تفسير سورة البقرة الآيات ٢٨٢-٢٨٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٨٢-٢٨٣

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٢٨٢ ۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَـٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ٢٨٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 14 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام في الأموال بدأ بالترغيب في الصدقات والإنفاق في سبيل الله وذلك محض الرحمة، وثنى بالنهي عن الربا الذي هو محض القساوة، ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن.

ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بإنظار المعسر فيه، وكان لا بد لحفظه من كتابته، إذ ربما يخشى ضياعه بالإنظار إلى الأجل.

جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه.

ويقول بعض المفسرين وله الحق إنه تقدم في الآيات طلب الإنفاق والتصدق ثم حكم الربا الذي يناقض الصدقة، ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال، لأن الذي يؤمر بالإنفاق والصدقة وبترك الربا لا بد له من كسب ينمي ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالإنفاق في سبيل الله ولا يضطر بإنفاقه إلى الوقوع فيما حرم الله.

وهذا يدل على أن المال ليس مذمومًا لذاته في دين الله ولا مبغضًا عنده تعالى على الإطلاق، كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا إلى حفظ المال وعدم تضييعه، وإلى اختيار الطرق النافعة في إنفاقه بأن نستعمل عقولنا في تعرفها ونوجه إرادتنا إلى العمل بخير ما نعرفه منها.

ففي آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك يزيل ما عساه يتوهم من الكلام السابق، وهو أن المبالغة في الترغيب في الإنفاق في سبيل الله والتشديد في تحريم الربا يدلان على أن جمع المال وحفظه مذموم على الإطلاق، كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة.

فكأنه يقول إنا لا نأمركم بإضاعة المال وإهماله، ولا بترك استثماره واستغلاله، إنما نأمركم بأن تكسبوه من طرق الحل، وتنفقوا منه في طرق الخير والبر.

إن قوله تعالى ﴿ فَاكْتُبُوهُ  ﴾ أمر عام للمتعاملين وفيهم الأمي الذي لا يكتب ولذلك احتيج إلى هذه الجملة: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ  ﴾ وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التي تحفظ الحقوق لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو يتهم في الكتابة بجهلة فيلتبس بذلك الحق بالباطل ويضيع حق أحد المتعاملين كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة أو الإبهام إذا لم يكن عادلًا.

إن كاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلًا لذلك، وإنما أهله من يصح أن يكون قاضي العدل والإنصاف.

إن ما ذكر في وصف الكتاب إرشاد من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام معروف وهو أن يكون كاتب الديون عادلًا عارفًا بالحقوق والأحكام فيها حتى لا يقع التنازع بعد ذلك فيما يكتبه، وإرشاد للمسلمين إلى أنه ينبغي أن يكون فيهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهو ما يسمونه اليوم العقود الرسمية، ويتحتم ذلك على القول بأن الكتابة واجبة.

وفيه أيضًا أن الكاتب ينبغي أن يكون غير المتعاقدين وإن كانا يحسنان الكتابة لئلا يغالط أحدهما الآخر أو يغشه وكأن هذا أمر حتم وعليه العمل الآن فإن للعقود الرسمية كُتّابًا يختصون بها.

﴿ فَلْيَكْتُبْ  ﴾ : تأكيد لأن الموضوع غريب في نظر الأميين الذين خوطبوا به أولًا.

﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ  ﴾ ذكر الذي عليه الحق مظهرًا في موضع الإضمار لزيادة الكشف والبيان، كما قالوا، أما السفيه فهو ضعيف الرأي أي من لا يحسن التصرف في المال لضعف عقله.

﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى  ﴾ قال بعضهم معناه أن تضل إحدى الشهادتين عن إحدى المرأتين فتذكّرها بها المرأة الأخرى فجعل إحدى الأولى للشهادة والثانية للمرأة وأيده الطبرسي بأن نسيان الشهادة لا يسمى ضلالًا لأن الضلال معناه الضياع والمرأة لا تضيع، واستدل على التفرقة بين الضلال والنسيان بقوله تعالى ﴿ ضَلُّوا عَنَّا  ﴾ ومثله ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى  ﴾ .

تكلم المفسرون في هذا وجعلوا سببه المزاج فقالوا إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان، وهذا غير متحقق، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أن من طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها.

ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها.

إن الله تعالى جعل شهادة المرأتين شهادة واحدة فإذا تركت إحداهما شيئًا من الشهادة كأن نسيته أو ضل عنها تذكرها الأخرى وتتم شهادتها، وللقاضي بل عليه أن يسأل إحداهما بحضور الأخرى، ويعتد بجزء الشهادة من إحداهما وبباقيها من الأخرى.

هذا هو الواجب وإن كان القضاة لا يعملون به جهلًا منهم.

وأما الرجال فلا يجوز له أن يعاملهم بذلك بل عليه أن يفرق بينهم، فإن قصر أحد الشاهدين أو نسي فليس للآخر أن يذكره وإذا ترك شيئًا تكون الشهادة باطلة، يعني إذا ترك شيئًا مما يبين الحق فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه فإنها لا يعتد بها ولا بشهادة الآخر وحدها وإن بينت.

﴿ وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا  ﴾ إلى تحمل الشهادة، أو إلى أداء الشهادة، وقال بعضهم بالإطلاق الشامل للتحمل والأداء، وهو رأي الجمهور، وأختاره.

﴿ وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ  ﴾ : وهذا دليل على أن الكتابة يعمل بها، وأنها من الأدلة التي تعتبر عند استيفاء شرطها.

﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ  ﴾ الخطاب للمؤمنين، والإشارة للكتاب، أي الكتابة، لأنه الأقرب في الذكر وهو رأي الجمهور.

ويعد من دلائل العمل بالكتابة.

وفيه أيضًا الدليل على أن للشاهد أن يطلب وثيقة العقد المكتوب ليتذكر ما كان على وجهه.

وقوله ﴿ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا  ﴾ هذه مزية ثالثة للكاتبة تؤكد القول بالأخذ بها، والاعتماد عليها، وجعلها مذكرة للشهود، والاحتجاج بها إذا استوفيت شروطها.

﴿ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا  ﴾ أي إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة أو إلا أن توجد تجارة حاضرة تدار بين المتعاملين بالتعاطي بأن يأخذ المشتري المبيع والبائع الثمن فلا حرج من ترك كتابتها ولا إثم، إذ لا يترتب عليه شيء من الارتياب الذي يجر إلى التنازع والتخاصم وما رواء ذلك من المفاسد.

﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ : معناه هذا التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة، لأن البيع بالكالئ يستلزم الدين وهو الذي أمر بكتابته والاستشهاد عليه، والإشهاد لازم لما يحصل من المجاحدين في بعض العقود الحاضرة بعد العقد من التنازع والخلاف.

وكأنه يعني أن من شأن هذه المجاحدة أن تحصل عن قريب ولذلك اكتفي بالإشهاد لتلافي ما عساه يقع منها، وأما الديون المؤجلة فربما يقع التنازع فيما بعد موت الشهود لأنها مما يطول زمنها لا سيما إذا كان الأجل بعيدًا فلهذا وجبت كتابتها وشرع الاحتجاج عليها بالكتابة.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ اشتهر على ألسنة المدعين للتصوف في معنى هاتين الجملتين ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ  ﴾ أن التقوى تكون سببًا للعلم، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تثمر لهم العلوم الإلهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم بدون تعلم.

وهذا الزعم فتح للجاهلين الذين يلبسون لباس الصلاح دعوى العلم بالله وفهم القرآن والحديث ومعرفة أسرار الشريعة من غير أن يكونوا قد تعلموا من ذلك شيئًا، والعامة تسلم لهم بهذه الدعوى وتصدق قولهم أن الله هو الذي تولى تعليمهم ويسمون علمهم هذا"بالعلم اللدني".

ويرد استدلالهم بالآية على ذلك من وجهين: أحدهما:أنه لا يرضى به سيبوبه، وله الحق في ذلك، لأن عطف ﴿ يُعَلِّمُكُمْ  ﴾ على ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ ينافي أن يكون جزاء له ومرتبًا عليه، لأن العطف يقتضي المغايرة ولو قال ﴿ يُعَلِّمُكُمْ  ﴾ بالجزم لكان مفيدًا لما قالوه، وكذلك لو كان العطف بالفاء أو اتصل بالفعل لام التعليل.

الثاني: إن قولهم هذا عبارة عن جعل المسبب سببًا والفرع أصلًا والنتيجة مقدمة، فإن المعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى، فلا تقوى بلا علم، فالعلم هو الأصل الأول، وعليه المعول.

فللعلم تأثير في الإدارة بتوجيهها إلى العمل الصالح وصرفها عن العمل القبيح -وتلك هي التقوى- ونحن لا ننكر العلم الذي يسمونه لدنيا، وإنما ننكر أن يكون غاية لذلك الطريق الجائر الذي يشترط فيه الجهل، ونقول: إن العلم بالله تعالى والعلم بالشرع والعمل به، مع الإخلاص، قد يصرف العالم العامل المخلص إلى الله تعالى حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعي، وقد يحصل له عند ذلك إشراف على ما لا يشرف عليه غيره من أسرار الحكمة الإلهية والتحقق ببعض المعارف الغيبية فيعلم مما قصه الله علينا من خبر الآخرة والملائكة ما لا يعلمه كل ناظر في معاني الألفاظ والأساليب في الكتاب.

وأين هذا مما يدعيه أعوان الجهل وأعداء العلم.

ذهب الجمهور إلى الأمر بكتابة الدين للندب واستدلوا بثلاثة أمور: أحدهما: قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  ﴾ فإنه أجاز ذلك بإقرارهم عليه وهو يستلزم عدم الكتابة والاستشهاد.

الثاني:كون المسلمين لم يلتزموا الكتابة والاستشهاد في العصر الأول ولا فيما بعده، بل كانوا يأتونه تارة ويتركونه تارة، ولو فهموا أنه واجب لالتزموه.

الثالث:أن في الكتابة حرجًا وهو منفي بالنص.

وذهب أقوام إلى أن الأمر للوجوب، وبه قال عطاء والشعبي وابن جرير في تفسيره، وهو الأصل في الأمر عند الجمهور، وقد تتابعت الأوامر في الآية وتأكدت حتى في حال السفه والضعف والعجز فقد أمر ولي من عليه الحق من هؤلاء بأن يملي عنه للكاتب ولم يعفهم من الكتابة، ومثل هذا التأكيد لا يكون في غير الواجب، ويؤيده التعليل بكون ذلك أقسط عند الله إلخ.

قالوا أما قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا  ﴾ إلخ فهو محمول على حال الضرورة كالأوقات التي لا يوجد فيها كاتب ولا شهود، فإذا احتاج امرؤا إلى الاقتراض من أخيه في مثل هذه الحال فإن الله تعالى لا يحرم عليه قضاء حاجته وسد خلته إذا هو ائتمنه.

قالوا وأما دعوى تعامل أهل الصدر الأول وغيرهم من المسلمين بغير كتابة ولا إشهاد فهي على إطلاقها باطلة، فإنه لم يؤثر عن الصحابة الذين يحتج بمعاملاتهم ولا عن التابعين شيء صحيح يؤيد هذه الدعوى، وإنما اغتر هؤلاء القائلون من الفقهاء بعدم وجوب الكتاب والإشهاد بمعاملات أهل عصرهم فجعلوا ذلك عامًا ولم يرووا عن الصحابة فيه شيئًا صحيحًا واقعًا بالفعل.

وأما قولهم أن في ذلك ضيقًا وحرجًا فجوابه أن هذا الضيق والحرج في بادي الرأي هو عين السهولة والسعة واليسر في حقيقة الأمر.

إن التعامل الذي لا يكتب ولا يستشهد عليه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع، ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان، فإذا ارتاب المتعاملان واختلفنا ولا شيء يرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منها الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه فلج في خصامه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسرًا ويرميهما بأشد الحرج، وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة.

كيف يكون هذا حرجًا وهو مما لا يقع إلا قليلًا لبعض المكلفين ولا يكون الوضوء حرجًا وهو مما يجب على كل مكلف كل يوم يصلي فيه خمس مرات، فما كل ما يتكرر يكون حرجًا.

هبوا أن هذه الأوامر المؤكدة للندب فهل ينبغي أن يترك المسلمون جملة ما ندب إليه كتاب الله بحجة أن فيه حرجًا أو بغير ذلك من الحجج حتى صار من تراه من المسلمين يعنى بكتابة ديونه فإنما يفعل ذلك لضعف ثقته بمدينة، لا عملًا بهداية دينه، ألا إن الحرج في هذا كالحرج في تحريم جميع أنواع الشرك والمعاصي، فكما لا يجوز أن تكون مشركًا بنوع ما من أنواع الشرك، لا يجوز أن تفرط في شيء من الحق الذي لا مراء فيه أنه لا شيء من الحرج في الكتابة، فإن البلد قد يكفيه كاتب واحد للديون المؤجلة، وقد رخص الله لنا في ترك كتابة التجارة الحاضرة.

والحاصل أن ظاهر الآية وأسلوبها وطريقة تأديتها تدل على أن الأمر فيها للوجوب، وإن كان الجمهور على خلافه.

وقد اختلف الفقهاء بعد هذا في العمل بالخط، ونحمد الله أن كان المفتى به هو العمل بالخط، إذ لو كان المفتى هو خلاف ما أمر به القرآن لكان المصاب عظيمًا واستدل القائلون بعدم العمل بالخط بأنه يحتمل فيه التزوير وزعموا أن فائدة الكتابة التذكار فقط كما أن الأمر بالإشهاد لأجل التذكار، ومنشأ الشبهة في هذا قوله تعالى في المرأتين ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى  ﴾ والصواب أن كلا من الكتابة والاستشهاد قد شرع للاستيثاق بين الدائن والمدين لا لأجل التذكر بعد النسيان، والكتابة أقوى من الشهادة فيه، وهي عون للشهادة، وهي عون للشهادة، فهي آلة الاستيثاق للمتعاملين، فالدائن يستوثق بما له فيأمن من إنكاره كله أو بعضه، والمدين يستوثق بما عليه فلا يخاف أن يزاد فيه، والشاهد يستوثق بشهادته فإذا شك أو نسي رجع إلى الكتاب فتذكر واطمأن قلبه، ولذلك قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا  ﴾ ونفع الكتابة الأكبر يكون بعد الموت الشهيدين أو أحدهما فلا يصح في هذه الحال أن تضيع الحقوق ولا حافظ لها حينئذ إلا الكتابة يرجع إليها فيعمل بها.

واحتجاجهم على أن الشهادة هي الأصل في إثبات الحقوق وأن الكتابة ليست إلا مذكرة بها بأن الخط يتحمل فيه التزوير منقوض بأن احتمال وقوع التزوير في الشهادة أشد بل حصوله فيها بالفعل أكثر حتى أن النسبة بينهما تكاد تكون كنسبة الخمسة إلى الألف.

ثم إن في الشهادة احتمالات أخرى تسقطها عن مرتبة الكتابة كالنسيان والذهول.

ومن محاسن الأجوبة في هذا المقام ما وقع لأحد القضاة في الوجه القبلي إذ جاءه مدع يطالب آخر بدين له كتب في صك وختم بخاتم المدعي عليه فقال القاضي للمدعي عليه: إن هذا الصك لا يعمل به لأن الختم ليس بينة فلا بد من الشهود.

قال المدعي: من قال بهذا؟

قال القاضي الإمام أبو حنيفة.

قال المدعي: هل عندك شهود سمعت منهم ذلك؟

فبهت القاضي!

فالأشياء البديهية يلهم حكمها كل الناس.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله