الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٠ من سورة البقرة

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٢٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 222 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام ، أسبابا ، منها : أنه لما قال لنمروذ : ( ربي الذي يحيي ويميت ) أحب أن يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين ، وأن يرى ذلك مشاهدة فقال : ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية : حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وسعيد ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم ، إذ قال : رب أرني كيف تحيي الموتى ؟

قال : أولم تؤمن .

قال : بلى ، ولكن ليطمئن قلبي " وكذا رواه مسلم ، عن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب به فليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده ، بلا خلاف .

وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة ، أحدها .

.

.

.

وقوله : ( قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ) اختلف المفسرون في هذه الأربعة : ما هي ؟

وإن كان لا طائل تحت تعيينها ، إذ لو كان في ذلك متهم لنص عليه القرآن ، فروي عن ابن عباس أنه قال : هي الغرنوق ، والطاوس ، والديك ، والحمامة .

وعنه أيضا : أنه أخذ وزا ، ورألا وهو فرخ النعام وديكا ، وطاوسا .

وقال مجاهد وعكرمة : كانت حمامة ، وديكا ، وطاوسا ، وغرابا .

وقوله : ( فصرهن إليك ) أي : قطعهن .

قاله ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبو مالك ، وأبو الأسود الدؤلي ، ووهب بن منبه ، والحسن ، والسدي ، وغيرهم .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فصرهن إليك ) أوثقهن ، فلما أوثقهن ذبحهن ، ثم جعل على كل جبل منهن جزءا ، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن ، ثم قطعهن ونتف ريشهن ، ومزقهن وخلط بعضهن في بعض ، ثم جزأهن أجزاء ، وجعل على كل جبل منهن جزءا ، قيل : أربعة أجبل .

وقيل : سبعة .

قال ابن عباس : وأخذ رؤوسهن بيده ، ثم أمره الله عز وجل ، أن يدعوهن ، فدعاهن كما أمره الله عز وجل ، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش ، والدم إلى الدم ، واللحم إلى اللحم ، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض ، حتى قام كل طائر على حدته ، وأتينه يمشين سعيا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها ، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ، عليه السلام ، فإذا قدم له غير رأسه يأباه ، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جثته بحول الله وقوته ; ولهذا قال : ( واعلم أن الله عزيز حكيم ) أي : عزيز لا يغلبه شيء ، ولا يمتنع منه شيء ، وما شاء كان بلا ممانع لأنه العظيم القاهر لكل شيء ، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره .

قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن أيوب في قوله : ( ولكن ليطمئن قلبي ) قال : قال ابن عباس : ما في القرآن آية أرجى عندي منها .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت زيد بن علي يحدث ، عن رجل ، عن سعيد بن المسيب قال : اتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا .

قال : ونحن شببة ، فقال أحدهما لصاحبه : أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة ؟

فقال عبد الله بن عمرو : قول الله تعالى : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) الآية [ الزمر : 53 ] .

فقال ابن عباس : أما إن كنت تقول : إنها ، وإن أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم : ( رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث ، حدثني ابن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر ، أنه قال : التقى عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص : أي آية في القرآن أرجى عندك ؟

فقال عبد الله بن عمرو : قول الله عز وجل : ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا [ من رحمة الله ] ) الآية فقال ابن عباس : لكن أنا أقول : قول الله : ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ) فرضي من إبراهيم قوله : ( بلى ) قال : فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان .

وهكذا رواه الحاكم في المستدرك ، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم ، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي ، عن بشر بن عمر الزهراني ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، بإسناده ، مثله .

ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي القول في تأويل قوله تعالى : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } يعني تعالى ذكره بذلك : ألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني .

وإنما صلح أن يعطف بقوله : .

{ وإذ قال إبراهيم } على قوله : { أو كالذي مر على قرية } وقوله : { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } لأن قوله : { ألم تر } ليس معناه : ألم تر بعينيك , وإنما معناه : ألم تر بقلبك , فمعناه : ألم تعلم فتذكر , فهو وإن كان لفظه لفظ الرؤية فيعطف عليه أحيانا بما يوافق لفظه من الكلام , وأحيانا بما يوافق معناه .

واختلف أهل التأويل في سبب مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموت ؟

فقال بعضهم : كانت مسألته ذلك ربه , أنه رأى دابة قد تقسمتها السباع والطير , فسأل ربه أن يريه كيفية إحيائه إياها مع تفرق لحومها في بطون طير الهواء وسباع الأرض ليرى ذلك عيانا , فيزداد يقينا برؤيته ذلك عيانا إلى علمه به خبرا , فأراه الله ذلك مثلا بما أخبر أنه أمره به .

ذكر من قال ذلك : 4661 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : حدثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } ذكر لنا أن خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع , فقال : { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } .

4662 - حدثنا عن الحسن , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { رب أرني كيف تحيي الموتى } قال : مر إبراهيم على دابة ميت قد بلي وتقسمته الرياح والسباع , فقام ينظر , فقال : سبحان الله , كيف يحيي الله هذا ؟

وقد علم أن الله قادر على ذلك , فذلك قوله : { رب أرني كيف تحيي الموتى } .

4663 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , قال : قال ابن جريج : بلغني أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق , إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزعت لحمها وبقي عظامها .

فلما ذهبت السباع , وطارت الطير على الجبال والآكام , فوقف وتعجب ثم قال : رب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع والطير { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى } ولكن ليس الخبر كالمعاينة .

4664 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : مر إبراهيم بحوت نصفه في البر , ونصفه في البحر , فما كان منه في البحر فدواب البحر تأكله , وما كان منه في البر فالسباع ودواب البر تأكله , فقال له الخبيث : يا إبراهيم متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟

فقال : يا رب أرني كيف تحيي الموتى !

قال : أولم تؤمن ؟

قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي .

وقال آخرون : بل كان سبب مسألته ربه ذلك , المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمرود في ذلك .

ذكر من قال ذلك : 4665 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثني محمد بن إسحاق , قال : لما جرى بين إبراهيم وبين قومه ما جرى مما قصه الله في سورة الأنبياء , قال نمرود فيما يذكرون لإبراهيم : أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو ؟

قال له إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت .

قال نمرود : أنا أحيي وأميت .

فقال له إبراهيم : كيف تحيي وتميت ؟

ثم ذكر ما قص الله من محاجته إياه .

قال : فقال إبراهيم عند ذلك : { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } من غير شك في الله تعالى ذكره ولا في قدرته , ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه , فقال : ليطمئن قلبي , أي ما تاق إليه إذا هو علمه .

وهذان القولان , أعني الأول وهذا الآخر , متقاربا المعنى في أن مسألة إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى كانت ليرى عيانا ما كان عنده من علم ذلك خبرا .

وقال آخرون : بل كانت مسألته ذلك ربه عند البشارة التي أتته من الله بأنه اتخذه خليلا , فسأل ربه أن يريه عاجلا من العلامة له على ذلك ليطمئن قلبه بأنه قد اصطفاه لنفسه خليلا , ويكون ذلك لما عنده من اليقين مؤيدا .

ذكر من قال ذلك : 4666 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له أن يبشر إبراهيم بذلك , فأذن له , فأتى إبراهيم وليس في البيت فدخل داره , وكان إبراهيم أغير الناس , إن خرج أغلق الباب ; فلما جاء وجد في داره رجلا , فثار إليه ليأخذه , قال : من أذن لك أن تدخل داري ؟

قال ملك الموت : أذن لي رب هذه الدار , قال إبراهيم : صدقت !

وعرف أنه ملك الموت , قال : من أنت ؟

قال : أنا ملك الموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلا .

فحمد الله وقال : يا ملك الموت أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار .

قال : يا إبراهيم لا تطيق ذلك .

قال : بلى .

قال : فأعرض !

فأعرض إبراهيم ثم نظر إليه , فإذا هو برجل أسود تنال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار , ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار .

فغشي على إبراهيم , ثم أفاق وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى , فقال : يا ملك الموت لو لم يلق الكافر عند الموت من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه , فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين !

قال : فأعرض !

فأعرض إبراهيم ثم التفت , فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجها وأطيبه ريحا , في ثياب بيض , فقال : يا ملك الموت لو لم يكن للمؤمن عند ربه من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه .

فانطلق ملك الموت , وقام إبراهيم يدعو ربه يقول : { رب أرني كيف تحيي الموتى } حتى أعلم أني خليلك { قال أولم تؤمن } بأني خليلك , يقول تصدق , { قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } بخلولتك .

4667 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , قال : ثنا عمرو بن ثابت , عن أبيه , عن سعيد بن جبير : { ولكن ليطمئن قلبي } قال : بالخلة .

وقال آخرون : قال ذلك لربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى .

ذكر من قال ذلك : 4668 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب في قوله : { ولكن ليطمئن قلبي } قال : قال ابن عباس : ما في القرآن آية أرجى عندي منها .

4669 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , قال : سمعت زيد بن علي يحدث عن رجل , عن سعيد بن المسيب , قال : أتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو أن يجتمعا , قال : ونحن يومئذ شببة , فقال أحدهما لصاحبه : أي آية في كتاب الله أرجى لهذه الأمة ؟

فقال عبد الله بن عمرو { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } 39 53 حتى ختم الآية , فقال ابن عباس : أما إن كنت تقول إنها , وإن أرجى منها لهذه الأمة قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } .

4670 - حدثنا القاسم , قال : ثني الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : سألت عطاء بن أبي رباح , عن قوله : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس , فقال : { رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى .

..

قال فخذ أربعة من الطير } ليريه .

4671 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري , قالا : ثنا سعيد بن تليد , قال : ثنا عبد الرحمن بن القاسم , قال : ثني بكر بن مضر , عن عمرو بن الحارث , عن يونس بن يزيد , عن ابن شهاب , قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب , عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن أحق بالشك من إبراهيم , قال : رب أرني كيف تحيي الموتى , قال أولم تؤمن ؟

قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " .

* - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب وسعيد بن المسيب , عن أبي هريرة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فذكر نحوه .

وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية , ما صح به الخبر عن رسول الله صلى أنه قال , وهو قوله : " نحن أحق بالشك من إبراهيم , قال رب أرني كيف تحيي الموتى , قال أولم تؤمن " وإن تكون مسألته ربه ما سأله أن يريه من إحياء الموتى لعارض من الشيطان عرض في قلبه , كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفا من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر قد تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء , ألقى الشيطان في نفسه فقال : متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء ؟

فسأل إبراهيم حينئذ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ليعاين ذلك عيانا , فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقي فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك , فقال له ربه : { أولم تؤمن } يقول : أولم تصدق يا إبراهيم بأني على ذلك قادر ؟

قال : بلى يا رب , لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي , فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت .

4672 - حدثني بذلك يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , عن ابن زيد .

ومعنى قوله : { ليطمئن قلبي } ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه .

وهذا التأويل الذي .

قلناه في ذلك هو تأويل الذين وجهوا معنى قوله : { ليطمئن قلبي } إلى أنه ليزداد إيمانا , أو إلى أنه ليوفق .

ذكر من قال ذلك : ليوفق , أو ليزداد يقينا أو إيمانا : 4673 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو نعيم , عن سفيان , عن قيس بن مسلم , عن سعيد بن جبير : { ليطمئن قلبي } قال : ليوفق .

4674 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان .

وحدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن أبي الهيثم , عن سعيد بن جبير : { ليطمئن قلبي } قال : ليزداد يقيني .

4675 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { ولكن ليطمئن قلبي } يقول : ليزداد يقينا .

4676 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { ولكن ليطمئن قلبي } قال : وأراد نبي الله إبراهيم ليزداد يقينا إلى يقينه .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : قال معمر وقال قتادة : ليزداد يقينا .

4677 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { ولكن ليطمئن قلبي } قال : أراد إبراهيم أن يزداد يقينا .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا محمد بن كثير البصري , قال : ثنا إسرائيل , قال : ثنا أبو الهيثم , عن سعيد بن جبير : { ليطمئن قلبي } قال : ليزداد يقيني .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا الفضل بن دكين , قال : ثنا سفيان , عن أبي الهيثم , عن سعيد بن جبير : { ولكن ليطمئن قلبي } قال : ليزداد يقينا .

4678 - حدثنا صالح بن مسمار , قال : ثنا زيد بن الحباب , قال : ثنا خلف بن خليفة , قال : ثنا ليث بن أبي سليم , عن مجاهد وإبراهيم في قوله : { ليطمئن قلبي } قال : لأزداد إيمانا مع إيماني .

* - حدثنا صالح , قال : ثنا زيد , قال : أخبرنا زياد , عن عبد الله العامري , قال : ثنا ليث , عن أبي الهيثم , عن سعيد بن جبير في قول الله : { ليطمئن قلبي } قال : لأزداد إيمانا مع إيماني .

وقد ذكرنا فيما مضى قول من قال : معنى قوله : { ليطمئن قلبي } بأني خليلك .

وقال آخرون : معنى قوله : { ليطمئن قلبي } لأعلم أنك تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك .

ذكر من قال ذلك : 4679 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { ليطمئن قلبي } قال : أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك , وتعطيني إذا سألتك .

وأما تأويل قوله : { قال أولم تؤمن } فإنه : أولم تصدق ؟

كما : 4680 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , وحدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن قيس بن مسلم , عن سعيد بن جبير قوله : { أولم تؤمن } قال : أولم توقن بأني خليلك ؟

4681 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { أولم تؤمن } قال : أولم توقن.قال فخذ أربعة من الطير القول في تأويل قوله تعالى : { قال فخذ أربعة من الطير } .

يعني تعالى ذكره بذلك : قال الله له : فخذ أربعة من الطير .

فذكر أن الأربعة من الطير : الديك , والطاووس , والغراب , والحمام .

ذكر من قال ذلك : 4682 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثني محمد بن إسحاق , عن بعض أهل العلم : أن أهل الكتاب الأول يذكرون أنه أخذ طاووسا , وديكا , وغرابا , وحماما .

4683 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : الأربعة من الطير : الديك , والطاووس , والغراب , والحمام .

4684 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج : { قال فخذ أربعة من الطير } قال ابن جريج : زعموا أنه ديك , وغراب , وطاووس , وحمامة .

4685 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { قال فخذ أربعة من الطير } قال : فأخذ طاووسا , وحماما , وغرابا , وديكا ; مخالفا أجناسها وألوانها .فصرهن إليك القول في تأويل قوله تعالى : { فصرهن إليك } .

اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء أهل المدينة والحجاز والبصرة : { فصرهن إليك } بضم الصاد من قول قائل : صرت إلى هذا الأمر : إذا ملت إليه أصور صورا , ويقال : إني إليكم لأصور أي مشتاق مائل , ومنه قول الشاعر : الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى أحبابنا صور وهو جمع أصور وصوراء وصور , مثل أسود وسوداء .

ومنه قول الطرماح : عفائف إلا ذاك أو أن يصورها هوى والهوى للعاشقين صروع يعني بقوله : " أو أن يصورها هوى " : يميلها .

فمعنى قوله : { فصرهن إليك } اضممهن إليك ووجههن إليك ووجههن نحوك , كما يقال : صر وجهك إلي , أي أقبل به إلي .

ومن وجه قوله : { فصرهن إليك } إلى هذا التأويل كان في الكلام عنده متروك قد ترك ذكره استغناء بدلالة الظاهر عليه , ويكون معناه حينئذ عنده , قال : فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك , ثم قطعهن , ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا .

وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك إذا قرئ كذلك بضم الصاد : قطعهن , كما قال توبة بن الحمير : فلما جذبت الحبل أطت نسوعه بأطراف عيدان شديد أسورها فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها بنهضي وقد كان ارتقائي يصورها يعني يقطعها .

وإذا كان ذلك تأويل قوله : فصرهن , ويكون إليك من صلة " خذ " .

وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة : " فصرهن إليك " بالكسر , بمعنى قطعهن .

وقد زعم جماعة من نحويي الكوفة أنهم لا يعرفون فصرهن ولا فصرهن , بمعنى قطعهن في كلام العرب , وأنهم لا يعرفون كسر الصاد منها لغة في هذيل وسليم ; وأنشدوا لبعض بني سليم : وفرع يصير الجيد وحف كأنه على الليت قنوان الكروم الدوالح يعني بقوله يصير : يميل , وأن أهل هذه اللغة يقولون : صاروه وهو يصيره صيرا , وصر وجهك إلي : أي أمله , كما تقول : صره .

وزعم بعض نحويي الكوفة أنه لا يعرف لقوله : { فصرهن } ولا لقراءة من قرأ : " فصرهن " بضم الصاد وكسرها وجها في التقطيع , إلا أن يكون " فصرهن إليك " في قراءة من قرأه بكسر الصاد من المقلوب , وذلك أن تكون لام فعله جعلت مكان عينه , وعينه مكان لامه , فيكون من صرى يصري صريا , فإن العرب تقول : بات يصري في حوضه : إذا استقى , ثم قطع واستقى , ومن ذلك قول الشاعر : صرت نطرة لو صادفت جوز دارع غدا والعواصي من دم الجوف تنعر صرت : قطعت نظرة .

ومنه قول الآخر : يقولون إن الشام يقتل أهله فمن لي إذا لم آته بخلود تعرب آبائي فهلا صراهم من الموت أن لم يذهبوا وجدودي يعني قطعهم , ثم نقلت ياؤها التي هي لام الفعل فجعلت عينا للفعل , وحولت عينها فجعلت لامها , فقيل صار يصير , كما قيل : عثي يعثى عثا , ثم حولت لامها , فجعلت عينها , فقيل عاث يعيث .

فأما نحويو البصرة فإنهم قالوا : { فصرهن إليك } سواء معناه إذا قرئ بالضم من الصاد وبالكسر في أنه معني به في هذا الموضع التقطيع , قالوا : وهما لغتان : إحداهما صار يصور , والأخرى صار يصير , واستشهدوا على ذلك ببيت توبة بن الحمير الذي ذكرنا قبل , وببيت المعلى بن جمال العبدي : وجاءت خلعة دهس صفايا يصور عنوقها أحوى زنيم بمعنى يفرق عنوقها ويقطعها , وببيت خنساء : لظلت الشم منها وهي تنصار يعني بالشم : الجبال أنها تتصدع وتتفرق .

وببيت أبي ذؤيب : فانصرن من فزع وسد فروجه غبر ضوار وافيان وأجدع قالوا : فلقول القائل : صرت الشيء معنيان : أملته , وقطعته , وحكوا سماعا : صرنا به الحكم : فصلنا به الحكم .

وهذا القول الذي ذكرناه عن البصريين من أن معنى الضم في الصاد من قوله : { فصرهن إليك } والكسر سواء بمعنى واحد , وأنهما لغتان معناهما في هذا الموضع فقطعهن , وأن معنى إليك تقديمها قبل فصرهن من أجل أنها صلة قوله : " فخذ " , أولى بالصواب من قول الذين حكينا قولهم من نحويي الكوفيين الذي أنكروا أن يكون للتقطيع في ذلك وجه مفهوم إلا على معنى القلب الذي ذكرت , لإجماع أهل التأويل على أن معنى قوله : { فصرهن } غير خارج من أحد معنيين : إما قطعهن , وإما اضممهن إليك , بالكسر قرئ ذلك أو بالضم .

ففي إجماع جميعهم على ذلك على غير مراعاة منهم كسر الصاد وضمها , ولا تفريق منهم بين معنيي القراءتين أعني الكسر والضم , أوضح الدليل على صحة قول القائلين من نحويي أهل البصرة في ذلك ما حكينا عنهم من القول , وخطأ قول نحويي الكوفيين ; لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله : { فصرهن } بمعنى فقطعهن , على أن أصل الكلام فاصرهن , ثم قلبت فقيل فصرهن بكسر الصاد لتحول ياء فاصرهن مكان رائه , وانتقال رائه مكان يائه , لكان لا شك مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم , قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده , وبينه إذا قرئ بضمها , إذ كان غير جائز لمن قلب فاصرهن إلى فصرهن أن يقرأه فصرهن بضم الصاد , وهم مع اختلاف قراءتهم ذلك قد تأولوه تأويلا واحدا على أحد الوجهين اللذين ذكرنا .

ففي ذلك أوضح الدليل على خطأ قول من قال : إن ذلك إذا قرئ بكسر الصاد بتأويل التقطيع مقلوب من صرى يصري إلى صار يصير , وجهل من زعم أن قول القائل صار يصور وصار يصير غير معروف في كلام العرب بمعنى قطع .

ذكر من حضرنا قوله في تأويل قول الله تعالى ذكره : { فصرهن } أنه بمعنى فقطعهن .

4686 - حدثنا سليمان بن عبد الجبار , قال : ثنا محمد بن الصلت , قال : ثنا أبو كدينة , عن عطاء , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس : { فصرهن } قال : هي نبطية فشققهن .

4687 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي جمرة , عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : { فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك } قال : إنما هو مثل .

قال : قطعهن ثم اجعلهن في أرباع الدنيا , ربعا ههنا , وربعا ههنا , ثم ادعهن يأتينك سعيا .

4688 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { فصرهن } قال : قطعهن .

4689 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن أبي مالك في قوله : { فصرهن إليك } يقول : قطعهن .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن حصين , عن أبي مالك , مثله .

4690 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يحيى بن يمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد : { فصرهن } قال : قال جناح ذه عند رأس ذه , ورأس ذه عند جناح ذه .

4691 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : حدثنا المعتمر بن سليمان , عن أبيه , قال : زعم أبو عمرو , عن عكرمة في قوله : { فصرهن إليك } قال : قال عكرمة بالنبطية : قطعهن .

4692 - حدثنا أحمد بن إسحاق , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا إسرائيل , عن يحيى , عن مجاهد : { فصرهن إليك } قال : قطعهن .

4693 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فصرهن إليك } انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقا , ثم اخلط لحومهن بريشهن .

* - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فصرهن إليك } قال : انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقا .

4694 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { فصرهن إليك } أمر نبي الله عليه السلام أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن , ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن .

4695 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { فصرهن إليك } قال : فمزقهن , قال : أمر أن يخلط الدماء بالدماء , والريش بالريش , ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا .

4696 - حدثنا عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد بن سليمان , قال : سمعت الضحاك : { فصرهن إليك } يقول : فشققهن وهو بالنبطية صرى , وهو التشقيق .

4697 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فصرهن إليك } يقول قطعهن .

4698 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { فصرهن إليك } يقول قطعهن إليك ومزقهن تمزيقا .

4699 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق : { فصرهن إليك } أي قطعهن , وهو الصور في كلام العرب .

ففيما ذكرنا من أقوال من روينا في تأويل قوله : { فصرهن إليك } أنه بمعنى فقطعهن إليك , دلالة واضحة على صحة ما قلنا في ذلك , وفساد قول من خالفنا فيه .

وإذ كان ذلك كذلك , فسواء قرأ القارئ ذلك بضم الصاد فصرهن إليك أو كسرها فصرهن إذ كانت اللغتان معروفتين بمعنى واحد , غير أن الأمر وإن كان كذلك , فإن أحبهما إلي أن أقرأ به " فصرهن إليك " بضم الصاد , لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما وأكثرهما في إحياء العرب .

وعند نفر قليل من أهل التأويل أنها بمعنى أوثق .

ذكر من قال ذلك : 4700 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { فصرهن إليك } صرهن : أوثقهن .

4701 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء قوله : { فصرهن إليك } قال : اضممهن إليك .

4702 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { فصرهن إليك } قال : اجمعهن .ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا القول في تأويل قوله تعالى : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا } .

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } فقال بعضهم : يعني بذلك على كل ربع من أرباع الدنيا جزءا منهن .

ذكر من قال ذلك : 4703 - حدثني المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي جمرة , عن ابن عباس : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } قال : اجعلهن في أرباع الدنيا : ربعا ههنا , وربعا ههنا , وربعا ههنا , وربعا ههنا , ثم ادعهن يأتينك سعيا .

* - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } قال : لما أوثقهن ذبحهن , ثم جعل على كل جبل منهن جزءا .

4704 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : قال : أمر نبي الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن , ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن , ثم يجزئهن على أربعة أجبل , فذكر لنا أنه شكل على أجنحتهن , وأمسك برءوسهن بيده , فجعل العظم يذهب إلى العظم , والريشة إلى الريشة , والبضعة إلى البضعة , وذلك بعين خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم .

ثم دعاهن فأتينه سعيا على أرجلهن , ويلقى كل طير برأسه .

وهذا مثل آتاه الله إبراهيم .

يقول : كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة , كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها .

4705 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , قال : ذبحهن , ثم قطعهن , ثم خلط بين لحومهن وريشهن , ثم قسمهن على أربعة أجزاء , فجعل على كل جبل منهن جزءا , فجعل العظم يذهب إلى العظم , والريشة إلى الريشة , والبضعة إلى البضعة , وذلك بعين خليل الله إبراهيم , ثم دعاهن فأتينه سعيا , يقول : شدا على أرجلهن .

وهذا مثل أراه الله إبراهيم , يقول : كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة , كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها .

4706 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثنا ابن إسحاق , عن بعض أهل العلم : أن أهل الكتاب يذكرون أنه أخذ الأطيار الأربعة , ثم قطع كل طير بأربعة أجزاء , ثم عمد إلى أربعة أجبال , فجعل على كل جبل ربعا من كل طائر , فكان على كل جبل ربع من الطاووس , وربع من الديك , وربع من الغراب وربع من الحمام .

ثم دعاهن فقال : تعالين بإذن الله كما كنتم !

فوثب كل ربع منها إلى صاحبه حتى اجتمعن , فكان كل طائر كما كان قبل أن يقطعه , ثم أقبلن إليه سعيا , كما قال الله .

وقيل : يا إبراهيم هكذا يجمع الله العباد , ويحيي الموتى للبعث من مشارق الأرض ومغاربها , وشامها ويمنها .

فأراه الله إحياء الموتى بقدرته , حتى عرف ذلك بغير ما قال نمرود من الكذب والباطل .

4707 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } قال : فأخذ طاووسا , وحمامة , وغرابا , وديكا , ثم قال : فرقهن , اجعل رأس كل واحد وجؤشوش الآخر وجناحي الآخر ورجلي الآخر معه !

فقطعهن وفرقهن أرباعا على الجبال , ثم دعاهن فجئنه جميعا , فقال الله : كما ناديتهن فجئنك , فكما أحييت هؤلاء وجمعتهن بعد هذا , فكذلك أجمع هؤلاء أيضا ; يعني الموتى .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم اجعل على كل جبل من الأجبال التي كانت الأطيار والسباع التي كانت تأكل من لحم الدابة التي رآها إبراهيم ميتة , فسأل إبراهيم عند رؤيته إياها أن يريه كيف يحييها وسائر الأموات غيرها .

وقالوا : كانت سبعة أجبال .

ذكر من قال ذلك : 4708 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : لما قال إبراهيم ما قال عند رؤيته الدابة التي تفرقت الطير والسباع عنها حين دنا منها , وسأل ربه ما سأل , قال : فخذ أربعة من الطير - قال ابن جريج : فذبحها - ثم أخلط بين دمائهن وريشهن ولحومهن , ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا حيث رأيت الطير ذهبت والسباع !

قال : فجعلهن سبعة أجزاء , وأمسك رءوسهن عنده , ثم دعاهن بإذن الله , فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى , وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى , وكل بضعة وكل عظم يطير بعضه إلى بعض من رءوس الجبال , حتى لقيت كل جثة بعضها بعضا في السماء , ثم أقبلن يسعين حتى وصلت رأسها .

4709 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك , ثم اجعل على سبعة أجبال , فاجعل على كل جبل منهن جزءا , ثم ادعهن يأتينك سعيا !

فأخذ إبراهيم أربعة من الطير , فقطعهن أعضاء , لم يجعل عضوا من طير مع صاحبه , ثم جعل رأس هذا مع رجل هذا , وصدر هذا مع جناح هذا , وقسمهن على سبعة أجبال , ثم دعاهن فطار كل عضو إلى صاحبه , ثم أقبلن إليه جميعا .

وقال آخرون : بل أمره الله أن يجعل ذلك على كل جبل .

ذكر من قال ذلك : 4710 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } قال : ثم بددهن على كل جبل يأتينك سعيا , وكذلك يحيي الله الموتى .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : ثم اجعلهن أجزاء على كل جبل , ثم ادعهن يأتينك سعيا , كذلك يحيى الله الموتى ; هو مثل ضربه الله لإبراهيم .

* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , قال : قال ابن جريج , قال مجاهد : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } ثم بددهن أجزاء على كل جبل , ثم ادعهن : تعالين بإذن الله !

فكذلك يحيي الله الموتى ; مثل ضربه الله لإبراهيم صلى الله عليه وسلم .

4711 - حدثني المثنى , قال : ثني إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك , قال : أمره أن يخالف بين قوائمهن ورءوسهن وأجنحتهن , ثم يجعل على كل جبل منهن جزءا .

* - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } فخالف إبراهيم بين قوائمهن وأجنحتهن .

وأولى التأويلات بالآية ما قاله مجاهد , وهو أن الله تعالى ذكره أمر إبراهيم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة بعد تقطيعه إياهن على جميع الأجبال التي كان يصل إبراهيم في وقت تكليف الله إياه تفريق ذلك وتبديدها عليها أجزاء , لأن الله تعالى ذكره قال له : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } والكل حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه لفظه واحد ومعناه الجمع .

فإذا كان ذلك كذلك فلن يجوز أن تكون الجبال التي أمر الله إبراهيم بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة عليها خارجة من أحد معنيين : إما أن تكون بعضا أو جميعا ; فإن كانت بعضا فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم السبيل إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه .

أو يكون جميعا , فيكون أيضا كذلك .

وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على كل جبل , وذلك إما كل جبل وقد عرفهن إبراهيم بأعيانهن , وإما ما في الأرض من الجبال .

فأما قول من قال : إن ذلك أربعة أجبل , وقول من قال : هن سبعة ; فلا دلالة عندنا على صحة شيء من ذلك فنستجيز القول به .

وإنما أمر الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرقة على كل جبل ليري إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهن متفرقات متبددات في أماكن مختلفة شتى , حتى يؤلف بعضهن إلى بعض , فيعدن كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن وقبل تفريق أجزائهن على الجبال أطيارا أحياء يطرن , فيطمئن قلب إبراهيم ويعلم أن كذلك يجمع الله أوصال الموتى لبعث القيامة وتأليفه أجزاءهم بعد البلى ورد كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذي كان قبل الرد .

والجزء من كل شيء هو البعض منه كان منقسما جميعه عليه على صحة أو غير منقسم , فهو بذلك من معناه مخالف معنى السهم ; لأن السهم من الشيء : هو البعض المنقسم عليه جميعه على صحة , ولذلك كثر استعمال الناس في كلامهم عند ذكرهم أنصباءهم من المواريث السهام دون الأجزاء .

وأما قوله : { ثم ادعهن } فإن معناه ما ذكرت آنفا عن مجاهد أنه قال : هو أنه أمر أن يقول لأجزاء الأطيار بعد تفريقهن على كل جبل تعالين بإذن الله .

فإن قال قائل : أمر إبراهيم أن يدعوهن وهن ممزقات أجزاء على رءوس الجبال أمواتا , أم بعد ما أحيين ؟

فإن كان أمر أن يدعوهن وهن ممزقات لا أرواح فيهن , فما وجه أمر من لا حياة فيه بالإقبال ؟

وإن كان أمر بدعائهن بعد ما أحيين , فما كانت حاجة إبراهيم إلى دعائهن وقد أبصرهن ينشرن على رءوس الجبال ؟

قيل : إن أمر الله تعالى ذكره إبراهيم صلى الله عليه وسلم بدعائهن وهن أجزاء متفرقات إنما هو أمر تكوين , كقول الله للذين مسخهم قردة بعد ما كانوا إنسا : { كونوا قردة خاسئين } 2 65 لا أمر عبادة , فيكون محالا إلا بعد وجود المأمور المتعبد .واعلم أن الله عزيز حكيم القول في تأويل قوله تعالى : { واعلم أن الله عزيز حكيم } .

يعني تعالى ذكره بذلك : واعلم يا إبراهيم أن الذي أحيا هذه الأطيار بعد تمزيقك إياهن , وتفريقك أجزاءهن على الجبال , فجمعهن ورد إليهن الروح , حتى أعادهن كهيئتهن قبل تفريقهن , { عزيز } في بطشه إذا بطش بمن بطش من الجبابرة والمتكبرة الذين خالفوا أمره , وعصوا رسله , وعبدوا غيره , وفي نقمته حتى ينتقم منهم , { حكي } في أمره .

4712 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثنا ابن إسحاق : { واعلم أن الله عزيز حكيم } قال : عزيز في بطشه , حكيم في أمره .

4713 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { واعلم أن الله عزيز } في نقمته { حكيم } في أمره .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم[ ص: 271 ] اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا ؟

فقال الجمهور : لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة ، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ، ولهذا قال عليه السلام : ليس الخبر كالمعاينة رواه ابن عباس ولم يروه غيره ، قاله أبو عمر .

قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين .

وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والربيع : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه .

قال ابن عطية : وترجم الطبري في تفسيره فقال : وقال آخرون سأل ذلك ربه ؛ لأنه شك في قدرة الله تعالى .

وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أرجى عندي منها .

وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى .

وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نحن أحق بالشك من إبراهيم الحديث ، ثم رجح الطبري هذا القول .قلت : حديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ؟

قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي .

قال ابن عطية : وما ترجم به الطبري عندي مردود ، وما أدخل تحت الترجمة [ ص: 272 ] متأول ، فأما قول ابن عباس : ( هي أرجى آية ) فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك .

ويجوز أن يقول : هي أرجى آية لقوله أولم تؤمن أي إن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث .

وأما قول عطاء : ( دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ) فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدم .

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا يشك ، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم ، والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ذلك محض الإيمان إنما هو في الخواطر التي لا تثبت ، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام .

وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به ، يدلك على ذلك قوله : ربي الذي يحيي ويميت فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة ، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعا .

وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا ، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول ، نحو قولك : كيف علم زيد ؟

وكيف نسج الثوب ؟

ونحو هذا .

ومتى قلت : كيف ثوبك ؟

وكيف زيد ؟

فإنما السؤال عن حال من أحواله .

وقد تكون " كيف " خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف ، نحو قولك : كيف شئت فكن ، ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي .

و " كيف " في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء ، والإحياء متقرر ، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح ، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح ، مثال ذلك أن يقول مدع : أنا أرفع هذا الجبل ، فيقول المكذب له : أرني كيف ترفعه فهذه طريقة مجاز في العبارة ، ومعناها تسليم جدلي ، كأنه يقول : افرض أنك ترفعه ، فأرني كيف ترفعه فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الاشتراك المجازي ، خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له : أولم تؤمن قال بلى فكمل الأمر وتخلص من كل شك ، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة .قلت : هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر ، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث .

وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه [ ص: 273 ] وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وقال اللعين : إلا عبادك منهم المخلصين ، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم ، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها ، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين ، فقوله : أرني كيف طلب مشاهدة الكيفية .

وقال بعض أهل المعاني : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب ، وهذا فاسد مردود بما تعقبه من البيان ، ذكره الماوردي ، وليست الألف في قوله أولم تؤمن ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير :ألستم خير من ركب المطاياوالواو واو الحال .

و " تؤمن " معناه إيمانا مطلقا ، دخل فيه فضل إحياء الموتى .قال بلى ولكن ليطمئن قلبي أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا .

والطمأنينة : اعتدال وسكون ، فطمأنينة الأعضاء معروفة ، كما قال عليه السلام : ثم اركع حتى تطمئن راكعا الحديث .

وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد .

والفكر في صورة الإحياء غير محظور ، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها إذ هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب فكره في صورة الإحياء .

وقال الطبري : معنى ليطمئن قلبي ليوقن ، وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير ، وحكي عنه ليزداد يقينا ، وقاله إبراهيم وقتادة .

وقال بعضهم : لأزداد إيمانا مع إيماني .

قال ابن عطية : ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر وإلا فاليقين لا يتبعض .

وقال السدي وابن جبير أيضا : أولم تؤمن بأنك خليلي ؟

قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي بالخلة .

وقيل : دعا أن يريه كيف يحيي الموتى ليعلم هل تستجاب دعوته ، فقال الله له : أولم تؤمن أني أجيب دعاءك ، قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي أنك تجيب دعائي .واختلف في المحرك له على ذلك ، فقيل : إن الله وعده أن يتخذه خليلا فأراد آية على ذلك ، قاله السائب بن يزيد .

وقيل : قول النمروذ : أنا أحيي وأميت .

وقال الحسن : رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ونصفها في البحر توزعها دواب البحر ، فلما رأى تفرقها أحب أن [ ص: 274 ] يرى انضمامها فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق ، فقيل له : فخذ أربعة من الطير قيل : هي الديك والطاوس والحمام والغراب ، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم ، وقاله مجاهد وابن جريج وعطاء بن يسار وابن زيد .

وقال ابن عباس مكان الغراب الكركي ، وعنه أيضا مكان الحمام النسر .

فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها ، ثم قطعها قطعا صغارا ، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب ، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رءوس الطير في يده ، ثم قال : تعالين بإذن الله ، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولا وبقيت بلا رءوس ، ثم كرر النداء فجاءته سعيا ، أي عدوا على أرجلهن .

ولا يقال للطائر : " سعى " إذا طار إلا على التمثيل ، قاله النحاس .

وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر ، وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه ، وطارت بإذن الله .

وقال الزجاج : المعنى ثم اجعل على كل جبل من كل واحد جزءا .

وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر " جزؤا " على فعل .

وعن أبي جعفر أيضا " جزا " مشددة الزاي .

الباقون مهموز مخفف ، وهي لغات ، ومعناه النصيب .

يأتينك سعيا نصب على الحال .

و " صرهن " معناه قطعهن ، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري ، يقال : صار الشيء يصوره أي قطعه ، وقاله ابن إسحاق .

وعن أبي الأسود الدؤلي : هو بالسريانية التقطيع ، قاله توبة بن الحمير يصفه :فلما جذبت الحبل أطت نسوعه بأطراف عيدان شديد سيورهافأدنت لي الأسباب حتى بلغتها بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورهاأي يقطعها .

والصور : القطع .

وقال الضحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما روي عنه : إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن .

وقيل : المعنى أملهن إليك ، أي اضممهن واجمعهن إليك ، يقال : رجل أصور إذا كان مائل العنق .

وتقول : إني إليكم لأصور ، يعني مشتاقا مائلا .

وامرأة صوراء ، والجمع صور مثل أسود وسود ، قال الشاعر :الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى جيراننا صورفقوله إليك على تأويل التقطيع متعلق ب خذ ولا حاجة إلى مضمر ، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب " صرهن " وفي الكلام متروك : فأملهن إليك ثم قطعهن .

وفيها خمس قراءات : اثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء .

وقرأ قوم " فصرهن " بضم الصاد وشد الراء المفتوحة ، كأنه يقول فشدهن ، ومنه صرة الدنانير .

وقرأ قوم [ ص: 275 ] " فصرهن " بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة ، ومعناه صيحهن ، من قولك : صر الباب والقلم إذا صوت ، حكاه النقاش .

قال ابن جني : هي قراءة غريبة ، وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل ، وإنما بابه يفعل بضم العين ، كشد يشد ونحوه ، ولكن قد جاء منه نم الحديث ينمه وينمه ، وهر الحرب يهرها ويهرها ، ومنه بيت الأعشى :ليعتورنك القول حتى تهره وتعلم أني عنك لست بمجرمإلى غير ذلك في حروف قليلة .

قال ابن جني : وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد .القراءة الخامسة " صرهن " بفتح الصاد وشد الراء مكسورة ، حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة ، بمعنى فاحبسهن ، من قولهم : صرى يصري إذا حبس ، ومنه الشاة المصراة .

وهنا اعتراض ذكره الماوردي وهو يقال : فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله رب أرني أنظر إليك ؟

فعنه جوابان : أحدهما أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف ، وما سأله إبراهيم خاص يصح معه بقاء التكليف .

الثاني أن الأحوال تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة ، وفي وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن .

وقال ابن عباس : أمر الله تعالى إبراهيم بهذا قبل أن يولد له وقبل أن ينزل عليه الصحف ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا فيه أيضا أعظم دلالة حسية على قدرة الله وإحيائه الموتى للبعث والجزاء، فأخبر تعالى عن خليله إبراهيم أنه سأله أن يريه ببصره كيف يحيي الموتى، لأنه قد تيقن ذلك بخبر الله تعالى، ولكنه أحب أن يشاهده عيانا ليحصل له مرتبة عين اليقين، فلهذا قال الله له: { أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } وذلك أنه بتوارد الأدلة اليقينية مما يزداد به الإيمان ويكمل به الإيقان ويسعى في نيله أولو العرفان، فقال له ربه { فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك } أي: ضمهن ليكون ذلك بمرأى منك ومشاهدة وعلى يديك.

{ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } أي: مزقهن، اخلط أجزاءهن بعضها ببعض، واجعل على كل جبل، أي: من الجبال التي في القرب منه، جزء من تلك الأجزاء { ثم ادعهن يأتينك سعيا } أي: تحصل لهن حياة كاملة، ويأتينك في هذه القوة وسرعة الطيران، ففعل إبراهيم عليه السلام ذلك وحصل له ما أراد وهذا من ملكوت السماوات والأرض الذي أراه الله إياه في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ثم قال: { واعلم أن الله عزيز حكيم } أي: ذو قوة عظيمة سخر بها المخلوقات، فلم يستعص عليه شيء منها، بل هي منقادة لعزته خاضعة لجلاله، ومع ذلك فأفعاله تعالى تابعة لحكمته، لا يفعل شيئا عبثى:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ) قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني وابن جريج : كان سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام أنه مر على دابة ميتة قال ابن جريج : كانت جيفة حمار بساحل البحر قال عطاء : في بحيرة طبرية ، قالوا : فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبر فكان إذا مد البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها فما وقع منها يصير في البحر فإذا جزر البحر ورجع جاءت السباع فأكلن منها فما سقط منها يصير ترابا فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها فما سقط منها قطعتها الريح في الهواء فلما رأى ذلك إبراهيم عليه السلام تعجب منها وقال : يا رب قد علمت لتجمعنها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر فأرني كيف تحييها لأعاين فأزداد يقينا فعاتبه الله تعالى ( قال أولم تؤمن قال بلى ) يا رب علمت وآمنت ( ولكن ليطمئن قلبي ) أي ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين لأن الخبر ليس كالمعاينة .

وقيل كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال " ربي الذي يحيي ويميت " ( 258 - البقرة ) قال نمرود أنا أحيي وأميت فقتل أحد الرجلين وأطلق الآخر فقال إبراهيم : إن الله تبارك وتعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه فقال له نمرود : أنت عاينته فلم يقدر أن يقول نعم فانتقل إلى حجة أخرى ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى .

( قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) بقوة حجتي فإذا قيل أنت عاينته فأقول نعم قد عاينته .

وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار فدخل داره وكان إبراهيم عليه السلام أغير الناس إذا خرج أغلق بابه فلما جاء وجد في داره رجلا فثار عليه ليأخذه وقال له : من أذن لك أن تدخل داري؟

فقال : أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم : صدقت وعرف أنه ملك فقال : من أنت؟

قال : أنا ملك الموت جئت أبشرك بأن الله تعالى قد اتخذك خليلا فحمد الله عز وجل وقال : فما علامة ذلك؟

قال : أن يجيب الله دعاءك ويحيي الله الموتى بسؤالك فحينئذ قال إبراهيم : ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) أنك اتخذتني خليلا وتجيبني إذا دعوتك .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن صالح ، أنا ابن وهب ، أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ورحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي " .

وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن حرملة بن يحيى عن وهب بهذا الإسناد مثله وقال : " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى " .

حكى محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال على هذا الحديث لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى وإنما شكا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا وقال أبو سليمان الخطابي : ليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم لكن فيه نفي الشك عنهما يقول : إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس وكذلك قوله : " لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي " وفيه الإعلام أن المسألة من إبراهيم عليه السلام لم تعرض من جهة الشك ولكن من قبل زيادة العلم بالعيان فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال وقيل : لما نزلت هذه الآية قال قوم : شك إبراهيم ولم يشك نبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه .

قوله ( أولم تؤمن ) معناه قد آمنت فلم تسأل؟

شهد له بالإيمان كقول جرير : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح يعني أنتم كذلك ولكن ليطمئن قلبي بزيادة اليقين .

( قال فخذ أربعة من الطير ) قال مجاهد وعطاء وابن جريج : أخذ طاووسا وديكا وحمامة ، وغرابا وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه : ونسرا بدل الحمامة .

وقال عطاء الخراساني : أوحى إليه أن خذ بطة خضراء وغرابا أسود وحمامة بيضاء وديكا أحمر ( فصرهن إليك ) قرأ أبو جعفر وحمزة ، ( فصرهن إليك ) بكسر الصاد أي قطعهن ومزقهن يقال صار يصير صيرا إذا قطع وانصار الشيء انصيارا إذا انقطع .

قال الفراء : هو مقلوب من صريت أصري صريا إذا قطعت وقرأ الآخرون ( فصرهن ) بضم الصاد ومعناه أملهن إليك ووجههن يقال : صرت الشيء أصوره إذا أملته ورجل أصور إذا كان مائل العنق وقال عطاء : معناه اجمعهن واضممهن إليك يقال : صار يصور صورا إذا اجتمع ومنه قيل لجماعة النخل صور ومن فسره بالإمالة والضم قال فيه إضمار معناه فصرهن إليك ثم قطعهن فحذفه اكتفاء بقوله : ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) لأنه يدل عليه وقال أبو عبيدة : فصرهن معناه قطعهن أيضا والصور القطع .

قوله تعالى : ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) قرأ عاصم برواية أبي بكر ( جزءا ) مثقلا مهموزا والآخرون بالتخفيف والهمز وقرأ أبو جعفر مشددة الزاي بلا همز وأراد به بعض الجبال .

قال بعض المفسرين : أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ، ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ، ففعل ثم أمره أن يجعل أجزاءها على الجبال .

واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة : أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على أربعة أجبل على كل جبل ربعا من كل طائر وقيل : جبل على جانب الشرق وجبل على جانب الغرب وجبل على جانب الشمال وجبل على جانب الجنوب .

وقال ابن جريج والسدي : جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل وأمسك رءوسهن ثم دعاهن : تعالين بإذن الله تعالى فجعلت كل قطرة من دم طائر تطير إلى القطرة الأخرى وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى وكل عظم يصير إلى العظم الآخر وكل بضعة تصير إلى الأخرى وإبراهيم ينظر حتى لقيت كل جثة بعضها بعضا في الهواء بغير رأس ثم أقبلن إلى رءوسهن سعيا فكلما جاء طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه وإن لم يكن تأخر حتى التقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى ( ثم ادعهن يأتينك سعيا ) قيل المراد بالسعي الإسراع والعدو ، وقيل المراد به المشي دون الطيران كما قال الله تعالى " فاسعوا إلى ذكر الله " ( 9 - الجمعة ) أي فامضوا والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير وإن أرجلها غير سليمة والله أعلم .

وقيل السعي بمعنى الطيران ( واعلم أن الله عزيز حكيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ قال إبراهيم ربَّ أرني كيف تحيي الموتى قال» تعالى له «أولم تؤمن» بقدرتي على الإحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضه «قال بلى» آمنت «ولكن» سألتك «ليطمئن» يسكن «قلبي» بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال «قال فخذ أربعة من الطير فّصُرْهُنَّ إليك» بكسر الصاد وضمها أملهن إليك وقطعهن واخلط لحمهن وريشهن «ثم اجعل على كل جبل» من جبال أرضك «منهن جزءاً ثم ادعهن» إليك «يأتينك سعيا» سريعا «واعلم أن الله عزيز» لا يعجزه شيء «حكيم» في صنعه فأخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا وفعل بهن ما ذكر وأمسك رءوسهن عنده ودعاهن فتطايرت الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملت ثم أقبلت إلى رءوسها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية البعث، فقال الله له: أَوَلم تؤمن؟

قال: بلى، ولكن أطلب ذلك لأزداد يقينًا على يقيني، قال: فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك واذبحهن وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم نادِهن يأتينك مسرعات.

فنادى إبراهيم عليه السلام، فإذا كل جزء يعود إلى موضعه، وإذا بها تأتي مسرعة.

واعلم أن الله عزيز لا يغلبه شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

تلك هي القصة الأولى التي ساقها الله - تعالى كدليل على قدتره وعلى صلحة البعث والنشور .

أما القصة الثانية التي تؤكد هذا المعنى فقد حكاها القرآن في قوله : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى ) أي : واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن قال إبراهيم - عليه السلام - مخاطباً خالقه - سبحانه - : رب أرني بعيني كيف تعيد الحياة إلى الموتى .وفي قوله : ( رب ) تصريح بكمال أدبه مع خالقه - عز وجل - فهو قبل أن يدعوه يستعطفه ويعترف له بالربوبية الحقة ، والألوهية التامة ، ويلتمس منه معرفة كيفية إحياء الموتى ، فهو لا يشك في قدرة الله ولا في صحة البعث - وحاشاه أن يفعل ذلك - فهو رسلو من أولى العزم من الرسل ، وإنما هو يريد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين ، ومن مرتبة البرهان إلى مرتبة العيان ، فإن العيان يغرس في القلب أسمى وأقوى ألوان المعرفة والاطمئنان .وقد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم - عليه السلام - أسبابا منها : أنه لما قال للنمرود ( رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) أحب أن يترقى بأن يرى ذلك مشاهدة .

وقد أجاب الخالق - عز وجل - على طلب إبراهيم بقوله : ( أَوَلَمْ تُؤْمِن ) أي : أتقول ذلك وتطلبه ولم تؤمن بأنىقادر على الإِحياء وعلى كل شيء؟فالجملة الكريمة استئناف مبنى على السؤال ، وهي معطوفة على مقدر ، والاستفهام للتقرير .وهنا يحكى القرآن جواب إبراهيم على خالقه - عز وجل - فيقول : ( قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) أي قال إبراهيم في الرد على سؤال ربه له ( أَوَلَمْ تُؤْمِن ) بلى يا رب آمنت بك وبقدرتك وبوحدانيتك إيمانا صادقا كاملا ، ولكني سألت هذا السؤال ليزداد قلبي سكونا واطئمان وإيماناً لأن من شأن المشاهدة أن تغرس في القلب سكونا واطمئنان أشد ، وإيمانا أقوى ، وأنا في جميع أحوالي مؤمن كل الإِيمان بقدرتك ووحدانيتك يا رب العالمين .قال القرطبي ما ملخصه : لم يكن إبراهيم شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة ، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ، ولهذا جاء في الحديث " ليس الخبر كالمعاينة " قال الأخفش : لم يرد إبراهيم رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين .

وقال الحسين : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه .وأما قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" نحن أحق بالشك من إبراهيم " فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه ، ونحن لا نشك فإبراهيم - عليه السلام - وسائر ألفاظه الآتية لم تعط شكا ، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول ، وكيف هنا إنما هي استفهام عن هيئة الإِحياء والإِحياء متقرر ، - فسؤال إبراهيم إنما هو عن كيفية لا عن أصل القضية .

.

.وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال له ( أَوَلَمْ تُؤْمِن ) وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا؟

قلت : ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين .

و ( بلى ) إيجاب لما بعد النفي معناه : بلى آمنت .

وقوله : ( وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) أي ليزداد سكوننا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة - أي علم المشاهدة - إلى علم الاستدلال الذي يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري ، فأراد بطمانينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك .

فإن قلت : بم تعلقت اللام في قوله : ( لِّيَطْمَئِنَّ ) قلت بمحذوف تقديره : ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب .ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كان من جواب الخالق - عز وجل - على نبيه إبراهيم فقال : ( قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْياً ) .قوله : ( فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) أي فاضممهن إليك - قرئ بضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء - يقال : صاره يصوره ويصيره ، أي أماله وضمه إليه .

ويقال - أيضاً صار الشيء بمعنى قطعه وفصله والمعنى : قال الله - تعالى - لإبراهيم : إذا أردت معرفة ما سألت عنه فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك لتتأملهن وتعرف أشكالهن وهيئاتهن كيلا تلتبس عليك بعد الإِحياء ، ثم اذبحهن وجزئهن أجزاء ( ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ) أي ثم اجعل على كل مكان مرتفع من الأرض جزاء من كل طائر من تلك الطيور ثم نادهن يأتينك مسرعات إليك .

والفاء في قوله ( فَخُذْ ) هي التي تسمى بالفاء الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر أي : إذا أردت ذفك فخذ .وقوله : ( مِّنَ الطير ) متعلق بمحذوف صفة لأربعة أي فخذ أربعة كائنة من الطير ، أو متعلق بقوله ( خذ ) أي خذ من الطير .

والطير اسم جمع - كرَكْب وسفر - وقل هو جمع طائر مثل تاجر وتجر .

قالوا : وهذه الطيور الأربعة هي الطاووس والنسر والغراب والديك .ومما قالوه في اختيار الطير لهذه الحالة : أن الطير من صفاته الطيران ، وأنه لا يستأنس بالإِنسان بل يطير بمرد رؤيته ، ولسهولة تأتي ما يفعل به من التجزئة والتفرقة .وقوله : ( ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ) معطوف على محذوف دل عليه قوله : ( جُزْءًا ) لأن تجزئتهن إنما تقع بعد الذبح والتقدير : فاذبحهن ثم اجعل .

.

إلخ .

وقوله : ( ثُمَّ ادعهن ) أي قل لهن تعالين بإذن الله .وقوله ( يَأْتِينَكَ ) جواب الأمر فهو في محل جزم ، ( سَعْياً ) منصوب على المصدر النوعي ، لأن السعي نوع من الإِتيان فكأنه قيل : يأتينك إتياناً سريعاً :قال الفخر الرازي : أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن ، وأن إبراهيم قطع أعضاءهاه ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض - وفعل كما أمره الله ، ثم قال لهن تعالين بإذن الله فأقبلن مسرعات إليه بعد أن انضم كل جزء إلى أصله - ثم قال : ولكن أبا مسلم أنكر ذلك وقال : " إن إبراهيم لما طلب إحياء الميت من الله - تعالى - أراه الله مثالا قرب به الأمر عليه ، والمراد بصرهن إليك : الإِمالة والتمرين على الإِجابة .

أي : فعود الطوير الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك ، فإذا صارت كذلك فاجعل على كل جبل واحدا حال حياته ، ثم ادعهن يأتينك سعياً ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة .

.

"والذي يطمئن إليه القلب هو رأي الجمهور لأن الآية مسوقة لتحقيق معجزة تجري على يد إبراهيم وهي إحياء الموتى بالمشاهدة كما جرى إحياء الرجل الذي أماته الله مائة عام والذي جاء ذكره في الآية السابقة ، ولأن ظاهر الآية صريح في أنه حصل تقطيع لأجزاء الطير ثم وضع كل جزء منها على مرتفع من الأرض ، وما دام الأمر كذلك فلا يجوز حمل المعنى على غير هذا الظاهر ، كما لا يجوز تحميل الألفاظ ما لا تحتمله .

وما ذهب إليه أبو مسلم هو قول بلا دليل فضلا عن مخالفته لما عليه إجماع المفسرين .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي واعلم أن الله - تعالى - غالب على أمره ، قاهر فوق عباده ، حكيم في كل شئونه وأفعاله وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا أبلغ الأدلة والشواهد على قدرة الله - تعالى - وعلى أنه هو المستحق للعبادة والخضوع ، وعلى أن ما أخبر به من صحة البعث والنشور حق لا ريب فيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في عامل ﴿ إِذْ ﴾ قولان قال الزَّجّاج التقدير: اذكر إذ قال إبراهيم، وقال غيره إنه معطوف على قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَاجَّ إبراهيم ﴾ ألم تر إذ حاج إبراهيم في ربه، وألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى.

المسألة الثانية: أنه تعالى لم يسم عزيراً حين قال: ﴿ أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ  ﴾ وسمى هاهنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في كلتا القصتين شيء واحد، والسبب أن عزيراً لم يحفظ الأدب، بل قال: ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ وإبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على الله أولاً بقوله: ﴿ رَبّ ﴾ ثم دعا حيث قال: ﴿ أَرِنِى ﴾ وأيضاً أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء والإماتة في الطيور، وعزيراً لما لم يراع الأدب جعل الإحياء والإماتة في نفسه.

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً الأول: قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر، فقيل: أو لم تؤمن قال بلى ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضرورياً.

الوجه الثاني: قال محمد بن إسحاق والقاضي: سبب السؤال أنه مع مناظرته مع نمروذ لما قال: ﴿ رَبّيَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ ﴾ فأطلق محبوساً وقتل رجلاً قال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة، وعند ذلك قال: ﴿ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى ﴾ لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ وأتباعه، وروي عن نمرود أنه قال: قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله تعالى ذلك، وقوله: ﴿ لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وإن عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة، بل كان بسبب جهل المستمع.

والوجه الثالث: قال ابن عباس وسعيد بن جُبَيْر والسُّدّي رضي الله عنهم: أن الله تعالى أوحى إليه إني متخذ بشراً خليلاً: فاستعظم ذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقال إلهي ما علامات ذلك؟

فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة، خطر بباله: إني لعلي أن أكون ذلك الخليل، فسأل إحياء الميت فقال الله: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنُ قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ على أنني خليل لك.

الوجه الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل ذلك لقومه وذلك أتباع الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة وتارة حقة، كقولهم لموسى عليه السلام: ﴿ اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  ﴾ فسأل إبراهيم ذلك.

والمقصود أن يشاهده فيزول الإنكار عن قلوبهم.

الوجه الخامس: ما خطر ببالي فقلت: لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم بأن الرسول صادق في ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر على يده فكذلك الرسول عند وصول الملك إليه وإخباره إياه بأن الله بعثه رسولاً يحتاج إلى معجز يظهر على يد ذلك الملك ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك كريم لا شيطان رجيم وكذا إذا سمع الملك كلام الله احتاج إلى معجز يدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى لا كلام غيره وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله تعالى بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجز فقال: ﴿ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم.

الوجه السادس: وهو على لسان أهل التصوف: أن المراد من الموتى القلوب المحجوبة عن أنوار المكاشفات والتجلي، والإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلي والأنوار الإلهية فقوله: ﴿ أرني كيف تحيي الموتى ﴾ طلب لذلك التجلي والمكاشفات فقال أولم تؤمن قال بلى أؤمن به إيمان الغيب، ولكن أطلب حصولها ليطمئن قلبي بسبب حصول ذلك التجلي، وعلى قول المتكلمين: العلم الاستدلالي مما يتطرق إليه الشبهات والشكوك فطلب علماً ضرورياً يستقر القلب معه استقرار لا يتخالجه شيء من الشكوك والشبهات.

الوجه السابع: لعله طالع في الصحف التي أنزلها الله تعالى عليه أنه يشرف ولده عيسى بأنه يحيي الموتى بدعائه فطلب ذلك فقيل له ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ على أني لست أقل منزلة في حضرتك من ولدي عيسى.

الوجه الثامن: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر بذبح الولد فسارع إليه، ثم قال: أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ففعلت، وأنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانياً، فقال: أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أنك اتخذتني خليلاً.

الوجه التاسع: نظر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في قلبه فرآه ميتاً بحب ولده فاستحيى من الله وقال: أرني كيف تحيي الموتى أي القلب إذا مات بسبب الغفلة كيف يكون إحياؤه بذكر الله تعالى.

الوجه العاشر: تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة فأرني ذلك في الدنيا، فقال: أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أن خصصتني في الدنيا بمزيد هذا التشريف.

الوجه الحادي عشر: لم يكن قصد إبراهيم إحياء الموتى، بل كان قصده سماع الكلام بلا واسطة.

الثاني عشر: ما قاله قوم من الجهال، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان شاكاً في معرفة المبدأ وفي معرفة المعاد، أما شكه في معرفة المبدأ فقوله: ﴿ هذا رَبّى ﴾ وقوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين  ﴾ وأما شكه في المعاد فهو في هذه الآية، وهذا القول سخيف، بل كفر وذلك لأن الجاهل بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى كافر، فمن نسب النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم، فكان هذا بالكفر أولى، ومما يدل على فساد ذلك وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ ولو كان شاكاً لم يصح ذلك.

وثانيها: قوله: ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ وذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين، ومنها أن الشك في قدرة الله تعالى يوجب الشك في النبوّة فكيف يعرف نبوّة نفسه.

أما قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه استفهام بمعنى التقرير، قال الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح والثاني: المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمناً بذلك عارفاً به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ فاعلم أن اللام في ﴿ لّيَطْمَئِنَّ ﴾ متعلق بمحذوف، والتقدير: سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب، قالوا.

والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين.

وهاهنا بحث عقلي وهو أن التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها أقوى من بعض، وفيه سؤال صعب، وهو أن الإنسان حال حصول العلم له إما أن يكون مجوزاً لنقيضه، وإما أن لا يكون، فإن جوّز نقيضه بوجه من الوجوه، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم، وإن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه امتنع وقوع التفاوت في العلوم.

واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما لو قلنا: المقصود شيء آخر فالسؤال زائل.

أما قوله تعالى: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: أخذ طاوساً ونسراً وغراباً وديكاً، وفي قول مجاهد وابن زيد رضي الله عنهما: حمامة بدل النسر، وهاهنا أبحاث: البحث الأول: أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه وجهين: الأول: أن الطيران في السماء، والارتفاع في الهواء، والخليل كانت همته العلو والوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته.

والوجه الثاني: أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور وجعلها قطعة قطعة، ووضع على رأس كل جبل قطعاً مختلطة، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله، فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله حتى تتألف الأبدان وتتصل به الأرواح، ويقرره قوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ  ﴾ .

البحث الثاني: أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلاً بحيوان واحد، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات، وفيه وجهان الأول: أن المعنى فيه أنك سألت واحداً على قدر العبودية وأنا أعطي أربعاً على قدر الربوبية والثاني: أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات والنباتات والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس.

البحث الثالث: إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة والجاه والترفع، قال تعالى: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات  ﴾ والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع والطلب، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في غاية البرد للطلب، والإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحاً وراحة من نور جلال الله.

أما قوله تعالى: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ بكسر الصاد، والباقون بضم الصاد، أما الضم ففيه قولان الأول: أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق، ويقال: صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل: أملهن إليك وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله: ﴿ أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق ﴾ على معنى: فضرب فانفلق لأن قوله: ﴿ ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جزءاً ﴾ يدل على التقطيع.

فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟.

قلنا: الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك.

والقول الثاني: وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد ﴿ صرهن إليك ﴾ معناه قطعهن، يقال: صار الشيء يصوره صوراً، إذ قطعه، قال رؤبة يصف خصماً ألد: صرناه بالحكم، أي قطعناه، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد، فقد فسّر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة، وأخرى بالتقطيع، أما الإمالة فقال الفرّاء: هذه لغة هذيل وسليم: صاره يصيره إذا أماته، وقال الأخفش وغيره ﴿ صرهن ﴾ بكسر الصاد: قطعهن.

يقال: صاره يصيره إذا قطعه، قال الفرّاء: أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع، فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثا وعاث، قال المبرّد: وهذا لا يصح، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر.

المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها، وخلط بعضها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، وقال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن يأتينك سعياً، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة وأنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن.

واحتج عليه بوجوه: الأول: أن المشهور في اللغة في قوله: ﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾ أملهن وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها وأنه لا يجوز والثاني: أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلي وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن.

قلنا: التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجئ إلى التزامه خلاف الظاهر والثالث: أن الضمير في قوله: ﴿ ثُمَّ ادعهن ﴾ عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر، وأيضاً الضمير في قوله: ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ عائداً إليها لا إلى إجزائها وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في ﴿ يَأْتِينَكَ ﴾ عائداً إلى أجزائها لا إليها، واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه: الأول: أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع والثاني: أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم صلى الله عليه وسلم، فلا يكون له فيه مزية على الغير والثالث: أن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك، وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة والرابع: أن قوله: ﴿ ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا ﴾ يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة والجواب: أن ما ذكرته وإن كان محتملاً إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر والتقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزأً أو بعضاً.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر قوله: ﴿ على كُلّ جَبَلٍ ﴾ جميع جبال الدنيا، فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان، كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه، وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربعة أيضاً أعني المشرق والمغرب والشمال والجنوب، وقال السدي وابن جريج: سبعة من الجبال لأن المراد كل جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصح منه دعاء الطير، لأن ذلك لا يتم إلا بالمشاهدة، والجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة.

المسألة الثانية: روي أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذبحها ونتف ريشها وتقطيعها جزءاً جزءاً وخلط دمائها ولحومها، وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله تعالى، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها وانضم كل رأس إلى جثته، وصار الكل أحياء بإذن الله تعالى.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم في رواية أبي بكر والفضل ﴿ جُزْءا ﴾ مثقلاً مهموزاً حيث وقع، والباقون مهمزاً مخففاً وهما لغتان بمعنى واحد.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ فقيل عدواً ومشياً على أرجلهن، لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل طيراناً وليس يصح، لأنه لا يقال للطير إذا طار: سعى، ومنهم من أجاب عنه بأن السعي هو الاشتداد في الحركة، فإن كانت الحركة طيراناً فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة.

وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة، وذلك لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً فاهماً للنداء، قادراً على السعي والعدو، فدل ذلك على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة قال القاضي: الآية دالة على أنه لابد من البنية من حيث أوجب التقطيع بطلان حياتها.

والجواب: أنه ضعيف لأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فإنه يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلّت الآية على حصول فهم النداء، والقدرة على السعي لتلك الأجزاء حال تفرقها، كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة.

أما قوله تعالى: ﴿ واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه غالب على جميع الممكنات ﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي عليم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَرِنِى ﴾ بصرني، فإن قلت: كيف قال له ﴿ أَوَ لَمْ تُؤْمِنَ ﴾ وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً؟

قلت: ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين.

و ﴿ بلى ﴾ إيجاب لما بعد النفي، معناه بلى آمنت ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ ليزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك.

فإن قلت: بم تعلقت اللام في ﴿ لّيَطْمَئِنَّ ﴾ ؟

قلت: بمحذوف تقديره: ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير ﴾ قيل: طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ بضم الصاد وكسرها بمعنى فأملهنّ واضممهنّ إليك قال: وَلكنَّ أطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا وقال: وَفَرْعٍ يَصيرُ الجْيِدَ وَحْفٍ كَأنَّه ** عَلَى اللَّيْتِ قِنْوَانُ الْكُرُومِ الدَّوَالِحِ وقرأ ابن عباس رضي الله عنه ﴿ فصرهن ﴾ بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء، من صره يصره ويصره إذا جمعه، نحو ضره ويضره ويضره.

وعنه ﴿ فصرّهن ﴾ من التصرية وهي الجمع أيضاً ﴿ ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ﴾ يريد: ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال.

والمعنى: على كل جبل من الجبال التي بحضرتك وفي أرضك.

وقيل: كانت أربعة أجبل.

وعن السدّي: سبعة ﴿ ثُمَّ ادعهن ﴾ وقل لهن: تعالين بإذن الله ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن.

فإن قلت: ما معنى أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟

قلت: ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك ولذلك قال: يأتينك سعياً.

وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، وأن يمسك رؤسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال، على كل جبل ربعاً من كل طائر.

ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله، فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن فانضممن إلى رؤسهن، كل جثة إلى رأسها.

وقريء: ﴿ جزأ ﴾ بضمتين.

﴿ وجّزّاً ﴾ ، بالتشديد.

ووجهه أنه خفف بطرح همزته، ثم شدد كما يشدد في الوقف، إجراء للوصل مجرى الوقف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ إنَّما سَألَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ عِلْمُهُ عِيانًا، وقِيلَ لَمّا قالَ نُمْرُوذُ ﴿ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ ﴾ قالَ لَهُ: إنْ إحْياءَ اللَّهِ تَعالى بِرَدِّ الرُّوحِ إلى بَدَنِها، فَقالَ نُمْرُوذُ: هَلْ عايَنْتَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يَقُولَ نَعَمْ.

وانْتَقَلَ إلى تَقْرِيرٍ آخَرَ، ثُمَّ سَألَ رَبُّهُ أنْ يُرِيَهُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ عَلى الجَوابِ إنْ سُئِلَ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرى.

﴿ قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ بِإعادَةِ التَّرْكِيبِ والحَياةِ، قالَ لَهُ ذَلِكَ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ أغْرَقَ النّاسَ في الإيمانِ لِيُجِيبَ بِما أجابَ بِهِ فَيَعْلَمُ السّامِعُونَ غَرَضَهُ.

﴿ قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ أيْ بَلى آمَنتُ ولَكِنْ سَألْتُ ذَلِكَ لِأزِيدَ بَصِيرَةً وسُكُونَ قَلْبٍ بِمُضامَّةِ العِيانِ إلى الوَحْيِ أوِ الِاسْتِدْلالِ.

﴿ قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ قِيلَ طاوُسًا ودِيكًا وغُرابًا وحَمامَةً، ومِنهم مَن ذَكَرَ النَّسْرَ بَدَلَ الحَمامَةِ وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إحْياءَ النَّفْسِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ إنَّما يَتَأتّى بِإماتَةِ حُبِّ الشَّهَواتِ والزَّخارِفِ الَّذِي هو صِفَةُ الطّاوُوسِ، والصَّوْلَةِ المَشْهُورِ بِها الدِّيكُ وخِسَّةِ النَّفْسِ وبُعْدِ الأمَلِ المُتَّصِفِ بِهِما الغُرابُ، والتَّرَفُّعِ والمُسارَعَةِ إلى الهَوى المَوْسُومِ بِهِما الحَمامُ.

وإنَّما خَصَّ الطَّيْرَ لِأنَّهُ أقْرُبُ إلى الإنْسانِ وأجْمَعُ لِخَواصِّ الحَيَوانِ، والطَّيْرُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ أوْ جَمْعٌ كَصَحْبٍ.

﴿ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ﴾ فَأمِلْهُنَّ واضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ لِتَتَأمَّلَها وتَعْرِفَ شِياتِها لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلَيْكَ بَعْدَ الإحْياءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ ﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾ بِالكَسْرِ وهُما لُغَتانِ قالَ: وما صَيَدُ الأعْناقِ فِيهِمْ جِبِلَّةٌ...

ولَكِنَّ أطْرافَ الرِّماحِ تَصُورُها وَقالَ: وفَرْعٌ يَصِيرُ الجِيدَ وحْفٌ كَأنَّهُ...

∗∗∗ عَلى اللَّيْثِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوالِحِ وَقُرِئَ « فَصُرْهُنَّ» بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ، مُشَدَّدَةُ الرّاءِ مِن صَرَّهُ يَصُرُّهُ ويَصِرُّهُ إذا جَمَعَهُ وفَصُرْهُنَّ مِنَ التَّصْرِيَةِ وهي الجُمَعُ أيْضًا.

﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ﴾ أيْ ثُمَّ جَزِّئْهُنَّ وفَرِّقْ أجَزاءَهُنَّ عَلى الجِبالِ الَّتِي بِحَضْرَتِكَ.

قِيلَ كانَتْ أرْبَعَةً.

وقِيلَ سَبْعَةً.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ « جَزُؤًا» و « جُزُؤٌ» بِضَمِّ الزّايِ حَيْثُ وقَعَ.

﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ ﴾ قُلْ لَهُنَّ تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ ساعِياتٍ مُسْرِعاتٍ طَيَرانًا أوْ مَشْيًا.

رُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها ويَنْتِفَ رِيشَها ويُقَطِّعَها فَيُمْسِكَ رُؤُوسَها، ويَخْلِطَ سائِرَ أجْزائِها ويُوَزِّعَها عَلى الجِبالِ، ثُمَّ يُنادِيهِنَّ.

فَفَعَلَ ذَلِكَ فَجَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ يَطِيرُ إلى آخَرَ حَتّى صارَتْ جُثَثًا ثُمَّ أقْبَلْنَ فانْضَمَمْنَ إلى رُؤُوسِهِنَّ.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أرادَ إحْياءَ نَفْسِهِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَعَلَيْهِ أنْ يُقْبِلَ عَلى القُوى البَدَنِيَّةِ فَيَقْتُلَها ويَمْزُجَ بَعْضَها بِبَعْضٍ حَتّى تَنْكَسِرَ سَوْرَتُها، فَيُطاوِعْنَهُ مُسْرِعاتٍ مَتى دَعاهُنَّ بِدَعايَةِ العَقْلِ أوِ الشَّرْعِ.

وكَفى لَكَ شاهِدًا عَلى فَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُمْنُ الضَّراعَةِ في الدُّعاءِ وحُسْنُ الأدَبِ في السُّؤالِ، إنَّهُ تَعالى أراهُ ما أرادَ أنْ يُرِيَهُ في الحالِ عَلى أيْسَرِ الوُجُوهِ، وأُراهُ عُزَيْرًا بَعْدَ أنْ أماتَهُ مِائَةَ عامٍ.

﴿ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يَعْجِزُ عَمّا يُرِيدُهُ.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ ويَذَرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)

{وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِى} بصرني {كَيْفَ تحيي الموتى} موضع كيف نصب تبحي {قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}

البقرة (٢٦٠ _ ٢٦١)

وإنما قال له أو لم تؤمن وقد علم أنه أثبت الناس إيماناً ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين وبلى إيجابا لما بعد النفي معناه بلى آمنت ولكن لأزيد سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة فعلم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف الضروري واللام تتعلق بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير} طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة

{فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} وبكسر الصاد حمزة أى امهلهن واضممهن إليك {ثُمَّ اجعل على كُلِ ّجَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءا} ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك وفي أرضك وكانت أربعة أجبل أو سبعة جزءا بضمتين وهمز أبو بكر {ثُمَّ ادعهن} قل لهن تعالين بإذن الله {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} مصدر في موضع الحال أي ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن وإنما أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها ويعرف أشكالها وهيآتها وحلاها لئلا تلتبس عليه االأحياء ولا يتوهم أنها غير تلك وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رءوسها ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر ثم يصيح بها تعالين بإذن الله تعالى فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن فانضممن إلى رءوسهن كل جثة إلى رأسها {واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ} لا يمتنع عليه ما يريده {حَكِيمٌ} فيما يدبر لا يفعل إلا ما فيه الحكمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ بَيانٌ لِتَسْدِيدِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانٍ، ولِمُغايَرَتِهِ لِما تَقَدَّمَ كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى غَيْرَ الأُسْلُوبِ والظَّرْفِ مُنْتَصِبٌ إمّا بِمُضْمَرٍ صَرَّحَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ ﴾ وإيجابُ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما فِيهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وإمّا -بِقالِ- الآتِي وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، (رَبِّ) كَلِمَةُ اِسْتِعْطافٍ شَرَعَ ذِكْرُها قَبْلَ الدُّعاءِ مُبالَغَةً في اِسْتِدْعاءِ الإجابَةِ ﴿ أرِنِي ﴾ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ بِهَمْزَةِ النَّقْلِ إلى مَفْعُولَيْنِ فالباءُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ في مَحَلِّ مَفْعُولِهِ الثّانِي المُعَلَّقِ عَنْهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ البَصْرِيَّةَ لا تُعَلِّقُ، وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما ذَكَرَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، ورَدَّهُ اِبْنُ هِشامٍ بِأنَّهُ سَمِعَ تَعْلِيقَها، وفي «شَرْحِ التَّوْضِيحِ» يَجُوزُ كَوْنُها عِلْمِيَّةً، ومِنَ النّاسِ مَن لَمْ يَجْعَلْ ما هُنا مِنَ التَّعْلِيقِ في شَيْءٍ وجَعَلَ كَلِمَةَ (كَيْفَ) الخ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ هو المَفْعُولُ كَما قالَهُ اِبْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ ﴾ .

ثُمَّ الِاسْتِفْهامُ بِكَيْفَ إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ شَيْءٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السّائِلِ والمَسْؤُولِ، فالِاسْتِفْهامُ هُنا عَنْ هَيْئَةِ الإحْياءِ المُتَقَرِّرِ عِنْدَ السّائِلِ أيْ بَصِّرْنِي كَيْفِيَّةَ إحْيائِكَ لِلْمَوْتى وإنَّما سَألَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَنْتَقِلَ مِن مَرْتَبَةِ عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ، وفي الخَبَرِ «لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ» وكانَ ذَلِكَ حِينَ رَأى جِيفَةً تُمَزِّقُها سِباعُ البَرِّ والبَحْرِ والهَواءِ، قالَهُ الحَسَنُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أهْلِ البَيْتِ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المَلَكَ بَشَّرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا وأنَّهُ يُجِيبُ دَعْوَتَهُ ويَحْيى المَوْتى بِدُعائِهِ فَسَألَ لِذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ يَسارٍ أنَّ سَبَبَ السُّؤالِ مُنازَعَةُ النَّمْرُوذِ إيّاهُ في الإحْياءِ حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِ لَمّا زَعَمَ أنَّ العَفْوَ إحْياءٌ وتَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ إنْ لَمْ يُحْيِ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ بِحَيْثُ يُشاهِدُهُ فَدَعا حِينَئِذٍ.

(قالَ) اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ والضَّمِيرُ لِلرَّبِّ ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ عُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ولَمْ تُؤْمِن بِأنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ كَيْفَ أشاءُ حَتّى تَسْألَنِي عَنْهُ أوْ بِأنِّي قَدِ اِتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا، أوْ بِأنَّ الجَبّارَ لا يَقْتُلُكَ (قالَ) أيْ إبْراهِيمُ (بَلى) آمَنتُ بِذَلِكَ ﴿ ولَكِنْ ﴾ سَألْتُ ﴿ لِيَطْمَئِنَّ ﴾ أيْ يَسْكُنُ ﴿ قَلْبِي ﴾ بِمُضامَّةِ الأعْيانِ إلى الإيمانِ والإيقانِ بِأنَّكَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، أوْ: لِيَطْمَئِنَ قَلْبِي بِالخُلَّةِ أوْ بِأنَّ الجَبّارَ لا يَقْتُلُنِي، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يَعُودُ نَقْصٌ عَلى إبْراهِيمَ مِن هَذا السُّؤالِ ولا يُنافِي مَنصِبَ النُّبُوَّةِ أصْلًا.

ولِلنّاسِ ولُوعٌ بِالسُّؤالِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ وما ذُكِرَ هو المَشْهُورُ فِيها ويُعْجِبُنِي ما حَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في هَذا المَقامِ وبَسَطَهُ في الذَّبِّ عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكَلامِ، وهو أنَّ السُّؤالَ لَمْ يَكُنْ عَنْ شَكٍّ في أمْرٍ دِينِيٍّ والعِياذُ بِاَللَّهِ ولَكِنَّهُ سُؤالٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ لِيُحِيطَ عِلْمًا بِها، وكَيْفِيَّةُ الإحْياءِ لا يُشْتَرَطُ في الإيمانِ الإحاطَةُ بِصُورَتِها، فالخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ عِلْمَ ما لا يَتَوَقَّفُ الإيمانُ عَلى عِلْمِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُرُودُ السُّؤالِ بِصِيغَةِ (كَيْفَ) ومَوْضُوعُها السُّؤالُ عَنِ الحالِ، ونَظِيرُ هَذا أنْ يَقُولَ القائِلُ: كَيْفَ يَحْكُمُ زَيْدٌ في النّاسِ فَهو لا يَشُكُّ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِمْ ولَكِنَّهُ سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ حُكْمِهِ المَعْلُومِ ثُبُوتُهُ ولَوْ كانَ سائِلًا عَنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ لَقالَ أيَحْكُمُ زَيْدٌ في النّاسِ ولَمّا كانَ الوَهْمُ قَدْ يَتَلاعَبُ بِبَعْضِ الخَواطِرِ فَتُنْسَبُ إلى إبْراهِيمَ وحاشاهُ شَكًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ قَطْعُ النَّبِيِّ  دابِرَ هَذا الوَهْمِ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّواضُعِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» أيْ ونَحْنُ لَمْ نَشُكَّ فَلِأنْ لا يَشُكَّ إبْراهِيمُ أحْرى، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعَ أفْعَلُ جاءَ هُنا لِنَفْيِ المَعْنى عَنِ الحَبِيبِ والخَلِيلِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ لا شَكَّ عِنْدِنا جَمِيعًا، ومِن هَذا البابِ ﴿ أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ أيْ لا خَيْرَ في الفَرِيقَيْنِ، وإنَّما جاءَ التَّقْرِيرُ بَعْدُ لِأنَّ تِلْكَ الصِّيغَةَ وإنْ كانَتْ تُسْتَعْمَلُ ظاهِرًا في السُّؤالِ عَنِ الكَيْفِيَّةِ كَما عَلِمْتَ إلّا أنَّها قَدْ تُسْتَعْمَلُ أيْضًا في الِاسْتِعْجازِ كَما إذا اِدَّعى مُدَّعٍ أنَّهُ يَحْمِلُ ثِقْلًا مِنَ الأثْقالِ وأنْتَ جازِمٌ بِعَجْزِهِ عَنْ حَمْلِهِ فَتَقُولُ لَهُ: أرِنِي كَيْفَ تَحْمِلُ هَذا وتُرِيدُ أنَّكَ عاجِزٌ عَنْ حَمْلِهِ فَأرادَ سُبْحانَهُ لَمّا عَلِمَ بَراءَةَ الخَلِيلِ عَنِ الحَوْمِ حَوْلَ حِمى هَذا المَعْنى أنْ يُنْطِقَهُ في الجَوابِ بِما يَدْفَعُ عَنْهُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ اللَّفْظِيَّ في العِبارَةِ الأُولى لِيَكُونَ إيمانُهُ مُخْلِصًا بِعِبارَةٍ تَنُصُّ عَلَيْهِ بِفَهْمِها كُلُّ مَن يَسْمَعُها فَهْمًا لا يَتَخالَجُهُ فِيهِ شَكٌّ، ومَعْنى الطُّمَأْنِينَةُ حِينَئِذٍ سُكُونُ القَلْبِ عَنِ الجَوَلانِ في كَيْفِيّاتِ الإحْياءِ المُحْتَمَلَةِ بِظُهُورِ التَّصْوِيرِ المُشاهَدِ، وعَدَمُ حُصُولِ هَذِهِ الطُّمَأْنِينَةُ قَبْلُ لا يُنافِي حُصُولَ الإيمانِ بِالقُدْرَةِ عَلى الإحْياءِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، ولا أرى رُؤْيَةَ الكَيْفِيَّةِ زادَتْ في إيمانِهِ المَطْلُوبِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا وإنَّما أفادَتْ أمْرًا لا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَمْ يُثْبِتْ لِنَفْسِهِ مَرْتَبَةً في الإيمانِ أعْلى مِن مَرْتَبَةِ الخَلِيلِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كُشِفَ لِيَ الغِطاءُ ما اِزْدَدْتُ يَقِينًا كَما ظَنَّهُ جَهَلَةُ الشِّيعَةِ.

وكَثِيرٌ مِن أصْحابِنا لَمّا لَمْ يَقِفْ عَلى ما حَرَّرْنا تَجَشَّمَ لِدَفْعِ ما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ مِن كَلامَيِ الخَلِيلِ والأمِيرِ مِن أفْضَلِيَّةِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، فَبَعْضٌ دَفَعَهُ بِأنَّ اليَقِينَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِ الجُحُودُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ﴾ والطُّمَأْنِينَةُ لا يُتَصَوَّرُ طُرُوءُ ذَلِكَ عَلَيْها ونُسِبَ هَذا لِحُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضٌ قَرَّرَ في دَفْعِهِ أنَّ مَقامَ النُّبُوَّةِ مُغايِرٌ لِمَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ، فَلِمَقامِ النُّبُوَّةِ طُمَأْنِينَةٌ وعَدَمُ طُمَأْنِينَتِهِ بِحَسَبِهِ، ولِمَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ طُمَأْنِينَةٌ وعَدَمُ طُمَأْنِينَتِهِ بِحَسَبِهِ أيْضًا، وطُمَأْنِينَةُ مَقامِ النُّبُوَّةِ كانَتْ لِخاتَمِ النَّبِيِّينَ  كَما كَشَفَ عَنْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾ عَلى ما يَعْرِفُهُ أهْلُ الذَّوْقِ مِنَ الآيَةِ وكانَ الِاسْتِعْدادُ مِن إبْراهِيمَ وكَذا مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ مُتَوَجِّهًا إلى اِبْتِغاءِ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ كَما أبانا عَنْ أنْفُسِهِما بِ ﴿ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ و ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ﴾ وطُمَأْنِينَةُ مَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ كانَتْ لِلصِّدِّيقِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  كَما أبْدى عَنْ نَفْسِهِ إمامُ الصِّدِّيقِينَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِقَوْلِهِ: «لَوْ كَشَفَ» الخ، وكانَ الِاسْتِعْدادُ في صِدِّيقِي سائِرِ الأنْبِياءِ مُتَوَجِّهًا إلى اِبْتِغاءِ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ فَثَبَتَتِ الفَضِيلَةُ لِمُحَمَّدٍ  عَلى سائِرِ إخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِيَّةُ عَلى سائِرِ الصِّدِّيقِينَ مِن أُمَمِهِمْ ولَمْ يَثْبُتْ لِصِدِّيقِيهِ لِوِجْدانِهِمْ طُمَأْنِينَتَهُمِ الفَضِيلَةَ عَلى الأنْبِياءِ عِنْدَ فِقْدانِهِمْ طُمَأْنِينَتَهم لِأنَّ ما فَقَدُوهُ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ غَيْرُ ما وجَدَهُ الصِّدِّيقُونَ مِنها لِأنَّهم إنَّما يَفْقِدُونَ الطُّمَأْنِينَةَ اللّائِقَةَ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ والصِّدِّيقُونَ لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ تِلْكَ الطُّمَأْنِينَةِ وإنَّما وجَدُوا طُمَأْنِينَةً لائِقَةً بِمَقامِ الصِّدِّيقِينَ ولَوْ رَضِيَ النَّبِيُّونَ بِمِثْلِهِ لَكانَ حاصِلًا لَهم وأجَلَّ مِن ذَلِكَ بِعِدَّةِ مَراتِبَ، ولَقَدِ اِعْتَرَفَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذا التَّخَلُّفِ حِينَ بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: إنِّي لِأسْهُوَ فَقالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ سَهْوَ مُحَمَّدٍ  ، إذْ عَلِمَ أنَّ ما يَعُدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ  مِن نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ سَهْوًا فَوْقَ أعْلى يَقْظانِ الصِّدِّيقِ، إذْ حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وحَسَناتُ المُقَرَّبِينَ سَيِّئاتُ النَّبِيِّينَ، وهَذا أوْلى مِمّا سَبَقَ.

وبَعْضٌ مِنَ المُتَصَوِّفَةِ كَجَهَلَةِ الشِّيعَةِ اِلْتَزَمُوا ظاهِرَ كُلٍّ مِنَ الكَلامَيْنِ وزَعَمُوا أنَّ أوْلِياءَ هَذِهِ الأُمَّةِ وصِدِّيقِيهِمْ أعْلى كَعْبًا مِنَ الأنْبِياءِ ولَوْ نالُوا مَقامَ الصِّدِّيقِيَّةِ مُحْتَجِّينَ بِما رُوِيَ عَنِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ سَيِّدِي وسَنَدِي عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّهُ قالَ: يا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ الفَرْقُ بَيْنَنا وبَيْنَكم بِالألْقابِ وأُوتِينا ما لَمْ تُؤْتَوْهُ، وبِبَعْضِ عِباراتٍ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ يَنْطِقُ بِذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اِلْتِزامَ ذَلِكَ والقَوْلَ بِهِ خَرْقٌ لِإجْماعِ المُسْلِمِينَ ومُصادِمٌ لِلْأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ عَلى أفْضَلِيَّةِ الأنْبِياءِ عَلى سائِرِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِهِ كُفْرًا بَلْ قَدْ قِيلَ بِهِ، وما رُوِيَ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ قُدِّسَ سِرُّهُ فَمِمّا لَمْ يَثْبُتْ نَقْلُهُ عَنْهُ في كِتابٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وما يُعْزى إلى الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ فَتُعارِضُهُ عِباراتٌ لَهُ أُخَرُ مِثْلَ قَوْلِهِ قُدِّسَ سِرُّهُ وهو الَّذِي تُعْلَمُ تَرْجَمَتُهُ لِنَفْسِهِ وعَدُّهُ إيّاها مِن أكْبَرِ الصِّدِّيقِينَ بَلْ خاتَمِ الوِلايَةِ الخاصَّةِ والمَقامِ المُحَمَّدِيِّ: فُتِحَ لِي قَدْرُ خُرْمِ إبْرَةٍ مِن مَقامِ النُّبُوَّةِ تَجَلِيًّا لا دُخُولًا فَكِدْتُ أحْتَرِقُ، وبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ما نُقِلَ عَمَّنْ نَقَلَ والقَوْلُ بِعَدَمِ قُوَّةِ المُعارِضِ لَنا أنْ نَقُولَ: إنْ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ عَنِ القائِلِ عِنْدَ فَنائِهِ في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ والذّاتِ الأحْمَدِيَّةِ فاللِّسانُ حِينَئِذٍ لِسانُها والقَوْلُ قَوْلُها ولَمْ يَصْدُرْ ذَلِكَ مِنهُ حِينَ رُؤْيَةِ نَفْسِهِ، والوُقُوفِ عِنْدَ رُتْبَتِهِ، وهَذا غَيْرُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّيعَةُ وبَعِيدٌ عَنْهُ بِمَراحِلَ، ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِهِ بِأتَمَّ مِن هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَخَزائِنُ الفِكَرِ ولِلَّهِ الحَمْدُ مَمْلُوءَةٌ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ.

هَذا وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِالطُّمَأْنِينَةِ هُنا العِلْمُ الَّذِي لا مَجالَ لِلتَّشْكِيكِ فِيهِ وهو عِلْمُ الضَّرُورَةِ المُخالِفُ لِعِلْمِ الِاسْتِدْلالِ حَيْثُ يَجُوزُ مَعَهُ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العِلْمَ المَوْقُوفَ عَلى سَبَبٍ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَشْكِيكٌ ما دامَ سَبَبُهُ مَذْكُورًا في نَفْسِ العالَمِ وإنَّما الَّذِي قَبِلَ التَّشْكِيكَ قَبُولًا مُطْلَقًا هو الِاعْتِقادُ وإنْ كانَ صَحِيحًا وسَبَبُهُ باقٍ في الذِّكْرِ وبِهَذا يَنْحَطُّ الِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ عَنِ العِلْمِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى تَفْسِيرِ العِلْمِ بِأنَّهُ صِفَةٌ تُوجِبُ تَمْيِيزًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ عَلى ما ذَكَرَهُ اِبْنُ الحاجِبِ في «مُخْتَصَرِهِ» وقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ فَتَدَبَّرْ.

واللّامُ في ﴿ لِيَطْمَئِنَّ ﴾ لامُ كَيْ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بَعْدَها بِإضْمارِ أنْ، ولَيْسَ بِمَبْنِيٍّ كَما زَلِقَ السَّمِينُ ومُتَعَلِّقُ اللّامِ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا حُذِفَ ما مِنهُ الِاسْتِدْراكُ، وقِيلَ: المُتَعَلِّقُ ﴿ أرِنِي ﴾ ولا أراهُ شَيْئًا، والماضِي لِلْفِعْلِ اِطْمَأنَّ عَلى وزْنِ اِقْشَعَرَّ، واخْتُلِفَ هَلْ هو مَقْلُوبٌ أمْ لا؟

فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَقْلُوبٌ مَنِ اِطْأمَنَّ فالطّاءُ فاءُ الكَلِمَةِ والهَمْزَةُ عَيْنُها والمِيمُ لامُها فَقُدِّمَتِ اللّامُ الَّتِي هي المِيمُ عَلى العَيْنِ وهي الهَمْزَةُ فَوَزَنُهُ اِفْلَعَلَّ، ومَذْهَبُ الجَرْمِيِّ أنَّهُ غَيْرُ مَقْلُوبٍ وكَأنَّهُ يَقُولُ اِطْأمَنَّ واطْمَأنَّ مادَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ ومَصْدَرُهُ الطُّمْأنِينَةُ بِسُكُونِ المِيمِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: طُمانِينَةٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وهو عَلى غَيْرِ قِياسِ المَصادِرِ عِنْدَ الجَمِيعِ إذْ قِياسُ اِطْمَأنَّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُهُ عَلى الِاطْمِئْنانِ، وقُرِئَ (أرْنِي) بِسُكُونِ الرّاءِ.

﴿ قالَ ﴾ أيِ الرَّبُّ ﴿ فَخُذْ ﴾ الفاءُ لِجَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْ أرَدْتَ ذَلِكَ فَخُذْ ﴿ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ المَشْهُورُ أنَّهُ اِسْمُ جَمْعٍ كَرَكْبٍ وسِفْرٍ، وقِيلَ: بَلْ هو جَمْعُ طائِرٍ كَتاجِرٍ وتَجْرٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ، وقِيلَ: بَلْ هو مُخَفَّفٌ مِن طَيِّرٍ بِالتَّشْدِيدِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في الأصْلِ مَصْدَرُ طارَ يَطِيرُ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ هَذا الجِنْسُ وأُلْحِقَتِ التّاءُ في عَدَدِهِ لِاعْتِبارِهِ مُذَكَّرًا واسْمُ الجِنْسِ لِما لا يَعْقِلُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما قَبْلَهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ خُذْ، والمَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها الغُرْنُوقُ والطّاوُوسُ والدِّيكُ والحَمامَةُ، وعَنْ مُجاهِدٍ بَدَلُ الغُرْنُوقِ الغُرابُ، وفي رِوايَةٍ بَدَلُ الحَمامَةِ بَطَّةٌ، وفي رِوايَةٍ نَسْرٌ، وتَخْصِيصُ الطَّيْرِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ طَلَبِهِ المَعاشَ والمَسْكَنَ ولِذَلِكَ وقَعَ في الحَدِيثِ: «”لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلى اللَّهِ تَعالى حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكم كَما تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِماصًا وتَرُوحُ بِطانًا“،» ولِأنَّهُ أجْمَعُ لِخَواصِّ الحَيَوانِ ولِسُهُولَةِ تَأتِّي ما يُفْعَلُ بِهِ مِنَ التَّجْزِئَةِ والتَّفْرِقَةِ ولِما فِيهِ مِن مَزِيدِ أجْزاءٍ مِنَ الرِّيشِ فَفي إحْيائِها مَزِيدُ ظُهُورِ القُدْرَةِ ولِأنَّ مَن صِفَتِهِ الطَّيَرانَ في السَّماءِ وكانَ مِن هِمَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَيْلُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ والوُصُولُ إلى المَلَكُوتِ فَكانَتْ مُعْجِزَتُهُ مُشاكِلَةٌ لِهِمَّتِهِ.

﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الصّادِ، والباقُونَ بِضَمِّها مَعَ التَّخْفِيفِ مِن صارَهُ يَصُورُهُ ويَصِيرُهُ لُغَتانِ بِمَعْنى قَطْعَهُ أوْ أمالَهُ لِأنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما كَما ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمُّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، والكَسْرُ بِمَعْنى القَطْعِ فَقَطْ، وقِيلَ: الكَسْرُ بِمَعْنى القَطْعِ، والضَّمُّ بِمَعْنى الإمالَةِ، وعَنِ الفَرّاءِ: إنَّ صارَهُ مَقْلُوبُ صَراهُ عَنْ كَذا قَطْعَهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ نَبَطِيٌّ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ حَبَشِيٌّ، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ رُومِيٌّ، فَإنْ كانَ المُرادُ أمِلْهُنَّ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْكَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ كانَ المُرادُ فَقَطِّعْهُنَّ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِ خُذْ بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الضَّمِّ، واخْتارَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ المُضْمَرِ أيْ فَقَطِّعْهُنَّ مُقَرَّبَةً مُمالَةً إلَيْكَ وزَعَمَ اِبْنُ هِشامٍ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الجارِ بِ صُرْهُنَّ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ، أيْ إلى نَفْسِكَ مُحْتَجًّا بِأنَّهُ لا يَتَعَدّى فِعْلٌ غَيْرُ عِلْمِيٍّ عامِلٍ في ضَمِيرٍ مُتَّصِلٍ إلى المُنْفَصِلِ، ورُدَّ بِأنَّهُ إنَّما يُمْنَعُ إذا كانَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ أمّا المُتَعَدِّي بِحَرْفٍ فَهو جائِزٌ كَما صَرَّحَ بِهِ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (فَصُرَّهُنَّ) بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مَعَ ضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها مِن صَرَّهُ إذا جَمَعَهُ، والرّاءُ إمّا مَضْمُومَةٌ لِلِاتِّباعِ أوْ مَفْتُوحَةٌ لِلتَّخْفِيفِ أوْ مَكْسُورَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وعَنْهُ أيْضًا (فَصَرِّهُنَّ) مِنَ التَّصْرِيَةِ بِفَتْحِ الصّادِ وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ وأصْلُها تَصْرِرَةٌ فَأُبْدِلَ أحَدُ أحْرُفِ التَّضْعِيفِ ياءً وهي في الأصْلِ مِن صَرَيْتَ الشّاةَ إذا لَمْ تَحْلِبْها أيّامًا حَتّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ في ضَرْعِها ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ في مُجَرَّدِ مَعْنى الجَمْعِ، أيِ اِجْمَعْهُنَّ وضُمَّهُنَّ إلَيْكَ لِتَتَأمَّلَها وتَعْرِفَ شَأْنَها مُفَصَّلَةً حَتّى تَعْلَمَ بَعْدَ الإحْياءِ أنَّ جُزْءًا مِن أجْزائِها لَمْ يَنْتَقِلْ مِن مَوْضِعِهِ الأوَّلِ أصْلًا.

﴿ ثُمَّ اجْعَلْ ﴾ أيْ ألْقِ، أوْ صَيِّرْ بَعْدَ ذَبْحِهِنَّ وخَلْطِ لُحُومِهِنَّ ورِيشِهِنَّ ودِمائِهِنَّ كَما قالَهُ قَتادَةُ ﴿ عَلى كُلِّ جَبَلٍ ﴾ يُمْكِنُكَ الوَضْعُ عَلَيْهِ ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكُ، ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ: أنَّ الجِبالَ كانَتْ أرْبَعَةً، وعَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ والسُّدِّيِّ أنَّها كانَتْ سَبْعَةً، وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّها كانَتْ عَشْرَةً ﴿ مِنهُنَّ ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الطَّيْرِ ﴿ جُزْءًا ﴾ أيْ قِطْعَةً وبَعْضًا رُبْعًا أوْ سُبْعًا أوْ عُشْرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ وقُرِئَ (جُزُءًا) بِضَمَّتَيْنِ و(جُزًّا) بِطَرْحِ هَمْزَتِهِ تَخْفِيفًا ثُمَّ تَشْدِيدِهِ عِنْدَ الوَقْفِ ثُمَّ إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ وهو مَفْعُولٌ لِ اِجْعَلْ والجارّانِ قَبْلَهُ مُتَعَلِّقانِ بِالفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى كُلٍّ مَفْعُولًا ثانِيًا لَهُ إنْ كانَ بِمَعْنى صَيِّرْ، و ﴿ مِنهُنَّ ﴾ حالٌ مِن ﴿ جُزْءًا ﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْها.

﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ ﴾ أيْ نادِهِنَّ، أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نادى أيَّتُها العِظامُ المُتَمَزِّقَةُ واللُّحُومُ المُتَفَرِّقَةُ والعُرُوقُ المُتَقَطِّعَةُ اِجْتَمِعِي يَرُدُّ اللَّهُ تَعالى فِيكُنَّ أرْواحَكُنَّ فَوَثَبَ العَظْمُ إلى العَظْمِ وطارَتِ الرِّيشَةُ إلى الرِّيشَةِ وجَرى الدَّمُ إلى الدَّمِ حَتّى رَجَعَ إلى كُلِّ طائِرٍ دَمُهُ ولَحْمُهُ ورِيشُهُ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى إبْراهِيمَ إنَّكَ سَألْتَنِي كَيْفَ أُحْيِ المَوْتى وأنِّي خَلَقْتُ الأرْضَ وجَعَلْتُ فِيها أرْبَعَةَ أرْواحٍ: الشَّمالِ والصِّبا والجَنُوبِ والدَّبُورِ حَتّى إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نَفَخَ نافِخٌ في الصُّورِ فَيَجْتَمِعُ مَن في الأرْضِ مِنَ القَتْلى والمَوْتى كَما اِجْتَمَعَتْ أرْبَعَةُ أطْيارٍ مِن أرْبَعَةِ جِبالٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ دَعاهُنَّ بِاسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ تَعالَيْنَ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ دُعاءَ الجَمادِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ دُعاءِ التَّكْوِينِ، وقِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقَطِّعْهُنَّ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلٍّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْيِيهِنَّ فَإذا أحْياهُنَّ فادْعُهُنَّ.

﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ فالدُّعاءُ إنَّما وقَعَ بَعْدَ الإحْياءِ، ولا يَخْفى أنَّ الآثارَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لا تُساعِدُهُ، وأعْظَمُ مِنهُ فَسادًا ما قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ طَيْرًا حَيًّا ثُمَّ دَعاها فَجاءَتْ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُبْطِلُ فائِدَةَ الطَّلَبِ ويُعارِضُ الأخْبارَ الصَّحِيحَةَ فَإنَّ أكْثَرَها ناطِقٌ بِأنَّهُ دَعاها مَيِّتَةً مُتَفَرِّقَةَ الأجْزاءِ، وفي بَعْضِها أنَّ رُؤُوسَهُنَّ كانَتْ بِيَدِهِ فَلَمّا دَعاهُنَّ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنهُنَّ يَأْتِي إلى صاحِبِهِ حَتّى صارَتْ جُثَثًا ثُمَّ أقْبَلْنَ إلى رُؤُوسِهِنَّ فانْضَمَّتْ كُلُّ جُثَّةٍ إلى رَأْسِها فَعادَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ، و(سَعْيًا) حالٌ مِن فاعِلِ يَأْتِينَكَ أيْ ساعِياتٍ مُسْرِعاتٍ، أوْ ذَواتِ سَعْيٍ طَيَرانًا أوْ مَشْيًا، وقِيلَ: إطْلاقُ السَّعْيِ عَلى الطَّيَرانِ مَجازٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَ قَعَدْتُ جُلُوسًا.

ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنِ النَّضِرِ بْنِ شُمَيْلٍ قالَ: سَألْتُ الخَلِيلَ بْنَ أحْمَدَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ هَلْ يُقالُ الطّائِرُ إذا طارَ سَعى؟

فَقالَ: لا، قُلْتُ: فَما مَعْناهُ؟

قالَ: مَعْناهُ: يَأْتِينَكَ وأنْتَ تَسْعى سَعْيًا وهو مِنَ التَّكَلُّفِ الغَيْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ بِمَكانٍ وإنَّما اِقْتَصَرَ سُبْحانَهُ عَلى حِكايَةِ أوامِرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِامْتِثالِ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا لِما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ الَّتِي عَلِمْتَ النَّزْرَ مِنها لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرَتُّبَ تِلْكَ الأُمُورِ عَلى الأوامِرِ الجَلِيلَةِ واسْتِحالَةَ تَخَلُّفِها عَنْها مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الذِّكْرِ أصْلًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِمّا اِقْتَضاهُ ظاهِرُ الكَلامِ وأنَّ الأوامِرَ فِيهِ مِثْلُها في قَوْلِكَ لِمَن لا يَعْرِفُ تَرْكِيبَ الحِبْرِ مَثَلًا: خُذْ كَذا وكَذا وأمْكِنْهُما سَحْقًا وألْقِ عَلَيْهِما كَذا وكَذا وضَعْ ذَلِكَ في الشَّمْسِ مُدَّةَ أيّامٍ ثُمَّ اِسْتَعْمِلْهُ تَجِدْهُ حِبْرًا جَيِّدًا فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي الِامْتِثالَ إذْ كانَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ تَعْلِيمٍ.

والرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ كَما نُقِلَ عَنْ «شَرْحِ التَّوْضِيحِ»، وإبْراهِيمُ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ التّامُّ بِمُجَرَّدِ وصْفِ الكَيْفِيَّةِ واطْمَأنَّ قَلْبُهُ وسَكَنَ لُبُّهُ، ولِهَذا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى ما تَرَتَّبَ عَلى هَذِهِ الأوامِرِ مِن هاتِيكَ الأُمُورِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلِامْتِثالِ ولَمْ يَعْبَأْ بِالإيماءِ إلَيْهِ بِقالٍ أوْ حالٍ، ومالَ إلى هَذا القَوْلِ أبُو مُسْلِمٍ فَأنْكَرَ القِصَّةَ أيْضًا، وقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا طَلَبَ إحْياءَ المَوْتى مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ وأراهُ مِثالًا مَحْسُوسًا قَرُبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِ (صُرْهُنَّ) أمِلْهُنَّ ومَرِّنْهُنَّ عَلى الإجابَةِ، أيْ عَوِّدِ الطُّيُورَ الأرْبَعَةَ بِحَيْثُ إذا دَعَوْتَها أجابَتْكَ حالَ الحَياةِ، والغَرَضُ مِنهُ ذِكْرُ مِثالٍ مَحْسُوسٍ لِعَوْدِ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ عَلى سَبِيلِ السُّهُولَةِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ وضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ لا يَرْكَنُ إلَيْهِ أرْبابُ الدِّينِ وعُدُولٌ عَمّا يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ المُؤَيِّدُ بِالأخْبارِ الصَّحِيحَةِ والآثارِ الرَّجِيحَةِ إلى ما تَمُجُّهُ الأسْماعُ ولا يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ فالحَقُّ اِتِّباعُ الجَماعَةِ ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَهم.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ إحْياءَ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ وإرْسالِ الرُّوحِ إلَيْها بَعْدَ تَرْكِيبِها ولَيْسَ هو مِن بابِ إعادَةِ المَعْدُومِ الصِّرْفِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ الكَيْفِيَّةَ بِالتَّفْرِيقِ ثُمَّ الجَمْعِ وإعادَةِ الرُّوحِ ولَمْ يَعْدَمْ هُناكَ سِوى الجُزْءِ الصُّورِيِّ والهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ دُونَ الأجْزاءِ المادِّيَّةِ، واحْتَجَّ بِها بَعْضُهم أيْضًا عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ حَيًّا قادِرًا عَلى السَّعْيِ والعَدْوِ.

وقالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البِنْيَةِ حَيْثُ أوْجَبَ التَّقْطِيعُ بُطْلانَ الحَياةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ حُصُولَ المُقارَنَةِ لا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ المُقارَنَةِ، والِانْفِكاكِ في بَعْضِ الأحْوالِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُقارَنَةَ حَيْثُ حَصَلَتْ ما كانَتْ واجِبَةً، ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ فَهْمِ النِّداءِ لِتِلْكَ الأجْزاءِ كانَتْ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْحَياةِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

والمَشْهُورُ أنَّها حُجَّةٌ عَلى مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيمانَ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ وهي ظاهِرَةٌ في أنَّهُ يَزِيدُ في الكَيْفِ وإنْ كانَ لا يَزِيدُ في الكَمِّ لَكِنَّ المُكَلَّفَ بِهِ هو الجَزْمُ الحاصِلُ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ ويُسَمِّيهِ البَعْضُ عِلْمَ اليَقِينِ، لا الجَزْمُ الكائِنُ بِالمُشاهَدَةِ المُسَمّى بِعَيْنِ اليَقِينِ، فَإنَّ في التَّكْلِيفِ بِهِ حَرَجًا في الدِّينِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في دَلالَةِ الآيَةِ عَلى زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ بِناءً عَلى الوَجْهِ الَّذِي أشَرْنا إلى اِخْتِيارِهِ تَرَدُّدًا كَما لا يَخْفى؛ وفِيها أيْضًا دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُمْنِ الضَّراعَةِ في الدُّعاءِ وحُسْنِ الأدَبِ في السُّؤالِ حَيْثُ أراهُ سُبْحانَهُ ما سَألَهُ في الحالِ عَلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُوهِ، وأرى عُزَيْرًا عَلَيْهِ السَّلامُ ما أراهُ بَعْدَما أماتَهُ مِائَةَ عامٍ.

﴿ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ﴿ حَكِيمٌ  ﴾ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ في أفْعالِهِ فَلَيْسَ بِناءُ أفْعالِهِ عَلى الأسْبابِ العادِيَّةِ لِعَجْزِهِ عَنْ خَرْقِ العاداتِ بَلْ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، حُكِيَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا وفى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما سَألَ قالَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ نَحْنُ أرَيْناكَ كَيْفَ نُحْيِ المَوْتى فَأرِنا أنْتَ كَيْفَ تُمِيتُ الأحْياءَ مُشِيرًا إلى ما سَيَأْمُرُهُ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو مِن بابِ الِانْبِساطِ مَعَ الخَلِيلِ، ودائِرَةُ الخُلَّةِ واسِعَةٌ إلّا أنَّ حُفّاظَ المُحَدِّثِينَ لَمْ يَذْكُرُوا هَذا الخَبَرَ ولَيْسَ لَهُ رِوايَةٌ في «كُتُبِ الأحادِيثِ» أصْلًا.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ أيْ مَوْتى القُلُوبِ بِداءِ الجَهْلِ ﴿ قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ أيْ ألَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ عِلْمًا يَقِينِيًّا ﴿ قالَ بَلى ﴾ أعْلَمُ ذَلِكَ.

ولَكِنْ لِلْعِيانِ لَطِيفُ مَعْنًى لَهُ سَألَ المُشاهَدَةَ الخَلِيلُ وهُوَ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ الَّذِي هو عَرْشُكَ ﴿ قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ إشارَةً إلى طُيُورِ الباطِنِ الَّتِي في قَفَصِ الجِسْمِ، وهي أرْبَعَةٌ مِن أطْيارِ الغَيْبِ والعَقْلِ والقَلْبِ والنَّفْسِ والرُّوحِ ﴿ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ﴾ أيْ ضُمَّهُنَّ واذْبَحْهُنَّ، فاذْبَحْ طَيْرَ العَقْلِ بِسِكِّينِ المَحَبَّةِ عَلى بابِ المَلَكُوتِ، واذْبَحْ طَيْرَ القَلْبِ بِسِكِّينِ الشَّوْقِ عَلى بابِ الجَبَرُوتِ، واذْبَحْ طَيْرَ النَّفْسِ بِسِكِّينِ العِشْقِ في مَيادِينِ الفَرْدانِيَّةِ، واذْبَحْ طَيْرَ الرُّوحِ بِسِكِّينِ العَجْزِ في تِيهِ عَزَّةِ أسْرارِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ﴾ فاجْعَلِ العَقْلَ عَلى جَبَلِ العَظَمَةِ، حَتّى يَتَراكَمَ عَلَيْهِ أنْوارُ سَلْطَنَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَيَصِيرُ مَوْصُوفًا بِها لِيُدْرِكَنِي بِي بَعْدَ فَنائِهِ فِيَّ، واجْعَلِ القَلْبَ عَلى جَبَلِ الكِبْرِياءِ حَتّى أُلْبِسَهُ سَناءً قُدْسِيًّا فَيَتِيهُ في بَيْداءِ التَّفَكُّرِ مَنعُوتًا بِصَرْفِ نُورِ المَحَبَّةِ، واجْعَلِ النَّفْسَ عَلى جَبَلِ العِزَّةِ حَتّى أُلْبِسَها نُورَ العَظَمَةِ لِتَصِيرَ مُطْمَئِنَّةً عِنْدَ جَرَيانِ رُبُوبِيَّتِي عَلَيْها فَلا تُنازِعُنِي في العُبُودِيَّةِ ولا تَطْلُبُ أوْصافَ الرُّبُوبِيَّةِ، واجْعَلِ الرُّوحَ عَلى جَبَلِ جَمالِ الأزَلِ حَتّى أُلْبِسَها نُورَ النُّورِ وعِزَّ العِزِّ وقُدْسَ القُدْسِ لِتَكُونَ مُنْبَسِطَةً في السُّكْرِ مُطْمَئِنَّةً في الصَّحْوِ عاشِقَةً في الِانْبِساطِ راسِخَةً في التَّجَلِّياتِ.

﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ ﴾ ونادِهِنَّ بِصَوْتِ سِرِّ العِشْقِ ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ إلى مَحْضِ العُبُودِيَّةِ بِجَمالِ الأُحْدِيَّةِ ﴿ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ يُعِزُّكَ بِعِرْفانِكَ هَذِهِ المَعانِي واطِّلاعِكَ عَلى صِفاتِهِ القَدِيمَةِ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في ظُهُورِهِ بِغَرائِبِ التَّجَلِّي لِأسْرارِ باطِنِكَ، وقَدْ يُقالُ: أشارَ سُبْحانَهُ بِالأرْبَعَةِ مِنَ الطَّيْرِ إلى القُوى الأرْبَعَةِ الَّتِي تَمْنَعُ العَبْدَ عَنْ مَقامِ العِيانِ وشُهُودِ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ، ووَقَعَ في أثَرٍ أنَّها كانَتْ طاوُوسًا ودِيكًا وغُرابًا وحَمامَةً، ولَعَلَّ الطّاوُوسَ إشارَةٌ إلى العَجَبِ، والِدَيْكَ إلى الشَّهْوَةِ، والغُرابَ إلى الحِرْصِ، والحَمامَةَ إلى حُبِّ الدُّنْيا لِإلْفِها الوَكْرَ والبُرْجَ، وفي أثَرٍ بَدَلُ الحَمامَةِ بَطَّةٌ، وفي آخَرَ نَسْرٌ، وكانَ الأوَّلُ: إشارَةً إلى الشَّرَهِ الغالِبِ، والثّانِي: إلى طُولِ الأمَلِ، ومَعْنى ﴿ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ﴾ حِينَئِذٍ ضُمَّهُنَّ وأمِلْهُنَّ إلَيْكَ بِضَبْطِها ومَنعِها عَنِ الخُرُوجِ إلى طَلَبِ لَذّاتِها والنُّزُوعِ إلى مَأْلُوفاتِها، وفي الأثَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِأنْ يَذْبَحَها ويَنْتِفَ رِيشَها ويَخْلِطَ لُحُومَها ودِماءَها بِالدَّقِّ ويَحْفَظَ رُؤُوسِها عِنْدَهُ أيْ يَمْنَعَها عَنْ أفْعالِها ويُزِيلَ هَيْئاتِها عَنِ النَّفْسِ ويَقْمَعَ دَواعِيَها وطَبائِعَها وعادَتِها بِالرِّياضَةِ ويُبْقِيَ أُصُولِها فِيهِ ثُمَّ أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ الَّتِي بِحَضْرَتِهِ وهي العَناصِرُ الأرْبَعَةُ الَّتِي هي أرْكانُ بَدَنِهِ جُزْءًا مِنهُنَّ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُمِرَ بِقَمْعِها وإماتَتِها حَتّى لا يَبْقى إلّا أُصُولُها المَرْكُوزَةُ في الوُجُودِ والمَوادُّ المُعَدَّةُ في طَبائِعِ العَناصِرِ الَّتِي هي فِيهِ، وفي رِوايَةٍ أنَّ الجِبالَ كانَتْ سَبْعَةً فَعَلى هَذا يُشِيرُ بِها إلى الأعْضاءِ السَّبْعَةِ الَّتِي هي أجْزاءُ البَدَنِ، وفي أُخْرى أنَّها كانَتْ عَشَرَةً وعَلَيْها رُبَّما تَكُونُ إشارَةً إلى الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وأشارَ سُبْحانَهُ بِالأمْرِ بِالدُّعاءِ إلى أنَّهُ إذا كانَتْ هاتِيكَ الصِّفاتُ حَيَّةً بِحَياتِها كانَتْ غَيْرَ مُنْقادَةٍ وحْشِيَّةً مُمْتَنِعَةً عَنْ قَبُولِ الأمْرِ فَإذا قُتِلَتْ كانَتْ حَيَّةً بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ المَوْهُومَةِ بَعْدَ الفَناءِ والمَحْوِ وهي حَياةُ العَبْدِ وعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ مُطِيعَةً مُنْقادَةً مَتى دُعِيَتْ أتَتْ سَعْيًا وامْتَثَلَتْ طَوْعًا وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، وذلك أن النمرود لما قال له: أنا أحيي وأميت.

ووصف لهم ذلك، فسألوا إبراهيم فقالوا له: كيف يحيي ربك الموتى؟

فأراد إبراهيم أن يرى ذلك بالمعاينة، حتى يخبرهم بما يرى من المعاينة، فسأل ربه فقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى.

وقال مقاتل: مرَّ إِبراهيم فرأى جيفة على ساحل البحر، يأكل منها دواب البحر والطيور، وبعضها يصير مستهلك في الأرض، فوقع في قلبه أن الذي تفرق في البحر وفي بطون الطير، كيف يجمعها الله تعالى، فأراد أن يعاين ذلك فقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى.

ف قالَ له ربه: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟

يعني أو لم تصدق بأني أحيي الموتى؟

قالَ بَلى قد صدقت وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أي ليسكن قلبي.

ويقال: إنما قال له: أو لم تؤمن؟

لكي يظهر إقراره، لكي لا يظن أحد بعده أنه لم يكن مقراً بذلك في ذلك الوقت، فظهر إقراره بقوله: بلى.

وقال سعيد بن جبير: ليسكن قلبي أنك اتخذتني خليلاً.

قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ، فأخذ ديكا وحمامة وطاوسا وغراباً وفي بعض الروايات أخذ طاوسا وثلاثة من الطيور مختلفة ألوانها وأسماؤها وريشها.

فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، أي فقطعهن وقال السدي: يعني فدقهن، وقال الأخفش: يعني اضممهن إليك.

وذكر مقاتل بإسناده عن الأعمش قال: فيه تقديم وتأخير، فخذ إليك أربعة من الطيور فقطعهن واخلط بعضهن ببعض، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً، ثُمَّ فرقهن في أربعة أجبل.

ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً.

ففعل ذلك ودعاهن، فسعين على أرجلهن.

ويقال: إنه لما وضعهن على الجبال، هبت الرياح الأربعة التي تقوم يوم القيامة فواحدة من قبل المشرق، والأخرى من قبل المغرب، وواحدة من قبل اليمين، والأخرى من قبل الشمال فرفعت الأعضاء المتفرقة عن مواضعها وحملتها إلى المواضع الأخرى، حتى اجتمع أعضاء كل طير في موضعها: فجعل إبراهيم ينظر ويتعجب حيث ينضم بعضها إلى بعض.

فقال عند ذلك قوله: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه، حَكِيمٌ حكم بالبعث ولم أسأله لريب كان في قلبي، ولكن سألته ليسكن قلبي في الخلة.

قرأ ابن كثير أرْني بجزم الراء، وقرأ الباقون بالكسر وقرأ حمزة فصرهن بكسر الصاد، والباقون بالضم.

فمن قرأ بالكسر يعني قطعهن، ومن قرأ بالضم يعني فضمهن إليك ويقال هما لغتان ومعناهما وتفسيرهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ: المعنى: قال هو: أَعلَمُ أنَّ اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ، وهذا عنْدي لَيْسَ بإِقرار بما كان قَبْلُ يُنْكِرُهُ كما زعم الطبريُّ «١» ، بل هو قولٌ بَعَثَهُ الاعتبارُ كما يقول الإِنسان المؤمن، إِذا رأى شيئاً غريباً مِنْ قدرةِ اللَّهِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ونحْو هذا.

وأما قراءة حمزةَ والكسائي «٢» : «قال اعلم» .

موصولةَ الألفِ، ساكنةَ الميمِ، فتحتمل وجهيْن:

أحدهما: قال المَلَكُ له: اعلم، وقد قرأ ابن مسعود، والأعمشُ «٣» : «قِيلَ اعلم» .

والوجه الثاني: أنْ يُنَزِّلَ نفسه منزلةَ المُخَاطَبِ الأجنبيِّ المُنْفَصِلِ، أي: قال لنفسه:

اعلم، وأمثلة هذا كثيرة.

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ...

الآية: قال جمهور العلماء: إِن إبراهيم- عليه السلام- لم يكُنْ شَاكًّا في إِحياء اللَّه الموتى قطُّ، وإنما طلب المعايَنَة، وأما قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» «٤» فمعناه: أنْ لو كانَ شَكَّ، لكنَّا نحْنُ أَحَقُّ به، ونحن لا نشكّ، فإبراهيم- عليه

السلام- أحرى ألاَّ يشكَّ، فالحديث مبنيٌّ على نفْيِ الشكِّ عن إِبراهيم، والذي روي فيه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» «١» إِنما هو في الخواطر الجاريَةِ الَّتي لا تثبتُ، وأما الشَّكُّ، فهو توقّف بيْن أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخرِ، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل صلّى الله عليه وسلم.

وإِحياء الموتى إِنما يثبُتُ بالسمْع، وقد كان إِبراهيمُ أُعْلِمَ بذلك يدلُّك على ذلك قولُهُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] ، والشكُّ يبعد على من ثبت قدمه في

الإِيمان فقَطْ، فكيف بمرتبة النبوَّة والخُلَّة، والأنبياءُ معصومون من الكبائرِ، ومن الصغائرِ التي فيها رذيلةٌ إِجماعاً، وإِذا تأمَّلت سؤاله- عليه السلام- وسائِرَ ألفاظ الآيةِ، لم تعط شكًّا، وذلك أنَّ الاستفهام ب «كَيْفَ» ، إِنما هو عن حالِ شيء موجودٍ، ومتقرّر الوجودِ عند السائل والمسئول نحو قولكَ: كَيْفَ عِلْمُ زَيْدٍ، وَكَيْفَ نَسْجُ الثَّوْبِ؟

ف «كَيْفَ» في هذه الآية إِنما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإِحياءُ متقرِّر، ولما وجدنا بعض المنكرين لوجودِ شيْء قد يعبَّر عن إِنكاره بالاستفهام عن حالةٍ لذلك الشيء، يعلم أنها لا تصحّ، فنيلزم من ذلك أنَّ الشيْءَ في نفْسه لا يصحُّ مثال ذلك: أنْ يقولَ مدَّعٍ: أنا أرفَعُ هذا الجَبَلَ، فيقول المكذِّب: كَيْفَ ترفعه، فهذه طريقة مجازٍ في العبارة، ومَعْنَاها: تسليمٌ جدليٌّ كأنه يقول: افرض أنَّك ترفعه، أَرِنِي كيف، فلمّا كان في عبارة الخليل صلّى الله عليه وسلم هذا الاشتراكُ المجازيُّ، خَلَّصَ اللَّه سبحانه ذلك/، وحمَلَهُ على أنْ يبيّن الحقيقةَ، فقال له: ٦٧ ب أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى فكمل الأمر، وتخلَّص من كلِّ شك، ثم علَّل- عليه السلام- سؤاله بالطّمأنينة.

ت: قال الداوديّ: وعن ابن جُبَيْر: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بالخُلَّة «١» ، قال مجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أي: أزداد إِيماناً إِلى إِيماني «٢» ، وعن قتادة: لأزداد يقيناً «٣» .

انتهى.

قال ع «٤» : وقوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ معناه: إِيماناً مطلقاً دخل فيه فصْل إِحياء الموتى، والواو: واو حالٍ دخَلَتْ عليها ألِفُ التقريرِ، وقال ص: الهمزة في أَوَلَمْ تُؤْمِنْ للتقرير كقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] وكقوله [الوافر] :

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا «٥» ...

أي: قد شَرَحْنا لك صدرك، وأنتم خَيْر.

وقولُ ابن عطيَّة «١» : «الواو للحالِ، دخَلَتْ عليها ألفُ التقرير» : متعقَّب، والظاهر أنَّ التقرير منسحبٌ على الجملة المنفيَّة فقطْ، وأن الواو للعطْف.

انتهى.

ولِيَطْمَئِنَّ: معناه: ليسكُنَ، فطمأنينةُ القَلْب هي أنْ تَسْكُنَ فِكَرُهُ في الشيء المعتَقَدِ، والفِكَرُ في صورة الإِحياء غيْرُ محظورةٍ كما لنا نحن اليوم أنْ نفكِّر فيها، بل هي فِكَرٌ، فيها عِبَرٌ، فأراد الخليلُ أن يعاين، فتذهب فِكَرُهُ في صُورة الإِحياء إِذ حرَّكه إِلى ذلك، إِما الدابَّةُ المأكولةُ في تأويل، وإِمَّا قولُ النُّمْرُوذِ: أنا أُحْيِي وأميتُ في تأويل آخر، ورُوِيَ أن الأربعة التي أَخَذَ إِبراهيم- عليه السلام- هي الدِّيكُ، وَالطَّاوُسُ، والحَمَامُ، وَالغُرَابُ، قاله مجاهد وغيره «٢» ، وقال ابن عباس: مكان الغرابِ الكَرْكِيّ، فروي أنه أخذها- عليه السلام- حَسَب ما أمر، وذكَّاها، ثم قَطَعها قِطَعاً قِطَعاً صِغَاراً، وجمع ذلك مع الدم والرِّيش، ثم جعل من ذلك المجْمُوع المختلط جزْءاً على كلِّ جبل، ووقَفَ هو من حيثُ يرى تلك الأجزاء، وأمْسَك رُءُوس الطَّيْر في يده، ثم قال: تَعَالَيْنَ بإِذنِ اللَّه، فتطايَرَتْ تلك الأجزاءُ، وطار الدمُ إِلى الدمِ، والريشُ إِلى الريشِ حتى التأمت كما كانَتْ أولاً، وبقيتْ بلا رءوسٍ، ثم كرر النداء، فجاءته سعياً حتى وضعت أجسادها في رءوسها، وطارتْ بإِذن اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: فَصُرْهُنَّ، يقال: صُرْتُ الشَّيْءَ، أصُورُهُ، بمعنى: قطعته، ويقال أيضاً: صُرْتُ الشيْءَ، بمعنى: أَمَلْتُهُ، وقد تأوَّل المفسِّرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالَةِ، وقد قال ابن عَبَّاس وغيره في هذه الآية: «صرهنّ» : معناه: قطّعهنّ «٣» ، وقال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ أيْ: أوَلَسْتَ قَدْ آَمَنتَ أنِّي أُحْيِي المَوْتى؟

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ألَمْ تُوقِنْ بِالخُلَّةِ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ سَألْتُكَ لِيَطْمَئِنَّ، أوْ أرِنِي لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، ثُمَّ في المَعْنى أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأعْلَمَ أنَّكَ تُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِيَزْدادَ قَلْبِي يَقِينًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ إبْراهِيمُ مُوقِنًا، ولَكِنْ لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ.

والثّالِثُ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالخُلَّةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِرُؤْيَةِ إحْياءِ المَوْتى، فَأرادَ: لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِالنَّظَرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ غَيْرُهُ: كانَتْ نَفْسُهُ تائِقَةً إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ، وطالِبُ الشَّيْءِ قَلِقٌ إلى أنْ يَظْفَرَ بِطُلْبَتِهِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ لِشَكِّ، أنَّهُ قالَ: ﴿ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ وما قالَ: هَلْ تُحْيِي المَوْتى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ في الَّذِي أخَذَ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَمامَةُ، والدِّيكُ، والكُرْكِيُّ، والطّاوُوسُ، رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الطّاوُوسُ، والدِّيكُ، والدَّجاجَةُ السِّنْدِيَّةُ، والأُوَزَّةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي لَفْظٍ آَخَرَ، رَواهُ الضَّحّاكُ مَكانَ الدَّجاجِهِ السِّنْدِيَّةِ الرَّأْلِ، وهو فَرْخُ النَّعامِ.

والثّالِثُ: أنَّها الشَّعانِينُ، وكانَتْ قُرْباهم يَوْمَئِذٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها الطّاوُوسُ، والنَّسْرُ، والغُرابُ، والدِّيكُ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والخامِسُ: أنَّها الدِّيكُ، والطّاوُوسُ والغُرابُ، والحَمامُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّها دِيكٌ، وغُرابٌ، وبَطٌّ، وطاوُوسٌ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّابِعُ: أنَّها الدِّيكُ، والبَطَّةُ، والغُرابُ، والحَمامَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ خُذْ بَطَّةً وغُرابًا أسْوَدَ، وحَمامَةً بَيْضاءَ، ودِيكًا أحْمَرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الصّادِ، والمَعْنى: أمِلْهُنَّ إلَيْكَ، يُقالُ: صِرْتُ الشَّيْءَ فانْصارَ، أيْ: أمَلْتُهُ فَمالَ، وأنْشَدُوا: اللَّهُ يَعْلَمُ أنّا في تَلَفُّتِنا يَوْمَ الفِراقِ إلى جِيرانِنا صُورُ فَمَعْنى الكَلامِ: اجْمَعْهُنَّ إلَيْكَ.

﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ﴾ فِيهِ إضْمارُ قَطْعِهِنَّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أضْمَرَ "قَطْعُهُنَّ" واكْتَفى بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ﴾ عَنْ قَوْلِهِ "قَطِّعْهُنَّ" لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: خُذْ هَذا الثَّوْبَ، واجْعَلْ عَلى كُلِّ رُمْحٍ عِنْدَكَ مِنهُ عَلَمًا.

يُرِيدُ: قَطْعَهُ، وافْعَلْ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ (فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ) بِكَسْرِ الصّادِ.

قالَ اليَزِيدِيُّ: هُما واحِدٌ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكَسْرُ والضَّمُّ لُغَتانِ.

قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ العَرَبِ عَلى ضَمِّ الصّادِ، وحَدَّثَنِي الكِسائِيُّ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ بَنِي سَلِيمٍ يَقُولُ: صِرْتُهُ، فَأنا أصِيرُهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهْبٍ، وأبِي مالِكٍ، وأبِي الأُسُودِ الدُّؤَلِيِّ، والسُّدِّيِّ، أنَّ مَعْنى المَكْسُورَةِ الصّادَ: قَطِّعْهُنَّ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ بِالضَّمِّ: اجْمَعْهُنَّ، وبِالكَسْرِ: قَطِّعْهُنَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُنَّ جُزْءًا.

ورُوِيَ عَوْفُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: اذْبَحْهُنَّ ونَتِّفْهُنَّ، ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ أعْضاءً، ثُمَّ خَلِّطْ بَيْنَهُنَّ جَمِيعًا، ثُمَّ جَزِّئْها أرْبَعَةَ أجْزاءٍ، وضَعْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ جُزْءًا.

ثُمَّ تَنَحّى عَنْهُنَّ، فَدَعاهُنَّ، فَجَعَلَ يَعْدُو كُلُّ عُضْوٍ إلى صاحِبِهِ حَتّى اسْتَوَيْنَ كَما كُنَّ، ثُمَّ أتَيْنَهُ يَسْعَيْنَ.

وقالَ قَتادَةُ: أمْسَكَ رُؤُوسَها بِيَدِهِ، فَجَعَلَ العَظْمُ يَذْهَبُ إلى العَظْمِ، والرِّيشَةُ إلى الرِّيشَةِ، والبِضْعَةُ إلى البِضْعَةِ، وهو يَرى ذَلِكَ، ثُمَّ دَعاهُنَّ، فَأقْبَلْنَ عَلى أرْجُلِهِنَّ يُلْقِي لِكُلِّ طائِرٍ رَأْسَهُ.

وفي عَدَدِ الجِبالِ الَّتِي قُسِّمْنَ عَلَيْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَسَّمَهُنَّ عَلى أرْبَعَةِ أجْبُلٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جَعَلَهُنَّ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ في أرْباعِ الأرْضِ، كَأنَّهُ يَعْنِي جِهاتِ الإنْسانِ الأرْبَعِ.

والثّانِي: أنَّهُ قَسَّمَهُنَّ سَبْعَةَ أجْزاءٍ عَلى سَبْعَةِ أجُبِلٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: عَدْوًا، ويُقالُ: مَشْيًا عَلى أرْجُلِهِنَّ، ولا يُقالُ: لِطَيْرٍ إذا طارَ: سَعى ﴿ واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ أيْ: مَنِيعٌ لا يُغْلَبُ، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما يُدَبِّرُ.

ويَزْعُمُ مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ جَرَتْ لِإبْراهِيمَ بِالشّامِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وقَبْلَ نُزُولِ الصُّحُفِ عَلَيْهِ، وهو ابْنُ خَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ العامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ.

واخْتَلَفَ الناسُ لِمَ صَدَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ؟- فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ اللهِ المَوْتى قَطُّ، وإنَّما طَلَبَ المُعايَنَةَ، وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: وقالَ آخَرُونَ: سَألَ ذَلِكَ رَبَّهُ لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللهِ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وأدْخَلَ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي مِنها" وذَكَرَ عن عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّهُ قالَ: "دَخَلَ قَلْبَ إبْراهِيمَ بَعْضُ ما يَدْخُلُ قُلُوبَ الناسِ فَقالَ: "رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى" وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "نَحْنُ أحَقُّ بِالشَكِّ مِن إبْراهِيمَ» "الحَدِيثَ"، ثُمَّ رَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ الَّذِي يَجْرِي مَعَ ظاهِرِ الحَدِيثِ، وقالَ: "إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا رَأى الجِيفَةَ تَأْكُلُ مِنها الحِيتانُ ودَوابُّ البَرِّ ألْقى الشَيْطانُ في نَفْسِهِ فَقالَ: مَتى يَجْمَعُ اللهُ هَذِهِ مِن بُطُونِ هَؤُلاءِ".

وأمّا مَن قالَ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ شاكًّا فاخْتَلَفُوا في سَبَبِ سُؤالِهِ - فَقالَ قَتادَةُ: إنَّ إبْراهِيمَ رَأى دابَّةً قَدْ تَوَزَّعَتْها السِباعُ فَعَجِبَ وسَألَ هَذا السُؤالَ، وقالَ الضَحّاكُ: نَحْوَهُ، قالَ: وقَدْ عَلِمَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَأى الدابَّةَ تَتَقَسَّمُها السِباعُ والحِيتانُ لِأنَّها كانَتْ عَلى حاشِيَةِ البَحْرِ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: بَلْ سَبَبُها أنَّهُ لَمّا فارَقَ النُمْرُوذَ وقالَ لَهُ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ فَكَّرَ في تِلْكَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فَسَألَ هَذا السُؤالَ.

وقالَ السُدِّيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَلْ سَبَبُ هَذا السُؤالِ أنَّهُ لَمّا بُشِّرَ بِأنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا أرادَ أنْ يُدِلَّ بِهَذا السُؤالِ لِيُجَرِّبَ صِحَّةَ الخُلَّةِ، فَإنَّ الخَلِيلَ يُدِلُّ بِما لا يُدِلُّ بِهِ غَيْرُهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي" يُرِيدُ بِالخُلَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما تَرْجَمَ بِهِ الطَبَرِيُّ عِنْدِي مَرْدُودٌ، وما أدْخَلَ تَحْتَ التَرْجَمَةِ مُتَأوَّلٌ، فَأمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: "هِيَ أرْجى آيَةٍ" فَمِن حَيْثُ فِيها الإدْلالُ عَلى اللهِ تَعالى - وسُؤالُ الإحْياءِ في الدُنْيا ولَيْسَتْ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولَ: هي أرْجى آيَةٍ لِقَوْلِهِ: "أوَلَمْ تُؤْمِن" أيْ أنَّ الإيمانَ كافٍ لا يَحْتاجُ بَعْدَهُ إلى تَنْقِيحٍ وبَحْثٍ، وأمّا قَوْلُ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: "دَخَلَ قَلْبَ إبْراهِيمَ بَعْضُ ما يَدْخُلُ قُلُوبَ الناسِ" فَمَعْناهُ مِن حُبِّ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ أنَّ النُفُوسَ مُسْتَشْرِفَةٌ إلى رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ بِهِ، ولِهَذا قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ"»، وأمّا قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "نَحْنُ أحَقُّ بِالشَكِّ مِن إبْراهِيمَ"» فَمَعْناهُ أنَّهُ لَوْ كانَ شَكٌّ لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أحْرى لا يَشُكُّ، فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَكِّ عن إبْراهِيمَ.

والَّذِي رُوِيَ فِيهِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "ذَلِكَ مَحْضُ الإيمانِ"» إنَّما هو في الخَواطِرِ الجارِيَةِ الَّتِي لا تَثْبُتُ، وأمّا الشَكُّ فَهو تَوَقُّفٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ لا مَزِيَّةَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، وذَلِكَ هو المَنفِيُّ عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ.

وإحْياءُ المَوْتى إنَّما يَثْبُتُ بِالسَمْعِ، وقَدْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أعْلَمَ بِهِ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ" فالشَكُّ يَبْعُدُ عَلى مَن ثَبَتَتْ قَدَمُهُ في الإيمانِ فَقَطْ، فَكَيْفَ بِمَرْتَبَةِ النُبُوءَةِ والخُلَّةِ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ إجْماعًا.

وإذا تَأمَّلْتَ سُؤالَهُ عَلَيْهِ السَلامُ وسائِرَ ألْفاظِ الآيَةِ لَمْ تُعْطَ شَكًّا، وذَلِكَ أنَّ الِاسْتِفْهامَ بِـ "كَيْفَ" إنَّما هو عن حالِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ مُتَقَرِّرِ الوُجُودِ عِنْدَ السائِلِ والمَسْؤُولِ - نَحْوَ قَوْلِكَ: كَيْفَ عَلِمَ زَيْدٌ؟

وكَيْفَ نَسَجَ الثَوْبَ؟

ونَحْوِ هَذا - ومَتى قُلْتَ: كَيْفَ ثَوْبُكَ؟

وكَيْفَ زَيْدٌ؟

فَإنَّما السُؤالُ عن حالٍ مِن أحْوالِهِ، وقَدْ تَكُونُ "كَيْفَ" خَبَرًا عن شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُسْتَفْهَمَ عنهُ بِكَيْفَ نَحْوِ قَوْلِكَ: كَيْفَ شِئْتَ فَكُنْ، ونَحْوِ قَوْلِ البُخارِيِّ: كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ.

و"كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي اسْتِفْهامٌ عن هَيْئَةِ الإحْياءِ، والإحْياءُ مُتَقَرِّرٌ ولَكِنْ لَمّا وجَدْنا بَعْضَ المُنْكِرِينَ لِوُجُودِ شَيْءٍ قَدْ يُعَبِّرُ عن إنْكارِهِ بِالِاسْتِفْهامِ عن حالَةٍ لِذَلِكَ الشَيْءِ يَعْلَمُ أنَّها لا تَصْلُحُ، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَيْءَ في نَفْسِهِ لا يَصِحُّ، مِثالُ ذَلِكَ: أنْ يَقُولَ مُدَّعٍ: أنا أرْفَعُ هَذا الجَبَلَ.

فَيَقُولَ لَهُ المُكَذِّبُ: أرِنِي كَيْفَ تَرْفَعُهُ.

فَهَذِهِ طَرِيقَةُ مَجازٍ في العِبارَةِ، ومَعْناها تَسْلِيمٌ جَدَلِيٌّ، كَأنَّهُ يَقُولُ: افْرِضْ أنَّكَ تَرْفَعُهُ، أرِنِي كَيْفَ؟

فَلَمّا كانَ في عِبارَةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ هَذا الِاشْتِراكُ المَجازِيُّ خَلَصَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ، وحَمَلَهُ عَلى أنْ يُبَيِّنَ الحَقِيقَةَ فَقالَ لَهُ: ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ﴾ فَكَمُلَ الأمْرُ، وتَخَلَّصَ مِن كُلِّ شَكٍّ، ثُمَّ عَلَّلَ عَلَيْهِ السَلامُ سُؤالَهُ بِالطُمَأْنِينَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ مَعْناهُ: إيمانًا مُطْلَقًا، دَخَلَ فِيهِ فَصْلُ إحْياءِ المَوْتى، والواوُ واوُ حالٍ دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ التَقْرِيرِ.

و"لِيَطْمَئِنَّ"مَعْناهُ: لِيَسْكُنَ عن فِكْرِهِ، والطُمَأْنِينَةُ اعْتِدالٌ وسُكُونٌ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِدالِ، فَطُمَأْنِينَةُ الأعْضاءِ مَعْرُوفَةٌ كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ثُمَّ ارْكَعْ حَتّى تَطْمَئِنَّ راكِعًا"» الحَدِيثَ، وطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ هي أنْ يَسْكُنَ فِكْرُهُ في الشَيْءِ المُعْتَقَدِ.

والفِكْرُ في صُورَةِ الإحْياءِ غَيْرُ مَحْظُورَةٍ، كَما لَنا نَحْنُ اليَوْمَ أنْ نُفَكِّرَ فِيها بَلْ هي فِكْرٌ فِيها عِبَرٌ، فَأرادَ الخَلِيلُ أنْ يُعايِنَ فَتَذْهَبَ فِكْرُهُ في صُورَةِ الإحْياءِ إذْ حَرَّكَهُ إلى ذَلِكَ إمّا أمْرُ الدابَّةِ المَأْكُولَةِ، وإمّا قَوْلُ النُمْرُوذِ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ" وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى لِيَطْمَئِنَّ: لِيُوقِنَ، وحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وحُكِيَ عنهُ: لِيَزْدادَ يَقِينًا، وقالَهُ إبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لِأزْدادَ إيمانًا مَعَ إيمانِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا زِيادَةَ في هَذا المَعْنى تُمْكِنُ إلّا السُكُونَ عَنِ الفِكْرِ وإلّا فاليَقِينُ لا يَتَبَعَّضُ.

ورُوِيَ أنَّ الأرْبَعَةَ الَّتِي أخَذَ إبْراهِيمُ هي الدِيكُ والطاوُوسُ والحَمامُ والغُرابُ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ الأُوَلِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكانَ الغُرابِ الكُرْكِيُّ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَذَ هَذِهِ الطَيْرَ حَسْبَما أُمِرَ، وذَكّاها ثُمَّ قَطَّعَها قِطَعًا صِغارًا، وجَمَعَ ذَلِكَ مَعَ الدَمِ والرِيشِ، ثُمَّ جَعَلَ مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ المُخْتَلِطِ جُزْءًا عَلى كُلِّ جَبَلٍ، ووَقَفَ هو مِن حَيْثُ يَرى تِلْكَ الأجْزاءَ وأمْسَكَ رُؤُوسَ الطَيْرِ في يَدِهِ، ثُمَّ قالَ: تَعالَيْنَ بِإذْنِ اللهِ، فَتَطايَرَتْ تِلْكَ الأجْزاءُ، وطارَ الدَمُ إلى الدَمِ، والرِيشُ إلى الرِيشِ حَتّى التَأمَتْ كَما كانَتْ أوَّلًا وبَقِيَتْ بِلا رُؤُوسٍ، ثُمَّ كَرَّرَ النِداءَ، فَجاءَتْهُ سَعْيًا حَتّى وُضِعَتْ أجْسادُها في رُؤُوسِها، وطارَتْ بِإذْنِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "فَصِرْهُنَّ إلَيْكَ" بِكَسْرِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، ويُقالُ: صُرْتُ الشَيْءَ أصُورُهُ بِمَعْنى قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُرُؤْبَةَ: صُرْنا بِهِ الحُكْمَ وأعْيا الحَكَما................

ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: فَلَوْ يُلاقِي الَّذِي لاقَيْتَهُ حَضَنٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لَظَلَّتِ الشُمُّ مِنهُ وهْيَ تَنْصارُ أيْ: تَتَقَطَّعُ، ويُقالُ أيْضًا: صُرْتُ الشَيْءَ أمَلْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يَصُورُ عُنُوقَها أحْوى زَنِيمٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لَهُ صَخَبٌ كَما صَخِبَ الغَرِيمُ ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ نِساءٍ، "هُنَّ إلى الصِبا صُوَرٌ وعَنِ الخَنا نُورٌ" فَهَذا كُلُّهُ في ضَمِّ الصادِ.

ويُقالُ أيْضًا في هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ "القَطْعِ والإمالَةِ": صِرْتُ الشَيْءَ بِكَسْرِ الصادِ أصِيرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وفَرْعٌ يَصِيرُ الجِيدَ وحْفٌ كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى اللِيتِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَوالِحِ فَفِي اللَفْظَةِ لُغَتانِ قُرِئَ بِهِما.

وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ في هَذِهِ الآيَةِ: "صُرْهُنَّ" مَعْناهُ: قَطِّعْهُنَّ، وقالَ عِكْرِمَةٌ، وابْنُ عَبّاسٍ - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ - إنَّها لَفْظَةٌ بِالنَبَطِيَّةِ مَعْناها: قَطِّعْهُنَّ، وقالَهُ الضَحّاكُ، وقالَ أبُو الأسْوَدِ الدُؤَلِيُّ: هي بِالسُرْيانِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: صُرْهُنَّ: فَصِّلْهُنَّ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناهُ: قَطِّعْهُنَّ، وهو الصُورُ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: فَصُرْهُنَّ مَعْناهُ: اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: اجْمَعْهُنَّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أوثِقْهُنَّ، فَقَدْ تَأوَّلَ المُفَسِّرُونَ اللَفْظَةَ بِمَعْنى التَقْطِيعِ، وبِمَعْنى الإمالَةِ، فَقَوْلُهُ: "إلَيْكَ" عَلى تَأْوِيلِ التَقْطِيعِ مُتَعَلِّقٌ بِـ "خُذْ" وعَلى تَأْوِيلِ الإمالَةِ والضَمِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ "صُرْهُنَّ"، وفي الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ: فَأمِلْهُنَّ إلَيْكَ وقَطِّعْهُنَّ، وقَرَأ قَوْمٌ "فَصُرَّهُنَّ" بِضَمِّ الصادِ وشَدِّ الراءِ المَفْتُوحَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَشُدَّهُنَّ، ومِنهُ صُرَّةُ الدَنانِيرِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "فَصِرَّهُنَّ" بِكَسْرِ الصادِ وشَدِّ الراءِ المَفْتُوحَةِ، ومَعْناهُ: صَيِّحْهُنَّ مِن قَوْلِكَ: صَرَّ البابُ والقَلَمُ إذا صَوَّتَ، ذَكَرَهُ النَقّاشُ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهي قِراءَةٌ غَرِيبَةٌ وذَلِكَ أنَّ يَفْعِلُ بِكَسْرِ العَيْنِ في المُضاعَفِ المُتَعَدِّي قَلِيلٌ، وإنَّما بابُهُ يَفْعُلُ بِضَمِّ العَيْنِ كَشَدَّ يَشُدُّ ونَحْوِهِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ مِنهُ: نَمَّ الحَدِيثَ يَنِمُّهُ ويَنُمُّهُ، وهَرَّ الحَرْبَ يَهِرُّها ويَهُرُّها ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: لِيَعْتَوِرْنَكَ القَوْلُ حَتّى تَهِرَّهُ...

∗∗∗................

إلى غَيْرِ ذَلِكَ في حُرُوفٍ قَلِيلَةٍ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وأمّا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ بِضَمِّ الصادِ فَيُحْتَمَلُ في الراءِ الضَمُّ والفَتْحُ والكَسْرُ كَمَدَّ وشَدَّ، والوَجْهُ ضَمُّ الراءِ مِن أجْلِ ضَمَّةِ الهاءِ مِن بَعْدُ.

قالَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ: ورُوِيَ عن عِكْرِمَةَ فَتْحُ الصادِ وشَدُّ الراءِ المَكْسُورَةِ، وهَذِهِ بِمَعْنى فاحْبِسْهُنَّ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرى يَصْرِي إذا حَبَسَ، ومِنهُ الشاةُ المُصْراةُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ﴾ فَرَوى أبُو حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: اجْعَلْ جُزْءًا عَلى كُلِّ رُبْعٍ مِن أرْباعِ الدُنْيا، كَأنَّ المَعْنى: اجْعَلْها في أرْكانِ الأرْضِ الأرْبَعَةِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ.

وقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المَعْنى: واجْعَلْ عَلى أرْبَعَةِ أجْبُلٍ عَلى كُلِّ جَبَلٍ جُزْءًا مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ المُتَقَطِّعِ، فَكَما يَبْعَثُ اللهُ هَذِهِ الطَيْرَ مِن هَذِهِ الجِبالِ فَكَذَلِكَ يَبْعَثُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أرْباعِ الدُنْيا وجَمِيعِ أقْطارِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جُزْءًا" بِالهَمْزِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "جُزًّا" بِشَدِّ الزايِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وهي لُغَةٌ في الوَقْفِ، فَأجْرى أبُو جَعْفَرٍ الوَصْلَ مَجْراهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ: أُمِرَ أنْ يَجْعَلَها عَلى الجِبالِ الَّتِي كانَتِ الطَيْرُ والسِباعُ حِينَ تَأْكُلُ الدابَّةَ تَطِيرُ إلَيْها وتَسِيرُ نَحْوَها وتَتَفَرَّقُ فِيها، قالا: وكانَتْ سَبْعَةَ أجْبُلٍ، فَكَذَلِكَ جَزَّأ ذَلِكَ المُقَطَّعَ مِن لَحْمِ الطَيْرِ سَبْعَةَ أجْزاءٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ عَلى كُلِّ جَبَلٍ يَلِيهِ جُزْءًا.

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ دُونَ أنْ تَحْصُرَ الجِبالَ بِعَدَدٍ، بَلْ هي الَّتِي كانَ يَصِلُ إبْراهِيمُ إلَيْها وقْتَ تَكْلِيفِ اللهِ إيّاهُ تَفْرِيقَ ذَلِكَ فِيها، لِأنَّ الكُلَّ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلى الإحاطَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبَعِيدٌ أنْ يُكَلَّفَ جَمِيعَ جِبالِ الدُنْيا، فَلَنْ يُحِيطَ بِذَلِكَ بَصَرُهُ، فَيَجِيءُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ جَيِّدًا مُتَمَكِّنًا، واللهُ أعْلَمُ أيَّ ذَلِكَ كانَ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ بِحَيْثُ يَرى الأجْزاءَ في مَقامِهِ، ويَرى كَيْفَ التَأمَتْ وكَذَلِكَ صَحَّتْ لَهُ العِبْرَةُ - وأمْرُهُ بِدُعائِهِنَّ وهُنَّ أمْواتٌ إنَّما هو لِتَقْرُبَ الآيَةُ مِنهُ، وتَكُونَ بِسَبَبٍ مِن حالِهِ ويَرى أنَّهُ قُصِدَ بِعَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ تَعالى سَيْرَهُنَّ إلَيْهِ سَعْيًا إذْ هي مِشْيَةُ المُجِدِّ الراغِبِ فِيما يَمْشِي إلَيْهِ، فَكانَ مِنَ المُبالَغَةِ أنْ رَأى إبْراهِيمُ جِدَّها في قَصْدِهِ وإجابَةِ دَعْوَتِهِ، ولَوْ جاءَتْهُ مَشْيًا لَزالَتْ هَذِهِ القَرِينَةُ، ولَوْ جاءَتْ طَيَرانًا.

لَكانَ ذَلِكَ عَلى عُرْفِ أمْرِها، فَهَذا أغْرَبُ مِنهُ، ثُمَّ وقَفَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى العِلْمِ بِالعِزَّةِ الَّتِي في ضِمْنِها القُدْرَةُ، وعَلى الحِكْمَةِ الَّتِي بِها إتْقانُ كُلِّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معطوف على قوله: ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ [البقرة: 259]، فهو مثال ثالث لقضية قوله: ﴿ الله ولي الذين آمنوا ﴾ [البقرة: 257] الآية ومثال ثان لقضية ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ فالتقدير: أو هو كإبراهيم إذ قال رب أرني إلخ.

فإنّ إبراهيم لفرط محبته الوصول إلى مرتبة المعاينة في دليل البعث رام الانتقال من العلم النظري البرهاني، إلى العلم الضروري، فسأل الله أن يريه إحياء الموتى بالمحسوس.

وانتصب ﴿ كيف ﴾ هنا على الحال مجردةً عن الاستفهام، كانتصابها في قوله تعالى: ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ [آل عمران: 6].

وقوله: ﴿ أولم تؤمن ﴾ الواو فيه واو الحال، والهمزة استفهام تقريري على هذه الحالة، وعامل الحال فعل مقدر دل عليه قوله: ﴿ أرني ﴾ والتقدير: أأرِيك في حال أنّك لم تؤمن، وهو تقرير مجازي مراد به لفت عقله إلى دفع هواجس الشك، فقوله: ﴿ بلى ولكن ليطمئن قلبي ﴾ كلام صدر عن اختباره يقينَه وإلفائه سالماً من الشك.

وقوله: ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ معناه لينبت ويتحقّق علمي وينتقل من معالجة الفكر والنظر إلى بساطة الضرورة بيقين المشاهدة وانكشاف المعلوم انكشافاً لا يحتاج إلى معاودة الاستدلال ودفع الشُبه عن العقل، وذلك أنّ حقيقة يَطمئن يسكن، ومصدره الاطمئنان، واسم المصدر الطُّمَأنِينَة، فهو حقيقة في سكون الأجسام،.

وإطلاقه على استقرار العلم في النفس وانتفاء معالجة الاستدلال أصله مجاز بتشبيه التردّد وعلاج الاستدلال بالاضطراب والحركة، وشاع ذلك المجاز حتى صار مساوياً للحقيقة، يقال اطمأنّ بَالَهُ واطمأنّ قلبه.

والأظهر أنّ اطمأن وزنه افعلَلَ وأنّه لا قلب فيه، فالهمزة فيه هي لام الكلمة والميم عين الكلمة، وهذا قول أبي عمرو وهو البيِّن إذ لا داعي إلى القلب، فإنّ وقوع الهمزة لا ما أكثر وأخف من وقوعها عيناً، وذهب سيبويه إلى أنّ اطْأمَنّ مقلوب وأصله اطْمَأنّ وقد سمع طَمْأنْتُه وطَأْمَنْتُه وأكثر الاستعمال على تقديم الميم على الهمزة، والذي أوجب الخلاف عدم سماع المجرد منه إذ لم يسمع طَمَن.

والقلبُ مراد به العلم إذ القلب لا يضطرب عند الشك ولا يتحرك عند إقامة الدليل وإنّما ذلك للفكر، وأراد بالاطمئنان العلم المحسوس وانشراح النفس به وقد دلّه الله على طريقة يرى بها إحياء الموتى رأي العين.

وقوله: ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ اعلم أنّ الطير يطلق على الواحد مرادفاً لطائر؛ فإنّه من التسمية بالمصدر وأصلها وصف فأصلها الوحدة، ولا شك في هذا الإطلاق، وهو قول أبي عبيدة والأزهري وقُطرب ولا وجه للترّدد فيه، ويطلق على وجمعه أيضاً وهو اسم جمع طائر كصحْب وصاحب، وذلك أنّ أصله المصدر والمصدر يجري على الواحد وعلى الجمع.

وجيء بمن للتبعيض لدلالة على أنّ الأربعة مختلفة الأنواع، والظاهر أنّ حكمة التعدّد والاختلاف زيادة في تحقّق أنّ الإحياء لم يكن أهون في بعض الأنواع دون بعض، فلذلك عدّدت الأنواع، ولعلّ جعلها أربعة ليكون وضعُها على الجهات الأربع: المشرق والمغرب والجنوب والشمال لئلاّ يظنّ لبعض الجهات مزيد اختصاص بتأتي الإحياء، ويجوز أنّ المراد بالأربعة أربعة أجزاء من طير واحد فتكون اللام للعهد إشارة إلى طير حاضر، أي خذ أربعة من أجزائه ثم ادعهنّ، والسعي من أنواع المشي لا من أنواع الطيران، فجعل ذلك آية على أنَّهنّ أعيدت إليهن حياة مخالفة للحياة السابقة، لئلا يظن أنّهن لم يمتن تماماً.

وذكر كل جبل يدل على أنّه أمر بجعل كل جزء من أجزاء الطير على جبل لأنّ وضعها على الجبال تقوية لتفرق تلك الأجزاء؛ فإنها فرقت بالفصل من أجسادها وبوضعها في أمكنة متباعدة وعسِرة التناول.

والجبل قطعة عظيمة من الأرض ذات حجارة وتراب ناتئة تلك القطعة من الأرض المستوية، وفي الأرض جبال كثيرة متفاوتة الارتفاع، وفي بعضها مساكن للبشر مثل جبال طيِّء، وبعضها تعتصم به الناس من العدوّ كما قال السَّمَوْأل: لنا جبل يحتلّه من نجيره *** منيع يردّ الطَّرفَ وهو كليل ومعنى ﴿ صرهنّ ﴾ أدنِهن أو أيلهن يقال صاره يصُوره ويصيره بمعنًى وهو لفظ عربي على الأصح وقيل معرب، فعن عكرمة أنّه نبطي، وعن قتادة هو حبشي، وعن وهب هو رومي، وفائدة الأمر بإدنائها أن يتأمل أحوالها حتى يعلم بعد إحيائها أنّها لم ينتقل جزء منها عن موضعه.

وقوله: ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ عطف على محذوف دلّ عليه قوله ﴿ جزءاً ﴾ لأن تجزئتهن إنّما تقع بعد الذبح.

فالتقدير فاذبحهن ثم اجعل إلخ.

وقرأ الجمهور ﴿ فصُرهن ﴾ بضم الصاد وسكون الراء من صاره يُصوره، وقرأ حمزة وأبو جعفر وخلف ورويس عن يعقوب ﴿ فصِرهن ﴾ بكسر الصاد من صار يصير لغة في هذا الفعل.

وقرأ الجمهور ﴿ جُزْءاً ﴾ بسكون الزاي وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم الزاي، وهما لغتان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ اخْتَلَفُوا لِمَ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَأى جِيفَةً تُمَزِّقُها السِّباعُ فَقالَ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: لِمُنازَعَةِ النُّمْرُودِ لَهُ في الإحْياءِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وَلِأيِّ الأمْرَيْنِ كانَ، فَإنَّهُ أحَبَّ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمَ عِيانٍ بَعْدَ عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ.

وَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي لِيَزْدادَ يَقِينًا إلى يَقِينِهِ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والرَّبِيعُ، ولا يَجُوزُ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِالعِلْمِ بَعْدَ الشَّكِّ، لِأنَّ الشَّكَّ في ذَلِكَ كُفْرٌ لا يَجُوزُ عَلى نَبِيٍّ.

والثّانِي: أرادَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أنَّكَ أجَبْتَ مَسْألَتِي، واتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا كَما وعَدْتَنِي، وهَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يُرِدْ رُؤْيَةَ القَلْبِ، وإنَّما أرادَ رُؤْيَةَ العَيْنِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

وَنَفَرَ بَعْضُ مَن قالَ بِغَوامِضِ المَعانِي مِن هَذا الِالتِزامِ وقالَ: إنَّما أرادَ إبْراهِيمُ مِن رَبِّهِ أنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي القُلُوبَ بِالإيمانِ، وهَذا التَّأْوِيلُ فاسِدٌ بِما يَعْقُبُهُ مِنَ البَيانِ.

وَلَيْسَتِ الألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ألِفَ اسْتِفْهامٍ وإنَّما هي ألِفُ إيجابٍ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ ﴿ قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: هُنَّ: الدِّيكُ، والطّاوُسُ، والغُرابُ، والحَمامُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقانِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ﴾ قَرَأتِ الجَماعَةُ بِضَمِّ الصّادِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ بِكَسْرِها، واخْتُلِفَ في الضَّمِّ والكَسْرِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ مُتَّفِقٌ ولَفْظَهُما مُخْتَلِفٌ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ انْتُفْهُنَّ بِرِيشِهِنَّ ولُحُومِهِنَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: قَطِّعْهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ.

قالَ الضَّحّاكُ: هي بِالنَّبَطِيَّةِ صَرْتا، وهي التَّشَقُّقُ.

والثّالِثُ: اضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ، قالَهُ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أمِلْهُنَّ إلَيْكَ، والصَّوَرُ: المَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ في وصْفِ إبِلٍ: تَظَلُّ مُعَقَّلاتِ السُّوقِ خُرْسًا ∗∗∗ تُصَوِّرُ أُنُوفَها رِيحُ الجَنُوبِ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الضَّمِّ والكَسْرِ مُخْتَلِفٌ، وفي اخْتِلافِهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ مَعْناهُ بِالضَّمِّ: اجْمَعْهُنَّ، وبِالكَسْرِ: قَطِّعْهُنَّ.

والثّانِي: قالَهُ الكِسائِيُّ ومَعْناهُ بِالضَّمِّ أمِلْهُنَّ، وبِالكَسْرِ: أقْبِلْ بِهِنَّ.

﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ أرْبَعَةَ جِبالٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ سَبْعَةً، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: كُلُّ جَبَلٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ جِهاتِ الدُّنْيا الأرْبَعَ، وهي المَشْرِقُ والمَغْرِبُ والشَّمالُ والجَنُوبُ، فَمَثَّلَها بِالجِبالِ، قالَهُابْنُ بَحْرٍ.

واخْتَلَفُوا هَلْ قَطَّعَ إبْراهِيمُ الطَّيْرَ أعْضاءً صِرْنَ بِهِ أمْواتًا، أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَطَّعَهُنَّ أعْضاءً صِرْنَ بِهِ أمْواتًا، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَعُدْنَ أحْياءً لِيَرى كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى كَما سَألَ رَبَّهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ فَرَّقَهُنَّ أحْياءً، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَأجَبْنَهُ وعُدْنَ إلَيْهِ، يَسْتَدِلُّ بِعَوْدِهِنَّ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ، عَلى عَوْدِ الأمْواتِ بِدُعاءِ اللَّهِ أحْياءً، ولا يَصِحُّ مِن إبْراهِيمَ أنْ يَدْعُوَ أمْواتًا لَهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والجُزْءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو بَعْضُهُ سَواءٌ كانَ مُنْقَسِمًا عَلى صِحَّةٍ أوْ غَيْرِ مُنْقَسِمٍ، والسَّهْمُ هو المُنْقَسِمُ عَلَيْهِ جَمِيعِهِ عَلى صِحَّةٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ أُجِيبَ إبْراهِيمُ إلى آياتِ الآخِرَةِ دُونَ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ  ﴾ فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ ما سَألَهُ مُوسى لا يَصِحُّ مَعَ بَقاءِ التَّكْلِيفِ، وما سَألَهُ إبْراهِيمُ خاصٌّ يَصِحُّ.

والثّانِي: أنَّ الأحْوالَ تَخْتَلِفُ، فَيَكُونُ الأصْلَحُ في بَعْضِ الأوْقاتِ الإجابَةَ، وفي بَعْضِ وقْتٍ آخَرَ المَنعَ فِيما لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ إذْنٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ بِهَذا قَبْلَ أنْ يُولَدَ لَهُ، وقَبْلَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ الصُّحُفَ.

وَحُكِيَ: أنَّ إبْراهِيمَ ذَبَحَ الأرْبَعَةَ مِنَ الطَّيْرِ، ودَقَّ أجْسامَهُنَّ في الهاوُنِ لا رُوحَهُنَّ، وجَعَلَ المُخْتَلِطَ مِن لُحُومِهِنَّ عَشَرَةَ أجْزاءٍ عَلى عَشَرَةِ جِبالٍ، ثُمَّ جَعَلَ مَناقِيرَها بَيْنَ أصابِعِهِ، ثُمَّ دَعاهُنَّ فَأتَيْنَ سَعْيًا، تَطايَرَ اللَّحْمُ إلى اللَّحْمِ، والجِلْدُ إلى الجِلْدِ، والرِّيشُ إلى الرِّيشِ، فَذَهَبَ بَعْضُ مَن يَتَفَقَّهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى مَن وصّى بِجُزْءٍ مِن مالِهِ لِرَجُلٍ أنَّها وصِيَّةٌ بِالعُشْرِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ وضَعَ أجْزاءَ الطَّيْرِ عَلى عَشَرَةِ جِبالٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: إن إبراهيم مر برجل ميت زعموا أنه حبشي على ساحل البحر، فرأى دواب البحر تخرج فتأكل منه، وسباع الأرض تأتيه فتأكل منه، والطير تقع عليه فتأكل منه.

فقال إبراهيم عند ذلك: رب هذه دواب البحر تأكل من هذا، وسباع الأرض والطير، ثم تميت هذه فتبلى، ثم تحييها فأرني كيف تحيي الموتى؟

قال: أولم تؤمن يا إبراهيم أني أحيي الموتى؟

قال: بلى يا رب ولكن ليطمئن قلبي.

يقول: لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني.

فقال الله: خذ أربعة من الطير فصنع ما صنع، والطير الذي أخذه: وز ورال، وديك، وطاوس وأخذ نصفين مختلفين ثم أتى أربعة أجبل، فجعل على كل جبل نصفين مختلفين، وهو قوله: ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ ثم تنحى ورؤوسهما تحت قدميه، فدعا باسم الله الأعظم، فرجع كل نصف إلى نصفه وكل ريش إلى طائره، ثم أقبلت تطير بغير رؤوس إلى قدمه تريد رؤوسها بأعناقها، فرفع قدمه فوضع كل طائر منها عنقه في رأسه فعادت كما كانت ﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ يقول: مقتدر على ما يشاء ﴿ حكيم ﴾ يقول: محكم لما أراد.

الرال فرخ النعام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.

نحوه.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج عن ابن عباس قال: بلغني أن إبراهيم بينا هو يسير على الطريق إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد تمزق لحمها وبقي عظامها، فوقف فعجب ثم قال: رب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع والطير، رب أرني كيف تحيي الموتى قال: أو لم تؤمن؟

قال: بلى، ولكن ليس الخبر كالمعاينة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وذلك مما لقي من قومه من الأذى، فدعا به عند ذلك مما لقي منهم من الأذى فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إبراهيم ولبس في البيت، فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس إذا خرج أغلق الباب، فلما جاء وجد في بيته رجلاً ثار إليه ليأخذه، وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟

قال ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار.

قال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك الموت.

قال: من أنت؟

قال: أنا ملك الموت جئتك أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلاً.

فحمد الله وقال: يا ملك الموت أرني كيف تقبض أرواح الكفار؟

قال: يا إبراهيم لا تطيق ذلك.

قال: بلى.

قال: فاعرض، فاعرض إبراهيم ثم نظر فإذا هو برجل أسود ينال رأسه السماء يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل يخرج من فيه ومسامعه لهب النار، فغشي على إبراهيم ثم أفاق وقد تحوّل ملك الموت في الصورة الأولى.

فقال: يا ملك الموت لو لم يلق الكافر عند موته من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه، فأرني كيف تقبض أرواح المؤمنين؟

قال: فأعرض، فاعرض إبراهيم ثم التفت، فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبه ريحاً، في ثياب بياض.

قال: يا ملك الموت لو لم ير المؤمن عند موته من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه.

فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم يدعو ربه يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك.

قال: أو لم تؤمن؟

يقول: تصدق بأني خليلك.

قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بخلولتك.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ قال: بالخلة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ يقول: أعلم أنك تجيبني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن مجاهد وإبراهيم ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ قال: لأزداد إيماناً إلى إيماني.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى.

قال: أولم تؤمن؟

قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي ﴾ .

ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أيوب في قوله: ﴿ ولكن ليطمئن قلبي ﴾ قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس.

أنه قال لعبدالله بن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن ارجى عندك؟

فقال: قول الله: ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله...

﴾ [ الزمر: 53] الآية.

فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله لإِبراهيم ﴿ أولم تؤمن قال بلى ﴾ فرضي من إبراهيم بقوله بلى، فهذا لما يعترض في الصدور ويوسوس به الشيطان.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حنش عن ابن عباس ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ قال: الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة.

الغرنوق الكركي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأربعة من الطير: الديك، والطاوس، والغراب، والحمام.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس ﴿ فصرهن ﴾ قال: قطعهن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ فصرهن ﴾ قال: هي بالنبطية شققهن.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ فصرهن ﴾ قال: بالنبطية قطعهن.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فصرهن ﴾ قال: هذه الكلمة بالحبشية يقول: قطعهن واخلط دماءهن وريشهن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ فصرهن ﴾ قال: أوثقهن ذبحهن.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب قال: ما من اللغة شيء إلا منها في القرآن شيء، قيل: وما فيه من الرومية؟

قال: ﴿ فصرهن ﴾ يقول: قطعهن.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق أبي جمرة عن ابن عباس ﴿ فصرهن إليك ﴾ قال: قطع أجنحتهن ثم اجعلهن أرباعاً، ربعاً هاهنا وربعاً هاهنا في أرباع الأرض ﴿ ثم ادعهن يأتينك سعياً ﴾ قال: هذا مثل كذلك يحيي الله الموتى مثل هذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: أمر أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبل.

وأخرج ابن جرير عن عطاء ﴿ فصرهن إليك ﴾ اضممهن إليك.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق طاوس عن ابن عباس قال: وضعهن على سبعة أجبل، وأخذ الرؤوس بيده فجعل ينظر إلى القطرة تلقى القطرة، والريشة تلقى الريشة، حتى صرن أحياء ليس لهن رؤوس، فجئن إلى رؤوسهن فدخلن فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ثم ادعهن ﴾ قال: دعاهن باسم إله إبراهيم تعالين.

وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ يأتينك سعياً ﴾ قال: شداً على أرجلهن.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: أخذ ديكاً، وطاوساً، وغراباً، وحماماً، فقطع رؤوسهن وقوائمهن وأجنحتهن، ثم أتى الجبل فوضع عليه لحماً ودماً وريشاً، ثم فرقه على أربعة جبال، ثم نودي: أيتها العظام المتمزقة، واللحوم المتفرقة، والعروق المتقطعة، اجتمعن يرد الله فيكن أرواحكن.

فوثب العظم إلى العظم، وطارت الريشة إلى الريشة، وجرى الدم إلى الدم، حتى رجع إلى كل طائر دمه ولحمه وريشه، ثم أوحى الله إلى إبراهيم: إنك سألتني كيف أحيي الموتى، وإني خلقت الأرض وجعلت فيها أربعة أرواح: الشمال، والصبا، والجنوب، والدبور، حتى إذا كان يوم القيامة نفخ نافخ في الصور، فيجتمع من في الأرض من القتلى والموتى كما اجتمعت أربعة أطيار من أربعة جبال، ثم قرأ ﴿ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ﴾ [ لقمان: 28] .

وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن في قوله: ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ قال: إن كان إبراهيم لموقنا أن الله يحيي الموتى ولكن لا يكون الخبر كالعيان، إن الله أمره أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن وينتفهن، ثم قطعهن أعضاء أعضاء، ثم خلط بينهن جميعاً، ثم جزأهن أربعة أجزاء، ثم جعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم تنحى عنهن فجعل يعدو كل عضو إلى صاحبه حتى استوين كما كن قبل أن يذبحهن، ثم أتينه سعياً.

وأخرج البيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ فصرهن إليك ﴾ قال: يقول: انتف ريشهن ولحومهن ومزقهن تمزيقاً.

وأخرج البيهقي عن عطاء قال: يقول: شققهن ثم اخلطهن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ الآية.

العامل في (إذ) عند الزجاج اذكر، كأنه قيل: واذكر هذه القصة (١) (٢) واختلفوا في سبب سؤاله إحياء الميت، والأكثرون على أنه رأى جيفة بساحل البحر، يتناوله السباع والطير ودوابّ البحر، ففكر كيف يجتمع ما قد تفرّق من تلك (٣)  والجنة، ويحبون رؤية الله تعالى، مع الإيمان بذلك وزوال الشك، فكذلك أحب إبراهيم أن يصير الخبر له عيانًا (٤) (٥) (٦) (٧) وقال ابن عباس (٨) (٩) (١٠)  : ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾ .

قال الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى ﴾ .

والألف فيه ألف إيجاب، كقول جرير: ألَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا (١١) يعني: أنتم كذلك (١٢) ﴿ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ بأن أنال ما قد تَمَنَّيْتُه، وأحببت رؤيته، واشتهيت مشاهدته.

وقال الحسن (١٣) (١٤) ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ قال معناه: لكن لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني (١٥) (١٦) وروى الوالبي عنه: لكن لأعلم أنك تُجِيبُني إذا دعوتك، وتعطيني إذا سألتك (١٧) وعن سعيد بن جبير قال معناه: ولكن ليزداد قلبي إيمانًا (١٨) وقال الأزهري: أي: يسكن إلى المعاينة بعد الإيمان بالغيب.

ويقال: طامن ظهره: إذا حنى ظهره، بغير همزة، والهمزة التي في (اطمأن) ليست بأصلية أدخلت فيها حذار الجمع بين الساكنين (١٩) قال الله تعالى: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾ قال ابن عباس: أخذ طاوسًا ونَسْرًا وغرابًا وديكًا (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ قال أكثر أهل اللغة والتفسير (٢٥) (٢٦) (٢٧) يقال: صُرْتُهُ أَصُورُه، إذا أملته (٢٨) على أنني في كل سَيْرٍ أسِيرُه ...

وفي نظري من نَحْوِ أرضِكَ أَصْوَر (٢٩) فقالوا (٣٠) (٣١) وقول آخر: الله يَعْلَمُ أَنّا في تَلَفُّتِنا ...

يومَ الوَدَاعِ إلى أحْبَابِنا صُورُ (٣٢) جمع: أصْوَرَ، أي: مائلة.

وهذان البيتان من الصَّوْر، يعنى: الميل، وهو لازم، والصَّوْر: الإمالة، ساكنة العين، قال الطرماح [[هو الطرماح بن حكيم بن الحكم، تقدمت ترجمته 2/ 133 [البقرة: 9].]]: عفائف إلا ذاك أو أن يَصُورَهَا ...

هوًى والهَوَى للعَاشِقِينَ صَرُوعُ (٣٣) وقال آخر: يَصُور عنُوقَها أحْوَى زَنِيمٌ ...

له ظَابٌ كما صَحِبَ الغَرِيمُ (٣٤) وعلى هذا في الكلام محذوف، كأنه قيل: فصرهن إليك وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا، فحذف الجملة التي هي قَطِّعْهُن، لدلالة الكلام عليها، كقوله: ﴿ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ  ﴾ على معنى: فضرب فانفلق؛ لأن قوله: ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ﴾ يدل على التقطيع (٣٥) وقال أبو عبيدة (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) يقال: صار الشيء يَصُورُه صَوْرًا: إذا قطعه، قال رؤبة يصف خصمًا ألد: صُرْنَاه بالحُكم ويعي الحُكَّما (٤٣) ولو يلدغني الذي لاقيته حَضَنٌ ...

لَظَلَّت الشُّمُّ منه وهي تَنْصَارُ (٤٤) أي: تنصرع (٤٥) فمن فسر صُرْهُن بمعنى قَطِّعْهُن لا يحتاج إلى إضمار، كما ذكرنا في الإمالة، ويكون قوله: ﴿ إِلَيْكَ ﴾ من صلة الأخذ، كأنه قيل: خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن (٤٦) وقرأ حمزة (فصِرهن) بكسر الصاد (وقد فسر هذا الحرف على قراءة حمزة بالإمالة والتقطيع، كما ذكرنا في قراءة من ضم الصاد) (٤٧) (٤٨) فمن الإمالة: ما أنشده الكسائي هذا (٤٩) وفَرْعٍ يصيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كأنّه ...

على اللِّيتِ قِنوانُ الكُرومِ الدَّوَالِحِ (٥٠) معناه: يميل الجيد من كثرته.

قال الفراء: وهذه لغة هذيل (٥١) وسليم (٥٢) (٥٣) وقال الأخفش وغيره: صِرهن، بكسر الصاد: قطعهن، يقال: صاره يصيره: إذا قطعه (٥٤) قال الفراء: وأرى أن ذلك مقلوبٌ من صَرَى يَصْري إذا قطع (٥٥) وودَّعْنَ مُشْتَاقًا أصبْنَ فُؤَادَه ...

هَوَاهُنّ إن لم يَصره اللهُ قَاتِلُه (٥٦) فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثى وعاث (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) وأنشد أيضًا: يقولون: إنَّ الشَّأمَ يَقْتُلُ أهلَهُ ...

فمَنْ لِيَ إن لَم آتِهِ بِخُلُودِ تَعَرَّب آبائي فما إن صَرَاهُم ...

عن الموت إذ لم يَذْهَبُوا وجُدُودِي (٦١) فالإمالة والقطع يقال في كلِّ واحد من القراءتين (٦٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ﴾ قال المفسرون: إن الله تعالى أمره أن يذبح تلك الطيور، وينتف ريشها، ويقطعها، ويفرق أجزاءها، ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، بعضها ببعض، ففعل ذلك، ثم أمر بأن يجعلها على أربعة أجبُل، فجعل أجزاء تلك الطيور أربعة أقسام، وجعل على كل جبل رُبعًا منها (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقال مجاهد (٦٦) (٦٧) ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾ (٦٨) وهو نصبٌ على المصدر، أي: سَعَيْنَ سعيًا، ويجوز أن يكون في موضع الحال (٦٩) وفي سعيها إلى إبراهيم دليل صحة إقدامها، وعود عظامها إلى مفاصلها، ولو طارت إليه لم يكن في طيرانها هذه الدلالة (٧٠) ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يمتنع عليه ما يريد (٧١) ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يدبر ويفعل.

(١) "معاني القرآن" 1/ 345، وينظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 138، "التبيان" ص 157.

(٢) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 297، وقال: والذي يظهر أن العامل في (إذ) قوله: (قال أو لم تؤمن).

(٣) سقطت من (م).

(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 47، "تفسير الثعلبي" 2/ 1531، "المحرر الوجيز" 2/ 416.

(٥) قول الحسن، عزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 617 إلى عبد بن حميد، وعزاه السيوطي في الدر 1/ 594 إلى البيهقي في "الشعب"، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1531، والبغوي في "تفسيره" 1/ 322، وابن الجوزي في "تفسيره" 1/ 313.

(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 47، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 507، وينظر "زاد المسير" 1/ 313.

(٧) رواه عنه الطبري 3/ 47، وذكره الثعلبى 2/ 1530، والبغوي 1/ 322، وابن الجوزي في "تفسيره" 1/ 313.

(٨) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 49، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 509، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 2/ 487.

(٩) رواه عنه الطبري 3/ 48، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 1/ 508، وينظر "زاد المسير" 1/ 313.

(١٠) رواه سعيد بن منصور 3/ 973، والطبري فى "تفسيره" 3/ 49 بمعناه، "ابن أبي حاتم" 2/ 510.

(١١) البيت في "ديوانه" ص 85.

(١٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1540.

(١٣) ذكره عنه ابن أبي حاتم 2/ 510، وابن الجوزي 1/ 313.

(١٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 50، وينظر "المحرر الوجيز" 2/ 420.

(١٥) في (ش) و (م): (أحببتني).

(١٦) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 51، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 509.

(١٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 51، وذكره في "زاد المسير" 1/ 313.

(١٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 50 - 51، وذكره في "زاد المسير" 1/ 313.

(١٩) "تهذيب اللغة" 3/ 2220 - 2221 (مادة: طمن).

(٢٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1541، والبغوي في "تفسيره" 1/ 323، "زاد المسير" 1/ 314.

(٢١) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 51، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 510، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1541، والبغوي في "تفسيره" 1/ 323.

(٢٢) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 51، وذكره في "المحرر الوجيز" 2/ 420.

(٢٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 51، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1541.

(٢٤) ذكر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 338 بأنه لا طائل تحت تعيينها؛ إذ لو كان في ذلك مهم لنص عليه القرآن.

(٢٥) ينظر: "غريب القرآن" ص 86، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 345 - 346، وعزاه لأكثر أهل اللغة.

"تهذيب اللغة" 2/ 2002 - 2054 (مادة: طمن)، "تفسير الثعلبي" 2/ 1544، "المفردات" 292 - 293.

(٢٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 56، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 512، وذكره في "النكت والعيون" 1/ 335.

(٢٧) رواه عنه الطبري 5/ 56، وذكره في "النكت والعيون" 1/ 335.

(٢٨) سقطت من (ي).

(٢٩) البيت لذي الرمة، في "ديوانه" ص 220.

(٣٠) في (ي): (فقال).

(٣١) من "الحجة" 2/ 389 بمعناه.

(٣٢) البيت بلا نسبة في "تهذيب الألفاظ" لابن السكيت 2/ 552، "تفسير الطبري" 3/ 52، " لسان العرب" 4/ 2524 (مادة: صور)، و4/ 2254 (مادة: شرى)، "تاج العروس" 7/ 111 (مادة: صور)، "المخصص" 12/ 103.

"المعجم المفصل" 3/ 336.

(٣٣) البيت في "ديوانه" ص 180.

(٣٤) البيت لأوس بن حجر من ملحق "ديوانه" ص 140، "لسان العرب" 5/ 2741 (مادة: ظأب)، وهو ملفق من بيتين.

(٣٥) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 183، "غريب القرآن" ص 86، "تفسير الطبري" 3/ 52، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 286، "تفسير الثعلبي" 2/ 1552.

(٣٦) "مجاز القرآن" 1/ 81.

(٣٧) "الأضداد" لابن الأنباري ص 36.

(٣٨) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 183، "مجاز القرآن" 1/ 81، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 345 - 346، "تهذيب اللغة" 2/ 1959 (مادة: صار)، "المفردات" ص 292.

(٣٩) رواه عنه الطبري 3/ 55، "ابن أبي حاتم" 2/ 512.

(٤٠) انظر المصدرين السابقين.

(٤١) ذكره في "زاد المسير" 1/ 315.

(٤٢) انظر التخريج السابق.

(٤٣) في حاشية (أ) تصحيح للبيت هكذا: صرنا به الحُكم وأَعْيا الحكَمَا وقد ورد البيت في "الحجة" 2/ 319 معزوًّا لذي الرُّمَّة بلفظ (صُرْنا به الحكم وعيًا الحُكّمَا) وليس في "ديوان ذي الرمة"، ونسبه في "اللسان" 4/ 2524 (صور) == للعجاج وهو مذكور في "ملحقات ديوان العجاج" 2/ 335، "مجاز القرآن" 1/ 81 قال: صُرْنا به الحكم، أي: فصلنا به الحكم.

(٤٤) ورواية صدر البيت فلو يلاقي الذي لاقيته حضن ورد في "لسان العرب" 4/ 2524 مادة: (صور)، بلفظ: لظلت الشهب، ولم يرد في "ديوان الخنساء"، وهو في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 81 وفي الأضداد للأصمعي وابن السكيت ص 33 - 187، "البحر المحيط" 2/ 300 وقوله: الشم، أي: الجبال، تنصار: تقطع، وحِضنُ الجبل: ما يُطِيف به.

(٤٥) في (ش): (تتضرع).

(٤٦) "الحجة" 2/ 393، وينظر "تفسير الطبري" 3/ 52، "تفسير الثعلبي" 2/ 1552.

(٤٧) ساقط من (أ) و (م).

(٤٨) ينظر "الحجة" 2/ 392.

(٤٩) ليست في (ي) ولا (ش).

(٥٠) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 174، قال: وأنشدني عن بعض سليم، وذكره == في "الحجة" 2/ 392.

قوله: فرع: يريد بالفرع الشعر التام، والوحف: الأسود، والليت: صفحة العنق، ويريد بقنوان الكروم: عناقيد العنب، وأصل ذلك كباسة النخل، والدوالح: المثقلات بحملها.

ينظر "تهذيب الألفاظ".

(٥١) هذيل بن مدركة، بطن من مدركة بن إلياس، من العدنانية، كانت ديارهم بالسروات، وكان لهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد.

ينظر "معجم قبائل العرب" 3/ 1213.

(٥٢) سليم بن منصور، قبيلة عظيمة من قيس غيلان، من العدنانية، وكانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر.

ينظر "معجم قبائل العرب" 2/ 543.

(٥٣) "معاني القرآن" للفراء 1/ 174.

(٥٤) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 183 - 184، وعبارته: أي قطعهن، وتقول منها: صار يصور، وقال بعضهم: فصرهن، فجعلها من صار يصير.

(٥٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 174.

(٥٦) ورد البيت: فودعن، وهو في "ديوانه" ص 396.

(٥٧) ينظر "معاني القرآن" للفراء 1/ 174، وعثى: لغة أهل الحجاز، وعاث: لغة تميم، وهما بمعنى: أفسد.

(٥٨) في (م): (جوز)، وكما أثبت في (أ) "معاني القرآن" للفراء 1/ 174 "تفسير الثعلبي" 2/ 1549.

(٥٩) في (ش): (القوم).

(٦٠) البيت بلا نسبة في "لسان العرب" 7/ 4472 (مادة: نعر)، 5/ 2981 (مادة: عصا).

(٦١) البيت بلا نسبة في "معاني القرآن" للفراء 1/ 174، "تفسير الثعلبي" 2/ 1550، وفي "لسان العرب" 4/ 2177 مادة: شأم، وورد البيت الثاني في "معاني القرآن" هكذا: تَعَرَّب آبائي فَهَلَّا صَرَاهم ...

من الموت إن لم يذهبوا وجُدوُدي "الأمالي" للقالي 2/ 52، وقال في "التنبيه" ص 93: هذا ما اتبع فيه أبو علي القالي رحمه الله غلط من تقدمه، فأتى ببيت من أعجاز بيتين أسقط صدورهما، والشعر للمعلى العبدي، وقد أطال محقق "الحجة" الكلام حول البيتين 2/ 389 - 391.

ولون الدهاس: لون الرمل، كأنه تراب رمل أدهس، خُلْعة: خيار شائه، صفايا: غزار، ويقال للنخلة: صفية، أي: كثيرة الحمل.

(٦٢) ينظر: "الحجة" 2/ 391 - 393.

(٦٣) هذا هو المروي عن ابن عباس وقتادة والربيع وابن إسحاق.

ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 55 - 57، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 511، "تفسير الثعلبي" 2/ 1553، "الدر المنثور" 1/ 593.

(٦٤) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 58.

(٦٥) السابق.

(٦٦) السابق.

(٦٧) ينظر: الطبري في "تفسيره" 3/ 59.

(٦٨) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 55 - 57، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 511 - 512، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1554 - 1555.

(٦٩) ينظر في الإعراب: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 139، "التبيان" ص 158، "البحر== المحيط" 2/ 300 - 301، واستظهر الإعراب الثاني، وذكره عن الخليل: أن المعنى يأتينك وأنت تسعى سعيًا، فعلى هذا يكون مصدر الفعل محذوفًا وهو في موضع الحال من الكاف، وكان المعنى: يأتينك وأنت ساعٍ إليهن، أي: يكون منهن إتيان إليك ومنك سعي إليهن فتلتقي بهن.

(٧٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1555، "البحر المحيط" 2/ 300.

(٧١) سقطت من (أ) و (م).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ قَالَ إبراهيم ﴾ الآية، قال الجمهور: لم يشك إبراهيم في إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة، لأنه رأى دابة قد أكلتها السباع والحيات فسأل ذلك السؤال، ويدل على ذلك قوله: كيف، فإنها سؤال عن حال الإحياء وصورته لا عن وقوعه ﴿ وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ أي بالمعاينة ﴿ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير ﴾ قيل هي الديك، والطاوس، والحمام، والغراب، فقطعها وخلط أجزاءها ثم جعل من المجموع جزءاً على كل جبل، وأمسك رأسها بيده، ثم قال: تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء حتى التأمت، وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته تسعى حتى وضعت أجسادها في رؤوسها وطارت بإذن الله ﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾ أي ضمهن، وقيل: قطَّعهن على كل جبل، قيل: أربعة جبال، وقيل: الجبال التي وصل إليها حينئذٍ من غير حصر بعدد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربِّي الذي ﴾ مرسلة الياء: حمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ أنا أحيى ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع، وكذلك ما أشبهها من المفتوحة والمضمومة، وزاد أو نشيط بالمد في المكسورة في قوله  ﴿ إن أنا إلا نذير  ﴾ وأشباه ذلك ﴿ مائة ﴾ وبابه مثل "فئة" وقد مر.

﴿ لبث ﴾ وبابه بالأظهار: ابن كثير ونافع وخلف وسهل ويعقوب ﴿ لم يتسنه ﴾ في الوصل والوقف بالهاء: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، لأن الهاء للسكت وهاء السكت تزاد للوقف.

الباقون: بالهاء الساكنة في الحالين، والهاء إما أصلية مجزومة بلم، أو هاء سكت.

وأجروا الوصل مجرى الوقف.

﴿ إلى حمارك ﴾ كمثل الحمار بالإمالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون، وحمدويه والنجاري عن ورش، وابن ذكوان وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي بن شنبوذ عن أهل مكة.

﴿ ننشرها ﴾ بالراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالزاي.

﴿ قال أعلم ﴾ موصولاً والابتداء بكسر الهمزة على الأمر: حمزة وعلي.

الباقون: مقطوعاً والميم مضمومة على الإخبار ﴿ فصرهن ﴾ بكسر الصاد: يزيد وحمزة وخلف ورويس والمفضَّل، ﴿ جزءاً ﴾ بتشديد الزاي: يزيد ووجهه أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل/ مجرى الوقف.

وقرأ أبو بكر وحماد "جزءاً" مثقلاً مهموزاً.

الباقون: ساكنة الزاي مهموزة.

الوقوف: ﴿ الملك ﴾ م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك.

﴿ ويميت ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ عامل، إذ ﴿ وأميت ﴾ ط، ﴿ كفر ﴾ ط، ﴿ الظالمين ﴾ لا، للعطف بأو التعجب.

﴿ عروشها ﴾ ج لأن ما بعده من تتمة كلام قبله من غير عطف.

﴿ موتها ﴾ ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب والجزاء ﴿ بعثه ﴾ ط.

﴿ كم لبثت ﴾ ط.

﴿ يوم ﴾ ط.

﴿ لم يتسنه ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على ﴿ حمارك ﴾ بإضمار ما يعطف عليه قوله ﴿ ولنجعلك ﴾ أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف.

﴿ لحما ﴾ ط لتمام البيان ﴿ له ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ جواب لما.

﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ تؤمن ﴾ ط.

﴿ قلبي ﴾ ط.

﴿ سعياً ﴾ ط، لاعتراض جواب الأمر ﴿ حكيم ﴾ .

التفسير: إنه  ذكر ههنا قصصاً ثلاثاً؛ أولاها في إثبات العلم بالصانع والباقيتان في إثبات البعث والنشور.

فالقصة الأولى مناظرة إبراهيم ملك زمانه، عن مجاهد أنه نمرود بن كنعان وهو أول من تجبر وادّعى الربوبية والمحاجة المغالبة بالحجة.

والضمير في "ربه" لإبراهيم، ويحتمل أن يكون لـ "نمرود"، والهاء في "أن آتاه" قيل لإبراهيم لأنه أقرب في الذكر، ولأنه لا يجوز أن يؤتى الكافر الملك والتسليط، ولأنه يناسب قوله ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً  ﴾ .

وقال جمهور المفسرين: الضمير لذلك الشخص الذي حاج إبراهيم، ولا يبعد أن يعطي الله الكافر بسطةً وسعةً في الدنيا.

ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه الكبر والعتو أو جعل محاجته في ربه شكراً له كقولك "عاداني فلان لأني أحسنت إليه" تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه.

وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي تدعو إليه؟

فقال: ربي الذي يحيي ويميت.

وهذا دليل في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير بأجزاء الحيوان وأشكاله، بصير بأعضائه وأحواله، ولأمر ما ذكره الله  في مواضع من كتابه فقال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] ﴿ وهو الذي خلقكم من تراب  ﴾ ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين  ﴾ ويروى أن الكافر دعا حينئذٍ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضاً أحيي وأميت.

ثم للناس في هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن إبراهيم  لما رأى من/ نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من الأول فقال ﴿ إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ قالوا: وفي هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة.

وأورد عليه أن الشبهة إذا وقعت في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك الجهل واللبس.

ولما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة ذلك واجباً مضيقاً فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفاً؟

ولئن سلمنا أن الانتقال من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح.

لكن الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، فإن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريكالأجسام فللخلق قدرة عليه.

وأيضاً دلالة الإحياء والإماتة على الحاجة إلى المؤثر القادر لكونهما من المتبدلات أقوى من دلالة طلوع الشمس لكون حركة الأفلاك على نهج واحد.

وأيضاً إن نمرود لما لم يستحي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب.

وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك وقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن يطلع الشمس من مغربها، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام طلوع الشمس من المغرب، فما الذي حمل إبراهيم على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، والتزم الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال، وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب؟

ولما كانت هذه الأعتراضات واردة على الطريق الأول عدل بعض المحققين إلى طريق آخر وقالوا: إن إبراهيم  لما احتج بالإحياء والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء أم بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية؟

أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر.

فإن الجماع يفضي إلى الولد بتوسط الأسباب، وتناول السم يفضي إلى الموت، فأجاب إبراهيم  بناء على معتقدهم، وكانوا أصحاب تنجيم - بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن الحركات والاتصالات لا بد لها من فاعل ومدبر، وليس ذلك هو البشر فإنه لا قدرة لهم على الفلكيات، فهي إذن بتحريك رب الأرض والسموات.

قلت: وفيه أيضاً طريق آخر نذكره في التأويلات إن شاء الله  .

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ يقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم مثله.

وقد قرىء بهما وأفصح منهما القراءة المشهورة فبهت على البناء للمفعول لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال/ باهت ولا بهيت قاله الكسائي.

﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ فلهذا لم ينفعه الدليل وإن بلغ في الظهور إلى حيث صار المبطل مبهوتاً محجوجاً، فيعلم منه أن الكل بقضاء الله وقدره وبمشيئته وإرادته.

القصة الثانية قوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ ذهب الكسائي والفراء والفارسي وأكثر النحويين إلى أنه معطوف على المعنى، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر، ونظيره من القرآن ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 84، 85\] ثم قال ﴿ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 186، 187\] فهذا عطف على المعنى كأنه قيل: لمن السموات؟

فقيل: لله.

ومثله قول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وعن الأخفش: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر.

وعن المبرد: أنا نضمر الفعل في الثاني والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إلى إبراهيم أو ألم تر إلى مثل الذي مر.

واختلف في المار بالقرية فعن مجاهد وعليه أكثر المفسرين من المعتزلة أن المار كان رجلاً كافراً.

شاكاً في البعث لأن قوله ﴿ أنى يحيي ﴾ استبعاد وإنه لا يليق بالمؤمن، ولأنه  قال في حقه ﴿ فلما تبين له ﴾ وفيه دليل على أن ذلك التبين لم يكن حاصلاً قبل ذلك.

وكذا قوله ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ وذهب سائر المفسرين إلى أنه كان مسلماً ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس هو أرميا.

ثم من هؤلاء من قال: إن أرميا هو الخضر  وهو رجل من سبط هارون بن عمران وهذا قول محمد بن إسحق.

وقال وهب بن منبه: إن أرميا هو النبي الذي بعثه الله عند ما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة.

وقيل: هو عزير على ما يجيء.

حجة هؤلاء أن قوله ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ يدل على أنه كان عالماً بالله، وبأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، والاستبعاد إنما هو في القرية المخصوصة.

وأيضاً قد شرفه الله  بالتكلم في قوله ﴿ قال كم لبثت ﴾ وفي قوله ﴿ وانظر ﴾ ﴿ ولنجعلك ﴾ وفي نفس قصته من الإعادة وغيرها إكرام له أيضاً.

روي عن ابن عباس أن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير - ومنهم عزير وكان من علمائهم - فجاء بهم إلى بابل.

فدخل عزير تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة وربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، فعجب من ذلك وقال ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ أي من أين يتوقع عمارتها؟

لا على/ سبيل الشك في القدرة، بل بسبب اطراد العادة في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً.

وكانت الأشجار مثمرة فتناول منها التين والعنب وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عنه في موته أبصار الإنس والطير والسباع، ثم أحياه بعد المائة ونودي من السماء يا عزير ﴿ كم لبثت؟

قال: لبثت يوماً أو بعض يوم.

قال: بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ﴾ من التين والعنب ﴿ وشرابك ﴾ من العصير لم يتغير.

فنظر فإذا التين والعنب كما شاهد.

ثم قال ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فنظر فإذا عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله.

فسمع صوتاً: أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب، ثم العروق، ثم انبسط اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزير ساجداً فقال ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرحيا مات ببابل، وقد كان يختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً من قراء التوراة وكان فيهم عزير.

والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً.

وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورضت بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله.

وعن وهب وقتادة وعكرمة والربيع أن القرية إيليا وهو بيت المقدس.

وقال ابن زيد: هي القرية التي خرجت منها الألوف حذر الموت.

ومعنى قوله ﴿ خاوية على عروشها ﴾ ساقطة على سقوفها من خوى النجم إذا سقط.

والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب، كان حيطانها قائمة وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة، وهذا من أحسن ما يوصف به خراب المنازل.

ويحتمل أن يكون من خوى المنزل إذا خلا عن أهله، وخوى بطن الحامل.

"وعلى" بمعنى "عن" أي خاوية عن عروشها، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع بقاء عروشها وسلامتها.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون ﴿ على عروشها ﴾ خبراً بعد خبر كأنه قيل: هي خالية وهي على عروشها أي هي قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان بحالها فيه مشرفة على السقوف الساقطة، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة، وكان التعجب من ذلك أكثر لأن الغالب من القرية الخالية أن يبطل ما فيها من عروش الفواكه ﴿ فأماته الله مائة عام ﴾ لأن الإحياء بعد مدة طويلة أغرب فيكون أدخل في كونه آية ﴿ ثم بعثه ﴾ أي أحياه كما كان أوّلاً عاقلاً فهماً مستعداً للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية، ولو قال أحياه لم/ تحصل هذه الفوائد.

﴿ قال كم لبثت ﴾ أي كم مدة؟

فخذف المميز.

والحكمة في السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة ﴿ قال ﴾ بناء على الظن لا بطريق الكذب ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس.

فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً.

ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.

والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان سبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي حماره ﴿ لم يتسنه ﴾ لم يتغير.

وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مرّ السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه.

وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم "سانيت الرجل مساناة" إذا عامله سنة.

وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل سنيهة في التصغير، وقولهم "أجرت الدار مسانهة".

وقيل: أصله لم يتسنن إما من السن وهو التغير قال  ﴿ من حمإ مسنون  ﴾ أي متغير منتن.

وإما من السنة أيضاً بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلاً.

وعلى التقديرين أبدلت النون الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض.

ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت في الوقف.

وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله "لم يتسن" أي الشراب بقي بحاله لم ينصب.

فعلى هذا يكون قوله ﴿ لم يتسنه ﴾ عائداً إلى الشراب وحده، ويوافقه قراءةٍ ابن مسعود ﴿ فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن ﴾ وأما على سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحاً لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب جميعاً.

فإن قيل: إنه  لما قال ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله ﴿ فانظر ﴾ يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم.

فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فرآه عظاماً نخرة فعظم تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقياً، وما يمكن أن يبقى زماناً طويلاً وهو الحمار غير باقٍ فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام حماره رميماً.

وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن انقلاب عظام الحمار إلى حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ .

﴿ ولنجعلك آية ﴾ قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلاً على صحة البعث.

وقال غيره: كان آية ﴿ للناس ﴾ لأن الله  بعثه شاباً أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والمفارق.وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية.

وقيل: إن حماره لم يمت.

والمراد وانظر إلى حمارك سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الأيات أن يعيشه مائة/ عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة الواو في قوله ﴿ ولنجعلك آية للناس ﴾ فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطاً وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام.

بل المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء.

ومثله في القرآن كثير ﴿ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون  ﴾ ﴿ وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين  ﴾ ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشرها ﴾ بالراء المهملة أي كيف نحييها.

وقرىء ﴿ كيف ننشرها ﴾ من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم.

ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط.

وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة  ﴾ ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.

والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج.

"وكيف" في موضع الحال من العظام والعامل فيه "ننشرها" لا "انظر" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية.

وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن العظام عظام هذا الرجل نفسه.

قالوا: إنه  أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه، وزيف بأن قوله ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة.

وأيضاً قوله ﴿ ثم بعثه ﴾ يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها، وقيل: هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره ﴿ فلما تبين له ﴾ أن الله على كل شيء قدير ﴿ قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله "ضربني وضربت زيداً" أو التقدير: فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم.

وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالاً.

ومن قرأ ﴿ اعلم ﴾ على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك.

والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم ﴿ واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾ قال القاضي: القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وههنا العلم حاصل بدليل قوله ﴿ فلما تبين له ﴾ فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك.

أما الإخبار عن أنه حصل فجائز.

قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر/ على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادراً على نظائره من الغرائب والعجائب لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية.

نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمراً بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضاً ممنوع فإن الأمر حينئذٍ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك للمتحرك "تحرك" أي واظب على الحركة ولا تفتر.

وليت شعري كيف يطعن بعض العلماء في بعض القراءات السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم العليم تقدس وتعالى؟

القصة الثالثة قوله عم طوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ التقدير: واذكر وقت قول إبراهيم.

وقيل: معطوف على قوله ﴿ إلى الذي ﴾ أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم.

وههنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيراً في قصته بل قال ﴿ أو كالذي مرّ على قرية ﴾ وههنا سمى إبراهيم لأن عزيراً لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ وإبراهيم أثنى على الله أولاً بقوله ﴿ رب أرني ﴾ وأيضاً إن عزيراً استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول ﴿ أرني ﴾ فأرى ذلك في غيره.

ومعنى أرني بصرني.

وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً.

الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر.

فقيل: أو لم تؤمن؟

قال: بلى.

ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضرورياً.

الثاني: قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوساً وقتل آخر فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم.

وري أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدولي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع.

الثالث: عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله  أوحى إليه أني أتخذ بشراً خليلاً، فاستعظم ذلك إبراهيم  وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟

فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم  في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل.

فسأل الله إحياء الموتى فقال الله: أو لم تؤمن؟

قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل/ لك.

الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم.

الخامس: لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله  يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده.

السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح.

السابع: أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة.

الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة.

وأما أن إبراهيم  كان شاكاً في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم  وقوله ﴿ بلى ﴾ اعتراف بالإيمان، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ كلام عارف طالب لمزيد اليقين.

والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي جاء في الحديث من قوله  " "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فذلك أنه "لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك نبينا.

فقال رسول الله  تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه نحن أحق بالشك منه" والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟

والاستفهام في قوله ﴿ أولم تؤمن ﴾ للتقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا؟

*** وأيضاً المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه  كان مؤمناً بذلك عارفاً به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.

واللام في قوله ﴿ ليطمئن ﴾ تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال.

وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا: المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله  على الإحياء، أما إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ عن ابن عباس: هنّ طاوس ونسر وغراب وديك.

وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر ﴿ فصرهن إليك ﴾ بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك.

وقال الأخفش: يعني وجههنّ إليك.

وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك.

وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا اضمار.

روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط/ ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله.

فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها.

وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال: إن إبراهيم  لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله  مثالاً قرب به الأمر عليه.

والمراد بـ ﴿ صرهن إليك ﴾ الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، ويؤكده قوله ﴿ ثم ادعهن ﴾ أي الطيور لا الأجزاء ﴿ يأتينك سعياً ﴾ وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية.

وأيضاً إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة.

ولأن قوله ﴿ على كل جبل منهنَّ جزءاً ﴾ دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ظاهر قوله ﴿ على كل جبل ﴾ جميع جبال الدنيا.

فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه.

وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع: أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع.

وقال السدي وابن جريج: المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة.

أما قوله ﴿ ثم ادعهنّ يأتينك سعياً ﴾ فقيل: عدواً ومشياً على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل: طيراناً.

ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى.

وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشياً كانت أو طيراناً، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطاً على صحة الحياة لأنه  جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو.

قال القاضي: دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة.

﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ غالب على جميع الممكنات ﴿ حكيم ﴾ عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.

التأويل: إن الله  لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى أحداً قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله.

وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوماً جهولاً، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقاً لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل/ إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط.

فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول: أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي  أو من ينوب منابه - وهو الشيخ - قال: ليس في الوجود سوى الله.

وهذا هو حقيقة ﴿ فاعلم أَنهُ لا إله إلا الله واستغفر لذنبك  ﴾ يعني كن فانياً عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جداً وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة "لا إله إلا الله" دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجود كل ما سوى الله.

﴿ قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطق لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقاً في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته.

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير.

ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ وذلك أن قوماً أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو  لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيراً مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعاً ليعلم أن الله  مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار.

فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ولحمار الجسد مرتع من/ الرياض ومشرب من الحياض ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ و ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ .

شربنا وأهرقنا على الأرض قسطها *** وللأرض من كأس الكرام نصيب ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله  وذلك قوله ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ فيفوح منه رائحة قول موسى ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطىء الجاني، وعرك بتعريك ﴿ لن تراني ﴾ وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.

شربت الحب كأسا بعد كأس *** فما نفذ الشراب وما رويت فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ ويعربد أخرى بقوله ﴿ إن هي إلا فتنتك  ﴾ ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من اداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة "إن أول ما شاب شيبة إبراهيم" ويحترم غداً بالكسوة " "إن أول من يكسى إبراهيم " ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي بنفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال: أما إليك فلا.

لا جرم أكرمه الله بالإمامة ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال ﴿ هذا ربي  ﴾ وأول من سلك طريق الحق وقال ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأول من نطق بالمحبة وقال ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ وأول من أظهر الشوق وقال ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  ﴾ وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال ﴿ رب أرني ﴾ ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله.

ولست حديث العهد شوقاً ولوعة *** حديث هواكم في حشاي قديم ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير.

وسأله نمرود من ربك؟

فأجرى/ الحق على لسانه من فضله وإحسانه ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فقال نمرود: هل رأيت منه ما تقول؟

فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو ﴿ كيف تحيي الموتى ﴾ وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى.

فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده.

و ﴿ قال أولم تؤمن ﴾ فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة: أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقاً؟

أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة؟

أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء؟

مضمراً في كل منها الإثبات في لفظة النفي.

فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سراً بسر أي بلى آمنت.

وكان إيماناً حقيقياً ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول: أرني وجهك لأنظر إليك.

لأنه يعلم أن الدلال فرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟

فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إليّ كيف أخيطه؟

فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك.

فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال ﴿ خذ أربعة من الطير ﴾ الآية.

والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها.

فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم  ﴾ يعني من الخلق.

فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من/ ذلك الباب، فأمر الله  خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاوس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب.

فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً.

والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها علي يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ﴿ ثم اجعل على كل جبل ﴾ هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها: النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي.

فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية باخلاق الروحانيات.

هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله  بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته كما قال " لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " كما أن أمياً يقول لكاتب: أرني كيف تكتب.

فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً فيقول أنا الكاتب كقوله: عجبت منك ومني *** أفنيتني بك عني أدنيتني منك حتى *** ظننت أنك أني فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ ثم إن الله  إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج كما قال ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ والخليل طلب الرؤية لنفسه ﴿ رب أرني ﴾ والحبيب طلبها له ولأمته "أرنا الأشياء كما هي" وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال: أرنا.

ولرفعة مرتبته قال: الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود.

فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحاً وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضاً.

وفيه أيضاً طلب كمال الرؤية بجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال "كما هي" وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه.

ثم قيل للخليل ﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ أعز من أن يعرف كنه صفاته ﴿ حكيم ﴾ لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ .

فقد ذكرنا فيما تقدم أن قوله  : ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، إنما يفتتح به لأعجوبة، كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ  ﴾ .

وفيه إباحة التكلم في الكلام والمناظرة فيه والحجاج بقوله: ﴿ حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ ، ورد على من يمنع التكلم فيه وهو كذلك؛ لأنا أمرنا بدعاء الكفرة جميعاً إلى وحدانية الله  ، والإقرار له بذلك، والمعرفة له أنه كذلك، وكذلك الأنبياء بأجمعهم أمروا وندبوا إلى دعاء الكفرة إلى شهادة أن "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، فإن دعوناهم إلى ذلك لا بد من أن يطلبوا منا الدليل على ذلك، والبيان عليه، والوصف له كما هو له، والتقرير عندهم أنه كذا، فلا يكون ذلك إلا بعد المناظرة والحجاج فيه؛ لذلك قلنا: أن لا بأس بالتكلم والماظرة فيه.

وفيه دلالة على إباحة المحاجة في التوحيد.

وفيه الإذن بالنظر في النظر؛ لأنه حاجه لينظر.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ .

قال أهل الاعتزال في قوله  : ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ : هو إبراهيم،  ، لا ذلك الكافر؛ لقوله  : ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، أخبر أن عهده لا يناله الظالم، والملك عهد.

لكنه غلط عندنا لوجوه: أحدها: إن إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، ما عرف بالملك.

والثاني: أن الآية ذكرت في محاجة ذلك الكافر إبراهيم، ولو كان غير ملك، وكان إبراهيم،  ، هو الملك، لم يقدر المحاجة مع إبراهيم،  إذ لا محاجة إلا عن ملك؛ دل أنه هو الذي كان الملك.

والثالث: قال: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ، ثم قيل: إنه جاء برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر.

فلو لم يكن ملكا لم يتأت له ذلك بين يدي إبراهيم، إذا كان إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، هو الذي ﴿ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ ، فدل أن المراد به ذلك الكافر.

ثم (المُلْكُ) يكون في الخلق بأحد أمرين: إما الفضل والشرف والعز والسلطان والدين، وإما من جهة الأموال والطول عليها والقهر والغلبة.

فإن لم يكن له (المُلك) من جهة الأول لكان له ذلك بفضول الأموال؛ لذلك كان ما ذكرنا.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: أعطى (الملك) ليمتحن به، كما يعطي الغني والصحة ليمتحن بهما.

وقوله  : ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .

وكان هذا من إبراهيم -  - والله أعلم - عن سؤال سبق منه أن قال له ذلك الكافر: من ربك الذي تدعوني إليه؟

فقال: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ وإلا لا يحتمل ابتداء الكلام بهذا على غير سبق سؤال كان منه.

وهو ما ذكر في قصة فرعون حيث دعاه موسى إلى الإيمان بربه، ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ  قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  ﴾ ، فعلى ذلك الأول.

وقوله  : ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ .

أنه دعا برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر، على ما قيل في القصة.

﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ﴾ .

قال بعض الجدليين: هذا من إبراهيم،  ، صرف المحاجة إلى غير ما كان ابتداؤها، ومثله في الظاهر انقطاع وَحَيْد عن الجواب[؛ لأن من حاج آخر شيئاً، وناظره فيه لعلة ضمن وفاء تلك العلة وإتمامها إلى آخره، فإذا اشتغل بغيرها كان منه انقطاع عما ضمن وفاءها؛ فإبراهيم اشتغل بغيرها وترك الأول وهو في الظاهر انقطاع؛] لأن جوابه أن يقول: أنا أفعل كما فعلت، أو أن يقول له: إن هذا الحي كان حيّاً، ولكن أحي هذا الميت.

لكنه، صلوات الله عليه وسلامه، فعل هذا ليظهر عجزه على الناس؛ لأن ذلك كان منه تمويهاً وتلبيساً على قومه أخذ به قلوبهم، فأراد إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، أن يظهر عليه من الحجة ما هو أظهر وأعجز له، وآخذ للقلوب.

والثاني: أراد أن يريه أن هذا مما قدر عليه بغيره، إذ الذي لم يجعل له القدرة عليه لم يقدر عليه، ثم لما ثبت عجزه في أحدهما يظهر عجزه في الآخر.

والله أعلم.

وقيل: بأن هذا من إبراهيم انتقال من حجة إلى حجة، ليس بانقطاع.

وهو جائز.

وقوله: ﴿ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ﴾ ، قيل: انقطع وتحير.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

ذكر الظالم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير محله، حيث هذا اللعين المحاج في غير موضعه.

وقوله  : ﴿ أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ ﴾ .

قيل: هو نسق قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

وقيل: هو نسق على قوله: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ؛ لأنه ذلك أنكر البعث.

ثم اختلف في المار على القرية: قال بعضهم: كافر قال ذلك.

وقال آخرون: لا، ولكن قال ذلك مسلم.

وقال أكثر أهل التأويل: هو عزير.

فإن كان قائل ذلك كافراً فهو على إنكار البعث والإحياء [بعد إماتة].

وإن كان مسلماً فهو على معرفة كيفية الإحياء، ليس على الإنكار، وهو كقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ .

وليس لنا إلى معرفة قائله حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما ذكر في الآية.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ .

قيل: خالية من سكانها.

وقيل: (خاوية)، ساقطة سقوفها على حيطانها، وحيطانها على سقوفها.

وقوله  : ﴿ قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .

هو على ما ذكرنا.

وقوله  : ﴿ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ .

أراد - والله أعلم - أن يرى الآية في نفسه، والآية هي آية البعث، ويحتمل أن تكون آية في المتأخرين.

وقوله  : ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ .

سأل منه - جل وعلا - الاجتهاد بظاهر الحال الذي ظهر عنده، ليظهر أنه اجتهد بدليل أو بغيره على ما يدركه وسعة؛ فبان أن المجتهد يحل له الاجتهاد بما يدرك في ظاهر الحال.

وإن كان حكم ما فيه الاجتهاد بالغيب.

قال الشيخ - رحمه الله -: أراد الله  بقوله: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ ، التنبيه؛ كقوله لموسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ؛ [طه: 17]، ليريه الآية من الوجه الذي هو أقرب إلى الفهم ثم جهة الأعجوبة فيه بوجهين: مرة بإماته الحمار، إذ من طبعه الدوام، ومرة بإبقاء طعامه، ومن طبعه التغير والفساد عن سريع.

جعل في بقاء طعامه وحفظه من الفساد آية ومن طبعه الفساد، وفي إحياء حماره بعد إماتته وطبعه البقاء؛ ليعلم ما نازعته نفسه في كيفية الإحياء درك ذلك؛ وهو قوله: ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

ثم قيل في وجهةِ ما أراه بأوجه: قيل: إنه أحيا عينيه وقلبه، فأدرك بهما كيفية الإحياء في بقية نفسه.

وقيل: أحيا نفسه، فأراه ذلك في حماره.

وقيل: إنه أراه ذلك في ولده؛ لأنه أتى شابّاً، وولده وولد ولده شيوخ.

وذلك آية.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ...

﴾ الآية: فإن قال قائل: كيف سأله عن لبثه، وقد علم أنه لم يكن علم به؟

وأيد ذلك إخباره بقوله ﴿ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ .

قيل: القول ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ ، يحتمل وجهين؛ وكذلك القول بقوله: ﴿ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ : أحدهما: على قول ألقي إليه ونطق أسمع هو.

والثاني: أن يكون على ما حدثته نفسه بمدة لبثه في حال نومه، فتأمل في ذلك أحوال نومه، وأخبر عما عاين من أحوال الوقت الذي كان فيه مما كان ابتداؤه وقت نومه، فقال بالذي ذكرتم لمَّا تأمل شأن الحمار، واستخبر عن الأحوال، قالت له نفسه: ﴿ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ ، ثم أمعن نظره في حماره، وما رأى من تغير أحواله، وأبقاه الله  على ما ذكر.

وكل ذلك خبر عما حدثته نفسه، هي بعثه، على التفكر في أحواله، والنظر فيما عاين من أمر الحمار، أو كان علم أن ذلك موت فيه، لكنه استقل ذلك بما شهد نفسه بما عيانها على ما كانت عليها.

فلما تأمل شأن حماره [و] علم أنه رفع إلى آيات عجيبة، فزع إلى الله  ، فأنبأه الله  بالذي وصف في القرآن.

والله أعلم.

ولو كان على القول فإن في السؤال عما يعلم السائل جهل المسئول وجهين: أحدهما: الامتحان على ما به ظهور أحوال الممتحن من الاجتهاد في تعريف الحقائق بالاستدلال والخضوع له بالاعتراف بقصوره عن الإحاطة به، كفعل الملائكة عند قوله  : ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ  ﴾ ، بقولهم: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والأول كما فعل صاحب هذا أنه قال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ومثله أمر أصحاب الكهف.

والله أعلم.

والثاني: أن يراد بالسؤال التقرير عنده؛ ليكون متيقظاً لما يراد به من الاطلاع على الآية، كما قال لموسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ...

﴾ الآية [طه: 17].

وهذا فيما كان السؤال في الظاهر خارجاً في الحقيقة مخرج المحنة، نحو ما ذكرنا في أمر الملائكة، وأمر موسى،  ، فأما السؤال الذي هو في حق السؤال إنما هو في حق الاستخبار، ليعلم ما عليه حقيقة الحال بالسؤال.

لكن الذي ذكرت فيما كان سبيله أن يكون من له الامتحان.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ .

قيل: لم يأت عليه السنون، أي: كأنه لم يأت عليه السنون.

وقيل: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ ، لم يتغير ولم ينتن.

والأول أشبه؛ لأنه يقال من التغير والتنتن: لم يتسنن.

وقوله  : ﴿ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ﴾ .

وهو من الأحياء.

و ﴿ نُنْشِزُهَا ﴾ بالزاي - وهو من الارتفاع والنصب.

وفيه لغة أخرى: "ننشرها" بالراء، وهو من الأحياء.

و"ننشرها" من النشر.

وقوله  : ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

﴿ أَعْلَمُ ﴾ ، بالنصب [والخفض: فمن قرأه بالنصب]، صرف قوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، إلى المسلم.

ومن قرأ ﴿ أَعْلَمُ ﴾ بالخفض صرف إلى الكافر، يقول الله له: اعلم أن الله على كل شيء قدير.

ويحتمل أيضاً صرفه إلى المسلم: "واعلم"، على الإخبار، كأنه قال: اعلم ما كنت تعلمه غيباً مشاهدة.

وفي هذه الآية الآيات إثبات رسالة محمد  ؛ وذلك أن هذه القصص كانت ظاهرة بينهم، ولم يكن له اختلاف إليهم، ولا النظر في كتبهم، ثم أخبر على ما كان؛ ليعلم أنه إنما علم ذلك بالله عز وجل ثناؤه.

وقوله  : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: كان إبراهيم،  ، موقنا بأن الله يحيي الموتى، ولكن أحب أن يعاين ذلك؛ لأن الخبر لا يكون عند ابن آدم كالعيان، على ما قيل: "ليس الخبر كالمعاينة".

وقيل: يحتمل سؤاله عما يسأل لما نازعته نفسه وحدثته في كيفية الإحياء، وقد تنازع النفس وتحدث بما لا حاجة لها إليه من حيث نفسه؛ ليقع له فضل علم ومعرفة.

وقيل: ﴿ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ ، أي: ليسكن قلبي وأعلم أنك قد استجبت لي فيما دعوتك، وأعطيتني الذي سألتك.

وقيل: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ، أي: أو لم توقن بالخلة التي خاللتك؟

قال: بلى.

سأل ربه على الخلة.

وقيل: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ، قال: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، ﴿ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ ، بأنك أريتني الذي أردت.

ويحتمل: أن يكون إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أراد بسؤاله ذلك أن تكون له آية حسية؛ لأن آيات إبراهيم كلها كانت عقلية، وآيات سائر الأنبياء كانت عقلية وحسية، فأحب إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، أن تكون له آية حسية، على ما لهم، كسؤال زكريا ربه حيث قال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ، جعل له آية حسية؛ فعلى ذلك سؤال إبراهيم،  .

وقوله  : ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ .

معناه: وجههن إليك، كقول الرجل: "صر وجهك إليَّ"، أي: حول وجهك إليَّ.

وروي في حرف ابن مسعود - رضي الله  عنه -: "فصِرْهن إليك"، بالكسر، بمعنى قطعهن، قيل: هو التقطيع.

وقيل: (فصرهن إليك)، أضممهن.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها النبي- حين قال إبراهيم -  -: يا رب أرني ببصري كيف يكون إحياء الموتى؟!

قال الله: أوَلم تؤمن بهذا الأمر؟

قال إبراهيم: بلى قد آمنت، ولكن زيادة في طمأنينة قلبي، فأمره الله وقال له: خذ أربعة من الطير، فاضممهنَّ إليك وقطِّعْهنَّ، ثم اجعل على كل جبل من الجبال التي حولك جزءًا منهن، ثم نادِهن يأتينك سعيًا مسرعات قد عادت إليهن الحياة.

واعلم يا إبراهيم أن الله عزيز في ملكه، حكيم في أمره وشرعه وخلقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.NR8Eg"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ  ﴾ معطوف على ما قبله والتقدير أو رأيت إذ قال إبراهيم إلخ.

﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ في قوله تعالى لإبراهيم ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ  ﴾ وهو أعلم بإيمانه ويقينه إرشاد إلى ما ينبغي للإنسان أن يقف عنده ويكتفي به في هذا المقام فلا يتعداه إلى ما ليس من شأنه كأنه يقول إن الإيمان بهذا السر الإلهي والتسليم فيه لخبر الوحي ودلائله وأمثاله هو منتهى ما يطلب من البشر، فلو كان وراء الإيمان والتسليم مطلع لناظر لبينه الله لك، وفي هذا الإرشاد لخليل الرحمن تأديب للمؤمنين كافة ومنع لهم عن التفكر في كيفية التكوين وإشغال نفوسهم بما استأثر الله تعالى به فلا يليق بهم البحث عنه.

وقد فهم بعض الناس من هذا السؤال أن إبراهيم  كان قلقًا مضطربًا في اعتقاده بالبعث، وذلك شك فيه، وما أبلد أذهانهم وأبعد أفهامهم عن إصابة المرمى، وقد ورد في حديث الصحيحين: "نحن أولى بالشك من إبراهيم" أي إننا نقطع بعدم شكه كما نقطع بعدم شكنا أو أشد قطعًا.

نعم ليس في الكلام ما يشعر بالشك فإنه ما من أحد إلا وهو يؤمن بأمور كثيرة إيمانًا يقينيًا وهو لا يعرف كيفيتها ويود لو يعرفها، فهذا "التلغراف" الذي ينقل الخبر من المشرق إلى المغرب في دقيقة واحدة يوقن به كل الناس في كل بلد يوجد فيه، ويقل فيهم العارف بكيفية نقله للخبر بهذه السرعة، أفيقال فيمن طلب بيان هذه الكيفية إنه شاك بوجود التلغراف؟

طلب المزيد في العلم والرغبة في اسكناه الحقائق والتشوف إلى الوقوف على أسرار الخليقة مما فطر الله عليه الإنسان، وأكمل الناس علمًا وفهمًا أشدهم للعلم طلبًا وللوقوف على المجهولات تشوقًا، ولن يصل أحد من الخلق إلى الإحاطة بكل شيء علمًا وقتل كل موجود فقهًا وفهمًا، وقد كان طلب الخليل  رؤية كيفية إحياء الموتى بعينيه من هذا القبيل، فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع إليه نفسه القدسية، من معرفة خفايا أسرار الربوبية، لا طلب للطمأنينة في أصل عقد الإيمان، بالبعث الذي عرفه بالوحي والبرهان دون المشاهدة والعيان.

﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ  ﴾ قرأ حمزة فصرهن، بكسر الصاد، والباقون بضمها مع تخفيف الراء فيهما.

ومعناه: أملهن وضمهن إليك، وقيل: معنى قراءة الكسر فقطعهن، ولكنه إذا كان بهذا المعنى لا يتعدى بإلى كما تقدم، وقرئ بتشديد الراء، وتقدم معناه، ومع هذا قالوا: إنه قطعهن، وقد تكلموا في حكمة اختيار الطير على غيره من الحيوانات، فقال الرازي ما لا يصح أن يقال، وقال غيره.

الحكمة في ذلك أن الطير أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان ولسهولة تأتي ما يفعل به من التقطيع والتجزئة وهناك وجه آخر وهو أن الطير أكثر نفورًا من الإنسان في الغالب، فإتيانها بمجرد الدعوة أبلغ في المثل.

وسيأتي الوجه الوجيه في تفسير أبي مسلم للآية.

ثم تكلموا في أنواعها، ولا حاجة إليه، وتكلموا في كونها أربعة، فقالوا: إنه الموافق لعدد الطبائع أو لعدد الرياح وليس بشيء، وقال بعضهم: إنما كانت أربعة ليضع في كل جهة من الجهات الأربع بعضها.

والذي نميل إليه في ذلك هو التفويض.

﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا  ﴾ قرأ أبو بكر في روايته عن عاصم جزؤًا، بضم الزاي، حيث وقع، والباقون بسكونها، وهما لغتان.

قالوا: والمعنى جزئهن، واجعل على كل جبل منهن جزءًا، ورووا أنه ذبح الطيور ونتفها وقطعها أجزاء وخلط بعضها ببعض.

ولا يدل الكلام على ذلك.

﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا  ﴾ أي ادع الطيور يأتينك مسرعات طيرانًا ومشيًا ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ فهو بعزته غالب على أمره وبحكمته قد جعل أمر الإعادة موافقًا لحكمة التكوين.

ملخص الآية عند الجمهور أن إبراهيم  طلب من ربه أن يطلعه على كيفية إحياء الموتى فأمره تعالى بأن يأخذ أربعة من الطير فيقطعهن أجزاء يفرقها على عدة جبال هناك ثم يدعوها إليه فتجيئه، وقالوا: إنه فعل ذلك.

وخالفهم أبو مسلم، المفسر الشهير، فقال: ليس في الكلام ما يدل على أنه فعل ذلك، وما كل أمر يقصد به الامتثال، فإن من الخبر ما يأتي بصيغة الأمر، لا سيما إذا أريد زيادة البيان، كما إذا سألك سائل: كيف يصنع الحبر مثلًا؟

فتقول: خذ كذا وكذا، وافعل به كذا وكذا يكن حبرًا، تريد هذه كيفيته، ولا تعني تكليفه صنع الحبر بالفعل.

قال: وفي القرآن كثير من الأمر الذي يراد به الخبر، والكلام ههنا مثل لإحياء الموتى، ومعناه خذ أربعة من الطير فضمها إليك، وأنّسها بك حتى تأنس وتصير بحيث تجيب دعوتك، فإن الطيور من أشد الحيوان استعدادًا لذلك، ثم اجعل كل واحد منها على جبل، ثم ادعها فإنها تسرع إليك لا يمنعها تفرق أمكنتها وبعدها من ذلك، كذلك أمر ربك إذا أراد إحياء الموتى يدعوهم بكلمة التكوين "كونوا حياء" فيكونوا أحياء، كما كان شأنه في بدء الخلق إذ قال للسماوات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين.

هذا ما تجلى به تفسير أبي مسلم، وقد أورده الرازي مختصرًا قال: "والغرض منه ذكر مثال محسوس في عودة الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، وأنكر -(يعني أبا مسلم)- القول بأن المراد منه فقطعهن، واحتج عليه بوجوه: الأول: أن المشهور في اللغة قوله ﴿ فَصُرْهُنَّ  ﴾ أملهن، وأما التقطيع والذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقًا لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها، وأنه لا يجوز.

والثاني: أنه لو كان المراد"بصرهن"قطعهن، لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلى، وإنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير؟

والتقدير فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن؟؟

قلنا.

التزام التقديم والتأخير من غير دليل ملجئ إلى التزامه خلاف الظاهر.

والثالث: إن الضمير في قوله: ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ  ﴾ عائد إليها لا إلى أجزائها، وإذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة وكان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائدًا إلى تلك الأجزاء لا إليها، وهو خلاف الظاهر.

وأيضًا الضمير في قوله ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا  ﴾ عائد إليها لا إلى أجزائها، وعلى قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في يأتينك عائدًا إلى أجزائها لا إليها.

"واحتج القائلون بالقول المشهور بوجوه.

الأول: إن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور وتقطيع أجزائها، فيكون إنكار ذلك إنكارًا للإجماع.

الثاني: إن ما ذكره غير مختص بإبراهيم  ، فلا يكون له فيه مزية على الغير.

الثالث: إن إبراهيم أراد أن يريه الله كيف يحيي الموتى، وظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك.

وعلى قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة.

الرابع: إن قوله ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا  ﴾ يدل على أن تلك الطيور جعلت جزءًا جزءًا.

قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: إنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة.

والجواب: إن ما ذكرته وإن كان محتملًا إلا أن حمل الجزء على ما ذكرنا أظهر والتقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءًا أو بعضًا" اهـ.

آية فهم الرازي وغيره فيها خلاف ما فهمه جميع المفسرين من قبله، ولم يقل أحد إن فهم فئة من الناس حجة على فهم الآخرين.

على أن ما فهمه أبو مسلم هو المتبادر من عبارة الآية الكريمة، وما قالوه مأخوذ من روايات حكوها في الآية، ولآيات الله الحكم الأعلى، وعلى ما في تلك الرواية هي لا تدل.

وأما قوله إن ما ذكره أبو مسلم غير مختص بإبراهيم فلا يكون فيه مزية.

فهو مردود بأن هذا المثال لكيفية إحياء الله للموتى أو لكيفية التكوين فيه توضيح لها وتحديد لما يصل إليه علم البشر من أسرار الخليقة، ولا دليل على أن العلم بذلك كان عامًا في الناس فيقال إنه لا خصوصية فيه لإبراهيم، على أنه يرد مثل هذا الإيراد على حجة إبراهيم على الذي آتاه الله الملك وحجته على عبدة الكواكب في سورة الأنعام، فإن مثل هذه الحجج التي أيد الله تعالى بها إبراهيم مما يحتج به الرازي وغيره فهل ينفي ذلك أن تكون هداية من الله لإبراهيم وإخراجًا من ظلمات الشبه التي كانت محيطة بأهل زمنه إلى نور الحق، وقد قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ  ﴾ .

وأما قوله: إن إجابة إبراهيم لما سأل لا تحصل بقول أبي مسلم، وإنما تحصل بقول الجمهور، فالأمر بعكسه، وذلك أن إتيان الطيور بعد تقطيعها وتفريق أجزائها في الجبال لا يقتضي رؤية كيفية الإحياء، إذ ليس فيها إلا رؤية الطيور كما كانت قبل التقطيع، لأن الإحياء حصل في الجبال البعيدة.

وافرض أنك رأيت رجلًا قتل وقطع إربًا إربًا، ثم رأيته حيًا، أفتقول حينئذٍ: إنك عرفت كيفية إحيائه؟

هذا ما يدل عليه قولهم وأما قول أبي مسلم فهو الذي يدل على غاية ما يمكن أن يعرف البشر من سر التكوين والإحياء، وهو توضيح معنى قوله تعالى للشيء كن فيكون.

ولولا أن الله تعالى بيّن لنا ذلك بما حكاه عن خليله لجاز أن يطمع في الوقوف على سر التكوين الطامعون.

ولو فهم الرازي هذا لما قال: إنه لا خصوصية لإبراهيم على التفسير.

وهذا النوع من الجواب قريب من جواب موسى إذ طلب رؤية الله تعالى، ومن جواب السائلين عن الأهِلَّة، وليس مثلهما من كل وجه، فإنه بيّن وأوضح ما يمكن علمه في المسألة نفسها ونهى عما زاد على ذلك.

وجملة القول أن تفسير أبي مسلم للآية هو المتبادر الذي يدل عليه النظم، وهو الذي يجلي الحقيقة في المسألة، فإن كيفية الإحياء هي عين كيفية التكوين في الابتداء، وإنما تكون بتعلق إرادة الله تعالى بالشيء المعبر عنه بكلمة التكوين ﴿ كُنْ  ﴾ ، فلا يمكن أن يصل البشر إلى كيفية له إلا إذا أمكن الوقوف على كنه إرادة الله تعالى وكيفية تعلقها بالأشياء، وظاهر القرآن وما عليه المسلمون أن هذا غير ممكن، فصفات الله منزهة عن الكيفية، والعجز عن الإدراك فيها هو الإدراك، وهو ما أفاده قول أبي مسلم رحمه الله تعالى.

ومما يؤيده في النظم المحكم قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ  ﴾ ، فإنه يدل على التراخي الذي يقتضيه إمالة الطيور وتأنيسها، على أن لفظ ﴿ صُرْهُنَّ  ﴾ يدل على التأنيس، ولولا أن هذا هو المراد لقال: فخذ أربعة من الطير فقطعهن واجعل على كل جبل منهم جزءًا ولم يذكر لفظ الإمالة إليه ويعطف جعلها على الجبال بثم.

ويدل عليه أيضًا ختم الآية باسم العزيز الحكيم دون اسم القدير، والعزيز هو الغالب الذي لا ينال.

وما صرف جمهور المتقدمين عن هذا المعنى، على وضوحه، إلا الرواية بأنه جاء بأربعة طيور من جنس كذا وكذا، وقطعها ومزقها على جبال الدنيا، ثم دعاها، فطار كل جزء إلى مناسبه حتى كانت طيورًا تسرع إليه.

فأرادوا تطبيق الكلام على هذا ولو بالتكلف.

وأما المتأخرون فهمهم أن يكون في الكلام خصائص للأنبياء من الخوارق الكونية وإن كان المقام مقام العلم والبيان والإخراج من الظلمات إلى النور، وهو أكبر الآيات.

ولكن أهل زمن غرام في شيء من الأشياء يتحكم في عقولهم وأفهامهم، والواجب على من يريد فهم كتاب الله تعالى أن يتجرد من التأثر بكل ما هو خارج عنه، فإنه الحاكم على كل شيء ولا يحكم عيه شيء.

ولله در أبي مسلم ما أدق فهمه وأشد استقلاله فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله