الآية ٢٥٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٨ من سورة البقرة

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـۧمَ فِى رَبِّهِۦٓ أَنْ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحْىِۦ وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٢٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 220 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا الذي حاج إبراهيم في ربه وهو ملك بابل : نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح .

ويقال : نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح والأول قول مجاهد وغيره .

قال مجاهد : وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة : مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان : سليمان بن داود وذو القرنين .

والكافران : نمرود [ بن كنعان ] وبختنصر .

فالله أعلم .

ومعنى قوله : ( ألم تر ) أي : بقلبك يا محمد ( إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) أي : [ في ] وجود ربه .

وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه : ( ما علمت لكم من إله غيري ) [ القصص : 38 ] وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره ، وطول مدته في الملك ; وذلك أنه يقال : إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه ; ولهذا قال : ( أن آتاه الله الملك ) وكأنه طلب من إبراهيم دليلا على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم : ( ربي الذي يحيي ويميت ) أي : الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها ، وعدمها بعد وجودها .

وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة ; لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له .

فعند ذلك قال المحاج وهو النمروذ : ( أنا أحيي وأميت ) قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد : وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل ، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل .

فذلك معنى الإحياء والإماتة .

والظاهر والله أعلم أنه ما أراد هذا ; لأنه ليس جوابا لما قال إبراهيم ولا في معناه ; لأنه غير مانع لوجود الصانع .

وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت ، كما اقتدى به فرعون في قوله : ( ما علمت لكم من إله غيري ) ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة : ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ) أي : إذا كنت كما تدعي من أنك [ أنت الذي ] تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته ، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق ، فإن كنت إلها كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب .

فلما علم عجزه وانقطاعه ، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي : أخرس فلا يتكلم ، وقامت عليه الحجة .

قال الله تعالى ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) أي : لا يلهمهم حجة ولا برهانا بل حجتهم داحضة عند ربهم ، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد .

وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين : أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه ، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية .

وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويبين بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني ، ولله الحمد والمنة .

وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة .

وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم : أن النمروذ كان عنده طعام وكان الناس يغدون إليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج وليس معه شيء من الطعام ، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال : أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم ، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام .

فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما .

فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال : أنى لكم هذا ؟

قالت : من الذي جئت به .

فعرف أنه رزق رزقهموه الله عز وجل .

قال زيد بن أسلم : وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى وقال : اجمع جموعك وأجمع جموعي .

فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس ، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظاما بادية ، ودخلت واحدة منها في منخري الملك فمكثت في منخريه أربعمائة سنة ، عذبه الله بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله بها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه " ألم تر، يا محمد، بقلبك (17) .

=" الذي حاج إبراهيم "، يعني الذي خاصم (18) &; 5-430 &; " إبراهيم "، يعني: إبراهيم نبي الله صلى الله عليه وسلم =" في ربه أن آتاه الله الملك "، يعني بذلك: حاجه فخاصمه في ربه، لأن الله آتاه الملك.

* * * وهذا تعجيب من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، من الذي حاج إبراهيم في ربه.

ولذلك أدخلت " إلى " في قوله: " ألم تر إلى الذي حاج "، وكذلك تفعل العرب إذا أرادت التعجيب من رجل في بعض ما أنكرت من فعله، قالوا: " ما ترى إلى هذا "؟!

والمعنى: هل رأيت مثل هذا، أو كهذا؟!

(19) .

* * * وقيل: إن " الذي حاج إبراهيم في ربه " جبار كان ببابل يقال له: نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح = وقيل: إنه نمرود بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح.

* ذكر من قال ذلك: 5861 - حدثني محمد بن عمرو، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك "، قال: هو نمرود بن كنعان.

5862 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

5863 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

5864 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن النضر بن عربي، عن مجاهد، مثله.

(20) .

&; 5-431 &; 5865 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه "، قال: كنا نحدث أنه ملك يقال له نمروذ، (21) وهو أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل.

5866 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: هو اسمه نمروذ، وهو أول ملك تجبر في الأرض، حاج إبراهيم في ربه.

5867 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك "، قال: ذكر لنا أن الذي حاج إبراهيم في ربه كان ملكا يقال له نمروذ، وهو أول جبار تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل.

5868 - حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: هو نمروذ بن كنعان.

5869 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هو نمروذ.

5870 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، مثله.

5871 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، بمثله.

5872 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: هو نمرود= قال ابن جريج: هو نمرود، ويقال إنه أول ملك في الأرض.

* * * القول في تأويل قوله : إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ألم تر، يا محمد، إلى الذي حاج إبراهيم في ربه حين قال له إبراهيم: " ربي الذي يحيي ويميت "، يعني بذلك: ربي الذي بيده الحياة والموت، يحيي من يشاء ويميت من أراد بعد الإحياء.

قال: أنا أفعل ذلك، فأحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله فلا أقتله، فيكون ذلك مني إحياء له= وذلك عند العرب يسمى " إحياء "، كما قال تعالى ذكره: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [سورة المائدة: 32]= وأقتل آخر، فيكون ذلك مني إماتة له.

قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: فإن الله الذي هو ربي يأتي بالشمس من مشرقها، فأت بها- إن كنت صادقا أنك إله- من مغربها!

قال الله تعالى ذكره: " فبهت الذي كفر "، يعني انقطع وبطلت حجته.

* * * يقال منه: " بهت يبهت بهتا ".

وقد حكي عن بعض العرب أنها تقول بهذا المعنى: " بهت ".

ويقال: " بهت الرجل "= إذا افتريت عليه كذبا=" بهتا وبهتانا وبهاتة ".

(22) .

* * * وقد روي عن بعض القرأة أنه قرأ: " فبهت الذي كفر "، بمعنى: فبهت إبراهيم الذي كفر.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5873 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت "، وذكر لنا أنه دعا برجلين ففتل أحدهما واستحي الآخر، فقال: أنا أحيي هذا‍!

أنا أستحيي من شئت، وأقتل من شئت!

قال إبراهيم عند ذلك: " فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ"،" فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

5874 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: " أنا أحيي وأميت "، أقتل من شئت، وأستحيي من شئت، أدعه حيا فلا أقتله.

وقال: ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران: بختنصر ونمرود بن كنعان، لم يملكها غيرهم.

5875 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمروذ، (23) .

فكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار، فإذا مر به ناس قال: من ربكم؟

قالوا: أنت!

حتى مر إبراهيم، قال: من ربك؟

قال: الذي يحيي ويميت؟

قال: أنا أحيي وأميت!

قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب!

فبهت الذي كفر.

قال: فرده بغير طعام.

قال: فرجع إبراهيم على أهله، (24) .

فمر على كثيب أعفر، (25) فقال: ألا آخذ من هذا، فآتي به &; 5-434 &; أهلي، (26) فتطيب أنفسهم حين أدل عليهم!

فأخذ منه فأتى أهله.

قال: فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه، ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رآه أحد (27) ، فصنعت له منه، فقربته إليه، وكان عَهِد أهلَه ليس عندهم طعام، (28) فقال: من أين هذا؟

قالت: من الطعام الذي جئت به!

فعلم أن الله رزقه، فحمد الله.

ثم بعث الله إلى الجبار ملكا أن آمن بي وأتركك على ملكك!

قال: وهل رب غيري؟!

فجاءه الثانية، فقال له ذلك، فأبى عليه.

ثم أتاه الثالثة فأبى عليه، فقال له الملك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام!

فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملك، ففتح عليه بابا من البعوض، فطلعت الشمس، فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم، وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء.

فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمئة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه وضرب بهما رأسه.

وكان جبارا أربعمئة عام، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، وأماته الله.

(29) وهو الذي بنى صرحا إلى السماء فأتى الله بنيانه من القواعد، وهو الذي قال الله: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ (30) [النحل: 26].

5876 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ، قال: هو نمروذ كان بالموصل والناس يأتونه، فإذا دخلوا عليه، قال: من ربكم؟

فيقولون: أنت!

&; 5-435 &; فيقول: أميروهم.

(31) فلما دخل إبراهيم، ومعه بعير خرج يمتار به لولده، قال: فعرضهم كلهم، فيقول: من ربكم؟

فيقولون: أنت!

فيقول: أميروهم!

(32) حتى عرض إبراهيم مرتين، فقال: من ربك!؟

قال: ربي الذي يحيي ويميت!

قال: أنا أحيي وأميت، إن شئت قتلتك فأمتك، وإن شئت استحييتك.

قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب!!" فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

قال: أخرجوا هذا عني فلا تميروه شيئا!

فخرج القوم كلهم قد امتاروا، وجوالقا إبراهيم يصطفقان، (33) حتى إذا نظر إلى سواد جبال أهله، قال: ليحزني صبيتي إسماعيل وإسحاق!

(34) لو أني ملأت هذين الجوالقين من هذه البطحاء، فذهبت بهما، قرت عينا صبيي، حتى إذا كان الليل أهرقته!

قال: فملأهما، ثم خيطهما، ثم جاء بهما.

فترامى عليهما الصبيان فرحا، وألقى رأسه في حجر سارة ساعة، ثم قالت: ما يجلسني!

قد جاء إبراهيم تعبا لغبا، (35) لو قمت فصنعت له طعاما إلى أن يقوم!

قال: فأخذت وسادة فأدخلتها مكانها، وانسلت قليلا قليلا لئلا توقظه.

قال: فجاءت إلى إحدى الغرارتين ففتقتها، فإذا حواري من النقي لم يروا مثله عند أحد قط، (36) فأخذت منه فعجنته وخبزته، (37) فلما أتت توقظ إبراهيم جاءته حتى وضعته بين يديه، فقال: أي شيء هذا &; 5-436 &; يا سارة؟

قالت: من جوالقك، لقد جئت وما عندنا قليل ولا كثير‍ قال: فذهب ينظر إلى الجوالق الآخر فإذا هو مثله، فعرف من أين ذاك.

5877 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: لما قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت‍ قال هو -يعني نمروذ: فأنا أحيي وأميت‍ فدعا برجلين، فاستحي أحدهما، وقتل الآخر، قال: أنا أحيي وأميت ،‍= قال: أي أستحيي من شئت= فقال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب‍" فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

5878 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: لما خرج إبراهيم من النار، أدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه، وقال له: من ربك؟

قال: ربي الذي يحيي ويميت‍ قال نمروذ: أنا أحيي وأميت‍‍!

أنا أدخل أربعة نفر بيتا، فلا يطعمون ولا يسقون، حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا، وتركت اثنين فماتا.

فعرف إبراهيم أن له قدرة بسلطانه وملكه على أن يفعل ذلك، قال له إبراهيم: فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب!

فبهت الذي كفر، وقال: إن هذا إنسان مجنون!

فأخرجوه، ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها، وأن النار لم تأكله!

وخشي أن يفتضح في قومه = أعني نمروذ = وهو قول الله تعالى ذكره: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [سورة الأنعام: 83]، فكان يزعم أنه رب= وأمر بإبراهيم فأخرج.

5879 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: قال: أنا أحيي وأميت، أحيي فلا أقتل، وأميت من قتلت= قال ابن جريج، كان أتى &; 5-437 &; برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر، فقال: أنا أحيي وأميت، قال: أقتل فأميت من قتلت، وأحيي= قال: استحيي= فلا أقتل.

5880 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: ذكر لنا والله أعلم: أن نمروذ قال لإبراهيم فيما يقول: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته، (38) وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره، ما هو؟

قال له إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت.

قال نمرود: فأنا أحيي وأميت!

فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟

قال: آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي، فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأتركه وأكون قد أحييته!

فقال له إبراهيم عند ذلك: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، أعرف أنه كما تقول!

فبهت عند ذلك نمروذ، ولم يرجع إليه شيئا، وعرف أنه لا يطيق ذلك.

يقول تعالى ذكره: " فبهت الذي كفر "، يعني وقعت عليه الحجة= يعني نمروذ.

* * * قال أبو جعفر: وقوله: " وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"، يقول: والله لا يهدي أهل الكفر إلى حجة يدحضون بها حجة أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة، لأن أهل الباطل حججهم داحضة.

* * * وقد بينا أن معنى " الظلم " وضع الشيء في غير موضعه، (39) والكافر وضع جحوده ما جحد في غير موضعه، فهو بذلك من فعله ظالم لنفسه.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.

5881 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق: " وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"، أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة، لما هم عليه من الضلالة.

----------------- الهوامش : (17) انظر تفسير"الرؤية"فيما سلف 3 : 75 -79 /3 : 160 / وهذا الجزء : 266 ، 291 .

(18) انظر معنى"حاج" فيما سلف 3 : 121 -200 .

(19) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 170 .

(20) الأثر : 5864 -"النضر بن عربي الباهلي" مضت ترجمته في : 1307 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة : "بن عدي" ، وهو خطأ .

(21) في المطبوعة والمخطوطة : "كنا نتحدث" ، وما أثبت هو الصواب .

(22) "بهاتة" ، مصدر لم أجده في كتب اللغة ، وهو صحيح في القياس .

(23) في التاريخ : "نمرود" بالدال المهملة ، وفي المخطوطة كذلك ، إلا أنها لا تعجم المعجم .

وكلاهما جائز ، بالدال المهملة والذال المعجمة .

(24) في المخطوطة والمطبوعة : "على أهله" ، والجيد ما في تاريخ الطبري ، وهو ما أثبت .

(25) في المطبوعة : "على كثيب من رمل أعفر" بهذه الزيادة ، وليست في المخطوطة ولا في التاريخ والأعفر : الرمل الأحمر ، أو تخالطه الحمرة .

(26) في التاريخ : "هلاّ" (بفتح الهاء وتشديد اللام) وهما سواء ، "ألاّ" أيضًا مشددة اللام .

(27) في المطبوعة : "فإذا هى بأجود طعام رأته" ، والذي أثبت نص المخطوطة والتاريخ ، فليت شعرى لم غيره المغيرون في الطبع !

!

.

(28) الأثر : 5875 -في المطبوعة : "وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام" ، وأثبت ما في المخطوطة .

والتاريخ ، وعجب لهؤلاء المبدلين ، استدلوا الركيك الموضوع ، بالجزء المرفوع!

!

والأثر في التاريخ الطبري 1 : 148 .

(29) في المطبوعة : "ثم أماته الله" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .

(30) في المخطوطة : "فأتي الله بنيانه من القواعد" ، ثم أراد أن يصححها ، فكررها كما هى ، ولم يضرب على الأولى .

(31) في المطبوعة : "ميروهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما صواب .

ماره يميره ، وأماره : إذا أتاهم بالميرة (وهى الطعام المجلوب) ، ومار القوم وأمارهم أيضًا : إذا أعطاهم الميرة .

(32) في المطبوعة : "ميروهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما صواب .

ماره يميره ، وأماره : إذا أتاهم بالميرة (وهى الطعام المجلوب) ، ومار القوم وأمارهم أيضًا : إذا أعطاهم الميرة .

(33) الجُوالق (يضم الجيم ، وكسر اللام أو فتحها) ، وجمعه جوالق وجوالقات ، وهو وعاء من الأوعية ، نسميه ونحرفه اليوم"شوال" .

واصطفق الشيء : اضطرب ، يعنى من فراغهما .

(34) في المطبوعة : "ليحزنني" ، والصواب ما في المخطوطة .

(35) لغب : قد أعيى أشد الإعياء .

من اللغوب .

وأكثر ما يقولون : لاغب ، أما"لغب" ، فهو قليل في كلامهم ، وهو هنا اتباع .

(36) الحواري (بضم الخاء وتشديد الواو ، والراء مفتوحة) : وهو لباب الدقيق الأبيض وأخلصه وأجوده .

والنقى : وهو البر إذا جرى فيه الدقيق .

(37) في المطبوعة : "فطحنته وعجنته" ، وفي المخطوطة"فعجنته وعجنته" .

واستظهرت أن تكون كما أثبتها .

(38) في المطبوعة : "الذي تعبده وتدعو إلى عبادته" ، وفي المخطوطة"الذي تعبدونه وتدعو ..." صواب قراءتها ما أثبت .

(39) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف 1 : 523 ، 524 / 2 : 369 ، 519 ، ثم أخيرا ما سلف قريبا : 384 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : ( ألم تر ) هذه ألف التوقيف ، وفي الكلام معنى التعجب ، أي اعجبوا له .

وقال الفراء : ألم تر بمعنى هل رأيت ، أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم ، وهل رأيت الذي مر على قرية ، وهو النمروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم .

وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه بابا من البعوض فستروا عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام ، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة ، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك ، فبقي في البلاء أربعين يوما .

قال ابن جريج : هو أول ملك في الأرض .

قال ابن عطية : وهذا مردود .

وقال قتادة : هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل .

وقيل : إنه ملك الدنيا بأجمعها ، وهو أحد الكافرين ، والآخر بختنصر .

وقيل : إن الذي حاج إبراهيم نمروذ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام ، حكى جميعه ابن عطية .

وحكى السهيلي أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وكان ملكا على السواد وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب بن أندراست وكان ملك الأقاليم كلها ، وهو الذي قتله أفريدون بن أثفيان ، وفيه يقول حبيب بن ( أوس ، أبو تمام ) :وكأنه الضحاك من فتكاته في العالمين وأنت أفريدونوكان الضحاك طاغيا جبارا ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا .

وهو أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل ، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى ( كوشا ) أو نحو هذا الاسم ، وله ابن يسمى [ ص: 260 ] نمروذ الأصغر .

وكان ملك نمروذ الأصغر عاما واحدا ، وكان ملك نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا .

وفي قصص هذه المحاجة روايتان : إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم على أصنامهم فكسرها ، فلما رجعوا قال لهم : أتعبدون ما تنحتون ؟

فقالوا : فمن تعبد ؟

قال : أعبد ربي الذي يحيي ويميت .

وقال بعضهم : إن نمروذ كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه ، فإذا دخلوا عليه سجدوا له ، فدخل إبراهيم فلم يسجد له ، فقال : ما لك لا تسجد لي!

قال : أنا لا أسجد إلا لربي .

فقال له نمروذ : من ربك ؟

قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت .

وذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر الناس بالميرة ، فكلما جاء قوم يقول : من ربكم وإلهكم ؟

فيقولون أنت ، فيقول : ميروهم .

وجاء إبراهيم عليه السلام يمتار فقال له : من ربك وإلهك ؟

قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت ، فلما سمعها نمروذ قال : أنا أحيي وأميت ، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر ، وقال لا تميروه ، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال في نفسه : لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم ، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء ، فقالت امرأته : لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه ، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحوارى فخبزته ، فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟

فقالت : من الدقيق الذي سقت .

فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك .قلت : وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي صالح قال : انطلق إبراهيم النبي عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام ، فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا : ما هذا ؟

فقال : حنطة حمراء ، ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء ، قال : وكان إذا زرع منها شيئا جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا .

وقال الربيع وغيره في هذا القصص : إن النمروذ لما قال أنا أحيي وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر فقال : قد أحييت هذا وأمت هذا ، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت .

وروي في الخبر : أن الله تعالى قال وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك .

ثم أمر نمروذ بإبراهيم فألقي في النار ، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة ، [ ص: 261 ] فأنجاه الله من النار ، على ما يأتي .

وقال السدي : إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك - ولم يكن قبل ذلك دخل عليه - فكلمه وقال له : من ربك ؟

فقال : ربي الذي يحيي ويميت .

قال النمروذ : أنا أحيي وأميت ، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا وتركت اثنين فماتا .

فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت .

وذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز ، قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة ، وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه ، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه ( فبهت الذي كفر ) أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق ؛ لأن ذوي الألباب يكذبونه .الثانية : هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا ، وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة .

وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله ، قال الله تعالى : قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين .

إن عندكم من سلطان ؛ أي من حجة .

وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة ( الأنبياء ) وغيرها .

وقال في قصة نوح عليه السلام : قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا الآيات إلى قوله : وأنا بريء مما تجرمون .

وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي .

فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين ؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل .

وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم بعد الحجة ، على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) .

وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة .

وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر الحق في أهله ، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة ، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده .

وفي قول الله عز وجل : فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ؛ دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع لمن تدبر .

قال المزني صاحب [ ص: 262 ] الشافعي : ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يقبل منها ما تبين .

وقالوا : لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف ، وإلا فهو مراء ومكابرة .قراءات - قرأ علي بن أبي طالب " ألم تر " بجزم الراء ، والجمهور بتحريكها ، وحذفت الياء للجزم .

أن آتاه الله الملك في موضع نصب ، أي لأن آتاه الله ، أو من أجل أن آتاه الله .

وقرأ جمهور القراء " أن أحيي " بطرح الألف التي بعد النون من " أنا " في الوصل ، وأثبتها نافع وابن أبي أويس ، إذا لقيتها همزة في كل القرآن إلا في قوله تعالى : إن أنا إلا نذير فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء لقلة ذلك ، فإنه لم يقع منه في القرآن إلا ثلاثة مواضع أجراها مجرى ما ليس بعده همزة لقلته فحذف الألف في الوصل .

قال النحويون : ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون ، فإذا قلت : أنا أو أنه فالألف والهاء لبيان الحركة في الوقف ، فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطتا ؛ لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف ، فلا يقال : أنا فعلت بإثبات الألف إلا شاذا في الشعر كما قال الشاعر :أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميدا قد تذريت السناماقال النحاس : على أن نافعا قد أثبت الألف فقرأ " أنا أحيي وأميت " ولا وجه له .

قال مكي : والألف زائدة عند البصريين ، والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون وزيدت الألف للتقوية .

وقيل : زيدت للوقف لتظهر حركة النون .

والاسم عند الكوفيين " أنا " بكماله ، فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل ، وإنما حذف الألف من حذفها تخفيفا ؛ ولأن الفتحة تدل عليها .

قال الجوهري : وأما قولهم " أنا " فهو اسم مكني وهو للمتكلم وحده ، وإنما بني على الفتح فرقا بينه وبين " أن " التي هي حرف ناصب للفعل ، والألف الأخيرة إنما هي لبيان الحركة في الوقف ، فإن توسطت الكلام سقطت إلا في لغة رديئة ، كما قال :أنا سيف العشيرة فاعرفوني حميدا قد تذريت السناماوبهت الرجل وبهت وبهت إذا انقطع وسكت متحيرا ، عن النحاس وغيره .

وقال الطبري : وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى " بهت " بفتح الباء والهاء .

قال ابن جني قرأ أبو حيوة : " فبهت الذي كفر " بفتح الباء وضم الهاء ، وهي لغة في " بهت " بكسر الهاء .

قال : وقرأ ابن السميقع " فبهت " بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر ، فالذي في [ ص: 263 ] موضع نصب .

قال : وقد يجوز أن يكون بهت بفتحها لغة في بهت .

قال : وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فبهت " بكسر الهاء كغرق ودهش .

قال : والأكثرون بالضم في الهاء .

قال ابن عطية : وقد تأول قوم في قراءة من قرأ " فبهت " بفتحها أنه بمعنى سب وقذف ، وأن نمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم تكن له حيلة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } أي: إلى جرائته وتجاهله وعناده ومحاجته فيما لا يقبل التشكيك، وما حمله على ذلك إلا { أن آتاه الله الملك } فطغى وبغى ورأى نفسه مترئسا على رعيته، فحمله ذلك على أن حاج إبراهيم في ربوبية الله فزعم أنه يفعل كما يفعل الله، فقال إبراهيم { ربي الذي يحيي ويميت } أي: هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص منه الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا والإماتة مبدأ ما يكون في الآخرة، فقال ذلك المحاج: { أنا أحيي وأميت } ولم يقل أنا الذي أحيي وأميت، لأنه لم يدع الاستقلال بالتصرف، وإنما زعم أنه يفعل كفعل الله ويصنع صنعه، فزعم أنه يقتل شخصا فيكون قد أماته، ويستبقي شخصا فيكون قد أحياه، فلما رآه إبراهيم يغالط في مجادلته ويتكلم بشيء لا يصلح أن يكون شبهة فضلا عن كونه حجة، اطرد معه في الدليل فقال إبراهيم: { فإن الله يأتي بالشمس من المشرق } أي: عيانا يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر { فأت بها من المغرب } وهذا إلزام له بطرد دليله إن كان صادقا في دعواه، فلما قال له أمرا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحا يقدح في سبيله { بهت الذي كفر } أي: تحير فلم يرجع إليه جوابا وانقطعت حجته وسقطت شبهته، وهذه حالة المبطل المعاند الذي يريد أن يقاوم الحق ويغالبه، فإنه مغلوب مقهور، فلذلك قال تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين } بل يبقيهم على كفرهم وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك، وإلا فلو كان قصدهم الحق والهداية لهداهم إليه ويسر لهم أسباب الوصول إليه، ففي هذه الآية برهان قاطع على تفرد الرب بالخلق والتدبير، ويلزم من ذلك أن يفرد بالعبادة والإنابة والتوكل عليه في جميع الأحوال، قال ابن القيم رحمه الله: وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جدا، وهي أن شرك العالم إنما هو مستند إلى عبادة الكواكب والقبور، ثم صورت الأصنام على صورها، فتضمن الدليلان اللذان استدل بهما إبراهيم إبطال إلهية تلك جملة بأن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ولا بعد موته، فإن له ربا قادرا قاهرا متصرفا فيه إحياء وإماتة، ومن كان كذلك فكيف يكون إلها حتى يتخذ الصنم على صورته، ويعبد من دونه، وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها للحس هذه الشمس وهي مربوبة مدبرة مسخرة، لا تصرف لها بنفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته، فهي مربوبة مسخرة مدبرة، لا إله يعبد من دون الله.

" من مفتاح دار السعادة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) معناه هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي حاج إبراهيم أي خاصم وجادل وهو نمرود وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية؟

( أن آتاه الله الملك ) أي لأن آتاه الله الملك فطغى أي كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه قال مجاهد : ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين ، وأما الكافران فنمرود وبختنصر .

واختلفوا في وقت هذه المناظرة قال مقاتل : لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه بالنار فقال له : من ربك الذي تدعونا إليه؟

فقال ربي الذي يحيي ويميت وقال آخرون : كان هذا بعد إلقائه في النار وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمرود وكان الناس يمتارون من عنده الطعام فكان إذا أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟

فإن قال أنت باع منه الطعام فأتاه إبراهيم فيمن أتاه فقال له نمرود : من ربك؟

قال : ربي الذي يحيي ويميت فاشتغل بالمحاجة ولم يعطه شيئا فرجع إبراهيم فمر على كثيب من رمل أعفر فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم فلما أتى أهله ووضع متاعه نام فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام ما رآه أحد فأخذته فصنعت له منه فقربته إليه فقال : من أين هذا؟

قالت من الطعام الذي جئت به فعرف أن الله رزقه فحمد الله .

قال الله تعالى : ( إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت ) [ وهذا جواب سؤال غير مذكور تقديره قال له : من ربك؟

فقال إبراهيم ( ربي الذي يحيي ويميت ) ] قرأ حمزة ( ربي الذي يحيي ويميت ) بإسكان الياء وكذلك " حرم ربي الفواحش " ( 33 - الأعراف ) و " عن آياتي الذين يتكبرون " ( 146 - الأعراف ) و " قل لعبادي الذين " ( 31 - إبراهيم ) و " آتاني الكتاب " ( 30 - مريم ) و " مسني الضر " ( 83 - الأنبياء ) و " عبادي الصالحون " ( 105 - الأنبياء ) و " عبادي الشكور " ( 13 - سبأ ) و " مسني الشيطان " ( 41 - ص ) و " إن أرادني الله " ( 38 - الزمر ) و " إن أهلكني الله " ( 28 - الملك ) أسكن الياء فيهن حمزة ووافق ابن عامر والكسائي في " لعبادي الذين آمنوا " وابن عامر " آياتي الذين " وفتحها الآخرون ، ( قال ) نمرود ( أنا أحيي وأميت ) قرأ أهل المدينة ( أنا ) بإثبات الألف والمد في الوصل إذا تلتها ألف مفتوحة أو مضمومة والباقون بحذف الألف ووقفوا جميعا بالألف قال أكثر المفسرين : دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء له فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى لا عجزا فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول : فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى .

( قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ) أي تحير ودهش وانقطعت حجته .

فإن قيل : كيف بهت وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له : سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب قيل : إنما لم يقله لأنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه أو معجزة لإبراهيم عليه السلام ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم ترَ إلى الذي حَاًجَّ» جادل «إبراهيم في ربّه» ل «أن آتاه الله الملك» أي حمله بطره بنعمة الله على ذلك وهو نمرود «إذ» بدل من حاج «قال إبراهيم» لما قال له من ربُّك الذي تدعونا إليه: «ربي الذي يحيي ويميت» أي يخلق الحياة والموت في الأجساد «قال» هو «أنا أحيي وأميت» بالقتل والعفو عنه ودعا برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فلما رآه غبيا «قال إبراهيم» منتقلا إلى حجة أوضح منها «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها» أنت «من المغرب فَبُهت الذي كفر» تحيَّر ودُهش «والله لا يهدي القوم الظالمين» بالكفر إلى محجَّة الاحتجاج.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هل رأيت -أيها الرسول- أعجب مِن حال هذا الذي جادل إبراهيم عليه السلام في توحيد الله تعالى وربوبيته؛ لأن الله أعطاه المُلْك فتجبَّر وسأل إبراهيمَ: مَن ربُّك؟

فقال عليه السلام: ربي الذي يحيي الخلائق فتحيا، ويسلبها الحياة فتموت، فهو المتفرد بالإحياء والإماتة، قال: أنا أحيي وأميت، أي أقتل مَن أردتُ قَتْلَه، وأستبقي مَن أردت استبقاءه، فقال له إبراهيم: إن الله الذي أعبده يأتي بالشمس من المشرق، فهل تستطيع تغيير هذه السُّنَّة الإلهية بأن تجعلها تأتي من المغرب؛ فتحيَّر هذا الكافر وانقطعت حجته، شأنه شأن الظالمين لا يهديهم الله إلى الحق والصواب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن بعد ذلك بعض الأمثلة للمؤمنين المهتدين وللضالين المغرورين فقال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ .

.

.

)( حَآجَّ ) أي جادل وخاصم والمحاجة : المخاصمة والمغالبة بالقول يقال حاججته فحججته أي خاصمته بالقول فتغلبت عليه وتستعمل المحاجة كثيراً في المخاصمة بالباطل ومن ذلك قوله - تعالى - : ( فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ اتبعن ) وقوله - تعالى - : ( وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أتحاجواني فِي الله وَقَدْ هَدَانِ ) والمعنى : لقد علمت أيها العاقل صفة ذلك الكافر المغرور الذي جادل إبراهيم - عليه السلام - في شأن خالقه عز وجل - ومن لم يعلم قصته فها نحن أولاء نخبره عن طريق هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .والاستفهام للتعجب من شأن هذا الكافر وما صار إليه أمر غروره وبطره والمراد به - كما قال ابن كثير - نمرود بن كنعان بن كوس بن سام ابن نوح ملك بابل ، وكان معاصراً لسيدنا إبراهيم - عليه السلام - .وأطلق القرآن على ما دار بين هذا الملك المغرور بين سيدنا إبراهيم أنها حاجة مع أنها مجادلة بالباطل من هذا الملك ، أطلق ذلك من باب المماثلة اللفظية أو هي محاجة في نظره السقيم ورأيه الباطل .والضمير في قوله : ( فِي رَبِّهِ ) يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - وقيل يعود إلى نمرود لأنه هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه والإِضافة - على الرأي الأول - للتشريف ، وللإِيذان من أول الأمر بأن الله - تعالى - مؤيد وناصر لعبده إبراهيم .

وقوله : ( أَنْ آتَاهُ الله الملك ) بيان لسبب إقدام هذا الملك على ما أقدم عليه من ضلال وطغيان .

أي سبب هذه المحاجة لأنه أعطاه الله - تعالى - الملك فبطر وتكبر ولم يشكره - سبحانه - على هذه النعمة ، بل استعملها في غير ما خلقت له فقوله : ( أَنْ آتَاهُ ) مفعول لأجله ، والكلام على تقدير حذف لام الجر ، وهو مطرد الحذف مع أن وأن .وقوله : ( إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) حكاية لما قاله إبراهيم عليه السلام لذل كالملك في مقام التدليل على وحدانية الله وأنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة أي قال له : ربي وحده هو الذي ينشئ الحياة ويوجدها ، ويميت الأرواح ويفقدها حياتها ، ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن يفعل ذلك .وقول إبراهيم - كما حكاه القرآن - : ( رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) مفيد للقصر عن طريق تعريف المبتدأ وهو ( رَبِّيَ ) والخبر هو الموصول وصلته .وعبر بالمضارع في قوله : ( الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) لإفادة معنى التجدد والحدوث الذي يرى ويحس بين وقت وآخر .أي ربي هو الذي يحيى الناس ويميتهم كما ترى ذلك مشاهداً في كثير من الأوقات ، فمن الواجب عليك أن تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع عما أنت فيه من كفر وطغيان وضلال .وقوله : ( إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ) ظرف لقوله : ( حَآجَّ ) أو بدل اشتمال منه ، و في هذا القول الذي حكاه القرآن عن إبراهيم - عليه السلام - أوضح حجة وأقواها على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة ، لأن كل عاقل يدرك أن الحق هو الذي يملك الإِحياء والإِماتة ويملك بعث الناس يوم القيامة ليحاسبهم على أعمالهم وهو أمر ينكره ذلك الملك الكافر .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : والظاهر أن قول إبراهيم ( رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) جواب لسؤال سابق غير مذكور .

وذلك أنه من المعلوم أن الأنبياء بعثوا للدعوة إلأى الله ، ومتى ادعى الرسول الرسالة فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلهاً .

فالظاهر هنا أن إبراهيم ادعى الرسالة فقال له نمرود : من ربك؟

فقال إبراهيم : ربي الذي يحيى ويميت ، إلا أن تلك المقدمة حذفت لأن الواقعة تدل عليها ، ودليل إبراهيم في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإِحياء والإِماتة وقدم ذكر الحياة على الموت هنا .

لأن من شأن الدليل أن يكون في غاية الوضوح والقوة ، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر ، واطلاع الإِنسان عليها أتم فلا جرم وجب تقديم الحياة ها هنا في الذكر .م حكى القرآن جواب نمرود على إبراهيم فقال : ( قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) أي قال ذلك الطاغية : إذا كنت يا إبراهيم تدعى أن ربك وحده الذي يحيى ويميت فأنا أعرضك في ذلك لأنى أنا - أيضاً أحيي وأميت وما دام الأمر كذلك فأنا مستحق للربوبية .

قالوا : ويقصد بقوله هذا أنه يستطيع أن يعفو عمن حكم بقتله ، ويقتل من شاء أن يقتله .ولقد كان في استطاعة إبراهيم - عليه السلام - أن يبطل قوله ، بأن يبين له بأن ما يدعيه ليس من الأحياء والإِماتة المقصودين بالاحتجاج ، لأن ما قصده إبراهيم هو إنشاء الحياة وإنشاء الموت ، كان في استطاعة الخليل - عليه السلام - أن يفعل ذلك ، ولكنه آثر ترك فتح باب الجدال والمحاورة ، وأتاه بحجة هي غاية في الإِفحام فقال له - كما حكى القرآن : ( فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب ) .أي قال إبراهيم لخمه المغرور : لقد زعمت أنك تملك الإِحياء والإِماتة كما يملك الله - تعالى - ذلك ، ومن شأن هذا الزعم أن يجعلك مشاركاً لله - تعالى - في قدرته فإن كان ذلك صحيحاً فأنت ترى وغيرك يرى أن الله - تعالى - يأتي بالشمس من جهة المشرق عند شروقها فأت بها أنت من جهة المغرب في هذا الوقت فماذا كانت نتيجة هذه الحجة الدامغة التي قذفها إبراهيم - عليه السلام - في وجه خصمه؟

كانت نتيجتها - كما حكى القرآن - ( فَبُهِتَ الذي كَفَرَ ) أي : غلبت وقهر ، وتحير وانقطع عن حجاجه ، واضطرب ولم يستطع أن يتكلم ، لأنه فوجئ بما لا يملك دفعه .و ( بهت ) فعل ماض جاء على صورة الفعل المبني للمجهول - كزهي وزكم - والمعنى فيه على البناء للفاعل .

وقوله : ( الذي كَفَرَ ) هو فاعله .

والبهت : الانقطاع والحيرة ، وقرئ بوزن - علم ونصر وكرم .والفاء في قوله : ( فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس ) .

.

إلخ فصيحة لأنها أفصحت عن جواب لشرط مقدر أي إن كنت كما تزعم أنك تحيي وتميت وأن قدرتك كقدرة الله فإن الله - تعالى - يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من الغرب .وعبر عن هذا البهوت بقوله : ( فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس ) للإِشعار بأن سبب حيرته واضطرابه هو كفره وعناده .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) أي لا يهديهم إلى طريق الحق .

ولا يلهمهم حجة ولا برهاناً .

بسبب ظلمهم وطغيانهم وإيثارهم طريق الشيطان على طريق الرحمن .وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حكت للناس لوناً من ألوان رعاية الله لأوليائه وخذلانه لأعدائه لكي يكون في ذلك عبرة وعظة لقوم يعقلون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الاولى: اعلم إنه تعالى ذكر هاهنا قِصَصًا ثَلَاثَةً: الْأُولَى: مِنْهَا فِي بَيَانِ إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ، وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ: فِي إِثْبَاتِ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْبَعْثِ، وَالْقِصَّةُ الْأُولَى مُنَاظَرَةُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَلِكِ زَمَانِهِ وَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ فَهِيَ كَلِمَةٌ يُوقَفُ بِهَا الْمُخَاطَبُ عَلَى تَعَجُّبٍ مِنْهَا، وَلَفْظُهَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ وَهِيَ كَمَا يُقَالُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى فُلَانٍ كَيْفَ يَصْنَعُ، مَعْنَاهُ: هَلْ رَأَيْتَ كَفُلَانٍ فِي صُنْعِهِ كَذَا.

أَمَّا قَوْلُهُ: إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ/ تَجَبَّرَ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمُحَاجَّةِ قِيلَ: إِنَّهُ عِنْدَ كَسْرِ الْأَصْنَامِ قَبْلَ الْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ عَنْ مُقَاتِلٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، وَالْمُحَاجَّةُ الْمُغَالَبَةُ، يُقَالُ: حَاجَجْتُهُ فَحَجَجْتُهُ، أَيْ غَالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِي رَبِّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الطَّاعِنِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، كَمَا قَالَ: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ [الْأَنْعَامِ: 80] وَالْمَعْنَى وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ فِي رَبِّهِ.

أَمَّا قَوْلُهُ: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْآيَةِ قَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْهَاءَ فِي آتَاهُ عَائِدٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى آتَى إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُلْكَ، وَاحْتَجُّوا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النِّسَاءِ: 54] أَيْ سُلْطَانًا بِالنُّبُوَّةِ، وَالْقِيَامِ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي: أنه تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْتِيَ الْمُلْكَ الْكُفَّارَ، وَيَدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ لِنَفْسِهِ وَالثَّالِثُ: أَنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورِينَ وَاجِبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورِينَ إِلَى هَذَا الضَّمِيرِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الضَّمِيرُ عَائِدًا إِلَيْهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى ذَلِكَ الْإِنْسَانِ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ.

وَأَجَابُوا عَنِ الْحُجَّةِ الْأُولَى بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمُلْكِ لِآلِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى حُصُولِ الْمُلْكِ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَعَنِ الْحُجَّةِ الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التَّمَكُّنُ وَالْقُدْرَةُ وَالْبَسْطَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالْحِسُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ يُعْطِي الْكَافِرَ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَيْضًا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى أَعْطَاهُ الْمُلْكَ حَالَ مَا كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى.

وَعَنِ الْحُجَّةِ الثَّالِثَةِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ الْمَذْكُورِينَ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةَ وَارِدَةٌ بِأَنَّ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ هُوَ الْمَلِكَ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، ثُمَّ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَاتٍ ثَلَاثَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا قُلْنَا: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْمُلْكِ لَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَحَدُ تِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ لِأَجْلِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ إِيتَاءَ الْمُلْكِ أَبْطَرَهُ وَأَوْرَثَهُ الْكِبَرَ وَالْعُتُوَّ فَحَاجَّ لِذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْمَلِكِ الْعَاتِي، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَ مُحَاجَّتَهُ فِي رَبِّهِ شُكْرًا عَلَى أَنْ آتَاهُ رَبُّهُ الْمُلْكَ، كَمَا يُقَالُ: عَادَانِي فُلَانٌ لِأَنِّي أَحْسَنْتُ إِلَيْهِ، يُرِيدُ أَنَّهُ عَكَسَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُوَالَاةِ لِأَجْلِ الْإِحْسَانِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الْوَاقِعَةِ: 82] وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَيْضًا لَا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِظْهَارُ الْمُحَاجَّةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمُلْكِ وَبَعْدَهُ أَمَّا الْمَلِكُ الْعَاتِي فَإِنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِ إِظْهَارُ هَذَا الْعُتُوِّ الشَّدِيدِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَحْصُلَ الْمُلْكُ الْعَظِيمُ لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لِقَوْلِهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ مَعْنًى وَتَأْوِيلٌ إِلَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمَلِكِ الْعَاتِي.

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ كَمَالِ حَالِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَمَتَى كَانَ الْكَافِرُ سُلْطَانًا مَهِيبًا، وَإِبْرَاهِيمُ مَا كَانَ مَلِكًا، كَانَ هَذَا الْمَعْنَى أَتَمَّ مِمَّا إِذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ مَلِكًا، وَلَمَّا كَانَ الْكَافِرُ مَلِكًا، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا.

الْحُجَّةُ الثانية: مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ، وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ هُوَ الْمَلِكَ لَمَا قَدَرَ الْكَافِرُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ وَيَسْتَبْقِيَ الْآخَرَ، بَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْنَعُهُ مِنْهُ أَشَدَّ مَنْعٍ، بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالْمَلْجَأِ إِلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي هَذَا الِاسْتِدْلَالُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَلِكًا وَسُلْطَانًا فِي الدِّينِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ، وَذَلِكَ الْكَافِرُ كَانَ مَلِكًا مُسَلَّطًا قَادِرًا عَلَى الظُّلْمِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ أَمْكَنَهُ قَتْلُ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَأَيْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّمَا قَتَلَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ قَوْدًا، وَكَانَ الِاخْتِيَارُ إِلَيْهِ، وَاسْتَبْقَى الْآخَرَ، إِمَّا لِأَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ أَوْ بَذَلَ الدِّيَةَ وَاسْتَبْقَاهُ.

وَأَيْضًا قَوْلُهُ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ خبر ووعد، ولا دليلي فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ، فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ سَابِقٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بُعِثُوا لِلدَّعْوَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَتَى ادَّعَى الرِّسَالَةَ، فَإِنَّ الْمُنْكِرَ يُطَالِبُهُ بِإِثْبَاتِ أَنَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا، أَلَا تَرَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السلام لما قال: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الزخرف: 46] قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [الشُّعَرَاءِ: 23] فَاحْتَجَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى إِثْبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فكذا هاهنا الظَّاهِرُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ادَّعَى الرِّسَالَةَ، فَقَالَ نَمْرُوذُ: مَنْ رَبُّكَ؟

فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمُقَدِّمَةَ حُذِفَتْ، لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ تَدُلُّ عَلَيْهَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: دَلِيلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ، وَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِوَاسِطَةِ أَفْعَالِهِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْقَادِرِينَ، وَالْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْهُمَا، وَالْعِلْمُ بَعْدَ الِاخْتِيَارِ ضَرُورِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُؤَثِّرٍ آخَرَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الْقَادِرِينَ الَّذِينَ تَرَاهُمْ، وَذَلِكَ الْمُؤَثِّرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوجَبًا أَوْ مُخْتَارًا، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ دَوَامِهِ دَوَامُ الْأَثَرِ، فَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَتَبَدَّلَ الْإِحْيَاءُ بِالْإِمَاتَةِ، وَأَنْ لَا تَتَبَدَّلَ الْإِمَاتَةُ بِالْإِحْيَاءِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّا نَرَى فِي الْحَيَوَانِ أَعْضَاءً مُخْتَلِفَةً فِي الشَّكْلِ وَالصِّفَةِ وَالطَّبِيعَةِ وَالْخَاصِّيَّةِ، وَتَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنْ وُجُودٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ عَلَى سَبِيلِ الْقُدْرَةِ، وَالِاخْتِيَارِ فِي إِحْيَاءِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ وَفِي إِمَاتَتِهَا، وَذَلِكَ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهُوَ دَلِيلٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي مَوَاضِعَ فِي كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ/ طِينٍ [الْمُؤْمِنُونَ: 12] إِلَى آخِرِهِ، وَقَوْلِهِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ [التِّينِ: 4، 5] وَقَالَ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: 2] .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ فِي آيَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الْبَقَرَةِ: 28] وَقَالَ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: 2] وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي ثَنَائِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشُّعَرَاءِ: 81] فَلِأَيِّ سَبَبٍ قُدِّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ الْحَيَاةِ عَلَى الْمَوْتِ، حَيْثُ قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.

وَالْجَوَابُ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذِكْرِ الدَّلِيلِ إِذَا كَانَ هُوَ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عَجَائِبَ الْخِلْقَةِ حَالَ الْحَيَاةِ أَكْثَرُ، وَاطِّلَاعَ الْإِنْسَانِ عَلَيْهَا أَتَمُّ، فَلَا جَرَمَ وَجَبَ تقديم الحياة هاهنا فِي الذِّكْرِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: يُرْوَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا احْتَجَّ بِتِلْكَ الْحُجَّةِ، دَعَا ذَلِكَ الْمَلِكُ الْكَافِرُ شَخْصَيْنِ، وَقَتَلَ أَحَدَهُمَا، وَاسْتَبْقَى الْآخَرَ، وَقَالَ: أَنَا أَيْضًا أُحْيِي وَأُمِيتُ، هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ فِي التَّفْسِيرِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ بَعِيدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ شَرَحَ حَقِيقَةَ الْإِحْيَاءِ وَحَقِيقَةَ الْإِمَاتَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْنَاهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَمَتَى شرحه على ذلك الوجه الممتنع أَنْ يَشْتَبِهَ عَلَى الْعَاقِلِ الْإِمَاتَةُ وَالْإِحْيَاءُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بِالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءُ بِمَعْنَى الْقَتْلِ وَتَرْكِهِ، وَيَبْعُدُ فِي الْجَمْعِ الْعَظِيمِ أَنْ يَكُونُوا فِي الْحَمَاقَةِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُونَ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْفَرْقِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا احْتَجَّ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ قَالَ الْمُنْكِرُ، تَدَّعِي الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ مِنَ اللَّهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ، أَوْ تَدَّعِي صُدُورَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ بِوَاسِطَةِ سَائِرِ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّ الْجِمَاعَ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْوَلَدِ الْحَيِّ بِوَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالسَّمَاوِيَّةِ، وَتَنَاوُلُ السُّمِّ قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَوْتِ، فَلَمَّا ذَكَرَ نَمْرُوذُ هَذَا السُّؤَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَجَابَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ قَالَ: هَبْ أَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ حَصَلَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الِاتِّصَالَاتِ الْفَلَكِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِتِلْكَ الِاتِّصَالَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ مِنْ فَاعِلٍ مُدَبِّرٍ، فَإِذَا كَانَ الْمُدَبِّرُ لِتِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ الْحَاصِلَانِ بِوَاسِطَةِ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ الصَّادِرَانِ عَلَى الْبَشَرِ بِوَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْفَلَكِيَّةِ وَالْعُنْصُرِيَّةِ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلَى الِاتِّصَالَاتِ الْفَلَكِيَّةِ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ.

وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ لَيْسَ دَلِيلًا آخَرَ، بَلْ تَمَامُ الدَّلِيلِ/ الْأَوَّلِ: وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ مِنَ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ، إِلَّا أَنَّ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ مِنَ اللَّهِ فَكَانَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْبَشَرُ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَدَرَ مِنْهُ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ بِوَاسِطَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَرْضِيَّةِ إِلَّا أَنَّ الْأَسْبَابَ لَيْسَتْ وَاقِعَةً بِقُدْرَتِهِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ الصَّادِرَيْنِ عَنِ الْبَشَرِ لَيْسَتْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَقْضًا عَلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ فِي كَيْفِيَّةِ جَرَيَانِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ، لَا مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى إِسْقَاطِ أَلِفِ أَنَا فِي الْوَصْلِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مِنْ إِثْبَاتِهِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ الْهَمْزَةِ، وَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ ضَمِيرَ الْمُتَكَلِّمِ هُوَ (أَنَ) وَهُوَ الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ، فَأَمَّا الْأَلِفُ فَإِنَّمَا تَلْحَقُهَا فِي الْوَقْفِ كَمَا تَلْحَقُ الْهَاءَ فِي سُكُوتِهِ لِلْوَقْفِ، وَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الْهَاءَ تَسْقُطُ عِنْدَ الْوَصْلِ، فَكَذَا هَذِهِ الْأَلِفُ تَسْقُطُ عِنْدَ الْوَصْلِ، لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَمْزَةَ الْوَصْلِ إِذَا اتَّصَلَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي هِيَ فِيهَا بِشَيْءٍ سَقَطَتْ وَلَمْ تَثْبُتْ، لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى النُّطْقِ بِمَا بَعْدَ الْهَمْزَةِ فَلَا تَثْبُتُ الْهَمْزَةُ فَكَذَا الْأَلِفُ فِي أَنَا وَالْهَاءُ الَّتِي فِي الْوَقْفِ يَجِبُ سُقُوطُهَا عِنْدَ الْوَصْلِ كَمَا يَجِبُ سُقُوطُ الْهَمْزَةِ عِنْدَ الْوَصْلِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي هذه الْمَقَامِ طَرِيقَيْنِ الْأَوَّلُ: وَهُوَ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى مِنْ نَمْرُوذَ أَنَّهُ أَلْقَى تِلْكَ الشُّبْهَةَ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ أَوْضَحَ مِنْهُ، فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَزَعَمَ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ أَوْضَحَ مِنْهُ جَائِزٌ لِلْمُسْتَدِلِّ.

فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا قَالَ نَمْرُوذُ: فَلْيَأْتِ رَبُّكَ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ؟.

قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْمُحَاجَّةَ كَانَتْ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ وَخُرُوجِهِ مِنْهَا سَالِمًا، فَعَلِمَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى حِفْظِ إِبْرَاهِيمَ فِي تِلْكَ النَّارِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الِاحْتِرَاقِ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ خَذَلَهُ وَأَنْسَاهُ إِيرَادَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ: أَنَّ هَذَا مَا كَانَ انْتِقَالًا مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ بَلِ الدَّلِيلُ وَاحِدٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ أَنَّا نَرَى حُدُوثَ أَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى إِحْدَاثِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ قَادِرٍ آخَرَ يَتَوَلَّى إِحْدَاثَهَا وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ثُمَّ إِنَّ قَوْلَنَا: نَرَى حُدُوثَ أَشْيَاءَ لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى إِحْدَاثِهَا لَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا: الْإِحْيَاءُ، وَالْإِمَاتَةُ، وَمِنْهَا السَّحَابُ، وَالرَّعْدُ، وَالْبَرْقُ، وَمِنْهَا حَرَكَاتُ/ الْأَفْلَاكِ، وَالْكَوَاكِبِ، وَالْمُسْتَدِلُّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، لَكِنْ إِذَا ذَكَرَ لِإِيضَاحِ كَلَامٍ مِثَالًا فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ ذَلِكَ الْمِثَالِ إِلَى مِثَالٍ آخَرَ، فَكَانَ مَا فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بَابِ مَا يَكُونُ الدَّلِيلُ وَاحِدًا إِلَّا أَنَّهُ يَقَعُ الِانْتِقَالُ عِنْدَ إِيضَاحِهِ مِنْ مِثَالٍ إِلَى مِثَالٍ آخَرَ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ مَا يَقَعُ الِانْتِقَالُ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَحْسَنُ مِنَ الْأَوَّلِ وَأَلْيَقُ بِكَلَامِ أَهْلِ التَّحْقِيقِ مِنْهُ، وَالْإِشْكَالُ عَلَيْهِمَا مِنْ وُجُوهٍ: الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّ صَاحِبَ الشُّبْهَةِ إِذَا ذَكَرَ الشُّبْهَةَ، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ فِي الْأَسْمَاعِ، وَجَبَ عَلَى الْمُحِقِّ الْقَادِرِ عَلَى الْجَوَابِ أَنْ يَذْكُرَ الْجَوَابَ فِي الْحَالِ إِزَالَةً لِذَلِكَ التَّلْبِيسِ وَالْجَهْلِ عَنِ الْعُقُولِ، فَلَمَّا طَعَنَ الْمَلِكُ الْكَافِرُ فِي الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ، أَوْ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِإِزَالَةِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ وَاجِبًا مُضَيِّقًا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْمَعْصُومِ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ الْوَاجِبَ.

وَالْإِشْكَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا أَوْرَدَ الْمُبْطِلُ ذَلِكَ السُّؤَالَ، فَإِذَا تَرَكَ الْمُحِقُّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ وَانْتَقَلَ إِلَى كَلَامٍ آخَرَ، أَوْهَمَ أَنَّ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ كَانَ ضَعِيفًا سَاقِطًا، وَأَنَّهُ مَا كَانَ عَالِمًا بِضَعْفِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُبْطِلَ عَلِمَ وَجْهَ ضَعْفِهِ وكونه ساقطاً، وأنه كأنه عَالِمًا بِضَعْفِهِ فَنَبَّهَ عَلَيْهِ، وَهَذَا رُبَّمَا يُوجِبُ سُقُوطَ وَقْعِ الرَّسُولِ وَحَقَارَةَ شَأْنِهِ وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ.

وَالْإِشْكَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الِانْتِقَالَ مِنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ، أَوْ مِنْ مِثَالٍ إِلَى مِثَالٍ، لَكِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يكون المنتقل إليه أوضح وأقرب، وهاهنا لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ جِنْسَ الْإِحْيَاءِ لَا قُدْرَةَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا جِنْسُ تَحْرِيكِ الْأَجْسَامِ، فَلِلْخَلْقِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَبْعُدُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُ مَلِكٍ عَظِيمٍ فِي الْجُثَّةِ أَعْظَمُ مِنَ السموات، وأنه هو الذي يكون محركاً للسموات، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الِاسْتِدْلَالُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ أَظْهَرُ وَأَقْوَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ الْمَعْصُومِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الدَّلِيلِ الْأَوْضَحِ الْأَظْهَرِ إِلَى الدَّلِيلِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَوِيًّا.

وَالْإِشْكَالُ الرَّابِعُ: أَنَّ دَلَالَةَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّا نَرَى فِي ذَاتِ الْإِنْسَانِ وَصِفَاتِهِ تَبْدِيلَاتٍ وَاخْتِلَافَاتٍ وَالتَّبَدُّلُ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَاجَةِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ الْقَادِرِ، أَمَّا الشَّمْسُ فَلَا نَرَى فِي ذَاتِهَا تَبَدُّلًا، وَلَا فِي صِفَاتِهَا تَبَدُّلًا، وَلَا فِي مَنْهَجِ حَرَكَاتِهَا تَبَدُّلًا الْبَتَّةَ، فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عَلَى الصَّانِعِ أَقْوَى، فَكَانَ الْعُدُولُ مِنْهُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ انْتِقَالًا مِنَ الْأَقْوَى الْأَجْلَى إِلَى الْأَخْفَى الْأَضْعَفِ، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

الْإِشْكَالُ الْخَامِسُ: أَنْ نَمْرُوذَ لَمَّا لَمْ يَسْتَحِ مِنْ مُعَارَضَةِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ الصَّادِرَيْنِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَتْلِ وَالتَّخْلِيَةِ، فَكَيْفَ يُؤْمَنُ مِنْهُ عِنْدَ اسْتِدْلَالِ إِبْرَاهِيمَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَنْ يَقُولَ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنِّي فَإِنْ كَانَ لَكَ إِلَهٌ فَقُلْ لَهُ حَتَّى يُطْلِعَهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ الْتَزَمَ الْمُحَقِّقُونَ/ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَوْ أَوْرَدَ هَذَا السُّؤَالَ لَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِإِظْهَارِ فَسَادِ سُؤَالِهِ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ أَسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْتِزَامِ إِطْلَاعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَحْصُلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ هُوَ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَلَا يَكُونُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ دَلِيلُهُ الثَّانِي ضَائِعًا كَمَا صَارَ دَلِيلَهُ الْأَوَّلُ ضَائِعًا، وَأَيْضًا فَمَا الدَّلِيلُ الَّذِي حَمَلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَنْ تَرَكَ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ الرَّكِيكِ وَالْتَزَمَ الِانْقِطَاعَ، وَاعْتَرَفَ بِالْحَاجَةِ إِلَى الِانْتِقَالِ إِلَى تَمَسُّكٍ بِدَلِيلٍ لَا يُمْكِنُهُ تَمْشِيَتُهُ إِلَّا بِالْتِزَامِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَأْتِيَ بِإِطْلَاعِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَضِيعُ دَلِيلُهُ الثَّانِي كَمَا ضَاعَ الْأَوَّلُ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْتِزَامَ هَذِهِ الْمَحْذُورَاتِ لَا يَلِيقُ بِأَقَلِّ النَّاسِ عِلْمًا فَضْلًا عَنْ أَفْضَلِ الْعُقَلَاءِ وَأَعْلَمِ الْعُلَمَاءِ، فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ الَّذِي أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَيْهِ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ، لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا احْتَجَّ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ أَوْرَدَ الْخَصْمُ عَلَيْهِ سُؤَالًا لَا يَلِيقُ بِالْعُقَلَاءِ، وَهُوَ أَنَّكَ إِذَا ادَّعَيْتَ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ لَا بِوَاسِطَةٍ، فَذَلِكَ لَا تَجِدُ إِلَى إِثْبَاتِهِ سَبِيلًا، وَإِنِ ادَّعَيْتَ حُصُولَهُمَا بِوَاسِطَةِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ فَنَظِيرُهُ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ حَاصِلٌ لِلْبَشَرِ، فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ وَإِنْ حَصَلَا بِوَاسِطَةِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى تَحْرِيكَاتِ الْأَفْلَاكِ فَلَا جَرَمَ لَا يَكُونُ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ صَادِرَيْنِ مِنْهُمْ، وَمَتَى حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنَ الْمَحْذُورَاتِ الْمَذْكُورَةِ لَازِمًا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ كَلَامِهِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فَالْمَعْنَى: فَبَقِيَ مَغْلُوبًا لا يجد مقالًا، ولا للمسألة جوابه، وَهُوَ كَقَوْلِهِ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها [الْأَنْبِيَاءِ: 40] قَالَ الْوَاحِدِيُّ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: بُهِتَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَبْهُوتٌ، وَبَهَتَ وَبَهِتَ، قَالَ عُرْوَةُ الْعُذْرِيُّ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أُرَاهَا فُجَاءَةً ...

فَأُبْهَتُ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ أَيْ أَتَحَيَّرُ وَأَسْكُتُ.

ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِنَا ظَاهِرٌ، أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ لِظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ لِلْحِجَاجِ وَلِلْحَقِّ كَمَا يَهْدِي الْمُؤْمِنَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْكَافِرِ مِنْ أَنْ يَعْجِزَ وَيَنْقَطِعَ.

وَأَقُولُ: هَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يَهْدِيهِمْ لِلْحِجَاجِ، إِنَّمَا يَصِحُّ حَيْثُ يَكُونُ الْحِجَاجُ مَوْجُودًا وَلَا حِجَاجَ عَلَى الْكُفْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَهْدِيهِ إِلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْهَا/ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ لِزِيَادَاتِ الْأَلْطَافِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ بِالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ سَدُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الِانْتِفَاعِ بِهِ.

وَأَقُولُ: هَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ إِذَا كَانَتْ فِي حَقِّهِمْ مُمْتَنِعَةً عَقْلًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِيهِمْ، كَمَا لَا يُقَالُ: إِنَّهُ تَعَالَى يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَهْدِيهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ.

وَأَقُولُ: هَذَا أيضاً ضعيف، لأن المذكور هاهنا أَمْرُ الِاسْتِدْلَالِ وَتَحْصِيلُ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَجْرِ لِلْجَنَّةِ ذِكْرٌ، فَيَبْعُدُ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَى الْجَنَّةِ، بَلْ أَقُولُ: اللَّائِقُ بِسِيَاقِ الْآيَةِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الدَّلِيلَ كَانَ قَدْ بَلَغَ فِي الظُّهُورِ وَالْحُجَّةِ إِلَى حَيْثُ صَارَ الْمُبْطِلُ كَالْمَبْهُوتِ عِنْدَ سَمَاعِهِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الِاهْتِدَاءَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الظَّاهِرُ، وَنَظِيرُ هَذَا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الْأَنْعَامِ: 111] .

الْقِصَّةُ الثَّانِيَةُ: وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا إِثْبَاتُ الْمَعَادِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي إِدْخَالِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ أَوْ كَالَّذِي وَذَكَرُوا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ [البقرة: 258] فِي مَعْنَى (أَلَمْ تَرَ كَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ) وَتَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَرَأَيْتَ كَالَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، فَيَكُونُ هَذَا عَطْفًا عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَأَكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ قَالُوا: وَنَظِيرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 84، 85] ثُمَّ قَالَ: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [الْمُؤْمِنُونَ: 85، 86] فَهَذَا عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى لِأَنَّ معناه: لمن السموات؟

فَقِيلَ لِلَّهِ.

قَالَ الشَّاعِرُ: مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ...

فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا فَحُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى وَتَرْكِ اللَّفْظِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَخْفَشِ: أَنَّ الْكَافَ زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ وَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُبَرِّدِ: أَنَّا نُضْمِرُ فِي الْآيَةِ زِيَادَةً، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، وَأَلَمْ تَرَ إِلَى مَنْ كَانَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الَّذِي مَرَّ بِالْقَرْيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ رَجُلًا كَافِرًا شَاكًّا فِي الْبَعْثِ/ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: إِنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، ثُمَّ قَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَاكُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ عُزَيْرٌ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ أَرْمِيَاءُ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّ أَرْمِيَاءَ هُوَ الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عند ما خَرَّبَ بُخْتَنَصَّرُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَحْرَقَ التَّوْرَاةَ، حُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْمَارَّ كَانَ كَافِرًا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وَهَذَا كَلَامُ مَنْ يَسْتَبْعِدُ مِنَ اللَّهِ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَذَلِكَ كُفْرٌ.

فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ.

قُلْنَا: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مِنَ اللَّهِ تعالى أن يعجب رسوله منه إذا الصَّبِيُّ لَا يُتَعَجَّبُ مِنْ شَكِّهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِبْعَادَ مَا كَانَ بِسَبَبِ الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، بَلْ كَانَ بِسَبَبِ اطِّرَادِ الْعَادَاتِ فِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْخَرَابِ قَلَّمَا يُصَيِّرُهُ اللَّهُ مَعْمُورًا وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يُشِيرُ إِلَى جَبَلٍ، فَيَقُولُ: مَتَى يَقْلِبُهُ اللَّهُ ذَهَبًا، أَوْ يَاقُوتًا، لَا أَنَّ مُرَادَهُ مِنْهُ الشَّكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ وَلَا يَحْصُلُ في مطرد العادات، فكذا هاهنا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّهِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّبَيُّنُ حَاصِلًا لَهُ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّ تَبَيُّنَ الْإِحْيَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاهَدَةِ مَا كَانَ حَاصِلًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَمَّا أَنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِدْلَالِ مَا كَانَ حَاصِلًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَهَذَا يَدُلُّ على أن هذا العالم إِنَّمَا حَصَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَأَنَّهُ كَانَ خَالِيًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُشَاهَدَةَ لَا شَكَّ أَنَّهَا أَفَادَتْ نَوْعَ تَوْكِيدٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَوُثُوقٍ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنَ التَّأْكِيدِ إِنَّمَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْعِلْمِ مَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْمَارَّ كَانَ كَافِرًا لِانْتِظَامِهِ مَعَ نَمْرُوذَ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا، لِأَنَّ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ قِصَّةَ نَمْرُوذَ، وَلَكِنَّ بَعْدَهُ قِصَّةَ سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مِنْ جِنْسِ إِبْرَاهِيمَ.

وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا وَكَانَ نَبِيًّا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِاللَّهِ، وَعَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ تَعَالَى يَصِحُّ مِنْهُ الْإِحْيَاءُ فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ تَخْصِيصَ هَذَا الشَّيْءِ بِاسْتِبْعَادِ الْإِحْيَاءِ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ حَصَلَ الِاعْتِرَافُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْإِحْيَاءِ فِي الْجُمْلَةِ فَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِحْيَاءِ مُمْتَنِعَةٌ لَمْ يُبْقِ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةً.

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ كَمْ لَبِثْتَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَائِلٍ وَالْمَذْكُورُ السَّابِقُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَصَارَ التَّقْدِيرُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَمْ لَبِثْتَ فَقَالَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُهُ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى جَعْلِهِ آيَةً لِلنَّاسِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها، ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً وَلَا شَكَّ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَالَّةٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ مَعَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ هَذَا الْكَافِرِ.

فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ تَعَالَى بَعْثَ إِلَيْهِ رَسُولًا أَوْ مَلَكًا حَتَّى قَالَ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى.

قُلْنَا: ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَعَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ إِلَى الْمَجَازِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُهُ غَيْرُ جَائِزٍ.

وَالْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ إِعَادَتَهُ حَيًّا وَإِبْقَاءَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى حَالِهِمَا، وَإِعَادَةَ الحمار حياً بعد ما صَارَ رَمِيمًا مَعَ كَوْنِهِ مُشَاهِدًا لِإِعَادَةِ أَجْزَاءِ الْحِمَارِ إِلَى التَّرْكِيبِ وَإِلَى الْحَيَاةِ إِكْرَامٌ عَظِيمٌ وَتَشْرِيفٌ كَرِيمٌ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْكَافِرِ لَهُ.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِنَّمَا أَدْخَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوُجُودِ إِكْرَامًا لِإِنْسَانٍ آخَرَ كَانَ نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.

قُلْنَا: لَمْ يَجْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ هَذَا النَّبِيِّ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَالَةٌ مُشْعِرَةٌ بِوُجُودِ النَّبِيِّ أَصْلًا فَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ إِظْهَارِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِكْرَامَ ذَلِكَ النَّبِيِّ وَتَأْيِيدَ رِسَالَتِهِ بِالْمُعْجِزَةِ لَكَانَ تَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ الرَّسُولِ إِهْمَالًا لِمَا هُوَ الْغَرَضُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْكَلَامِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مِنْ قَبْلِ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ أَوْ بَعْدَهُمَا، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، لِأَنَّ إِرْسَالَ النَّبِيِّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ، وَإِنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ فَالْمُعْجِزُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الدَّعْوَى، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٌ.

قُلْنَا: إِظْهَارُ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ عَلَى يَدِ مَنْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَصِيرُ رَسُولًا جَائِزٌ عِنْدَنَا، وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ زَالَ السُّؤَالُ.

الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَهَذَا اللَّفْظُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 91] فَكَانَ هَذَا وَعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ نَبِيًّا، وَأَيْضًا فَهَذَا الْكَلَامُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى النُّبُوَّةِ بِصَرِيحِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُفِيدُ التَّشْرِيفَ الْعَظِيمَ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَعَلَى الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ جَعْلِهِ آيَةً أَنَّ مَنْ عَرَفَهُ مِنَ النَّاسِ شَابًّا كَامِلًا إِذَا شَاهَدُوهُ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ عَلَى شَبَابِهِ وَقَدْ شَاخُوا أَوْ هَرِمُوا، أَوْ سَمِعُوا بِالْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ مَاتَ مُنْذُ زَمَانٍ/ وَقَدْ عَادَ شَابًّا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لِأَجْلِ ذَلِكَ إِنَّهُ آيَةٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ وَيَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُبُوَّةَ نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ.

وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُهُ آيَةً، وَهَذَا الْإِخْبَارُ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ أَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ، وَتَكَلَّمَ مَعَهُ، وَالْمَجْعُولُ لَا يُجْعَلُ ثَانِيًا، فَوَجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ عَنْ هَذَا الْإِحْيَاءِ، وَأَنْتُمْ تَحْمِلُونَهُ عَلَى نَفْسِ هَذَا الْإِحْيَاءِ فَكَانَ بَاطِلًا والثاني: أنه وَجْهَ التَّمَسُّكِ أَنَّ قَوْلَهُ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ يَدُلُّ عَلَى التَّشْرِيفِ الْعَظِيمِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِحَالِ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَالشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ قَالَ: إِنَّ بُخْتَنَصَّرَ غَزَا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون، وَمِنْهُمْ عُزَيْرٌ وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فَجَاءَ بِهِمْ إلى بابل، فدخل عزيز يَوْمًا تِلْكَ الْقَرْيَةَ وَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ، فَرَبَطَ حِمَارَهُ وَطَافَ فِي الْقَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا أَحَدًا فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّكِّ فِي الْقُدْرَةِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِبْعَادِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَكَانَتِ الْأَشْجَارُ مُثْمِرَةً، فَتَنَاوَلَ مِنَ الْفَاكِهَةِ التِّينَ وَالْعِنَبَ، وَشَرِبَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَامَ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَنَامِهِ مِائَةَ عَامٍ وَهُوَ شَابٌّ، ثُمَّ أَعْمَى عَنْ مَوْتِهِ أَيْضًا الْإِنْسَ وَالسِّبَاعَ وَالطَّيْرَ، ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ الْمِائَةِ وَنُودِيَ من السماء: يا عزيز كَمْ لَبِثْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالَ يَوْماً فَأَبْصَرَ مِنَ الشَّمْسِ بَقِيَّةً فَقَالَ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ مِنَ التِّينِ وَالْعِنَبِ وَشَرَابِكَ مِنَ الْعَصِيرِ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُمَا، فَنَظَرَ فَإِذَا التِّينُ وَالْعِنَبُ كَمَا شَاهَدَهُمَا ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ بِيضٌ تَلُوحُ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَوْصَالُهُ وَسَمِعَ صَوْتًا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إِنِّي جَاعِلٌ فِيكِ رُوحًا فَانْضَمَّ أَجْزَاءُ الْعِظَامِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ الْتَصَقَ كُلُّ عُضْوٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ الضِّلْعُ إِلَى الضِّلْعِ وَالذِّرَاعُ إِلَى مَكَانِهِ ثُمَّ جَاءَ الرَّأْسُ إِلَى مَكَانِهِ ثُمَّ الْعَصَبُ وَالْعُرُوقُ ثُمَّ أَنْبَتَ طَرَاءُ اللَّحْمِ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْبَسَطَ الْجِلْدُ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَتِ الشُّعُورُ عَنِ الْجِلْدِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْهَقُ فَخَرَّ عُزَيْرٌ سَاجِدًا، وَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ إِنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَالَ الْقَوْمُ: حَدَّثَنَا آبَاؤُنَا أَنَّ عُزَيْرَ بْنَ شَرْخَيَاءَ مَاتَ بِبَابِلَ، وَقَدْ كَانَ بُخْتَنَصَّرُ قَتَلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِمَّنْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ وَكَانَ فِيهِمْ عُزَيْرٌ، وَالْقَوْمُ مَا عَرَفُوا أَنَّهُ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ جَدَّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ وَأَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ لَمْ يَخْرِمْ مِنْهَا حَرْفًا، وَكَانَتِ التَّوْرَاةُ قَدْ دُفِنَتْ فِي مَوْضِعٍ فَأُخْرِجَتْ وَعُورِضَ بِمَا أَمْلَاهُ فَمَا اخْتَلَفَا فِي حَرْفٍ، فَعِنْدَ ذلك قالوا: عزيز ابْنُ اللَّهِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مَشْهُورَةٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَارَّ كَانَ نَبِيًّا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَقَالَ وَهْبٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ: إِيلِيَاءُ وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ الْقَرْيَةُ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا الْأُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ.

/ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: خَوَى الْبَيْتُ فَهُوَ يَخْوِي خَوَاءً ممدود إِذَا مَا خَلَا مِنْ أَهْلِهِ، وَالْخَوَا: خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنَ الطَّعَامِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى» أَيْ خَلَّى مَا بَيْنَ عَضُدَيْهِ وَجَنْبَيْهِ، وَبَطْنِهِ وَفَخْذَيْهِ، وَخَوَّى الْفَرَسُ مَا بَيْنَ قَوَائِمِهِ، ثُمَّ يُقَالُ لِلْبَيْتِ إِذَا انْهَدَمَ: خَوَى لِأَنَّهُ بِتَهَدُّمِهِ يَخْلُو مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ: خَوَتِ النُّجُومُ وَأَخْوَتْ إِذَا سَقَطَتْ وَلَمْ تُمْطِرْ لِأَنَّهَا خَلَتْ عَنِ الْمَطَرِ، وَالْعَرْشُ سَقْفُ الْبَيْتِ، وَالْعُرُوشُ الْأَبْنِيَةُ، وَالسُّقُوفُ مِنَ الْخَشَبِ يُقَالُ: عَرَشَ الرَّجُلُ يَعْرِشُ وَيَعْرُشُ إِذَا بَنَى وَسَقَّفَ بِخَشَبٍ، فَقَوْلُهُ: وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أَيْ مُنْهَدِمَةٌ سَاقِطَةٌ خَرَابٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَفِيهِ وُجُوهٌ أَحَدُهَا: أَنَّ حِيطَانَهَا كَانَتْ قَائِمَةً وَقَدْ تَهَدَّمَتْ سُقُوفُهَا، ثُمَّ انْقَعَرَتِ الْحِيطَانُ مِنْ قَوَاعِدِهَا فَتَسَاقَطَتْ عَلَى السُّقُوفِ الْمُنْهَدِمَةِ، وَمَعْنَى الْخَاوِيَةِ الْمُنْقَلِعَةِ وَهِيَ الْمُنْقَلِعَةُ مِنْ أُصُولِهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الْحَاقَّةِ: 7] وَمَوْضِعٌ آخَرُ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [الْقَمَرِ: 20] وَهَذِهِ الصِّفَةُ فِي خَرَابِ الْمَنَازِلِ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُوصَفُ بِهِ وَالثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أَيْ خَاوِيَةٌ عَنْ عُرُوشِهَا، جَعَلَ (عَلَى) بِمَعْنَى (عَنْ) كَقَوْلِهِ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ [الْمُطَفِّفِينَ: 2] أَيْ عَنْهُمْ وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْقَرْيَةَ خَاوِيَةٌ مَعَ كَوْنِ أَشْجَارِهَا مَعْرُوشَةً فَكَانَ التَّعَجُّبُ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرَ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْقَرْيَةِ الْخَالِيَةِ الْخَاوِيَةِ أَنْ يَبْطُلَ مَا فِيهَا مِنْ عُرُوشِ الْفَاكِهَةِ، فَلَمَّا خَرِبَتِ الْقَرْيَةُ مَعَ بَقَاءِ عُرُوشِهَا كَانَ التَّعَجُّبُ أَكْثَرَ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ قَالَ: الْمَارُّ كَانَ كَافِرًا حَمَلَهُ عَلَى الشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ قَالَ كَانَ نَبِيًّا حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِبْعَادِ بِحَسَبِ مَجَارِي الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ طَلَبَ زِيَادَةِ الدَّلَائِلِ لِأَجْلِ التَّأْكِيدِ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 260] وَقَوْلُهُ أَنَّى أَيْ مِنْ أَيْنَ كَقَوْلِهِ أَنَّى لَكِ هَذَا [آلِ عِمْرَانَ: 37] وَالْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ عِمَارَتُهَا، أَيْ مَتَى يَفْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فَأَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يُرِيَهُ فِي نَفْسِهِ، وَفِي إِحْيَاءِ الْقَرْيَةِ آيَةً فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقِصَّةَ.

فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَائِدَةُ فِي إِمَاتَةِ اللَّهِ لَهُ مِائَةَ عَامٍ، مَعَ أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بَعْضِ يَوْمٍ حَاصِلٌ.

قُلْنَا: لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ تَرَاخِي الْمُدَّةِ أَبْعَدُ فِي الْعُقُولِ مِنَ الْإِحْيَاءِ بَعْدَ قُرْبِ الْمُدَّةِ، وَأَيْضًا فَلِأَنَّ بَعْدَ تَرَاخِي الْمُدَّةِ مَا يُشَاهَدُ مِنْهُ، وَيُشَاهِدُ هُوَ مِنْ غيره أعجب.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعَثَهُ فَالْمَعْنَى: ثُمَّ أَحْيَاهُ، وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ يُسَمَّى يَوْمَ الْبَعْثِ لِأَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأَصْلُهُ مِنْ بَعَثْتُ النَّاقَةَ إِذَا أَقَمْتُهَا مِنْ مَكَانِهَا، وَإِنَّمَا قَالَ ثُمَّ بَعَثَهُ وَلَمْ يَقُلْ: ثُمَّ أَحْيَاهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ ثُمَّ بَعَثَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَادَ كَمَا كَانَ أَوَّلًا حَيًّا عَاقِلًا فَهِمًا مُسْتَعِدًّا لِلنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: ثُمَّ أَحْيَاهُ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الْفَوَائِدُ.

/ أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ كَمْ لَبِثْتَ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْإِدْغَامِ وَالْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ، فَمَنْ أَدْغَمَ فَلِقُرْبِ الْمَخْرَجَيْنِ وَمَنْ أَظْهَرَ فَلِتَبَايُنِ الْمَخْرَجَيْنِ وَإِنْ كَانَا قَرِيبَيْنِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا عُرِفَ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِطَابَ كَانَ مَقْرُونًا بِالْمُعْجِزِ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ شَاهَدَ مِنْ أَحْوَالِ حِمَارِهِ وَظُهُورِ الْبِلَى فِي عِظَامِهِ مَا عَرَفَ بِهِ أَنَّ تِلْكَ الْخَوَارِقَ لَمْ تَصْدُرْ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْآيَةِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَكَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ حَيًّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِ كَانَتْ طَوِيلَةً أَمْ قَصِيرَةً، فَمَعَ ذَلِكَ لِأَيِّ حِكْمَةٍ سَأَلَهُ عَنْ مِقْدَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ.

وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ التَّنْبِيهُ عَلَى حُدُوثِ مَا حَدَثَ مِنَ الْخَوَارِقِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَفِيهِ سُؤَالَاتٌ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ ذَكَرَ هَذَا التَّرْدِيدَ؟.

الْجَوَابُ: أَنَّ الْمَيِّتَ طَالَتْ مُدَّةُ مَوْتِهِ أَوْ قَصُرَتْ فَالْحَالُ وَاحِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ فَأَجَابَ بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَيِّتًا لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّ إِمَاتَتَهُ كَانَتْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَقَالَ يَوْماً ثُمَّ لَمَّا نَظَرَ إِلَى ضَوْءِ الشَّمْسِ بَاقِيًا على رؤوس الْجُدْرَانِ فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللُّبْثُ مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَلَيْسَ هَذَا يَكُونُ كَذِبًا؟.

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الظَّنِّ، وَلَا يَكُونُ مُؤَاخَذًا بِهَذَا الْكَذِبِ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الْكَهْفِ: 19] عَلَى مَا تَوَهَّمُوهُ وَوَقَعَ عِنْدَهُمْ، وأيضا قال أخوة يوسف عليه السلام: يَا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا [يُوسُفَ: 81] وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْأَمَارَةِ مِنْ إِخْرَاجِ الصُّوَاعِ مِنْ رَحْلِهِ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: هَلْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ.

الْجَوَابُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْأَصْلِيَّ فِي إِمَاتَتِهِ ثُمَّ إِحْيَائِهِ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ أَنْ يُشَاهِدَ الْإِحْيَاءَ بَعْدَ الْإِمَاتَةِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الْمَوْتِ، وَهُوَ أَيْضًا قَدْ شَاهَدَ إِمَّا فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي حِمَارِهِ أَحْوَالًا دَالَّةً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اللُّبْثَ كَانَ بِسَبَبِ الموت.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَالْمَعْنَى ظَاهِرٌ، وَقِيلَ: الْعَامُ أَصْلُهُ مِنَ الْعَوْمِ الَّذِي هُوَ السِّبَاحَةُ، لِأَنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا لَا يُمْكِّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ فَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي إِثْبَاتِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ ومالِيَهْ وسُلْطانِيَهْ وما هِيَهْ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْفِ، فَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ هَذِهِ الْحُرُوفَ كُلَّهَا بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ، وَكَانَ حَمْزَةُ يَحْذِفُهُنَّ فِي الْوَصْلِ وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَحْذِفُ الْهَاءَ فِي الْوَصْلِ مِنْ قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ وَيُثْبِتُهَا فِي الْوَصْلِ فِي الْبَاقِي وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَوْلِهِ لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ [الْحَاقَّةِ: 25، 26] أَنَّهَا بِالْهَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ.

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: أَمَّا الْحَذْفُ ففيه وجوه أحدهما: أن اشتقاق قوله يَتَسَنَّهْ من السنة وزعم كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ أَصْلَ السَّنَةِ سَنَوَةٌ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْهَا أَسَنَّتِ الْقَوْمَ إِذَا أَصَابَتْهُمِ السَّنَةُ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَرِجَالُ مَكَّةَ مِسْنِتُونَ عِجَافُ وَيَقُولُونَ فِي جَمْعِهَا: سَنَوَاتٌ وَفِي الْفِعْلِ مِنْهَا: سَانَيْتُ الرَّجُلَ مُسَانَاةً إِذَا عَامَلَهُ سَنَةً سَنَةً، وَفِي التَّصْغِيرِ: سُنَيَّةٌ إِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَتَسَنَّهْ لِلسَّكْتِ لَا لِلْأَصْلِ وَثَانِيهَا: نَقَلَ الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَصْلُ سَنَةٍ سَنَنَةً، لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَصْغِيرِهَا: سُنَيْنَةٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَلِيلًا، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَسَنَّهْ أَصْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّنْ، ثُمَّ أُسْقِطَتِ النُّونُ الْأَخِيرَةُ ثم أدخل عليها هاء السكت عن الْوَقْفِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ لَمْ يَتَقَضَّ الْبَازِيُّ لَمْ يَتَقَضَّضِ الْبَازِيُّ ثُمَّ أُسْقِطَتِ الضَّادُ الْأَخِيرَةُ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ هَاءُ السَّكْتِ عِنْدَ الْوَقْفِ، فَيُقَالُ: لَمْ يَتَقَضَّهْ وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَسَنَّهْ مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الْحِجْرِ: 26] وَالسِّنُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الصَّبُّ، هَكَذَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، فَقَوْلُهُ: لَمْ يَتَسَنَّنْ.

أَيِ الشَّرَابُ بَقِيَ بِحَالِهِ لَمْ يَنْضُبْ، وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ مِائَةُ عَامٍ، ثُمَّ أنه حذفت النون الأخيرة وأبدلت بها السَّكْتِ عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ لِبَيَانِ الْحَذْفِ، وَأَمَّا بَيَانُ الْإِثْبَاتِ فَهُوَ أَنَّ لَمْ يَتَسَنَّهْ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّنَةِ، وَالسَّنَةُ أَصْلُهَا سَنْهَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ فِي تَصْغِيرِهَا: سُنَيْهَةٌ، وَيُقَالُ: سَانَهَتِ النَّخْلَةُ بِمَعْنَى عَاوَمَتْ، وَآجَرْتُ الدَّارَ مُسَانَهَةً، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْهَاءُ فِي لَمْ يَتَسَنَّهْ لَامُ الْفِعْلِ، فَلَا جَرَمَ لَمْ يُحْذَفِ الْبَتَّةَ لَا عِنْدَ الْوَصْلِ وَلَا عِنْدَ الْوَقْفِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: لَمْ يَتَسَنَّهْ أَيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَأَصْلُ مَعْنَى لَمْ يَتَسَنَّهْ أَيْ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ لِأَنَّ مَرَّ السِّنِينَ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ، وَنَقَلْنَا عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ: لَمْ يَتَسَنَّنْ أَيْ لَمْ يَنْضُبِ الشَّرَابُ، بَقِيَ فِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ: / السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَبِثَ مِائَةَ عَامٍ بَلْ يَدُلُّ ظَاهِرًا عَلَى مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَبِثَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ.

وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَتِ الشُّبْهَةُ أَقْوَى مَعَ عِلْمِ الْإِنْسَانِ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّهَا شُبْهَةٌ كَانَ سَمَاعُ الدَّلِيلِ الْمُزِيلِ لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ آكَدَ وَوُقُوعُهُ فِي الْعَمَلِ أَكْمَلَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ قَالَ: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُؤَكِّدُ قَوْلَكَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ اشْتِيَاقُكَ إِلَى الدَّلِيلِ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فَرَأَى الْحِمَارَ صَارَ رَمِيمًا وَعِظَامًا نَخِرَةً فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ يُسْرِعُ التَّغَيُّرُ فِيهِمَا، وَالْحِمَارُ رُبَّمَا بَقِيَ دَهْرًا طَوِيلًا وَزَمَانًا عَظِيمًا، فَرَأَى مَا لَا يَبْقَى بَاقِيًا، وَهُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَمَا يَبْقَى غَيْرَ بَاقٍ وَهُوَ الْعِظَامُ، فَعَظُمَ تَعَجُّبُهُ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَمَكُّنُ وُقُوعِ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي عَقْلِهِ وَفِي قَلْبِهِ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَقَوْلُهُ لَمْ يَتَسَنَّهْ رَاجِعٌ إِلَى الشَّرَابِ لَا إِلَى الطَّعَامِ.

وَالْجَوَابُ: كَمَا يُوصَفُ الشَّرَابُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَذَلِكَ يُوصَفُ الطَّعَامُ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ لَطِيفًا يَتَسَارَعُ الْفَسَادُ إِلَيْهِ، وَالْمَرْوِيُّ أَنَّ طَعَامَهُ كَانَ التِّينَ وَالْعِنَبَ، وَشَرَابُهُ كَانَ عَصِيرَ الْعِنَبِ وَاللَّبَنَ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَهَذَا شَرَابُكَ لَمْ يَتَسَنَّنْ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ عرف طُولَ مُدَّةَ مَوْتِهِ بِأَنْ شَاهَدَ عِظَامَ حِمَارِهِ نَخِرَةً رَمِيمَةً، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَدُلُّ بِذَاتِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا شَاهَدَ انْقِلَابَ الْعِظَامِ النَّخِرَةِ حَيًّا فِي الْحَالِ عَلِمَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمِيتَ الْحِمَارَ فِي الْحَالِ وَيَجْعَلَ عِظَامَهُ رَمِيمَةً نَخِرَةً فِي الْحَالِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِعِظَامِ الْحِمَارِ عَلَى طُولِ مُدَّةِ الْمَوْتِ، بَلِ انْقِلَابُ عِظَامِ الْحِمَارِ إِلَى الْحَيَاةِ مُعْجِزَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ مَا سُمِعَ مِنْ قَوْلِهِ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ قَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا أُحْيِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْبَعْثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ آيَةً لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ شَابًّا أَسْوَدَ الرَّأْسِ، وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ بيض اللحى والرؤوس.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّشْرِيفُ وَالتَّعْظِيمُ وَالْوَعْدُ بِالدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِمَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَالشَّكِّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.

فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَلِنَجْعَلَكَ قُلْنَا: قَالَ الْفَرَّاءُ: دَخَلَتِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْدَهَا مُضْمَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً، كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْحِمَارِ شَرْطًا، وَجَعْلُهُ آيَةً جَزَاءً، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَطْلُوبٍ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، أَمَّا لَمَّا قَالَ: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً كَانَ الْمَعْنَى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً فَعَلْنَا مَا فَعَلْنَا مِنَ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [الْأَنْعَامِ: 105] وَالْمَعْنَى: وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَّفْنَا الْآيَاتِ وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الْأَنْعَامِ: 75] أَيْ وَنُرِيَهُ الْمَلَكُوتَ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِظَامِ عِظَامُ حِمَارِهِ، فَإِنَّ اللَّامَ فِيهِ بَدَلُ الْكِنَايَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ أَرَادُوا بِهِ عِظَامَ هَذَا الرَّجُلِ نَفْسِهِ، قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى أَحْيَا رَأْسَهُ وَعَيْنَيْهِ، وَكَانَتْ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ عِظَامًا نَخِرَةً، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْزَاءِ عِظَامِ نَفْسِهِ فَرَآهَا تَجْتَمِعُ وَيَنْضَمُّ الْبَعْضُ إِلَى الْبَعْضِ، وَكَانَ يَرَى حِمَارَهُ وَاقِفًا كَمَا رَبَطَهُ حِينَ كَانَ حَيًّا لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عَامٍ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِكَ، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَابْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ عِنْدِي ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إِنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ لَا يَرَى أَثَرَ التَّغَيُّرِ فِي نَفْسِهِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فِي بَعْضِ يَوْمٍ، أَمَّا مَنْ شَاهَدَ أَجْزَاءَ بَدَنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَعِظَامَ بَدَنَةٍ رَمِيمَةٍ نَخِرَةٍ، فَلَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ القول وثانيها: أنه تعالى حكي عنه أن خَاطَبَهُ وَأَجَابَ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُجِيبُ هُوَ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ، فَإِذَا كَانَتِ الْإِمَاتَةُ رَاجِعَةً إِلَى كُلِّهِ، فَالْمُجِيبُ أَيْضًا الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةَ الشَّخْصِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلِهِ فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ أَحْيَاهَا وَبَعَثَهَا.

أَمَّا قَوْلُهُ كَيْفَ نُنْشِرُهَا فَالْمُرَادُ يُحْيِيهَا، يُقَالُ: أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ وَنَشَرَهُ، قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْعِظَامَ بِالْإِحْيَاءِ فِي قَوْلِهِ تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا [يس: 78، 79] وَقُرِئَ نَنْشُرُهَا بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الشِّينِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى النَّشْرِ بَعْدَ الطَّيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ بِالْحَيَاةِ يَكُونُ الِانْبِسَاطُ فِي التَّصَرُّفِ، فَهُوَ كَأَنَّهُ مَطْوِيٌّ مَا دَامَ مَيِّتًا، فَإِذَا عَادَ صَارَ كَأَنَّهُ نُشِرَ بَعْدَ الطَّيِّ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ نُنْشِزُها بِالزَّايِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ فَوْقُ، وَالْمَعْنَى نَرْفَعُ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَإِنْشَازُ الشَّيْءِ رَفْعُهُ، يُقَالُ أَنَشَزْتُهُ فَنَشَزَ، أَيْ رَفَعْتُهُ فَارْتَفَعَ، وَيُقَالُ لِمَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ نَشَزَ، وَمِنْهُ نُشُوزُ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ أَنْ تَرْتَفِعَ عَنْ حَدِّ رِضَا الزَّوْجِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: كَيْفَ نرفعها من الأرض فتردها إِلَى أَمَاكِنِهَا مِنَ الْجَسَدِ وَنُرَكِّبَ بَعْضَهَا عَلَى الْبَعْضِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ نُنْشِزُها بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الشِّينِ وَالزَّايِ وَوَجْهُهُ مَا قَالَ الْأَخْفَشُ أَنَّهُ يُقَالُ: نَشَزْتُهُ وَأَنْشَزْتُهُ أَيْ رَفَعْتُهُ، وَالْمَعْنَى مِنْ جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ أَنَّهُ تَعَالَى رَكَّبَ الْعِظَامَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ حَتَّى اتَّصَلَتْ عَلَى نِظَامٍ، ثُمَّ بَسَطَ اللَّحْمَ عَلَيْهَا، وَنَشَرَ الْعُرُوقَ وَالْأَعْصَابَ وَاللُّحُومَ وَالْجُلُودَ عَلَيْهَا، وَرَفَعَ بَعْضَهُ إِلَى جَنْبِ الْبَعْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ الْقِرَاءَاتِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها/ وَالْمَعْنَى فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ وُقُوعُ مَا كَانَ يَسْتَبْعِدُ وُقُوعَهُ وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : فَاعِلُ تَبَيَّنَ لَهُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَحُذِفَ الْأَوَّلُ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ تَعَسُّفٌ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاهَدَةِ قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَتَأْوِيلُهُ: أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ مُشَاهَدَةَ مَا كُنْتُ أَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قالَ أَعْلَمُ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِنْدَ التَّبَيُّنِ أَمَرَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، قَالَ الْأَعْشَى: وَدِّعْ أُمَامَةَ إِنَّ الرَّكْبَ قَدْ رَحَلُوا وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَعْمَشِ: قِيلَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [الْبَقَرَةِ: 260] ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 260] قال القاضي: والقراءة الأولى وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ إِنَّمَا يَحْسُنُ عِنْدَ عدم المأمور به، وهاهنا الْعِلْمُ حَاصِلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فَكَانَ الْأَمْرُ بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ، أَمَّا الْإِخْبَارُ عَنْ أَنَّهُ حَصَلَ كَانَ جائزاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ تعجيب من محاجة نمروذ في الله وكفره به ﴿ أَنْ آتاه الله الملك ﴾ متعلق بحاجَّ على وجهين: أحدهما حاجّ لأن آتاه الله الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتوَّ فحاجّ لذلك، أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه الله الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، كما تقول: عاداني فلان لأني أحسنت إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ ﴾ [الواقعة: 82] .

والثاني: حاجّ وقت أن آتاه الله الملك.

فإن قلت: كيف جاز أن يؤتي الله الملك الكافر؟

قلت: فيه قولان: آتاه ما غلب به وتسلط من المال والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا.

وقيل: ملكه امتحاناً لعباده.

و ﴿ إِذْ قَالَ ﴾ نصب بحاج أو بدل من آتاه إذ جعل بمعنى الوقت ﴿ أَنَاْ أُحْىِ وَأُمِيتُ ﴾ يريد أعفو عن القتل وأقتل.

وكان الاعتراض عتيداً ولكن إبراهيم لما سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء.

وهذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة.

وقريء: ﴿ فبهت الذي كفر ﴾ أي فغلب إبراهيم الكافر.

وقرأ أبو حيوة: ﴿ فبهت ﴾ ، بوزن قرب.

وقيل: كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام وسجنه نمروذ، ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟

فقال: ربي الذي يحيي ويميت.

﴿ أَوْ كالذى ﴾ معناه.

أو أرأيت مثل الذي مرَّ فحذف لدلالة ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ عليه؛ لأنّ كلتيهما كلمة تعجيب.

ويجوز أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مرّ على قرية.

والمارّ كان كافراً بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي: (أنى يُحْيىِ).

وقيل: هو عزير أو الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه السلام.

وقوله: ﴿ أَنَّى يُحْىِ ﴾ اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، واستعظام لقدرة المحيي.

والقرية: بيت المقدس حين خربه بختنصر.

وقيل: هي التي خرج منها الألوف ﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا ﴾ تفسيره فيما بعد ﴿ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ بناء على الظن.

روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.

وروي: أن طعامه كان تيناً وعنباً.

وشرابه عصيراً أو لبناً، فوجد التين والعنب كما جنيا، والشراب على حاله ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ لم يتغير، والهاء أصلية أو هاء سكت.

واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأن لامها هاء أو واو، وذلك أن الشيء يتغير بمرور الزمان.

وقيل: أصله يتسنن، من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف علة، كتقضي البازي.

ويجوز أن يكون معنى ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ لم تمرّ عليه السنون التي مرت عليه، يعني هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة سنة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن ﴾ .

وقرأ أبيّ: ﴿ لم يسَّنه ﴾ ، بإدغام التاء في السين ﴿ وانظر إلى حِمَارِكَ ﴾ كيف تفرّقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه.

ويجوز أن يراد: وانظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ ﴾ فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه، وقيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير، فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة فأخذ يهذها هذاً عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفاً، فقالوا: هو ابن الله.

ولم يقرأ التوراة ظاهراً أحد قبل عزير، فذلك كونه آية.

وقيل: رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخاً وهو شاب، فإذا حدّثهم بحديث قالوا: حديث مائة سنة ﴿ وانظر إِلَى العظام ﴾ هي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم ﴿ كَيْفَ نُنشِزُهَا ﴾ كيف نحييها.

وقرأ الحسن: ﴿ ننشرها ﴾ ، من نشر الله الموتى، بمعنى: أنشرهم فنشروا، وقريء بالزاي، بمعنى نحرّكها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.

وفاعل (تَّبَيَّنَ) مضمر تقديره: فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في قولهم: ضربني وضربت زيداً.

ويجوز: فلما تبين له ما أشكل عليه، يعني أمر إحياء الموتى.

وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ فلما تبين له ﴾ على البناء للمفعول.

وقرئ: ﴿ قال اعلم ﴾ ، على لفظ الأمر: وقرأ عبد الله: ﴿ قيل اعلم ﴾ .

فإن قلت: فإن كان المارّ كافراً فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟

قلت: كان الكلام بعد البعث ولم يكن إذ ذاك كافراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن مُحاجَّةِ نُمْرُوذَ وحَماقَتِهِ.

﴿ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ لِأنَّ آتاهُ أيْ أبْطَرَهُ إيتاءَ المُلْكِ وحَمَلَهُ عَلى المُحاجَّةِ، أوْ حاجَّ لِأجْلِهِ شُكْرًا لَهُ عَلى طَرِيقَةِ العَكْسِ كَقَوْلِكَ عادَيْتَنِي لِأنِّي أحْسَنْتُ إلَيْكَ، أوْ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ وهو حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ إيتاءَ اللَّهِ المُلْكَ الكافِرَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ.

﴿ إذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ ظَرْفٌ لِ « حاجَّ»، أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي.

﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ بِخَلْقِ الحَياةِ والمَوْتِ في الأجْسادِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ « رَبِّ» بِحَذْفِ الياءِ.

﴿ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ ﴾ بِالعَفْوِ عَنِ القَتْلِ والقَتْلِ.

وقَرَأ نافِعٌ « أنا» بِلا ألِفٍ.

﴿ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ ﴾ أعْرَضَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الِاعْتِراضِ عَلى مُعارَضَتِهِ الفاسِدَةِ إلى الِاحْتِجاجِ بِما لا يَقْدِرُ فِيهِ عَلى نَحْوِ هَذا التَّمْوِيهِ دَفْعًا لِلْمُشاغَبَةِ، وهو في الحَقِيقَةِ عُدُولٌ عَنْ مِثالٍ خَفِيٍّ إلى مِثالٍ جَلِيٍّ مِن مَقْدُوراتِهِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنِ الإتْيانِ بِها غَيْرُهُ، لا عَنْ حُجَّةٍ إلى أُخْرى.

ولَعَلَّ نُمْرُوذَ زَعَمَ أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ جِنْسٍ يَفْعَلُهُ اللَّهُ فَنَقَضَهُ إبْراهِيمُ بِذَلِكَ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلَيْهِ بَطَرُ المَلِكِ وحَماقَتُهُ، أوِ اعْتِقادُ الحُلُولِ.

وقِيلَ لَمّا كَسَرَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الأصْنامَ سَجَنَهُ أيّامًا ثُمَّ أخْرَجَهُ لِيَحْرُقَهُ، فَقالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ وحاجَّهُ فِيهِ.

﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ فَصارَ مَبْهُوتًا.

وقُرِئَ « فَبُهِتَ» أيْ فَغَلَبَ إبْراهِيمُ الكافِرَ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ الهِدايَةِ.

وقِيلَ لا يَهْدِيهِمْ مَحَجَّةَ الِاحْتِجاجِ أوْ سَبِيلَ النَّجاةِ، أوْ طَرِيقَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)

ثم عجب نبيه عليه السلام وسلاه بمجادلة إبراهيم عليه السلام نمرود الذي كان يدعي الربوبية بقوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ} في معارضته ربوبية ربه والهاء في ربه يرجع إلى إبراهيم أو الذى حاج فهو ربهما

البقرة (٢٥٨ _ ٢٥٩)

{أَنْ آتاه الله الملك} لأنّ آتاه الله يعني أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر فحاج لذلك وهو دليل على المعتزلة في الأصلح أو حاج وقت أن أتاه الله الملك {إِذْ قَالَ} نصب يحاج أو بدل من أن آتاه إذا جعل بمعنى الوقت {إبراهيم ربي} حمزة {الذى يُحِْيى وَيُمِيتُ} كأنه قال له من ربك قال

ربي الذي يحيي ويميت {قال} نمرود {أنا أحيي وأميت} يريد اعفى عن القتل وأقتل فانقطع اللعين بهذا عند المخاصمة فزاد إبراهيم عليه السلام ما لا يتأنى فيه التلبيس على الضعفة حيث {قَالَ إبراهيم} عليه السلام {فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب} وهذا ليس بانتقال من حجة إلى حجة كما زعم البعض لأن الحجة الأولى كانت لازمة ولكن لما عاندا للعين حجة الأحياء بتحلية واحد وقتل آخر كلمه من وجه لا يعاند وكانوا أهل تنجيم وحركة الكواكب من المغرب إلى المشرق معلومة لهم والحركة الشرقية المحسوسة لنا قسرية كتحريك الماء النمل على الرحى إلى غير جهة حركة النمل فقال إن ربي يحرك الشمس قسراً على غير حركتها فإن كنت رباً فحركها بحركتها فهو أهون {فَبُهِتَ الذى كَفَرَ} تحير ودهش {والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} أي لا يوفقهم وقالوا إنما لم يقل نمرود فليأت ربك بالشمس من المغرب لأن الله تعالى صرفه عنه وقيل إنه كان يدعي الربوبية لنفسه وما كان يعترف بالربوبية لغيره ومعنى قوله أنا أحيي وأميت أن الذي ينسب إليه الإحياء والامانة أنا لا غيري والآية تدل على إباحة التكلم في علم الكلام والمناظرة فيه لأنه قال أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى ربه والمحاجة تكون بين اثنين فدل على أن إبراهيم حاجه أيضا ولولم يكن مباحاً لما باشرها إبراهيم عليه السلام لكون الأنبياء عليهم السلام معصومين عن ارتكاب الحرام ولأنا أمرنا بدعاء الكفرة إلى الإيمان بالله وتوحيده وإذا دعوناهم إلى ذلك لا بد أن يطلبوا من الدليل على ذلك وذا لا يكون إلا بعد المناضرة كذا في شرح التأويلات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ ﴾ بَيانٌ لِتَسْدِيدِ المُؤْمِنِينَ إذْ كانَ ولِيَّهم وخِذْلانِ غَيْرِهِمْ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ، واهْتَمَّ بِبَيانِهِ لِأنَّ مُنْكِرِي وِلايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ كَثِيرُونَ، وقِيلَ: اِسْتِشْهادٌ عَلى ما ذَكَرَ مِن أنَّ الكَفَرَةَ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ وتَقْرِيرٌ لَهم كَما أنَّ ما بَعْدَهُ اِسْتِشْهادٌ عَلى وِلايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْرِيرٌ لَها، وبَدَأ بِهِ لِرِعايَةِ الِاقْتِرانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَدْلُولِهِ ولِاسْتِقْلالِهِ بِأمْرٍ عَجِيبٍ حَقِيقٍ بِأنْ يُصَدِّرَ بِهِ المَقالَ وهو اِجْتِراؤُهُ عَلى المُحاجَّةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وما أتى بِهِ في أثْنائِها مِنَ العَظَمَةِ المُنادِيَةِ بِكَمالِ حَماقَتِهِ، ولِأنَّ فِيما بَعْدَهُ تَعْدادًا وتَفْصِيلًا يُورِثُ تَقْدِيمُهُ اِنْتِشارَ النَّظْمِ عَلى أنَّهُ قَدْ أُشِيرَ في تَضاعِيفِهِ إلى هِدايَتِهِ تَعالى أيْضًا بِواسِطَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّ ما يُحْكى عَنْهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وادِّحاضِ حُجَّةِ الكافِرِينَ مِن آثارِ وِلايَتِهِ تَعالى ولا يَخْفى ما فِيهِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَعْنى التَّعَجُّبِ أيْ ألَمْ تَنْظُرْ، أوْ ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى قِصَّةِ هَذا الكافِرِ الَّذِي لَسْتُ بِوَلِيٍّ لَهُ كَيْفَ تَصَدّى لِمُحاجَّةِ مَن تَكَفَّلْتَ بِنُصْرَتِهِ وأخْبَرْتَ بِأنِّي ولِيٌّ لَهُ ولِمَن كانَ مِن شِيعَتِهِ أيْ قَدْ تَحَقَّقَتْ رُؤْيَةُ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ وتَقَرَّرَتْ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ فَلْتَكُنْ في الغايَةِ القُصْوى مِن تَحَقُّقِ ما ذَكَرْتُهُ لَكَ مِن وِلايَتِي لِلْمُؤْمِنِينَ وعَدَمِها لِلْكافِرِينَ ولْتَطِبْ نَفْسُكَ أيُّها الحَبِيبُ وأبْشِرْ بِالنَّصْرِ فَقَدْ نَصَرْتُ الخَلِيلَ، وأيْنَ مَقامُ الخَلِيلِ مِنَ الحَبِيبِ، وخَذَلْتُ رَأْسَ الطّاغِينَ فَكَيْفَ بِالأذْنابِ الأرْذَلِينَ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ سَنْجارِيبَ وهو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ وادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، كَما قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ وإنَّما أطْلَقَ عَلى ما وقَعَ لَفْظَ المُحاجَّةِ وإنْ كانَتْ مُجادَلَةً بِالباطِلِ لِإيرادِها مَوْرِدَها، واخْتُلِفَ في وقْتِها فَقِيلَ: عِنْدَ كَسْرِ الأصْنامِ وقَبْلَ إلْقائِهِ في النّارِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وقِيلَ: بَعْدَ إلْقائِهِ في النّارِ وجَعْلِها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا وهو المَرْوِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَشْرِيفٌ لَهُ وإيذانٌ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِتَأْيِيدِ ولَيِّهِ لَهُ في المُحاجَّةِ فَإنَّ التَّرْبِيَةَ نَوْعٌ مِنَ الوِلايَةِ.

﴿ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ أيْ لِأنْ آتاهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ اللّامِ وهو مُطَّرِدٌ في أنْ وإنْ، ولَيْسَ هُناكَ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ مَنصُوبٌ لِعَدَمِ اِتِّحادِ الفاعِلِ، والتَّعْلِيلُ فِيهِ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنَّ إيتاءِ المُلْكِ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ أوْرَثَهُ الكِبْرَ والبَطَرَ فَنَشَأتِ المُحاجَّةُ عَنْهُما، وإمّا أنَّهُ مِن بابِ العَكْسِ في الكَلامِ بِمَعْنى أنَّهُ وضَعَ المُحاجَّةَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ إذْ كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَشْكُرَ عَلى ذَلِكَ، فَعَلى الأوَّلِ: العِلَّةُ تَحْقِيقِيَّةٌ، وعَلى الثّانِي: تَهَكُّمِيَّةٌ كَما تَقُولُ: عادانِي فُلانٌ لِأنِّي أحَسَنْتُ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ آتاهُ ﴾ الخ واقِعًا مَوْقِعَ الظَّرْفِ بِدُونِ تَقْدِيرٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حاجَّ وقْتَ أنْ آتاهُ اللَّهُ، وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ المُحاجَّةَ لَمْ تَقَعْ وقْتَ إيتاءِ المُلْكِ بَلِ الإيتاءُ سابِقٌ عَلَيْها، وبِأنَّ النُّحاةَ نَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ الزَّمانِيِّ إلّا المَصْدَرَ الصَّرِيحَ بِلَفْظِهِ كَ جِئْتُ خُفُوقَ النَّجْمِ وصِياحَ الدِّيكِ ولا يَجُوزُ إنْ خَفَقَ وإنْ صاحَ.

وأُجِيبَ بِاعْتِبارِ الوَقْتِ مُمْتَدًّا، وبِأنَّ النَّصَّ مَعارَضٌ بِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ تَنُوبُ عَنِ الزَّمانِ ولَيْسَتْ بِمَصْدَرٍ صَرِيحٍ، واَلَّذِي جَوَّزَ ذَلِكَ اِبْنُ جِنِّيٍّ والصَّفّارُ في «شَرْحِ الكِتابِ»، والحَقُّ أنَّ التَّعْلِيلَ لِما أمْكَنَ وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ خالٍ عَمّا يُقالُ لا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنْهُ لا سِيَّما وتَقْدِيرُ المُضافِ مَعَ القَوْلِ بِالِامْتِدادِ والتِزامِ قَوْلِ اِبْنِ جِنِّيٍّ والصَّفّارِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِكَلامِ الجُمْهُورِ في غايَةٍ مِنَ التَّعَسُّفِ.

والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ إيتاءَ اللَّهِ المُلْكَ لِكافِرٍ وحَمَلَها عَلى إيتاءِ اللَّهِ تَعالى ما غَلَبَ بِهِ وتَسَلَّطَ مِنَ المالِ والخُدّامِ والأتْباعِ، أوْ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَلَّكَهُ اِمْتِحانًا لِعِبادِهِ كَما فَعَلَ المانِعُ القائِلُ بِوُجُوبِ رِعايَةِ الأصْلَحِ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ مَن لَهُ مُسْكَةٌ مِنَ الإنْصافِ يَعْلَمُ أنَّهُ لا مَعْنى لِإيتاءِ المُلْكِ والتَّسْلِيطِ إلّا إيتاءَ الأسْبابِ ولَوْ سَلَّمَ فَفي إيتاءِ الأسْبابِ يَتَوَجَّهُ السُّؤالُ ولَوْ سَلَّمَ فَما مِن قَبِيحٍ إلّا ويُمْكِنُ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كالِامْتِحانِ، ولِقُوَّةِ هَذا الِاعْتِراضِ اِلْتَزَمَ بَعْضُهم جَعْلَ ضَمِيرِ ﴿ آتاهُ ﴾ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ وهو المَحْكِيُّ عَنْ أبِي قاسِمٍ البَلْخِيُّ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ وخِلافُ التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ، والواقِعُ مَعَ هَذا يُكَذِّبُهُ إذْ لَيْسَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ مُلْكٌ ولا تَصَرُّفٌ ولا نُفُوذُ أمْرٍ.

وذَهَبَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ إلى أنَّ المُلْكَ الَّذِي لا يُؤْتِيهِ اللَّهُ لِلْكافِرِ هو ما كانَ بِتَمْلِيكِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإيجابِ الطّاعَةِ عَلى الخُلُقِ، وأمّا ما كانَ بِالغَلَبَةِ وسِعَةِ المالِ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ قَهْرًا كَمُلْكِ نَمْرُوذُ فَهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ أوْ تَكُونُ فِيهِ كَلِمَتانِ، والقَوْلُ بِأنَّ هَذا المارِدُ أُعْطِيَ المُلْكَ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ خارِجٌ عَنِ الإنْصافِ بَلِ الَّذِي أُوتِيَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا أنَّهُ قَدْ عُورِضَ في مُلْكِهِ وغُولِبَ عَلى ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ إلى أنْ قَضى اللَّهُ تَعالى ما قَضى ومَضى مَن مَضى ولِلْباطِلِ جَوْلَةٌ ثُمَّ يَزُولُ، وهو كَلامٌ أقْرَبُ ما يَكُونُ إلى الصَّوابِ لَكِنِّي أشُمُّ مِنهُ رِيحَ الضَّلالِ، ويَلُوحُ لِي أنَّهُ تَعْرِيضٌ بِالأصْحابِ واَللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورِ وفي العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في هَذا المَقامِ ما لا يَخْفى.

﴿ إذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ ظَرْفٌ لِ حاجَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آتاهُ) بِناءً عَلى القَوْلِ الَّذِي عَلِمْتَ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الظَّرْفَيْنِ مُخْتَلِفانِ إذْ وقْتُ إيتائِهِ المُلْكَ لَيْسَ وقْتَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ فَإنَّهُ عَلى ما رُوِيَ قالَهُ بَعْدَ أنْ سُجِنَ لِكَسْرِهِ الأصْنامَ وإثْرَ قَوْلِ نَمْرُوذَ لَهُ وقَدْ كانَ أُوتِيَ قَبْلُ المُلْكَ: مَن رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ؟

وأجابَ السَّفاقِسِيُّ بِالتَّجَوُّزِ في ﴿ آتاهُ ﴾ وعَدَمِ إرادَةِ اِبْتِداءِ الإتْيانِ مِنهُ بَلْ زَمانُ المُلْكِ وهو مُمْتَدٌّ يَسَعُ قَوْلَيْنِ بَلْ أقْوالًا، واعْتَرَضَ أبُو البَقاءِ أيْضًا بِأنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ الظَّرْفِ فَلَوْ كانَ بَدَلًا لَكانَ غَلَطًا إلّا أنْ يُجْعَلَ (إذْ) بِمَعْنى أنْ المَصْدَرِيَّةِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ، وقالَ الحَلَبِيُّ: وهَذا بِناءً مِنهُ عَلى أنَّ إنَّ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ ولَيْسَتْ واقِعَةً مَوْقِعَ الظَّرْفِ أمّا إذا كانَتْ واقِعَةً مَوْقِعَهُ فَلا يَكُونُ بَدَلَ غَلَطٍ بَلْ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ آتاهُ ﴾ بَدَلَ اِشْتِمالٍ، واسْتَشْكَلَ بَعْضُهم عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ مَوْقِعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ ﴾ إلّا أنْ يُجْعَلَ اِسْتِئْنافًا جَوابَ سُؤالٍ، وجَعْلُهُ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ يَأْبى ذَلِكَ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ أنا ﴾ الخ، ويُقَدَّرُ السُّؤالُ قَبْلَ ﴿ إذْ قالَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ حاجَّ إبْراهِيمُ؟

فَأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، ولا يَخْفى أنَّ الإباءَ هو الإباءُ، فالأوْلى القَوْلُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ هَذا القَوْلَ بَيانٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ حاجَّ ﴾ ، و ﴿ رَبِّيَ ﴾ بِفَتْحِ الياءِ، وقُرِئَ بِحَذْفِها، وأرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِ ﴿ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ، وأرادَ اللَّعِينُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أحَدَهُما وتَرَكَ الآخَرَ وقالَ ما قالَ، ولَمّا كانَ هَذا بِمَعْزِلٍ عَنِ المَقْصُودِ وكانَ بُطْلانُهُ مِنَ الجَلاءِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ والتَّعَرُّضُ لِإبْطالِ مِثْلِ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ الحاصِلِ أعْرَضَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ إبْطالِهِ وأتى بِدَلِيلٍ آخَرَ أظْهَرَ مِنَ الشَّمْسِ.

﴿ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اِنْتِقالِ المُجادِلِ مِن حُجَّةٍ إلى أُخْرى أوْضَحَ مِنها، وهي مَسْألَةٌ مُتَنازَعٌ فِيها، وحَمْلُ ذَلِكَ عَلى هَذا أحَدُ طَرِيقَيْنِ مَشْهُورَيْنِ في الآيَةِ، وثانِيهُما أنَّ الِانْتِقالَ إنَّما هو في المِثالِ كَأنَّهُ قالَ: رَبِّي الَّذِي يُوجِدُ المُمْكِناتِ ويُعْدِمُها وأتى بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِثالًا فَلَمّا اِعْتَرَضَ جاءَ بِمِثالٍ أجْلى دَفْعًا لِلْمُشاغِبَةِ، قالَ الإمامُ: ((والإشْكالُ عَلَيْهِما مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ صاحِبَ الشُّبْهَةِ إذا ذَكَرَ الشُّبْهَةَ ووَقَعَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ في الأسْماعِ وجَبَ عَلى المُحِقِّ القادِرِ عَلى ذِكْرِ الجَوابِ أنْ يَذْكُرَ الجَوابَ في الحالِ إزالَةً لِلتَّلْبِيسِ والجَهْلِ عَنِ العُقُولِ، فَلَمّا طَعَنَ المارِدُ في الدَّلِيلِ [اَلْأوَّلِ] أوْ في المِثالِ الأوَّلِ بِتِلْكَ الشُّبْهَةِ كانَ الِاشْتِغالُ بِإزالَتِها واجِبًا مَضِيقًا فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالمَعْصُومِ تَرْكُهُ والِانْتِقالُ إلى شَيْءٍ آخَرَ؟

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أوْرَدَ المُبْطِلُ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ تَرْكُ المُحِقِّ الكَلامَ عَلَيْهِ والتَّنْبِيهَ عَلى ضَعْفِهِ مِمّا يُوجِبُ سُقُوطَ وقْعِ الرَّسُولِ وحَقارَةِ شَأْنِهِ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ وإنْ كانَ [يَحْسُنُ] الِانْتِقالُ مِن دَلِيلٍ إلى آخَرَ أوْ مِن مِثالٍ إلى غَيْرِهِ لَكِنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُنْتَقَلُ إلَيْهِ أوْضَحَ وأقْرَبَ وهَهُنا لَيْسَ [اَلْأمْرُ] كَذَلِكَ لِأنَّ جِنْسَ الحَياةِ لا قُدْرَةَ لِلْخَلْقِ عَلَيْهِ، وأمّا جِنْسَ تَحْرِيكِ الأجْسامِ فَلِلْخَلْقِ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ فَلا يَبْعُدُ [فِي العَقْلِ] وُجُودُ مَلِكٍ عَظِيمِ الجُثَّةِ يَكُونُ مُحَرِّكًا لِلسَّماواتِ فَعَلى هَذا [اَلتَّقْدِيرِ] الِاسْتِدْلالُ بِالإماتَةِ والإحْياءُ أظْهَرُ وأقْوى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالنَّبِيِّ المَعْصُومِ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الدَّلِيلِ الأوْضَحِ إلى الدَّلِيلِ الخَفِيِّ؟

والرّابِعُ: أنَّ المارِدَ لَمّا لَمْ يَسْتَحِ مِن مُعارَضَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ الصّادِرَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالقَتْلِ والتَّخْلِيَةِ فَكَيْفَ يُؤْمَنُ مِنهُ عِنْدَ الِانْتِقالِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ أنْ يَقُولَ بَلْ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ مِنِّي فَإنْ كانَ لَكَ إلَهٌ فَقُلْ لَهُ حَتّى يُطْلِعَها مِنَ المَغْرِبِ وعِنْدَ ذَلِكَ اِلْتَزَمَ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ لَوْ أوْرَدَ هَذا السُّؤالَ لَكانَ [مِن] الواجِبِ أنْ يُطْلِعَها مِنَ المَغْرِبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِإظْهارِ فَسادِ سُؤالِهِ في الإحْياءِ والإماتَةِ أسْهَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ اِلْتِزامِ هَذا الِاطِّلاعِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنَّ يَحْصُلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ يَكُونُ الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ هو هَذا الطُّلُوعُ لا الطُّلُوعُ الأوَّلُ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ ذَلِكَ ضائِعًا كَما صارَ الأوَّلُ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَما الَّذِي حَمَلَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى تَرْكِ الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ الرَّكِيكِ وتَمَسَّكَ بِدَلِيلٍ لا يُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ إلّا بِالتِزامِ اِطِّلاعِ الشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ وبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ يَضِيعُ الدَّلِيلُ الثّانِي كَما ضاعَ الأوَّلُ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ اِلْتِزامَ هَذِهِ المَحْذُوراتِ لا تَلِيقُ بِأقَلِّ النّاسِ عِلْمًا فَضْلًا عَنْ أفْضَلِ العُلَماءِ وأعْلَمِ الفُضَلاءِ.

فالحَقُّ أنَّ هَذا لَيْسَ دَلِيلًا آخَرَ ولا مِثالًا بَلْ هو مِن تَتِمَّةِ الدَّلِيلِ الأوَّلِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا اِحْتَجَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالإماتَةِ والإحْياءِ أوْرَدَ الخِصْمُ عَلَيْهِ سُؤالًا وهو أنَّكَ إنِ اِدَّعَيْتَ الإحْياءَ والإماتَةَ بِلا واسِطَةٍ فَذَلِكَ لا تَجِدُ إلى إثْباتِهِ سَبِيلًا وإنِ اِدَّعَيْتَ حُصُولَهُما بِواسِطَةِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ فَنَظِيرُهُ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ حاصِلٌ لِلْبَشَرِ فَأجابَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ الإحْياءَ والإماتَةَ وإنْ حَصَلا بِواسِطَةِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ لَكِنَّ تِلْكَ الحَرَكاتِ حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ لا يَقْدَحُ في كَوْنِ الإحْياءِ والإماتَةِ مِنهُ بِخِلافِ الخَلْقِ فَإنَّهم لا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَحْرِيكِ الأفْلاكِ فَلا جَرَمَ لا يَكُونُ الإحْياءُ والإماتَةُ صادِرَيْنِ مِنهُمْ، ومَتى حُمِلَتِ الآيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ مِنَ المَحْذُوراتِ عَلَيْهِ)) اِنْتَهى.

ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ الشُّبْهَةَ إذا كانَتْ في غايَةِ السُّقُوطِ ونِهايَةِ البَطَلانِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى حالُها ولا يُغْرِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلَهًا لَمْ يَمْتَنِعِ الإعْراضُ عَنْها إلى ما هو بَعِيدٌ عَنِ التَّمْوِيهِ دَفْعًا لِلشَّغَبِ وتَحْصِيلًا لِما هو المَقْصُودُ مِن غَيْرِ كَثِيرِ تَعَبٍ، ولا يُوجِبُ ذَلِكَ سُقُوطَ وقْعٍ ولا حَقارَةَ شَأْنٍ وأيُّ تَلْبِيسٍ يَحْصُلُ مِن هَذِهِ الشُّبْهَةِ لِلْعُقُولِ حَتّى يَكُونَ الِاشْتِغالُ بِإزالَتِها واجِبًا مُضَيِّقًا فَيُخِلَّ تَرْكَهُ بِالمَعْصُومِ عَلى أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ ما اِنْتَقَلَ حَتّى بَيَّنَ لِلْمارِدِ فَسادَ قَوْلِهِ حَيْثُ قالَ لَهُ: إنَّكَ أحْيَيْتَ الحَيَّ ولَمْ تُحْيِ المَيِّتَ، وعَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لَهُ: أحْيِ مَن قَتَلْتَهُ إنْ كُنْتَ صادِقًا لَكِنْ لَمْ يَقُصَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإلْزامَ عَلَيْنا في الكِتابِ اِكْتِفاءً بِظُهُورِ الفَسادِ جِدًّا، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّهُ مِنَ الواضِحِ أنَّ المُنْتَقَلَ إلَيْهِ أوْضَحُ في المَقْصُودِ مِنَ المُنْتَقَلِ عَنْهُ ويَكادُ القَوْلُ بِعَكْسِهِ يَكُونُ مُكابَرَةً، وما ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ لا يَخْفى ما فِيهِ، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ ما ذَكَرَهُ رابِعًا يُرَدُّ أيْضًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي اِخْتارَهُ إذْ لا يُؤْمَنُ المارِدُ مِن أنْ يَقُولَ لَوْ كانَتْ حَرَكاتُ الأفْلاكِ مِن رَبِّكَ فَقُلْ لَهُ حَتّى يُطْلِعَها مِنَ المَغْرِبِ فَما هو الجَوابُ هُنا هو الجَوابُ وقَدْ أجابُوا عَنْ عَدَمِ قَوْلِ اللَّعِينِ ذَلِكَ بِأنَّ المُحاجَّةَ كانَتْ بَعْدَ خَلاصِهِ مِنَ النّارِ فَعُلِمَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى الإتْيانِ بِالشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها فَسَكَتَ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْساهُ ذَلِكَ نُصْرَةً لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ضَعِيفٌ بَلِ الجَوابُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اِسْتَدَلَّ بِأنَّهُ لا بُدَّ لِلْحَرَكَةِ المَخْصُوصَةِ والمُتَحَرِّكِ بِها مِن مُحَرِّكٍ لِأنَّ حاجَةَ المُتَحَرِّكِ في الحَرَكَةِ إلى المُحَرِّكِ بَدِيهِيَّةٌ، وبَدِيهِيٌّ أنَّهُ لَيْسَ بِنَمْرُوذَ فَقالَ: هو ذا رَبِّي فَإنِ اِدَّعَيْتَ أنَّكَ الَّذِي تَفْعَلُ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ وهَذا لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السُّؤالُ بِوَجْهٍ إذْ لَوِ اِدَّعى أنَّ الحَرَكَةَ بِنَفْسِها مَعَ أنَّها مَسْبُوقَةٌ بِالغَيْرِ ولَوْ بِآحادِ الحَرَكاتِ كانَ مَنعُ البَدِيهِيِّ ولَوِ اِدَّعى أنَّهُ الفاعِلُ مَعَ ظُهُورِ اِسْتِحالَتِهِ أُلْزِمَ بِالتَّغْيِيرِ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ فَلا بُدَّ مِنَ الِاعْتِرافِ بِفاعِلٍ يَأْتِي بِها مِنَ المَشْرِقِ، والمُدَّعِي أنَّ ذَلِكَ الفاعِلَ هو الرَّبُّ، وأما رابِعًا: فَلِأنَّ ما اِخْتارَهُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِوَجْهٍ، ولَيْسَ في كَلامِ الكافِرِ سِوى دَعْواهُ الإحْياءَ والإماتَةَ ولَمْ يُسْتَشْعَرْ مِنها بَحْثُ تَوَسُّطِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ ولَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلى أثَرٍ لِيُجابَ بِأنَّ تِلْكَ الحَرَكاتِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا يَقْدَحُ تَوَسُّطُها في كَوْنِ الإحْياءِ والإماتَةِ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن هَذا ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أنَّ المارِدَ لَمّا كانَ مُجَوِّزًا لِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ لَمْ يَكُنْ مُدَّعِيًا أنَّهُ إلَهُ العالَمِ ولَوِ اِدَّعاهُ لَجُنِّنَ عَلى نَحْوٍ مِن مَذْهَبِ الصّابِئَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلى الكَواكِبِ التَّدْبِيرَ والأفْعالَ مِنَ الإيجادِ وغَيْرِهِ مَنسُوبَةً إلَيْهِنَّ، فَجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في الأرْضِ أيْضًا مَن يُفَوِّضُ إلَيْهِ إمّا قَوْلًا بِالحُلُولِ أوْ لِاكْتِساءِ خَواصَّ فَلَكِيَّةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى قُصُورِهِ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ وفَسادِ رَأْيِهِ مِن جِهَةِ عِلْمِهِ الضَّرُورِيِّ بِأنَّهُ مَوْلُودٌ أُحْدِثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ وأنَّ مَن لا وُجُودَ لَهُ في نَفْسِهِ لا يُمْكِنُهُ الإيجادُ الَّذِي هو إفاضَةُ الوُجُودِ البَتَّةَ ضَرُورَةَ اِحْتِياجِهِ إلى المُوجِدِ اِبْتِداءً ودَوامًا وهَذا كافٍ في إبْطالِ دَعْوى اللَّعِينِ فَلَمْ يُعَمِّمِ الدَّعْوى في تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ عَلى أنَّهُ لَوَّحَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الإيجادِ والإعْدامِ نَوْعَيْنِ هُما الإحْياءُ والإماتَةُ، والقادِرُ عَلى إيجادِ كُلِّ مُمْكِنٍ وإعْدامِهِ يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنِ المُمْكِناتِ واحِدًا مِن كُلِّ الوُجُوهِ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يُوجِبُ الإمْكانَ والِافْتِقارَ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في مَحَلِّهِ، فَعارَضَهُ اللَّعِينُ بِما أوْهَمَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُمْكِنُ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ الفاعِلِ في البَقاءِ كَما عِنْدَ بَعْضِ القاصِرِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ مُفَوِّضًا إلَيْهِ بَعْدَ إيجادِهِ ما يَسْتَقِلُّ بِإيجادِ الغَيْرِ وتَدْبِيرِ الغَيْرِ، وهَذا قَدْ خَفِيَ عَلى الأذْكِياءِ فَضْلًا عَنِ الأغْبِياءِ، وقالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ وأُبْدِي فَعَلَيْهِ مُشِيرًا إلى أنَّ لِلدَّوامِ حُكْمَ الِابْتِداءِ في طَرَفِ الإحْياءِ وهو في ذَلِكَ مُناقِضٌ نَفْسَهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ التَّدْبِيرُ مُفَوَّضًا إلى غَيْرِ البارِي ولَمْ يَكُنْ مُسْتَغْنِيًا عَنِ المُوجِدِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وإلّا فَلَيْسَ العَفْوُ إحْياءً إنْ سَلَّمَ أنَّ القَتْلَ إماتَةٌ فَألْزَمَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ القادِرَ لا يَفْتَرِقُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ الدَّوامُ والِابْتِداءُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها أنْتَ مِنَ المَغْرِبِ مُنَبِّهًا عَلى المُناقَضَةِ المَذْكُورَةِ مُصَرِّحًا بِأنَّهُ غالَطَ في إسْنادِ الفِعْلِ دَوامًا إلى غَيْرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ اِبْتِداءً مُظْهِرًا لَدى السّامِعِينَ ما كانَ عَسى أنْ يَغْبى عَلى البَعْضِ فَهَذا كَلامٌ وارِدٌ عَلى الخَطابَةِ والبُرْهانُ يَتَلَقّاهُ المُواجِهُ بِهِ طَوْعًا أوْ كُرْهًا بِالإذْعانِ لَيْسَ فِيهِ مَجالٌ لِلِاعْتِراضِ سَلِيمٌ عَنِ العِراضِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المَجْمُوعُ دَلِيلًا واحِدًا ولَيْسَ مِنَ الِانْتِفالِ إلى دَلِيلٍ آخَرَ لِما فِيهِ مِنَ القِيلِ والقالِ، ولا مِنَ العُدُولِ إلى مِثالٍ أوْضَحَ حَتّى يُقالَ كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّي الَّذِي يُوجِدُ المُمْكِناتِ، وأتى بِالإحْياءِ والإماتَةِ مِثالًا، فَلَمّا اِعْتَرَضَ جاءَ بِآخَرَ أجْلى دَفْعًا لِلْمُشاغِبَةِ لِأنَّهُ مَعَ أنَّ فِيهِ ما في الأوَّلِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ لَمْ يُسَقْ هَذا المَساقَ كَما لا يَخْفى هَذا واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ كِتابِهِ المَجِيدِ فَتَدَبَّرْ.

وإنَّما أتى في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِالِاسْمِ الكَرِيمِ ولَمْ يُؤْتِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ كَما أتى بِها في الجُمْلَةِ الأُولى بِأنْ يُقالَ: إنَّ رَبِّي لِيَكُونَ في مُقابَلَةِ أنا في ذَلِكَ القَوْلِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِذَلِكَ المارِدِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ فَفِيهِ تَرَقٍّ عَمّا في تِلْكَ الجُمْلَةِ كالتَّرَقِّي مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ وهو في هَذا المَقامِ حَسَنُ التَّأْكِيدِ بِأنَّ والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ والفاءُ الأُولى لِلْإيذانِ بِتَعَلُّقِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها، والمَعْنى إذا اِدَّعَيْتَ الإحْياءَ والإماتَةَ لِلَّهِ تَعالى وأخْطَأْتَ أنْتَ في الفَهْمِ أوْ غالَطْتَ فَمُرِيحُ البالِ ومُزِيحُ الِالتِباسِ والإشْكالِ (إنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ) الخ.

والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ و(مِن) في المَوْضِعَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَقَدَّمَها مِنَ الفِعْلِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا أيْ مُسَخَّرَةٌ أوْ مُنْقادَةٌ.

﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ أيْ غُلِبَ وصارَ مَبْهُوتًا مُنْقَطِعًا عَنِ الكَلامِ مُتَحَيِّرًا لِاسْتِيلاءِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ (بَهُتَ) بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الهاءِ و(بَهِتَ) بِفَتْحِ الأوْلى وكَسْرِ الثّانِيَةِ وهُما لُغَتانِ والفِعْلُ فِيهِما لازِمٌ و(بَهَتَ) بِفَتْحِهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ لازِمًا أيْضًا و(اَلَّذِي) فاعِلُهُ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وفاعِلُهُ ضَمِيرُ (إبْراهِيمَ) و(اَلَّذِي) مَفْعُولُهُ، أيْ فَغَلَبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكافِرَ وأسْكَتَهُ‘ وإيرادُ الكُفْرِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، قالَ إلْكِيا: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ المُحاجَّةِ في الدِّينِ وإنَّ كانَتْ مُحاجَّةُ هَذا الكافِرِ كُفْرًا.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ  ﴾ أيْ إلى مَناهِجِ الحَقِّ كَما هَدى أوْلِياءَهُ، وقِيلَ: لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، يقول: ألم تخبر بقصة الذي خاصم إبراهيم في توحيد ربه.

أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، وهو النمرود بن كنعان، وهو أول من ملك الدنيا كلها.

وكانوا خرجوا إلى عيد لهم، فدخل إبراهيم-  - على أصنامهم فكسرها، فلما رجعوا، قال لهم: أتعبدون ما تنحتون؟

فقالوا له: من تعبد أنت؟

قال: أعبد ربي الذي يحيي ويميت.

وقال بعضهم: كان النمرود يحتكر الطعام، وكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترون منه، وإذا دخلوا عليه سجدوا له، فدخل عليه إبراهيم ولم يسجد له، فقال له النمرود: ما لك لم تسجد؟

فقال: أنا لا أسجد إلا لربي.

فقال النمرود: من ربك؟

فقال له إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ له النمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، قال إبراهيم كيف تحيي وتميت؟

فجاءه برجلين فقتل أحدهما وخلى سبيل الآخر، ثم قال: قد أمت أحدهما وأحييت الآخر.

قالَ له إِبْراهِيمَ: إنك أحييت الحي ولم تحيي الميت وإن ربي يحيي الميت.

فخشي إبراهيم أن يلبس النمرود على قومه، فيظنون أنه أحيا الميت كما وصف لهم النمرود، فجاءه بحجة أظهر من ذلك حيث قال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فإن قيل: لِمَ لَمْ يثبت إبراهيم على الحجة الأولى؟

وانتقل إلى حجة أخرى والانتقال في المناظرة من حجة إلى حجة غير محمود.

قيل له: الانتقال على ضربين: انتقال محمود إذا كان بعد الإلزام، وانتقال مذموم إذا كان قبل الإلزام.

وإبراهيم-  - انتقل بعد الإلزام، لأنه قد تبين له فساد قوله، حيث قال له: إنك قد أحييت الحي ولم تحيي الميت.

وجواب آخر: إن قصد إبراهيم-  - لم يكن للمناظرة، وإنما كان قصده إظهار الحجة، فترك مناظرته في الإحياء والإماتة على ترك الإطالة، وأخذ بالاحتجاج بالحجة المسكنة، ولأن الكافر هو الذي ترك حدّ النظر، حيث لم يسأل عما قال له إبراهيم، ولكنه اشتغل بالجواب عن ذات نفسه، حيث قال: أنا أحيي وأميت.

وقوله تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، أي انقطع وسكت متحيراً.

يقال: بهت الرجل إذا تحير.

وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أي لا يرشدهم إلى الحجة والبيان.

وروي في الخبر أن الله عز وجل قال: وعزتي وجلالي لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى آتي بالشمس من المغرب، ليعلم أني أنا القادر على ذلك ثم أمر النمرود بإبراهيم فألقي في النار، وهكذا عادة الجبابرة أنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة، اشتغلوا بالعقوبة فأنجاه الله من النار وسنذكر قصة ذلك في موضعها إن شاء الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ولما كان الإِيمان ممَّا ينطقُ به اللِّسان، ويعتقده القلبُ، حَسُن في الصفاتِ- سَمِيعٌ: من أجل النّطق، وعَلِيمٌ من أجْل المعتقَدِ.

قوله سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية: الوليُّ من: وَلِيَ، فَإِذا لازم أحدٌ أحداً بنَصْره، وودِّه، واهتباله، فهو وليُّه هذا عُرْفُهُ لغةً، ولفظ الآية مترتِّب في الناس جميعاً، وذلك أن منْ آمن منهم، فاللَّه وليُّه، أخرجه من ظلمة الكُفْر إِلى نور الإِيمان، ومَنْ كفر بعد وجودِ الرسول صلّى الله عليه وسلم فَشَيْطَانَهُ ومُغْوِيهِ أخرجه من الإِيمان إِذ هو معدٌّ وأهل للدخول فيه، ولفظ الطاغوت في هذه الآيةِ يَقْتَضِي أنَّه اسم جنْسٍ ولذلك قال: أَوْلِياؤُهُمُ بالجمع إذ هي أنواع.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ...

الاية: أَلَمْ تَرَ: تنبيهٌ، وهي رؤية القَلْب، والَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، هو نُمْرَوذُ بْنُ كَنْعَانَ «١» مَلِكُ زمانه، وصاحبُ النَّار، والبَعُوضَةِ، قاله مجاهد وغيره «٢» ، قال قتادة: هو أولُ من تجبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ «٣» ، قيل: إِنه مَلكَ الدُّنْيَا بأجمعها، وهو أحد الكَافِرَيْنِ، والآخر بُخْتَ نَصَّرَ «٤» ، وقيل: إِن النُّمْرُوذَ الذي حاجَّ إِبراهيم هو نُمْرُوذُ بْنُ فَالخ، وفي قصص هذه

المحاجَّة روايتان.

إحداهما: ذكر زيْد بن أسْلم أنَ النُّمْروذ هذا قَعَدَ يأمر للنَّاس بالميرة «١» ، فكلَّما جاء قومٌ، قال: مَنْ رَبُّكُمْ وَإِلَهُكِمْ، فيقولُونَ: أَنْتَ، فيقولُ: مِيرُوهُمْ، وجاء إِبراهيم- عليه السلام-، يَمْتَارُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ وَإِلَهُكَ؟

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا نُمْرُوذُ، قَالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فَعَارَضَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ الشَّمْسِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وَقَالَ: لاَ تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ على كَثِيبٍ رَمْلٍ كَالدَّقِيقِ، فَقَالَ: لَوْ مَلأْتُ غَرَارَتِي مِنْ هَذَا، فَإذَا دَخَلْتُ بِهِ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ حتى أَنْظُرَ لَهُمَا، فَذَهَبَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ، وَجَعَلاَ يَلْعَبَانِ فَوْقَ الغِرَارَتَيْنِ، وَنَامَ هُوَ مِنَ الإِعْيَاءِ، فَقَالَتِ امرأته: لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعَاماً يَجِدُهُ حَاضِراً، إِذَا انتبه، فَفَتَحَتْ إِحْدَى الْغِرَارَتَيْنِ، فَوَجَدَتْ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحَوَارِيِّ، فَخَبَزَتْهُ، فَلَمَّا قَامَ: وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟

قَالَتْ: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إِبْرَاهِيمُ أنَّ اللَّه يسَّر لَهُمْ ذَلِكَ.

وقال «٢» الربيعُ وغيره في هذا القصص: إِن النُّمروذَ لَمَّا قال: أنَا أُحْيِي وأُمِيتُ، أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَل أحَدَهُمَا، وأَرْسَلَ الآخَرَ، وقَالَ: قَدْ أحْيَيْتُ هَذَا، وأَمَتُّ هذا، فردَّ علَيْهِ إِبراهيمُ بأمْرِ الشمْسِ «٣» .

والروايةُ الأخرى: ذكر السُّدِّيُّ أنه لما خَرَجَ إِبراهيمُ من النَّار، وأُدْخِلَ على المَلِكِ، قالَ له: مَنْ ربُّكَ؟

قَالَ: ربِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ «٤» .

يقالُ: بُهِتَ الرَّجُلُ، إِذا انقطعَ، وقامت عليه الحجّة.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: إخبار لمحمّد صلّى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى:

لا يرشدهم في حججهم على ظُلْمهم، وظاهر اللفْظ العمومُ، ومعناه الخصوصُ لأنَّ اللَّه سبحانه قد يَهْدي بعْضَ الظالمينَ بالتَّوْبة والرجوع إِلى الإِيمان.

قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ...

الآية: عطفت «أوْ» في هذه الآية على المعنى الَّذِي هو التعجُّب في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ.

٦٦ أقال ابن عبَّاس وغيره: الذي مَرَّ على القَرْيَة هو عُزَيْرٌ، وقال «١» / وهْبُ بن مُنَبِّهٍ وغيره: هو أَرْمِيَا «٢» ، قال ابن إِسحاق: أَرْمِيَا هو الخَضِرُ «٣» ، وحكاه النَّقَّاش عن وهْب بن منَبِّه.

واختلف في القَرْيَةِ، مَا هِيَ؟

فقِيلَ: المُؤْتَفِكَةُ، وقال زيْدُ بن أسلم: قريةُ الَّذين خَرَجُوا مِنْ ديارهم، وهم أُلُوفٌ «٤» ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ، وقتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع، وعِكْرِمَة: هي بَيْت المَقْدِسِ «٥» ، لما خرَّبها بُخْتَ نَصَّرُ البابليُّ، والعَرِيشُ: سقْف البيتِ، قال السُّدِّيُّ: يقول: هي ساقطةٌ على سَقْفِها، أي: سقطت السقْف، ثم سقطت الحيطانُ عليها «٦» ، وقال غيره: معناه: خاوية من الناس، وخاوية: معناه: خاليةٌ يقال: خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وخُوِيًّا، ويقال: خويت، قال الطبريُّ «٧» : والأول أفصح، قال ص:

وَهِيَ خاوِيَةٌ في موضع الحالِ من فَاعِلِ «مرّ» أو من «قرية» وعَلى عُرُوشِها: قيل:

على بابِهَا، والمعنى: خاويةٌ من أهلها، ثابتةٌ على عروشها، والبُيُوت قائمةٌ، والمَجْرور على هذا يتعلَّق بمحذوفٍ، وهو ثابتةٌ، وقيل: يتعلَّق ب «خَاوِيَة» والمعنى: وقعتْ جُدُرَاتُهَا على سقوفها بعْد سُقُوط السقوفِ.

انتهى، وقد زدنا هذا المعنى وضوحاً في سورة الكهف، واللَّه الموفِّق بفضله.

وقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها: ظاهر اللفظ السؤَالُ عن إِحياءِ القَرْيَة بعمارةٍ أو سُكَّانٍ، فكأنَّ هذا تلهُّفٌ من الواقِفِ المعتبر على مدينة أحبَّته، ويحتمل أنْ يكونَ سؤاله إِنما كانَ عن إِحياء الموتى، فضرب له المَثَل في نَفْسه، وحكى الطبريُّ «١» عن بعضهم أنَّ هذا القَوْلَ منه شك في قدرة اللَّه على الإِحياء قال ع «٢» : والصواب ألاَّ يتأول في الآية شكٌّ، وروي في قصص هذه الآية أنَّ بني إِسرائيل، لَمَّا أحدثوا الأحدَاثَ، بعث اللَّه عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، فقتَلَهُم، وجَلاَهم من بْيتِ المَقْدِسِ، وخرَّبه، فلَمَّا ذهب عنه، جاء عُزَيْرٌ أَوْ أزمِيَّا، فوقَف على المدينة معتبراً، فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فأماته اللَّه تعالى، وكان معه حمارٌ قد رَبَطَهُ بحَبْلٍ جديدٍ، وكان معه سَلَّة فيها تِينٌ هو طعامه، وقيل: تِينٌ وعِنَبٌ، وكانتْ معه رِكْوة «٣» من خَمْر، وقيل: من عصيرٍ، وقيل: قُلَّة من ماءٍ هي شرابُهُ، وبقي ميتاً مائةَ عامٍ، فروي أنَّه بَلِيَ، وتفرَّقت عظامه هو وحمارُهُ، وروي أنَّ الحمار بَلِيَ، وتفرَّقت أوصاله، دون عُزَيْرٍ.

وقوله تعالى: ثُمَّ بَعَثَهُ: معناه: أحياه، فسأله اللَّه تعالى بوسَاطَةِ المَلَكِ، كَمْ لَبِثْتَ على جهة التقرير، فقال: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قال ابن جُرَيْج، وقتادة، والربيع: أماته اللَّه غدوة يَوْمٍ، ثم بعثه قُرْبَ الغروبِ، فظنَّ هو اليومَ واحداً، فقال: لَبِثْتُ يوماً، ثم رأى بَقِيَّةً مِن الشمْسِ، فَخَشِيَ أنْ يكون كاذباً، فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، فقيل له:

وقوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، أي: لم يتغيّر.

ت: قال البخاريُّ في «جامعه» : يَتَسَنَّهْ: يتغيَّر.

وأمَّا قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ، فقال وهْبُ بن منَبِّه وغيره: المعنى: انظر إِلى اتصال عظامِهِ، وإِحيائه جُزْءاً جُزْءاً «١» ، ويروى أنه أحياه اللَّهُ كذلك حتى صار عظَاماً ملتئِمَةً، ثم كساه لَحْماً، حتى كمل حماراً، ثم جاء ملَكٌ، فنفَخَ في أنْفِهِ الرُّوح، فقام الحمارُ ينْهَقُ.

ورُوِيَ عن الضَّحَّاكِ، ووهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيضاً أنهما قالا: بل قيلَ لَهُ: وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه، لم يُصِبْهُ شيء مِائَةَ سَنَةٍ، قالا: وإِنما العظامُ التي نَظَر إِلَيْها عظامُ نَفْسِهِ، وأعمى اللَّه العُيُون عنه، وعن حِمَاره طُولَ هذه المُدَّة «٢» ، وكثّر أهل القصص في ٦٦ ب صورة هذه النَّازلة تَكْثيراً اختصرته، / لعدم صحته.

وقوله تعالى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، قال ع «٣» : وفي إِمَاتَتِهِ هذه المُدَّةَ، ثم إِحيائِهِ- أعظمُ آية، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر.

ت: قال ابن هِشَامٍ: لا يصحُّ انتصاب «مِائَة» ب «أَمَاتَهُ» لأن الإِماتة سلْبُ الحياة، وهي لا تمتدُّ، وإِنما الوجْهُ أنْ يضمَّن «أَمَاتَهُ» معنى «أَلْبَثَهُ» ، فكأنه قيلَ: فألبثه اللَّه بالمَوْت مِائَةَ عامٍ وحينئذٍ يتعلَّق به الظرف.

انتهى من «المُغْنِي» .

ومعنى «نُنْشِرُهَا» ، أي: نُحْيِيها، وقرأ حمزةُ وغيره: «نُنْشِزُهَا» «٤» ومعناه: نرفعها، أي: ارتفاعا قليلاً قليلاً فكأنه وَقَفَ على نباتِ العظامِ الرُّفَاتِ، وقال النَّقَّاشُ: نُنْشِزُهَا:

معناه: نُنْبِتُهَا، ومِنْ ذلك: نَشَزَ نَابُ البعير.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ ﴾ قَدْ سَبَقَ مَعْنى "ألَمْ تَرَ" .

وحاجَّ: بِمَعْنى خاصَمَ، وهو نَمْرُوذُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَلَكَ الأرْضَ شَرْقَها وغَرْبَها؛ مُؤْمِنانِ، وكافِرانِ، فالمُؤْمِنانِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، وذُو القَرْنَيْنِ.

والكافِرانِ: نَمْرُوذُ، وبُخْتِنَصَّرُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى الآَيَةِ: حاجَّ إبْراهِيمَ، لِأنَّ اللَّهَ آَتاهُ المُلْكَ، فَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ [وَمُلْكِهِ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: هَذا جَوابُ سُؤالٍ سابِقٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، تَقْدِيرُهُ: أنَّهُ قالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟

فَقالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ.

قالَ نَمْرُوذُ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ: أتْرُكُ مَن شِئْتُ، وأقْتُلُ مَن شِئْتُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى، وعَدَلَ عَنْ نُصْرَةِ الأُولى؟

فالجَوابُ: أنَّ إبْراهِيمَ رَأى مِن فَسادِ مُعارَضَتِهِ أمْرًا عَلى ضَعْفِ فَهْمِهِ، فَإنَّهُ عارَضَ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ، ونَسِيَ اخْتِلافَ الفِعْلَيْنِ، فَإنْ نَقَلَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى، قَصْدًا لِقَطْعِ المَحاجِّ، لا عَجْزًا عَنْ نُصْرَةِ الأُولى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ أيِ: انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، فَتَحَيَّرَ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "فَبُهِتَ" بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو حَيْوَةَ: "فَبُهِتَ" بِفَتْحِ الباءِ، وضَمِّ الهاءِ.

قالَ الكِسائِيُّ: ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: بَهِتَ، وبَهُتَ، بِكَسْرِ الهاءِ وضَمِّها، ﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ.

قالَ مُقاتِلٌ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الحُجَّةِ، وعَنى بِذَلِكَ نَمْرُوذَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمَ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمَ فَإنَّ اللهُ يَأْتِي بِالشَمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ "ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، وهي رُؤْيَةُ القَلْبِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "ألَمْ تَرْ" بِجَزْمِ الراءِ، والَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ هو نُمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ كُوشَ بْنِ حامَ بْنِ نُوحٍ مَلِكُ زَمانِهِ وصاحِبُ النارِ والبَعُوضَةِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والرَبِيعِ والسُدِّيِّ، وابْنِ إسْحاقَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرِهِمْ - وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أوَّلُ مَلِكٍ في الأرْضِ، وهَذا مَرْدُودٌ.

وقالَ قَتادَةُ: هو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ، وهو صاحِبُ الصَرْحِ بِبابِلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَلَكُ الدُنْيا بِأجْمَعِها ونَفَذَتْ فِيها طِينَتُهُ، وهو أحَدُ الكافِرَيْنِ، والآخَرُ بُخْتُ نَصَّرْ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ نُمْرُوذُ بْنُ فالِخَ بْنِ عامِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ.

وفِي قِصَصِ هَذِهِ المُحاجَّةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما: ذَكَرَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أنَّ النُمْرُودَ هَذا قَعَدَ يَأْمُرُ لِلنّاسِ بِالمِيرَةِ فَكُلَّما جاءَ قَوْمٌ قالَ: مَن رَبُّكم وإلَهُكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: أنْتَ.

فَيَقُولُ: مِيرُوهُمْ، وجاءَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يَمْتارُ، فَقالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ وإلَهُكَ؟

قالَ إبْراهِيمُ: "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ"، فَلَمّا سَمِعَها نُمْرُودُ قالَ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ"، فَعارَضَهُ إبْراهِيمُ بِأمْرِ الشَمْسِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وقالَ: لا تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إبْراهِيمُ إلى أهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ عَلى كَثِيبٍ مِن رَمْلٍ كالدَقِيقِ فَقالَ لَوْ مَلَأْتُ غِرارَتِي مِن هَذا فَإذا دَخَلْتُ بِهِ فَرِحَ الصَبِيّانِ حَتّى أنْظُرَ لَهُما، فَذَهَبَ بِذَلِكَ فَلَمّا بَلَغَ مَنزِلَهُ فَرِحَ الصَبِيّانِ وجَعَلا يَلْعَبانِ فَوْقَ الغِرارَتَيْنِ، ونامَ هو مِنَ الإعْياءِ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعامًا يَجِدُهُ حاضِرًا إذا انْتَبَهَ، فَفَتَحَتْ إحْدى الغِرارَتَيْنِ فَوَجَدَتْ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى فَخَبَزَتْهُ، فَلَمّا قامَ وضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا؟

فَقالَتْ: مِنَ الدَقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّ اللهَ تَعالى يَسَّرَ لَهم ذَلِكَ.

وقالَ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ في هَذِهِ القِصَصِ: إنَّ النُمْرُودَ لَمّا قالَ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ" أحْضَرَ رَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أحَدَهُما، وأرْسَلَ الآخَرَ، وقالَ: قَدْ أحْيَيْتُ هَذا، وأمَتُّ هَذا، فَلَمّا رَدَّ عَلَيْهِ بِأمْرِ الشَمْسِ بُهِتَ.

والرِوايَةُ الأُخْرى: ذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ إبْراهِيمُ مِنَ النارِ أدْخَلُوهُ عَلى المَلِكِ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَهُ، وقالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟

قالَ: "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ"، قالَ نُمْرُوذُ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ" أنا آخُذُ أرْبَعَةَ نَفَرٍ فَأُدْخِلُهم بَيْتًا، ولا يُطْعَمُونَ شَيْئًا، ولا يُسْقَوْنَ حَتّى إذا جاعُوا أخْرَجْتُهم فَأطْعَمْتُ اثْنَيْنِ فَحَيِيا، وتَرَكْتُ اثْنَيْنِ فَماتا، فَعارَضَهُ إبْراهِيمُ بِالشَمْسِ فَبُهِتَ.

وذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ وصَفَ رَبَّهُ تَعالى بِما هو صِفَةٌ لَهُ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ، لَكِنَّهُ أمْرٌ لَهُ حَقِيقَةٌ ومَجازٌ، قَصَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الحَقِيقَةَ، فَفَزِعَ نُمْرُوذٌ إلى المَجازِ، ومَوَّهَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ، فَسَلَّمَ لَهُ إبْراهِيمُ تَسْلِيمَ الجَدَلِ، وانْتَقَلَ مَعَهُ مِنَ المِثالِ وجاءَهُ بِأمْرٍ لا مَجازَ فِيهِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ولَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَقُولَ: أنا الآتِي بِها مِنَ المَشْرِقِ، لِأنَّ ذَوِي الأسْنانِ يُكَذِّبُونَهُ.

وقَوْلُهُ "حاجَّ" وزْنُهُ فاعَلَ، مِنَ الحُجَّةِ، أيْ جاذَبَهُ إيّاها، والضَمِيرُ في "رَبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي حاجَّ، و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والضَمِيرُ في " آتاهُ" لِلنُّمْرُوذِ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى إبْراهِيمَ "أنْ آتاهُ" مُلْكَ النُبُوَّةِ، وهَذا تَحامُلٌ مِنَ التَأْوِيلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أنَ أُحْيِي" بِطَرْحِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ النُونِ مِن "أنا" إذا وصَلُوا في كُلِّ القُرْآنِ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّ ورْشًا، وابْنَ أبِي أُوَيْسٍ، وقالُونَ رَأوا إثْباتَها في الوَصْلِ إذا لَقِيَتْها هَمْزَةٌ في كُلِّ القُرْآنِ مِثْلِ: "أنا أُحْيِي" "أنا أخُوكَ" إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ  ﴾ فَإنَّهُ يَطْرَحُها في هَذا المَوْضِعِ مِثْلَ سائِرِ القُرّاءِ، وتابَعَ أصْحابَهُ في حَذْفِها عِنْدَ غَيْرِ هَمْزَةٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ الِاسْمُ فِيهِ الهَمْزَةُ والنُونُ، ثُمَّ إنَّ الألِفَ تُلْحَقُ في الوَقْفِ كَما تُلْحَقُ الهاءُ أحْيانًا في الوَقْفِ، فَإذا اتَّصَلَتِ الكَلِمَةُ الَّتِي هي فِيها بِشَيْءٍ سَقَطَتِ الهاءُ، فَكَذَلِكَ الألِفُ، وهي مِثْلُ ألِفِ حَيْهَلا وهَذا مِثْلُ الألِفِ الَّتِي تُلْحَقُ في القَوافِي، فَتَأمَّلَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَإذا اتَّصَلَتِ الكَلِمَةُ بِشَيْءٍ سَقَطَتِ الألِفُ لِأنَّ الشَيْءَ الَّذِي تَتَّصِلُ بِهِ الكَلِمَةُ يَقُومُ مَقامَ الألِفِ، وقَدْ جاءَتِ الألِفُ مُثْبَتَةً في الوَصْلِ في الشِعْرِ - مِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: أنا شَيْخُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ∗∗∗ حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَناما وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَبُهِتَ الَّذِي" بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: بُهِتَ الرَجُلُ إذا انْقَطَعَ وقامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: ويُقالُ في هَذا المَعْنى: بَهِتَ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الهاءِ، وبَهُتَ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الهاءِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وحُكِيَ عن بَعْضِ العَرَبِ في هَذا المَعْنى: بَهَتَ بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا ضُبِطَتِ اللَفْظَةُ في نُسْخَةِ ابْنِ مَلُولٍ دُونَ تَقْيِيدٍ بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ.

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَبَهُتَ" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الهاءِ، وهي لُغَةٌ في بُهِتَ بِكَسْرِ الهاءِ.

قالَ: وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَبَهَتَ" بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ عَلى مَعْنى فَبَهَتَ إبْراهِيمُ الَّذِي كَفَرَ، فالَّذِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَهَتَ بِفَتْحِهِما لُغَةً في بُهِتَ قالَ: وحَكى أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ قِراءَةَ "فَبُهِتَ" بِكَسْرِ الهاءِ كَخُرِقَ ودُهِشَ قالَ: والأكْثَرُ بِالضَمِّ في الهاءِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: يَعْنِي أنَّ الضَمَّ يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَبَهَتَ" بِفَتْحِهِما أنَّهُ بِمَعْنى سَبَّ وقَذَفَ، وأنَّ نُمْرُوذًا هو الَّذِي سَبَّ إبْراهِيمَ حِينَ انْقَطَعَ ولَمْ تَكُنْ لَهُ حِيلَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ إخْبارٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ وأُمَّتِهِ، والمَعْنى لا يُرْشِدُهم في حُجَجِهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، لِأنَّهُ لا هُدى في الظُلْمِ.

فَظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ، كَما ذَكَرْنا لِأنَّ اللهَ قَدْ يَهْدِي الظالِمِينَ بِالتَوْبَةِ والرُجُوعِ إلى الإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي ظالِمًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرى هذا الكلام مجرى الحجة على مضمون الجملة الماضية أو المثاللِ لها؛ فإنّه لما ذكر أنّ الله يخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور وأنّ الطاغوت يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات، ساق ثلاثة شواهد على ذلك هذا أولها وأجمعها لأنّه اشتمل على ضلال الكافر وهدى المؤمن، فكان هذا في قوّة المثال.

والمقصود من هذا تمثيل حال المشركين في مجادلتهم النبي صلى الله عليه وسلم في البعث بحال الذي حاجّ إبراهيم في ربه، ويدل لذلك ما يرد من التخيير في التشبيه في قوله: ﴿ و كالذي مر على قرية ﴾ [البقرة: 259] الآية.

وقد مَضى الكلام على تركيب ألم تر.

والاستفهامُ في ﴿ ألم تر ﴾ مجازي متضمّن معنى التعجيب، وقد تقدم تفصيل معناه وأصله عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ [البقرة: 243].

وهذا استدلال مسوق لإثبات الوحدانية لله تعالى وإبطال إلاهية غيره لانفراده بالإحياء والإماتة، وانفراده بخلق العوالم المشهودة للناس.

ومعنى ﴿ حاجّ ﴾ خاصم، وهو فعل جاء على زنة المفاعلة، ولا يعرف لحاجّ في الاستعمال فعل مجرد دال على وقوع الخصام ولا تعرف المادة التي اشتق منها.

ومن العجيب أنّ الحجة في كلام العرب البرهان المصدّق للدعوى مع أنّ حاج لا يستعمل غالباً إلاّ في معنى المخاصمة؛ قال تعالى: ﴿ وإذ يتحاجّون في النار ﴾ [غافر: 47] مع قوله: ﴿ إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ﴾ [ص: 64]، وأنّ الأغلب أنّه يفيد الخصام بباطل، قال تعالى: ﴿ وحاجّه قومه قال أتحاجّوني في الله وقد هدان ﴾ [الأنعام: 80] وقال: ﴿ فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ [آل عمران: 20] والآيات في ذلك كثيرة.

فمعنى ﴿ الذي حاجّ إبراهيم ﴾ أنّه خاصمه خصاماً باطلاً في شأن صفات الله ربّ إبراهيم.

والذي حَاجّ إبرهيم كافر لا محالة لقوله: ﴿ فبهت الذي كفر ﴾ ، وقد قيل: إنّه نمرودُ بن فالخ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن كوش بن حام بن نوح، فيكون أخا (رَعو) جدِّ إبراهيم.

والذي يُعتمد أنّه ملك جبّار، كان ملكاً في بابل، وأنّه الذي بنى مدينة بابل، وبنى الصرح الذي في بابل، واسمه نمرُود بالدال المهملة في آخره ويقال بالذال المعجمة، ولم تتعرّض كتب اليهود لهذه القصة وهي في المرويات.

والضمير المضاف إليه رَب عائِد إلى إبراهيم، والإضافة لتشريف المضاف إليه، ويجوز عوده إلى الذي، والإضافة لإظهار غلطه كقول ابن زيابة: نُبِّئْتُ عَمراً غارزاً رأسَه *** في سِنَةٍ يُوعِدُ أخوا لَه أي ما كان من شأن المروءة أن يُظهر شراً لأهللِ رحمه.

وقوله: ﴿ أن أتاه الله الملك ﴾ تعليل حذفت منه لام التعليل، وهو تعليل لما يتضمنّه حاجّ من الإقدام على هذا الغلط العظيم الذي سهّله عنده ازدهاؤه وإعجابه بنفسه، فهو تعليل محض وليس علة غَائِيَّة مقصودةً للمحاجِّ من حجاجه.

وجوّز صاحب «الكشاف» أن يكون تعليلاً غائياً أي حاجّ لأجل أنّ الله آتاه الملك، فاللام استعارة تبعية لمعنى يُؤدَّى بحرف غير اللام، والداعي لهاته الاستعارة التهكّم، أي أنّه وضعَ الكفر موضع الشكر كما في أحد الوجهين في قوله تعالى: ﴿ وتجعلون رزقكم أنَّكم تكذبون ﴾ [الواقعة: 82]، أي جزاءَ رزقكم.

وإيتاء الملك مجاز في التفضّل عليه بتقدير أن جعله ملكاً وخوّله ذلك، ويجيء تفصيل هذا الفعل عند قوله تعالى: ﴿ وتلك حجّتنا آتيناها إبراهيم ﴾ في سورة الأنعام (83).

قيل: كان نمرود أولَ ملك في الأرض وأولَ من وضع التاج على رأسه.

وإذ قال } ظرف لحَاجّ.

وقد دل هذا على أنّ إبراهيم هو الذي بدأ بالدعوة إلى التوحيد واحتجّ بحجة واضحة يدركها كل عاقل وهي أن الربّ الحق هو الذي يحيي ويميت؛ فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنّه لا يستطيع إحياء ميت فلذلك ابتدأ إبراهيم الحجة بدلالة عجز الناس عن إحياء الأموات، وأراد بأنّ الله يحيي أنّه يخلق الأجسام الحيّة من الإنسان والحيوان وهذا معلوم بالضرورة.

وفي تقديم الاستدلال بخلق الحياة إدماج لإثبات البعث لأنّ الذي حاجّ إبراهيم كان من عبدة الأصنام، وهم ينكرون البعث.

وذلك موضع العِبرة من سياق الآية في القرآن على مسامع أهل الشرك، ثم أعقبه بدلالة الأمانة، فإنّه لا يستطيع تنهية حياة الحي، ففي الإحياء والأمانة دلالة على أنّهما من فعل فاعل غير البشر، فالله هو الذي يحيي ويميت.

فالله هو الباقي دون غيره الذين لا حياة لهم أصلاً كالأصنام إذْ لا يُعطون الحياة غيرَهم وهم فاقدوها، ودون من لا يدفع الموت على نفسه مثل هذا الذي حاجّ إبراهيم.

وجملة ﴿ قال أنا أحيي ﴾ بيان لحاجّ والتقدير حاجّ إبراهيمَ قال أنا أحيي وأميت حين قال له إبراهيم ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ .

وقد جاء بمغالطة عن جهل أو غرور في الإحياء والإماتة إذ زعم أنّه يعمد إلى من حَكَم عليه بالموت فيعفو عنه، وإلى بريء فيقتله، كذا نقلوه.

ويجوز أن يكون مراده أنّ الإحياء والإماتة من فِعله هوَ لأنّ أمرهما خفي لا يقوم عليه برهان محسوس.

وقرأ الجمهور ألف ضمير (أنا) بقصر الألف بحيث يكون كفتحة غير مشبعة وذلك استعمال خاص بألف (أنا) في العربية.

وقرأه نافع وأبو جعفر مثلَهم إلاّ إذا وقع بعد الألففِ همزةُ قطع مضمومةٌ أو مفتوحةٌ كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿ وأنا أول المسلمين ﴾ [الأنعام: 163] فيقرأه بألف ممدودة.

وفي همزة القطع المكسورة روايتان لقالونَ عن نافع نحو قوله تعالى: ﴿ إن أنا إلا نذير ﴾ [الأعراف: 188] وهذه لغة فصيحة.

وقوله: ﴿ قال إبراهيم ﴾ مجاوبة فقطعت عن العطف جرياً علَى طريقة حكاية المحاورات، وقد عدل إبراهيم عن الاعتراض بأنّ هذا ليس من الإحياء المحتجّ به ولا من الإماتة المحتجّ بها، فأعرض عنه لِمَا علم من مكابرة خصمه وانتقل إلى ما لا يستطيع الخصم انتحاله، ولذلك بُهت، أي عجز لم يجد معارضة.

وبهت فعل مبْني للمجهول يقال بَهَتَه فبُهت بمعنى أعجزه عن الجواب فعَجز أو فَاجَأه بما لم يَعرف دفعه قال تعالى: ﴿ بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ﴾ [الأنبياء: 40] وقال عروة العذري: فما هو إلاّ أن أراها فُجَاءَة *** فأُبْهَتَ حتى ما أكادُ أجيب ومنه البهتان وهو الكذب الفظيع الذي يُبهت سامعَه.

وقوله: ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ تذييل هو حوصلة الحجة على قوله ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ ، وإنّما انتفى هدي الله لقوم الظالمين لأنّ الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمّل من الحجج وإعمال النظر فيما فيه النفع؛ إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره.

والآية دليل على جواز المجادلة والمناظرة في إثبات العقائد، والقرآن مملوء بذلك، وأما ما نهي عنه من الجدل فهو جدال المكابرة والتعصّب وترويج الباطل والخطإ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ ﴾ هو النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ، وهو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ في الأرْضِ وادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ.

﴿ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو النُّمْرُودُ لَمّا أُوتِيَ المُلْكَ حاجَّ في اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: هو إبْراهِيمُ لَمّا آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ حاجَّهُ النُّمْرُودُ، قالَهُ أبُو حُذَيْفَةَ.

وَفي المُحاجَّةِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُعارَضَةُ الحُجَّةِ بِمِثْلِها.

والثّانِي: أنَّهُ الِاعْتِراضُ عَلى الحُجَّةِ بِما يُبْطِلُها.

﴿ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ ﴾ يُرِيدُ أنَّهُ يُحْيِي مَن وجَبَ عَلَيْهِ القَتْلُ بِالتَّخْلِيَةِ والِاسْتِبْقاءِ، ويُمِيتُ بِأنْ يَقْتُلَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ القَتْلَ، فَعارَضَ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ، وعَدَلَ عَنِ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ في عِلَّتِهِما.

﴿ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ عَدَلَ إبْراهِيمُ عَنْ نُصْرَةِ حُجَّتِهِ الأُولى إلى غَيْرِها، وهَذا يُضْعِفُ الحُجَّةَ ولا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِن فَسادِ مُعارَضَتِهِ ما لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلى نُصْرَةِ حُجَّتِهِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ تَأْكِيدًا عَلَيْهِ في الحُجَّةِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ في تِلْكَ الحُجَّةِ إشْغابٌ مِنهُ بِما عارَضَها بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ أحَبَّ أنَّهُ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِما لا إشْغابَ فِيهِ، قَطْعًا لَهُ واسْتِظْهارًا عَلَيْهِ قالَ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا عارَضَهُ النُّمْرُودُ بِأنْ قالَ: فَلْيَأْتِ بِها رَبُّكَ مِنَ المَغْرِبِ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ خَذَلَهُ بِالصَّرْفِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ عَلِمَ بِما رَأى مَعَهُ مِنَ الآياتِ أنَّهُ يَفْعَلُ فَخافَ أنْ يَزْدادَ فَضِيحَةً.

﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَحَيَّرَ.

والثّانِي: مَعْناهُ انْقَطَعَ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وَقُرِئَ: (فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ) بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ بِمَعْنى أنَّ المَلِكَ قَدْ بَهَتَ إبْراهِيمَ بِشُبْهَتِهِ أيْ سارَعَ بِالبُهْتانِ.

﴿ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُعِينُهم عَلى نُصْرَةِ الظُّلْمِ.

والثّانِي: لا يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ الظُّلْمِ.

وَيَحْتَمِلُ الظُّلْمُ هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكُفْرُ خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّهُ التَّعَدِّي مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الذي حاج إبراهيم في ربه هو نمرود بن كنعان.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والربيع والسدي.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن زيد بن أسلم، أن أول جبار كان في الأرض نمرود، وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام، فخرج إبراهيم عليه السلام يمتار مع من يمتار، فإذا مر به ناس قال: من ربكم؟

قالوا له: أنت.

حتى مر به إبراهيم فقال: من ربك: قال: الذي يحيي ويميت.

قال: أنا أحيي وأميت.

قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.

فبهت الذي كفر فرده بغير طعام، فرجع إبراهيم إلى أهله فمر على كثيب من رمل أعفر فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم؟

فأخذ منه فأتى أهله، فوضع متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو بأجود طعام رآه أحد، فصنعت له منه فقربته إليه، وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام فقال: من أين هذا؟!

قالت من الطعام الذي جئت به.

فعرف أن الله رزقه فحمد الله.

ثم بعث الله إلى الجبار ملكاً أن آمن بي وأنا أتركك على ملكك، فهل رب غيري؟

فأبى، فجاءه الثانية فقال له ذلك فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه فقال له الملك: فاجمع جموعك إلى ثلاثة أيام، فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملك ففتح عليه باباً من البعوض، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها، فبعثها الله عليهم فأكلت شحومهم وشربت دماءهم، فلم يبق إلا العظام، والملك كما هو لم يصبه من ذلك شيء، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله وهو الذي كان بنى صرحاً إلى السماء، فأتى الله بنيانه من القواعد.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم ﴾ قال: نمرود بن كنعان، يزعمون أنه أول من ملك في الأرض، أتى برجلين قتل أحدهما وترك الآخر.

فقال: أنا أحيي وأميت.

قال: استحيي: أترك من شئت، وأميت: أقتل من شئت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أنه ملك يقال له نمرود بن كنعان، وهو أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل، ذكر لنا أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر، فقال: أنا استحيي من شئت وأقتل من شئت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ قال أنا أحيي وأميت ﴾ قال: أقتل من شئت، واستحيي من شئت، أدعه حياً فلا أقتله، وقال: ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة نفر: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران: بختنصر ونمرود بن كنعان، لم يملكها غيرهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه، فكلمه وقال له: من ربك؟

قال: ربي الذي يحيي ويميت.

قال نمرود: أنا أحيي وأميت، أنا أدخل أربعة نفر بيتاً فلا يطعمون ولا يسقون حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا وتركت اثنين فماتا، فعرف إبراهيم أنه يفعل ذلك قال له: فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر وقال: إن هذا إنسان مجنون فأخرجوه، ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها، وإن النار لم تأكله، وخشي أن يفتضح في قومه.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قال: إلى الإِيمان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ الآية ﴿ أَلَمْ ﴾ كلمة يُوْقَفُ (١) (٢) قال الفراء: وإدخال العرب (إلى) (٣) (٤) ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ ﴾ ، فكأنه قال: هل رأيت كمثل الذي حاج، أو كالذي مر (٥) وإنما دخلت (إلى) لهذا المعنى من بين حروف الإضافة؛ لأن (إلى) لما كانت نهاية صارت بمنزلة: هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته؟

لتدل على بعد وقوع مثله على التعجب منه، لأن التعجب إنما هو (٦) (٧) (٨) و ﴿ حَاجَّ ﴾ بمعنى: جادل وخاصم (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ أي: لأن أتاه الله، وتأويله: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه للملك الذي (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، وتقديره (١٦) ﴿ رَبِّيَ ﴾ (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ اعتمد عدو الله على المعارضة على الإشراك (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) والقراء على إسقاط ألف أنا (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) هم القائلونَ الخيرَ والآمِرُونَهُ (٣٥) الهاء فيه هاء الوقف التي تلحق في: مسلمونه وصالحونه، فألحق الهاء حرف اللين، وهذا كما أجروا غير القافية مجري القافية، كما أجروا قوله: لما رَأَتَ ماءَ السّلى مَشْرَوبا (٣٦) وإن لم يكن مُصَرَّعًا مجرى المُصَرّع، ولا يجوز شيء من ذلك في غير الشعر، فمما (٣٧) فكَيْفَ أنا وانْتِحَالِي القَوافي ...

بعيد المَشِيبِ كَفَى ذاكَ (٣٨) (٣٩) وما أنشده الكسائي: أنا شَيْخُ العَشِيرةِ فاعرِفُوني ...

حَمِيدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَاما (٤٠) وقول آخر: أنا عبيد الله يَنْمينِي عُمَر خَيْرُ قُرَيْشٍ مِنْ مَضَى ومَنْ غَبَر (٤١) (٤٢) ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ﴾ ، إنما انتقل إبراهيم من الحجة الأولى مع إمكانه أن يناقضه بأن يقول له: أحيي من قتلته إن كنت صادقًا، قطعًا للخصومهَ، وتركًا للإطالة، واحتجاجًا بالحجة المسكتة، لأن عدوّ الله لما لبس في الحجة بأن قال: أنا أفعل ذلك، احتج عليه إبراهيم بحجة لا يمكنه فيه (٤٣)  قدوةً للمجادِل إذا تمرَّد الخصمُ (٤٤) (٤٥) فإن قيل: كان للنمرود أن يقول لإبراهيم: فليأت بها ربك من المغرب، قيل: علم بما رأى من الآيات أنه يفعل فيزداد (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ يقال: بَهَتَه يَبْهَتُه بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا واجهه بالكذب عليه، هذا هو الأصل، ثم تُسمَّى الحَيْرةُ عند استيلاء الحجة بُهْتًا لأنها كحيرة المواجَه بالكذب، وفيه ثلاث لغات: بُهِت الرجل فهو مبهوت، وبَهِت، وبَهُتَ، قال عروة العذري (٤٩) فما هو إلا أن أرَاهَا فُجاءةً ...

فَأُبْهَتُ حَتّى ما أكادُ أُجِيْبُ (٥٠) أي: أتحير وأسكت (٥١) وتأويل قوله (٥٢) (٥٣) (١) في (ي): (وقف).

(٢) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 340.

(٣) ساقط من (ي).

(٤) في (ش): (كهذا).

(٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 170 وينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1494، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 138، "التبيان" ص 155 (٦) ساقط من (ي).

(٧) في (ش): (ما) (٨) ينظر في معنى (إلى): "مغني اللبيب" ص 104.

(٩) "المفردات" ص 115.

(١٠) في (أ) و (م) و (ي): (نمرود).

(١١) ساقط من (م).

(١٢) في (ي) و (ش): (فأرسل).

(١٣) ذكر في "تفسير مقاتل" 1/ 215، "تفسير الطبري" 2/ 24، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1484، وذكره في "الوسيط" 1/ 371.

(١٤) ساقط من (ي).

(١٥) ينظر: "تفسير الثعلبى" 2/ 1484.

(١٦) في (م) (وتأويله).

(١٧) زيادة من (ي).

(١٨) في (م) حذف.

(١٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1490.

(٢٠) في (ي) و (ش) الاشتراك.

(٢١) في (ي) و (ش) العبارة.

(٢٢) فى (ش) ميت.

(٢٣) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 85، "تفسير الطبري" 3/ 24 - 25، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 341، "تفسير الثعلبي" 2/ 1492.

(٢٤) (أنا) ساقط من (ي).

(٢٥) ينظر: "السبعة" ص 188، "الحجة" 2/ 359، ونافع يثبت الألف عند استقبال همزة في جميع القرآن، إلا في قوله: ﴿ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ  ﴾ فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء، ولم يختلفوا في حذف الألف إذا لم تلقها همزة، إلا في قوله: ﴿ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي  ﴾ .

(٢٦) في (ي) و (ش): (شيء).

(٢٧) ساقط من (ي).

(٢٨) ساقط من (ى).

(٢٩) في (م): (في أنا والتي للوقف)، وفي (ش): (في أنا والهاء التى في الوقف).

(٣٠) في (ش): (الظرف) في الموضعين.

(٣١) هذه العبارة، وأما قراءة نافع فهي ضعيفة جدًّا ليست من كلام أبي علي.

(٣٢) هذا قول في توجيه قراءة نافع، والقول الآخر: أنها لغة، قال أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 288: والأحسن أن تجعل قراءة نافع على لغة بني تميم، لا أنه من== إجراء الوصل مجرى الوقف على ما تأوله عليه بعضهم، قال: وهو ضعيف جدا، وليس هذا مما يحسن الأخذ به في القرآن.

انتهى.

فإذا حملنا ذلك على لغة تميم كان فصيحًا، وبنحوه قال السمين في "الدر المصون" 2/ 553، وقال: وإنما أثبت نافع ألفه قبل الهمزة جمعا بين اللغتين، أو لأن النطق بالهمز عسر فاستراح له بالألف، لأنها حرف مد.

(٣٣) ساقط من (ش).

(٣٤) في (ي): (وهذا).

(٣٥) عجزالبيت: إذا ما خشوا من محدَث الأمر معظما.

هو بلا نسبة في "لسان العرب" 5/ 2690 مادة: طلع، مادة (جين).

(٣٦) هذا صدر بيت عجزه: والغرْثَ يُعْصر في الإناء أرنَّت.

وقد اختلف في نسبته إلى شبيب بن جعيل، أو حجل بن نضلة.

ينظر: "الحجة" 2/ 364، وشرح أبيات المغني للبغدادي 7/ 247 - 248.

(٣٧) في (م): فما.

(٣٨) في (ي): بذاك.

(٣٩) البيت في "ديوانه" 84، وروايته فيه: فما أنا أم ما انتحالي القوافِ ...

بعد المشيب كفى ذاك عارا وذكره في "البحر المحيط" 2/ 288، كرواية المؤلف، وأورده المبرد (في الكامل 2/ 37) شاهدا على إثبات ألف (أنا) في الوصل ضرورة، ثم قال: والرواية الجيدة فكيف يكون انتحال القوا ..

في بعد ..

والمعنى: ينفي عن نفسه ما اتهم به عند الممدوح من أنه يسطو على شعر غيره وينتحله لنفسه.

(٤٠) ورد البيت هكذا: أنا سيف العشيرة فاعرفوني ...

حميدًا قد تذريت السناما.

والبيت لحميد بن ثور، ينظر: "الديوان" 133، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي 2/ 553.

وقيل: هو لحميد بن مجدل الكلبي، ينظر: "المنصف" 1/ 10، وابن يعيش 3/ 93، "الخزانة" 2/ 390، "شرح شواهد الشافية" 4/ 223.

(٤١) تكملة الرجز: بعد رسول الله والشيخ الأغر والرجز لعبيد الله بن عمر، ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1491، و"أساس البلاغة" (مادة: غبر)، "تاج العروس" 7/ 287 (مادة: غبر).

(٤٢) من "الحجة" 2/ 359 - 365 بتصرف واختصار.

(٤٣) ساقط من (ي).

(٤٤) في (ي): (للخصم).

(٤٥) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 341، "تفسير الثعلبي" 2/ 1492.

(٤٦) في (م): (ليزداد).

(٤٧) في (ي): (المحاججة).

(٤٨) في (م): (التلبيس).

(٤٩) هو عروة بن حزام بن مهاجر العذري، من بني عذرة شاعر من متيمي العرب، له ديوان شعر صغير، توفي في حدود 30 هـ ينظر: "الشعر والشعراء" 3/ 4، "الأعلام" 4/ 226.

(٥٠) البيت في "ديوانه" ص 28، وفي "خزانة الأدب" 8/ 560 وُيعْزى لكُثَيِّر عزة في "ديوانه" ص 522، وُيعْزى أيضًا للمجنون في "ديوانه" ص 49، ولم ينسبه في "معاني القرآن" للأخفش، ولا الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1493 وعزاه في الكتاب 3/ 54 لبعض الحجازيين، وللأحوص في ملحق، "ديوانه" ص 213.

(٥١) ينظر في بهت: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 341، "تهذيب اللغة" 1/ 400، "المفردات" 73، "اللسان" 1/ 368.

(٥٢) ساقط من (ي).

(٥٣) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 341، ولفظه: انقطع وسكت متحيرًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذي حَآجَّ إبراهيم ﴾ هو نمروذ الملك وكان يدّعي الربوبية فقال لإبراهيم: من ربك؟

﴿ قَالَ إبراهيم رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ فقال نمروذ: ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ وأحضر رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، فقال: قد أحييت هذا وأمت هذا، فقال له إبراهيم: ﴿ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ ﴾ أي انقطع وقامت عليه الحجة، فإن قيل: لم انتقل إبراهيم عن دليله الأوّل إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة الانقطاع؟

فالجواب: أنه لم ينقطع، ولكنه لما ذكر الدليل الأوّل وهو الإحياء والإماتة كان له حقيقة، وهو فعل الله، ومجازاً وهو فعل غيره، فتعلق نمروذ بالمجاز غلطاً منه أو مغالطة، فحينئذ انتقل إبراهيم إلى الدليل الثاني؛ لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافر عدول عنه أصلاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ربِّي الذي ﴾ مرسلة الياء: حمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ أنا أحيى ﴾ بالمد: أبو جعفر ونافع، وكذلك ما أشبهها من المفتوحة والمضمومة، وزاد أو نشيط بالمد في المكسورة في قوله  ﴿ إن أنا إلا نذير  ﴾ وأشباه ذلك ﴿ مائة ﴾ وبابه مثل "فئة" وقد مر.

﴿ لبث ﴾ وبابه بالأظهار: ابن كثير ونافع وخلف وسهل ويعقوب ﴿ لم يتسنه ﴾ في الوصل والوقف بالهاء: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب، لأن الهاء للسكت وهاء السكت تزاد للوقف.

الباقون: بالهاء الساكنة في الحالين، والهاء إما أصلية مجزومة بلم، أو هاء سكت.

وأجروا الوصل مجرى الوقف.

﴿ إلى حمارك ﴾ كمثل الحمار بالإمالة: عليّ غير ليث وأبي حمدون، وحمدويه والنجاري عن ورش، وابن ذكوان وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي بن شنبوذ عن أهل مكة.

﴿ ننشرها ﴾ بالراء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وأبو جعفر ونافع.

الباقون بالزاي.

﴿ قال أعلم ﴾ موصولاً والابتداء بكسر الهمزة على الأمر: حمزة وعلي.

الباقون: مقطوعاً والميم مضمومة على الإخبار ﴿ فصرهن ﴾ بكسر الصاد: يزيد وحمزة وخلف ورويس والمفضَّل، ﴿ جزءاً ﴾ بتشديد الزاي: يزيد ووجهه أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل/ مجرى الوقف.

وقرأ أبو بكر وحماد "جزءاً" مثقلاً مهموزاً.

الباقون: ساكنة الزاي مهموزة.

الوقوف: ﴿ الملك ﴾ م لأن إذ ليس بظرف لإيتاء الملك.

﴿ ويميت ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ عامل، إذ ﴿ وأميت ﴾ ط، ﴿ كفر ﴾ ط، ﴿ الظالمين ﴾ لا، للعطف بأو التعجب.

﴿ عروشها ﴾ ج لأن ما بعده من تتمة كلام قبله من غير عطف.

﴿ موتها ﴾ ج لتمام المقول مع العطف بفاء الجواب والجزاء ﴿ بعثه ﴾ ط.

﴿ كم لبثت ﴾ ط.

﴿ يوم ﴾ ط.

﴿ لم يتسنه ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لوقوع الحال المعترض بينهما، ومن وصل حسن له الوقف على ﴿ حمارك ﴾ بإضمار ما يعطف عليه قوله ﴿ ولنجعلك ﴾ أي لتستيقن ولنجعلك، ومن جعل الواو مقحمة لم يقف.

﴿ لحما ﴾ ط لتمام البيان ﴿ له ﴾ (لا) لأن ﴿ قال ﴾ جواب لما.

﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ تؤمن ﴾ ط.

﴿ قلبي ﴾ ط.

﴿ سعياً ﴾ ط، لاعتراض جواب الأمر ﴿ حكيم ﴾ .

التفسير: إنه  ذكر ههنا قصصاً ثلاثاً؛ أولاها في إثبات العلم بالصانع والباقيتان في إثبات البعث والنشور.

فالقصة الأولى مناظرة إبراهيم ملك زمانه، عن مجاهد أنه نمرود بن كنعان وهو أول من تجبر وادّعى الربوبية والمحاجة المغالبة بالحجة.

والضمير في "ربه" لإبراهيم، ويحتمل أن يكون لـ "نمرود"، والهاء في "أن آتاه" قيل لإبراهيم لأنه أقرب في الذكر، ولأنه لا يجوز أن يؤتى الكافر الملك والتسليط، ولأنه يناسب قوله ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً  ﴾ .

وقال جمهور المفسرين: الضمير لذلك الشخص الذي حاج إبراهيم، ولا يبعد أن يعطي الله الكافر بسطةً وسعةً في الدنيا.

ومعنى أن آتاه لله أي لأن أتاه الله الملك فأبطره وأورثه الكبر والعتو أو جعل محاجته في ربه شكراً له كقولك "عاداني فلان لأني أحسنت إليه" تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه.

وعن مقاتل أن هذه المحاجة كانت حين ما كسر إبراهيم الأصنام وسجنه نمرود ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال: من ربك الذي تدعو إليه؟

فقال: ربي الذي يحيي ويميت.

وهذا دليل في غاية الصحة لأن الخلق عاجزون عن الإحياء والإماتة فلا بد أن يستند إلى مؤثر قادر مختار خبير بأجزاء الحيوان وأشكاله، بصير بأعضائه وأحواله، ولأمر ما ذكره الله  في مواضع من كتابه فقال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] ﴿ وهو الذي خلقكم من تراب  ﴾ ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين  ﴾ ويروى أن الكافر دعا حينئذٍ شخصين فاستبقى أحدهما وقتل الآخر وقال: أنا أيضاً أحيي وأميت.

ثم للناس في هذا المقام طريقان: الأول وعليه أكثر المفسرين أن إبراهيم  لما رأى من/ نمرود أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر ومثال آخر أوضح من الأول فقال ﴿ إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ قالوا: وفي هذا دليل على جواز الانتقال للمجادل من حجة إلى حجة.

وأورد عليه أن الشبهة إذا وقعت في الأسماع وجب على المحق القادر على ذكر الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك الجهل واللبس.

ولما طعن الملك الكافر في الدليل الأول أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة ذلك واجباً مضيقاً فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب مع أن فيه إيهام أن كلامه الأول كان ضعيفاً؟

ولئن سلمنا أن الانتقال من دليل إلى دليل حسن لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح.

لكن الاستدلال بالإحياء والإماتة على وجود الصانع أظهر وأقوى من الاستدلال بطلوع الشمس، فإن جنس الحياة لا قدرة للخلق عليه، وأما جنس تحريكالأجسام فللخلق قدرة عليه.

وأيضاً دلالة الإحياء والإماتة على الحاجة إلى المؤثر القادر لكونهما من المتبدلات أقوى من دلالة طلوع الشمس لكون حركة الأفلاك على نهج واحد.

وأيضاً إن نمرود لما لم يستحي من معارضة الإحياء والإماتة الصادرين عن الله بالقتل والتخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول بل طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب.

وعند ذلك التزم المحققون من المفسرين ذلك وقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن يطلع الشمس من مغربها، ومن المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله في الإحياء والإماتة أسهل بكثير من التزام طلوع الشمس من المغرب، فما الذي حمل إبراهيم على ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك، والتزم الانقطاع، واعترف بالحاجة إلى الانتقال، وتمسك بدليل لا يمكن تمشيته إلا بالتزام اطلاع الشمس من المغرب؟

ولما كانت هذه الأعتراضات واردة على الطريق الأول عدل بعض المحققين إلى طريق آخر وقالوا: إن إبراهيم  لما احتج بالإحياء والإماتة قال المنكر: أتدعي الإحياء والإماتة من الله ابتداء أم بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية؟

أما الأول فلا سبيل إليه، وأما الثاني فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر.

فإن الجماع يفضي إلى الولد بتوسط الأسباب، وتناول السم يفضي إلى الموت، فأجاب إبراهيم  بناء على معتقدهم، وكانوا أصحاب تنجيم - بأن الإحياء والإماتة وإن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن الحركات والاتصالات لا بد لها من فاعل ومدبر، وليس ذلك هو البشر فإنه لا قدرة لهم على الفلكيات، فهي إذن بتحريك رب الأرض والسموات.

قلت: وفيه أيضاً طريق آخر نذكره في التأويلات إن شاء الله  .

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ يقال: بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم مثله.

وقد قرىء بهما وأفصح منهما القراءة المشهورة فبهت على البناء للمفعول لأنه يقال: رجل مبهوت ولا يقال/ باهت ولا بهيت قاله الكسائي.

﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ فلهذا لم ينفعه الدليل وإن بلغ في الظهور إلى حيث صار المبطل مبهوتاً محجوجاً، فيعلم منه أن الكل بقضاء الله وقدره وبمشيئته وإرادته.

القصة الثانية قوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ ذهب الكسائي والفراء والفارسي وأكثر النحويين إلى أنه معطوف على المعنى، والتقدير: أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو كالذي مر، ونظيره من القرآن ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 84، 85\] ثم قال ﴿ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله ﴾ \[المؤمنون: 186، 187\] فهذا عطف على المعنى كأنه قيل: لمن السموات؟

فقيل: لله.

ومثله قول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وعن الأخفش: أن الكاف زائدة والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر.

وعن المبرد: أنا نضمر الفعل في الثاني والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إلى إبراهيم أو ألم تر إلى مثل الذي مر.

واختلف في المار بالقرية فعن مجاهد وعليه أكثر المفسرين من المعتزلة أن المار كان رجلاً كافراً.

شاكاً في البعث لأن قوله ﴿ أنى يحيي ﴾ استبعاد وإنه لا يليق بالمؤمن، ولأنه  قال في حقه ﴿ فلما تبين له ﴾ وفيه دليل على أن ذلك التبين لم يكن حاصلاً قبل ذلك.

وكذا قوله ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ وذهب سائر المفسرين إلى أنه كان مسلماً ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس هو أرميا.

ثم من هؤلاء من قال: إن أرميا هو الخضر  وهو رجل من سبط هارون بن عمران وهذا قول محمد بن إسحق.

وقال وهب بن منبه: إن أرميا هو النبي الذي بعثه الله عند ما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة.

وقيل: هو عزير على ما يجيء.

حجة هؤلاء أن قوله ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ يدل على أنه كان عالماً بالله، وبأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، والاستبعاد إنما هو في القرية المخصوصة.

وأيضاً قد شرفه الله  بالتكلم في قوله ﴿ قال كم لبثت ﴾ وفي قوله ﴿ وانظر ﴾ ﴿ ولنجعلك ﴾ وفي نفس قصته من الإعادة وغيرها إكرام له أيضاً.

روي عن ابن عباس أن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثير - ومنهم عزير وكان من علمائهم - فجاء بهم إلى بابل.

فدخل عزير تلك القرية ونزل تحت ظل شجرة وربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحداً، فعجب من ذلك وقال ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ أي من أين يتوقع عمارتها؟

لا على/ سبيل الشك في القدرة، بل بسبب اطراد العادة في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معموراً.

وكانت الأشجار مثمرة فتناول منها التين والعنب وشرب من عصير العنب، ونام فأماته الله في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عنه في موته أبصار الإنس والطير والسباع، ثم أحياه بعد المائة ونودي من السماء يا عزير ﴿ كم لبثت؟

قال: لبثت يوماً أو بعض يوم.

قال: بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك ﴾ من التين والعنب ﴿ وشرابك ﴾ من العصير لم يتغير.

فنظر فإذا التين والعنب كما شاهد.

ثم قال ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فنظر فإذا عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله.

فسمع صوتاً: أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض ثم التصق كل عضو بما يليق به، الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى مكانه، ثم العصب، ثم العروق، ثم انبسط اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور من الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق، فخر عزير ساجداً فقال ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرحيا مات ببابل، وقد كان يختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً من قراء التوراة وكان فيهم عزير.

والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً.

وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورضت بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزير ابن الله.

وعن وهب وقتادة وعكرمة والربيع أن القرية إيليا وهو بيت المقدس.

وقال ابن زيد: هي القرية التي خرجت منها الألوف حذر الموت.

ومعنى قوله ﴿ خاوية على عروشها ﴾ ساقطة على سقوفها من خوى النجم إذا سقط.

والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب، كان حيطانها قائمة وقد تهدمت سقوفها ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة، وهذا من أحسن ما يوصف به خراب المنازل.

ويحتمل أن يكون من خوى المنزل إذا خلا عن أهله، وخوى بطن الحامل.

"وعلى" بمعنى "عن" أي خاوية عن عروشها، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع بقاء عروشها وسلامتها.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون ﴿ على عروشها ﴾ خبراً بعد خبر كأنه قيل: هي خالية وهي على عروشها أي هي قائمة مظلة على عروشها على معنى أن السقوف سقطت إلى الأرض فصارت في قرار الحيطان، وبقيت الحيطان بحالها فيه مشرفة على السقوف الساقطة، ويجوز أن يراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة، وكان التعجب من ذلك أكثر لأن الغالب من القرية الخالية أن يبطل ما فيها من عروش الفواكه ﴿ فأماته الله مائة عام ﴾ لأن الإحياء بعد مدة طويلة أغرب فيكون أدخل في كونه آية ﴿ ثم بعثه ﴾ أي أحياه كما كان أوّلاً عاقلاً فهماً مستعداً للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية، ولو قال أحياه لم/ تحصل هذه الفوائد.

﴿ قال كم لبثت ﴾ أي كم مدة؟

فخذف المميز.

والحكمة في السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة ﴿ قال ﴾ بناء على الظن لا بطريق الكذب ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس.

فقال قبل النظر إلى الشمس: يوماً.

ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.

والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان سبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي حماره ﴿ لم يتسنه ﴾ لم يتغير.

وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مرّ السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه.

وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم "سانيت الرجل مساناة" إذا عامله سنة.

وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل سنيهة في التصغير، وقولهم "أجرت الدار مسانهة".

وقيل: أصله لم يتسنن إما من السن وهو التغير قال  ﴿ من حمإ مسنون  ﴾ أي متغير منتن.

وإما من السنة أيضاً بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلاً.

وعلى التقديرين أبدلت النون الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض.

ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت في الوقف.

وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله "لم يتسن" أي الشراب بقي بحاله لم ينصب.

فعلى هذا يكون قوله ﴿ لم يتسنه ﴾ عائداً إلى الشراب وحده، ويوافقه قراءةٍ ابن مسعود ﴿ فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن ﴾ وأما على سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحاً لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب جميعاً.

فإن قيل: إنه  لما قال ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله ﴿ فانظر ﴾ يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم.

فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: ﴿ وانظر إلى حمارك ﴾ فرآه عظاماً نخرة فعظم تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقياً، وما يمكن أن يبقى زماناً طويلاً وهو الحمار غير باقٍ فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام حماره رميماً.

وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن انقلاب عظام الحمار إلى حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله ﴿ بل لبثت مائة عام ﴾ .

﴿ ولنجعلك آية ﴾ قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلاً على صحة البعث.

وقال غيره: كان آية ﴿ للناس ﴾ لأن الله  بعثه شاباً أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والمفارق.وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية.

وقيل: إن حماره لم يمت.

والمراد وانظر إلى حمارك سالماً في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الأيات أن يعيشه مائة/ عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة الواو في قوله ﴿ ولنجعلك آية للناس ﴾ فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطاً وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام.

بل المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء.

ومثله في القرآن كثير ﴿ وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون  ﴾ ﴿ وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين  ﴾ ﴿ وانظر إلى العظام كيف ننشرها ﴾ بالراء المهملة أي كيف نحييها.

وقرىء ﴿ كيف ننشرها ﴾ من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم.

ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط.

وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله ﴿ من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة  ﴾ ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب.

والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج.

"وكيف" في موضع الحال من العظام والعامل فيه "ننشرها" لا "انظر" لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله.

ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية.

وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن العظام عظام هذا الرجل نفسه.

قالوا: إنه  أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه، وزيف بأن قوله ﴿ لبثت يوماً أو بعض يوم ﴾ إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة.

وأيضاً قوله ﴿ ثم بعثه ﴾ يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها، وقيل: هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره ﴿ فلما تبين له ﴾ أن الله على كل شيء قدير ﴿ قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله "ضربني وضربت زيداً" أو التقدير: فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم.

وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالاً.

ومن قرأ ﴿ اعلم ﴾ على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك.

والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم ﴿ واعلم أن الله عزيز حكيم ﴾ قال القاضي: القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وههنا العلم حاصل بدليل قوله ﴿ فلما تبين له ﴾ فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك.

أما الإخبار عن أنه حصل فجائز.

قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر/ على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادراً على نظائره من الغرائب والعجائب لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية.

نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمراً بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضاً ممنوع فإن الأمر حينئذٍ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك للمتحرك "تحرك" أي واظب على الحركة ولا تفتر.

وليت شعري كيف يطعن بعض العلماء في بعض القراءات السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم العليم تقدس وتعالى؟

القصة الثالثة قوله عم طوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ التقدير: واذكر وقت قول إبراهيم.

وقيل: معطوف على قوله ﴿ إلى الذي ﴾ أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم.

وههنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيراً في قصته بل قال ﴿ أو كالذي مرّ على قرية ﴾ وههنا سمى إبراهيم لأن عزيراً لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء ﴿ أنى يحيي هذه الله بعد موتها ﴾ وإبراهيم أثنى على الله أولاً بقوله ﴿ رب أرني ﴾ وأيضاً إن عزيراً استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول ﴿ أرني ﴾ فأرى ذلك في غيره.

ومعنى أرني بصرني.

وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً.

الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر.

فقيل: أو لم تؤمن؟

قال: بلى.

ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضرورياً.

الثاني: قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوساً وقتل آخر فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم.

وري أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدولي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع.

الثالث: عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله  أوحى إليه أني أتخذ بشراً خليلاً، فاستعظم ذلك إبراهيم  وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟

فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم  في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل.

فسأل الله إحياء الموتى فقال الله: أو لم تؤمن؟

قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل/ لك.

الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم.

الخامس: لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله  يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده.

السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح.

السابع: أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة.

الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة.

وأما أن إبراهيم  كان شاكاً في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم  وقوله ﴿ بلى ﴾ اعتراف بالإيمان، وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ كلام عارف طالب لمزيد اليقين.

والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي جاء في الحديث من قوله  " "نحن أحق بالشك من إبراهيم" فذلك أنه "لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك نبينا.

فقال رسول الله  تواضعاً منه وتقديماً لإبراهيم على نفسه نحن أحق بالشك منه" والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟

والاستفهام في قوله ﴿ أولم تؤمن ﴾ للتقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا؟

*** وأيضاً المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه  كان مؤمناً بذلك عارفاً به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.

واللام في قوله ﴿ ليطمئن ﴾ تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكوناً وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال.

وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا: المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله  على الإحياء، أما إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ عن ابن عباس: هنّ طاوس ونسر وغراب وديك.

وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر ﴿ فصرهن إليك ﴾ بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك.

وقال الأخفش: يعني وجههنّ إليك.

وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك.

وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ﴿ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ﴾ وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا اضمار.

روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط/ ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله.

فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها.

وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال: إن إبراهيم  لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله  مثالاً قرب به الأمر عليه.

والمراد بـ ﴿ صرهن إليك ﴾ الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، ويؤكده قوله ﴿ ثم ادعهن ﴾ أي الطيور لا الأجزاء ﴿ يأتينك سعياً ﴾ وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية.

وأيضاً إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة.

ولأن قوله ﴿ على كل جبل منهنَّ جزءاً ﴾ دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ظاهر قوله ﴿ على كل جبل ﴾ جميع جبال الدنيا.

فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه.

وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع: أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع.

وقال السدي وابن جريج: المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة.

أما قوله ﴿ ثم ادعهنّ يأتينك سعياً ﴾ فقيل: عدواً ومشياً على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل: طيراناً.

ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى.

وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشياً كانت أو طيراناً، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطاً على صحة الحياة لأنه  جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حياً قادراً على السعي والعدو.

قال القاضي: دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة.

﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ غالب على جميع الممكنات ﴿ حكيم ﴾ عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.

التأويل: إن الله  لما أعطى نمرود ملكاً ما أعطى أحداً قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله.

وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوماً جهولاً، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقاً لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل/ إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط.

فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول: أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلاً بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي  أو من ينوب منابه - وهو الشيخ - قال: ليس في الوجود سوى الله.

وهذا هو حقيقة ﴿ فاعلم أَنهُ لا إله إلا الله واستغفر لذنبك  ﴾ يعني كن فانياً عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جداً وإن لم تكن مجداً، فإن المجد من يدق بمطرقة "لا إله إلا الله" دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجود كل ما سوى الله.

﴿ قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ﴾ اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطق لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقاً في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته.

﴿ فبهت الذي كفر ﴾ لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير.

ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله  ﴿ أو كالذي مر على قرية ﴾ وذلك أن قوماً أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو  لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيراً مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعاً ليعلم أن الله  مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار.

فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال ﴿ وسقاهم ربهم شراباً طهوراً  ﴾ " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ولحمار الجسد مرتع من/ الرياض ومشرب من الحياض ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ﴾ و ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ .

شربنا وأهرقنا على الأرض قسطها *** وللأرض من كأس الكرام نصيب ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله  وذلك قوله ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ فيفوح منه رائحة قول موسى ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطىء الجاني، وعرك بتعريك ﴿ لن تراني ﴾ وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.

شربت الحب كأسا بعد كأس *** فما نفذ الشراب وما رويت فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله ﴿ رب أرني أنظر إليك  ﴾ ويعربد أخرى بقوله ﴿ إن هي إلا فتنتك  ﴾ ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من اداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة "إن أول ما شاب شيبة إبراهيم" ويحترم غداً بالكسوة " "إن أول من يكسى إبراهيم " ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي بنفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال: أما إليك فلا.

لا جرم أكرمه الله بالإمامة ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال ﴿ هذا ربي  ﴾ وأول من سلك طريق الحق وقال ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وأول من نطق بالمحبة وقال ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ وأول من أظهر الشوق وقال ﴿ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين  ﴾ وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال ﴿ رب أرني ﴾ ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله.

ولست حديث العهد شوقاً ولوعة *** حديث هواكم في حشاي قديم ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير.

وسأله نمرود من ربك؟

فأجرى/ الحق على لسانه من فضله وإحسانه ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فقال نمرود: هل رأيت منه ما تقول؟

فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو ﴿ كيف تحيي الموتى ﴾ وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى.

فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده.

و ﴿ قال أولم تؤمن ﴾ فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة: أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقاً؟

أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة؟

أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء؟

مضمراً في كل منها الإثبات في لفظة النفي.

فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سراً بسر أي بلى آمنت.

وكان إيماناً حقيقياً ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول: أرني وجهك لأنظر إليك.

لأنه يعلم أن الدلال فرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟

فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إليّ كيف أخيطه؟

فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك.

فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال ﴿ خذ أربعة من الطير ﴾ الآية.

والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معاً، ومن الناء وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحد من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها.

فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم ﴿ لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم  ﴾ يعني من الخلق.

فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من/ ذلك الباب، فأمر الله  خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاوس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب.

فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها برداً وسلاماً.

والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها علي يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ﴿ ثم اجعل على كل جبل ﴾ هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها: النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي.

فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية باخلاق الروحانيات.

هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله  بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حياً بحياته محيياً بصفاته كما قال " لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش " كما أن أمياً يقول لكاتب: أرني كيف تكتب.

فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتباً فيقول أنا الكاتب كقوله: عجبت منك ومني *** أفنيتني بك عني أدنيتني منك حتى *** ظننت أنك أني فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً  ﴾ ثم إن الله  إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة المعراج كما قال ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ والخليل طلب الرؤية لنفسه ﴿ رب أرني ﴾ والحبيب طلبها له ولأمته "أرنا الأشياء كما هي" وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال: أرنا.

ولرفعة مرتبته قال: الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود.

فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحاً وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضاً.

وفيه أيضاً طلب كمال الرؤية بجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال "كما هي" وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه.

ثم قيل للخليل ﴿ واعلم أن الله عزيز ﴾ أعز من أن يعرف كنه صفاته ﴿ حكيم ﴾ لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ .

فقد ذكرنا فيما تقدم أن قوله  : ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، إنما يفتتح به لأعجوبة، كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ  ﴾ .

وفيه إباحة التكلم في الكلام والمناظرة فيه والحجاج بقوله: ﴿ حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ ، ورد على من يمنع التكلم فيه وهو كذلك؛ لأنا أمرنا بدعاء الكفرة جميعاً إلى وحدانية الله  ، والإقرار له بذلك، والمعرفة له أنه كذلك، وكذلك الأنبياء بأجمعهم أمروا وندبوا إلى دعاء الكفرة إلى شهادة أن "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، فإن دعوناهم إلى ذلك لا بد من أن يطلبوا منا الدليل على ذلك، والبيان عليه، والوصف له كما هو له، والتقرير عندهم أنه كذا، فلا يكون ذلك إلا بعد المناظرة والحجاج فيه؛ لذلك قلنا: أن لا بأس بالتكلم والماظرة فيه.

وفيه دلالة على إباحة المحاجة في التوحيد.

وفيه الإذن بالنظر في النظر؛ لأنه حاجه لينظر.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ .

قال أهل الاعتزال في قوله  : ﴿ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ : هو إبراهيم،  ، لا ذلك الكافر؛ لقوله  : ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ، أخبر أن عهده لا يناله الظالم، والملك عهد.

لكنه غلط عندنا لوجوه: أحدها: إن إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، ما عرف بالملك.

والثاني: أن الآية ذكرت في محاجة ذلك الكافر إبراهيم، ولو كان غير ملك، وكان إبراهيم،  ، هو الملك، لم يقدر المحاجة مع إبراهيم،  إذ لا محاجة إلا عن ملك؛ دل أنه هو الذي كان الملك.

والثالث: قال: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ، ثم قيل: إنه جاء برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر.

فلو لم يكن ملكا لم يتأت له ذلك بين يدي إبراهيم، إذا كان إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، هو الذي ﴿ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ﴾ ، فدل أن المراد به ذلك الكافر.

ثم (المُلْكُ) يكون في الخلق بأحد أمرين: إما الفضل والشرف والعز والسلطان والدين، وإما من جهة الأموال والطول عليها والقهر والغلبة.

فإن لم يكن له (المُلك) من جهة الأول لكان له ذلك بفضول الأموال؛ لذلك كان ما ذكرنا.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: أعطى (الملك) ليمتحن به، كما يعطي الغني والصحة ليمتحن بهما.

وقوله  : ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .

وكان هذا من إبراهيم -  - والله أعلم - عن سؤال سبق منه أن قال له ذلك الكافر: من ربك الذي تدعوني إليه؟

فقال: ﴿ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ وإلا لا يحتمل ابتداء الكلام بهذا على غير سبق سؤال كان منه.

وهو ما ذكر في قصة فرعون حيث دعاه موسى إلى الإيمان بربه، ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ  قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ  ﴾ ، فعلى ذلك الأول.

وقوله  : ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ .

أنه دعا برجلين، فقتل أحدهما، وترك الآخر، على ما قيل في القصة.

﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ﴾ .

قال بعض الجدليين: هذا من إبراهيم،  ، صرف المحاجة إلى غير ما كان ابتداؤها، ومثله في الظاهر انقطاع وَحَيْد عن الجواب[؛ لأن من حاج آخر شيئاً، وناظره فيه لعلة ضمن وفاء تلك العلة وإتمامها إلى آخره، فإذا اشتغل بغيرها كان منه انقطاع عما ضمن وفاءها؛ فإبراهيم اشتغل بغيرها وترك الأول وهو في الظاهر انقطاع؛] لأن جوابه أن يقول: أنا أفعل كما فعلت، أو أن يقول له: إن هذا الحي كان حيّاً، ولكن أحي هذا الميت.

لكنه، صلوات الله عليه وسلامه، فعل هذا ليظهر عجزه على الناس؛ لأن ذلك كان منه تمويهاً وتلبيساً على قومه أخذ به قلوبهم، فأراد إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، أن يظهر عليه من الحجة ما هو أظهر وأعجز له، وآخذ للقلوب.

والثاني: أراد أن يريه أن هذا مما قدر عليه بغيره، إذ الذي لم يجعل له القدرة عليه لم يقدر عليه، ثم لما ثبت عجزه في أحدهما يظهر عجزه في الآخر.

والله أعلم.

وقيل: بأن هذا من إبراهيم انتقال من حجة إلى حجة، ليس بانقطاع.

وهو جائز.

وقوله: ﴿ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ﴾ ، قيل: انقطع وتحير.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

ذكر الظالم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير محله، حيث هذا اللعين المحاج في غير موضعه.

وقوله  : ﴿ أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ ﴾ .

قيل: هو نسق قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

وقيل: هو نسق على قوله: ﴿ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ﴾ ؛ لأنه ذلك أنكر البعث.

ثم اختلف في المار على القرية: قال بعضهم: كافر قال ذلك.

وقال آخرون: لا، ولكن قال ذلك مسلم.

وقال أكثر أهل التأويل: هو عزير.

فإن كان قائل ذلك كافراً فهو على إنكار البعث والإحياء [بعد إماتة].

وإن كان مسلماً فهو على معرفة كيفية الإحياء، ليس على الإنكار، وهو كقول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ .

وليس لنا إلى معرفة قائله حاجة، إنما الحاجة إلى معرفة ما ذكر في الآية.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ﴾ .

قيل: خالية من سكانها.

وقيل: (خاوية)، ساقطة سقوفها على حيطانها، وحيطانها على سقوفها.

وقوله  : ﴿ قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .

هو على ما ذكرنا.

وقوله  : ﴿ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ .

أراد - والله أعلم - أن يرى الآية في نفسه، والآية هي آية البعث، ويحتمل أن تكون آية في المتأخرين.

وقوله  : ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ .

سأل منه - جل وعلا - الاجتهاد بظاهر الحال الذي ظهر عنده، ليظهر أنه اجتهد بدليل أو بغيره على ما يدركه وسعة؛ فبان أن المجتهد يحل له الاجتهاد بما يدرك في ظاهر الحال.

وإن كان حكم ما فيه الاجتهاد بالغيب.

قال الشيخ - رحمه الله -: أراد الله  بقوله: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ ، التنبيه؛ كقوله لموسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ؛ [طه: 17]، ليريه الآية من الوجه الذي هو أقرب إلى الفهم ثم جهة الأعجوبة فيه بوجهين: مرة بإماته الحمار، إذ من طبعه الدوام، ومرة بإبقاء طعامه، ومن طبعه التغير والفساد عن سريع.

جعل في بقاء طعامه وحفظه من الفساد آية ومن طبعه الفساد، وفي إحياء حماره بعد إماتته وطبعه البقاء؛ ليعلم ما نازعته نفسه في كيفية الإحياء درك ذلك؛ وهو قوله: ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

ثم قيل في وجهةِ ما أراه بأوجه: قيل: إنه أحيا عينيه وقلبه، فأدرك بهما كيفية الإحياء في بقية نفسه.

وقيل: أحيا نفسه، فأراه ذلك في حماره.

وقيل: إنه أراه ذلك في ولده؛ لأنه أتى شابّاً، وولده وولد ولده شيوخ.

وذلك آية.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ...

﴾ الآية: فإن قال قائل: كيف سأله عن لبثه، وقد علم أنه لم يكن علم به؟

وأيد ذلك إخباره بقوله ﴿ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ .

قيل: القول ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾ ، يحتمل وجهين؛ وكذلك القول بقوله: ﴿ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ : أحدهما: على قول ألقي إليه ونطق أسمع هو.

والثاني: أن يكون على ما حدثته نفسه بمدة لبثه في حال نومه، فتأمل في ذلك أحوال نومه، وأخبر عما عاين من أحوال الوقت الذي كان فيه مما كان ابتداؤه وقت نومه، فقال بالذي ذكرتم لمَّا تأمل شأن الحمار، واستخبر عن الأحوال، قالت له نفسه: ﴿ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ ﴾ ، ثم أمعن نظره في حماره، وما رأى من تغير أحواله، وأبقاه الله  على ما ذكر.

وكل ذلك خبر عما حدثته نفسه، هي بعثه، على التفكر في أحواله، والنظر فيما عاين من أمر الحمار، أو كان علم أن ذلك موت فيه، لكنه استقل ذلك بما شهد نفسه بما عيانها على ما كانت عليها.

فلما تأمل شأن حماره [و] علم أنه رفع إلى آيات عجيبة، فزع إلى الله  ، فأنبأه الله  بالذي وصف في القرآن.

والله أعلم.

ولو كان على القول فإن في السؤال عما يعلم السائل جهل المسئول وجهين: أحدهما: الامتحان على ما به ظهور أحوال الممتحن من الاجتهاد في تعريف الحقائق بالاستدلال والخضوع له بالاعتراف بقصوره عن الإحاطة به، كفعل الملائكة عند قوله  : ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ  ﴾ ، بقولهم: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والأول كما فعل صاحب هذا أنه قال: ﴿ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ومثله أمر أصحاب الكهف.

والله أعلم.

والثاني: أن يراد بالسؤال التقرير عنده؛ ليكون متيقظاً لما يراد به من الاطلاع على الآية، كما قال لموسى: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ...

﴾ الآية [طه: 17].

وهذا فيما كان السؤال في الظاهر خارجاً في الحقيقة مخرج المحنة، نحو ما ذكرنا في أمر الملائكة، وأمر موسى،  ، فأما السؤال الذي هو في حق السؤال إنما هو في حق الاستخبار، ليعلم ما عليه حقيقة الحال بالسؤال.

لكن الذي ذكرت فيما كان سبيله أن يكون من له الامتحان.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ .

قيل: لم يأت عليه السنون، أي: كأنه لم يأت عليه السنون.

وقيل: ﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ ، لم يتغير ولم ينتن.

والأول أشبه؛ لأنه يقال من التغير والتنتن: لم يتسنن.

وقوله  : ﴿ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ﴾ .

وهو من الأحياء.

و ﴿ نُنْشِزُهَا ﴾ بالزاي - وهو من الارتفاع والنصب.

وفيه لغة أخرى: "ننشرها" بالراء، وهو من الأحياء.

و"ننشرها" من النشر.

وقوله  : ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

﴿ أَعْلَمُ ﴾ ، بالنصب [والخفض: فمن قرأه بالنصب]، صرف قوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ ﴾ ، إلى المسلم.

ومن قرأ ﴿ أَعْلَمُ ﴾ بالخفض صرف إلى الكافر، يقول الله له: اعلم أن الله على كل شيء قدير.

ويحتمل أيضاً صرفه إلى المسلم: "واعلم"، على الإخبار، كأنه قال: اعلم ما كنت تعلمه غيباً مشاهدة.

وفي هذه الآية الآيات إثبات رسالة محمد  ؛ وذلك أن هذه القصص كانت ظاهرة بينهم، ولم يكن له اختلاف إليهم، ولا النظر في كتبهم، ثم أخبر على ما كان؛ ليعلم أنه إنما علم ذلك بالله عز وجل ثناؤه.

وقوله  : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: كان إبراهيم،  ، موقنا بأن الله يحيي الموتى، ولكن أحب أن يعاين ذلك؛ لأن الخبر لا يكون عند ابن آدم كالعيان، على ما قيل: "ليس الخبر كالمعاينة".

وقيل: يحتمل سؤاله عما يسأل لما نازعته نفسه وحدثته في كيفية الإحياء، وقد تنازع النفس وتحدث بما لا حاجة لها إليه من حيث نفسه؛ ليقع له فضل علم ومعرفة.

وقيل: ﴿ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ ، أي: ليسكن قلبي وأعلم أنك قد استجبت لي فيما دعوتك، وأعطيتني الذي سألتك.

وقيل: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ، أي: أو لم توقن بالخلة التي خاللتك؟

قال: بلى.

سأل ربه على الخلة.

وقيل: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن ﴾ ، قال: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، ﴿ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ ، بأنك أريتني الذي أردت.

ويحتمل: أن يكون إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، أراد بسؤاله ذلك أن تكون له آية حسية؛ لأن آيات إبراهيم كلها كانت عقلية، وآيات سائر الأنبياء كانت عقلية وحسية، فأحب إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، أن تكون له آية حسية، على ما لهم، كسؤال زكريا ربه حيث قال: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ، جعل له آية حسية؛ فعلى ذلك سؤال إبراهيم،  .

وقوله  : ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ .

معناه: وجههن إليك، كقول الرجل: "صر وجهك إليَّ"، أي: حول وجهك إليَّ.

وروي في حرف ابن مسعود - رضي الله  عنه -: "فصِرْهن إليك"، بالكسر، بمعنى قطعهن، قيل: هو التقطيع.

وقيل: (فصرهن إليك)، أضممهن.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هل رأيت -أيها النبي- أعجب من جرأة الطاغية الذي جادل إبراهيم -  - في ربوبية الله وتوحيده، وقد وقع منه ذلك لأن الله آتاه المُلك فطغى، فبيّن له إبراهيم صفات ربه قائلًا: ربي الذي يحيي الخلائق ويُمِيتُها، قال الطاغية عنادًا: أنا أُحيي وأُميت بأن أقتل من أشاء وأعفو عمن أشاء، فأتاه إبراهيم -  - بحجة أخرى أعظم، قال له: إن ربي الذي أعبده يأتي بالشمس من جهة المشرق، فأت بها أنت من جهة المغرب، فما كان من الطاغية إلا أن تحيَّر وانقطع، وغُلب من قوة الحجة، والله لا يوفق الظالمين لسلوك سبيله؛ لظلمهم وطغيانهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.PNeDO"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله وشاهد عليه كأنه يقول انظروا إلى إبراهيم كيف كان يهتدي بولاية الله له إلى الحجج القيمة والخروج من الشبهات التي تعرض عليه فيظل على نور من ربه، وإلى الذي حاجه كيف كان بولاية الطاغوت له يعمى عن نور الحجة وينتقل من ظلمة من ظلمات الشبه والشكوك إلى أخرى.

قالوا الاستفهام في قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ  ﴾ للتعجب من هذه المحاجة وغرور صاحبها وغباوته مع الإنكار وقوله ﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ  ﴾ معناه أن الذي حمله على هذه المحاجة هو إيتاء الله تعالى الملك له فكان منشأ إسرافه في غروره وسبب كبريائه وإعجابه بقدرته ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ  ﴾ وكأنه كان قد سأله عن ربه الذي يدعو إلى عبادته وقد كسر الأصنام التي تعبد من دونه وسفه أحلام عابديها لأجله، فأجاب بهذا الجواب، فأنكره الملك الطاغية الذي حكى عنه ادعاء الألوهية لنفسه ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ  ﴾ أحيي من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله، فدل جوابه هذا على أنه لم يفهم قول إبراهيم  .

ولم يقل "فقال أنا أحيي وأميت" لأن جوابه منقطع عن الدليل لا يتصل به بالمرة، فإنه أراد إنه يكون سببًا للإحياء والإماتة، والكلام في الإنشاء والتكوين لا في اتخاذ الأسباب والتوسل في الشيء المكون، فالمراد بالذي يحيي ويميت الذي ينشئ الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها ويزيل الحياة بالموت.

وعبر ﴿ بِالَّذِي  ﴾ الدال على المعهود المعروفة صلته دون ﴿ مِنْ  ﴾ التي فيها الإبهام، وبالمضارع الدال على التجدد والاستمرار لإفادة أن هذا شأنه دائمًا كما هو معهود معروف لمن نظر في الأكوان نظر المفكر المستدل.

ولما رأى إبراهيم أنه لم يفهم أن مراده بالذي يحيي ويميت مصدر التكوين الذي يحيا كل حي بإحيائه ويموت بقطع إمداده له بالحياة ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ  ﴾ فهذا إيضاح لقوله الأول وإزالة لشبهة الخصم لا أنه جواب آخر كما فهم (الجلال) وغيره، والمعنى أن ربي الذي يعطي الحياة ويسلبها بقدرته وحكمته هو الذي يطلع الشمس من المشرق، أي هو المكون لهذه الكائنات بهذا النظام والسنن والحكمة التي نشاهدها عليها، فإن كنت تفعل كما يفعل فغير لنا نظام طلوع الشمس وأت بها من الجهة المقابلة للجهة التي جرت سنته تعالى بظهورها منها ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ  ﴾ أي أدركته الحيرة وأخذه الحصر من نصوع الحجة وسطوعها فلم يحر جوابًا ﴿ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  ﴾ هذا ترشيح للكلام والمراد بالظلم في هذا المقام الإعراض عن النور الإلهي وهو نور العقل الذي يسير به المرء في طريق الدين فمن ظلم نفسه بإطفاء هذا المصباح فسار يتخبط في الظلمات فإنه لا يهتدي في سيره إلى الصراط المستقيم الموصل إلى السعادة بل يضل عنه حتى يهلك دون الغاية.

من فهم الآية على الوجه الذي قررناه يعلم أن لا محل للشبهة التي يوردها بعض الناس على حجة إبراهيم  ، وهي أنه كان "لنمرود" أن يقول له: إذا كان ربك هو الذي يأتي بالشمس من المشرق، وهو قادر على ما طالبني به من الإتيان بها من المغرب، فليأت بها يومًا ما.

قال بعض المقلدين: ولا يمكن أن يسأل إبراهيم ربه ذلك، لأن فيه خراب العالم وقال بعض المرتابين: إنه لو قال له "نمرود" ذلك لألزمه.

وقد فهم "نمرود" -على طغيانه وغروره - من الحجة ما لم يفهم هؤلاء القائلون، فهم أن مراد إبراهيم أن هذا النظام في سير الشمس لا بد له من فاعل حكيم، إذ لا يكون مثله بالمصادفة والاتفاق، وأن ربي الذي أعبده هو ذلك الفاعل الحكيم الذي قضت حكمته بأن تكون الشمس على ما ترى.

ومن فهم هذا لا يمكنه أن يقول: اطلب من هذا الحكيم أن يرجع عن حكمته ويبطل سنته.

كذلك لا محل لقول بعضهم: لم سكت إبراهيم عن كشف شبهته الأولى، إذ زعم أن ترك القتل إحياء؟

فقد علمت أن مسألة الشمس قد كشفت ذلك انكشافًا لا يخفى إلا على من تخفى عليه الشمس؟!.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله