وعِكْرِمَةُ، والرَبِيعُ: القَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ لَمّا خَرَّبَها بُخْتَ نَصَّرُ البابِلِيُّ، وفي الحَدِيثِ الطَوِيلِ حِينَ أحْدَثَتْ بَنُو إسْرائِيلَ الأحْداثَ وقَفَ أرْمِياءُ أو عُزَيْرٌ عَلى القَرْيَةِ وهي كالتَلِّ العَظِيمِ وسَطَ بَيْتِ المَقْدِسِ، لِأنَّ بُخْتَ نَصَّرْ أمَرَ جُنْدَهُ بِنَقْلِ التُرابِ إلَيْهِ حَتّى جَعَلَهُ كالجَبَلِ، ورَأى أرْمِياءُ البُيُوتَ قَدْ سَقَطَتْ حِيطانُها عَلى سُقُفِها، والعَرِيشُ سَقْفُ البَيْتِ، وكُلُّ ما يُهَيَّأُ لِيُظِلَّ أو يُكِنَّ فَهو عَرِيشٌ، ومِنهُ عَرِيشُ الدالِيَةِ والثِمارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا يَعْرِشُونَ  ﴾ .

قالَ السُدِّيُّ: يَقُولُ هي ساقِطَةٌ عَلى سُقُفِها، أيْ سَقَطَتِ السُقُفُ ثُمَّ سَقَطَتِ الحِيطانُ عَلَيْها.

قالَ غَيْرُ السُدِّيِّ: مَعْناهُ خاوِيَةٌ مِنَ الناسِ عَلى العُرُوشِ، أيْ عَلى البُيُوتِ، وسُقُفُها عَلَيْها لَكِنَّها خَوَتْ مِنَ الناسِ، والبُيُوتُ قائِمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وانْظُرِ اسْتِعْمالَ العَرِيشِ مَعَ عَلى في الحَدِيثِ في قَوْلِهِ: « "وَكانَ المَسْجِدُ يَوْمَئِذٍ عَلى عَرِيشٍ في أمْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ".» وَ"خاوِيَةٌ" مَعْناهُ: خالِيَةٌ، يُقالُ: خَوَتِ الدارُ تَخْوى خَواءً، ويُقالُ خَوِيَتْ، قالَ الطَبَرِيُّ: والأوَّلُ أفْصَحُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ مَعْناهُ: مِن أيِّ طَرِيقٍ؟

وبِأيِّ سَبَبٍ؟

وظاهِرُ اللَفْظِ السُؤالُ عن إحْياءِ القَرْيَةِ بِعِمارَةٍ وسُكّانٍ كَما يُقالُ الآنَ في المُدُنِ الخَرِبَةِ الَّتِي يَبْعُدُ أنْ تُعْمَرَ وتُسْكَنَ، فَكَأنَّ هَذِهِ تَلَهُّفٌ مِنَ الواقِفِ المُعْتَبِرِ عَلى مَدِينَتِهِ الَّتِي عَهِدَ فِيها أهْلَهُ وأحِبَّتَهُ، وضُرِبَ لَهُ المَثَلُ في نَفْسِهِ بِما هو أعْظَمُ مِمّا سَألَ عنهُ، والمَثَلُ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ في نَفْسِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّ سُؤالَهُ إنَّما كانَ عن إحْياءِ المَوْتى مِن بَنِي آدَمَ، أيْ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ مَوْتاها.

وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: كانَ هَذا القَوْلُ شَكًّا في قُدْرَةِ اللهِ عَلى الإحْياءِ فَلِذَلِكَ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ في نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ يَدْخُلُ شَكٌّ في قُدْرَةِ اللهِ عَلى إحْياءِ قَرْيَةٍ بِجَلْبِ العُمْرَةِ إلَيْها، وإنَّما يُتَصَوَّرُ الشَكُّ مِن جاهِلٍ في الوَجْهِ الآخَرِ والصَوابُ أنْ لا يُتَأوَّلَ في الآيَةِ شَكٌّ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا أحْدَثُوا الأحْداثَ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ البابِلِيَّ فَقَتَلَهم وجَلاهم مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَخَرَّبَهُ، فَلَمّا ذَهَبَ عنهُ جاءَ أرْمِياءُ فَوَقَفَ عَلى المَدِينَةِ مُعْتَبِرًا فَقالَ: "أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها"، قالَ: فَأماتَهُ اللهُ تَعالى، وكانَ مَعَهُ حِمارٌ قَدْ رَبَطَهُ بِحَبْلٍ جَدِيدٍ، وكانَ مَعَهُ سَلَّةٌ فِيها تِينٌ وهو طَعامُهُ، وقِيلَ: تِينٌ وعِنَبٌ، وكانَ مَعَهُ رَكْوَةٌ مِن خَمْرٍ، وقِيلَ: مِن عَصِيرٍ، وقِيلَ: قُلَّةُ ماءٍ هي شَرابُهُ، وبَقِيَ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ فَرُوِيَ أنَّهُ بَلِيَ وتَفَرَّقَتْ عِظامُهُ هو وحِمارُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ بَلِيَ دُونَ الحِمارِ، وأنَّ الحِمارَ بَقِيَ حَيًّا مَرْبُوطًا لَمْ يَمُتْ ولا أكَلَ شَيْئًا ولا بَلِيَتْ رِمَّتُهُ، ورُوِيَ أنَّ الحِمارَ بَلِيَ وتَفَرَّقَتْ أوصالُهُ دُونَ عُزَيْرٍ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَ إلى تِلْكَ القَرْيَةِ مَن عَمَرَها ورَدَّ إلَيْها جَماعَةَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ كَمُلَتْ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وحِينَئِذٍ حَيِيَ عُزَيْرٌ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ رَدَّ عَلَيْهِ عَيْنَيْهِ وخَلَقَ لَهُ حَياةً يَرى بِها كَيْفَ تُعْمَرُ القَرْيَةُ وتُحْيا مِن ثَلاثِينَ سَنَةً تَكْمِلَةِ المِائَةِ، لِأنَّهُ بَقِيَ سَبْعِينَ مَيِّتًا كُلُّهُ، وهَذا ضَعِيفٌ تَرُدُّ عَلَيْهِ ألْفاظُ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ ، مَعْناهُ: أحْياهُ، وجَعَلَ لَهُ الحَرَكَةَ والِانْتِقالَ فَسَألَهُ اللهُ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ ؟

عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ فَقالَ: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ: أماتَهُ اللهُ غُدْوَةَ يَوْمٍ، ثُمَّ بُعِثَ قَبْلَ الغُرُوبِ فَظَنَّ هَذا اليَوْمَ واحِدًا فَقالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا، ثُمَّ رَأى بَقِيَّةً مِنَ الشَمْسِ فَخَشِيَ أنْ يَكُونَ كاذِبًا فَقالَ: "أو بَعْضَ يَوْمٍ" فَقِيلَ لَهُ: "بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ" - ورَأى مِن عِمارَةِ القَرْيَةِ وأشْجارِها ومَبانِيها ما دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ.

قالَ النَقّاشُ: العامُ مَصْدَرٌ كالعَوْمِ، سُمِّيَ بِهِ هَذا القَدْرُ مِنَ الزَمانِ، لِأنَّها عَوْمَةٌ مِنَ الشَمْسِ في الفَلَكِ، والعَوْمُ كالسَبْحِ وقالَ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مَعْنى كَلامِ النَقّاشِ، والعامُ عَلى هَذا كالقَوْلِ، والقالِ، وظاهِرُ هَذِهِ الإماتَةِ أنَّها بِإخْراجِ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ بَعَثَ لَها مَلِكًا مِنَ المُلُوكِ يَعْمُرُها ويَجِدُّ في ذَلِكَ حَتّى كانَ كَمالُ عِمارَتِها عِنْدَ بَعْثِ القائِلِ: ﴿ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ: "لَبِثْتَ" في كُلِّ القُرْآنِ بِإظْهارِ الثاءِ، وذَلِكَ لِتَبايُنِ مَخْرَجِ الثاءِ مِن مَخْرَجِ التاءِ، وذَلِكَ أنَّ الطاءَ والتاءَ والدالَ مِن حَيِّزٍ، والظاءَ والذالَ والثاءَ مِن حَيِّزٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، بِالإدْغامِ في كُلِّ القُرْآنِ، أجْرَوْهُما مَجْرى المُثْلى مِن حَيْثُ اتَّفَقَ الحَرْفانِ في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِسانِ وأُصُولِ الثَنايا، وفي أنَّهُما مَهْمُوسَتانِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُقَوِّي ذَلِكَ وُقُوعُ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في رَوِيِّ قَصِيدَةٍ واحِدَةٍ.

/ ٥٠ *** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

﴾ وقَفَ في هَذِهِ الألْفاظِ عَلى بَقاءِ طَعامِهِ وشَرابِهِ عَلى حالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وعَلى بَقاءِ حِمارِهِ حَيًّا عَلى مَرْبَطِهِ هَذا عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي وقَفَ عَلى الحِمارِ كَيْفَ يَحْيا وتَجْتَمِعُ عِظامُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَهَذا طَعامُكَ وشَرابُكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وغَيْرُهُ: "وانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لِمِائَةِ سَنَةٍ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: واخْتَلَفُوا في إثْباتِ الهاءِ في الفِعْلِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "لَمْ يَتَسَنَّهْ" و"اقْتَدِهْ"، و"ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ" و"سُلْطانِيَهْ"، "وَما أدْراكَ ما هِيَهْ" وإسْقاطِها في الوَصْلِ - لَمْ يَخْتَلِفُوا في إثْباتِها في الوَقْفِ - فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عُمَرَ: هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ، وكانَ حَمْزَةُ يَحْذِفُهُنَّ في الوَصْلِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَحْذِفُها في "يَتَسَنَّهْ" و"اقْتَدِهْ" ويُثْبِتُها في الباقِي، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في "حِسابِيَهْ" و"كِتابِيَهْ" أنَّهُما بِالهاءِ في الوَقْفِ والوَصْلِ.

و"يَتَسَنَّهْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَسَنّى الشَيْءُ إذا تَغَيَّرَ وفَسَدَ، ومِنهُ "الحَمَأُ" المَسْنُونُ: المَصْبُوبُ عَلى سُنَنِ الأرْضِ، فَإذا كانَ مِن "تَسَنَّنَ" فَهُوَ: "لَمْ يَتَسَنَّنْ، قُلِبَتِ النُونُ ياءً كَما فُعِلَ في "تَظَنَّنْتُ" حَتّى قُلْتَ: "لَمْ أتَظَنَّ" فَيَجِيءُ تَسَنَّنَ: تَسَنّى، ثُمَّ تُحْذَفُ الياءُ لِلْجَزْمِ فَيَجِيءُ المُضارِعُ: "لَمْ يَتَسَنَّ".

ومَن قَرَأها بِالهاءِ عَلى هَذا القَوْلِ فَهي هاءُ السَكْتِ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ حَذْفُها في الوَصْلِ.

ويَحْتَمِلُ "يَتَسَنَّهْ" أنْ يَكُونَ مِنَ السَنَةِ وهو الجَدْبُ والقَحْطُ وما أشْبَهَهُ، يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ، وقَدِ اشْتُقَّ مِنهُ فِعْلٌ فَقِيلَ: "اسْتَنُّوا"، وإذا كانَ هَذا أو مِنَ السَنَةِ الَّتِي هي العامُ عَلى قَوْلِ مَن يَجْمَعُها سَنَواتٍ فَعَلى هَذا أيْضًا الهاءُ هاءُ السَكْتِ، والمَعْنى: لَمْ تُغَيِّرْ طَعامَكَ القُحُوطُ والجُدُوبُ ونَحْوُهُ، أو لَمْ تُغَيِّرْهُ السُنُونَ والأعْوامُ.

وأمّا مَن قالَ في تَصْغِيرِ السَنَةِ: سُنَيْهَةً، وفي الجَمْعِ: سَنَهاتٍ، وقالَ: أسْنَهْتُ عِنْدَ بَنِي فُلانٍ - وهي لُغَةُ الحِجازِ ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ: ولَيْسَتْ بِسَنْهاءَ ولا رُجَبِيَّةً ∗∗∗ ولَكِنْ عَرايا في السِنِينَ الجَوائِحِ فَإنَّ القِراءَةَ عَلى هَذِهِ اللُغَةِ هي بِإثْباتِ الهاءِ ولا بُدَّ، وهي لامُ الفِعْلِ، وفِيها ظَهَرَ الجَزْمُ بِلَمْ، وعَلى هَذا هي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وقَدْ ذُكِرَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لَمْ يَسَّنَّهْ" عَلى الإدْغامِ.

وقالَ النَقّاشُ: "لَمْ يَتَسَنَّهْ" مَعْناهُ: لَمْ يَتَغَيَّرْ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ  ﴾ ، وَرَدَّ النُحاةُ عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن: أسِنَ الماءُ لَجاءَ "لَمْ يَتَأسَّنْ".

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ﴾ فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: وانْظُرْ إلى اتِّصالِ عِظامِهِ وإحْيائِهِ جُزْءًا جُزْءًا، ويُرْوى أنَّهُ أحْياهُ اللهُ كَذَلِكَ حَتّى صارَ عِظامًا مُلْتَئِمَةً، ثُمَّ كَساهُ لَحْمًا حَتّى كَمُلَ حِمارًا، ثُمَّ جاءَ مَلَكٌ فَنَفَخَ في أنْفِهِ الرُوحَ فَقامَ الحِمارُ يَنْهَقُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيْضًا أنَّهُما قالا: بَلْ قِيلَ لَهُ: وانْظُرْ إلى حِمارِكَ قائِمًا في مَرْبَطِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِائَةَ سَنَةٍ.

قالا: وإنَّما العِظامُ الَّتِي نَظَرَ إلَيْها عِظامُ نَفْسِهِ، قالا: وأعْمى اللهُ العُيُونَ عن أرْمِياءَ وحِمارِهِ هَذِهِ المُدَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَثَّرَ أهْلُ القِصَصِ في صُورَةِ هَذِهِ النازِلَةِ تَكْثِيرًا اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ ﴾ مَعْناهُ: لِهَذا المَقْصِدِ مِن أنْ تَكُونَ آيَةً فَعَلْنا بِكَ هَذا، وقالَ الأعْمَشُ: مَوْضِعُ كَوْنِهِ آيَةً هو أنَّهُ جاءَ شابًّا عَلى حالِهِ يَوْمَ ماتَ فَوَجَدَ الأبْناءَ والحَفَدَةَ شُيُوخًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً كَما كانَ يَوْمَ ماتَ ووَجَدَ بَنِيهِ قَدْ نَيَّفُوا عَلى مِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ غَيْرُ الأعْمَشِ: بَلْ مَوْضِعُ كَوْنِهِ آيَةً أنَّهُ جاءَ وقَدْ هَلَكَ كُلُّ مَن يَعْرِفُ، فَكانَ آيَةً لِمَن كانَ حَيًّا مِن قَوْمِهِ إذْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِحالِهِ سَماعًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إماتَتِهِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ إحْيائِهِ أعْظَمُ آيَةٍ، وأمْرُهُ كُلُّهُ آيَةٌ لِلنّاسِ غابِرَ الدَهْرِ لا يُحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ.

وأمّا العِظامُ الَّتِي أُمِرَ بِالنَظَرِ إلَيْها فَقَدْ ذَكَرْنا مَن قالَ: هي عِظامُ نَفْسِهِ، ومَن قالَ: هي عِظامُ الحِمارِ - وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَنْشُرُها" بِفَتْحِ النُونِ الأُولى، وضَمِّ الشِينِ، وبِالراءِ، وقَرَأها كَذَلِكَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، فَمَن قَرَأ "نُنْشِرُها" بِضَمِّ النُونِ الأُولى وبِالراءِ فَمَعْناهُ: نُحْيِيها يُقالُ: أنْشَرَ اللهُ المَوْتى، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ  ﴾ ، وقالَ الأعْشى: ................

∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ وقِراءَةُ عاصِمٍ "نَنْشُرُها" بِفَتْحِ النُونِ الأُولى وضَمِّ الشِينِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لُغَةً في الإحْياءِ، يُقالُ: نَشَرْتُ المَيِّتَ وأنْشَرْتُهُ فَيَجِيءُ: نَشَرَ المَيِّتُ ونَشَرْتُهُ، كَما يُقالُ: حَسِرَتِ الدابَّةُ وحَسَرْتُها، وغاضَ الماءُ وغِضْتُهُ، ورَجَعَ زَيْدٌ ورَجَعْتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها ضِدُّ الطَيِّ كَأنَّ المَوْتَ طَيٌّ لِلْعِظامِ والأعْضاءِ، وكَأنَّ الإحْياءَ وجَمْعَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ نَشْرٌ - وأمّا مَن قَرَأ: "نُنْشِزُها" بِالزايِ فَمَعْناهُ: نَرْفَعُها، والنَشَزُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى الثَعْلَبَ الحَوْلِيَّ فِيها كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا ما عَلا نِشْزًا حِصانٌ مُجَلَّلُ قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَتَقْدِيرُهُ: نُنْشِزُها بِرَفْعِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ لِلْإحْياءِ، ومِنهُ نُشُوزُ المَرْأةِ، وقالَ الأعْشى: ..........

∗∗∗ قُضاعِيَّةً تَأْتِي الكَواهِنَ ناشِزًا يُقالُ: نَشَزَ وأنْشَزْتُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَعْنى النُشُوزِ رَفْعَ العِظامِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وإنَّما النُشُوزُ الِارْتِفاعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ وقَفَ عَلى نَباتِ العِظامِ الرُفاتِ وخُرُوجِ ما يُوجَدُ مِنها عِنْدَ الِاخْتِراعِ.

وقالَ النَقّاشُ: نُنْشِزُها مَعْناهُ: نُنْبِتُها، وانْظُرِ اسْتِعْمالَ العَرَبِ تَجِدْهُ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ، مِن ذَلِكَ: نَشَزَ نابُ البَعِيرِ، والنَشَزُ مِنَ الأرْضِ عَلى التَشْبِيهِ بِذَلِكَ.

ونَشَزَتِ المَرْأةُ كَأنَّها فارَقَتِ الحالَ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا  ﴾ أيِ ارْتَفِعُوا شَيْئًا فَشَيْئًا كَنُشُوزِ النابِ، فَبِذَلِكَ تَكُونُ التَوْسِعَةُ، فَكَأنَّ النُشُوزَ ضَرْبٌ مِنَ الِارْتِفاعِ، ويَبْعُدُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ لِمَنِ ارْتَفَعَ في حائِطٍ أو غُرْفَةٍ: نَشَزَ.

وقَرَأ النَخْعِيُّ "نَنْشُزُها" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الشِينِ والزايِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَيْفَ نُنْشِيها" بِالياءِ.

والكُسْوَةُ: ما وارى مِنَ الثِيابِ، وشُبِّهَ اللَحْمُ بِها، وقَدِ اسْتَعارَهُ النابِغَةُ لِلْإسْلامِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إذْ لَمْ يَأْتِنِي أجَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإسْلامِ سِرْبالا ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَرى اللَحْمَ والعَصَبَ والعُرُوقَ كَيْفَ تَلْتَئِمُ وتَتَواصَلُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى في قَوْلِهِ: "فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ" أيْ: لَمّا اتَّضَحَ لَهُ عِيانًا ما كانَ مُسْتَنْكِرًا في قُدْرَةِ اللهِ عِنْدَهُ قَبْلَ عِيانِهِ "قالَ: أعْلَمُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ لِأنَّهُ ألْزَمَ ما لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وفَسَّرَ عَلى القَوْلِ الشاذِّ والِاحْتِمالِ الضَعِيفِ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أعْلَمُ" مَقْطُوعَةَ الألِفِ مَضْمُومَةَ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قالَ اعْلَمْ أنَّ اللهَ" مَوْصُولَةَ الألِفِ ساكِنَةَ المِيمِ، وقَرَأها أبُو رَجاءٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "قِيلَ أعْلَمُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا هَذِهِ فَبَيِّنَةُ المَعْنى، أيْ قالَ المَلَكُ لَهُ - والأُولى بَيِّنَةُ المَعْنى، أيْ قالَ هُوَ: أنا "أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وهَذا عِنْدِي لَيْسَ بِإقْرارٍ بِما كانَ قَبْلُ يُنْكِرُهُ كَما زَعَمَ الطَبَرِيُّ، بَلْ هو قَوْلٌ بَعَثَهُ الِاعْتِبارُ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ المُؤْمِنُ إذا رَأى شَيْئًا غَرِيبًا مِن قُدْرَةِ اللهِ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ" ونَحْوَ هَذا.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ: أعْلَمُ هَذا الضَرْبَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي لَمْ أكُنْ عَلِمْتُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي عِلْمَ المُعايَنَةِ.

وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: قالَ المَلَكُ لَهُ: اعْلَمْ، والآخَرُ أنْ يُنْزِلَ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ المُخاطَبِ الأجْنَبِيِّ المُنْفَصِلِ، فالمَعْنى: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ لِنَفْسِهِ: اعْلَمْ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ - في مِثْلِ هَذا - قَوْلَ الأعْشى: ودِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَكْبَ مُرْتَحِلُ...

∗∗∗.............

وقَوْلَهُ: ألَمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أرْمَدا؟...

∗∗∗.............

وَأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرَةٌ.

وتَأنَّسَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا المَعْنى بِقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ تَذَكَّرَ مِن أنّى ومِن أيْنَ شُرْبُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلُ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تَخيير في التشبيه على طريقة التشبيه، وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ [البقرة: 19] لأنّ قوله: ﴿ ألم تر إلى الذي حاجَ إبرهيم ﴾ [البقرة: 258] في معنى التمثيل والتشبيه كما تقدم، وهو مراد صاحب «الكشاف» بقوله: «ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ كأنه قيل: أرأيت كالذي حاجَّ أو كالذي مرَّ» وإذ قد قرّر بالآية قبلها ثبوت انفراد الله بالإلااهية، وذلك أصل الإسلام، أعقب بإثبات البعث الذي إنكاره أصل أهل الإشراك.

واعلم أنّ العرب تستعمل الصيغتين في التعجّب: يقولون ألم تر إلى كذا، ويقولون أرأيتَ مثل كذا أو ككَذا، وقد يقال ألم تر ككذا لأنّهم يقولون لم أر كاليوم في الخير أو في الشر، وفي الحَديث «فلم أَره كاليوم مَنْظَرا قط»، وإذا كان ذلك يقال في الخير جاز أن يدخل عليه الاستفهام فتقول: ألم تر كاليوم في الخير والشر، وحيث حذف الفعل المستفهَم عنه فلك أن تقدره على الوجهين، ومال صاحب «الكشاف» إلى تقديره: أرأيتَ كالذي لأنّه الغالب في التعجّب مع كاف التشبيه.

والذي مر على قريةٍ قيل هو أرْمِيَا بن حلقيا، وقيل هو عُزَير بن شرخيا (عزرا بن سَرَّيَّا).

والقرية بيت المقدس في أكثر الأقوال، والذي يظهر لي أنّه حزقيال ابن بوزي نبيء إسرائيل كان معاصراً لأرميا ودانيال وكان من جملة الذين أسرهم بختنصر إلى بابل في أوائل القرن السادس قبل المسيح، وذلك أنه لما رأى عزم بختنصر على استئصال اليهود وجمعه آثار الهيكل ليأتي بها إلى بابل، جمع كتب شريعة موسى وتابوتَ العهد وعصَا موسى ورماها في بئر في أورشليم خشية أن يحرقها بختنصر، ولعله اتّخذ علامة يعرفها بها وجعلها سراً بينه وبين أنبياء زمانِه وورثتهم من الأنبياء.

فلما أخرج إلى بابل بقي هنالك وكتب كتاباً في مَراءً رآها وَحْيا تدل على مصائب اليهودِ وما يرجى لهم من الخلاص، وكان آخر ما كتبه في السنة الخامسة والعشرين بعد سبي اليهود، ولم يعرف له خبر بعدُ كما ورد في تاريخهم، ويظن أنّه مات أو قُتل.

ومن جملة ما كتبه «أخْرَجَنِي روحُ الرب وأنزلني في وسط البقعة وهي ملآنة عظاماً كثيرة وأمّرَني عليها وإذا تلك البقعة يابسة فقال لي: أتَحيَى هذه العظامُ؟

فقلت: يا سيدي الرّب أنتَ تعلم.

فقال لي: تنبأْ على هذه العظام وقل لها: أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب قال ها أنا ذا أدخل فيكم الروح وأضع عليكم عصباً وأكسوكم لحماً وجلداً.

فتنبأت، كما أمرني فتقاربتْ العظام كل عظم إلى عطمه، ونظرت وإذا باللحم والعصب كساها وبسط الجلد عليها من فوق ودخل فيهم الروح فحيُوا وقاموا على أقدامهم جيش عظيم جداً».

ولما كانت رؤيا الأنبياء وحيا فلا شكّ أن الله لما أعاد عُمران أورشليم في عهد عزرا النبي في حدود سنة450 قبل المسيح أحيا النبي حزقيال عليه السلام ليرى مصداق نبوته، وأراه إحياء العظام، وأراه آية في طعامه وشرابه وحماره وهذه مخاطبة بين الخالق وبعض أصفيائه على طريق المعجزة وجعل خبره آية للناس من أهل الإيمان الذين يوقنون بما أخبرهم الله تعالى، أو لقوم أطلعهم الله على ذلك من أصفيائه، أو لأهل القرية التي كان فيها وفُقِد من بينهم فجاءهم بعد مائة سنة وتحققه من يعرفه بصفاته، فيكون قوله تعالى: ﴿ مرّ على قرية ﴾ إشارة إلى قوله: «أخرجني روح الرب وأمّرني عليها».

فقوله: ﴿ قال أنَّى يحيي هذه الله ﴾ إشارة إلى قوله أتحيي هذه العظام فقلت يا سيدي أنت تعلم لأنّ كلامه هذا ينبئ باستبعاد إحيائها، ويكون قوله تعالى: ﴿ فأماته الله مائة عام ﴾ إلخ مما زاده القرآن من البيان على ما في كتب اليهود لأنّهم كتبوها بعد مرور أزمنة، ويظن من هنا أنّه مات في حدود سنة 560 قبل المسيح، وكان تجديد أورشليم في حدود 458 فتلك مائة سنة تقريباً، ويكون قوله: ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحمَا ﴾ تذكرة له بتلك النبوءة وهي تجديد مدينة إسرائيل.

وقوله: ﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ الخاوية: الفارغة من السكان والبناء.

والعروش جمع عرش وهو السقف.

والظرف مستقرٌ في موضع الحال، والمعنى أنّها خاوية ساقطة على سقفها وذلك أشدّ الخراب لأنّ أول ما يسقط من البناء السُقُف ثم تسقط الجدران على تلك السُقُف.

والقرية هي بيت المقدس رآها في نومه كذلك أو رآها حين خربها رسل بختنصر، والظاهر الأول لأنّه كان ممن سُبي مع (يهويا قيم) ملككِ إسرائيل وهو لم يقع التخريب في زمنه بل وقع رفي زمن (صدقيا) أخيه بعد إحدى عشرة سنة.

وقوله: ﴿ أنّى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ استفهامُ إنكار واستبعاد، وقوله: ﴿ فأماته الله ﴾ التعقيب فيه بحسب المعقب فلا يلزم أن يكون أماته في وقت قوله: ﴿ أنَّى يحيي هذه الله ﴾ .

وقد قيل: إنّه نام فأماته الله في نومه.

وقوله: ﴿ ثم بعثه ﴾ أي أحياه وهي حياة خاصة ردّت بها روحه إلى جسده؛ لأنّ جسده لم يبلَ كسائر الأنبياء، وهذا بعث خارق للعادة وهو غير بعث الحشر.

وقوله: ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ اعتقد ذلك بعلم أودعه الله فيه أو لأنّه تذكر أنّه نام في أول النهار ووجد الوقت الذي أفاق فيه آخر نهار.

وقوله: ﴿ فانظر إلى طعامك ﴾ تفريع على قوله: ﴿ لبثت مائة عام ﴾ .

والأمرُ بالنظر أمر للاعتبار أي فانظُره في حال أنّه لم يتسنه، والظاهر أنّ الطعام والشراب كانا معه حين أميت أو كانا موضوعين في قبره إذا كان من أمة أو في بلد يضعون الطعام للموتى المكرّمين كما يفعل المصريون القدماء، أو كان معه طعام حين خرج فأماته الله في نومه كما قيل ذلك.

ومعنى ﴿ لم يتسنه ﴾ لم يتغيّر، وأصله مشتق من السَّنَة لأنّ مر السنين يوجب التغيّر وهو مثل تحجَّرَ الطين، والهاء أصلية لا هاء سكت، وربما عاملوا هَاء سنة معاملة التاء في الاشتقاق فقالوا أسنت فلان إذا أصابته سنة أي مجاعة، قال مطرود الخزاعي، أو ابن الزبعري: عَمْرُو الذي هشَم الثريدَ لقومِه *** قوممٍ بمَكَة مُسنتين عجافِ وقوله: ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ قيل: كان حماره قد بلي فلم تبق إلاّ عظامه فأحياه الله أمامه.

ولم يؤت مع قوله: ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ بذكر الحالة التي هي محل الاعتبار لأنّ مجرد النظر إليه كاف، فٌّءّه رآه عظاماً ثم رآه حيا، ولعلّه هلك فبقي بتلك الساحة التي كان فيها حزقيال بعيداً عن العُمران، وقد جمع الله له أنواع الإحياء إذْ أحيى جسده بنفخ الروح عن غير إعادة وأحيى طعامه بحفظه من التغيّر وأحيى حماره بالإعادة فكان آية عظيمة للناس الموقنين بذلك، ولعلّ الله أطْلَع على ذلك الإحياءِ بعض الأحياء من أصفيائه.

فقوله: ﴿ ولنجعلك آية ﴾ معطوف على مقدر دل عليه قوله ﴿ فانظر إلى طعامك ﴾ وانظر إلى حمارك؛ فإن الأمر فيه للاعتبار لأنّه ناظر إلى ذلك لا محالة، والمقصود اعتباره في استبعاده أن يُحيي الله القرية بعد موتها، فكان من قوة الكلام انظر إلى ما ذكر جعلناه آية لك على البعث وجعلناك آية للناس لأنّهم لم يروا طعامه وشرابَه وحماره، ولكن رأوا ذاته وتحققّوه بصفاته.

ثم قال له: وانظر إلى العظام كيف ننشرها، والظاهر أنّ المراد عظام بعض الآدميين الذين هلكوا، أو أراد عظام الحمار فتكون (أل) عوضاً عن المضاف إليه فيكون قوله إلى العظام في قوة البدل من حمارك إلاّ أنّه برز فيه العامل المنويّ تكريرُه.

وقرأ جمهور العشرة ﴿ نُنْشِرها ﴾ بالرّاء مضارع أنْشَر الرباعي بمعنى الإحياء.

وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف: ﴿ نُنشِزها ﴾ بالزاي مضارع أنشزه إذا رفعه، والنشز الارتفاع، والمراد ارتفاعها حين تغلظ بإحاطة العصب واللحم والدم بها فحصل من القراءتين معنيان لكملة واحدة، وفي كتاب (حزقيال) «فتقاربت العِظام كل عظم إلى عظمه، ونظرتُ وإذا بالعصب واللحم كساها وبسط الجلد عليها».

وقوله: ﴿ قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ قرأ الجمهور أعلم بهمزة قطع على أنّه مضارع عَلم فيكون جوابَ الذي مر على قرية عن قول الله له ﴿ فانظر إلى طعامك ﴾ الآية، وجاء بالمضارع ليدل على ما في كلام هذا النبي من الدلالة على تجدد علمه بذلك لأنه عَلمِه في قبلُ وتجدد علمه إياه.

وقرأه حمزة والكسائي بهمزة وصل على أنه من كلام الله تعالى، وكان الظاهر أن يكون معطوفاً على ﴿ فانظر إلى طعامك ﴾ لكنّه ترك عطفه لأنّه جُعل كالنتيجة للاستدلال بقوله: ﴿ فانظر إلى طعامك وشرابك ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ﴾ اخْتَلَفُوا في الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عُزَيْزٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ إرْمِياءُ، وهو قَوْلُ وهْبٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخَضِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ، واخْتَلَفُوا في القَرْيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي بَيْتُ المَقْدِسِ لَمّا خَرَّبَهُ بُخْتَنَصَّرُ، وهَذا قَوْلُ وهْبٍ وقَتادَةَ.

والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّانِي: أنَّها الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ حَذَرَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ﴾ في الخاوِيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخَرابُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: الخالِيَةُ.

وَأصْلُ الخَواءِ الخُلُوُّ، يُقالُ: خَوَتِ الدّارُ إذا خَلَتْ مِن أهْلِها، والخَواءُ الجُوعُ لِخُلُوِّ البَطْنِ مِنَ الغِذاءِ ﴿ عَلى عُرُوشِها ﴾ : عَلى أبْنِيَتِها، والعَرْشُ: البِناءُ.

﴿ قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُعَمِّرُها بَعْدَ خَرابِها.

والثّانِي: يُعِيدُ أهْلَها بَعْدَ هَلاكِهِمْ.

﴿ فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ أيْ مَكَثَ.

﴿ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أماتَهُ في أوَّلِ النَّهارِ، وأحْياهُ بَعْدَ مِائَةِ عامٍ آخِرَ النَّهارِ، فَقالَ: يَوْمًا، ثُمَّ التَفَتَ فَرَأى بَقِيَّةَ الشَّمْسِ فَقالَ: ﴿ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ﴿ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، مِنَ الماءِ الآسِنِ وهو غَيْرُ المُتَغَيِّرِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: والفَرْقُ بَيْنَ الآسِنِ والآجِنِ أنَّ الآجِنَ المُتَغَيِّرُ الَّذِي يُمْكِنُ شُرْبُهُ والآسِنَ المُتَغَيِّرُ الَّذِي لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ.

والثّانِي: مَعْناهُ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ فَيَصِيرُ مُتَغَيِّرًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.

قِيلَ: إنَّ طَعامَهُ كانَ عَصِيرًا وتِينًا وعِنَبًا، فَوَجَدَ العَصِيرَ حُلْوًا، ووَجَدَ التِّينَ والعِنَبَ طَرِيًّا جَنِيًّا.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ عَلِمَ أنَّهُ ماتَ مِائَةَ عامٍ ولَمْ يَتَغَيَّرْ فِيها طَعامُهُ؟

قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ إلى حالِهِ فَعَلِمَ بِالآثارِ والأخْبارِ، وأنَّهُ شاهَدَ أوْلادَ أوْلادِهِ شُيُوخًا، وكانَ قَدْ خَلَّفَ آباءَهم مُرْدًا أنَّهُ ماتَ مِائَةَ عامٍ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: أنَّ عُزَيْرًا خَرَجَ مِن أهْلِهِ وخَلَّفَ امْرَأتَهُ حامِلًا ولَهُ خَمْسُونَ سَنَةً، فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَرَجَعَ إلى أهْلِهِ، وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً، ولَهُ ولَدٌ هو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، فَكانَ ابْنُهُ أكْبَرَ مِنهُ بِخَمْسِينَ سَنَةً، وهو الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لِلنّاسِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ﴾ قِراءَتانِ: إحْداهُما: نَنْشُرُها بِالرّاءِ المُهْمَلَةِ، قَرَأ بِذَلِكَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، ومَعْناهُ نُحْيِيها.

والنُّشُورُ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن نَشْرِ الثَّوْبِ، لِأنَّ المَيِّتَ كالمَطْوِيِّ، لِأنَّهُ مَقْبُوضٌ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالمَوْتِ، فَإذا حَيِيَ وانْبَسَطَ بِالتَّصَرُّفِ قِيلَ: نُشِرَ وأُنْشِرَ.

والقِراءَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ بِها الباقُونَ (نُنْشِزُها) بِالزّايِ المُعْجَمَةِ، يَعْنِي نَرْفَعُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ، وأصْلُ النُّشُوزِ الِارْتِفاعُ، ومِنهُ النَّشْزُ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ المُرْتَفِعِ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ نُشُوزُ المَرْأةِ لِارْتِفاعِها عَنْ طاعَةِ الزَّوْجِ.

وَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أحْيا عَيْنَيْهِ وأعادَ بَصَرَهُ قَبْلَ إحْياءِ جَسَدِهِ، فَكانَ يَرى اجْتِماعَ عِظامِهِ واكْتِساءَها لَحْمًا، ورَأى كَيْفَ أحْيا اللَّهُ حِمارَهُ وجَمَعَ عِظامَهُ.

واخْتَلَفُوا في القائِلِ لَهُ: كَمْ لَبِثْتَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَلَكٌ.

والثّانِي: نَبِيٌّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ المُعَمَّرِينَ مِمَّنْ شاهَدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ وإحْيائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ قال: خرج عزير نبي الله من مدينته وهو شاب، فمر على قرية خربة وهي خاوية على عروشها فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟

فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فأول ما خلق منه عيناه، فجعل ينظر إلى عظامه وينظم بعضها إلى بعض، ثم كسيت لحماً، ثم نفخ فيه الروح فقيل له: كم لبثت؟

قال: لبثت يوماً أو بعض يوم.

قال: بل لبثت مائة عام، فأتى مدينته وقد ترك جاراً له اسكافاً شاباً، فجاء وهو شيخ كبير.

واخرج اسحق بن بشر والخطيب وابن عساكر عن عبدالله بن سلام: أن عزيراً هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن عباس: أن عزير بن سروخا هو الذي فيه قال الله في كتابه ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة وقتادة وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي مثله.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس وكعب والحسن ووهب يزيد بعضهم على بعض.

أن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيماً، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة أصابه الحر، فدخل الخربة وهو على حمار له، فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب، فنزل في ظل تلك الخربة.

وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت ورأى منها ما فيها وهي قائمة على عرشها وقد باد أهلها، ورأى عظاماً بالية فقال: ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها: ﴾ فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا.

فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مائة عام، فلما أتت عليه مائة عام وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث، فبعث الله إلى عزير ملكاً فخلق قلبه ليعقل به، وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح كل ذلك يرى ويعقل، فاستوى جالساً فقال له الملك: كم لبثت؟

قال: لبثت يوماً وذلك أنه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب.

فقال: أو بعض يوم، ولم يتم لي يوم.

فقال له الملك: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القصعة، فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز اليابس، فذلك قوله: ﴿ لم يتسنَّه ﴾ يعني لم يتغير، وكذلك التين والعنب غض لم يتغير عن حاله، فكأنه أنكر في قلبه.

فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك أنظر إلى حمارك.

فنظر فإذا حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة، فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك وعزير ينظر إليه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملك، فقام الحمار رافعاً رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقاً، فذلك قوله: ﴿ وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً ﴾ يعني انظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضاً في أوصالها، حتى إذا صارت عظاماً مصوراً حماراً بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحماً ﴿ فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ من إحياء الموتى وغيره.

قال فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟

قالت: نعم، وبكت وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس.

قال: فإني أنا عزير.

قالت: سبحان الله!

فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر.

قال: فإني أنا عزير، كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني.

قالت: فإن عزيرا كان رجلاً مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله أن يرد علي بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك.

فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا، وأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجلها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير.

فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم.

فكذبوها فقالت: أنا فلانة مولاتكم، دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي، وزعم أن الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه، فنهض الناس فأقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير!

فقالت بنو إسرائيل: فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير، وقد حرق بختنصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا.

وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه أحد غير عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة، وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب، فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله فجدد لهم التوراة، فنزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه، فتذكر التوراة فجددها لبني إسرائيل، فمن ثم قالت اليهود: عزير ابن الله للذي كان من أمر الشهابين، وتجديده للتوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل، وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل، والقرية التي مات فيها يقال لها سابر أباد، قال ابن عباس: فكان كما قال الله: ﴿ و لنجعلك آية للناس ﴾ يعني لبني إسرائيل، وذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه وهم شيوخ وهو شاب، لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبدالله بن عبيد بن عمير في قوله: ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ قال: كان نبياً اسمه أورميا.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: إن ارميا لما خرب بيت المقدس وحرق الكتب، وقف في ناحية الجبل فقال: ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟

﴾ فأماته الله مائة عام ثم بعثه وقد عمرت على حالها الأول، فجعل ينظر إلى العظام كيف يلتئم بعضها إلى بعض، ثم نظر إلى العظام تكسى عصباً ولحماً ﴿ فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ فقال: أنظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه، وكان طعامه تيناً في مكتل، وقلة فيها ماء.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ قال: القرية بيت المقدس مر بها عزير بعد أن خربها بختنصر.

وأخرج عن قتادة والضحاك والربيع.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سليمان السياري.

سمعت رجلاً من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بوزا.

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: كان أمر عزير وبختنصر في الفترة.

وأخرج اسحق وابن عساكر عن عطاء بن أبي رباح قال: كان أمر عزير بين عيسى ومحمد.

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن وهب بن منبه قال: كانت قصة عزير وبختنصر بين عيسى وسليمان.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ خاوية ﴾ قال: خراب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ خاوية ﴾ قال: ليس فيها أحد.

وأخرج عن الضحاك ﴿ على عروشها ﴾ قال: سقوفها.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ خاوية على عروشها ﴾ قال: ساقطة على سقفها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ قال: أنى تعمر هذه بعد خرابها.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في البعث عن الحسن في قوله: ﴿ فأماته الله مائة عام ثم بعثه ﴾ قال: ذكر لنا أنه أميت ضحوة وبعث حين سقطت الشمس قبل أن تغرب، وأن أول ما خلق الله منه عيناه، فجعل ينظر بهما إلى عظم كيف يرجع إلى مكانه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: لبثت يوماً ثم التفت فرأى بقية الشمس، فقال: أو بعض يوم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان طعامه الذي معه سلة من تين، وشرابه زق من عصير.

وأخرج عن مجاهد قال: طعامه سلة تين، وشرابه دن خمر.

وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طرق عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ لم يتسنه ﴾ قال: لم يتغير.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع ابن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ لم يتسنه ﴾ قال: لم تغيره السنون.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: طاب منه الطعم والريح معا ** لن تراه يتغير من أسن وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ لم يتسنه ﴾ قال: لم ينتن.

وأخرج ابن راهويه في مسنده وأبو عبيد في الفضائل وعبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن هانئ البربري مولى عثمان قال: لما كتب عثمان المصاحف شكوا في ثلاث آيات، فكتبوها في كتف شاة وأرسلوني بها إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت، فدخلت عليهما فناولتها أبي بن كعب، فقرأها فوجد فيها ﴿ لا تبديل للخلق ذلك الدين القيم ﴾ فمحا بيده أحد اللامين وكتبها ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ [ الروم: 30] .

ووجد فيها ﴿ انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنن ﴾ فمحا النون وكتبها ﴿ لم يتسنه ﴾ .

وقرأ فيها ﴿ فأمهل الكافرين ﴾ فمحا الألف وكتبها ﴿ فمهل ﴾ [ الطارق: 17] .

ونظر فيها زيد بن ثابت، ثم انطلقت بها إلى عثمان فاثبتوها في المصاحف كذلك.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري عن هانئ قال: كنت الرسول بين عثمان وزيد بن ثابت، فقال زيد: سله عن قوله «لم يتسنن» أو ﴿ لم يتسنه ﴾ فقال عثمان: اجعلوا فيها هاء.

وأخرج سفيان بن عيينه وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ و لنجعلك آية للناس ﴾ قال: كان يوم بعث ابن مائة وأربعين شاباً، وكان ولده ابناء مائة سنة وهم شيوخ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ كيف ننشزها ﴾ قال: نخرجها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم يتسنه ﴾ قال: لم يفسد بعد مائة حول، والطعام والشراب يفسد في أقل من ذلك ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشزها ﴾ يقول: نشخصها عضواً عضواً.

وأخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ كيف ننشزها ﴾ بالزاي.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر عن زيد بن ثابت أنه كان يقرأ ﴿ كيف ننشزها ﴾ بالزاي، وأن زيد أعجم عليها في مصحفه.

وأخرج مسدد عن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ كيف ننشزها ﴾ أعجم الزاي.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ «ننشرها» بالراء.

وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح أنه قرأ ﴿ ننشرها ﴾ بالراء.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ كيف ننشزها ﴾ قال: نحركها.

وأخرج عن ابن زيد ﴿ كيف ننشزها ﴾ قال: نحييها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ فلما تبين له قال أعلم ﴾ قال: إنما قيل له ذلك.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ قال أعلم ﴾ ويقول: لم يكن بأفضل من إبراهيم، قال الله ﴿ وأعلم أن الله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن هرون قال: في قراءة ابن مسعود «قيل أعلم أن الله» على وجه الأمر.

و أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبدالله ﴿ قيل أعلم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ ﴾ الآية.

قد ذكرنا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها في المعنى، كأنه قيل: أرأيت (١) (٢) (٣) (٤) أراد: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر، وقال آخر: وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُم جَزَاءً ...

وجَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلًا (٥) فنصب الجنات بالنسق على الجزاء وجنات وعينا (٦) مُعَاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فاسْجَحْ ...

فلَسْنَا بالجِبَالِ ولا الحَدِيدَا (٧) أراد: فلسنا الجبال والحديد (٨) (٩) ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي ﴾ (١٠) (١١) واختلفوا في الذي مَرَّ.

فقال قتادة (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقال وهب (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ قال وهب (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ قال أبو عبيد عن أبي زيد والكسائي: خَوَت الدار (٢٨) (٢٩) (٣٠) والخَوَى: خُلُوّ البطن من الطعام، وأصل معنى هذا الحرف: الخُلوّ.

ومن هذا ما ورد في الحديث أن النبي  كان إذا سجد خَوَّى (٣١) (٣٢) يَبْدُو خَوَاءُ الأرْضِ من خَوَائِه (٣٣) (٣٤) والعَرْشُ: سَقْفُ البيت، والعُرُوش: الأَبْنِيَة، والسُّقُوفُ من الخَشَب، يقال: عَرَشَ الرجلُ يَعْرِشُ ويَعْرُشُ، إذا بنى بناءً من خَشَبٍ (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ أي: متهدِّمة ساقطة خراب، قاله ابن عباس (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ أي: حيطانها كانت قائمة، وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت (٣٩) (٤٠) ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ  ﴾ .

وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ  ﴾ وهذه الصِّفَةُ في خراب المنازل من أبلغ ما يوصف به.

قال الأزهري: وإنما قيل للمنقعر: خاو؛ لأن الحائط إذا انقلع خَوِي مكانه، أي: خلا منه، فيقال: خَوِي البيت، أي: خلا عن الجدار، ثم يقال: خَوِي الحائط: إذا تهدّم (٤١) وقال بعضهم ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ أي: خالية عن عروشها لتهدمها، جعل (على) بمعنى عن كقوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)  ﴾ أي: عنهم.

وقوله تعالى: ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ قال وهب: إن بُخْتَنَصّر دخل هو وجنوده بيت المقدس، وقتل بنى إسرائيل حتى أفناهم وسبى ذرارِيَهم، وخرب بيت المقدس، فلما رجع إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل أَرْمِيا على حمار له، معه عصير عنب في زُكرة (٤٢) ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ (٤٣) ومن قال: المار عزير، قال: هذا من قوله (٤٤) وفي قول مجاهد قوله: ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ يكون إنكارًا للبعث؛ لأنه جَعَل المارَّ كافرًا، وعلى قول غيره: لا يكون إنكارًا للبعث، ولكن تأويله: أنه أحب أن يزداد بصيرة في إيمانه، فقال: ليت شِعْرِي كيف يحيي الله الأموات (٤٥) ﴿ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى  ﴾ والمراد بإحياء القرية: عمارتها (٤٦) وقال آخرون: إنه لما رأى خلاءها (٤٧) (٤٨) ومعنى أنى: من أين، كقوله: ﴿ أَنَّى لَكِ هَذَا  ﴾ يعني: من أين يفعل الله ذلك، على معنى: أنه لا يفعله.

فأحب الله تعالى أن يُرِيَه آيةً في نفسه، وفي إحياء القرية، فأماته الله مائةَ عَامٍ.

قال وهبٌ: ربط أرميا حمارَه بحبل جديد، فألقى الله عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروحَ مائة عام، وأماتَ حماره، وعصيرُه وتِيْنُه عنده، وأعمى الله سبحانه عنه العيون، فلم يَرَهُ أحدٌ، وذلك ضُحَى، ومنع اللهُ السباعَ والطيرَ لحمَه، فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله عز وجل مَلَكًا إلى ملك (٤٩) (٥٠) ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ (٥١) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ فيه وجهان من القراءة: الإدغام، والإظهار [[قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في كل القرآن بإظهار الثاء هنا، وفي مثله، كقوله: "لبثتم" [الكهف 19] [المؤمنون 112] وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالإدغام.

ينظر "السبعة" ص 188، "الحجة" 2/ 367.]].

فمن أظهر فلتباين المخرجين، وذلك أن الظاءَ والذالَ والثاءَ من حَيِّز، والطاءَ والدالَ والتاءَ من حَيِّز، فلما تباين المخرجان واختلف الحَيِّزَان لم يُدْغِم.

ومن أدغم: أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافًا يسيرًا.

فأدغم، أَجْراهما مجرى المِثْلين، ويقوي ذلك اتفاقُهم في الإدغام في سِتٍّ، ألا ترى أن الدالَ أُلْزِمَتْ الإدغامَ في مقَارِبِهِ وإن اخْتَلَفَا في الجَهْرِ والهَمْس (٥٢) (وكم) ههنا: استفهام عن مبلغ العدد الذي لبث، ومعناه: كم أقمت ومكثت هاهنا؟

(٥٣) قال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، وذلك أن الله عز وجل أماته ضحى في أول النهار؟

وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا ﴾ وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقيةً من الشمس، فقال: أو بعض يوم، جاء (٥٤) ﴿ لَبِثْتُ يَوْمًا ﴾ (٥٥) ﴿ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾ .

العام (٥٦) ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ ﴾ يعني: التين ﴿ وَشَرَابِكَ ﴾ يعني: العصير (٥٧) ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: لم يتغير ولم ينتن بعد مائة سنة (٥٨) وقال أبو عبيدة: لم يأت عليها السنون فيتغير، يريد: أن مر السنين عليه لم يغيره.

وفيه قراءتان: إحداهما: إثبات الهاء في الوصل، والأخرى: حذفها، ولا اختلاف في إثباتها في الوقف (٥٩) (٦٠) (٦١) ورِجَالَ مَكَّةَ مُسْنِتُون عِجَافُ (٦٢) وسَانَيْتُ مِن ذِي بَهْجَةٍ وَرَقْيتُه ...

عليه السُّموط عابِسٍ مُتَعصِّب (٦٣) يقال: سَانَيْتُ الرجلَ أي: رَاضَيْتُهُ وأَحْسَنْتُ مُعَاشَرَتَه، ومعناه: عَامَلْتُه مُعَاملةَ من كأنه يريد صحبةَ السنين؛ لأن طولَ الصحبة بحسن (٦٤) (٦٥) وعند الفراء: يجوز أن تكون أصل سنة: سننه (٦٦) (٦٧) تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) ﴿ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ  ﴾ يريد: متغير، فيكون قد بُدِّلَتْ نُونُه ياءً على ما ذكرنا (٧٢) واعترض الزجاج على هذا، وقال: هذا ليس من ذاك (٧٣) (٧٤) قال أبو علي الفارسي: قد حكي عن أبي عمرو الشيباني أنه قال (٧٥) ﴿ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ  ﴾ وأبدل من النون ياءً فإن كان هذا ثابتًا (٧٦) (٧٧) ﴿ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ فهو خلاف ما فسره أبو عبيدة، لأنه يقول: المسنون: المصبوب (٧٨) (٧٩) ﴿ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ بمعنى مصبوب، فيكون (لم يتسن) بمعنى: لم يَتَصَبَّبْ، أي: أن الشراب على حاله وكما تركته لم يَتَصَبَّبْ، وقد أتى عليه مائة عام، والسَّنُّ في اللغة: هو الصَّبُّ وإن لم يكن على سُنَّةِ الطَّريق، قال: تُضَمَّرُ بالأصائلِ كلَّ يَوْمٍ ...

تُسَنُّ عَلَى سَنَابِكِها قُرُون (٨٠) أي: تُصَب عليها دُفَعٌ من العرق (٨١) فعلى ما ذكرنا من هذه الأوجه الهاء تكون للوقف، فينبغي أن تُلْحَقَ في الوقف، وتسقط في الدَّرْج.

وأما من أثبت الهاء في الوصل فإنه يجعل اللام في السنة الهاء (٨٢) (٨٣) ويكون التَّسَنُّهُ بمعنى التغير، فعلى هذا من وقف بالهاء وقف على لام الفعل، وإذا وصل بالهاء كان بمنزلة: لم يَتَّقهِ زيد، ولم يجبهُ عمرو (٨٤) قال الأزهري: وأحسن الأقاويل في السنة: أن أصلها سَنَهَة، نَقَصُوا الهاء منها كما نقصوها من الشَّفَة، ولأن الهاء ضاهت حروف اللين التي تنقص.

والوجه: أن يُقْرَأ بالهاء في الوقف والإِدراج (٨٥) قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إنه نظر إلى التين فإذا هو كما اجتناه، ونظر إلى العصير فإذا هو كهيئته لم يتغير (٨٦) عِقَابٌ عَقَنْبَاة (٨٧) (٨٨) ذكر الوظيف والخرطوم، وأخبر عن أحدهما، ويدل على صحة هذا التأويل: قراءة ابن مسعود (٨٩) (٩٠) وقوله تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾ وذلك أنه لما أحياه الله وقال له: ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾ وأراه طعامه غير متغير، وكذلك شرابه، وأراه علامة مكثه مائة سنة ببلى عظام حماره، فقال: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾ (٩١) وقوله تعالى: ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ قال بعضهم: هذه الواو مقحمة زائدة، والجالب للام في نجعلك (لبثت)، كأنه قال: بل لبثت مائة عام لنجعلك آية للناس (٩٢) ﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ ﴾ على هذا تقدير الآية ونظمها، وإقحام الواو جائز عند بعض الكوفيين، أجازوا ذلك في مواضع من التنزيل، سنذكرها إن شاء الله.

وقال الفراء: دخلت الواو لنية فعل بعدها مضمر (٩٣) ﴿ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ  ﴾ معناه: وليقولوا دارست صرّفْناها، ومثله ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ  ﴾ أراد: وليكون من الموقنين نريه الملكوت (٩٤) ومعنى كونه آية للناس: أنه لما أحيي بعد الإماتة كان ذلك دلالة على البعث بعد الموت في قول أكثر المفسرين (٩٥) (٩٦) وقوله تعالى: ﴿ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ ﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل عن الكناية (٩٧) وقال آخرون: أراد به عظام هذا الرجل نفسه، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره وأحيا الله عينيه ورأسَه، وسائرُ جسده ميت، ثم قال له: انظر إلى حمارك، فنظر فرأى حماره واقفًا كهيئة يوم ربطه حيًّا، لم يطعم ولم يشرب مائة عام، وتقدير الآية على هذا: وانظر إلى عظامك كيف ننشرها، واللام في هذا القول بدل عن كاف الخطاب، وهذا قولُ قتادة (٩٨) (٩٩) (١٠٠) (١٠١) وقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ﴾ (١٠٢) ﴿ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ  ﴾ ، وقال الأعشى: يا عَجَبًا للمَيتِ الناشِرِ (١٠٣) وقد وصفت العظام بالإحياء في قوله: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا  ﴾ فكذلك في قوله: ننشرها (١٠٤) وقرئ (نَنْشُرُها) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) وقال آخرون: يقال: نَشَر الميتُ ونَشَره اللهُ، مثل: حَسَرَتِ الدابةُ، وحَسَرْتُها أنا، وغاض الماء وغِضْتُه، قال العجاج: كم قد حَسَرْنا من عَلاةٍ عَنْسِ (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١١١) (١١٢) ومعنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد، ونركب بعضها على بعض (١١٣) وقال الأخفش: يقال: نَشَزْتُه وأَنْشَزْتُه، أي: رفعته (١١٤) وروي عن النخعي أنه كان يقرأ (نَنَشُزُها) بفتح النون وضم الشين والزاي (١١٥) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وذلك أنه لما شهد ما شاهد من إحياء الله وبعثه إياه بعد وفاته، أخبر عما تبيّنه وتيقنه مما لم يكن تبيّنه هذا التبيُّنَ الذي لا يجوز أن يعترض فيه إشكال، ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل، وتأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه غيبًا (١١٦) وقرأ حمزة والكسائي (١١٧) وَدِّع هُرَيْرَةَ إنّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ (١١٨) خاطب نفسه كما يخاطب غيره، كذلك (١١٩) ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ نزله منزلة الأجنبي المنفصل منه؛ لينبهه على ما تبين له (١٢٠) (١٢١) ويجوز أن يكون الله تعالى قال له: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، يدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد الله والأعمش: قيل: اعلم (١٢٢) (١) ساقط من (م).

(٢) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 342.

(٣) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 290، وقال: والعطف على المعنى نصوا على أنه لا ينقاس.

(٤) سبق تخريجه.

(٥) البيت لعبد العزيز بن زرارة الكلابي، كما في "أدب الكاتب" 1/ 288، وهو من شواهد "المقتضب" 3/ 284، ومعنى سلسبيلًا: أي سهلًا لذيذًا سلسًا، ينظر: "المفردات" ص 237.

(٦) البيت وما بعده ساقط من (أ) و (م).

(٧) البيت لعقبة أو لعقيبة الأسدي في: "الإنصاف" 384، "لسان العرب" 6/ 3496 (مادة: غمز).

(٨) في (ي): (ولا الحديدا)، وفي (ش): (ولا الحديد).

(٩) ساقط من (ي).

(١٠) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 182، ورده الطبري في "تفسيره" 3/ 28، وذكر أبو حيان في "البحر" 2/ 290: أن الكاف قد تكون اسمًا على مذهب الأخفش، فتكون في موضع جر معطوفة على (الذي)، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى مثل الذي مر على قرية، ومجيء الكاف اسمًا فاعلة ومبتدأة ومجرورة بحرف الجر ثابت في "لسان العرب"، وتأويلها بعيد، فالأولى هذا الوجه، وإنما عرض لهم الإشكال من حيث اعتقاد حرفية الكاف حملًا على مشهور مذهب البصريين.

(١١) ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للفراء 1/ 170، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 138، "التبيان" 154، "البحر المحيط" 1/ 290.

(١٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 28، " ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 500.

(١٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 28، وذكره الثعلبي 2/ 1494، والقرطبي 3/ 289.

(١٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 28، وذكره الثعلبي 2/ 1494، والبغوي في "تفسيره" 1/ 317.

(١٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 28، وذكره الثعلبي 2/ 1495، والبغوي في "تفسيره" 1/ 317.

(١٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 28، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 500.

(١٧) وهذا الذي صححه أبو المظفر السمعاني في "تفسيره" 2/ 409، وقال ابن كثير 1/ 337: وهذا القول هو المشهور.

(١٨) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 99، والطبري في "تفسيره" 3/ 29، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 502.

(١٩) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 317، وابن الجوزي في "تفسيره" 1/ 255.

(٢٠) ليست في (ي).

(٢١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1496، وروى الطبري في "تفسيره" 3/ 40، وذكر ابن أبي حاتم 2/ 500 عن مجاهد: أنه رجل من بني إسرائيل.

(٢٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 30، وذكره الثعلبي 2/ 1496.

(٢٣) انظر المصدرين السابقين.

(٢٤) انظر المصدرين السابقين.

(٢٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 30، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 308 - 309.

(٢٦) في (أ) (قال).

(٢٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 30، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 309.

(٢٨) في (ي) (الديار).

(٢٩) نقله عنهما في "تهذيب اللغة" 1/ 1123 (مادة: خوى).

(٣٠) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 1123 (مادة: خوى)، وضبطت يخوي في نسخة (أ) بكسر الواو، وفي التهذيب بفتح الواو.

(٣١) رواه مسلم (497) كتاب: الصلاة، باب: ما يجمع صفة الصلاة.

(٣٢) من قوله: (وخواء).

ساقط من (ي).

(٣٣) ورد هذا الشطر منسوبا لأبي النجم في "تهذيب اللغة" 1/ 1122، "اللسان" 3/ 1296 (مادة: خوى).

(٣٤) ينظر في خوى: "تهذيب اللغة" 1/ 1122، "تفسير الثعلبي" 2/ 1497، "المفردات" ص 167، "اللسان" 3/ 1296 مادة (خوا).

(٣٥) ينظر في عرش: "تهذيب اللغة" 3/ 2391، "تفسير الثعلبي" 2/ 1497، "المفردات" 332، "لسان العرب" 5/ 2881.

(٣٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 31، وذكره في "النكت والعيون" 1/ 331.

(٣٧) انظر المصدرين السابقين.

(٣٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 31، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 500، وذكره في "النكت والعيون" 1/ 331.

(٣٩) في (ش) (انقرعت).

(٤٠) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 85، "تفسير الطبري" 3/ 31، "تفسير الثعلبي" 2/ 1498.

(٤١) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1122 (مادة: خوى).

(٤٢) في (ش) (ركوة).

والزُّكرة: وعاءٌ أو زِقٌ من أدم يجعل فيه شراب أو خلّ.

(٤٣) حديث وهب ستأتي تتمته بعد قليل، فينظر تخريجه هناك.

(٤٤) ينظر "تفسير الطبري" 35/ 35، "تفسير ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 501، "بحر العلوم" 1/ 226، "تفسير الثعلبي" 2/ 1505.

(٤٥) في (ي): (الموتى).

(٤٦) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 35، "تفسير الثعلبي" 2/ 1505.

(٤٧) كتبت في (ي) و (ش) (خلاها)، وفي (أ) و (م): (حلآها).

(٤٨) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 342، "تفسير الثعلبي" 1/ 1505، "التبيان" ص 155، "البحر المحيط" 2/ 291.

(٤٩) ساقط من (ي).

(٥٠) في (ي): (متفرقة بيض).

(٥١) حديث منبه هذا، رواه الطبري في "تفسيره" في "تفسيره" 3/ 32، وفي "تاريخ الرسل والملوك" 1/ 548، وذكره الثعلبي بطوله 2/ 1498 - 1508، وذكره ابن كثير في "قصص الأنبياء" 2/ 320.

(٥٢) من "الحجة" 2/ 367 - 368 بتصرف.

والجهر في اصطلاح المجودين: قوة التصويت بالحرف لقوة الاعتماد عليه في المخرج حتى منع جريان النفس معه، والهمس هو: ضعيف التصويت بالحرف لضعف الاعتماد عليه في المخرج حتى النفس معه، وحروفه مجموعة في قولك (فحثه شخص سكت) والباقي حروف الجهر.

ينظر "هداية القاري" 1/ 79.

(٥٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1508.

(٥٤) ليست في (ي).

(٥٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1509، وينظر: "تفسير الطبري" 3/ 35، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 343.

(٥٦) في (ي) (والعام).

(٥٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1509.

(٥٨) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 503 من طريق عكرمة، وذكره في "زاد المسير" 1/ 311.

(٥٩) قال ابن مجاهد: واختلفوا في إثبات الهاء في الوصل من قوله ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ و ﴿ اقْتَدِهْ  ﴾ ، و ﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ  ﴾ و ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ  ﴾ وإسكانها في الوصل، ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف.

فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، وكان حمزة يحذفهن في الوصل، وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله (لم يتسنه) و (اقتده) ويثبت الهاء في الوصل والوقف في الباقي، وكلهم يقف على الهاء، ولم يختلفوا في ﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ  ﴾ أنهما بالهاء في الوصل والوقف.

"السبعة" ص 188 - 189.

(٦٠) في (ي): (مرددة).

(٦١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1510، "الحجة" 2/ 374.

(٦٢) شطره الأول: عمرو العلا هشم الثريد لقومه.

البيت لابن الزبعرى، كما قال ابن بري.

ذكره: في "تاريخ الطبري" في "تفسيره" 1/ 504، "صبح الأعشى" 1/ 412، "المنتظم" 2/ 210، "الاشتقاق" ص 13 وفيه نسبته إلى مطرود بن كعب الخزاعي.

(٦٣) البيت في "لسان العرب" 4/ 2130 (سنا) وفيه: عليه السموط عائصٍ متعصب، وأنشد الجوهري هذا البيت: عابس متعصب.

(٦٤) في (ش): (تحسن)، وفي (م): (يحسن).

(٦٥) ينظر: "الإغفال" لأبي علي ص 543، "الحجة" 2/ 474 - 475، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 443، "تفسير الثعلبي" 2/ 1510.

(٦٦) في (أ) كأنها (سنينه).

(٦٧) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 172، "تهذيب اللغة" 2/ 1781 (مادة: سنن) "تفسير الثعلبي" 2/ 1511.

وتظنيت من ظننت.

(٦٨) هذه قطعة من مشطور الرجز، للعجاج، وقبله: == داني جناحيه من الطور فمر "ديوانه" ص 17، "تفسير الطبري" 1/ 324، "الإغفال" 541، "المحتسب" 1/ 157، "سمط اللآلي" 2/ 710، "شرح ابن يعيش" 10/ 25، "اللسان" (قضض، ضبر) وتقضي: بمعنى: انقض وتقضض على التحويل، وكسر الطائر يكسر كسرًا وكسورًا، إذا ضم جناحيه حتى ينقض.

(٦٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 172 - 173.

(٧٠) ينظر.

"غريب القرآن" لابن قتيبة ص 85، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 280.

(٧١) سبق ترجمته.

(٧٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 343، "تهذيب اللغة" 1/ 912 مادة "حمأ"، "تفسير الثعلبي" 2/ 1510.

(٧٣) في (ش): (ذلك.) (٧٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 344.

(٧٥) سقطت من (ي).

(٧٦) كتبت في النسخ (ثبتًا).

(٧٧) في (ي): (عن).

(٧٨) "مجاز القرآن" 1/ 351.

(٧٩) في (أ): (ذاك).

(٨٠) البيت من الوافر، وهو لزهير بن أبي سلمى، في "ديوانه" ص 187، "لسان العرب" 4/ 2125 مادة: (سنن).

(وقرن) 6/ 3609، "تهذيب اللغة" 2/ 1780 (سنن) وروايته: نعوِدها الطِّراد فكلَّ يومٍ ...

يُسَنُّ على سنابِكها القُرونُ (٨١) ما تقدم من كلام أبي علي في "الإغفال" ص 545 بتصرف، وينظر: "الحجة" 2/ 374، "تهذيب اللغة" 2/ 1780، وقد وردت (رفع العرق) هكذا في "تهذيب اللغة"، وفي "الإغفال": يعني وقع العرق الذي يتصبب عليها في الحضر.

(٨٢) ينظر: "الحجة" 2/ 374 - 376.

(٨٣) البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، ورد منسوبًا إليه في "معاني القرآن" للفراء 1/ 173، "تفسير الثعلبي" 2/ 1512، السجستاني 88، 93، "تهذيب اللغة" 2/ 1782 (سه) وروايتها: وليست.

وفي "اللسان" 3/ 1584 مادة: رجب، 3/ 1584 مادة: قرح، 2/ 719 مادة: جوح، 4/ 2128 مادة: سنه، وأورده أبو عبيد بن سلام في "غريب الحديث" 1/ 231، 4/ 154، وابن فارس في "معجم المقاييس" 4/ 299، ونسباه لشاعر الأنصار دون تصريح.

والشاعر يصف نخله بالجودة، وأنها ليس فيها سنهاء، وهي التي تحمل عامًا وتحيل عامًا، وقيل: القديمة، وقيل: التي أصابتها السِّنة، أي: أخَّر بها الجدب، والرُّجْبِيّة: التي يبنى تحتها لضعفها أو لطولها وكثرة حملها، والعرايا: جمع عرية التي يوهب ثمرها، والجوائح: السنون الشداد.

(٨٤) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 172، "تفسير الثعلبي" 2/ 1511، "تهذيب اللغة" 2/ 1781 (مادة: سنن).

(٨٥) من "تهذيب اللغة" 2/ 1781 - 1782 (سنه) بمعناه، ولفظه.

وأجود ما قيل في تصغير السنة: سُنيهة، على أن الأصل سنْهَة، كما قالوا: الشفة، أصلها: شفهة، فحذفت الهاء منهما في الوصل ونقصوا الهاء من السنة والشفة؛ لأن الهاء مضاهية حروف اللين التي تنقص في الأسماء الناقصة، مثل زنة وثبة وعِزة وعِضة، وما شاكلها، والوجه في القراءة (لم يتسنه) بإثبات الهاء في الإدراج والوقف، وهو اختيار أبي عمرو.

والله أعلم.

(٨٦) ذكره في "الوسيط" 1/ 373.

(٨٧) في (أ) و (م) و (ي): (عقبناه)، وما أتبت موافق لما في "تفسير الثعلبي" 2/ 1513، "لسان العرب" 7/ 4095 (مادة: لوح).

(٨٨) البيت من الطويل، وهو لجران العود في "ديوانه" ص 4: "لسان العرب" 7/ 4095 مادة: (لوح)، وللطرماح في ملحق "ديوانه" ص 565، "لسان العرب" 5/ 3052 مادة: (عقنب).

وقوله (عقاب عقبناه) على سبيل المبالغة: حديدة المخالب السريعة الخطبة، وظيفتها: عظم ساقها، والخرطوم: منقار الطائر.

(٨٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1513، "تفسير القرطبي" 3/ "البحر المحيط" 2/ 292.

(٩٠) من "تفسير الثعلبي" 2/ 1512.

(٩١) من قوله: (وذلك أنه لما).

ساقط من (ي).

(٩٢) من قوله: (كأنه قال).

سقطت من (أ) و (م).

(٩٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 173.

(٩٤) ينظر في إعراب الآية: "تفسير الثعلبي" 2/ 1520، "التبيان" 1/ 155 - 156، "البحر المحيط" 2/ 293.

(٩٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1521.

(٩٦) نقله عن الضحاك: الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1521، والبغوي في "تفسيره" 1/ 320، وروى سفيان الثوري في "تفسيره" ص 72 نحوه عن المنهال بن عمرو، وروى== الطبري في "تفسيره" 3/ 42 عن الأعمش نحوه، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 505 عن عكرمة نحوه.

(٩٧) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 40، "تفسير الثعلبي" 2/ 1519، "النكت والعيون" 1/ 333، "زاد المسير" 1/ 312.

(٩٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 44، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1520.

(٩٩) انظر المصدرين السابقين.

(١٠٠) انظر المصدرين السابقين.

(١٠١) تقدم الحديث عن هذه الرواية في قسم الدراسة.

(١٠٢) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (نُنْشِرها) بضم النون الأولى وبالراء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (ننشزها) بالزاي، لمحال ابن مجاهد: وروى أبان عن عاصم (كيف نَنْشُرها) بفتح النون الأولى وضم الشين والراء مثل قراءة الحسن.

ينظر: "السبعة" ص 189، "الحجة" 2/ 379.

(١٠٣) صدر البيت: حتى يقول الناس مما رأوا والبيت في "ديوانه" ص 93، "معاني القرآن" للفراء 1/ 173، "الخصائص" 3/ 225، "تفسير الثعلبي" 2/ 1518، والناشر: الذي بعث من قبره.

"البحر المحيط" 2/ 297.

(١٠٤) ينظر: "الحجة" 2/ 379 - 380، "تهذيب اللغة" 4/ 3572 مادة "نشر"، "غريب القرآن" ص 85.

(١٠٥) قرأ بها الحسن والمفضل.

ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 173، "غريب القرآن" ص 85، "تفسير الثعلبي" 2/ 1518.

(١٠٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 173.

(١٠٧) في (ش): (الانتشاط).

(١٠٨) في (ش) و (ي): (عبس).

(١٠٩) رجز أورده في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 381، وصاحب "اللسان" 5/ 3129 (مادة: عنس)، ولم ينسباه، والعَنْس: الصخرة والناقة القوية، شبهت بالصخرة لصلابتها، والعلاة: السندان، ويقال للناقة علاة تُشَبَّه بها في صلابتها.

(١١٠) بتصرف من "الحجة" 2/ 381، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 344، "تهذيب اللغة" 4/ 3572 مادة "نشز"، "المفردات" ص 495.

(١١١) في (ي): (على).

(١١٢) ينظر: "الحجة" 2/ 381 - 382، "تهذيب اللغة" 4/ 3572 (مادة: نشز)، "المفردات" ص 495.

(١١٣) "غريب القرآن" ص 95، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 344، "المفردات" ص 495.

(١١٤) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 183.

(١١٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1518، و"تفسير القرطبي" 3/ 188، "البحر المحيط" 2/ 293.

(١١٦) سقطت من (ي).

(١١٧) وقرأ الباقون (أعلمُ).

ينظر: "السبعة" ص189، "الحجة" 2/ 383.

(١١٨) عجزالبيت: وهل تطيق وداعًا أيُها الرَّجُلُ وهو في "ديوانه" ص155، "الحجة" لأبي علي 2/ 384 "لسان العرب" 2/ 715 "جهم".

(١١٩) في (ي): (وكذلك).

(١٢٠) سقطت من (ي).

(١٢١) من "الحجة" 2/ 383 - 384 بتصرف.

(١٢٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1527، "التبيان" ص 157، "البحر المحيط" 2/ 296.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ ﴾ تقديره: أو رأيت مثل الذي، فحذف لدلالة ألم تر عليه؛ لأن كلتيهما كلمتا تعجب، ويجوز أن يحمل على المعنى كأنه يقول: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مرّ على قرية وهذا المارّ قيل إنه عزير، وقيل الخضر، فقوله: ﴿ أنى يُحْيِى هذه الله ﴾ ليس إنكاراً للبعث ولا استبعاداً ولكنه استعظام لقدرة الذي يحيي الموتى، أو سؤال عن كيفية الإحياء وصورته، لا شك في وقوعه، وذلك مقتضى كلمة أنّ فأراه الله ذلك عياناً؛ ليزداد بصيرة، وقيل: بل كان كافراً وقالها إنكاراً للبعث واستبعاداً، فأراه الله الحياة بعد الموت في نفسه، وذلك أعظم برهان ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ أي خالية من الناس، وقال السدّي: سقطت سقوفها وهي العروش، ثم سقطت الحيطان على السقف ﴿ أنى يُحْيِي هذه الله ﴾ ظاهر هذا اللفظ إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب، ولكن المعنى إحياء أهلها بعد موتهم؛ لأنّ هذا الذي يمكن فيه الشك والإنكار؛ ولذلك أراه الله الحياة بعد موته، والقرية كانت بيت المقدس لما أخربها بختنصر، وقيل: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ سؤال على وجه التقرير ﴿ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ استقل مدّة موته، قيل: أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام؛ فظنّ أنه يوم واحد، ثم رأى بقية من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: يوماً فقال: أو بعض يوم ﴿ فانظر إلى طَعَامِكَ ﴾ قيل كان طعامه تيناً وعنباً وأنّ شرابه كان عصيراً ولبناً ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ معناه: لم يتغير، بل بقي على حاله طول مائة عام، وذلك أعجوبة إلهية، واللفظ يحتمل أن يكون مشتقاً من قولك تسنن الشيء إذا فسد، ومنه الحمأ المسنون، ثم قلبت النون حرف علة كقولهم: قصيت أظفاري، ثم حذف حرف العلة للجازم، والهاء على هذا هاء السكت ﴿ وانظر إلى حِمَارِكَ ﴾ قيل: بقي حماره حياً طول المائة عام، دون علف ولا ماء، وقيل: مات ثم أحياه الله، وهو ينظر إليه ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ التقدير: فعلنا بك هذا لتكون آية للناس، وروي أنه قام شاباً على حالته يوم مات فوجد أولاده وأولادهم شيوخاً ﴿ وانظر إِلَى العظام ﴾ هي عظام نفسه، وقيل: عظام الحمار على القول بأنه مات ﴿ ننشرها ﴾ بالراء نحييها، وقرئ بالزاي، ومعناه نرفعها للإحياء ﴿ قَالَ أَعْلَمُ ﴾ بهمزة قطع وضم الميم أي: قال الرجل ذلك اعترافاً، وقرئ بألف وصل، والجزم على الأمر أي قال له الملك ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربِّي الذي ﴾ مرسلة الياء: حمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ أنا أحيى ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع، وكذلك ما أشبهها من المفتوحة والمضمومة، وزاد أو نشيط بالمد في المكسورة في قوله  ﴿ إن أنا إلا نذير  ﴾ وأشباه ذلك ﴿ مائة ﴾ وبابه مثل "فئة" وقد مر.

﴿ لبث ﴾ وبابه بالأظهار: ابن كثير ونافع وخلف وسهل ويعقوب ﴿ لم يتسنه ﴾ في الوصل والوقف بالهاء: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، لأن الهاء للسكت وهاء السكت تزاد للوقف.

الباقون: بالهاء الساكنة في الحالين، والهاء إما أصلية مجزومة بلم، أو هاء سكت.

وأجروا الوصل مجرى الوقف.

﴿ إلى حمارك ﴾ كمثل الحمار بالإمالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون، وحمدويه والنجاري عن ورش، وابن ذكوان وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي بن شنبوذ عن أهل مكة.

﴿ ننشرها ﴾ بالراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالزاي.

﴿ قال أعلم ﴾ موصولاً والابتداء بكسر الهمزة على الأمر: حمزة وعلي.

الباقون: مقطوعاً والميم مضمومة على الإخبار ﴿ فصرهن ﴾ بكسر الصاد: يزيد وحمزة وخلف ورويس والمفضَّل، ﴿ جزءاً ﴾ بتشديد الزاي: يزيد ووجهه أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل/ مجرى الوقف.

وقرأ أبو بكر وحماد "جزءاً" مثقلاً مهموزاً.

الباقون: ساكنة الزاي مهموزة.

الوقوف: ﴿ الملك ﴾ م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك.

﴿ ويميت ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ عامل، إذ ﴿ وأميت ﴾ ط، ﴿ كفر ﴾ ط، ﴿ الظالمين ﴾ لا، للعطف بأو التعجب.

﴿ عروشها ﴾ ج لأن ما بعده من تتمة كلام قبله من غير عطف.

﴿ موتها ﴾ ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب والجزاء ﴿ بعثه ﴾ ط.

﴿ كم لبثت ﴾ ط.

﴿ يوم ﴾ ط.

﴿ لم يتسنه ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على ﴿ حمارك ﴾ بإضمار ما يعطف عليه قوله ﴿ ولنجعلك ﴾ أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف.

﴿ لحما ﴾ ط لتمام البيان ﴿ له ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ جواب لما.

﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ تؤمن ﴾ ط.

﴿ قلبي ﴾ ط.

﴿ سعياً ﴾ ط، لاعتراض جواب الأمر ﴿ حكيم ﴾ .

التفسير: إنه  ذكر ههنا قصصاً ثلاثاً؛ أولاها في إثبات العلم بالصانع والباقيتان في إثبات البعث والنشور.

فالقصة الأولى مناظرة إبراهيم ملك زمانه، عن مجاهد أنه نمرود بن كنعان وهو أول من تجبر وادّعى الربوبية والمحاجة المغالبة بالحجة.

والضمير في "ربه" لإبراهيم، ويحتمل أن يكون لـ "نمرود"، والهاء في "أن آتاه" قيل لإبراهيم لأنه أقرب في الذكر، ولأنه لا يجوز أن يؤتى الكافر الملك والتسليط، ولأنه يناسب قوله ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً  ﴾ .

وقال جمهور المفسرين: الضمير لذلك الشخص الذي حاج إبراهيم، ولا يبعد أن يعطي الله الكافر بسطةً وسعةً في الدنيا.

ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه الكبر والعتو أو جعل محاجته في ربه شكراً له كقولك "عاداني فلان لأني أحسنت إليه" تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه.

وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي تدعو إليه؟

فقال: ربي الذي يحيي ويميت.

وهذا دليل في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير بأجزاء الحيوان وأشكاله، بصير بأعضائه وأحواله، ولأمر ما ذكره الله  في مواضع من كتابه فقال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] ﴿ وهو الذي خلقكم من تراب  ﴾ ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين  ﴾ ويروى أن الكافر دعا حينئذٍ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضاً أحيي وأميت.

ثم للناس في هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن إبراهيم  لما رأى من/ نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من الأول فقال ﴿ إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ قالوا: وفي هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة.

وأورد عليه أن الشبهة إذا وقعت في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك الجهل واللبس.

ولما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة ذلك واجباً مضيقاً فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفاً؟

ولئن سلمنا أن الانتقال من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح.

لكن الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، فإن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريكالأجسام فللخلق قدرة عليه.

وأيضاً دلالة الإحياء والإماتة على الحاجة إلى المؤثر القادر لكونهما من المتبدلات أقوى من دلالة طلوع الشمس لكون حركة الأفلاك على نهج واحد.

وأيضاً إن نمرود لما لم يستحي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب.

وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك وقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن يطلع الشمس من مغربها، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام طلوع الشمس من المغرب، فما الذي حمل إبراهيم على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، والتزم الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال، وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب؟

ولما كانت هذه الأعتراضات واردة على الطريق الأول عدل بعض المحققين إلى طريق آخر وقالوا: إن إبراهيم  لما احتج بالإحياء والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء أم بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية؟

أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر.

فإن الجماع يفضي إلى الولد بتوسط الأسباب، وتناول السم يفضي إلى الموت، فأجاب إبراهيم  بناء على معتقدهم، وكانوا أصحاب تنجيم - بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن الحركات والاتصالات لا بد لها من فاعل ومدبر، وليس ذلك هو البشر فإنه لا قدرة لهم على الفلكيات، فهي إذن بتحريك رب الأرض والسموات.

قلت: وفيه أيضاً طريق آخر نذكره في التأويلات إن شاء الله  .

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ يقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم مثله.

وقد قرىء بهما وأفصح منهما القراءة المشهورة فبهت على البناء للمفعول لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال/ باهت ولا بهيت قاله الكسائي.

﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ فلهذا لم ينفعه الدليل وإن بلغ في الظهور إلى حيث صار المبطل مبهوتاً محجوجاً، فيعلم منه أن الكل بقضاء الله وقدره وبمشيئته وإرادته.

القصة الثانية قوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ ذهب الكسائي والفراء والفارسي وأكثر النحويين إلى أنه معطوف على المعنى، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر، ونظيره من القرآن ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 84، 85\] ثم قال ﴿ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 186، 187\] فهذا عطف على المعنى كأنه قيل: لمن السموات؟

فقيل: لله.

ومثله قول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وعن الأخفش: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر.

وعن المبرد: أنا نضمر الفعل في الثاني والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إلى إبراهيم أو ألم تر إلى مثل الذي مر.

واختلف في المار بالقرية فعن مجاهد وعليه أكثر المفسرين من المعتزلة أن المار كان رجلاً كافراً.

شاكاً في البعث لأن قوله ﴿ أنى يحيي ﴾ استبعاد وإنه لا يليق بالمؤمن، ولأنه  قال في حقه ﴿ فلما تبين له ﴾ وفيه دليل على أن ذلك التبين لم يكن حاصلاً قبل ذلك.

وكذا قوله ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ وذهب سائر المفسرين إلى أنه كان مسلماً ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس هو أرميا.

ثم من هؤلاء من قال: إن أرميا هو الخضر  وهو رجل من سبط هارون بن عمران وهذا قول محمد بن إسحق.

وقال وهب بن منبه: إن أرميا هو النبي الذي بعثه الله عند ما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة.

وقيل: هو عزير على ما يجيء.

حجة هؤلاء أن قوله ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ يدل على أنه كان عالماً بالله، وبأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، والاستبعاد إنما هو في القرية المخصوصة.

وأيضاً قد شرفه الله  بالتكلم في قوله ﴿ قال كم لبثت ﴾ وفي قوله ﴿ وانظر ﴾ ﴿ ولنجعلك ﴾ وفي نفس قصته من الإعادة وغيرها إكرام له أيضاً.

روي عن ابن عباس أن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير - ومنهم عزير وكان من علمائهم - فجاء بهم إلى بابل.

فدخل عزير تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة وربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، فعجب من ذلك وقال ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ أي من أين يتوقع عمارتها؟

لا على/ سبيل الشك في القدرة، بل بسبب اطراد العادة في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً.

وكانت الأشجار مثمرة فتناول منها التين والعنب وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عنه في موته أبصار الإنس والطير والسباع، ثم أحياه بعد المائة ونودي من السماء يا عزير ﴿ كم لبثت؟

قال: لبثت يوماً أو بعض يوم.

قال: بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ﴾ من التين والعنب ﴿ وشرابك ﴾ من العصير لم يتغير.

فنظر فإذا التين والعنب كما شاهد.

ثم قال ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فنظر فإذا عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله.

فسمع صوتاً: أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب، ثم العروق، ثم انبسط اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزير ساجداً فقال ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرحيا مات ببابل، وقد كان يختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً من قراء التوراة وكان فيهم عزير.

والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً.

وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورضت بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله.

وعن وهب وقتادة وعكرمة والربيع أن القرية إيليا وهو بيت المقدس.

وقال ابن زيد: هي القرية التي خرجت منها الألوف حذر الموت.

ومعنى قوله ﴿ خاوية على عروشها ﴾ ساقطة على سقوفها من خوى النجم إذا سقط.

والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب، كان حيطانها قائمة وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة، وهذا من أحسن ما يوصف به خراب المنازل.

ويحتمل أن يكون من خوى المنزل إذا خلا عن أهله، وخوى بطن الحامل.

"وعلى" بمعنى "عن" أي خاوية عن عروشها، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع بقاء عروشها وسلامتها.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون ﴿ على عروشها ﴾ خبراً بعد خبر كأنه قيل: هي خالية وهي على عروشها أي هي قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان بحالها فيه مشرفة على السقوف الساقطة، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة، وكان التعجب من ذلك أكثر لأن الغالب من القرية الخالية أن يبطل ما فيها من عروش الفواكه ﴿ فأماته الله مائة عام ﴾ لأن الإحياء بعد مدة طويلة أغرب فيكون أدخل في كونه آية ﴿ ثم بعثه ﴾ أي أحياه كما كان أوّلاً عاقلاً فهماً مستعداً للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية، ولو قال أحياه لم/ تحصل هذه الفوائد.

﴿ قال كم لبثت ﴾ أي كم مدة؟

فخذف المميز.

والحكمة في السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة ﴿ قال ﴾ بناء على الظن لا بطريق الكذب ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس.

فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً.

ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.

والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان سبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي حماره ﴿ لم يتسنه ﴾ لم يتغير.

وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مرّ السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه.

وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم "سانيت الرجل مساناة" إذا عامله سنة.

وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل سنيهة في التصغير، وقولهم "أجرت الدار مسانهة".

وقيل: أصله لم يتسنن إما من السن وهو التغير قال  ﴿ من حمإ مسنون  ﴾ أي متغير منتن.

وإما من السنة أيضاً بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلاً.

وعلى التقديرين أبدلت النون الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض.

ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت في الوقف.

وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله "لم يتسن" أي الشراب بقي بحاله لم ينصب.

فعلى هذا يكون قوله ﴿ لم يتسنه ﴾ عائداً إلى الشراب وحده، ويوافقه قراءةٍ ابن مسعود ﴿ فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن ﴾ وأما على سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحاً لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب جميعاً.

فإن قيل: إنه  لما قال ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله ﴿ فانظر ﴾ يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم.

فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فرآه عظاماً نخرة فعظم تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقياً، وما يمكن أن يبقى زماناً طويلاً وهو الحمار غير باقٍ فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام حماره رميماً.

وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن انقلاب عظام الحمار إلى حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ .

﴿ ولنجعلك آية ﴾ قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلاً على صحة البعث.

وقال غيره: كان آية ﴿ للناس ﴾ لأن الله  بعثه شاباً أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والمفارق.وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية.

وقيل: إن حماره لم يمت.

والمراد وانظر إلى حمارك سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الأيات أن يعيشه مائة/ عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة الواو في قوله ﴿ ولنجعلك آية للناس ﴾ فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطاً وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام.

بل المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء.

ومثله في القرآن كثير ﴿ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون  ﴾ ﴿ وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين  ﴾ ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشرها ﴾ بالراء المهملة أي كيف نحييها.

وقرىء ﴿ كيف ننشرها ﴾ من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم.

ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط.

وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة  ﴾ ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.

والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج.

"وكيف" في موضع الحال من العظام والعامل فيه "ننشرها" لا "انظر" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية.

وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن العظام عظام هذا الرجل نفسه.

قالوا: إنه  أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه، وزيف بأن قوله ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة.

وأيضاً قوله ﴿ ثم بعثه ﴾ يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها، وقيل: هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره ﴿ فلما تبين له ﴾ أن الله على كل شيء قدير ﴿ قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله "ضربني وضربت زيداً" أو التقدير: فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم.

وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالاً.

ومن قرأ ﴿ اعلم ﴾ على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك.

والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم ﴿ واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾ قال القاضي: القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وههنا العلم حاصل بدليل قوله ﴿ فلما تبين له ﴾ فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك.

أما الإخبار عن أنه حصل فجائز.

قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر/ على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادراً على نظائره من الغرائب والعجائب لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية.

نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمراً بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضاً ممنوع فإن الأمر حينئذٍ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك للمتحرك "تحرك" أي واظب على الحركة ولا تفتر.

وليت شعري كيف يطعن بعض العلماء في بعض القراءات السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم العليم تقدس وتعالى؟

القصة الثالثة قوله عم طوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ التقدير: واذكر وقت قول إبراهيم.

وقيل: معطوف على قوله ﴿ إلى الذي ﴾ أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم.

وههنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيراً في قصته بل قال ﴿ أو كالذي مرّ على قرية ﴾ وههنا سمى إبراهيم لأن عزيراً لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ وإبراهيم أثنى على الله أولاً بقوله ﴿ رب أرني ﴾ وأيضاً إن عزيراً استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول ﴿ أرني ﴾ فأرى ذلك في غيره.

ومعنى أرني بصرني.

وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً.

الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر.

فقيل: أو لم تؤمن؟

قال: بلى.

ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضرورياً.

الثاني: قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوساً وقتل آخر فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم.

وري أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدولي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع.

الثالث: عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله  أوحى إليه أني أتخذ بشراً خليلاً، فاستعظم ذلك إبراهيم  وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟

فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم  في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل.

فسأل الله إحياء الموتى فقال الله: أو لم تؤمن؟

قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل/ لك.

الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم.

الخامس: لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله  يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده.

السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح.

السابع: أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة.

الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة.

وأما أن إبراهيم  كان شاكاً في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم  وقوله ﴿ بلى ﴾ اعتراف بالإيمان، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ كلام عارف طالب لمزيد اليقين.

والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي جاء في الحديث من قوله  " "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فذلك أنه "لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك نبينا.

فقال رسول الله  تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه نحن أحق بالشك منه" والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟

والاستفهام في قوله ﴿ أولم تؤمن ﴾ للتقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا؟

*** وأيضاً المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه  كان مؤمناً بذلك عارفاً به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.

واللام في قوله ﴿ ليطمئن ﴾ تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال.

وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا: المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله  على الإحياء، أما إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ عن ابن عباس: هنّ طاوس ونسر وغراب وديك.

وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر ﴿ فصرهن إليك ﴾ بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك.

وقال الأخفش: يعني وجههنّ إليك.

وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك.

وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا اضمار.

روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط/ ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله.

فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها.

وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال: إن إبراهيم  لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله  مثالاً قرب به الأمر عليه.

والمراد بـ ﴿ صرهن إليك ﴾ الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، ويؤكده قوله ﴿ ثم ادعهن ﴾ أي الطيور لا الأجزاء ﴿ يأتينك سعياً ﴾ وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية.

وأيضاً إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة.

ولأن قوله ﴿ على كل جبل منهنَّ جزءاً ﴾ دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ظاهر قوله ﴿ على كل جبل ﴾ جميع جبال الدنيا.

فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه.

وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع: أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع.

وقال السدي وابن جريج: المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة.

أما قوله ﴿ ثم ادعهنّ يأتينك سعياً ﴾ فقيل: عدواً ومشياً على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل: طيراناً.

ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى.

وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشياً كانت أو طيراناً، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطاً على صحة الحياة لأنه  جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو.

قال القاضي: دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة.

﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ غالب على جميع الممكنات ﴿ حكيم ﴾ عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.

التأويل: إن الله  لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى أحداً قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله.

وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوماً جهولاً، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقاً لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل/ إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط.

فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول: أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي  أو من ينوب منابه - وهو الشيخ - قال: ليس في الوجود سوى الله.

وهذا هو حقيقة ﴿ فاعلم أَنهُ لا إله إلا الله واستغفر لذنبك  ﴾ يعني كن فانياً عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جداً وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة "لا إله إلا الله" دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجود كل ما سوى الله.

﴿ قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطق لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقاً في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته.

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير.

ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ وذلك أن قوماً أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو  لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيراً مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعاً ليعلم أن الله  مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار.

فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ولحمار الجسد مرتع من/ الرياض ومشرب من الحياض ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ و ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ .

شربنا وأهرقنا على الأرض قسطها *** وللأرض من كأس الكرام نصيب ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله  وذلك قوله ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ فيفوح منه رائحة قول موسى ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطىء الجاني، وعرك بتعريك ﴿ لن تراني ﴾ وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.

شربت الحب كأسا بعد كأس *** فما نفذ الشراب وما رويت فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ ويعربد أخرى بقوله ﴿ إن هي إلا فتنتك  ﴾ ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من اداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة "إن أول ما شاب شيبة إبراهيم" ويحترم غداً بالكسوة " "إن أول من يكسى إبراهيم " ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي بنفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال: أما إليك فلا.

لا جرم أكرمه الله بالإمامة ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال ﴿ هذا ربي  ﴾ وأول من سلك طريق الحق وقال ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأول من نطق بالمحبة وقال ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ وأول من أظهر الشوق وقال ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  ﴾ وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال ﴿ رب أرني ﴾ ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله.

ولست حديث العهد شوقاً ولوعة *** حديث هواكم في حشاي قديم ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير.

وسأله نمرود من ربك؟

فأجرى/ الحق على لسانه من فضله وإحسانه ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فقال نمرود: هل رأيت منه ما تقول؟

فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو ﴿ كيف تحيي الموتى ﴾ وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى.

فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده.

و ﴿ قال أولم تؤمن ﴾ فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة: أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقاً؟

أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة؟

أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء؟

مضمراً في كل منها الإثبات في لفظة النفي.

فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سراً بسر أي بلى آمنت.

وكان إيماناً حقيقياً ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول: أرني وجهك لأنظر إليك.

لأنه يعلم أن الدلال فرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟

فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إليّ كيف أخيطه؟

فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك.

فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال ﴿ خذ أربعة من الطير ﴾ الآية.

والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها.

فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم  ﴾ يعني من الخلق.

فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من/ ذلك الباب، فأمر الله  خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاوس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب.

فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً.

والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها علي يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ﴿ ثم اجعل على كل جبل ﴾ هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها: النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي.

فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية باخلاق الروحانيات.

هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله  بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته كما قال " لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " كما أن أمياً يقول لكاتب: أرني كيف تكتب.

فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً فيقول أنا الكاتب كقوله: عجبت منك ومني *** أفنيتني بك عني أدنيتني منك حتى *** ظننت أنك أني فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ ثم إن الله  إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج كما قال ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ والخليل طلب الرؤية لنفسه ﴿ رب أرني ﴾ والحبيب طلبها له ولأمته "أرنا الأشياء كما هي" وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال: أرنا.

ولرفعة مرتبته قال: الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود.

فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحاً وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضاً.

وفيه أيضاً طلب كمال الرؤية بجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال "كما هي" وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه.

ثم قيل للخليل ﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ أعز من أن يعرف كنه صفاته ﴿ حكيم ﴾ لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ .

فقد ذكرنا فيما تقدم أن قوله  : ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، إنما يفتتح به لأعجوبة، كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ  ﴾ .

وفيه إباحة التكلم في الكلام والمناظرة فيه والحجاج بقوله: ﴿ حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ ، ورد على من يمنع التكلم فيه وهو كذلك؛ لأنا أمرنا بدعاء الكفرة جميعاً إلى وحدانية الله  ، والإقرار له بذلك، والمعرفة له أنه كذلك، وكذلك الأنبياء بأجمعهم أمروا وندبوا إلى دعاء الكفرة إلى شهادة أن "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، فإن دعوناهم إلى ذلك لا بد من أن يطلبوا منا الدليل على ذلك، والبيان عليه، والوصف له كما هو له، والتقرير عندهم أنه كذا، فلا يكون ذلك إلا بعد المناظرة والحجاج فيه؛ لذلك قلنا: أن لا بأس بالتكلم والماظرة فيه.

وفيه دلالة على إباحة المحاجة في التوحيد.

وفيه الإذن بالنظر في النظر؛ لأنه حاجه لينظر.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ .

قال أهل الاعتزال في قوله  : ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ : هو إبراهيم،  ، لا ذلك الكافر؛ لقوله  : ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، أخبر أن عهده لا يناله الظالم، والملك عهد.

لكنه غلط عندنا لوجوه: أحدها: إن إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، ما عرف بالملك.

والثاني: أن الآية ذكرت في محاجة ذلك الكافر إبراهيم، ولو كان غير ملك، وكان إبراهيم،  ، هو الملك، لم يقدر المحاجة مع إبراهيم،  إذ لا محاجة إلا عن ملك؛ دل أنه هو الذي كان الملك.

والثالث: قال: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ، ثم قيل: إنه جاء برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر.

فلو لم يكن ملكا لم يتأت له ذلك بين يدي إبراهيم، إذا كان إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، هو الذي ﴿ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ ، فدل أن المراد به ذلك الكافر.

ثم (المُلْكُ) يكون في الخلق بأحد أمرين: إما الفضل والشرف والعز والسلطان والدين، وإما من جهة الأموال والطول عليها والقهر والغلبة.

فإن لم يكن له (المُلك) من جهة الأول لكان له ذلك بفضول الأموال؛ لذلك كان ما ذكرنا.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: أعطى (الملك) ليمتحن به، كما يعطي الغني والصحة ليمتحن بهما.

وقوله  : ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .

وكان هذا من إبراهيم -  - والله أعلم - عن سؤال سبق منه أن قال له ذلك الكافر: من ربك الذي تدعوني إليه؟

فقال: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ وإلا لا يحتمل ابتداء الكلام بهذا على غير سبق سؤال كان منه.

وهو ما ذكر في قصة فرعون حيث دعاه موسى إلى الإيمان بربه، ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ  قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  ﴾ ، فعلى ذلك الأول.

وقوله  : ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ .

أنه دعا برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر، على ما قيل في القصة.

﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ﴾ .

قال بعض الجدليين: هذا من إبراهيم،  ، صرف المحاجة إلى غير ما كان ابتداؤها، ومثله في الظاهر انقطاع وَحَيْد عن الجواب[؛ لأن من حاج آخر شيئاً، وناظره فيه لعلة ضمن وفاء تلك العلة وإتمامها إلى آخره، فإذا اشتغل بغيرها كان منه انقطاع عما ضمن وفاءها؛ فإبراهيم اشتغل بغيرها وترك الأول وهو في الظاهر انقطاع؛] لأن جوابه أن يقول: أنا أفعل كما فعلت، أو أن يقول له: إن هذا الحي كان حيّاً، ولكن أحي هذا الميت.

لكنه، صلوات الله عليه وسلامه، فعل هذا ليظهر عجزه على الناس؛ لأن ذلك كان منه تمويهاً وتلبيساً على قومه أخذ به قلوبهم، فأراد إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، أن يظهر عليه من الحجة ما هو أظهر وأعجز له، وآخذ للقلوب.

والثاني: أراد أن يريه أن هذا مما قدر عليه بغيره، إذ الذي لم يجعل له القدرة عليه لم يقدر عليه، ثم لما ثبت عجزه في أحدهما يظهر عجزه في الآخر.

والله أعلم.

وقيل: بأن هذا من إبراهيم انتقال من حجة إلى حجة، ليس بانقطاع.

وهو جائز.

وقوله: ﴿ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ﴾ ، قيل: انقطع وتحير.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

ذكر الظالم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير محله، حيث هذا اللعين المحاج في غير موضعه.

وقوله  : ﴿ أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ ﴾ .

قيل: هو نسق قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

وقيل: هو نسق على قوله: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ؛ لأنه ذلك أنكر البعث.

ثم اختلف في المار على القرية: قال بعضهم: كافر قال ذلك.

وقال آخرون: لا، ولكن قال ذلك مسلم.

وقال أكثر أهل التأويل: هو عزير.

فإن كان قائل ذلك كافراً فهو على إنكار البعث والإحياء [بعد إماتة].

وإن كان مسلماً فهو على معرفة كيفية الإحياء، ليس على الإنكار، وهو كقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ .

وليس لنا إلى معرفة قائله حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما ذكر في الآية.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ .

قيل: خالية من سكانها.

وقيل: (خاوية)، ساقطة سقوفها على حيطانها، وحيطانها على سقوفها.

وقوله  : ﴿ قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .

هو على ما ذكرنا.

وقوله  : ﴿ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ .

أراد - والله أعلم - أن يرى الآية في نفسه، والآية هي آية البعث، ويحتمل أن تكون آية في المتأخرين.

وقوله  : ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ .

سأل منه - جل وعلا - الاجتهاد بظاهر الحال الذي ظهر عنده، ليظهر أنه اجتهد بدليل أو بغيره على ما يدركه وسعة؛ فبان أن المجتهد يحل له الاجتهاد بما يدرك في ظاهر الحال.

وإن كان حكم ما فيه الاجتهاد بالغيب.

قال الشيخ - رحمه الله -: أراد الله  بقوله: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ ، التنبيه؛ كقوله لموسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ؛ [طه: 17]، ليريه الآية من الوجه الذي هو أقرب إلى الفهم ثم جهة الأعجوبة فيه بوجهين: مرة بإماته الحمار، إذ من طبعه الدوام، ومرة بإبقاء طعامه، ومن طبعه التغير والفساد عن سريع.

جعل في بقاء طعامه وحفظه من الفساد آية ومن طبعه الفساد، وفي إحياء حماره بعد إماتته وطبعه البقاء؛ ليعلم ما نازعته نفسه في كيفية الإحياء درك ذلك؛ وهو قوله: ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

ثم قيل في وجهةِ ما أراه بأوجه: قيل: إنه أحيا عينيه وقلبه، فأدرك بهما كيفية الإحياء في بقية نفسه.

وقيل: أحيا نفسه، فأراه ذلك في حماره.

وقيل: إنه أراه ذلك في ولده؛ لأنه أتى شابّاً، وولده وولد ولده شيوخ.

وذلك آية.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ...

﴾ الآية: فإن قال قائل: كيف سأله عن لبثه، وقد علم أنه لم يكن علم به؟

وأيد ذلك إخباره بقوله ﴿ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ .

قيل: القول ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ ، يحتمل وجهين؛ وكذلك القول بقوله: ﴿ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ : أحدهما: على قول ألقي إليه ونطق أسمع هو.

والثاني: أن يكون على ما حدثته نفسه بمدة لبثه في حال نومه، فتأمل في ذلك أحوال نومه، وأخبر عما عاين من أحوال الوقت الذي كان فيه مما كان ابتداؤه وقت نومه، فقال بالذي ذكرتم لمَّا تأمل شأن الحمار، واستخبر عن الأحوال، قالت له نفسه: ﴿ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ ، ثم أمعن نظره في حماره، وما رأى من تغير أحواله، وأبقاه الله  على ما ذكر.

وكل ذلك خبر عما حدثته نفسه، هي بعثه، على التفكر في أحواله، والنظر فيما عاين من أمر الحمار، أو كان علم أن ذلك موت فيه، لكنه استقل ذلك بما شهد نفسه بما عيانها على ما كانت عليها.

فلما تأمل شأن حماره [و] علم أنه رفع إلى آيات عجيبة، فزع إلى الله  ، فأنبأه الله  بالذي وصف في القرآن.

والله أعلم.

ولو كان على القول فإن في السؤال عما يعلم السائل جهل المسئول وجهين: أحدهما: الامتحان على ما به ظهور أحوال الممتحن من الاجتهاد في تعريف الحقائق بالاستدلال والخضوع له بالاعتراف بقصوره عن الإحاطة به، كفعل الملائكة عند قوله  : ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ  ﴾ ، بقولهم: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والأول كما فعل صاحب هذا أنه قال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ومثله أمر أصحاب الكهف.

والله أعلم.

والثاني: أن يراد بالسؤال التقرير عنده؛ ليكون متيقظاً لما يراد به من الاطلاع على الآية، كما قال لموسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ...

﴾ الآية [طه: 17].

وهذا فيما كان السؤال في الظاهر خارجاً في الحقيقة مخرج المحنة، نحو ما ذكرنا في أمر الملائكة، وأمر موسى،  ، فأما السؤال الذي هو في حق السؤال إنما هو في حق الاستخبار، ليعلم ما عليه حقيقة الحال بالسؤال.

لكن الذي ذكرت فيما كان سبيله أن يكون من له الامتحان.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ .

قيل: لم يأت عليه السنون، أي: كأنه لم يأت عليه السنون.

وقيل: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ ، لم يتغير ولم ينتن.

والأول أشبه؛ لأنه يقال من التغير والتنتن: لم يتسنن.

وقوله  : ﴿ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ﴾ .

وهو من الأحياء.

و ﴿ نُنْشِزُهَا ﴾ بالزاي - وهو من الارتفاع والنصب.

وفيه لغة أخرى: "ننشرها" بالراء، وهو من الأحياء.

و"ننشرها" من النشر.

وقوله  : ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

﴿ أَعْلَمُ ﴾ ، بالنصب [والخفض: فمن قرأه بالنصب]، صرف قوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، إلى المسلم.

ومن قرأ ﴿ أَعْلَمُ ﴾ بالخفض صرف إلى الكافر، يقول الله له: اعلم أن الله على كل شيء قدير.

ويحتمل أيضاً صرفه إلى المسلم: "واعلم"، على الإخبار، كأنه قال: اعلم ما كنت تعلمه غيباً مشاهدة.

وفي هذه الآية الآيات إثبات رسالة محمد  ؛ وذلك أن هذه القصص كانت ظاهرة بينهم، ولم يكن له اختلاف إليهم، ولا النظر في كتبهم، ثم أخبر على ما كان؛ ليعلم أنه إنما علم ذلك بالله عز وجل ثناؤه.

وقوله  : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: كان إبراهيم،  ، موقنا بأن الله يحيي الموتى، ولكن أحب أن يعاين ذلك؛ لأن الخبر لا يكون عند ابن آدم كالعيان، على ما قيل: "ليس الخبر كالمعاينة".

وقيل: يحتمل سؤاله عما يسأل لما نازعته نفسه وحدثته في كيفية الإحياء، وقد تنازع النفس وتحدث بما لا حاجة لها إليه من حيث نفسه؛ ليقع له فضل علم ومعرفة.

وقيل: ﴿ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ ، أي: ليسكن قلبي وأعلم أنك قد استجبت لي فيما دعوتك، وأعطيتني الذي سألتك.

وقيل: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ، أي: أو لم توقن بالخلة التي خاللتك؟

قال: بلى.

سأل ربه على الخلة.

وقيل: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ، قال: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، ﴿ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ ، بأنك أريتني الذي أردت.

ويحتمل: أن يكون إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أراد بسؤاله ذلك أن تكون له آية حسية؛ لأن آيات إبراهيم كلها كانت عقلية، وآيات سائر الأنبياء كانت عقلية وحسية، فأحب إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، أن تكون له آية حسية، على ما لهم، كسؤال زكريا ربه حيث قال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ، جعل له آية حسية؛ فعلى ذلك سؤال إبراهيم،  .

وقوله  : ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ .

معناه: وجههن إليك، كقول الرجل: "صر وجهك إليَّ"، أي: حول وجهك إليَّ.

وروي في حرف ابن مسعود - رضي الله  عنه -: "فصِرْهن إليك"، بالكسر، بمعنى قطعهن، قيل: هو التقطيع.

وقيل: (فصرهن إليك)، أضممهن.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أو هل رأيت مِثْلَ الذي مَرَّ على قرية سقطت سقوفها، وتهدمت جدرانها، وهلك سكانها، فأصبحت موحشة مُقْفرة، قال هذا الرجل متعجبًا: كيف يحيي الله أهل هذه القرية بعد موتها؟!

فأماته الله مدة مئة عام، ثم أحياه، وسأله فقال له: كم مكثت ميتًا؟

قال مجيبًا: مكثت مدة يوم أو بعض يوم.

قال له: بل مكثت مئة سنة تامة، فانظر إلى ما كان معك من الطعام والشراب، فها هو ذا باقٍ على حاله لم يتغير، مع أن أسرع ما يصيبه التغير الطعام والشراب، وانظر إلى حمارك الميت، ولنجعلك علامة بينة للناس دالة على قدرة الله على بعثهم، فانظر إلى عظام حمارك التي تفرقت وتباعدت، كيف نرفعها ونضم بعضها إلى بعض، ثم نكسوها بعد ذلك اللحم، ونعيد فيها الحياة، فلما رأى ذلك تبين له حقيقة الأمر، وعلم قدرة الله، فقال معترفًا بذلك: أعلم أن الله على كل شيء قدير.

من فوائد الآيات من أعظم ما يميز أهل الإيمان أنهم على هدى وبصيرة من الله تعالى في كل شؤونهم الدينية والدنيوية، بخلاف أهل الكفر.

من أعظم أسباب الطغيان الغرور بالقوة والسلطان حتى يعمى المرء عن حقيقة حاله.

مشروعية مناظرة أهل الباطل لبيان الحق، وكشف ضلالهم عن الهدى.

عظم قدرة الله تعالى؛ فلا يُعْجِزُهُ شيء، ومن ذلك إحياء الموتى.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZZz1W"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكاف في قوله ﴿ أَوْ كَالَّذِي  ﴾ بمعنى "مثل" فهي اسم، ومن الشواهد على ذلك قول الراجز: بيض ثلاث كنعاج جم يضحكن عن كالبرد المنهم.

أي عن ثنايا مثل حب البرد الذائب وقول الشاعر: أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل وزعم (الجلال) أنها زائدة، انتصارًا لمذهب البصريين الذي أتركوا مجيء "الكاف" بمعنى (مثل) ولكن المعنى لا يستقيم كما يليق ببلاغة القرآن إلا على الأول.

وإن تحكيم مذاهبهم النحوية في القرآن، ومحاولة تطبيقه عليها وإن أخل ذلك ببلاغته جراءة كبيرة على الله تعالى، وإذا كان النحو وجد لمثل ذلك فليته لم يوجد.

للمفسرين في الآية قولان: أحدهما- أن هذا الذي مر على القرية كان من الصديقين أو الأنبياء.

ثانيهما- أنه كان من الكافرين، وهو ضعيف، لأن الكافر لا يؤيد بآيات الله، فالكلام على الوجه الأول، وهو الصحيح، مثل لهداية الله تعالى للمؤمنين وإخراجهم من الظلمات إلى النور كما كان شأن إبراهيم مع ذلك الكافر، وقالوا إن هذا لا يصح أن يكون معطوفًا على قصة الذي حاج إبراهيم في ربه لأن ذلك منكر ورد على طريقة التعجيب والإنكار لأن من شأن مثله أن لا يقع، وهذا وإن كان عجيبًا لا يصح إنكار وقوعه لأن الشبهة قد تعرض للمؤمن وهو مؤمن فيطلب المخرج بالبرهان فيهديه الله إليه بما له من الولاية والسلطان على نفسه ويخرجه من ظلمات الشبهة والحيرة إلى نور البرهان والطمأنينة.

وقد قدروا هنا "أرأيت" لإثبات التعجيب دون الإنكار أي ﴿ أَوْ  ﴾ رأيت ﴿ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ  ﴾ أي مثل الذي مر على قرية في إلمام ظلمة الشبهة به وإخراج الله إياه منها إلى النور.

وقد أبهم الله تعالى هذا المار وهذه القرية فلم يذكر مكانها وأصحابها بل اقتصر على الوصف الذي به تقرر الحجة حتى لا يشغل القارئ أو السامع عنها شاغل فهو من الاختصار البليغ، ولكن المفسرين أبوا إلا أن يبحثوا عنها وعمن مر بها فقال بعضهم إنها قرية الذين خرجوا من ديارهم، وقيل غير ذلك، وقيل إن الذي مر أرمياء وقيل العزير، رجمًا بالغيب أو تسليمًا للإسرائيليات.

وقوله ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا  ﴾ معناه وهي خالية من السكان واقعة على عروشها فقوله ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا  ﴾ خبر بعد خبر أو متعلق بخاوية على القول الثاني أي ساقطة على عروشها.

وقيل المعنى وهي خاوية من السكان وقائمة على عروشها، ومن أمثالهم إذا نزعت القوائم سقطت العروش، والحال تأتي من النكرة خلافًا لمن منع ذلك، وأوقع المفسرين في التعسف في التأويل واختيار الجملة الحالية على الحال المفرد لتمثيل حال القرية في النفس بذكر ضميرها وإسناد خاوية إليه ولو قال: على قرية خاوية لما أفاد هذا.

﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ يتعجب من ذلك ويعده غريبًا لا يكاد يقع ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  ﴾ قالوا معناه ألبثه مئة عام ميتًا وذلك أن الموت يكون في لحظة واحدة، وفاتهم أن من الموت ما يمتد زمنًا طويلًا وهو ما يكون من فقد الحس والحركة والإدراك من غير أن تفارق الروح البدن بالمرة وهو ما كان لأهل الكهف وقد عبّر عنه تعالى بالضرب على الآذان.

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ  ﴾ لنزيل تعجبك ونريك آياتنا في نفسك وطعامك وشرابك وحمارك ولنجعلك آية للناس فالعطف دلنا على المحذوف المطوي دلالة ظاهرة، وهذا من لطائف إيجاز القرآن.

أما كون ما رأى آية له فظاهر، أما كونه هو آية للناس فهو أن علمهم بموته مئة سنة ثم بحياته بعد ذلك من أكبر الآيات.

وقد قال المفسرون إنه كان عند موته لا يزال شابًا وكان له أولاد قد شابوا وهرموا وقد عرفوه وعرفهم، وبيان ذلك أن بدنه لم يعمل في هذه المدة الأعمال التي تضنيه وتذهب بماء الشباب منه فتهرمه بل حفظت له حالته التي توفيت نفسه وهو عليها.

ثم قال ﴿ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا  ﴾ إنه بعد أن أراه الآية التي تكون حجة خاصة لمن رآها نبهه إلى الحجة العامة والدليل الثابت الذي يمكن أن يحتج به على البعث في كل زمان ومكان وهو سنته تعالى في تكوين الحيوان وإنشاء لحمه وعظمه فالإنشاء معناه التقوية والإنشاز معناه التنمية لأن الذي ينمو يعلو ويرتفع كأنه يقول كما أطلعناك على بعض الآيات الخاصة التي تدلك على قدرتنا على البعث نهديك إلى الآية الكبرى العامة وهي كيفية التكوين.

وإنما كانت هي الآية العامة لأن القرآن يحتج بها على جميع الخلق بمثل قوله ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  ﴾ وقوله ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  ﴾ وقوله في آيات تبين تفصيل كيفية البدء ﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا  ﴾ .

ثم قال: فهذه العظام توجد في أول الخلقة عارية من لباس الحياة، بل قال فقيرة من مادتها، فالقادر على أن يكسوها لحمًا بمدها بالحياة ويجعلها أصلًا لجسم حي قادر على أن يعيد الخصب والعمران للقرية، كما أن القادر على الإحياء بعد لبث مائة سنة قادر على الإحياء بعد لبث الموتى ألوفًا من السنين.

هكذا يشبه بعض أفعاله بعضًا.

﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ .

وإذا سأل سائل عن كيفية هذا التكلم؟

فجوابنا: أن الله تعالى لم يبينه وهو مما لا يدركه كل سامع، فكانت الحكمة في عدم بيانه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل