آية الدَّيْن

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > آية الدَّيْن

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌۭ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةًۭ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌۭ وَلَا شَهِيدٌۭ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٢٨٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 442 دقيقة قراءة

صفحةُ آية الدَّيْن: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير آية الدَّيْن عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم ، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال ، حدثني سعيد بن المسيب : أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول من جحد آدم ، عليه السلام ، أن الله لما خلق آدم ، مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة ، فجعل يعرض ذريته عليه ، فرأى فيهم رجلا يزهر ، فقال : أي رب ، من هذا ؟

قال : هو ابنك داود .

قال : أي رب ، كم عمره ؟

قال : ستون عاما ، قال : رب زد في عمره .

قال : لا إلا أن أزيده من عمرك .

وكان عمر آدم ألف سنة ، فزاده أربعين عاما ، فكتب عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة ، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة قال : إنه قد بقي من عمري أربعون عاما ، فقيل له : إنك قد وهبتها لابنك داود .

قال : ما فعلت .

فأبرز الله عليه الكتاب ، وأشهد عليه الملائكة " .

وحدثنا أسود بن عامر ، عن حماد بن سلمة ، فذكره ، وزاد فيه : " فأتمها الله لداود مائة ، وأتمها لآدم ألف سنة " .

وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن يوسف بن حبيب ، عن أبي داود الطيالسي ، عن حماد بن سلمة [ به ] .

هذا حديث غريب جدا ، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة .

وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه ، من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة .

ومن رواية داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن أبي هريرة .

ومن طريق محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .

ومن حديث هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره بنحوه .

فقوله : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها ، وأضبط للشاهد فيها ، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال : ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ) وقال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) قال : أنزلت في السلم إلى أجل معلوم .

وقال قتادة ، عن أبي حسان الأعرج ، عن ابن عباس ، قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه ، ثم قرأ : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ) رواه البخاري .

وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن كثير ، عن أبي المنهال ، عن ابن عباس ، قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم " .

وقوله : ( فاكتبوه ) أمر منه تعالى بالكتابة [ والحالة هذه ] للتوثقة والحفظ ، فإن قيل : فقد ثبت في الصحيحين ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة ؟

فالجواب : أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلا ; لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس ، والسنن أيضا محفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس ، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب ، كما ذهب إليه بعضهم .

قال ابن جريج : من ادان فليكتب ، ومن ابتاع فليشهد .

وقال قتادة : ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي ، كان رجلا صحب كعبا ، فقال ذات يوم لأصحابه : هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له ؟

فقالوا : وكيف [ يكون ] ذلك ؟

قال : رجل باع بيعا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب ، فلما حل ماله جحده صاحبه ، فدعا ربه فلم يستجب له ; لأنه قد عصى ربه .

وقال أبو سعيد ، والشعبي ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وابن جريج ، وابن زيد ، وغيرهم : كان ذلك واجبا ثم نسخ بقوله : ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) قال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا ليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر " أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار ، فقال : ائتني بشهداء أشهدهم .

قال : كفى بالله شهيدا .

قال : ائتني بكفيل .

قال : كفى بالله كفيلا .

قال : صدقت .

فدفعها إليه إلى أجل مسمى ، فخرج في البحر فقضى حاجته ، ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الذي أجله ، فلم يجد مركبا ، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ، ثم زجج موضعها ، ثم أتى بها البحر ، ثم قال : اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار ، فسألني كفيلا فقلت : كفى بالله كفيلا .

فرضي بذلك ، وسألني شهيدا ، فقلت : كفى بالله شهيدا .

فرضي بذلك ، وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبا ، وإني استودعتكها .

فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ، ثم انصرف ، وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده ، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا تجيئه بماله ، فإذا بالخشبة التي فيها المال ، فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه ، فأتاه بألف دينار وقال : والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه .

قال : هل كنت بعثت إلي بشيء ؟

قال : ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه ؟

قال : فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة ، فانصرف بألفك راشدا " .

وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحة معلقا بصيغة الجزم ، فقال : وقال الليث بن سعد ، فذكره .

ويقال : إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث ، عنه .

وقوله : ( ليكتب بينكم كاتب بالعدل ) أي : بالقسط والحق ، ولا يجر في كتابته على أحد ، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان .

وقوله : ( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ) أي : ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ، ولا ضرورة عليه في ذلك ، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم ، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب ، كما جاء في الحديث : " إن من الصدقة أن تعين صانعا أو تصنع لأخرق " .

وفي الحديث الآخر : " من كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " .

وقال مجاهد وعطاء : واجب على الكاتب أن يكتب .

وقوله : ( وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ) أي : وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين ، وليتق الله في ذلك ، ( ولا يبخس منه شيئا ) أي : لا يكتم منه شيئا ، ( فإن كان الذي عليه الحق سفيها ) محجورا عليه بتبذير ونحوه ، ( أو ضعيفا ) أي : صغيرا أو مجنونا ( أو لا يستطيع أن يمل هو ) إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه .

( فليملل وليه بالعدل ) وقوله ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ، ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال ، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة ، كما قال مسلم في صحيحه : حدثنا قتيبة ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يا معشر النساء ، تصدقن وأكثرن الاستغفار ، فإني رأيتكن أكثر أهل النار " ، فقالت امرأة منهن جزلة : وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار ؟

قال : " تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن " .

قالت : يا رسول الله ، ما نقصان العقل والدين ؟

قال : " أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل ، فهذا نقصان العقل ، وتمكث الليالي لا تصلي ، وتفطر في رمضان ، فهذا نقصان الدين " .

وقوله : ( ممن ترضون من الشهداء ) فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود ، وهذا مقيد ، حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن ، من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط .

وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة على أن يكون الشاهد عدلا مرضيا .

وقوله : ( أن تضل إحداهما ) يعني : المرأتين إذا نسيت الشهادة ( فتذكر إحداهما الأخرى ) أي : يحصل لها ذكرى بما وقع به الإشهاد ، ولهذا قرأ آخرون : " فتذكر " بالتشديد من التذكار .

ومن قال : إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر فقد أبعد ، والصحيح الأول .

والله أعلم .

وقوله : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) قيل : معناه : إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة ، وهو قول قتادة والربيع بن أنس .

وهذا كقوله : ( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ) ومن هاهنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية .

وقيل وهو مذهب الجمهور : المراد بقوله : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) للأداء ، لحقيقة قوله : ( الشهداء ) والشاهد حقيقة فيمن تحمل ، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية ، والله أعلم .

وقال مجاهد وأبو مجلز ، وغير واحد : إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار ، وإذا شهدت فدعيت فأجب .

وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن ، من طريق مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن زيد بن خالد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم بخير الشهداء ؟

الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " .

فأما الحديث الآخر في الصحيحين : " ألا أخبركم بشر الشهداء ؟

الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا " ، وكذا قوله : " ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم ، وتسبق شهادتهم أيمانهم " .

وفي رواية : " ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون " .

فهؤلاء شهود الزور .

وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري : أنها تعم الحالين : التحمل والأداء .

وقوله : ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ) هذا من تمام الإرشاد ، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرا كان أو كبيرا ، فقال : ( ولا تسأموا ) أي : لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة ) إلى أجله ) وقوله ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ) أي : هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلا هو ( أقسط عند الله ) أي : أعدل ( وأقوم للشهادة ) أي : أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة ، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه ، كما هو الواقع غالبا ( وأدنى ألا ترتابوا ) وأقرب إلى عدم الريبة ، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه ، فيفصل بينكم بلا ريبة .

وقوله : ( إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ) أي : إذا كان البيع بالحاضر يدا بيد ، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها .

فأما الإشهاد على البيع ، فقد قال تعالى : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قول الله : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) يعني : أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن ، فأشهدوا على حقكم على كل حال .

قال : وروي عن جابر بن زيد ، ومجاهد ، وعطاء ، والضحاك ، نحو ذلك .

وقال الشعبي والحسن : هذا الأمر منسوخ بقوله : ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب ، لا على الوجوب .

والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري ، وقد رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري ، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي ، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه ، فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم وأبطأ الأعرابي ، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ، ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه ، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم ، فنادى الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه ، وإلا بعته ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي ، قال : " أوليس قد ابتعته منك ؟

" قال الأعرابي : لا والله ما بعتك .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بل قد ابتعته منك " .

فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي وهما يتراجعان ، فطفق الأعرابي يقول : هلم شهيدا يشهد أني بايعتك .

فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي : ويلك !

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول إلا حقا .

حتى جاء خزيمة ، فاستمع لمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيدا يشهد أني بايعتك .

قال خزيمة : أنا أشهد أنك قد بايعته .

فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال : " بم تشهد ؟

" فقال : بتصديقك يا رسول الله .

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين .

وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب ، والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيري كلاهما عن الزهري ، به نحوه .

ولكن الاحتياط هو الإشهاد ، لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري ، عن شعبة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم : رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ ، ورجل أقرض رجلا مالا فلم يشهد " .

ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد على شرط الشيخين ، قال : ولم يخرجاه ، لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى ، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين " .

وقوله : ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) قيل : معناه : لا يضار الكاتب ولا الشاهد ، فيكتب هذا خلاف ما يملى ، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية ، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما .

وقيل : معناه : لا يضر بهما ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أسيد بن عاصم ، حدثنا الحسين يعني ابن حفص حدثنا سفيان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس في هذه الآية : ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) قال : يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة ، فيقولان : إنا على حاجة فيقول : إنكما قد أمرتما أن تجيبا .

فليس له أن يضارهما .

ثم قال : وروي عن عكرمة ، ومجاهد ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعطية ، ومقاتل بن حيان ، والربيع بن أنس ، والسدي ، نحو ذلك .

وقوله : ( وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ) أي : إن خالفتم ما أمرتم به ، وفعلتم ما نهيتم عنه ، فإنه فسق كائن بكم ، أي : لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه .

وقوله : ( واتقوا الله ) أي : خافوه وراقبوه ، واتبعوا أمره واتركوا زجره ( ويعلمكم الله ) كقوله ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) [ الأنفال : 29 ] ، وكقوله : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ) [ الحديد : 28 ] .

وقوله : ( والله بكل شيء عليم ) أي : هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها ، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء ، بل علمه محيط بجميع الكائنات .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل القول في تأويل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله { إذا تداينتم } يعني إذا تبايعتم بدين أو اشتريتم به , أو تعاطيتم , أو أخذتم به { إلى أجل مسمى } يقول : إلى وقت معلوم وقتموه بينكم .

وقد يدخل في ذلك القرض والسلم في كل ما جاز .

السلم شرى أجل بيعه يصير دينا على بائع ما أسلم إليه فيه , ويحتمل بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى إذا كانت آجالها معلومة بحد موقوف عليه .

وكان ابن عباس يقول : نزلت هذه الآية في السلم خاصة .

ذكر الرواية عنه بذلك : 4946 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يحيى بن عيسى الرملي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , قال : قال ابن عباس في : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } قال : السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم .

* - حدثني محمد بن عبد الله المخزومي , قال : ثنا يحيى بن الصامت , قال : ثنا ابن المبارك , عن سفيان , عن أبي حيان , عن ابن أبي نجيح , عن ابن عباس : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } قال : نزلت في السلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم .

* - حدثنا علي بن سهل , قال : ثنا يزيد بن أبي الزرقاء , عن سفيان , عن أبي حيان , عن رجل , عن ابن عباس , قال : نزلت هذه الآية : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن محبب , قال : ثنا سفيان , عن أبي حيان التيمي , عن رجل , عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } في السلف في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم .

4947 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا معاذ بن هشام , قال : ثني أبي , عن قتادة , عن أبي حيان , عن ابن عباس , قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله عز وجل قد أحله , وأذن فيه .

ويتلو هذه الآية : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } فإن قال قائل : وما وجه قوله : { بدين } وقد دل بقوله : { إذا تداينتم } عليه ؟

وهل تكون مداينة بغير دين , فاحتيج إلى أن يقال بدين ؟

قيل : إن العرب لما كان مقولا عندها تداينا بمعنى تجازينا وبمعنى تعاطينا الأخذ والإعطاء بدين , أبان الله بقوله " بدين " المعنى الذي قصد تعريفه من قوله " تداينتم " حكمه , وأعلمهم أنه حكم الدين دون حكم المجازاة .

وقد زعم بعضهم أن ذلك تأكيد كقوله : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } 15 30 ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضع .مسمى القول في تأويل قوله تعالى : { فاكتبوه } يعني جل ثناؤه بقوله : { فاكتبوه } فاكتبوا الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى من بيع كان ذلك أو قرض .

واختلف أهل العلم في اكتتاب الكتاب بذلك على من هو عليه , هل هو واجب أو هو ندب ؟

فقال بعضهم : هو حق واجب , وفرض لازم .

ذكر من قال ذلك : 4948 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } قال : من باع إلى أجل مسمى أمر أن يكتب صغيرا كان أو كبيرا إلى أجل مسمى .

4950 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج قوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } قال : فمن ادان دينا فليكتب , ومن باع فليشهد .

4951 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } فكان هذا واجبا .

4952 - وحدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بمثله , وزاد فيه : قال : ثم قامت الرخصة والسعة .

قال : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه } 4953 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلا صحب كعبا فقال ذات يوم لأصحابه : هل تعلمون مظلوما دعا ربه فلم يستجب له ؟

قالوا : وكيف يكون ذلك ؟

قال : رجل باع شيئا فلم يكتب ولم يشهد , فلما حل ماله جحده صاحبه , فدعا ربه , فلم يستجب له , لأنه قد عصى ربه .

وقال آخرون : كان اكتتاب الكتاب بالدين فرضا , فنسخه قوله : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ذكر من قال ذلك : 4954 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن ابن شبرمة , عن الشعبي , قال : لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب , ولا تشهد ; لقوله : { فإن أمن بعضكم بعضا } قال ابن عيينة : قال ابن شبرمة عن الشعبي : إلى هذا انتهى .

4955 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عامر في هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } حتى بلغ هذا المكان : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } قال : رخص في ذلك , فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه .

4956 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون , عن عمرو , عن عاصم , عن الشعبي , قال : إن ائتمنه فلا يشهد عليه ولا يكتب .

4957 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن إسماعيل بن أبي خالد , عن الشعبي قال : فكانوا يرون أن هذه الآية : { فإن أمن بعضكم بعضا } نسخت ما قبلها من الكتابة والشهود رخصة ورحمة من الله .

4958 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قال غير عطاء : نسخت الكتاب والشهادة : { فإن أمن بعضكم بعضا } 4959 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : نسخ ذلك قوله : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } قال : فلولا هذا الحرف لم يبح لأحد أن يدان بدين إلا بكتاب وشهداء , أو برهن , فلما جاءت هذه نسخت هذا كله , صار إلى الأمانة .

4960 - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا يزيد بن زريع , عن سليمان التيمي , قال : سألت الحسن قلت : كل من باع بيعا ينبغي له أن يشهد ؟

قال : ألم تر أن الله عز وجل يقول : { فليؤد الذي اؤتمن أمانته } * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عامر في هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } حتى بلغ هذا المكان : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } قال : رخص في ذلك , فمن شاء أن يأتمن صاحبه فليأتمنه .

4961 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن داود , عن الشعبي في قوله : { فإن أمن بعضكم بعضا } قال : إن أشهدت فحزم , وإن لم تشهد ففي حل وسعة .

4962 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن إسماعيل بن أبي خالد , قال : قلت للشعبي : أرأيت الرجل يستدين من الرجل الشيء , أحتم عليه أن يشهد ؟

قال : فقرأ إلى قوله : { فإن أمن بعضكم بعضا } قد نسخ ما كان قبله .

4963 - حدثنا عمرو بن علي , قال : ثنا محمد بن مروان العقيلي , قال : ثنا عبد الملك بن أبي نضرة , عن أبي سعيد الخدري : أنه قرأ : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } قال : فقرأ إلى : { فإن أمن بعضكم بعضا } قال : هذه نسخت ما قبلها .فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه القول في تأويل قوله تعالى : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } يعني بذلك جل ثناؤه : { وليكتب } كتاب الدين إلى أجل مسمى بين الدائن والمدين { كاتب بالعدل } يعني بالحق والإنصاف في الكتاب الذي يكتبه بينهما , بما لا يحيف ذا الحق حقه , ولا يبخسه , ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل , ولا يلزمه ما ليس عليه .

كما : 4964 - حدثنا بشر قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة في قوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } قال : اتقى الله كاتب في كتابه , فلا يدعن منه حقا , ولا يزيدن فيه باطلا .

وأما قوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } فإنه يعني : ولا يأبين كاتب استكتب ذلك أن يكتب بينهم كتاب الدين , كما علمه الله كتابته فخصه بعلم ذلك , وحرمه كثيرا من خلقه .

وقد اختلف أهل العلم في وجوب الكتاب على الكاتب إذا استكتب ذلك نظير اختلافهم في وجوب الكتاب على الذي له الحق .

ذكر من قال ذلك : 4965 - حدثنا محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل : { ولا يأب كاتب } قال : واجب على الكاتب أن يكتب .

4966 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء قوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب } أواجب أن لا يأبى أن يكتب ؟

قال : نعم .

قال ابن جريج وقال مجاهد : واجب على الكاتب أن يكتب .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } بمثله .

4967 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عامر وعطاء قوله : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } قالا : إذا لم يجدوا كاتبا فدعيت فلا تأب أن تكتب لهم .

ذكر من قال هي منسوخة .

قد ذكرنا جماعة ممن قال : كل ما في هذه الآية من الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن منسوخ بالآية التي في آخرها , وأذكر قول من تركنا ذكره هنالك ببعض المعاني : 4968 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { ولا يأب كاتب } قال : كانت عزيمة فنسختها : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } 4969 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } فكان هذا واجبا على الكتاب .

وقال آخرون : هو على الوجوب , ولكنه واجب على الكاتب في حال فراغه .

ذكر من قال ذلك : 4970 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } يقول : لا يأب كاتب أن يكتب إن كان فارغا .

والصواب من القول في ذلك عندنا , أن الله عز وجل أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم , وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل , وأمر الله فرض لازم , إلا أن تقوم حجة بأنه إرشاد وندب .

ولا دلالة تدل على أن أمره جل ثناؤه باكتتاب الكتب في ذلك , وأن تقدمه إلى الكاتب أن لا يأبى كتابة ذلك ندب وإرشاد , فذلك فرض عليهم لا يسعهم تضييعه , ومن ضيعه منهم كان حرجا بتضييعه .

ولا وجه لاعتلال من اعتل بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } لأن ذلك إنما أذن الله تعالى ذكره به , حيث لا سبيل إلى الكتاب , أو إلى الكاتب فأما والكتاب والكاتب موجودان , فالفرض إذا كان الدين إلى أجل مسمى ما أمر الله تعالى ذكره به في قوله : { فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة على السبيل التي قد بيناها , فأما ما كان أحدهما غير ناف حكم الآخر , فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء .

ولو وجب أن يكون قوله : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ناسخا قوله : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } لوجب أن يكون قوله : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } 5 6 ناسخا الوضوء بالماء في الحضر عند وجود الماء فيه , وفي السفر الذي فرضه الله عز وجل بقوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } 5 6 وأن يكون قوله في كفارة الظهار : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } 58 4 ناسخا قوله : { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } 58 3 فيسأل القائل إن قول الله عز وجل : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ناسخ قوله : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ما الفرق بينه وبين القائل في التيمم وما ذكرنا قوله , فزعم أن كل ما أبيح في حال الضرورة لعلة الضرورة ناسخ حكمه في حال الضرورة حكمه في كل أحواله , نظير قوله في أن الأمر باكتتاب كتب الديون والحقوق منسوخ بقوله : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ؟

فإن قال : الفرق بيني وبينه أن قوله : { فإن أمن بعضكم بعضا } كلام منقطع عن قوله : { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } وقد انتهى الحكم في السفر إذا عدم فيه الكاتب بقوله : { فرهان مقبوضة } وإنما عنى بقوله : { فإن أمن بعضكم بعضا } إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى , فأمن بعضكم بعضا , فليؤد الذي اؤتمن أمانته .

قيل له : وما البرهان على ذلك من أصل أو قياس وقد انقضى الحكم في الدين الذي فيه إلى الكاتب والكتاب سبيل بقوله : { ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم } ؟

وأما الذين زعموا أن قوله : { فاكتبوه } وقوله : { ولا يأب كاتب } على وجه الندب والإرشاد , فإنهم يسألون البرهان على دعواهم في ذلك , ثم يعارضون بسائر أمر الله عز وجل الذي أمر في كتابه , ويسألون الفرق بين ما ادعوا في ذلك وأنكروه في غيره , فلن يقولوا في شيء من ذلك قولا إلا ألزموا بالآخر مثله .

ذكر من قال العدل في قوله : { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } الحق .الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه القول في تأويل قوله تعالى : { فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } يعني بذلك : فليكتب الكاتب , وليملل الذي عليه الحق , وهو الغريم المدين .

يقول : ليتول المدين إملال كتاب ما عليه من دين رب المال على الكاتب , وليتق الله ربه المملي الذي عليه الحق , فليحذر عقابه في بخس الذي له الحق من حقه شيئا , أن ينقصه منه ظلما , أو يذهب به منه تعديا , فيؤخذ به حيث لا يقدر على قضائه إلا من حسناته , أو أن يتحمل من سيئاته .

كما : 4971 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { فليكتب وليملل الذي عليه الحق } فكان هذا واجبا , { وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا } يقول : لا يظلم منه شيئا .

4972 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا يبخس منه شيئا } قال : لا ينقص من حق هذا الرجل شيئا إذا أملى .شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه القول في تأويل قوله تعالى : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } يعني بقوله جل ثناؤه : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } فإن كان المدين الذي عليه المال سفيها , يعني جاهلا بالصواب في الذي عليه أن يمله على الكاتب .

كما : 4973 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها } أما السفيه : فالجاهل بالإملاء والأمور .

وقال آخرون : بل السفيه في هذا الموضع الذي عناه الله : الطفل الصغير .

ذكر من قال ذلك : 4974 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها } أما السفيه : فهو الصغير .

4975 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } قال : هو الصبي الصغير , { فليملل وليه بالعدل } وأولى التأويلين بالآية , تأويل من قال : السفيه في هذا الموضع : الجاهل بالإملاء وموضع صواب ذلك من خطئه , لما قد بينا قبل من أن معنى السفه في كلام العرب : الجهل .

وقد يدخل في قوله : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها } كل جاهل بصواب ما يمل من خطئه من صغير وكبير , وذكر وأنثى .

غير أن الذي هو أولى بظاهر الآية أن يكون مرادا بها كل جاهل بموضع خطأ ما يمل وصوابه من بالغي الرجال الذين لا يولى عليهم , والنساء ; لأنه أجل ذكره ابتدأ الآية بقوله : { يا أيها الذين آمنوا إذا تدينتم بدين إلى أجل مسمى } والصبي ومن يولى عليه لا يجوز مداينته , وأن الله عز وجل قد استثنى من الذين أمرهم بإملال كتاب الدين مع السفيه الضعيف ومن لا يستطيع إملاله , ففي فصله جل ثناؤه الضعيف من السفيه ومن لا يستطيع إملاء الكتاب في الصفة التي وصف بها كل واحد منهم ما أنبأ عن أن كل واحد من الأصناف الثلاثة الذين بين الله صفاتهم غير الصنفين الآخرين .

وإذا كان ذلك كذلك , كان معلوما أن الموصوف بالسفه منهم دون الضعف هو ذو القوة على الإملال , غير أنه وضع عنه فرض الإملال بجهله بموضع صواب ذلك من خطئه , وأن الموصوف بالضعف منهم هو العاجز عن إملاله وإن كان شديدا رشيدا إما لعي لسانه أو خرس به , وأن الموصوف بأنه لا يستطيع أن يمل هو الممنوع من إملاله , إما بالحبس الذي لا يقدر معه على حضور الكاتب الذي يكتب الكتاب فيمل عليه , وإما لغيبته عن موضع الإملال فهو غير قادر من أجل غيبته عن إملال الكتاب .

فوضع الله عنهم فرض إملال ذلك للعلل التي وصفنا إذا كانت بهم , وعذرهم بترك الإملال من أجلها , وأمر عند سقوط فرض ذلك عليهم ولي الحق بإملاله فقال : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } يعني ولي الحق .

ولا وجه لقول من زعم أن السفيه في هذا الموضع هو الصغير , وأن الضعيف هو الكبير الأحمق ; لأن ذلك إن كان كما قال يوجب أن يكون قوله : { أو لا يستطيع أن يمل هو } هو العاجز من الرجال العقلاء الجائزي الأمر في أموالهم وأنفسهم عن الإملال , إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل , وإما لغيبته عن موضع الكتاب .

وإذا كان ذلك كذلك معناه , بطل معنى قوله : { فليملل وليه بالعدل } لأن العاقل الرشيد لا يولى عليه في ماله وإن كان أخرس أو غائبا , ولا يجوز حكم أحد في ماله إلا بأمره .

وفي صحة معنى ذلك ما يقضي على فساد قول من زعم أن السفيه في هذا الموضع هو الطفل الصغير أو الكبير الأحمق .

ذكر من قال ذلك : 4976 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } يقول : ولي الحق .

4977 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } قال : يقول : إن كان عجز عن ذلك أمل صاحب الدين بالعدل .

ذكر الرواية عمن قال : عنى بالضعيف في هذا الموضع : الأحمق .

وبقوله : { فليملل وليه بالعدل } ولي السفيه والضعيف .

4978 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو } قال : أمر ولي السفيه أو الضعيف أن يمل بالعدل .

4979 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما الضعيف , فهو الأحمق .

4980 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : أما الضعيف فالأحمق .

4981 - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا } لا يعرف فيثبت لهذا حقه ويجهل ذلك , فوليه بمنزلته حتى يضع لهذا حقه .

وقد دللنا على أولى التأويلين بالصواب في ذلك .

وأما قوله : { فليملل وليه بالعدل } فإنه يعني بالحق .بالعدل واستشهدوا شهيدين من القول في تأويل قوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } يعني بذلك جل ثناؤه : واستشهدوا على حقوقكم شاهدين , يقال : فلان شهيدي على هذا المال وشاهدي عليه .

وأما قوله : { من رجالكم } فإنه يعني من أحراركم المسلمين دون عبيدكم , ودون أحراركم الكفار .

كما : 4982 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قال : الأحرار .

* - حدثني يونس , قال : أخبرنا علي بن سعيد , عن هشيم , عن داود بن أبي هند , عن مجاهد , مثله .رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من القول في تأويل قوله تعالى : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء } يعني بذلك جل ثناؤه : فإن لم يكونا رجلين , فليكن رجل وامرأتان على الشهادة .

ورفع الرجل والمرأتان بالرد على الكون , وإن شئت قلت : فإن لم يكونا رجلين فليشهد رجل وامرأتان على ذلك , وإن شئت فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان يشهدون عليه ; وإن قلت : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان كان صوابا كل ذلك جائز , ولو كان فرجل وامرأتان نصبا كان جائزا على تأويل : فإن لم يكونا رجلين , فاستشهدوا رجلا وامرأتين .

وقوله : { ممن ترضون من الشهداء } يعني من العدول المرتضى دينهم وصلاحهم .

كما : 4983 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } يقول في الدين , { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } وذلك في الدين ممن ترضون من الشهداء .

يقول : عدول .

4984 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } أمر الله عز وجل أن يشهدوا ذوي عدل من رجالهم , { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء }الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما القول في تأويل قوله تعالى : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأ عامة أهل الحجاز والمدينة وبعض أهل العراق : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } بفتح الألف من " أن " ونصب " تضل " و " تذكر " , بمعنى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت .

وهو عندهم من المقدم الذي معناه التأخير ; لأن التذكير عندهم هو الذي يجب أن يكون مكان تضل , لأن المعنى ما وصفنا في قولهم .

وقالوا : إنما نصبنا " تذكر " , لأن الجزاء لما تقدم اتصل بما قبله فصار جوابه مردودا عليه , كما تقول في الكلام : إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطى , بمعنى أنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل أو إذا سأل , فالذي يعجبك هو الإعطاء دون المسألة .

ولكن قوله " أن يسأل " لما تقدم اتصل بما قبله , وهو قوله : " ليعجبني " فتح " أن " ونصب بها , ثم أتبع ذلك قوله : " يعطى " , فنصبه بنصب قوله : " ليعجبني أن يسأل " , نسقا عليه , وإن كان في معنى الجزاء .

وقرأ ذلك آخرون كذلك , غير أنهم كانوا يقرءونه بتسكين الذال من " تذكر " وتخفيف كافها .

وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويل قراءتهم إياه كذلك .

وكان بعضهم يوجهه إلى أن معناه : فتصير إحداهما الأخرى ذكرا باجتماعهما , بمعنى أن شهادتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها جازت , كما تجوز شهادة الواحد من الذكور في الدين , لأن شهاده كل واحدة منهما منفردة غير جائزة فيما جازت فيه من الديون إلا باجتماع اثنتين على شهادة واحد , فتصير شهادتهما حينئذ منزلة شهادة واحد من الذكور .

فكأن كل واحدة منهما في قول متأولي ذلك بهذا المعنى صيرت صاحبتها معها ذكرا ; وذهب إلى قول العرب : لقد أذكرت بفلان أمه , أي ولدته ذكرا , فهي تذكر به , وهي امرأة مذكرة إذا كانت تلد الذكور من الأولاد .

وهذا قول يروى عن سفيان بن عيينة أنه كان يقوله .

4985 - حدثت بذلك عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال : حدثت عن سفيان بن عيينة أنه قال : ليس تأويل قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } من الذكر بعد النسيان إنما هو من الذكر , بمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذكر .

وكان آخرون منهم يوجهونه إلى أنه بمعنى الذكر بعد النسيان .

وقرأ ذلك آخرون : " إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى " بكسر " إن " من قوله : " إن تضل " ورفع " تذكر " وتشديده .

كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان , إن نسيت إحداهما شهادتها تذكرها الأخرى من تثبيت الذاكرة الناسية وتذكيرها ذلك , وانقطاع ذلك عما قبله .

ومعنى الكلام عند قارئ ذلك كذلك : واستشهدوا شهيدين من رجالكم , فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء , فإن إحداهما إن ضلت ذكرتها الأخرى ; على استئناف الخبر عن فعلها إن نسيت إحداهما شهادتها من تذكير الأخرى منهما صاحبتها الناسية .

وهذه قراءة كان الأعمش يقرؤها ومن أخذها عنه .

وإنما نصب الأعمش " تضل " لأنها في محل جزم بحرف الجزاء , وهو " إن " .

وتأويل الكلام على قراءته : إن تضلل , فلما أدغمت إحدى اللامين في الأخرى حركها إلى أخف الحركات ورفع تذكر بالفاء , لأنه جواب الجزاء .

والصواب من القراءة عندنا في ذلك قراءة من قرأه بفتح " أن " من قوله : { أن تضل إحداهما } وبتشديد الكاف من قوله : { فتذكر إحداهما الأخرى } ونصب الراء منه , بمعنى : فإن لم يكونا رجلين فليشهد رجل وامرأتان في إن ضلت إحداهما ذكرتها الأخرى .

وأما نصب " فتذكر " فبالعطف على " تضل " , وفتحت " أن " بحلولها محل " كي " , وهي في موضع جزاء , والجواب بعده اكتفاء بفتحها , أعني بفتح " أن " من " كي " ونسق الثاني , أعني " فتذكر " على " تضل " , ليعلم أن الذي قام مقام ما كان يعمل فيه وهو ظاهر قد دل عليه وأدى عن معناه وعمله , أي عن " كي " .

وإنما اخترنا ذلك في القراءة لإجماع الحجة من قدماء القراء والمتأخرين على ذلك , وانفراد الأعمش ومن قرأ قراءته في ذلك بما انفرد به عنهم , ولا يجوز ترك قراءة جاء بها المسلمون مستفيضة بينهم إلى غيرها .

وأما اختيارنا " فتذكر " بتشديد الكاف , فإنه بمعنى تأدية الذكر من إحداهما على الأخرى وتعريفها بإنهاء ذلك لتذكر , فالتشديد به أولى من التخفيف .

وأما ما حكي عن ابن عيينة من التأويل الذي ذكرناه , فتأويل خطأ لا معنى له لوجوه شتى : أحدها : أنه خلاف لقول جميع أهل التأويل .

والثاني : أنه معلوم بأن ضلال إحدى المرأتين في الشهادة التي شهدت عليها إنما هو خطؤها عنها بنسيانها إياها كضلال الرجل في دينه إذا تحير فيه , فعدل عن الحق , وإذا صارت إحداهما بهذه الصفة فكيف يجوز أن تصير الأخرى ذكرا معها مع نسيانها شهادتها وضلالها فيها ؟

فالضالة منهما في شهادتها حينئذ لا شك أنها إلى التذكير أحوج منها إلى الإذكار , إلا إن أراد أن الذاكرة إذا ضعفت صاحبتها عن ذكر شهادتها ستجرئها على ذكر ما ضعفت عن ذكره فنسيته , فقوتها بالذكر حتى صيرتها كالرجل في قوتها في ذكر ما ضعفت عن ذكره من ذلك , كما يقال للشيء القوي في عمله : ذكر , وكما يقال للسيف الماضي في ضربه : سيف ذكر , ورجل ذكر , يراد به ماض في عمله , قوي البطش , صحيح العزم .

فإن كان ابن عيينة هذا أراد , فهو مذهب من مذاهب تأويل ذلك ؟

إلا أنه إذا تأول ذلك كذلك , صار تأويله إلى نحو تأويلنا الذي تأولناه فيه , وإن خالفت القراءة بذلك المعنى القراءة التي اخترناها بأن تغير القراءة حينئذ الصحيحة بالذي اختار قراءته من تخفيف الكاف من قوله : فتذكر , ولا نعلم أحدا تأول ذلك كذلك , ويستحب قراءته كذلك بذلك المعنى .

فالصواب في قوله إذ كان الأمر عاما على ما وصفنا ما اخترنا .

ذكر من تأول قوله : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } نحو تأويلنا الذي قلنا فيه : 4986 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } علم الله أن ستكون حقوق , فأخذ لبعضهم من بعض الثقة , فخذوا بثقة الله , فإنه أطوع لربكم , وأدرك لأموالكم .

ولعمري لئن كان تقيا لا يزيده الكتاب إلا خيرا , وإن كان فاجرا فبالحري أن يؤدي إذا علم أن عليه شهودا .

4987 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } يقول : أن تنسى إحداهما فتذكرها الأخرى .

4988 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { أن تضل إحداهما } يقول : تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى .

4989 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { أن تضل إحداهما } يقول : إن تنس إحداهما , تذكرها الأخرى .

4990 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } قال : كلاهما لغة وهما سواء , ونحن نقرأ : { فتذكر }الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما القول في تأويل قوله تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } اختلف أهل التأويل في الحال التي نهى الله الشهداء عن إباء الإجابة إذا دعوا بهذه الآية , فقال بعضهم : معناه : لا يأب الشهداء أن يجيبوا إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق .

ذكر من قال ذلك : 4991 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } كان الرجل يطوف في الحواء العظيم فيه القوم , فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم .

قال : وكان قتادة يتأول هذه الآية : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ليشهدوا لرجل على رجل .

4992 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا , فلا يتبعه أحد منهم , فأنزل الله عز وجل : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } 4993 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : لا تأب أن تشهد إذا ما دعيت إلى شهادة .

وقال آخرون بمثل معنى هؤلاء , إلا أنهم قالوا : يجب فرض ذلك على من دعي للإشهاد على الحقوق إذا لم يوجد غيره , فأما إذا وجد غيره فهو في الإجابة إلى ذلك مخير إن شاء أجاب وإن شاء لم يجب .

ذكر من قال ذلك : 4994 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا سفيان , عن جابر , عن الشعبي , قال : { لا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إن شاء شهد , وإن شاء لم يشهد , فإذا لم يوجد غيره شهد .

وقال آخرون : معنى ذلك : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا للشهادة على من أراد الداعي إشهاده عليه , والقيام بما عنده من الشهادة من الإجابة .

ذكر من قال ذلك : 4995 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا أبو عامر , عن الحسن : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : قال الحسن : الإقامة والشهادة .

4996 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : كان الحسن يقول : جمعت أمرين لا تأب إذا كانت عندك : شهادة أن تشهد , ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة .

4997 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يعني من احتيج إليه من المسلمين شهد على شهادة إن كانت عنده , ولا يحل له أن يأبى إذا ما دعي .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن يونس , عن الحسن : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : لإقامتها , ولا يبدأ بها إذا دعاه ليشهده , وإذا دعاه ليقيمها .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا للقيام بالشهادة التي عندهم للداعي من إجابته إلى القيام بها .

ذكر من قال ذلك : 4998 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا شهد .

* - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانوا قد شهدوا قبل ذلك .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقول : إذا كانوا قد أشهدوا .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانت عندك شهادة فدعيت .

4999 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا ليث , عن مجاهد في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانت شهادة فأقمها , فإذا دعيت لتشهد , فإن شئت فاذهب , وإن شئت فلا تذهب .

5000 - حدثنا سوار بن عبد الله , قال : ثنا عبد الملك بن الصباح , عن عمران بن حدير , قال : قلت لأبي مجلز : ناس يدعونني لأشهد بينهم , وأنا أكره أن أشهد بينهم ؟

قال : دع ما تكره , فإذا شهدت فأجب إذا دعيت .

5001 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن جابر , عن عامر , قال : الشاهد بالخيار ما لم يشهد .

5002 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا هشيم , عن يونس , عن عكرمة في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : لإقامة الشهادة .

5003 - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن أبي عامر , عن عطاء قال : في إقامة الشهادة .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : ثنا أبو عامر المزني , قال : سمعت عطاء يقول : ذلك في إقامة الشهادة , يعني قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } 5004 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا أبو حرة , أخبرنا عن الحسن : أنه سأله سائل قال : أدعى إلى الشهادة وأنا أكره أن أشهد عليها ؟

قال : فلا تجب إن شئت .

5005 - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , عن مغيرة , قال : سألت إبراهيم قلت : أدعى إلى الشهادة وأنا أخاف أن أنسى ؟

قال : فلا تشهد إن شئت .

5006 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا أبو عامر , عن عطاء , قال : للإقامة .

5007 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن شريك , عن سالم الأفطس , عن سعيد بن جبير : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانوا قد شهدوا .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن شريك , عن سالم , عن سعيد : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : هو الذي عنده الشهادة .

5008 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقول : لا يأب الشاهد أن يتقدم فيشهد إذا كان فارغا .

5009 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ؟

قال : هم الذين قد شهدوا .

قال : ولا يضر إنسانا أن يأبى أن يشهد إن شاء .

قلت لعطاء : ما شأنه ؟

إذا دعي أن يكتب وجب عليه أن لا يأبى , وإذا دعي أن يشهد لم يجب عليه أن يشهد إن شاء ؟

قال : كذلك يجب على الكاتب أن يكتب , ولا يجب على الشاهد أن يشهد إن شاء ; الشهداء كثير .

5010 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا شهد فلا يأب إذا دعي أن يأتي يؤدي شهادة ويقيمها .

5011 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { ولا يأب الشهداء } قال : كان الحسن يتأولها إذا كانت عنده شهادة فدعي ليقيمها .

5012 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كتب الرجل شهادته , أو أشهد لرجل فشهد , والكاتب الذي يكتب الكتاب ; دعوا إلى مقطع الحق , فعليهم أن يجيبوا , وأن يشهدوا بما أشهدوا عليه .

وقال آخرون : هو أمر من الله عز وجل الرجل والمرأة بالإجابة إذا دعي ليشهد على ما لم يشهد عليه من الحقوق ابتداء لا إقامة الشهادة , ولكنه أمر ندب لا فرض .

ذكر من قال ذلك : 5013 - حدثني أبو العالية العبدي إسماعيل بن الهيثم , قال : ثنا أبو قتيبة , عن فضيل بن مرزوق , عن عطية العوفي في قوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : أمرت أن تشهد , فإن شئت فاشهد , وإن شئت فلا تشهد .

5014 - حدثني أبو العالية , قال : ثنا أبو قتيبة , عن محمد بن ثابت العصري , عن عطاء , بمثله .

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ولا يأب الشهداء من الإجابة إذا دعوا لإقامة الشهادة وأدائها عند ذي سلطان أو حاكم يأخذ من الذي عليه ما عليه للذي هو له .

وإنما قلنا هذا القول بالصواب أولى في ذلك من سائر الأقوال غيره , لأن الله عز وجل قال : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } فإنما أمرهم بالإجابة للدعاء للشهادة وقد ألزمهم اسم الشهداء , وغير جائز أن يلزمهم اسم الشهداء إلا وقد استشهدوا قبل ذلك , فشهدوا على ما ألزمهم شهادتهم عليه اسم الشهداء , فأما قبل أن يستشهدوا على شيء فغير جائز أن يقال لهم شهداء , لأن ذلك الاسم لو كان يلزمهم ولما يستشهدوا على شيء يستوجبون بشهادتهم عليه هذا الاسم لم يكن على الأرض أحد له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له شاهد , بمعنى أنه سيشهد , أو أنه يصلح لأن يشهد وإن كان خطأ أن يسمى بذلك الاسم إلا من عنده شهادة لغيره , أو من قد قام بشهادته , فلزمه لذلك هذا الاسم ; كان معلوما أن المعني بقوله : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } من وصفنا صفته ممن قد استرعى شهادة أو شهد , فدعي إلى القيام بها , لأن الذي لم يستشهد ولم يسترع شهادة قبل الإشهاد غير مستحق اسم شهيد ولا شاهد , لما قد وصفنا قبل .

مع أن في دخول الألف واللام في " الشهداء " دلالة واضحة على أن المسمى بالنهي عن ترك الإجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عرفوا بالشهادة , وأنهم الذين أمر الله عز وجل أهل الحقوق باستشهادهم بقوله : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء } وإذا كان ذلك كذلك , كان معلوما أنهم إنما أمروا بإجابة داعيهم لإقامة شهادتهم بعد ما استشهدوا فشهدوا ; ولو كان ذلك أمرا لمن أعرض من الناس فدعي إلى الشهادة يشهد عليها لقيل : ولا يأب شاهد إذا ما دعي .

غير أن الأمر وإن كان كذلك , فإن الذي نقول به في الذي يدعى لشهادة ليشهد عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممن يصلح للشهادة , فإن الفرض عليه إجابة داعيه إليها كما فرض على الكاتب إذا استكتب بموضع لا كاتب به سواه , ففرض عليه أن يكتب , كما فرض على من كان بموضع لا أحد به سواه يعرف الإيمان وشرائع الإسلام , فحضره جاهل بالإيمان وبفرائض الله فسأله تعليمه , وبيان ذلك له أن يعلمه ويبينه له .

ولم نوجب ما أوجبنا على الرجل من الإجابة للشهادة إذا دعي ابتداء ليشهد على ما أشهد عليه بهذه الآية , ولكن بأدلة سواها , وهي ما ذكرنا .

وقد فرضنا على الرجل إحياء ما قدر على إحيائه من حق أخيه المسلم .

والشهداء : جمع شهيد .دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى القول في تأويل قوله تعالى : { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } يعني بذلك جل ثناؤه : ولا تسأموا أيها الذين تداينون الناس إلى أجل أن تكتبوا صغير الحق , يعني قليله أو كبيره - يعني أو كثيره - { إلى أجله } إلى أجل الحق , فإن الكتاب أحصى للأجل والمال .

5015 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن شريك عن ليث , عن مجاهد : { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } قال : هو الدين .

ومعنى قوله : { ولا تسأموا } لا تملوا , يقال منه : سئمت فأنا أسأم سآمة وسأمة , ومنه قول لبيد : ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس : كيف لبيد ومنه قول زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم يعني مللت .

وقال بعض نحويي البصريين : تأويل قوله : { إلى أجله } إلى أجل الشاهد , ومعناه : إلى الأجل الذي تجوز شهادته فيه .

وقد بينا القول فيه .أجله ذلكم أقسط عند القول في تأويل قوله تعالى : { ذلكم أقسط عند الله } يعني جل ثناؤه بقوله : ذلكم اكتتاب كتاب الدين إلى أجله , ويعني بقوله أقسط : أعدل عند الله , يقال منه : أقسط الحاكم فهو يقسط إقساطا وهو مقسط , إذا عدل في حكمه , وأصاب الحق فيه , فإذا جار قيل : قسط فهو يقسط قسوطا , ومنه قول الله عز وجل : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } 72 15 يعني الجائرين .

وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 5016 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { ذلكم أقسط عند الله } يقول : أعدل عند الله .الله وأقوم القول في تأويل قوله تعالى : { وأقوم للشهادة } يعني بذلك جل ثناؤه : وأصوب للشهادة .

وأصله من قول القائل : أقمته من عوجه , إذا سويته فاستوى .

وإنما كان الكتاب أعدل عند الله وأصوب لشهادة الشهود على ما فيه , لأنه يحوي الألفاظ التي أقر بها البائع والمشتري ورب الدين والمستدين على نفسه , فلا يقع بين الشهود اختلاف في ألفاظهم بشهادتهم لاجتماع شهادتهم على ما حواه الكتاب , وإذا اجتمعت شهادتهم على ذلك , كان فصل الحكم بينهم أبين لمن احتكم إليه من الحكام , مع غير ذلك من الأسباب , وهو أعدل عند الله , لأنه قد أمر به , واتباع أمر الله لا شك أنه عند الله أقسط وأعدل من تركه والانحراف عنه .للشهادة وأدنى ألا القول في تأويل قوله تعالى : { وأدنى أن لا ترتابوا } يعني جل ثناؤه بقوله : { وأدنى } وأقرب , من الدنو : وهو القرب .

ويعني بقوله : { أن لا ترتابوا } من أن لا تشكوا في الشهادة .

كما : 5017 - حدثنا موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ذلك أدنى أن لا ترتابوا } يقول : أن لا تشكوا في الشهادة .

وهو تفتعل من الريبة .

ومعنى الكلام : ولا تملوا أيها القوم أن تكتبوا الحق الذي لكم قبل من داينتموه من الناس إلى أجل صغيرا كان ذلك الحق , قليلا أو كثيرا , فإن كتابكم ذلك أعدل عند الله وأصوب لشهادة شهودكم عليه , وأقرب لكم أن لا تشكوا فيما شهد به شهودكم عليكم من الحق والأجل إذا كان مكتوبا .ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا القول في تأويل قوله تعالى : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } ثم استثنى جل ذكره مما نهاهم عنه أن يسأموه من اكتتاب كتب حقوقهم على غرمائهم بالحقوق التي لهم عليهم , ما وجب لهم قبلهم من حق عن مبايعة بالنقود الحاضرة يدا بيد , فرخص لهم في ترك اكتتاب الكتب بذلك ; لأن كل واحد منهم , أعني من الباعة والمشترين , يقبض - إذا كان الواجب بينهم فيما يتبايعونه نقدا - ما وجب له قبل مبايعيه قبل المفارقة , فلا حاجة لهم في ذلك إلى اكتتاب أحد الفريقين على الفريق الآخر كتابا بما وجب لهم قبلهم وقد تقابضوا الواجب لهم عليهم , فلذلك قال تعالى ذكره : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } لا أجل فيها ولا تأخير ولا نساء , { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } يقول : فلا حرج عليكم أن لا تكتبوها , يعني التجارة الحاضرة .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 5018 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } يقول : معكم بالبلد ترونها فتؤخذ وتعطى , فليس على هؤلاء جناح أن لا يكتبوها .

5019 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك : { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } إلى قوله : { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } قال : أمر الله أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كثيرا إلى أجله , وأمر ما كان يدا بيد أن يشهد عليه صغيرا كان أو كبيرا ورخص لهم أن لا يكتبوه .

واختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق وعامة القراء : " إلا أن تكون تجارة حاضرة " بالرفع , وانفرد بعض قراء الكوفيين فقرأه بالنصب .

وذلك وإن كان جائزا في العربية , إذ كانت العرب تنصب النكرات والمنعوتات مع " كان " , وتضمر معها في " كان " مجهولا , فتقول : إن كان طعاما طيبا فأتنا به , وترفعها فتقول : إن كان طعام طيب فأتنا به , فتتبع النكرة خبرها بمثل إعرابها .

فإن الذي اختار من القراءة , ثم لا أستجيز القراءة بغيره , الرفع في " التجارة الحاضرة " , لإجماع القراء على ذلك , وشذوذ من قرأ ذلك نصبا عنهم , ولا يعترض بالشاذ على الحجة .

ومما جاء نصبا قول الشاعر : أعيني هل تبكيان عفاقا إذا كان طعنا بينهم وعناقا وقول الآخر : ولله قومي أي قوم لحرة إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا وإنما تفعل العرب ذلك في النكرات لما وصفنا من إتباع أخبار النكرات أسماءها , وكان من حكمها أن يكون معها مرفوع ومنصوب , فإذا رفعوهما جميعهما تذكروا إتباع النكرة خبرها , وإذا نصبوهما تذكروا صحبة " كان " لمنصوب ومرفوع , ووجدوا النكرة يتبعها خبرها , وأضمروا في كان مجهولا لاحتمالها الضمير .

وقد ظن بعض الناس أن من قرأ ذلك : { إلا أن تكون تجارة حاضرة } إنما قرأه على معنى : إلا أن يكون تجارة حاضرة , فزعم أنه كان يلزم قارئ ذلك أن يقرأ " يكون " بالياء , وأغفل موضع صواب قراءته من جهة الإعراب , وألزمه غير ما يلزمه .

وذلك أن العرب إذا جعلوا مع كان نكرة مؤنثا بنعتها أو خبرها , أنثوا " كان " مرة وذكروها أخرى , فقالوا : إن كانت جارية صغيرة فاشتروها , وإن كان جارية صغيرة فاشتروها , تذكر " كان " وإن نصبت النكرة المنعوتة أو رفعت أحيانا وتؤنث أحيانا .

وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله : " إلا أن تكون تجارة حاضرة " مرفوعة فيه التجارة الحاضرة لأن يكون بمعنى التمام , ولا حاجة بها إلى الخبر , بمعنى : إلا أن توجد أو تقع أو تحدث , فألزم نفسه ما لم يكن لها لازما , لأنه إنما ألزم نفسه ذلك إذا لم يكن يجد لكان منصوبا , ووجد التجارة الحاضرة مرفوعة , وأغفل جواز قوله : { تديرونها بينكم } أن يكون خبرا " ل " كان , فيستغني بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم .

والذي قال من حكمنا قوله من البصريين غير خطأ في العربية , غير أن الذي قلنا بكلام العرب أشبه , وفي المعنى أصح , وهو أن يكون في قوله : { تديرونها بينكم } وجهان : أحدهما أنه في موضع نصب على أنه حل محل خبر " كان " , والتجارة الحاضرة اسمها .

والآخر : أنه في موضع رفع على إتباع التجارة الحاضرة , لأن خبر النكرة يتبعها , فيكون تأويله : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم .تكتبوها وأشهدوا إذا القول في تأويل قوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } يعني بذلك جل ثناؤه : وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم , عاجل ذلك وآجله , ونقده ونسائه , فإن إرخاصي لكم في ترك اكتتاب الكتب بينكم فيما كان من حقوق تجري بينكم لبعضكم من قبل بعض عن تجارة حاضرة دائرة بينكم يدا بيد ونقدا ليس بإرخاص مني لكم في ترك ا

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم[ ص: 343 ] فيه اثنتان وخمسون مسألة :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين قال سعيد بن المسيب : بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين .

وقال ابن عباس : هذه الآية نزلت في السلم خاصة .

معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية ، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا .

وقال ابن خويزمنداد : إنها تضمنت ثلاثين حكما .

وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض ، على ما قال مالك ، إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات .

وخالف في ذلك الشافعية وقالوا : الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون ، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا ، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه .الثانية : قوله تعالى : ( بدين ) تأكيد مثل قوله ولا طائر يطير بجناحيه .

فسجد الملائكة كلهم أجمعون .

وحقيقة الدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة ، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا ، والدين ما كان غائبا ، قال الشاعر :وعدتنا بدرهمينا طلاء وشواء معجلا غير دينوقال آخر :لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتينإذا ما أوقدوا حطبا ونارا فذاك الموت نقدا غير دينوقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله الحق ( إلى أجل مسمى ) .الثالثة : قوله تعالى : ( إلى أجل مسمى ) قال ابن المنذر : دل قول الله ( إلى أجل مسمى ) على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز ، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معنى كتاب الله تعالى .

ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم رواه ابن عباس .

أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما .

وقال ابن عمر : كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة .

وحبل الحبلة : أن تنتج الناقة ثم تحمل التي [ ص: 344 ] نتجت .

فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك .

وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف ، من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها .

بكيل معلوم ، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة ، يدفع ثمن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه ، وسميا المكان الذي يقبض فيه الطعام .

فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر كان سلما صحيحا لا أعلم أحدا من أهل العلم يبطله .قلت : وقال علماؤنا : إن السلم إلى الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان جائز ، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم .الرابعة : حد علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا : هو بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم .

فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول ، ومن السلم في الأعيان المعينة ، مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي عليه السلام فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها ، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر ، إذ قد تخلف تلك الأشجار فلا تثمر شيئا .

وقولهم ( محصور بالصفة ) تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل ، كما لو أسلم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة .وقولهم ( بعين حاضرة ) تحرز من الدين بالدين .

وقولهم ( أو ما هو في حكمها ) تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه ، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر ، بشرط وبغير شرط لقرب ذلك ، ولا يجوز اشتراطه عليها .

ولم يجز الشافعي ولا الكوفي تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق ، ورأوا أنه كالصرف .

ودليلنا أن البابين مختلفان بأخص أوصافهما ، فإن الصرف بابه ضيق كثرت فيه الشروط بخلاف السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر .

والله أعلم .وقولهم " إلى أجل معلوم " تحرز من السلم الحال فإنه لا يجوز على المشهور وسيأتي .

ووصف الأجل بالمعلوم تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه .الخامسة : السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد وقد جاءا في الحديث ، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب ( السلم ) لأن السلف يقال على القرض .

والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق ، مستثنى من نهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك .

وأرخص في السلم ؛ لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين ، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة ، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها [ ص: 345 ] لينفقه عليها ، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية ، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج ، فإن جاز حالا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة ، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة .

والله أعلم .السادسة : في شروط السلم المتفق عليها والمختلف فيها وهي تسعة : ستة في المسلم فيه ، وثلاثة في رأس مال السلم .

أما الستة التي في المسلم فيه فأن يكون في الذمة ، وأن يكون موصوفا ، وأن يكون مقدرا ، وأن يكون مؤجلا ، وأن يكون الأجل معلوما ، وأن يكون موجودا عند محل الأجل .

وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم فأن يكون معلوم الجنس ، مقدرا ، نقدا .

وهذه الشروط الثلاثة التي في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم .

قال ابن العربي : وأما الشرط الأول وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة ؛ لأنه مداينة ، ولولا ذلك لم يشرع دينا ولا قصد الناس إليه ربحا ورفقا .

وعلى ذلك القول اتفق الناس .

بيد أن مالكا قال : لا يجوز السلم في المعين إلا بشرطين : أحدهما أن يكون قرية مأمونة ، والثاني أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة والرطب من النخلة ، ولم يقل ذلك أحد سواه .

وهاتان المسألتان صحيحتان في الدليل ؛ لأن التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر ، لئلا يتعذر عند المحل .

وإذا كان الموضع مأمونا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك ، إذ لا يتيقن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه ، ولابد من احتمال الغرر اليسير ، وذلك كثير في مسائل الفروع ، تعدادها في كتب المسائل .

وأما السلم في اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة ، وهي مبنية على قاعدة المصلحة ؛ لأن المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء ؛ لأن النقد قد لا يحضره ولأن السعر قد يختلف عليه ، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد ؛ لأن الذي عنده عروض لا يتصرف له .

فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح .

وأما الشرط الثاني وهو أن يكون موصوفا فمتفق عليه ، وكذلك الشرط الثالث .

والتقدير يكون من ثلاثة أوجه : الكيل ، والوزن ، والعدد ، وذلك ينبني على العرف ، وهو إما عرف الناس وإما عرف الشرع .

وأما الشرط الرابع وهو أن يكون مؤجلا فاختلف فيه ، فقال الشافعي : يجوز السلم الحال ، ومنعه الأكثر من العلماء .

قال ابن العربي : واضطربت المالكية في تقدير الأجل حتى ردوه إلى يوم ، حتى قال بعض علمائنا : السلم الحال جائز .

والصحيح أنه لا بد من الأجل فيه ؛ لأن المبيع على ضربين : معجل وهو العين ، ومؤجل .

فإن كان حالا ولم يكن عند المسلم إليه فهو من باب : بيع ما ليس عندك ، فلا بد من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه ، [ ص: 346 ] وتتنزل الأحكام الشرعية منازلها .

وتحديده عند علمائنا مدة تختلف الأسواق في مثلها .

وقول الله تعالى ( إلى أجل مسمى ) وقوله عليه السلام : ( إلى أجل معلوم ) يغني عن قول كل قائل .قلت : الذي أجازه علماؤنا من السلم الحال ما تختلف فيه البلدان من الأسعار ، فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة .

فأما في البلد الواحد فلا ؛ لأن سعره واحد ، والله أعلم .

وأما الشرط الخامس وهو أن يكون الأجل معلوما فلا خلاف ، فيه بين الأمة ، لوصف الله تعالى ونبيه الأجل بذلك .

وانفردمالك دون الفقهاء بالأمصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد ؛ لأنه رآه معلوما .

وقد مضى القول في هذا عند قوله تعالى يسألونك عن الأهلة .

وأما الشرط السادس وهو أن يكون موجودا عند المحل فلا خلاف فيه بين الأمة أيضا ، فإن انقطع المبيع عند محل الأجل بأمر من الله تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء .السابعة : ليس من شرط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه خلافا لبعض السلف ، لما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال : بعثني عبد الله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا : سله هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة ؟

فقال عبد الله : كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم .

قلت : إلى من كان أصله عنده ؟

قال : ما كنا نسألهم عن ذلك .

ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم نسألهم ألهم حرث أم لا ؟

وشرط أبو حنيفة وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين الأجل ، مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا ، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا : المراعى وجوده عند الأجل .

وشرط الكوفيون والثوري أن يذكر موضع القبض فيما له حمل ومئونة وقالوا : السلم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض .

وقال الأوزاعي : هو مكروه .

وعندنا لو سكتوا عنه لم يفسد العقد ، ويتعين موضع القبض ، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث ، لحديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه السلم ، ولو كان من شروطه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والأجل ، ومثله حديث ابن أبي أوفى .الثامنة : روى أبو داود عن سعد - يعني الطائي - عن عطية بن سعد عن أبي سعيد [ ص: 347 ] الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره .

قال أبو محمد عبد الحق بن عطية : هو العوفي ولا يحتج أحد بحديثه ، وإن كان الأجلة قد رووا عنه .

قال مالك : الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الأجل فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاعه منه فأقاله ، أنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه ، وأنه لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه ، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى .

قال مالك : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى .التاسعة : قوله تعالى : فاكتبوه يعني الدين والأجل .

ويقال : أمر بالكتابة ولكن المراد الكتابة والإشهاد ؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة .

ويقال : أمرنا بالكتابة لكيلا ننسى .

وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى آخر الآية : إن أول من جحد آدم عليه السلام إن الله أراه ذريته فرأى رجلا أزهر ساطعا نوره فقال يا رب من هذا قال : هذا ابنك داود ، قال : يا رب فما عمره ؟

قال : ستون سنة ، قال : يا رب زده في عمره!

فقال : لا إلا أن تزيده من عمرك ، قال : وما عمري ؟

قال : ألف سنة ، قال آدم فقد وهبت له أربعين سنة ، قال : فكتب الله عليه كتابا وأشهد عليه ملائكته فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة ، قال : إنه بقي من عمري أربعون سنة ، قالوا : إنك قد وهبتها لابنك داود ، قال : ما وهبت لأحد شيئا ، فأخرج الله تعالى الكتاب وشهد عليه ملائكته - في رواية : وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة .

خرجه الترمذي أيضا .

وفي قوله فاكتبوه إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبينة له ، المعربة عنه ، للاختلاف المتوهم بين المتعاملين ، المعرفة للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه .

والله أعلم .العاشرة : ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها ، فرض بهذه الآية ، بيعا كان أو قرضا ، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود ، وهو اختيار الطبري .

وقال ابن جريج : من ادان فليكتب ، ومن باع فليشهد .

وقال الشعبي : كانوا يرون أن قوله : ( فإن أمن ) ناسخ لأمره بالكتب .

وحكى نحوه ابن جريج ، وقاله ابن زيد ، وروي عن أبي سعيد الخدري .

وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ، ثم خففه الله تعالى بقوله : فإن أمن بعضكم بعضا .

وقال الجمهور : الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب ، وإذا كان الغريم [ ص: 348 ] تقيا فما يضره الكتاب ، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق .

قال بعضهم : إن أشهدت فحزم ، وإن ائتمنت ففي حل وسعة .

ابن عطية : وهذا هو القول الصحيح .

ولا يترتب نسخ في هذا ؛ لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع ، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس .الحادية عشرة : قوله تعالى : وليكتب بينكم كاتب بالعدل قال عطاء وغيره : واجب على الكاتب أن يكتب ، وقاله الشعبي ، وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه فواجب عليه أن يكتب .

السدي : واجب مع الفراغ .

وحذفت اللام من الأول وأثبتت في الثاني ؛ لأن الثاني غائب والأول للمخاطب .

وقد ثبتت في المخاطب ، ومنه قوله تعالى : ( فلتفرحوا ) بالتاء .

وتحذف في الغائب ، ومنه :محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالاالثانية عشرة : قوله تعالى : ( بالعدل ) أي بالحق والمعدلة ، أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل .

وإنما قال ( بينكم ) ولم يقل أحدكم ؛ لأنه لما كان الذي له الدين يتهم في الكتابة الذي عليه الدين وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه كاتبا غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه ولا قلمه موادة لأحدهما على الآخر .

وقيل : إن الناس لما كانوا يتعاملون ، حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة ، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب ، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل .الثالثة عشرة : الباء في قوله تعالى ( بالعدل ) متعلقة بقوله : ( وليكتب ) وليست متعلقة ب ( كاتب ) لأنه كان يلزم ألا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه ، وقد يكتبها الصبي والعبد والمتحوط إذا أقاموا فقهها .

أما المنتصبون لكتبها فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولا مرضيين .

قال مالك رحمه الله تعالى : لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نفسه مأمون ، لقوله تعالى : وليكتب بينكم كاتب بالعدل .قلت : فالباء على هذا متعلقة ب ( كاتب ) أي ليكتب بينكم كاتب عدل ، ف ( بالعدل ) في موضع الصفة .[ ص: 349 ] الرابعة عشرة : قوله تعالى : ولا يأب كاتب أن يكتب نهى الله الكاتب عن الإباء واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد ، فقال الطبري والربيع : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب .

وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر على كاتب غيره ، فيضر صاحب الدين إن امتنع ، فإن كان كذلك فهو فريضة ، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره .

السدي : واجب عليه في حال فراغه ، وقد تقدم .

وحكى المهدوي عن الربيع والضحاك أن قوله ( ولا يأب ) منسوخ بقوله ولا يضار كاتب ولا شهيد .قلت : هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب ، وكان لا يجوز له أن يمتنع حتى نسخه قوله تعالى : ولا يضار كاتب ولا شهيد وهذا بعيد ، فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان .

ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار بها ؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة ، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة .

ابن العربي : والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذ حقه .

وأبى يأبي شاذ ، ولم يجئ إلا قلى يقلى وأبى يأبى وغسى يغسى وجبى الخراج يجبى ، وقد تقدم .الخامسة عشرة : : قوله تعالى : كما علمه الله فليكتب الكاف في ( كما ) متعلقة بقوله ( أن يكتب ) المعنى كتبا كما علمه الله .

ويحتمل أن تكون متعلقة بما في قوله : ( ولا يأب ) من المعنى ، أي كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو وليفضل كما أفضل الله عليه .

ويحتمل أن يكون الكلام على هذا المعنى تاما عند قوله ( أن يكتب ) ثم يكون كما علمه الله ابتداء كلام ، وتكون الكاف متعلقة بقوله ( فليكتب ) .السادسة عشرة : قوله تعالى : وليملل الذي عليه الحق وهو المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه .

والإملاء والإملال لغتان ، أمل وأملى ، فأمل لغة أهل الحجاز وبني أسد ، وتميم تقول : أمليت .

وجاء القرآن باللغتين ، قال عز وجل : فهي تملى عليه بكرة وأصيلا .

والأصل أمللت ، أبدل من اللام ياء لأنه أخف .

فأمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء ؛ لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره .

وأمره تعالى بالتقوى فيما يمل ، ونهى عن أن [ ص: 350 ] يبخس شيئا من الحق .

والبخس النقص .

ومن هذا المعنى قوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن .السابعة عشرة : قوله تعالى : فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا قال بعض الناس : أي صغيرا .

وهو خطأ فإن السفيه قد يكون كبيرا على ما يأتي بيانه .

( أو ضعيفا ) أي كبيرا لا عقل له .

أو لا يستطيع أن يمل جعل الله الذي عليه الحق أربعة أصناف : مستقل بنفسه يمل ، وثلاثة أصناف لا يملون وتقع نوازلهم في كل زمن ، وكون الحق يترتب لهم في جهات سوى المعاملات كالمواريث إذا قسمت وغير ذلك ، وهم السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل .

فالسفيه المهلهل الرأي في المال الذي لا يحسن الأخذ لنفسه ولا الإعطاء منها ، مشبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج .

والبذيء اللسان يسمى سفيها ؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة .

والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أخرى ، قال الشاعر :نخاف أن تسفه أحلامنا ويجهل الدهر مع الحالموقال ذو الرمة :مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسمأي استضعفها واستلانها فحركها .

وقد قالوا : الضعف بضم الضاد في البدن وبفتحها في الرأي ، وقيل : هما لغتان .

والأول أصح ، لما روى أبو داود عن أنس بن مالك أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتاع وفي عقله ضعف فأتى أهله نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله ، احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقله ضعف .

فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع ، فقال : يا رسول الله ، إني لا أصبر عن البيع ساعة .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت غير تارك البيع فقل ها وها ولا خلابة وأخرجه أبو عيسى محمد بن عيسى السلمي الترمذي من حديث أنس وقال : هو صحيح ، وقال : إن رجلا كان في عقله ضعف ، وذكر الحديث .

وذكره البخاري في التاريخ وقال فيه : إذا بايعت فقل لا خلابة وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال .

وهذا [ ص: 351 ] الرجل هو حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري والد يحيى وواسع ابني حبان : وقيل : وهو منقذ جد يحيى وواسع شيخي مالك ووالده حبان ، أتى عليه مائة وثلاثون سنة ، وكان شج في بعض مغازيه مع النبي صلى الله عليه وسلم مأمومة خبل منها عقله ولسانه : وروى الدارقطني قال : كان حبان بن منقذ رجلا ضعيفا ضرير البصر وكان قد سفع في رأسه مأمومة ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار فيما يشتري ثلاثة أيام ، وكان قد ثقل لسانه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بع وقل لا خلابة ) فكنت ، أسمعه يقول : لا خذابة لا خذابة .

أخرجه من حديث ابن عمرو .

الخلابة : الخديعة ، ومنه قولهم : ( إذا لم تغلب فاخلب ) .الثامنة عشرة : اختلف العلماء فيمن يخدع في البيوع لقلة خبرته وضعف عقله فهل يحجر عليه أو لا فقال بالحجر عليه أحمد وإسحاق .

وقال آخرون : لا يحجر عليه .

والقولان في المذهب ، والصحيح الأول ، لهذه الآية ، ولقوله في الحديث : ( يا نبي الله احجر على فلان ) .

وإنما ترك الحجر عليه لقوله : ( يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع ) .

فأباح له البيع وجعله خاصا به ؛ لأن من يخدع في البيوع ينبغي أن يحجر عليه لا سيما إذا كان ذلك لخبل عقله .

ومما يدل على الخصوصية ما رواه محمد بن إسحاق قال : حدثني محمد بن يحيى بن حبان قال : هو جدي منقذ بن عمرو وكان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله ، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال : إذا بعت فقل لا خلابة ثم أنت في كل سلعة تبتاعها بالخيار ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها .

وقد كان عمر عمرا طويلا ، عاش ثلاثين ومائة سنة ، وكان في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه حين فشا الناس وكثروا ، يبتاع البيع في السوق ويرجع به إلى أهله وقد غبن غبنا قبيحا ، فيلومونه ويقولون له تبتاع ؟

فيقول : أنا بالخيار ، إن رضيت أخذت وإن سخطت رددت ، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلني بالخيار ثلاثا .

فيرد السلعة على صاحبها من الغد وبعد الغد ، فيقول : والله لا أقبلها ، قد أخذت سلعتي وأعطيتني دراهم ، قال فيقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار ثلاثا .

فكان يمر الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول للتاجر : ويحك!

إنه قد صدق ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان جعله بالخيار ثلاثا .

أخرجه [ ص: 352 ] الدارقطني .

وذكره أبو عمر في الاستيعاب وقال : ذكره البخاري في التاريخ عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق .التاسعة عشرة : قوله تعالى : ( أو ضعيفا ) الضعيف هو المدخول العقل الناقص الفطرة العاجز عن الإملاء ، إما لعيه أو لخرسه أو جهله بأداء الكلام ، وهذا أيضا قد يكون وليه أبا أو وصيا .

والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير ، ووليه وصيه أو أبوه والغائب عن موضوع الإشهاد ، إما لمرض أو لغير ذلك من العذر .

ووليه وكيله .

وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء ، والأولى أنه ممن لا يستطيع .

فهذه أصناف تتميز ، وسيأتي في " النساء " بيانها والكلام عليها إن شاء الله تعالى .الموفية عشرين : قوله تعالى : فليملل وليه بالعدل ذهب الطبري إلى أن الضمير في ( وليه ) عائد على الحق وأسند في ذلك عن الربيع ، وعن ابن عباس .

وقيل : هو عائد على الذي عليه الحق وهو الصحيح .

وما روي عن ابن عباس لا يصح .

وكيف تشهد البينة على شيء وتدخل مالا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدين!

هذا شيء ليس في الشريعة .

إلا أن يريد قائله : إن الذي لا يستطيع أن يمل لمرض أو كبر سن لثقل لسانه عن الإملاء أو لخرس ، وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه عن الإملاء لخرس ولي عند أحد العلماء ، مثل ما ثبت على الصبي والسفيه عند من يحجر عليه .

فإذا كان كذلك فليمل صاحب الحق بالعدل ويسمع الذي عجز ، فإذا كمل الإملاء أقر به .

وهذا معنى لم تعن الآية إليه : ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل لمرض ومن ذكر معه .الحادية والعشرون : لما قال الله تعالى : وليملل الذي عليه الحق دل ذلك على أنه مؤتمن فيما يورده ويصدره ، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن مع يمينه إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم ، فيقول الراهن : رهنت بخمسين والمرتهن يدعي مائة ، فالقول قول الراهن والرهن قائم ، وهو مذهب أكثر الفقهاء : سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، واختاره ابن المنذر قال : لأن المرتهن مدع للفضل ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه .

وقال مالك : القول قول المرتهن فيما بينه وبين [ ص: 353 ] قيمة الرهن ولا يصدق على أكثر من ذلك .

فكأنه يرى أن الرهن ويمينه شاهد ، للمرتهن ، وقوله تعالى : وليملل الذي عليه الحق رد عليه .

فإن الذي عليه الحق هو الراهن .

وستأتي هذه المسألة .

وإن قال قائل : إن الله تعالى جعل الرهن بدلا عن الشهادة والكتاب ، والشهادة دالة على صدق المشهود له فيما بينه وبين قيمة الرهن ، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقة في الزيادة .

قيل له : الرهن لا يدل على أن قيمته تجب أن تكون مقدار الدين ، فإنه ربما رهن الشيء بالقليل والكثير .

نعم لا ينقص الرهن غالبا عن مقدار الدين ، فأما أن يطابقه فلا ، وهذا القائل يقول : يصدق المرتهن مع اليمين في مقدار الدين إلى أن يساوي قيمة الرهن .

وليس العرف على ذلك فربما نقص الدين عن الرهن وهو الغالب ، فلا حاصل لقولهم هذا .الثانية والعشرون : وإذا ثبت أن المراد الولي ففيه دليل على أن إقراره جائز على يتيمه ؛ لأنه إذا أملاه فقد نفذ قوله عليه فيما أملاه .الثالثة والعشرون : وتصرف السفيه المحجور عليه دون إذن وليه فاسد إجماعا مفسوخ أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا .

فإن تصرف سفيه ولا حجر عليه ففيه خلاف يأتي بيانه في ( النساء ) إن شاء الله تعالى .الرابعة والعشرون : قوله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم الاستشهاد طلب الشهادة .

واختلف الناس هل هي فرض أو ندب ، والصحيح أنه ندب على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .الخامسة والعشرون : قوله تعالى : ( شهيدين ) رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود وجعل في كل فن شهيدين إلا في الزنا ، على ما يأتي بيانه في سورة ( النساء ) .

وشهيد بناء مبالغة ، وفي ذلك دلالة على من قد شهد وتكرر ذلك منه ، فكأنه إشارة إلى العدالة .

والله أعلم .السادسة والعشرون : قوله تعالى : من رجالكم نص في رفض الكفار والصبيان والنساء ، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم .

وقال مجاهد : المراد الأحرار ، واختاره القاضي أبو إسحاق وأطنب فيه .

وقد اختلف العلماء في شهادة العبيد ، فقال شريح وعثمان البتي وأحمد [ ص: 354 ] وإسحاق ، وأبو ثور : شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا ، وغلبوا لفظ الآية .

وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور العلماء : لا تجوز شهادة العبد ، وغلبوا نقص الرق ، وأجازها الشعبي والنخعي في الشيء اليسير .

والصحيح قول الجمهور ؛ لأن الله تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين وساق الخطاب إلى قوله من رجالكم فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون ، والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن السادة .

فإن قالوا : إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخرها .

قيل لهم : هذا يخصه قوله تعالى : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا على ما يأتي بيانه .

وقوله من رجالكم دليل على أن الأعمى من أهل الشهادة لكن إذا علم يقينا ، مثل ما روي عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : ترى هذه الشمس فاشهد على مثلها أو دع .

وهذا يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به ، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يخطئ .

نعم يجوز له وطء امرأته إذا عرف صوتها ؛ لأن الإقدام على الوطء جائز بغلبة الظن ، فلو زفت إليه امرأة وقيل : هذه امرأتك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها ، ويحل له قبول هدية جاءته بقول الرسول .

ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه ؛ لأن سبيل الشهادة اليقين ، وفي غيرها يجوز استعمال غالب الظن ، ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف : إذا علمه قبل العمى جازت الشهادة بعد العمى ، ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه كالغيبة والموت في المشهود عليه .

فهذا مذهب هؤلاء .

والذي يمنع أداء الأعمى فيما تحمل بصيرا لا وجه له ، وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض ، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقه الصوت ؛ لأنه رأى الاستدلال بذلك يترقى إلى حد اليقين ، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور والألوان .

وهذا ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير .قلت : مذهب مالك في شهادة الأعمى على الصوت جائزة في الطلاق وغيره إذا عرف الصوت .

قال ابن قاسم : قلت لمالك : فالرجل يسمع جاره من وراء الحائط ولا يراه ، ، يسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه وقد عرف الصوت ؟

قال : قال مالك : شهادته جائزة .

وقال ذلك علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وشريح الكندي والشعبي وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد وربيعة وإبراهيم النخعي ومالك والليث .السابعة والعشرون : قوله تعالى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين ، هذا قول الجمهور .

( فرجل ) رفع بالابتداء ، [ ص: 355 ] ( وامرأتان ) عطف عليه والخبر محذوف .

أي فرجل وامرأتان يقومان مقامهما .

ويجوز النصب في غير القرآن ، أي فاستشهدوا رجلا وامرأتين .

وحكى سيبويه : إن خنجرا فخنجرا .

وقال قوم : بل المعنى فإن لم يكن رجلان ، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال .

قال ابن عطية : وهذا ضعيف ، فلفظ الآية لا يعطيه ، بل الظاهر منه قول الجمهور ، أي إن لم يكن المستشهد رجلين ، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذر ما فليستشهد رجلا وامرأتين .

فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية ، ولم يذكرها في غيرها ، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور ، بشرط أن يكون معهما رجل .

وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها ؛ لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها ، فجعل فيها التوثق تارة بالكتبة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان ، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال .

ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى : إذا تداينتم بدين يشتمل على دين المهر مع البضع ، وعلى الصلح على دم العمد ، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدين ، بل هي شهادة على النكاح .

وأجاز العلماء شهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة .

وعلى مثل ذلك أجيزت شهادة الصبيان في الجراح فيما بينهم للضرورة .وقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان في الجراح ، وهي :الثامنة والعشرون : فأجازها مالك ما لم يختلفوا ولم يفترقوا .

ولا يجوز أقل من شهادة اثنين منهم على صغير لكبير ولكبير على صغير .

وممن كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح عبد الله بن الزبير .

وقال مالك : وهو الأمر عندنا المجتمع عليه .

ولم يجز الشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابه شهادتهم ، لقوله تعالى : من رجالكم وقوله : ممن ترضون وقوله : ذوي عدل منكم وهذه الصفات ليست في الصبي .التاسعة والعشرون : لما جعل الله سبحانه شهادة امرأتين بدل شهادة رجل وجب أن يكون حكمهما حكمه ، فكما له أن يحلف مع الشاهد عندنا ، وعند الشافعي كذلك ، يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضية .

وخالف في هذا أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا اليمين مع الشاهد وقالوا : إن الله سبحانه قسم الشهادة وعددها ، ولم يذكر الشاهد واليمين ، فلا يجوز القضاء به لأنه يكون قسما زائدا على ما قسمه الله ، وهذه زيادة على النص ، وذلك نسخ .

وممن قال بهذا القول الثوري والأوزاعي وعطاء والحكم بن عتيبة وطائفة .

قال بعضهم : [ ص: 356 ] الحكم باليمين مع الشاهد منسوخ بالقرآن .

وزعم عطاء أن أول من قضى به عبد الملك بن مروان ، وقال : الحكم : القضاء باليمين والشاهد بدعة ، وأول من حكم به معاوية .

وهذا كله غلط وظن لا يغني من الحق شيئا ، وليس من نفى وجهل كمن أثبت وعلم وليس في قول الله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم الآية ، ما يرد به قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمين مع الشاهد ولا أنه لا يتوصل إلى الحقوق ولا تستحق إلا بما ذكر فيها لا غير ، فإن ذلك يبطل بنكول المطلوب ويمين الطالب ، فإن ذلك يستحق به المال إجماعا وليس في كتاب الله تعالى ، وهذا قاطع في الرد عليهم .

قال مالك : فمن الحجة على من قال ذلك القول أن يقال له : أرأيت لو أن رجلا ادعى على رجل مالا أليس يحلف المطلوب ما ذلك الحق عليه ؟

فإن حلف بطل ذلك الحق عنه ، وإن نكل عن اليمين حلف صاحب الحق ، أن حقه لحق ، وثبت حقه على صاحبه .

فهذا مما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا ببلد من البلدان ، فبأي شيء أخذ هذا وفي أي كتاب الله وجده ؟

فمن أقر بهذا فليقر باليمين مع الشاهد .

قال علماؤنا : ثم العجب مع شهرة الأحاديث وصحتها بدعوا من عمل بها حتى نقضوا حكمه واستقصروا رأيه ، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب ومعاوية وشريح وعمر بن عبد العزيز - وكتب به إلى عماله - ، وإياس بن معاوية وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو الزناد وربيعة ، ولذلك قال مالك : وإنه ليكفي من ذلك ما مضى من عمل السنة ، أترى هؤلاء تنقض أحكامهم ، ويحكم ببدعتهم!

هذا إغفال شديد ، ونظر غير سديد .

روى الأئمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى باليمين مع الشاهد .

قال عمرو بن دينار : في الأموال خاصة ، رواه سيف بن سليمان عن قيس بن سعد بن دينار عن ابن عباس .

قال أبو عمر : هذا أصح إسناد لهذا الحديث ، وهو حديث لا مطعن لأحد في إسناده ، ولا خلاف بين أهل المعرفة بالحديث في أن رجاله ثقات .

قال يحيى القطان : سيف بن سليمان ثبت ، ما رأيت أحفظ منه .

وقال النسائي : هذا إسناد جيد ، سيف ثقة ، وقيس ثقة .

وقد خرج مسلم حديث ابن عباس هذا .

قال أبو بكر البزار : سيف بن سليمان وقيس بن سعد ثقتان ، ومن بعدهما يستغنى عن ذكرهما لشهرتهما في الثقة والعدالة .

ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمين مع الشاهد ، بل جاء عنهم القول به ، وعليه جمهور أهل العلم بالمدينة .

واختلف فيه عن عروة بن الزبير وابن شهاب ، فقال معمر : سألت الزهري عن اليمين مع الشاهد فقال : هذا شيء أحدثه الناس ، لا بد من شاهدين .

وقد [ ص: 357 ] روي عنه أنه أول ما ولي القضاء حكم بشاهد ويمين ، وبه قال مالك وأصحابه والشافعي وأتباعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الأثر ، وهو الذي لا يجوز عندي خلافه ، لتواتر الآثار به عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل أهل المدينة قرنا بعد قرن .

وقال مالك : يقضى باليمين مع الشاهد في كل البلدان ، ولم يحتج في موطئه لمسألة غيرها .

ولم يختلف عنه في القضاء باليمين مع الشاهد ولا عن أحد من أصحابه بالمدينة ومصر وغيرهما ، ولا يعرف المالكيون في كل بلد غير ذلك من مذهبهم إلا عندنا بالأندلس ، فإن يحيى بن يحيى زعم أنه لم ير الليث يفتي به ولا يذهب إليه .

وخالف يحيى مالكا في ذلك مع مخالفته السنة والعمل بدار الهجرة .

ثم اليمين مع الشاهد زيادة حكم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قول الله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم .

وكنهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، وكل ذي ناب من السباع مع قوله : قل لا أجد .

وكالمسح على الخفين ، والقرآن إنما ورد بغسل الرجلين أو مسحهما ، ومثل هذا كثير .

ولو جاز أن يقال : إن القرآن نسخ حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد ، لجاز أن يقال : إن القرآن في قوله عز وجل : وأحل الله البيع وحرم الربا وفي قوله : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ناسخ لنهيه عن المزابنة وبيع الغرر وبيع ما لم يخلق ، إلى سائر ما نهى عنه في البيوع ، وهذا لا يسوغ لأحد ؛ لأن السنة مبينة للكتاب .

فإن قيل : إن ما ورد من الحديث قضية في عين فلا عموم .

قلنا : بل ذلك عبارة عن تقعيد هذه القاعدة ، فكأنه قال : أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم باليمين مع الشاهد .

ومما يشهد لهذا التأويل ما رواه أبو داود في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين في الحقوق ، ومن جهة القياس والنظر أنا وجدنا اليمين أقوى من المرأتين ؛ لأنهما لا مدخل لهما في اللعان واليمين تدخل في اللعان .

وإذا صحت السنة فالقول بها يجب ، ولا تحتاج السنة إلى ما يتابعها ؛ لأن من خالفها محجوج بها .

وبالله التوفيق .الموفية ثلاثين : إذا تقرر وثبت الحكم باليمين مع الشاهد ، فقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ذلك في الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان ، للإجماع على ذلك من كل قائل باليمين مع الشاهد .

قال : لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان ، بدليل قبول [ ص: 358 ] شهادة النساء فيها .

وقد اختلف قول مالك في جراح العمد ، هل يجب القود فيها بالشاهد واليمين ؟

فيه روايتان : إحداهما أنه يجب به التخيير بين القود والدية .

والأخرى أنه لا يجب به شيء ؛ لأنه من حقوق الأبدان .

قال : وهو الصحيح .

قال مالك في الموطأ : وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة ، وقاله عمرو بن دينار .

وقال المازري : يقبل في المال المحض من غير خلاف ، ولا يقبل في النكاح والطلاق المحضين من غير خلاف .

وإن كان مضمون الشهادة ما ليس بمال ، ولكنه يؤدي إلى المال ، كالشهادة بالوصية والنكاح بعد الموت ، حتى لا يطلب من ثبوتها إلا المال إلى غير ذلك ، ففي قبوله اختلاف ، فمن راعى المال قبله كما يقبله في المال ، ومن راعى الحال لم يقبله .

وقال المهدوي : شهادة النساء في الحدود غير جائزة في قول عامة الفقهاء ، وكذلك في النكاح والطلاق في قول أكثر العلماء ، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما ، وإنما يشهدن في الأموال .

وكل ما لا يشهدن فيه فلا يشهدن على شهادة غيرهن فيه ، كان معهن رجل أو لم يكن ، ولا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن عن رجل وامرأة .

ويقضى باثنتين منهن في كل ما لا يحضره غيرهن كالولادة والاستهلال ونحو ذلك .

هذا كله مذهب مالك ، وفي بعضه اختلاف .الحادية والثلاثون : قوله تعالى : ممن ترضون من الشهداء في موضع رفع على الصفة لرجل وامرأتين .

قال ابن بكير وغيره : هذه مخاطبة للحكام .

ابن عطية : وهذا غير نبيل ، وإنما الخطاب لجميع الناس ، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام ، وهذا كثير في كتاب الله يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض .الثانية والثلاثون : لما قال الله تعالى : ممن ترضون من الشهداء دل على أن في الشهود من لا يرضى ، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم ، وذلك معنى زائد على الإسلام ، وهذا قول الجمهور .

وقال أبو حنيفة : كل مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل وإن كان مجهول الحال .

وقال شريح وعثمان البتي وأبو ثور : هم عدول المسلمين وإن كانوا عبيدا .قلت فعمموا الحكم ، ويلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدلا مرضيا وبه قال الشافعي ومن وافقه ، وهو من رجالنا وأهل ديننا .

وكونه بدويا ككونه من بلد آخر [ ص: 359 ] والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي والقروي ، قال الله تعالى : ممن ترضون من الشهداء وقال تعالى : وأشهدوا ذوي عدل منكم ف ( منكم ) خطاب للمسلمين .

وهذا يقتضي قطعا أن يكون معنى العدالة زائدا على الإسلام ضرورة ؛ لأن الصفة زائدة ، على الموصوف ، وكذلك ممن ترضون مثله ، خلاف ما قال أبو حنيفة ، ثم لا يعلم كونه مرضيا حتى يختبر حاله ، فيلزمه ألا يكتفي بظاهر الإسلام .

وذهب أحمد بن حنبل ومالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية .

والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضيا ، على ما يأتي في " النساء " و " براءة " إن شاء الله تعالى .

وليس في حديث أبي هريرة فرق بين القروي في الحضر أو السفر ، ومتى كان في السفر فلا خلاف في قبوله .قال علماؤنا : العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية ، وذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر ، ظاهر الأمانة غير مغفل .

وقيل : صفاء السريرة واستقامة السيرة في ظن المعدل ، والمعنى متقارب .الثالثة والثلاثون : لما كانت الشهادة ولاية عظيمة ومرتبة منيفة ، وهي قبول قول الغير على الغير ، شرط تعالى فيها الرضا والعدالة .

فمن حكم الشاهد .

أن تكون له شمائل ينفرد بها وفضائل يتحلى بها حتى تكون له مزية على غيره ، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله ، ويحكم بشغل ذمه المطلوب بشهادته .

وهذا أدل دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات عند علمائنا على ما خفي من المعاني والأحكام .

وسيأتي لهذا في سورة " يوسف " زيادة بيان إن شاء الله تعالى .

وفيه ما يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام ، فربما تفرس في الشاهد غفلة أو ريبة فيرد شهادته لذلك .الرابعة والثلاثون : قال أبو حنيفة : يكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود .

وهذه مناقصة تسقط كلامه وتفسد عليه مرامه ؛ لأننا نقول : حق من الحقوق .

فلا يكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدين كالحدود ، قاله ابن العربي .الخامسة والثلاثون : وإذ قد شرط الله تعالى الرضا والعدالة في المداينة كما بينا فاشتراطها في النكاح أولى ، خلافا لأبي حنيفة حيث قال : إن النكاح ينعقد .

بشهادة فاسقين .

[ ص: 360 ] فنفى الاحتياط المأمور به في الأموال عن النكاح ، وهو أولى لما يتعلق به من الحل والحرمة والحد والنسب .قلت : قول أبي حنيفة في هذا الباب ضعيف جدا ، لشرط الله تعالى الرضا والعدالة ، وليس يعلم كونه مرضيا بمجرد الإسلام ، وإنما يعلم بالنظر في أحواله حسب ما تقدم .

ولا يغتر بظاهر قوله : أنا مسلم .

فربما انطوى على ما يوجب رد شهادته ، مثل قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه إلى قوله : والله لا يحب الفساد ، وقال : وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم الآية .السادسة والثلاثون : أن تضل إحداهما قال أبو عبيد : معنى ( تضل ) تنسى .

والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء ، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضالا .

ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال : ضل فيها .

وقرأ حمزة " إن " بكسر الهمزة على معنى الجزاء ، والفاء في قوله : ( فتذكر ) جوابه ، وموضع الشرط وجوابه رفع على الصفة للمرأتين والرجل ، وارتفع " تذكر " على الاستئناف ، كما ارتفع قوله : ومن عاد فينتقم الله منه هذا قول سيبويه .

ومن فتح " أن " فهي مفعول له والعامل فيها محذوف .

وانتصب " فتذكر " على قراءة الجماعة عطفا على الفعل المنصوب ب " أن " .

قال النحاس : ويجوز " تضل " بفتح التاء والضاد ، ويجوز ( تضل ) بكسر التاء وفتح الضاد .

فمن قال : " تضل " جاء به على لغة من قال : ضللت تضل .

وعلى هذا تقول تضل فتكسر التاء لتدل على أن الماضي فعلت .

وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر " أن تضل " بضم التاء وفتح الضاد بمعنى تنسى ، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الداني .

وحكى النقاش عن الجحدري ضم التاء وكسر الضاد بمعنى أن تضل الشهادة .

تقول : أضللت الفرس والبعير إذا تلفا لك وذهبا فلم تجدهما .السابعة والثلاثون : قوله تعالى : ( فتذكر ) خفف الذال والكاف ابن كثير وأبو عمرو ، وعليه فيكون المعنى أن تردها ذكرا في الشهادة ؛ لأن شهادة المرأة نصف شهادة ، فإذا شهدتا صار مجموعهما كشهادة ذكر ، قاله سفيان بن عيينة وأبو عمرو بن العلاء .

وفيه بعد ؛ إذ لا يحصل في مقابلة الضلال الذي معناه النسيان إلا الذكر ، وهو معنى قراءة الجماعة " فتذكر " بالتشديد ، أي تنبهها إذا غفلت ونسيت .[ ص: 361 ] قلت : وإليها ترجع قراءة أبي عمرو ، أي إن تنس إحداهما فتذكرها الأخرى ، يقال : تذكرت الشيء وأذكرته وذكرته بمعنى ، قاله في الصحاح .الثامنة والثلاثون : قوله تعالى : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا قال الحسن : جمعت هذه الآية أمرين ، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة ، ولا إذا دعيت إلى أدائها ، وقاله ابن عباس .

وقال قتادة والربيع وابن عباس : أي لتحملها وإثباتها في الكتاب .

وقال مجاهد : معنى الآية إذا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك .

وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا ، قال مجاهد : فأما إذا دعيت لتشهد أولا فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا ، وقاله أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم .

وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين ، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود ، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تراد بقوله تعالى : ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا لإثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضورهما عند الحاكم ، على ما يأتي .

وقال ابن عطية : والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب ، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم ، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعو مندوب ، وله أن يتخلف لأدنى عذر ، وإن تخلف لغير عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له .

وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب ، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها ، لا سيما إن كانت محصلة وكان الدعاء إلى أدائها ، فإن هذا الظرف آكد ؛ لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء .قلت : وقد يستخرج من هذه الآية دليل على أن جائزا للإمام أن يقيم للناس شهودا ويجعل لهم من بيت المال ك

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

احتوت هاتان الآيتان على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها، فإن فيها فوائد كثيرة: منها: جواز المعاملات في الديون، سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجلا ثمنه، فكله جائز; لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان، وقد أقرهم عليه الملك الديان.

ومنها: وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وحلول الإجارات.

ومنها: أنه إذا كان الأجل مجهولا، فإنه لا يحل، لأنه غرر وخطر، فيدخل في الميسر.

ومنها: أمره تعالى بكتابة الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق، كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد يقارب الوجوب، كما إذا كان الحق متمحضا للعبد، فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب، بحسب الأحوال المقتضية لذلك، وعلى كل حال، فالكتابة من أعظم ما تحفظ بها هذه المعاملات المؤجلة، لكثرة النسيان، ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى.

ومنها: أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل، فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها، ولا على أحدهما لعداوة ونحوها.

ومنها: أن الكتابة بين المتعاملين من أفضل الأعمال ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وبراءة ذممهما كما أمره الله بذلك، فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور، ليحظى بثوابها.

ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفا بالعدل، معروفا بالعدل; لأنه إذا لم يكن عارفا بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبرا عدلا عند الناس رضيا، لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلا بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق.

ومنها: أن من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها، وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم.

ومنها: أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من علمه الله الكتابة، فقد تفضل عليه بفضل عظيم، فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى، أن يقضي بكتابته حاجات العباد، ولا يمتنع من الكتابة، ولهذا قال: ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ومنها: أن الذي يكتبه الكاتب، هو اعتراف من عليه الحق، إذا كان يحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك- لصغره، أو سفهه أو جنونه أو خرسه أو عدم استطاعته- أملى عنه وليه، وقام وليه في ذلك مقامه.

ومنها: أن الاعتراف من أعظم الطرق، التي تثبت بها الحقوق، حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه من عليه الحق.

ومنها: ثبوت الولاية على القاصرين، من الصغار والمجانين والسفهاء ونحوهم.

ومنها: أن الولي يقوم مقام موليه، في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه.

ومنها: أن من أمنته في معاملة، وفوضته فيها، فقوله في ذلك مقبول، وهو نائب منابك، لأنه إذا كان الولي على القاصرين ينوب منابهم، فالذي وليته باختيارك وفوضت إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف.

ومنها: أنه يجب على الذي عليه الحق- إذا أملى على الكاتب- أن يتقي الله، ولا يبخس الحق الذي عليه، فلا ينقصه في قدره، ولا في وصفه، ولا في شرط من شروطه، أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق، كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك، فهو من المطففين الباخسين.

ومنها: وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية، وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها.

ومنها: الإرشاد إلى الإشهاد في البيع، فإن كانت في المداينات، فحكمها حكم الكتابة كما تقدم، لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعا حاضرا، فينبغي الإشهاد فيه، ولا حرج فيه بترك الكتابة، لكثرته وحصول المشقة فيه.

ومنها: الإرشاد إلى إشهاد رجلين عدلين، فإن لم يمكن أو تعذر أو تعسر، فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات، بيوع الإدارة، وبيوع الديون، وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها.

وإذا قيل: قد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى بالشاهد الواحد مع اليمين، والآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، قيل: الآية الكريمة، فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق، وأقواها وليس فيها ما ينافي ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحكم بالشاهد واليمين، فباب حفظ الحقوق في ابتداء الأمر يرشد فيه العبد إلى الاحتراز والتحفظ التام، وباب الحكم بين المتنازعين، ينظر فيه إلى المرجحات والبينات بحسب حالها.

ومنها: أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد، في الحقوق الدنيوية، وأما في الأمور الدينية- كالرواية والفتوى- فإن المرأة فيه تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين.

ومنها: الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل، وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالبا وقوة حافظة الرجل.

ومنها: أن الشاهد لو نسي شهادته، فذكره الشاهد الآخر، فذكر أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زال بالتذكير لقوله: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ومن باب أولى إذا نسي الشاهد، ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين.

ومنها: أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين، لا عن شك، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته- ولو غلب على ظنه- لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم.

ومنها: أن الشاهد ليس له أن يمتنع، إذا دعي للشهادة سواء دعي للتحمل أو للأداء، وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة، كما أمر الله بها، وأخبر عن نفعها ومصالحها.

ومنها: أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد، بأن يدعيا في وقت أو حالة تضرهما، وكما أنه نهي لأهل الحقوق والمتعاملين أن يضاروا الشهود والكتاب، فإنه أيضا نهي للكاتب والشهيد أن يضار المتعاملين أو أحدهما، وفي هذا أيضا أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب.

وفيها: التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يطيقون، ف هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟، وكذلك على من أحسن وفعل معروفا، أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك.

ومنها: أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكتابة والشهادة، حيث وجبت، لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين.

ومنها: التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة، وأن فيها حفظ الحقوق والعدل، وقطع التنازع، والسلامة من النسيان والذهول، ولهذا قال: ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا وهذه مصالح ضرورية للعباد.

ومنها: أن تعلم الكتابة من الأمور الدينية، لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان.

ومنها: أن من خصه الله بنعمة من النعم، يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله، وأن يقضي بها حاجتهم، لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة، بتذكير الكاتب بقوله: كما علمه الله ومع هذا: فمن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته .

ومنها: أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل: "فأنتم فساق" أو "فاسقون"، بل قال: فإنه فسوق بكم ، فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه، فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك ، واستدل بقوله تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا أي: علما تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل.

ومنها: أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات، فمنه أيضا تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تبيان كل شيء.

ومنها: مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات، التي تكفل للعبد حصوله حقه، سواء كان برا أو فاجرا، أمينا أو خائنا، فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات.

ومنها: أن تمام الوثيقة في الرهن، أن يكون مقبوضا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضا يدل على أنه قد يكون مقبوضا تحصل به الثقة التامة ، وقد لا يكون مقبوضا فيكون ناقصا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ) قال ابن عباس رضي الله عنهما لما حرم الله الربا أباح السلم وقال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه ثم قال " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " .

قوله : ( إذا تداينتم ) أي تعاملتم بالدين يقال : داينته إذا عاملته بالدين وإنما قال ( بدين ) بعد قوله تداينتم لأن المداينة قد تكون مجازاة وقد تكون معاطاة فقيده بالدين ليعرف المراد من اللفظ وقيل : ذكره تأكيدا كقوله تعالى : " ولا طائر يطير بجناحيه " ( 38 - الأنعام ( إلى أجل مسمى ) الأجل مدة معلومة الأول والآخر والأجل يلزم في الثمن في البيع وفي السلم حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محله وفي القرض لا يلزم الأجل عند أكثر أهل العلم ( فاكتبوه ) أي اكتبوا الذي تداينتم به بيعا كان أو سلما أو قرضا .

واختلفوا في هذه الكتابة : فقال بعضهم : هي واجبة والأكثرون على أنه أمر استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى " فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض " ( 10 - الجمعة ) وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ الكل بقوله " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته " وهو قول الشعبي ثم بين كيفية الكتابة فقال جل ذكره ( وليكتب بينكم ) أي ليكتب كتاب الدين بين الطالب والمطلوب ( كاتب بالعدل ) أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخير ( ولا يأب ) أي لا يمتنع ( كاتب أن يكتب ) واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد فذهب قوم إلى وجوبها إذا طولب وهو قول مجاهد وقال الحسن تجب إذا لم يكن كاتب غيره وقال قوم هو على الندب والاستحباب وقال الضحاك كانت عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله تعالى " ولا يضار كاتب ولا شهيد ( كما علمه الله ) أي كما شرعه الله وأمره ( فليكتب وليملل الذي عليه الحق ) يعني : المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد جاء بهما القرآن فالإملال هاهنا والإملاء قوله تعالى : " فهي تملى عليه بكرة وأصيلا " ( 5 - الفرقان ) ( وليتق الله ربه ) يعني الممل ( ولا يبخس منه شيئا ) أي ولا ينقص منه أي من الحق الذي عليه شيئا .

( فإن كان الذي عليه الحق سفيها ) أي جاهلا بالإملاء قاله مجاهد وقال الضحاك والسدي : طفلا صغيرا وقال الشافعي رحمه الله السفيه : المبذر المفسد لماله أو في دينه .

قوله ( أو ضعيفا ) أي شيخا كبيرا وقيل هو ضعيف العقل لعته أو جنون ( أو لا يستطيع أن يمل هو ) لخرس أو عي أو عجمة أو حبس أو غيبة لا يمكنه حضور الكاتب أو جهل بما له وعليه ( فليملل وليه ) أي قيمه ( بالعدل ) أي بالصدق والحق وقال ابن عباس رضي الله عنه ومقاتل : أراد بالولي صاحب الحق يعني إن عجز من عليه الحق من الإملال فليملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل لأنه أعلم بحقه ( واستشهدوا ) أي وأشهدوا ( شهيدين ) أي شاهدين ( من رجالكم ) يعني الأحرار المسلمين دون العبيد والصبيان والكفار وهو قول أكثر أهل العلم وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد ( فإن لم يكونا رجلين ) أي لم يكن الشاهدان رجلين ( فرجل وامرأتان ) أي فليشهد رجل وامرأتان .

وأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت برجل وامرأتين واختلفوا في غير الأموال فذهب جماعة إلى أنه تجوز شهادتهن مع الرجال في غير العقوبات وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن ما يطلع عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها يثبت بشهادة رجل وامرأتين وبشهادة أربع نسوة واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة في العقوبات .

قوله تعالى : ( ممن ترضون من الشهداء ) يعني من كان مرضيا في ديانته وأمانته وشرائط [ قبول ] الشهادة سبعة : الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة فشهادة الكافر مردودة لأن المعروفين بالكذب عند الناس لا تجوز شهادتهم فالذي يكذب على الله تعالى أولى أن يكون مردود الشهادة وجوز أصحاب الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ولا تقبل شهادة العبيد وأجازها شريح وابن سيرين وهو قول أنس بن مالك رضي الله عنه ولا قول للمجنون حتى يكون له شهادة ولا تجوز شهادة الصبيان سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك؟

فقال : لا تجوز لأن الله تعالى يقول : " ممن ترضون من الشهداء " والعدالة شرط وهي أن يكون الشاهد مجتنبا للكبائر غير مصر على الصغائر والمروءة شرط وهي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة فإن كان الرجل يظهر من نفسه شيء منها ما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته وانتفاء التهمة شرط حتى لا تقبل شهادة العدو على العدو وإن كان مقبول الشهادة على غيره لأنه متهم في حق عدوه ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده وإن كان مقبول الشهادة عليهما ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه نفعا كالوارث يشهد على رجل يقتل مورثه أو يدفع عن نفسه بشهادته ضررا كالمشهود عليه يشهد بجرح من يشهد عليه لتمكن التهمة في شهادته .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان ، أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي ، أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام أخبرنا مروان الفزاري عن شيخ من أهل الحيرة يقال له يزيد بن زياد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها ترفعه " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولا القانع مع أهل البيت " .

قوله تعالى : ( أن تضل إحداهما ) قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف ( فتذكر ) برفع الراء ومعناه الجزاء والابتداء وموضع تضل جزم بالجزاء إلا أنه لا يتبين في التضعيف " فتذكر " رفع لأن ما بعد فاء الجزاء مبتدأ وقراءة العامة بفتح الألف ونصب الراء على الاتصال بالكلام الأول و " تضل " محله نصب بأن " فتذكر " منسوق عليه ومعنى الآية : فرجل وامرأتان كي تذكر ( إحداهما الأخرى ) ومعنى تضل أي تنسى يريد إذا نسيت إحداهما شهادتها تذكرها الأخرى فتقول : ألسنا حضرنا مجلس كذا وسمعنا كذا؟

قرأ ابن كثير وأهل البصرة : فتذكر مخففا وقرأ الباقون مشددا وذكر واذكر بمعنى واحد وهما متعديان من الذكر الذي هو ضد النسيان وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال : هو من الذكر أي تجعل إحداهما الأخرى ذكرا أي تصير شهادتهما كشهادة ذكر والأول أصح لأنه معطوف على النسيان .

قوله تعالى : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) قيل أراد به إذا ما دعوا لتحمل الشهادة سماهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء وهو أمر إيجاب عند بعضهم وقال قوم : تجب الإجابة إذا لم يكن غيره فإن وجد غيره ( فهو مخير ) وهو قول الحسن وقال قوم : هو أمر ندب وهو مخير في جميع الأحوال وقال بعضهم هذا في إقامة الشهادة وأدائها فمعنى الآية " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " لأداء الشهادة التي تحملوها وهو قول مجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ، وقال الشعبي : الشاهد بالخيار ما لم يشهد وقال الحسن : الآية في الأمرين جميعا في التحمل والإقامة إذا كان فارغا .

( ولا تسأموا ) أي ولا تملوا ( أن تكتبوه ) والهاء راجعة إلى الحق ( صغيرا ) كان الحق ( أو كبيرا ) قليلا كان أو كثيرا ( إلى أجله ) إلى محل الحق ( ذلكم ) أي الكتاب ( أقسط ) أعدل ( عند الله ) لأنه أمر به واتباع أمره أعدل من تركه ( وأقوم للشهادة ) لأن الكتابة تذكر الشهود ( وأدنى ) وأحرى وأقرب إلى ( ألا ترتابوا ) تشكوا في الشهادة ( إلا أن تكون تجارة حاضرة ) قرأهما عاصم بالنصب على خبر كان وأضمر الاسم مجازه : إلا أن تكون التجارة تجارة ( حاضرة ) أو المبايعة تجارة وقرأ الباقون بالرفع وله وجهان : أحدهما : أن تجعل الكون بمعنى الوقوع معناه إلا أن تقع تجارة .

والثاني : أن تجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل وهو قوله ( تديرونها بينكم ) تقديره إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم ومعنى الآية إلا أن تكون تجارة حاضرة يدا بيد تديرونها بينكم ليس فيها أجل ( فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ) يعني التجارة ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) قال الضحاك : هو عزم من الله تعالى والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره نقدا أو نسيئا وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : الأمر فيه إلى الأمانة لقوله تعالى " فإن أمن بعضكم بعضا " الآية وقال الآخرون هو أمر ندب .

قوله تعالى : ( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) هذا نهي للغائب وأصله يضارر فأدغمت إحدى الرائين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين واختلفوا فيه فمنهم من قال : أصله يضارر بكسر الراء الأولى وجعل الفعل للكاتب والشهيد معناه لا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب ولا الشهيد فيأبى أن يشهد ولا يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه ولا الشهيد فيشهد بما لم يستشهد عليه وهذا قول طاووس والحسن وقتادة وقال قوم : أصله يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين ومعناه أن يدعو الرجل الكاتب أو الشاهد وهما على شغل مهم فيقولان : نحن على شغل مهم فاطلب غيرنا فيقول الداعي : إن الله أمركما أن تجيبا ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما فنهى عن ذلك وأمر بطلب غيرهما ( وإن تفعلوا ) ما نهيتكم عنه من الضرر ( فإنه فسوق بكم ) أي معصية وخروج عن الأمر ( واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم» تعاملتم «بدين» كسلم وقرض «إلى أجل مسمى» معلوم «فاكتبوه» استيثاقا ودفعا للنزاع «وليكتب» كتاب الدين «بينكم كاتب بالعدل» بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص «ولا يأب» يمتنع «كاتب» من «أن يكتب» إذا دُعي إليها «كما علَّمه الله» أي فضله بالكتابة فلا يبخل بها والكاف متعلقة بيأب «فليكتب» تأكيد «وليملل» على الكاتب «الذي عليه الحق» الدين لأنه المشهود عليه فيقر ليعلم ما عليه «وليتق الله ربه» في إملائه «ولا يبخس» ينقص «منه» أي الحق «شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها» مبذرا «أو ضعيفا» عن الإملاء لصغر أو كبر «أو لا يستطيع أن يُملَّ هو» لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك «فَلْيُمْلِلْ وليُّه» متولي أمره من والد ووصي وقيِّم ومترجم «بالعدل واستشهدوا» أشهدوا على الدَّين «شهيدين» شاهدين «من رجالكم» أي بالغي المسلمين الأحرار «فإن لم يكونا» أي الشهيدان «رجلين فرجل وامرأتان» يشهدون «ممن ترضون من الشهداء» لدينه وعدالته وتعدد النساء لأجل «أن تضل» تنسى «إحداهما» الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن «فَتُذكِّرَ» بالتخفيف والتشديد «إحداهما» الذاكرة «الأخرى» الناسية وجملة الإذكار محل العلة أي لتذكر أن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سببه وفي قراءة بكسر أن شرطية ورفع تذكر استئناف جوابه «ولا يأب الشهداء إذا ما» زائدة «دُعوا» إلى تحمل الشهادة وأدائها «ولا تسأموا» تملوا من «أن تكتبوه» أي ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوع ذلك «صغيرا» كان «أو كبيرا» قليلا أو كثيرا «إلى أجله» وقت حلوله حال من الهاء في تكتبوه «ذلكم» أي الكتب «أقسط» أعدل «عند الله وأقوم للشهادة» أي أعون على إقامتها لأنه يذكرها «وأدنى» اقرب إلى «أ» ن «لا ترتابوا» تشكوا في قدر الحق والأجل «إلا أن تكون» تقع «تجارةٌ حاضرةٌ» وفي قراءة بالنصب فتكون ناقصة واسمها ضمير التجارة «تديرونها بينكم» أي تقبضونها ولا أجل فيها «فليس عليكم جُناح» في «ألا تكتبوها» والمراد بها المتجر فيه «وأشهدوا إذا تبايعتم» عليه فأنه أدفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب «ولا يُضارّ كاتب ولا شهيد» صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفها ما لا يليق في الكتابة والشهادة «وإن تفعلوا» ما نُهيتم عنه «فإنه فسوق» خروج عن الطاعة لاحق «بكم واتقوا الله» في أمره ونهيه «ويعلمكم الله» مصالح أموركم حال مقدرة أو مستأنف «والله بكل شيء عليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إذا تعاملتم بدَيْن إلى وقت معلوم فاكتبوه؛ حفظًا للمال ودفعًا للنزاع.

ولْيقُم بالكتابة رجل أمين ضابط، ولا يمتنع مَن علَّمه الله الكتابة عن ذلك، ولْيقم المدين بإملاء ما عليه من الدَّيْن، وليراقب ربه، ولا ينقص من دينه شيئا.

فإن كان المدين محجورًا عليه لتبذيره وإسرافه، أو كان صغيرًا أو مجنونًا، أو لا يستطيع النطق لخرس به أو عدم قدرة كاملة على الكلام، فليتولَّ الإملاء عن المدين القائم بأمره، واطلبوا شهادة رجلين مسلمَيْن بالِغَيْن عاقلَيْن من أهل العدالة.

فإن لم يوجد رجلان، فاطلبوا شهادة رجل وامرأتين ترضون شهادتهم، حتى إذا نَسِيَتْ إحداهما ذكَّرتها الأخرى، وعلى الشهداء أن يجيبوا مَن دعاهم إلى الشهادة، وعليهم أداؤها إذا ما دعوا إليها، ولا تَمَلُّوا من كتابة الدَّين قليلا أو كثيرًا إلى وقته المعلوم.

ذلكم أعدل في شرع الله وهديه، وأعظم عونًا على إقامة الشهادة وأدائها، وأقرب إلى نفي الشك في جنس الدَّين وقدره وأجله.

لكن إن كانت المسألة مسألة بيع وشراء، بأخذ سلعة ودفع ثمنها في الحال، فلا حاجة إلى الكتابة، ويستحب الإشهاد على ذلك منعًا للنزاع والشقاق، ومن الواجب على الشاهد والكاتب أداء الشهادة على وجهها والكتابة كما أمر الله.

ولا يجوز لصاحب الحق ومَن عليه الحق الإضرار بالكُتَّاب والشهود، وكذلك لا يجوز للكُتَّاب والشهود أن يضارُّوا بمن احتاج إلى كتابتهم أو شهادتهم، وإن تفعلوا ما نهيتم عنه فإنه خروج عن طاعة الله، وعاقبة ذلك حالَّة بكم.

وخافوا الله في جميع ما أمركم به، ونهاكم عنه، ويعلمكم الله جميع ما يصلح دنياكم وأخراكم.

والله بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء من أموركم، وسيجازيكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال ابن كثير : قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه ) هذا إرشاد منه - تعالى - لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها ، وقد نبه على ذلك في آخر الآية حيث قال : ( ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وأدنى أَلاَّ ترتابوا ) وروى البخاري عن ابن عباس أنه قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله وأذن فيه ثم قرأ ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم ) .

الآية .

وثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " .ومعنى ( تَدَايَنتُم ) : تعاملتم بالدين وداين بعضكم بعضا .

وحقيقة الدين - كما يقول القرطبي - " عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً والآخر في الذمة نسيئة ، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا ، والدين ما كان غائبا " .والأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد ، وأجل الإِنسان هو الوقت المحدد لانقضاء عمره .

وأجل الدين هو الوقت المعين لأدائه في المستقبل .

وأصله من التأخير ، يقال : أجل الشيء يأجل إذا تأخر والآجل نقيض العاجل .والمعنى : يأيها الذين آمنوا إذا عامل بعضكم بعضا بالدين إلى وقت معين فاكتبوا هذا الدين ، لأن في هذه الكتابة حفظاً له ، وضبطاً لمقداره ، ومنعاً للتنازع من أن يقع بينكم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : إذا تدانيتم إلى أجل مسمى ، وأي حاجة إلى ذكر الدين؟

قلت : ذكر - لفظ الدين - ليرجع الضمير إليه في قوله : ( فاكتبوه ) إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن النظم بذلك الحسن ، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال .

فإن قلت : ما فائدة قوله : ( مُّسَمًّى ) قلت : ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام .

ولو قال : إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية " .وجمهور العلماء على أن الأمر في قوله " فاكتبوه " للندب ، ولأن الله - تعالى - قد قال بعد ذلك ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ ) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم الدائنين بكتابه ديونهم ، ولا المدنيني بأن يكتبوها .وقال الظاهرية : إن الأمر هنا للوجوب ، ومن لم يفعل ذلك كان آتماً ، لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب .

.وقوله : ( وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل ) بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين من يتولاها عقب الأمر بها على سبيل الإِجمال .أي : عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين ، وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده فقهها وعلمها ، بأن يكون على معرفة بشروط العقود وتوثيقها ، وما يكون من الشروط موافقاً لشريعة الإِسلام وما يكون منها غير موافق ، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع الدائن والمدين في كتابته ، لأن الله - تعالى - يقول : ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ) فالجملة الكريمة تحض المتعاملين بالدين أن يختاروا لكتابته شخصاً تتوفر فيه إجادة الكتابة ، والخبرة بشروط العقود وتوثيقها ، كما تتوفر فيه الاستقامة وتحري الحق .

ومفعول ( يكتب ) محذوف ثقة بانفهامه أي وليكتب بينكم الكتابة كاتب بالعدل .

والتقييد بالظرف بينكم للإِيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه بأن ينفرد به أحد المتعاقدين ، لأن في هذا الانفراد تهمة يجب أن يربأ بنفسه عنها .والجار والمجرور وهو ( بالعدل ) متعلق بمحذوف صفة لكاتب أي : وليكن المتصدي للكتابة من شأنه أن يكتب بالسوية من غير ميل إلى أحد الجانبين .

أو متعلق بالفعل يكتب .

أي : وليكتب بالحق .ثم نهى الله - تعالى - من كان قادراً على الكتابة عن الامتناع متى دعى إليها فقال :( وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ ) .أي : ولا يمتنع كاتب من أن يكتب للمتداينين ديونهما بالطريقة التي علمه الله إياها أن يتحرى بالعدل والحق في كتابته ، وأن يلتزم فيها ما تقتضيه أحكام الشريعة الإِسلامية .فالكاف في قوله - تعالى - : ( كَمَا عَلَّمَهُ الله ) نعت لمصدر محذوف والتقدير : فليكتب كتابة مثل ما علمه الله - تعالى - بمعنى أن يلتزم الحق والعدل فيها .ويجوز أن تكون الكاف للتعليل فيكون المعنى : لا يمتنع عن الكتابة لأنه كما علمه الله إياها ويسرها له ونفعه بها ، فعليه أن ينفع غيره بها ، فهو كقوله - تعالى - : ( وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ) وفي الحديث الشريف " إن من الصدقة أن تعين صانعاً أو تصنع لأخرق " وفي حديث آخر : " من كتم علماً يعلمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " .وقوله : ( فليكتب ) تفريع على قوله " ولا يأب كاتب " أي : فليكتب الكتابة التي علمه الله إياها فهو توكيد للأمر المستفاد من قوله : ( وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ ) .

ويجوز أن يكون توكيداً للأمر الصريح في قوله : ( وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل ) .قال القرطبي : واختلف الناس في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد .

فقال الطبريك : واجب على الكاتب إذا أمر أن يكتب .

وقال الحسن : ذلك واجب عليه في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع ، فإن كان كذلك فهو فريضة ، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام بها غيره " .وإلى هنا تكون الآية الكريمة قد قررت مبدأ الكتابة في الدين ، وبينت كيفية الكتابة ، وأشارت إلى إجادة الكاتب لها ، ونهته عن الامتناع عنها إذا دعى إليها .

ثم انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيان من يتولى الإِملاء فقال - تعالى - : ( وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ) .والإِملالل معناه الإِملاء .

فهما لغتان معناهما واحد .

وقد جاء القرآن باللغتين قال - تعالى - : ( وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) أي : وعلى المدين الذي عليه الدين وقد التزم بأدائه أن يمل على الكاتب هذا الدين ، وذلك ليكون إملاؤه إقراراً به وبالحقوق التي عليه الوفاء بها .

وعليه كذلك أن يراقب الله - تعالى - في إملائه فلا ينقص من الدين الذي عليه شيئاً ، لأن هذا الإِنقاص ظلم حرمه الله - تعالى - .وقد أمر الله - تعالى - بأن يكون الذي يملي على الكاتب هو المدين لأنه هو المكلف بأداء مضمون الكتابة ، ولأنه بإملائه يكون قد أقر على نفسه بما عليه ، ولأنه لو أفلس الدائن فربما يزيد في الدين ، أو يملي شيئاً ليس محل اتفاق بينه وبين المدين ، ولأن المدين في الغالب في موقف ضعيف فأعطاه الله - تعالى - حق الإِملاء على الكاتب حتى لا يغبن من الدائن .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مكن المدين من الإِملاء على الكاتب حتى تكون الكتابة تحت سمعه وبصره وباختياره ، ولكنه في الوقت نفسه أوجب عليه أمرين : تقوى الله وعدم الانقاص من الدين الذي عليه ، وإن ذلك لتشريع عادل حكيم لا ظلم فيه لا للدائن ولا للمدين .ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا كان الذي عليه الدين لا يحسن الإِملاء فقال - تعالى - : ( فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق ) وهو المدين ( سَفِيهاً ) أي جاهلا بالإِملاء أو ناقص العقل ، أو متلافاً مبذراً لا يحسن تدبير أمره " .( أَوْ ضَعِيفاً ) بأن يكون صبياً أو شيخاً تقدمتبه الشيخوخة .( أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ ) بأن يكون عيياً أو أخرس أو لا خبرة له بإملاء أمثال هذه المكاتبات .( فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل ) أي فعلى ولي أمره أو من يهمه شأنه ولا يرضى له أن يضيع حقه أن يتولى الإِملاء الحق والعدل فيما يكلف به .وبعد هذا البيان الحكيم عن الكتابة وأحكامها في شأن الديون ، انتقل القرآن إلى الحديث عن الإِشهاد فقال - تعالى - : ( واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ) أي : اطلبوا شاهدين عدلين من الرجال ليشهدوا على ما يجري بينكم من معاملات مؤجلة ، لأن هذا الإِشهاد يعطي الديون والكتابة توثيقاً وتثبيتاً ، والسين التاء في قوله : " واستشهدوا " للطلب .قال الآلوسي : " وفي اختيار صيغة المبالغة في ( شَهِيدَيْنِ ) للإِيماء إلى من تكررت منه الشهادة ، فهو علام بها مقتدر على أدائها وكأن فيه رمزاً إلى العدالة ، لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم ولعله لم يقل رجلين لذلك .

والأمر للندب أو للوجوب على الخلاف على ذلك .وقوله : ( مِّن رِّجَالِكُمْ ) متعلق بقوله : ( واستشهدوا ) ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف صفة لشهيدين ومن للتبعيض ، أي من رجالكم المسلمين الأحرار فإن الكلام في معاملتهم .ثم بين - سبحانه - الحكم إذا لم يتيسر شاهدان من الرجال فقال : ( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء ) .وقوله : ( مِمَّن تَرْضَوْنَ ) متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجل وامرأتان .

أي فإن لم يتيسر رجلان للشهادة فليشهد رجل وامرأتان كائنون مرضيون عندكم بعدالتهم .وهذا الوصف وإن كان في جميع الشهود إلا أنه ذكر هنا للتشديد في اعتباره ، لأن اتصاف النساء به قد لا يتوفر كثيراً .وقوله : ( مِنَ الشهدآء ) متلعق بمحذوف حال من الضمير المفعول المقدر في ( تَرْضَوْنَ ) العائد إلى الموصول : أي فليشهد رجل وامرأتان ممن ترضونهم حال كونهم من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم ، وثقتكم بهم .وقوله - تعالى - : ( مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء ) أدق في الدالالة على صدق الشهادة من العدالة ، لأن الإِنسان العدل قد يكون مرضياً في دينه وخلقه ولكنه قد يتأثر بالمشاهد المؤثرة فتخونه ذاكرته في وقت الحاجة إليها ، أو قد يكون ممن يمنعه منصبه وجاهه ومقامه في الناس من الكذب إلا أنه قد يرتكب بعض المعاصي ، فجاء - سبحانه - بهذه الجملة الحكيمة لكي يقول للناس .

اختاروا الشهداء من الذين يرتضي قولهم ، ويقيمون الشهادة على وجهها الحق بدون التأثر بأي نوع من أنواع المؤثرات .هذا ، وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شيء إلا الحدود والقصاص .

وعند المالكية تجوز في الأموال وتوابعها خاصة ، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة .ثم بين - سبحانه - العلة في أن المرأتين تقومان مقام الرجل في الشهادة فقال : ( أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى ) .وقال القرطبي : معنى تضل تنسي ، والضلال عن الشهادة فإنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء ، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضلالا " .والمعنى : جعلنا المرأتين بدل رجل واحد في الشهادة ، خشية أن تنسى إحداهما فتذكر كل واحدة منهما الأخرى : إذ المرأة لقوة عاطفتها ، وشدة انفعالها بالحوادث ، قد تتوهم ما لم تر ، فكان من الحكمة أن يكون مع المرأة أخرى في الشهادة بحيث يتذكران الحق فيما بينهما .والعلة في الحقيقة هي التذكير ، ولكن الضلال لما كان سبباص في التذكير ، نزل منزلة العلة .وذلك كأن تقول : أعددت السلاح خشية أن يجيء العدو فأدفعه ، فإن العلة هي الدفاع عن النفس ، ولكن لما كان مجئ العدو سبباً فيه نزل منزلته .وكما أمر الله - سبحانه - الكتاب في أول الآية بعدم الامتناع عن الكتابة أمر الشهود أيضاً بعدم الامتناع عن الشهادة فقال - تعالى - : ( وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ ) أي : ولا يمتنع الشهود عن أداء الشهادة وتحملها متى دعوا إليها ، لأن الامتناع عن تحمل الشهادة وأدائها قد يؤدي إلى ضياع الحقوق .

والله - تعالى - قد شرع الشهادة لإِحقاق الحق ، ونشر العدل بين الناس ، فعلى من اشتهروا بالعدالة ووثق الناس بهم أن يؤدوا الشهادة كما أمرهم الله - تعالى- .ثم أمر - سبحانه - بكتابه الدين سواء أكبر الدين أم صغر فقال : ( وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ ) .السأم : الضجر والملل .

يقال : سئمت الشيء أسأمه وسآمة أي مللته وضجرته .والمعنى : وعليكم أيها المؤمنون أن لا تملوا من كتابة الدين إلى الوقت المحدد له سواء أكان هذا الدين كبيراً أم صغيراً ، لأن الكتابة في الحالتين أدعى إلى حفظ الحقوق وصيانتها ، وإلى عدم نشوب التنازع أو التخاصم بينكم ، ولأن الدين قد يكون صغيراً في نظر الغني المليء ، إلا أنه كبير في نظر الفقير المعسر ، ولأن التهاون في شأن الدين الصغير قد يؤدي إلى التهاون في شأن الدين الكبير ، لذا وجب عليكم أن تنقادوا لشرع الله وأن تكتبوا ما بينكم من ديون .والضمير في قوله : ( أَن تَكْتُبُوهُ ) يعود إلى الدين أو إلى الحق ، وقولهك ( صَغِيراً أَو كَبِيراً ) حالان من الضمير .

أي لا تسأموا أن تكتبوه على كل حال قليلا أو كثيراً ، وقدم الصغير على الكبير اهتماما به وانتقالا من الأدنى إلى الأعلى .ثم بين - سبحانه - ثلاث فوائد تعود عليهم إذا ما امتثلوا ما أمرهم الله - تعالى - به ، فقال : ( ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله ) .واسم الإِشارة ( ذَلِكُمْ ) يعود إلى كل ما سبق ذكره في الآية من الكتابة والإِشهاد ومن عدم الامتناع عنهما ، ومن تحرى الحق والعدل .و ( أَقْسَطُ ) بمعنى أعدل : يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطاً إذا عدل فهو مقسط .قال - تعالى - : ( إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) ويقال : هو قاسط إذا جار وظلم .

قال - تعالى - : ( وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ) أي : ذلكم الذي شرعناه لكم في أمر الديون من لكتابة والإِشهاد وغيرهما أعدل في علم الله - تعالى - ، وكل ما كان كذلك فهو الأعدل والأفضل والأحكم في ذاته ، لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما فيه مصلحتكم فاستجيبوا له ، وتلك هي الفائدة الأولى .أما الفائدة الثانية فهي قوله - سبحانه - : ( وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ ) ومعنى ( وَأَقْومُ ) أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج .أي : أثبت لها وأعون على إقامتها وأدائها .وأما الفائدة الثالثة فهي قوله : ( وأدنى أَلاَّ ترتابوا ) أي : أقرب إلى زوال الشك والريبة أي أن الأوامر والنواهي السابقة إذا نفذت على وجهها كان تنفيذها أعدل في علم الله - تعالى - وأعون على إقامة الشهادة إذ بها يتم الاعتماد على الحفظ ، وأقرب إلى عدم الشك في جنس الدين وقدره وأجله ، وإذا توفرت هذه الفوائد الثلاث في المعاملات ساد الوفاق والتعاون بين الناس ، أما إذا فقدت فإن الثقة تزول من بينهم ، ويحل محلها النزاع والشقاق .ثم أباح - سبحانه - في التجارة الحاضرة عدم الكتابة فقال : ( إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ) .والتجارة الحاضرة التي تدور بين التجار : هي التي تجري فيها التقابض في المجلس أو التي يتأخر فيها الأداء زمنا يسيرا .

وسميت حاضرة ، لأن المبيع والثمن كلاهما حاضر .والمعنى : أن الله - تعالى - يأمركم بكتابة الديون وبالإِشهاد عليها إلا أنه - سبحانه - رحمة بكم أباح لكم عدم الكتابة في التجارة الحاضرة التي تكثرون إدارتها والتعامل فيها ، لأنه لو كلفكم بذلك لشق الأمر عليكم ، وهو - سبحانه - ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) ولأن أمثال هذه التجارات التي يحصل فيها التقابض ويكثر تكرارها ، لا يتوقع فيها التنازع أن أو النسيان .والاستثناء هنا منقطع لأنه ليس هناك دين حتى يكتب ، وليست التجارة الحاضرة من جنس التعامل بالديون فكأنه قيل : إذا تداينتم فتكاتبوا وأشهدوا لكن التجارة الحاضرة التي يجري فيها التقابض لا جناح عليكم في عدم كتابتها .وقيل : الاستثناء متصل والجملة المستثناة في موضع نصب لأنه استثناء من الجنس ، لأنه أمر بالكتابة في كل معاملة واستثنى منها التجارة الحاضرة والتقدير : آمركم بالكتابة والإِشهاد فثي كل معاملة إلا في حال حضور التجارة فلا بأس من ترك الكتابة .

( تِجَارَةً ) قرأها الجمهور بالرفع على أنها اسم تكون ، والخبر جملة ( تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ) .

أو على أنها فاعل تكون إذا اعتبرناها تامة .وقرأها عاصم بالنصب على أنها خبر تكون واسمها ضمير مستتر فيها يعود على التجارة .أي : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة .وقوله - تعالى - : ( وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ) أمر منه - سبحانه - بالإِشهاد عند البيع ، وهذا الأمر للإِرشاد والتعليم عند جمهور العلماء .

ويرى الظاهرية أنه للوجوب .قال صاحب الكشاف : هذا أمر بالإِشهاد على التتابع مطلقا ناجزاً أو كالئا - أي مؤجلا - لأنه أحوط وأبعد مما عسى يعق من الاختلاف .

ويجوز أن يراد : وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع .

يعني التجارة الحاضرة على أن الإِشهاد كاف فيه دون الكتابة ، وعن الضحاك : هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل .ثم نهى - سبحانه - عن المضارة فقال : ( وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ) .والمضارة : إدخال الضرر .

والفعل ( يضار ) يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل ، وأن أصله " لا يضارر - بكسر الراء - ويحتمل أن يكون مبنيا للمفعول .

وأن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى .والمعنى على الأولى : نهى الكاتب والشاهد عن أن ينزلا ضرراص بأحد المتعاقدين ، بأن يبخس الكاتب أحدهما ، أو يشهد بغير الحق .والمعنى على الثاني : وهو الظاهر - نهى الدائن والمدين عن أن ينزل أحدهما ضرراً بالكاتب أو الشاهد لحملهما على كتابة غير الحق أو قول غير الحق ، فإنهما أمينان ، والإِضرار بهما قد يحملهما على الخيانة وفي ذلك ضياع للأمانة وذهاب للثقة .

ولذا قال - تعالى - بعد ذلك ( وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ) .أي : وإن تفعلوا ما نهيتم عنه أو تخالفوا ما أمرتم به ، فإنكم بذلك تكونون قد خرجتم عن طاعة الله ، وتلبستم بمعصيته ، وصرت مأهلا لعقوبته ، فعليكم أن تقفوا عند حدود الله حتى تتحقق لكم السعادة في دينكم ودنياكم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بخشيته .

وبتذكيرهم بنعمه فقال : ( واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .أي : واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه ، فهو - سبحانه - الذي يعلمكم ما يصلح لكم أمر دنياكم وما يصلح لكم أمر دينكم متى اتقيتموه واستجبتم له ، وهو - سبحانه - بكل شيء عليم لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .وبعد : فهذه هي آية الدين التي هي أطول آية في القرآن ، تقرؤها فتراها قد اشتملت على أدق التشريعات ، وأحكم التوجيهات ، وأنجع الإِرشادات التي تهدي إلى حفظ الحقوق وضبطها وتوثيقها بمختلف الوسائل .تقرؤها فترى الدقة العجيبة في الصياغة بأن وضع كل لفظ في مكانه المناسب ، وترى الطلاوة في التعبير ، والعذوبة في الألفاظ بحيث لا تطغى دقة الصياغة على جمال العرض .وترى الوفاء الكامل ، لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام من كل المؤثرات التي قد تؤثر على سلامة التعاقد ، والإِرشاد الجامع إلى كل ما يضمن وصول الحق والعدل إلى جميع الأطراف بدون محاباة أو غبن .وترى قبل ذلك وبعد ذلك كيف يسوق القرآن تشريعاته بطريقة تغرس في النفوس الخوف من الله - تعالى - والمراقبة له ، والاستجابة لأوامره ، لا كطريقة البشر في قوانينهم التي صاغوها في قوالب صماء من الألفاظ لا تشعر معها بتأثير في النفس ، ولا باهتزاز في القلب .ولو لم يكن في شريعة الله سوى هذا التأثير الذي تشعر به النفوس النقية الصافية عند تدبرها لكفاها ذلك دليلا على سموها وفضلها وعلى أنها من صنع الله - تعالى - ولو أن المسلمين أخذوا بها وبتوجيهاتها في سائر شئونهم لظفروا بالسعادتين : الدينية والدنيوية .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن في كيفية النظم وجهين: الأول: أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما: الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال والثاني: ترك الربا، وهو أيضاً سبب لتنقيص المال، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم، فقال: ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ﴾ والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله، وعلى ترك الربا، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا عند حصول المال، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف، وقد ورد نظيره في سورة النساء ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما  ﴾ فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد، قال القفال رحمه الله تعالى: والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد، ألا ترى أنه قال: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه ﴾ ثم قال ثانياً: ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل ﴾ ثم قال ثالثاً: ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ فكان هذا كالتكرار لقوله: ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل ﴾ لأن العدل هو ما علمه الله، ثم قال رابعاً: ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ وهذا إعادة الأمر الأول، ثم قال خامساً: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق ﴾ وفي قوله: ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل ﴾ كفاية عن قوله: ﴿ وَلْيُمْلِلْ الذي عَلَيْهِ الحق ﴾ لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادساً: ﴿ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ﴾ وهذا تأكيد، ثم قال سابعاً: ﴿ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ فهذا كالمستفاد من قوله: ﴿ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ﴾ ثم قال ثامناً: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ﴾ وهو أيضاً تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعاً: ﴿ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى أَلاّ تَرْتَابُواْ ﴾ فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة، وكل ذلك يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الانفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم، وهو حسن لطيف.

والوجه الثاني: أن قوماً من المفسرين قالوا: المراد بالمداينة السلم، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم، ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضعه الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً فهذا ما يتعلق بوجه النظم.

المسألة الثانية: التداين تفاعل من الدين، ومعناه داين بعضكم بعضاً، وتداينتم تبايعتم بدين، قال أهل اللغة: القرض غير الدين، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم، أو دنانير، أو حباً، أو تمراً، أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز فيه الأجل والدين يجوز فيه الأجل، ويقال من الدين أدان إذا باع سلعته بثمن إلى أجل، ودان يدين إذا أقرض، ودان إذا استقرض وأنشد الأحمر: ندين ويقضي الله عنا وقد نرى *** مصارع قوم لا يدينون ضيقا إذا عرفت هذا فنقول: في المراد بهذه المداينة أقوال: قال ابن عباس: أنها نزلت في السلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال صلى الله عليه وسلم: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه الاحتياط في الكيل والوزن والأجل، فقال: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه ﴾ .

والقول الثاني: أنه القرض وهو ضعيف لما بينا أن القرض لا يمكن أن يشترط فيه الأجل والدين المذكور في الآية قد اشترط فيه الأجل.

والقول الثالث: وهو قول أكثر المفسرين: أن البياعات على أربعة أوجه: أحدها: بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة ألبتة والثاني: بيع الدين بالدين وهو باطل، فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية، بقي هنا قسمان: بيع العين بالدين، وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: المداينة مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين، وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق.

والجواب: أن المراد من تداينتم تعاملتم، والتقدير: إذا تعاملتم بما فيه دين.

السؤال الثاني: قوله: ﴿ تَدَايَنتُم ﴾ يدل على الدين فما الفائدة بقوله: ﴿ بِدَيْنٍ ﴾ .

الجواب من وجوه: الأول: قال ابن الأنباري: التداين يكون لمعنيين أحدهما: التداين بالمال، والآخر التداين بمعنى المجازاة، من قولهم: كما تدين تدان، والدين الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتخصيص أحد المعنيين الثاني: قال صاحب الكشاف: إنما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن الثالث: أنه تعالى ذكره للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ  ﴾ [ص: 73] ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  ﴾ الرابع: فإذا تداينتم أي دين كان صغيراً أو كبيراً، على أي وجه كان، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس: ما خطر ببالي أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل، فلو قال: إذا تداينتم لبقي النص مقصوراً على بيع الدين بالدين وهو باطل، أما لما قال: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ كان المعنى: إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين، ويبقى بيع العين بالدين، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير.

السؤال الثالث: المراد من الآية: كلما تداينتم بدين فاكتبوه، وكلمة ﴿ إِذَا ﴾ لا تفيد العموم فلم قال: ﴿ تَدَايَنتُم ﴾ ولم يقل كلما تداينتم.

الجواب: أن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ وإن كانت لا تقتضي العموم، إلا أنها لا تمنع من العموم وهاهنا قام الدليل على أن المراد هو العموم، لأنه تعالى بيّن العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية، وهو قوله: ﴿ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى ألاّ تَرْتَابُواْ ﴾ والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ولم يكتب، فالظاهر أنه تنسى الكيفية، فربما توهم الزيادة، فطلب الزيادة وهو ظلم، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دلّ النص على أن هذا هو العلة، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل، كان الحكم أيضاً حاصلاً في الكل.

أما قوله تعالى: ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: ما الأجل؟.

الجواب: الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل، وأصله من التأخير، يقال: أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر، والآجل نقيض العاجل.

السؤال الثاني: المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر المداينة؟.

الجواب: إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله: ﴿ مُّسَمًّى ﴾ والفائدة في قوله: ﴿ مُّسَمًّى ﴾ ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد، أو إلى الدِّياس، أو إلى قدوم الحاج، لم يجز لعدم التسمية.

أما قوله تعالى: ﴿ فاكتبوه ﴾ فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين أحدهما: الكتبة وهي قوله هاهنا ﴿ فاكتبوه ﴾ الثاني: الإشهاد وهو قوله: ﴿ فاستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: فائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان، ويدخل فيه الجحد، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين، فلما حصل في الكتابة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به، والله أعلم.

المسألة الثانية: القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل، وقال آخرون: هذا الأمر محمول على الندب، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: بعثت بالحنيفية السهلة السمحة وقال قوم: بل كانت واجبة، إلا أن ذلك صار منسوخاً بقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أمانته  ﴾ وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة، وقال التيمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد، ألا تسمع قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا ﴾ واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين: الشرط الأول: أن يكون الكاتب عدلاً وهو قوله: ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل ﴾ واعلم أن قوله تعالى: ﴿ فاكتبوه ﴾ ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب، لكن ذلك غير ممكن، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتباً، فصار معنى قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ أي لابد من حصول هذه الكتبة، وهو كقوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء  ﴾ فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لابد من حصول قطع اليد من إنسان واحد، إما الإمام أو نائبه أو المولى، فكذا هاهنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى: ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل ﴾ فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان.

أما قوله: ﴿ بالعدل ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن يكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص منه، ويكتبه بحيث يصلح أن يكون حجة له عند الحاجة إليه الثاني: إذا كان فقيهاً وجب أن يكتب بحيث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، بل لابد وأن يكتبه بحيث يكون كل واحد من الخصمين آمنا من تمكن الآخر من إبطال حقه الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين أهل العلم ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على مذهب بعض المجتهدين الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد بها، وهذه الأمور التي ذكرناها لا يمكن رعايتها إلا إذا كان الكاتب فقيهاً عارفاً بمذاهب المجتهدين، وأن يكون أديباً مميزاً بين الألفاظ المتشابهة، ثم قال: ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر هذا الكلام نهى لكل من كان كاتباً عن الامتناع عن الكتبة، وإيجاب الكتبة على كل من كان كاتباً، وفيه وجوه: الأول: أن هذا على سبيل الارشاد إلى الأولى لا على سبيل الإيجاب، والمعنى أن الله تعالى لما علمه الكتبة، وشرّفه بمعرفة الأحكام الشرعية، فالأولى أن يكتب تحصيلاً لمهم أخيه المسلم شكراً لتلك النعمة، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ  ﴾ فإنه ينتفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها.

والقول الثاني: وهو قول الشعبي: أنه فرض كفاية، فإن لم يجد أحداً يكتب إلا ذلك الواحد وجب الكتبة عليه، فإن وجد أقواماً كان الواجب على واحد منهم أن يكتب.

والقول الثالث: أن هذا كان واجباً على الكاتب، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ .

والقول الرابع: أن متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله، يعني أن بتقدير أن يكتب فالواجب أن يكتب على ما علمه الله، وأن لا يخل بشرط من الشرائط، ولا يدرج فيه قيداً يخل بمقصود الإنسان، وذلك لأنه لو كتبه من غير مراعاة هذه الشروط اختل مقصود الإنسان، وضاع ماله، فكأنه قيل له: إن كنت تكتب فاكتبه عن العدل، واعتبار كل الشرائط التي اعتبرها الله تعالى.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ فيه احتمالان الأول: أن يكون متعلقاً بما قبله، ولا يأب كاتب عن الكتابة التي علمه الله إياها، ولا ينبغي أن يكتب غير الكتابة التي علمه الله إياها ثم قال بعد ذلك: فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله إياها.

والاحتمال الثاني: أن يكون متعلقاً بما بعده، والتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب، وهاهنا تم الكلام، ثم قال بعده ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ ﴾ فيكون الأول أمراً بالكتابة مطلقاً ثم أردفه بالأمر بالكتابة التي علمه الله إياها، والوجهان ذكرهما الزجاج.

الشرط الثاني في الكتابة: قوله تعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق ﴾ وفيه مسألتان؛ المسألة الأولى: أن الكتابة وإن وجب أن يُختارَ لها العالمُ بكيفية كَتْب الشروط والسجلات لكن ذلك لا يتم إلا بإملاء من عليه الحق فليدخل في جملة إملائه اعترافه بما عليه من الحق في قدره وجنسه وصفته وأجله إلى غير ذلك، فلأجل ذلك قال تعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق ﴾ .

المسألة الثانية: الأملال والإملاء لغتان، قال الفرّاء: أمللت عليه الكتاب لغة أهل الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة تميم وقيس، ونزل القرآن باللغتين قال تعالى في اللغة الثانية: ﴿ فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً  ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ وهذا أمر لهذا المملى الذي عليه الحق بأن يقر بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل ﴾ والمعنى أن من عليه الدين إذا لم يكن إقراره معتبراً فالمعتبر هو إقرار وليّه.

ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: إدخال حرف ﴿ أَوْ ﴾ بين هذه الألفاظ الثلاثة، أعني السفيه، والضعيف، ومن لا يستطيع أن يمل يقتضي كونها أموراً متغايرة، لأن معناه أن الذي عليه الحق إذا كان موصوفاً بإحدى هذه الصفات الثلاث فليملل وليه بالعدل، فيجب في الثلاثة أن تكون متغايرة، وإذا ثبت هذا وجب حمل السفيه على الضعيف الرأي ناقص العقل من البالغين، والضعيف على الصغير والمجنون والشيخ الخرف، وهم الذين فقدوا العقل بالكلية، والذي لا يستطيع لأن يمل من يضعف لسانه عن الإملاء لخرس، أو جهله بماله وما عليه، فكل هؤلاء لا يصح منهم الإملاء والإقرار، فلابد من أن يقوم غيرهم مقامهم، فقال تعالى: ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل ﴾ والمراد ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة، لأن ولي المحجور السفيه، وولي الصبي: هو الذي يقر عليه بالدين، كما يقرب بسائر أموره، وهذا هو القول الصحيح، وقال ابن عباس ومقاتل والربيع: المراد بوليه ولي الدين يعني أن الذي له الدين يملي وهذا بعيد، لأنه كيف يقبل قول المدعي، وإن كان قوله معتبراً، فأي حاجة بنا إلى الكتابة والإشهاد.

النوع الثاني: من الأمور التي اعتبرها الله تعالى في المداينة الإشهاد، وهو قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ واعلم أن المقصود من الكتابة هو الاستشهاد لكي يتمكن بالشهود عند الجحود من التوصل إلى تحصيل الحق، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ استشهدوا ﴾ أي أشهدوا يقال: أشهدت الرجل واستشهدته، بمعنى: والشهيدان هما الشاهدان، فعيل بمعنى فاعل.

المسألة الثانية: الإضافة في قوله: ﴿ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ فيه وجوه: الأول: يعني من أهل ملتكم وهم المسلمون والثاني: قال بعضهم: يعني الأحرار والثالث: ﴿ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ الذين تعتدونهم للشهادة بسبب العدالة.

المسألة الثالثة: شرائط الشهادة كثيرة مذكورة في كتب الفقه، ونذكر هاهنا مسألة واحدة وهي أن عند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبد، وعند الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لا تجوز، حجة شريح أن قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ عام يتناول العبيد وغيرهم، والمعنى المستفاد من النص أيضاً دال عليه، وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب، فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعي، فصار ذلك سبباً في إحياء حقه، والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب الحرية والرق، فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة، حجة الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ فهذا يقتضي أنه يجب على كل من كان شاهداً الذهاب إلى موضع أداء الشهادة، ويحرم عليه عدم الذهاب إلى أداء الشهادة، فلما دلّت الآية على أن كل من كان شاهداً وجب عليه الذهاب والإجماع دل على أن العبد لا يجب عليه الذهاب، فوجب أن لا يكون العبد شاهداً، وهذا الاستدلال حسن.

وأما قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ فقد بينا أن منهم من قال: واستشهدوا شهيدين من رجالكم الذين تعتدونهم لأداء الشهادة، وعلى هذا التقدير فلم قلتم أن العبيد كذلك.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان ﴾ وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه: الأول: فليكن رجل وامرأتان والثاني: فليشهد رجل وامرأتان والثالث: فالشاهد رجل وامرأتان والرابع: فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله.

ثم قال: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء ﴾ وهو كقوله تعالى في الطلاق ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ  ﴾ واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة والفقهاء قالوا: شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حراً بالغاً مسلماً عدلاً عالماً بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط، ولا بترك المروأة، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة.

ثم قال: ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى ﴾ والمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ أَن تَضِلَّ ﴾ بكسر إن ﴿ فَتُذَكّرَ ﴾ بالرفع والتشديد، ومعناه: الجزاء موضع ﴿ تَضِلَّ ﴾ جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف ﴿ فَتُذَكّرَ ﴾ رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ وأما سائر القراء فقرؤا بنصب ﴿ أن ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: التقدير: لأن تضل، فحذف منه الخافض والثاني: على أنه مفعول له، أي إرادة أن تضل.

فإن قيل: كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للإذكار لا الإضلال.

قلنا: هاهنا غرضان أحدهما: حصول الإشهاد، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية والثاني: بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصوداً، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين، هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها، والله أعلم.

المسألة الثانية: الضلال في قوله: ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه بمعنى النسيان، قال تعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي ذهب عنهم الثاني: أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له، والوجهان متقاربان، وقال أبو عمرو: أصل الضلال في اللغة الغيبوبة.

المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي ﴿ فَتُذَكّرَ ﴾ بالتشديد والنصب، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل، والتشديد أكثر استعمالاً، قال تعالى: ﴿ فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ  ﴾ ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعدياً بهمزة الأفعال، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله: ﴿ فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى ﴾ أن تجعلها ذكراً يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء، قال: إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين، ويدل على ضعفه وجهان الأول: أن النساء لو بلغن ما بلغن، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن، فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى.

الوجه الثاني: أن قوله: ﴿ فَتُذَكّرَ ﴾ مقابل لما قبله من قوله: ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا ﴾ فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسراً بما يقابل النسيان.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوه: الأول: وهو الأصح: أنه نهى الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني: أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق، وهو قول قتادة واختيار القفال، قال: كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث: أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع: وهو قول الزجاج: أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولاً، والأداء ثانياً، واحتج القائلون بالقول الأول من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ يقتضي تقديم كونهم شهداء، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء.

فإن قيل: يشكل هذا بقوله: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ وكذلك سماه كاتباً قبل أن يكتب.

قلنا: الدليل الذي ذكرناه صار متروكاً بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني: أن ظاهر قوله: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ النهي عن الامتناع، والأمر بالفعل، وذلك للوجوب في حق الكل، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل، فلم يجز حمله عليه، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل، ومتأكد بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة ﴾ فكان هذا أولى الثالث: أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلاً في قوله: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ فكان صرف قوله: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ إلى الأمر بالأداء حملاً له على فائدة جديدة، فكان ذلك أولى، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها.

واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعيناً، وإما أن يكون فيهم كثرة، فإن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضاً على الكفاية.

المسألة الثانية: قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً فلا نعيده الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: يجوز القضاء بالشاهد واليمين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يجوز، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال: إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه.

واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولاً، ثم بالإشهاد ثانياً، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد، فأمر بالكتبة، فقال: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: السآمة الملال والضجر، يقال: سئمت الشيء سأماً وسآمة، والمقصود من الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة، فقال: ﴿ وَلاَ تسأموا ﴾ أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا.

فإن قيل: فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر؟.

قلنا: لا لأن هذا محمول على العادة، وليس في العادة أن يكتبوا التافه.

المسألة الثانية: ﴿ أن ﴾ في محل النصب لوجهين: إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً فتقديره: ولا تسأموا كتابته، وإن شئت بنزع الخافض تقديره: ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله.

المسألة الثالثة: الضمير في قوله: ﴿ أَن تَكْتُبُوهُ ﴾ لابد وأن يعود إلى المذكورر سابقاً، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق.

المسألة الرابعة: قرئ ﴿ وَلاَ يسأموا أن يكتبوه ﴾ بالياء فيهما.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ ﴾ اعلم أن الله تعالى بيّن أن الكتابة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث: الفائدة الأولى: قوله: ﴿ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله ﴾ وفي قوله: ﴿ ذلكم ﴾ وجهان الأول: أنه إشارة إلى قوله: ﴿ أَن تَكْتُبُوهُ ﴾ لأنه في معنى المصدر، أي ذلك الكتب أقسط والثاني: قال القفال رحمه الله: ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى ﴿ أَقْسَطُ عِندَ الله ﴾ أعدل عند الله، والقسط اسم، والإقساط مصدر، يقال: أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطاً إذا عدل فهو مقسط، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين  ﴾ [الحجرات: 9] ويقال: هو قاسط إذا جار، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً  ﴾ وإنما كان هذا أعدل عند الله، لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب، وعن الجهل والكذب أبعد، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى: ﴿ ادعوهم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله  ﴾ أي أعدل عند الله، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم.

والفائدة الثانية: قوله: ﴿ أَقْوَمُ للشهادة ﴾ معنى ﴿ أَقْوَمُ ﴾ أبلغ في الاستقامة، التي هي ضد الاعوجاج، وذلك لأن المنتصب القائم، ضد المنحني المعوج.

فإن قيل: مم بنى أفعل التفضيل؟

أعني: أقسط وأقوم.

قلنا: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط، وأقوم من قويم.

واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة، لأنها سبب للحفظ والذكر، فكانت أقرب إلى الاستقامة، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى: تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى، والثانية: بتحصيل مصلحة الدنيا، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعاراً بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا.

والفائدة الثالثة: هي قوله: ﴿ وَأَدْنَى أَن لا تَرْتَابُواْ ﴾ يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين، والفرق بين الوجهين الأولين، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة، فالأول: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين، والثاني: إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث: إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان، وهذا الذي قلت هل كان صدقاً أو كذباً، وأما دفع الضرر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط، وما أحسن ما فيها من الترتيب.

ثم قال تعالى: ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ إِلا ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل والثاني: أنه منقطع، أما الأول ففيه وجهان الأول: أنه راجع إلى قوله تعالى: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه ﴾ وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب، وقد يكون إلى أجل بعيد، فلما أمر بالكتبة عند المداينة، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريباً، والتقدير: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريباً، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني: أن هذا استثناء من قوله: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً ﴾ وأما الاحتمال الثاني، وهو أن يكون هذا استثناءً منقطعاً فالتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها، فهذا يكون كلاماً مستأنفاً، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة، لكثرة ما يجري بين الناس، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس، لم يكن هناك خوف التجاحد، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَن تَكُونَ ﴾ فيه قولان أحدهما: أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ والثاني: قال الفرّاء: إن شئت جعلت ﴿ كَانَ ﴾ هاهنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة، والخبر تديرونها، والتقدير: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم ﴿ تجارة ﴾ بالنصب، والباقون بالرفع، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان، ولا بد فيه من إضمار الاسم، وفيه وجوه: أحدها: التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب، ومنه قول الشاعر: بني أسد هل تعلمون بلاءنا *** إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا أي إذا كان اليوم.

وثانيها: أن يكون التقدير: إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة.

وثالثها: قال الزجاج: التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضر، قال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة، فإن من باع ثوباً بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة، وأما القراءة بالرفع، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم.

المسألة الرابعة: التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضراً أو في الذمة لطلب الربح، يقال: تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين، فالتجارة تجارة حاضرة، فقوله: ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً ﴾ لا يمكن حمله على ظاهره، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يداً بيد، ثم قال: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن لا تَكْتُبُوهَا ﴾ معناه: لا مضرة عليكم في ترك الكتابة، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم، ويأثم صاحب الحق بتركها، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ وأكثر المفسرين قالوا: المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان.

واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهياً للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع، ويحتمل أن يكون نهياً لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول: قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة، والثاني: قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد.

واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في ﴿ لا يُضَارَّ ﴾ أحدهما: أن يكون أصله لا يضارر، بكسر الراء الأولى، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني: أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة، وهو قوله: ﴿ لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا ﴾ وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه ﴿ وَلاَ يضارر ﴾ بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس ﴿ وَلاَ يضارر ﴾ بالإظهار والفتح، واختار الزجاج القول الأول، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ قال: وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد، ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة ﴿ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ  ﴾ والإثم والفاسق متقاربان، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل: وإن تفعلا فإنه فسوق بكم، وإذا كان هذا خطاباً للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم.

ثم قال: ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى: فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار والثاني: أنه عام في جميع التكليف، والمعنى: وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئاً مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته.

ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله ﴾ يعني فيما حذر منه هاهنا، وهو المضارة، أو يكون عاماً، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه.

ثم قال: ﴿ وَيُعَلّمُكُمُ الله ﴾ والمعنى: أنه يعلمكم ما يكون إرشاداً واحتياطاً في أمر الدنيا، كما يعلمكم ما يكون إرشاداً في أمر الدين ﴿ والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع مصالح الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا تَدَايَنتُم ﴾ إذا داين بعضكم بعضاً.

يقال: داينت الرجل عاملته ﴿ بِدَيْنٍ ﴾ معطياً أو آخذاً كما تقول: بايعته إذا بعته أو باعك.

قال رؤبة: دَايَنْتُ أرْوَى والدُّيُونُ تُقْضَى ** فَمَطَلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا والمعنى: إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه.

فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى وأي حاجة إلى ذكر (الدين) كما قال: داينت أروى، ولم يقل: بدين؟

قلت: ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن.

ولأنه أبين بتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ.

فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ مُّسَمًّى ﴾ قلت: ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع الحاج، لم يجز لعدم التسمية.

وإنما أمر بكتبة الدين، لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، والأمر للندب.

وعن ابن عباس: أن المراد به السلم، وقال: لما حرم الله الرّبا أباح السلف.

وعنه: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية.

﴿ بالعدل ﴾ متعلق بكاتب صفة له، أي كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط.

لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص.

وفيه: أن يكون الكاتب فقيها عالماً بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع.

وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً دينا ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ ﴾ ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى تنكير كاتب ﴿ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير.

وقيل هو قوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77] أي ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها.

وعن الشعبي: هي فرض كفاية، وكما علمه الله: يجوز أن يتعلق بأن يكتب، وبقوله فليكتب.

فإن قلت: أي فرق بين الوجهين؟

قلت: إن علقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ يعني فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها للتوكيد، وإن علقته بقوله فليكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة ﴿ وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق ﴾ ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به.

والإملاء والإملال لغتان قد نطق بهما القرآن ﴿ فَهِىَ تملى عَلَيْهِ ﴾ [الفرقان: 5] .

﴿ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ ﴾ من الحق ﴿ شَيْئاً ﴾ والبخس: النقص.

وقرئ ﴿ شياً ﴾ ، بطرح الهمزة: ﴿ وشياً ﴾ ، بالتشديد ﴿ سَفِيهًا ﴾ محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف ﴿ أَوْ ضَعِيفًا ﴾ صبياً أو شيخاً مختلاً ﴿ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ ﴾ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ﴾ الذي يلي أمره من وصيّ إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه.

وقوله تعالى: ﴿ أَن يُمِلَّ هُوَ ﴾ فيه أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ ﴾ واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدّين ﴿ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ من رجال المؤمنين.

والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء.

وعن علي رضي الله عنه: لا تجوز شهادة العبد في شيء.

وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتيّ أنها جائزة، ويجوز عند أبي حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل.

﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا ﴾ فإن لم يكن الشهيدان ﴿ رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان ﴾ فليشهد رجل وامرأتان، وشهادة النساء مع الرجال مقبولة عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ ﴾ ممن تعرفون عدالتهم ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا ﴾ أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له.

وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل.

فإن قلت: كيف يكون ضلالها مراداً لله تعالى؟

قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار، والإذكار مسبباً عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت.

ونظيره قولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعه.

وقرئ: ﴿ فتذكر ﴾ بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان.

و ﴿ فتذاكر ﴾ .

وقرأ حمزة: ﴿ إن تضل إحداهما ﴾ على الشرط.

فتذكر: بالرفع والتشديد، كقوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ [المائدة: 95] وقرئ: ﴿ أن تُضَّلَ إحداهما ﴾ على البناء للمفعول والتأنيث.

ومن بدع التفاسير: فتذكر، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ﴿ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ ليقيموا الشهادة.

وقيل: ليستشهدوا.

وقيل لهم شهداء قبل التحمل، تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن.

وعن قتادة: كان الرجل يطوف (في) الحواء العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد، فنزلت.

كني بالسأم عن الكسل، لأنّ الكسل صفة المنافق.

ومن الحديث: «لا يقول المؤمن كسلت» ويجوز أن يراد من كثرت مدايناته؛ فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً، فربما مل كثرة الكتب.

والضمير في ﴿ تَكْتُبُوهُ ﴾ للدين أو الحق ﴿ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ﴾ على أي حال كان الحق من صغر أو كبر.

ويجوز أن يكون الضمير للكتاب؛ وأن يكتبوه مختصراً أو مشبعاً لا يخلوا بكتابته ﴿ إِلَى أَجَلِهِ ﴾ إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى أن تكتبوه، لأنه في معنى المصدر، أي ذلكم الكتب ﴿ أَقْسَطُ ﴾ أعدل من القسط ﴿ وَأَقْوَمُ للشهادة ﴾ وأعون على إقامة الشهادة ﴿ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ ﴾ وأقرب من انتفاء الريب.

فإن قلت: مِمَّ بني أفعلا التفضيل، أعني: أقسط، وأقوم؟

قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط، وأقوم من قويم.

وقرئ: ﴿ ولا يسأموا أن يكتبوه ﴾ بالياء فيهما.

فإن قلت: ما معنى ﴿ تجارة حَاضِرَةً ﴾ وسواء أكانت المبايعة بدين أوبعين فالتجارة حاضرة؟

وما معنى إدارتها بينهم؟

قلت أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الأبدال.

ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد.

والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوه، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين.

وقرئ: (تجارةُ حاضرةُ) بالرفع على كان التامّة.

وقيل: هي الناقصة على أنّ الاسم (تجارة حاضرة) والخبر (تديرونها) وبالنصب على: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب.

بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بلاَءَنَا ** إذَا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا أي إذا كان اليوم يوماً ﴿ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً، ناجزاً أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف.

ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة.

وعن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد.

وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ ﴾ يحتمل البناء للفاعل والمفعول.

والدليل عليه قراءة عمر رضي الله عنه: ﴿ ولا يضارر ﴾ ، بالإظهار والكسر.

وقراءة ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ ولا يضارر ﴾ ، بالإظهار والفتح.

والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما.

وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم، ويلزا، أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد وقرأ الحسن: ﴿ ولا يضار ﴾ ، بالكسر ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ ﴾ وإن تضارّوا ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ فإنّ الضرار ﴿ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ وقيل: وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتم عنه ﴿ على سَفَرٍ ﴾ مسافرين.

وقرأ ابن عباس وأبيّ رضي الله عنهما ﴿ كتاباً ﴾ .

وقال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة.

وقرأ أبو العالية: ﴿ كتبا ﴾ .

وقرأ الحسن: ﴿ كتاباً ﴾ ، جمع كاتب ﴿ فرهان ﴾ فالذي يستوثق به رهن.

وقرئ ﴿ فرهن ﴾ بضم الهاء وسكونها، وهو جمع رهن، كسقف وسقف.

و ﴿ فرهان ﴾ .

فإن قلت:: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في غير سفر.

قلت: ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر، بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد.

وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوّزاه إلا في حال السفر أخذاً بظاهر الآية، وأما القبض فلا بدّ من اعتباره.

وعند مالك يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا ﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به.

وقرأ أبيّ ﴿ فإن أومن ﴾ أي آمنه الناس ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤتمن أمانته ﴾ حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدّي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه.

وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه.

والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياء، فتقول: الذي اؤتمن، أو الذي تمن.

وعن عاصم أنه قرأ: ﴿ الذي اتمن ﴾ ، بإدغام الياء في التاء، قياساً على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح.

لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة و ﴿ اتزر ﴾ عاميٌّ، وكذلك ريا في رؤيا ﴿ ءَاثِمٌ ﴾ خبر إن.

و ﴿ قَلْبِهِ ﴾ رفع بآثم على الفاعلية، كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه.

ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء.

وآثم خبر مقدّم، والجملة خبر إن.

فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: ﴿ فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ ﴾ ؟

وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟

قلت: كتمان الشهادة: هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثماً مقترفاً بالقلب أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ.

ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه.

ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه.

ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها.

ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيآت الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة ﴾ [المائدة: 72] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة.

وقرئ: ﴿ قلبه ﴾ ، بالنصب، كقوله: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130] وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ أثم قلبه ﴾ ، أي جعله إثماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾ أيْ إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا، تَقُولُ: دايَنْتُهُ إذا عامَلْتَهُ نَسِيئَةً مُعْطِيًا أوْ آخِذًا.

وفائِدَةُ ذِكْرِ الدَّيْنِ أنْ لا يُتَوَهَّمَ مِنَ التَّدايُنِ المُجازاةُ ويُعْلَمُ تَنَوُّعُهُ إلى المُؤَجَّلِ والحالِ، وأنَّهُ الباعِثُ عَلى الكَتَبَةِ ويَكُونُ مَرْجِعُ ضَمِيرِ فاكْتُبُوهُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى مَعْلُومٍ بِالأيّامِ والأشْهُرِ لا بِالحَصادِ وقُدُومِ الحاجِّ.

فاكْتُبُوهُ لِأنَّهُ أوْثَقُ وأدْفَعُ لِلنِّزاعِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ اسْتِحْبابٌ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (أنَّ المُرادَ بِهِ السَّلَمَ وقالَ لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا أباحَ السَّلَمَ) .

﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ﴾ مَن يَكْتُبُ السَّوِيَّةَ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وهو في الحَقِيقَةِ أمْرٌ لِلْمُتَدايِنِينَ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ فَقِيهٍ دَيِّنٍ حَتّى يَجِيءَ مَكْتُوبُهُ مَوْثُوقًا بِهِ مُعَدَّلًا بِالشَّرْعِ.

﴿ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ﴾ ولا يَمْتَنِعْ أحَدٌ مِنَ الكِتابِ.

﴿ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾ مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن كَتَبَةِ الوَثائِقِ، أوْ لا يَأْبَ أنْ يَنْفَعَ النّاسَ بِكِتابَتِهِ كَما نَفَعَهُ اللَّهُ بِتَعْلِيمِها كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ .

﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ تِلْكَ الكِتابَةَ المُعَلَّمَةَ.

أمَرَ بِها بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الإباءِ عَنْها تَأْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الكافُ بِالأمْرِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ مِنها مُطْلَقَةً ثُمَّ الأمْرُ بِها مُقَيَّدَةً.

﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴾ ولْيَكُنِ المُمْلِي مَن عَلَيْهِ الحَقُّ لِأنَّهُ المُقِرُّ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، والإمْلالُ والإمْلاءُ واحِدٌ.

ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أيِ المُمْلِي.

أوِ الكاتِبُ.

﴿ وَلا يَبْخَسْ ﴾ ولا يُنْقِصْ.

﴿ مِنهُ شَيْئًا ﴾ أيْ مِنَ الحَقِّ، أوْ مِمّا أُمْلِيَ عَلَيْهِ.

﴿ فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا ﴾ ناقِصَ العَقْلِ مُبَذِّرًا.

﴿ أوْ ضَعِيفًا ﴾ صَبِيًّا أوْ شَيْخًا مُخْتَلًّا.

﴿ أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ ﴾ أوْ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلْإمْلالِ بِنَفْسِهِ لِخَرَسٍ أوْ جَهْلٍ بِاللُّغَةِ.

﴿ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ ﴾ أيِ الَّذِي يَلِي أمْرَهُ ويَقُومُ مَقامَهُ مِن قَيِّمٍ إنْ كانَ صَبِيًّا أوْ مُخْتَلِّ العَقْلِ، أوْ وكِيلٍ أوْ مُتَرْجِمٍ إنْ كانَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ.

وهو دَلِيلُ جَرَيانِ النِّيابَةِ في الإقْرارِ ولَعَلَّهُ مَخْصُوصٌ بِما تَعاطاهُ القَيِّمُ أوِ الوَكِيلُ.

﴿ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ﴾ واطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ عَلى الدِّينِ شاهِدانِ.

﴿ مِن رِجالِكُمْ ﴾ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ، وهو دَلِيلُ اشْتِراطِ إسْلامِ الشُّهُودِ وإلَيْهِ ذَهَبَ عامَّةُ العُلَماءِ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: تُقْبَلُ شَهادَةُ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.

﴿ فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ ﴾ فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشّاهِدانِ رَجُلَيْنِ.

﴿ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ ﴾ فَلْيَشْهَدْ أوْ فَلْيَسْتَشْهِدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، وهَذا مَخْصُوصٌ بِالأمْوالِ عِنْدَنا وبِما عَدا الحُدُودَ والقِصاصَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.

﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ﴾ لِعِلْمِكم بِعَدالَتِهِمْ.

﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ عِلَّةُ اعْتِبارِ العَدَدِ أيْ لِأجْلِ أنَّ إحْداهُما إنْ ضَلَّتِ الشَّهادَةَ بِأنْ نَسِيَتْها ذَكَّرَتْها الأُخْرى، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ التَّذْكِيرُ ولَكِنْ لَمّا كانَ الضَّلالُ سَبَبًا لَهُ نَزَلَ مَنزِلَتَهُ كَقَوْلِهِمْ: أعْدَدْتُ السِّلاحَ أنْ يَجِيءَ عَدُوٌّ فَأدْفَعُهُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: إرادَةَ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِنُقْصانِ عَقْلِهِنَّ وقِلَّةِ ضَبْطِهِنَّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ أنْ تَضِلَّ عَلى الشَّرْطِ « فَتُذَكِّرُ» بِالرَّفْعِ.

وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ فَتُذْكِرَ مِنَ الإذْكارِ.

﴿ وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ﴾ لِأداءِ الشَّهادَةِ أوِ التَّحَمُّلِ.

وسُمُّوا شُهَداءَ قَبْلَ التَّحَمُّلِ تَنْزِيلًا لِما يُشارِفُ مَنزِلَةَ الواقِعِ وما مَزِيدَةٌ.

﴿ وَلا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ ﴾ ولا تَمَلُّوا مِن كَثْرَةِ مُدايَناتِكم أنْ تَكْتُبُوا الدَّيْنَ أوِ الحَقَّ أوِ الكِتابَ.

وقِيلَ كَنّى بِالسَّأمِ عَنِ الكَسَلِ لِأنَّهُ صِفَةُ المُنافِقِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا يَقُولُ المُؤْمِنُ كَسِلْتُ» ﴿ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا ﴾ صَغِيرًا كانَ الحَقُّ أوْ كَبِيرًا، أوْ مُخْتَصَرًا كانَ الكِتابُ أوْ مُشَبَّعًا.

إلى أجَلِهِ إلى وقْتِ حُلُولِهِ الَّذِي أقَرَّ بِهِ المَدْيُونُ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى أنْ تَكْتُبُوهُ.

﴿ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أكْثَرُ قِسْطًا.

﴿ وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ﴾ وأثْبُتُ لَها وأعُونُ عَلى إقامَتِها، وهُما مَبْنِيّانِ مِن أقْسَطَ وأقامَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ مِن قاسِطٍ بِمَعْنى ذِي قِسْطٍ وقَوِيمٍ، وإنَّما صَحَّتِ الواوُ في أقْوَمُ كَما صَحَّتْ في التَّعَجُّبِ لِجُمُودِهِ.

﴿ وَأدْنى ألا تَرْتابُوا ﴾ وأقْرَبُ في أنْ لا تَشُكُّوا في جِنْسِ الدِّينِ وقَدْرِهِ وأجَلِهِ والشُّهُودِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ والتِّجارَةِ الحاضِرَةِ تَعُمُّ المُبايَعَةَ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ، وإدارَتُها بَيْنَهم تَعاطِيهم إيّاها يَدًا بِيَدٍ أيْ: إلّا أنْ تَتَبايَعُوا يَدًا بِيَدٍ فَلا بَأْسَ أنْ لا تَكْتُبُوا، لِبُعْدِهِ عَنِ التَّنازُعِ والنِّسْيانِ.

ونَصَبَ عاصِمٌ تِجارَةً عَلى أنَّهُ الخَبَرُ والِاسْمُ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً كَقَوْلِهِ: بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا...

إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا وَرَفَعَها الباقُونَ عَلى أنَّها الِاسْمُ والخَبَرُ ﴿ تُدِيرُونَها ﴾ أوْ عَلى كانَ التّامَّةِ.

﴿ وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ﴾ هَذا التَّبايُعَ، أوْ مُطْلَقًا لِأنَّهُ أحْوَطُ.

والأوامِرُ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِحْبابِ عِنْدَ أكْثَرِ الأئِمَّةِ.

وقِيلَ: إنَّها لِلْوُجُوبِ ثُمَّ اخْتَلَفَ في إحْكامِها ونَسْخِها.

﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ يَحْتَمِلُ البِناءَيْنِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ « ولا يُضارَّ» بِالكَسْرِ والفَتْحِ.

وهو نَهْيُهُما عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ والتَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ في الكُتُبِ والشَّهادَةِ، أوِ النَّهْيُ عَنِ الضِّرارِ بِهِما مِثْلَ أنْ يُعَجِّلا عَنْ مُهِمٍّ ويُكَلَّفا الخُرُوجَ عَمّا حُدَّ لَهُما، ولا يُعْطى الكاتِبُ جُعْلَهُ، والشَّهِيدُ مُؤْنَةَ مَجِيئِهِ حَيْثُ كانَ.

﴿ وَإنْ تَفْعَلُوا ﴾ الضِّرارَ أوْ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ.

﴿ فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ خُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ لاحِقٌ بِكم.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ أحْكامَهُ المُتَضَمَّنَةَ لِمَصالِحِكم.

﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ كَرَّرَ لَفْظَةَ اللَّهِ في الجُمَلِ الثَّلاثِ لِاسْتِقْلالِها، فَإنَّ الأُولى حَثٌّ عَلى التَّقْوى، والثّانِيَةَ وعْدٌ بِإنْعامِهِ، والثّالِثَةَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ.

ولِأنَّهُ أُدْخِلَ في التَّعْظِيمِ مِنَ الكِنايَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)

{يا أيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} أي إذا داين بعضكم بعضاً يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} مدة معلومة كالحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج ووإنما احتيج إلى ذكر الدين ولم يقل إذا تداينتم إلى اجل مسمى ليترجع الضمير إليه في قوله {فاكتبوه} إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه والأمر

البقرة (٢٨٢)

للندب وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن المراد به السلم وقال لما حرم الله الربا أباح السلف المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية وفيه دليل على اشتراط الأجل في السلم {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم} بين المتداينين {كاتب بالعدل} هو متعلق بكاتب صفة له أي كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص وفيه دليل أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً بالشروط حتى يجئ مكتوبه معدلا بالشرع وهو أمر للمتدينين بتخير الكاتب وألا يستكتبوا إلا فقيهاً ديناً حتى يكتب ما هو متفق عليه {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} ولا يمتنع واحد من الكتاب {أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله} مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير وكما متعلق بأن يكتب {فَلْيَكْتُبْ} تلك الكتابة لا يعدل عنها {وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق} ولا يكن المملي إلا من وجب عليه

الحق لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به فيكون ذلك إقراراً على نفسه بلسانه والإملال والإملاء لغتان {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} وليتق الله الذي عليه الدين ربه فلا يمتنع عن الإملاء فيكون جحوداً لكل حقه {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء فيكون جحوداً لبعض حقه {فَإن كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا} أي مجنوناً لأن السفه خفة في العقل أو محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف {أَوْ ضَعِيفًا} صبياً {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} لعي به أو خرس أو جهل باللغة {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} الذي يلي أمره ويقوم به {بالعدل} بالصدق والحق {واستشهدوا شَهِيدَيْنِ} واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين {مِّن رِّجَالِكُمْ} من رجال المؤمنين والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام وشهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة عندنا {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} فإن لم يكن الشهيدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان} فليشهد رجل وامرأتان وشهادة الرجال مع النساء تقبل فيما عدا الحدود والقصاص {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء} ممن تعرفون عدالتهم وفيه دليل على أن غير المرضي شاهد {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} لأجل أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى إن تضل إحداهما على الشرط فتذكر بالرفع والتشديد حمزة كقوله وَمَنْ عاد فينتقم الله منه

البقرة (٢٨٢)

فَتُذْكِر بالنصب مكي وبصري من الذّكرُ لا من الذَّكر {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ} لأداء الشهادة أو للتحمل لئلا تتوى حقوقهم وسماهم شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن فالأوّل للفرض والثاني للندب {ولا تسأموا} ولا تملوا قال الشاعر ...

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ...

ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ...

والضمير في {أَن تَكْتُبُوهُ} للدين أو الحق {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} على أي حال كان الحق من صغر أو كبر وفيه دلالة جواز السلم في الثياب لأن ما يكال أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال في الذرعي ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن يكتبوه مختصرا أو مشبعا {إِلَى أَجَلِهِ} إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته {ذلكم} إشارة إلى أن تكتبوه لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب {أَقْسَطُ} أعدل من القسط وهو العدل {عَندَ الله} ظرف لا قسط {وَأَقْوَمُ للشهادة} وأعون على إقامة الشهادة وبنى أفعلا التفضيل أى أقسط وأقوم من اقسط وأقام على مذهب سيبويه {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} وأقرب من انتفاء الريب للشاهد والحاكم وصاحب الحق فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك وألف أدنى منقلبة من واو لأنه من الدنو {إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً} عاصم أي إلا أن تكون التجارة تجارة أو إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة غيره تجارة حاضرة على كان التامة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة أو هي ناقصة والاسم تجارة حاضرة والخير {تديرونها} وقوله {بينكم} ظرف لتديرونها ومعنى إدارتها بينهم تعاطيها يداً بيد {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} يعني إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس ألا تكتبوها لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً ناجزاً أو كالئاً لأنه أحوط وأبعد من وقوع الاختلاف أو أريد به وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة والأمر للندب {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} يحتمل البناء للفاعل لقراءة عمر رضى الله عنه ولا يضارر وللمفعول

لقراءة ابن عباس رضى الله عنهما ولا يضار والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويلزّا أولاً يعطي الكاتب حقه من الجعل أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد {وَإِن تَفْعَلُواْ} وإن تضاروا {فإنه} فان

البقرة (٢٨٢ _ ٢٨٤)

الضرار {فُسُوقٌ بِكُمْ} مأثم {واتقوا الله} في مخالفة أ {وَيُعَلّمُكُمُ الله} شرائع دينه {والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لا يلحقه سهو ولا قصور

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِاَللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ مِنهُ ﴿ إذا تَدايَنْتُمْ ﴾ أيْ تَعامَلْتُمْ ودايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ بِدَيْنٍ ﴾ فائِدَةُ ذِكْرِهِ تَخْلِيصُ المُشْتَرِكِ ودَفْعُ الإيهامِ نَصْرًا لِأنَّ (تَدايَنْتُمْ) يَجِيءُ بِمَعْنى تَعامَلْتُمْ بِدَيْنٍ، وبِمَعْنى تَجازَيْتُمْ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ السِّياقَ يَرْفَعُهُ لِأنَّ الكَلامَ في النُّصُوصِيَّةِ عَلى أنَّ السِّياقَ قَدْ لا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلّا الفَطِنُ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ إذْ لَوْلاهُ لَقِيلَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ فَلَمْ يَكُنِ النَّظْمُ بِذَلِكَ الحُسْنِ عِنْدَ ذِي الذَّوْقِ العارِفِ بِأسالِيبِ الكَلامِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ التَّدايُنَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مِن بابِ ﴿ اعْدِلُوا هو أقْرَبُ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الدَّيْنَ لا يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ بَلْ هو أحَدُ العِوَضَيْنِ ولا دَلالَةَ لِلتَّدايُنِ عَلَيْهِ إلّا مِن حَيْثُ السِّياقُ ولا يُكْتَفى بِهِ في مَعْرِضِ البَيانِ لا سِيَّما وهو مَلْبَسٌ، وقِيلَ: ذُكِرَ لِأنَّهُ أبْيَنُ لِتَنْوِيعِ الدَّيْنِ إلى مُؤَجَّلٍ وحالٍّ لِما في التَّنْكِيرِ مِنَ الشُّيُوعِ والتَّبْعِيضِ لَمّا خُصَّ بِالغايَةِ ولَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاحْتَمَلَ أنَّ الدَّيْنَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ﴿ إلى أجَلٍ ﴾ أيْ وقْتٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ (تَدايَنْتُمْ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلدَّيْنِ أيْ مُؤَخَّرٍ أوْ مُؤَجَّلٍ إلى أجَلٍ ﴿ مُسَمًّى ﴾ بِالأيّامِ أوِ الأشْهُرِ أوْ نَظائِرِهُما مِمّا يُفِيدُ العِلْمَ ويَرْفَعُ الجَهالَةَ لا بِنَحْوِ الحَصادِ لِئَلّا يَعُودَ عَلى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ ﴿ فاكْتُبُوهُ ﴾ أيِ الدَّيْنَ بِأجَلِهِ لِأنَّهُ أرْفَقُ وأوْثَقُ؛ والجُمْهُورُ عَلى اِسْتِحْبابِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ والآيَةُ عِنْدَ بَعْضٍ ظاهِرَةٌ في أنَّ كُلِّ دَيْنٍ حُكْمُهُ ذَلِكَ، وابْنُ عَبّاسٍ يَخُصُّ الدَّيْنَ بِالسَّلَمِ فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أنَّ اللَّهَ تَعالى أجَّلَهُ وأذِنَ فِيهِ ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ، واسْتَدَلَّ الإمامُ مالِكٌ بِها عَلى جَوازِ تَأْجِيلِ القَرْضِ.

﴿ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها وتَعْيِينِ مَن يَتَوَلّاها إثْرَ الأمْرِ بِها إجْمالًا، ومَفْعُولُ يَكْتُبُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِاِنْفِهامِهِ أوْ لِلْقَصْدِ إلى إيقاعِ نَفْسِ الفِعْلِ، والتَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَنْبَغِي لِلْكاتِبِ أنْ لا يَنْفَرِدَ بِهِ أحَدُ المُتَعامِلِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْكاتِبِ أيْ لِيَكُنِ الكاتِبُ مِن شَأْنِهِ التَّسْوِيَةُ وعَدَمُ المَيْلِ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ بِزِيادَةٍ أوْ نَقْصٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِكاتِبٍ أوْ بِفِعْلِهِ، والمُرادُ أمَرَ المُتَدايِنِينَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِكِتابَةِ عَدْلٍ فَقِيهِ دِينٍ حَتّى يَكُونَ ما يَكْتُبُهُ مَوْثُوقًا بِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ، فالكَلامُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ مَسُوقٌ لِمَعْنًى، ومُدْمَجٌ فِيهِ آخَرُ بِإشارَةِ النَّصِّ وهو اِشْتِراطُ الفَقاهَةِ في الكاتِبِ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى التَّسْوِيَةِ في الأُمُورِ الخَطِرَةِ إلّا مَن كانَ فَقِيهًا، ولِهَذا اِسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَكْتُبُ الوَثائِقَ إلّا عارِفٌ بِها عَدْلٌ مَأْمُونٌ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلى الإمامِ أوْ نائِبِهِ مَنعُهُ لِئَلّا يَقَعَ الفَسادُ ويَكْثُرَ النِّزاعُ واَللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ.

﴿ ولا يَأْبَ كاتِبٌ ﴾ أيْ لا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ ﴿ أنْ يَكْتُبَ ﴾ بَيْنَ المُتَدايِنِينَ كِتابَ الدَّيْنِ ﴿ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ لِأجْلِ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كِتابَةِ الوَثائِقِ وتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِ يَكْتُبُ والكَلامُ عَلى حَدِّ ﴿ وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ﴾ تَعالى ﴿ إلَيْكَ ﴾ أيْ لا يَأْبَ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى النّاسِ بِكِتابَتِهِ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ ومَيَّزَهُ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الكافُ بِأنْ يَكْتُبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ حالٍ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ، والتَّقْدِيرُ أنْ يَكْتُبَ كِتابَةً مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى أوْ أنْ يَكْتُبَهُ أيِ الكُتُبَ مِثْلَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى وبَيَّنَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِالعَدْلِ ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ والفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ كَما في ﴿ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ لِأنَّها صِلَةٌ في المَعْنى، والأمْرُ بِالكِتابَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الأداءِ مِنها عَلى الأوَّلِ لِلتَّأْكِيدِ، واحْتِيجَ إلَيْهِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ لَيْسَ أمْرًا بِضِدِّهِ صَرِيحًا عَلى الأصَحِّ فَأكَّدَهُ بِذِكْرِهِ صَرِيحًا اِعْتِناءً بِشَأْنِ الكِتابَةِ، ومِن هَذا ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ ومِن فُرُوضِ الكِفايَةِ، ولَكِنَّ الأمْرَ لَمّا كانَ لَنا لا عَلَيْنا صُرِفَ عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَعُودَ ما تَقَدَّمَ في مَسْألَةِ جَهالَةِ الأجَلِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَلا تَأْكِيدَ وإنَّما هو أمْرٌ بِالكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الِامْتِناعِ مِنَ المُطْلَقَةِ وهَذا لا يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ المُطْلَقِ لا يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالمُقَيَّدِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ تَأْكِيدًا، وادَّعاهُ بَعْضُهم لِأنَّهُ إذا كانَ الِامْتِناعُ عَنْ مُطْلَقِ الكِتابَةِ مَنهِيًّا فَلِأنْ يَكُونَ الِامْتِناعُ عَنِ الكِتابَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَنهِيًّا بِطَرِيقِ الأوْلى، والنَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ عَنِ الكِتابَةِ الشَّرْعِيَّةِ أمْرٌ بِها فَيَكُونُ الأمْرُ بِالكِتابَةِ - الشَّرْعِيَّةِ صَرِيحًا لِلتَّوْكِيدِ، وأيْضًا إذا ورَدَ مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ والحادِثَةُ واحِدَةٌ يُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ سَواءٌ تَقَدَّمَ المُطْلَقُ أوْ تَأخَّرَ فَكَما حُمِلَ الأمْرُ بِمُطْلَقِ الكِتابَةِ في الوَجْهِ الأوَّلِ عَلى الكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ لِيُفِيدَ التَّأْكِيدَ، فَلِمَ لَمْ يُحْمَلِ النَّهْيُ عَنِ الِامْتِناعِ عَنْ مُطْلَقِ الكِتابَةِ عَلى الكِتابَةِ المُقَيَّدَةِ لِلتَّأْكِيدِ، وهَلِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إلّا تَحَكُّمٌ بَحْتٌ كَما لا يَخْفى؟!

و(ما) قِيلَ: إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أوْ كافَّةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً وعَلَيْهِما فالضَّمِيرُ لَها، وعَلى الأوَّلَيْنِ لِلْكاتِبِ؛ وقَدَّرَ بَعْضُهم عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِعِلْمِ كِتابَةِ الوَثائِقِ فافْهَمْ.

﴿ ولْيُمْلِلِ ﴾ مِنَ الإمْلالِ بِمَعْنى الإلْقاءِ عَلى الكاتِبِ ما يَكْتُبُهُ وفِعْلُهُ أمْلَلْتُ، وقَدْ يُبَدَّلُ أحَدُ المُضاعَفَيْنِ ياءً ويَتْبَعُهُ المَصْدَرُ فِيهِ وتُبَدَّلُ هَمْزَةً لِتَطَرُّفِها بَعْدَ ألْفٍ زائِدَةٍ فَيُقالُ: إمْلاءٌ، فَهو والإمْلالُ بِمَعْنًى، أيْ: ولْيَكُنِ المُلْقى عَلى الكاتِبِ ما يَكْتُبُهُ مِنَ الدَّيْنِ ﴿ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴾ وهو المَطْلُوبُ لِأنَّهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ هو المُقِرُّ لا غَيْرُهُ وانْفِهامُ الحَصْرِ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ فَإنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ والأصْلُ عَدَمُ عِلَّةٍ أُخْرى ﴿ ولْيَتَّقِ ﴾ أيِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴿ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ والوَصْفِ الجَمِيلِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلى التَّقْوى بِذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِالجَلالِ والجَمالِ ﴿ ولا يَبْخَسْ ﴾ أيْ لا يُنْقِصْ (مِنهُ) أيْ مِنَ الحَقِّ الَّذِي يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ ﴿ شَيْئًا ﴾ وإنْ كانَ حَقِيرًا، وقُرِئَ (شَيًا) بِطَرْحِ الهَمْزَةِ (وشَيًّا) بِالتَّشْدِيدِ.

وهَذا هو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ (يَتَّقِ) لِلْكاتِبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ضَمِيرَ (يَبْخَسْ) لِمَن عَلَيْهِ الحَقُّ إذْ هو الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ البَخْسُ خاصَّةً، وأمّا الكاتِبُ فَيُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ كَما يَتَوَقَّعُ مِنهُ النَّقْصُ فَلَوْ أُرِيدَ نَهْيُهُ لَنَهى عَنْ كِلَيْهِما، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ أمَرَ بِالعَدْلِ وإرْجاعِ كُلٍّ مِنهُما لِكُلٍّ مِنهُما تَفْكِيكٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وإنَّما شَدَّدَ في تَكْلِيفِ المُمْلِي حَيْثُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ الأمْرِ بِالِاتِّقاءِ والنَّهْيِ عَنِ البَخْسِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّواعِي إلى المَنهِيِّ عَنْهُ فَإنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ ما أمْكَنَ.

وفِي (مِنهُ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ (يَبْخَسْ) و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ فَلَمّا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ نُصِبَتْ حالًا، و(شَيْئًا) إمّا مَفْعُولٌ بِهِ وإمّا مَصْدَرٌ.

﴿ فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴾ صَرَّحَ بِذَلِكَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ الكَشْفِ لا لِأنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ لِغَيْرِهِ، وعَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ وجَبَ و(اَلْحَقُّ) فاعِلٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ عَلَيْهِ ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا و ﴿ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اِسْمِيَّةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ لِأنَّها صِلَةُ المَوْصُولِ ﴿ سَفِيهًا ﴾ أيْ عاجِزًا أحْمَقَ قالَهُ اِبْنُ زَيْدٍ، أوْ جاهِلًا بِالإمْلالِ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ مُبَذِّرًا لِمالِهِ ومُفْسِدًا لِدِينِهِ قالَهُ الشّافِعِيُّ ﴿ أوْ ضَعِيفًا ﴾ أيْ صَبِيًّا، أوْ شَيْخًا خَرِفًا، ﴿ أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُفْرَدٍ هو خَبَرٌ (كانَ) لِتَأْوِيلِها بِالمُفْرِدِ أيْ أوْ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلْإمْلاءِ بِنَفْسِهِ لِخَرَسٍ، كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْ لِما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الجَهْلِ بِاللُّغَةِ وسائِرِ العَوارِضِ المانِعَةِ، والضَّمِيرُ البارِزُ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (أنْ يُمِلَّ) وفائِدَةُ التَّوْكِيدِ بِهِ رَفْعُ المَجازِ الَّذِي كانَ يَحْتَمِلُهُ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ فاعِلٌ لِ (يُمِلَّ) وتَغْيِيرَ الأُسْلُوبِ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِ النَّفْيِ، ولا يَخْفى حُسْنُ الإدْغامِ هُنا والفَكُّ فِيما تَقَدَّمَ، ومِثْلُهُ الفَكُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ ﴾ أيْ مُتَوَلِّي أمْرِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ خُصُوصُ الوَلِيِّ الشَّرْعِيِّ فَيَشْمَلُ القِيَمَ والوَكِيلَ والمُتَرْجِمَ، والإقْرارُ عَنِ الغَيْرِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مَقْبُولٌ، وفَرْقٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإقْرارِ عَلى الغَيْرِ فاعْرِفْهُ ﴿ بِالعَدْلِ ﴾ بَيْنَ صاحِبِ الحَقِّ والمَوْلى عَلَيْهِ فَلا يَزِيدُ ولا يُنْقِصُ ولَمْ يُكَلَّفْ بِعَيْنِ ما كُلِّفَ بِهِ مِن غَيْرِ الحَقِّ لِأنَّهُ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ كَما يُتَوَقَّعُ مِنهُ البَخْسُ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَصِيُّ ذِمِّيًّا ولا فاسِقًا، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا أوِ اِمْرَأةً، لِأنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ في الأوْلِياءِ إلّا العَدالَةُ، ذَكَرَهُ اِبْنُ الفَرَسِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ ، ﴿ ولا يَأْبَ ﴾ عَلى وُجُوبِ الكِتابَةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والجُبّائِيُّ والرُّمّانِيُّ، إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّها واجِبَةٌ عَلى الكِفايَةِ، وإلَيْهِ يَمِيلُ كَلامُ الحَسَنِ، وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: واجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَ إذا أُمِرَ، وقِيلَ: هي مَندُوبَةٌ، ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّها كانَتْ واجِبَةً ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ.

﴿ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ﴾ أيِ اُطْلُبُوهُما لِيَتَحَمَّلا الشَّهادَةَ عَلى ما جَرى بَيْنَكُما، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ السِّينُ والتّاءُ زائِدَتَيْنِ أيِ اِشْهَدُوا؛ وفي اِخْتِيارِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ إيماءٌ إلى طَلَبِ مَن تَكَرَّرَتْ مِنهُ الشَّهادَةُ فَهو عالِمٌ بِمَوْقِعِها مُقْتَدِرٌ عَلى أدائِها وكَأنَّ فِيهِ رَمْزًا إلى العَدالَةِ لِأنَّهُ لا يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنَ الشَّخْصِ عِنْدَ الحُكّامِ إلّا وهو مَقْبُولٌ عِنْدَهم ولَعَلَّهُ لَمْ يَقُلْ رَجُلَيْنِ لِذَلِكَ، والأمْرُ لِلنَّدْبِ أوْ لِلْوُجُوبِ عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ ﴿ مِن رِجالِكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (اسْتَشْهِدُوا) و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِشَهِيدَيْنِ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدَّرِ بِهِمُ الآيَةُ، وفي ذِكْرِ الرِّجالِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ دَلالَةٌ عَلى اِشْتِراطِ الإسْلامِ والبُلُوغِ والذُّكُورَةِ في الشّاهِدَيْنِ والحُرِّيَّةِ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الرِّجالِ الكامِلُونَ والأرِقّاءِ بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ، وأيْضًا خِطاباتُ الشَّرْعِ لا تَنْتَظِمُ العَبِيدَ بِطَرِيقِ العِبارَةِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، وذَهَبَ الإمامِيَّةُ إلى عَدَمِ اِشْتِراطِ الحُرِّيَّةِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ، وإنَّما الشَّرْطُ فِيهِ عِنْدَهُمُ الإسْلامُ والعَدالَةُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ شُرَيْحٌ وابْنُ سِيرِينَ وأبُو ثَوْرٍ وعُثْمانُ البَتِّيُّ وهو خِلافُ المَرْوِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ شَهادَةَ العَبْدِ في شَيْءٍ ولَمْ تَتَعَرَّضْ الآيَةُ لِشَهادَةِ الكُفّارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وأجازَ ذَلِكَ قِياسًا الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإنِ اِخْتَلَفَتْ مِلَلُهم.

﴿ فَإنْ لَمْ يَكُونا ﴾ أيِ الشَّهِيدانِ ﴿ رَجُلَيْنِ ﴾ أيْ لَمْ يُقْصَدْ إشْهادُهُما ولَوْ كانا مَوْجُودَيْنِ والحُكْمُ مِن قَبِيلِ نَفْيِ العُمُومِ لا عُمُومِ النَّفْيِ وإلّا لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ، أوْ فَرَجُلٌ واِمْرَأتانِ يَشْهَدُونَ أوْ يَكُفُّونَ، أوْ فالشّاهِدُ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ، أوْ فَلْيُسْتَشْهَدْ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ، أوْ فَلْيَكُنْ رَجُلٌ واِمْرَأتانِ شُهُودًا، وإنْ جُعِلَتْ يَكُنْ تامَّةً اُسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ شُهُودٍ، وكِفايَةُ الرَّجُلِ والمَرْأتَيْنِ في الشَّهادَةِ فِيما عَدا الحُدُودِ والقِصاصِ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ في الأمْوالِ خاصَّةً لا في غَيْرِها كَعَقْدِ النِّكاحِ، وقالَ مالِكٌ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ أُولَئِكَ في الحُدُودِ ولا القِصاصِ ولا الوَلاءِ ولا الإحْصانِ، وتَجُوزُ في الوِكالَةِ والوَصِيَّةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها عِتْقٌ، وأمّا قَبُولُ شَهادَةِ النِّساءِ مُفْرَداتٍ فَقَدْ قالُوا بِهِ في الوِلادَةِ والبَكارَةِ والِاسْتِهْلالِ وما يَجْرِي مَجْرى ذَلِكَ مِمّا بُيِّنَ في الكُتُبِ الفِقْهِيَّةِ، وقُرِئَ (واِمْرَأْتانِ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِاجْتِماعِ المُتَحَرِّكاتِ.

﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ (رَجُلٌ واِمْرَأتانِ) أيْ كائِنُونَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَهُمْ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ هُنا مَعَ تَحَقُّقِ اِعْتِبارِهِ في كُلِّ شَهِيدٍ لِقِلَّةِ اِتِّصافِ النِّساءِ بِهِ فَلا يُرَدُّ ما في «اَلْبَحْرِ» مِن أنَّ جَعْلَهُ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ يُشْعِرُ بِانْتِفاءِ هَذا الوَصْفِ عَنْ شَهِيدَيْنِ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِشَهِيدَيْنِ وضُعِّفَ بِالفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن رِجالِكم بِتَكْرِيرِ العامِلِ وضُعِّفَ بِالفَصْلِ أيْضًا، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَعَلُّقَهُ بِ (اسْتَشْهِدُوا) لِيَكُونَ قَيْدًا في الجَمِيعِ ويَلْزَمَهُ الفَصْلُ بَيْنَ اِشْتِراطِ المَرْأتَيْنِ وتَعْلِيلِهِ وهو كَما تَرى، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لِلْحُكّامِ ولَمْ يَقُلْ مِنَ المَرْضِيِينَ لِإفْهامِهِ اِشْتِراطَ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ ولا طَرِيقَ لَنا إلى مَعْرِفَتِهِ فَإنَّ لَنا الظّاهِرُ واَللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى السَّرائِرَ.

﴿ مِنَ الشُّهَداءِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ أيْ مِمَّنْ تَرْضَوْنَهم حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ بَعْضُ الشُّهَداءِ لِعِلْمِكم بِعَدالَتِهِمْ، وإدْراجُ النِّساءِ في الجَمْعِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.

﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الحُكْمِ واشْتِراطِ العُدَدِ في النِّساءِ أيْ شُرِعَ ذَلِكَ إرادَةَ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ إحْداهُما لِما أنَّ النِّسْيانَ غالِبٌ عَلى طَبْعِ النِّساءِ لِكَثْرَةِ الرُّطُوبَةِ في أمْزِجَتِهِنَّ، وقُدِّرَتِ الإرادَةُ لِما أنَّ قَيْدَ الطَّلَبِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِلْآمِرِ وباعِثًا عَلَيْهِ، ولَيْسَ هو هُنا إلّا إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِلْقَطْعِ بِأنَّ الضَّلالَ والتَّذْكِيرَ بَعْدَهُ لَيْسَ هو الباعِثُ عَلى الأمْرِ بَلْ إرادَةُ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ النِّسْيانَ وعَدَمَ الِاهْتِداءِ لِلشَّهادَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ سِيَّما وقَدْ أُمِرَ بِالِاسْتِشْهادِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الإرادَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالضَّلالِ نَفْسِهِ أعْنِي عَدَمَ الِاهْتِداءِ لِلشَّهادَةِ بَلْ بِالضَّلالِ المُرَتَّبِ عَلَيْهِ الإذْكارُ، ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ القَيْدَ هو مَصَبُّ الغَرَضِ فَصارَ كَأنَّهُ عَلَّقَ الإرادَةَ بِالإذْكارِ المُسَبِّبِ عَنِ الضَّلالِ والمُرَتَّبِ عَلَيْهِ فَيَؤُولُ التَّعْلِيلُ إلى ما ذَكَرْنا، وهَذا أوْلى مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ في الجَوابِ مِن أنَّ المُرادَ مِنَ الضَّلالِ الإذْكارُ لِأنَّ الضَّلالَ سَبَبٌ لِلْإذْكارِ فَأُطْلِقَ السَّبَبُ وأُرِيدَ المُسَبِّبَ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ مَعْنًى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ قِيلَ: والنُّكْتَةُ في إيثارِ ﴿ أنْ تَضِلَّ ﴾ الخ عَلى أنْ تُذَكِّرَ إنْ ضَلَّتِ الإيماءُ إلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ الإذْكارِ بِحَيْثُ صارَ ما هو مَكْرُوهٌ كَأنَّهُ مَطْلُوبٌ لِأجْلِهِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مُفْضِيًا إلَيْهِ، و(إحْداهُما) الثّانِيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ فاعِلَ (تُذَكِّرَ) ولَيْسَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ لَيْسَتِ المُذَكِّرَةُ هي النّاسِيَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا لِ (تُذَكِّرَ) والأُخْرى فاعِلًا ولَيْسَ مِن قَبِيلِ ضَرَبَ مُوسى عِيسى كَما وُهِمَ حَتّى يَتَعَيَّنَ الأوَّلُ بَلْ مِن قَبِيلِ أرْضَعَتِ الصُّغْرى الكُبْرى لِأنَّ سَبْقَ إحْداهُما بِعُنْوانِ نِسْبَةِ الضَّلالِ رافِعٌ لِلضَّلالِ، والسَّبَبُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ التَّنْبِيهُ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَذْكِيرِ الضّالِّ ولِهَذا كَما قِيلَ عُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ لِأنَّ التَّقْدِيمَ حِينَئِذٍ لا يُنَبِّهُ عَلى الِاهْتِمامِ كَما يُنَبِّهُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الظّاهِرِ الَّذِي لَوْ أُخِّرَ لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ سِوى وضْعِهِ مَوْضِعَهُ الأصْلِيَّ.

وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ العُدُولَ عَنْ فَتُذَكِّرُها الأُخْرى وهي قِراءَةُ اِبْنِ مَسْعُودٍ كَما رَواهُ الأعْمَشُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِتَأْكِيدِ الإبْهامِ والمُبالَغَةِ في الِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اِخْتِصاصِ الضَّلالِ بِإحْداهُما بِعَيْنِها والتَّذْكِيرِ بِالأُخْرى، وأبْعَدَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ في هَذا المَقامِ فَجَعَلَ ضَمِيرَ (إحْداهُما) الأُولى راجِعًا إلى الشَّهادَتَيْنِ، وضَمِيرَ (إحْداهُما) الأُخْرى إلى المَرْأتَيْنِ فالمَعْنى أنْ تَضِلَّ إحْدى الشَّهادَتَيْنِ، أيْ تَضِيعَ بِالنِّسْيانِ فَتُذَكِّرَ إحْدى المَرْأتَيْنِ الأُخْرى مِنهُما وأيَّدَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّهُ لا يُسَمّى ناسِي الشَّهادَةِ ضالًّا، وإنَّما يُقالُ: ضَلَّتِ الشَّهادَةُ إذا ضاعَتْ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ”ضَلُّوا عَنّا“ أيْ ضاعُوا مِنّا، وعَلَيْهِ يَكُونُ الكَلامُ عارِيًا عَنْ شائِبَةِ تَوَهُّمِ الإضْمارِ في مَقامِ الإظْهارِ رَأْسًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لا يَكُونُ لِإحْداهُما أُخْرى في الكَلامِ مَعَ حُصُولِ التَّفْكِيكِ وعَدَمِ الِانْتِظامِ، وما ذُكِرَ في التَّأْيِيدِ يُنْبِئُ عَنْ قِلَّةِ الِاطِّلاعِ عَلى اللُّغَةِ، فَفي «نِهايَةِ اِبْنِ الأثِيرِ» وغَيْرِها إطْلاقُ الضّالِّ عَلى النّاسِي، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في الآيَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ والرَّبِيعِ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ، ويَقْرُبُ هَذا في الغَرابَةِ مِمّا قِيلَ: إنَّهُ مِن بِدَعِ التَّفْسِيرِ وهو ما حُكِيَ عَنِ اِبْنِ عُيَيْنَةَ أنَّ مَعْنى ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ الخ فَتَجْعَلَ إحْداهُما الأُخْرى ذَكَرًا، يَعْنِي أنَّهُما إذا اِجْتَمَعَتا كانَتا بِمَنزِلَةِ الذَّكَرِ، فَإنَّ فِيهِ قُصُورًا مِن جِهَةِ المَعْنى واللَّفْظُ لِأنَّ التَّذْكِيرَ في مُقابَلَةِ النِّسْيانِ مَعْنًى مَكْشُوفٌ وغَرَضٌ بَيِّنٌ، ورِعايَةُ العَدَدِ لِأنَّ النِّسْوَةَ مَحَلُّ النِّسْيانِ كَذَلِكَ، ولِأنَّ جَعْلَها ذَكَرًا مَجازٌ عَنْ إقامَتِها مَقامَ الذَّكَرِ ثُمَّ تَجُوزُ ثانِيًا لِأنَّهُما القائِمَتانِ مَقامَهُ فَلَمْ تُجْعَلْ إحْداهُما الأُخْرى قائِمَةً مَقامَهُ -وبَعْدَ التَّجَوُّزِ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ- لِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى اِقْتِرانِ ذَكَرٍ البَتَّةَ مَعَهُما.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ ﴾ يُنْبِئانِ عَنْ قُصُورِهِما عَنْ ذَلِكَ أيْضًا والتِزامِ تَوْجِيهِ مِثْلِ ذَلِكَ، وعَرْضُهُ في سُوقِ القَبُولِ لا يُعَدُّ فَضْلًا بَلْ هو عِنْدَ أرْبابِ الذَّوْقِ عَيْنُ الفُضُولِ، ولَقَدْ رَأيْتُ في «طِرازِ المَجالِسِ» أنَّ الخَفاجِيَّ سَألَ قاضِيَ القُضاةِ شِهابَ الدِّينِ الغَزْنَوِيَّ عَنْ سِرِّ تَكْرارِ (إحْدى) مُعَرِّضًا بِما ذَكَرَهُ المَغْرِبِيُّ، فَقالَ: يا رَأْسَ أهْلِ العُلُومِ السّادَةِ البَرَرَهْ ومَن نَداهُ عَلى كُلِّ الوَرى نَشَرَهْ ما سِرُّ تَكْرارِ إحْدى دُونَ تَذَكُّرِها ∗∗∗ في آيَةٍ لِذَوِي الأشْهادِ في البَقَرَهْ وظاهِرُ الحالِ إيجازُ الضَّمِيرِ عَلى ∗∗∗ تَكْرارِ (إحْداهُما) لَوْ أنَّهُ ذَكَرَهْ وحَمْلُ الإحْدى عَلى نَفْسِ الشَّهادَةِ في ∗∗∗ أوْلاهُما لَيْسَ مَرْضِيًّا لَدى المَهَرَهْ فَغُصْ بِفِكْرِكَ لِاسْتِخْراجِ جَوْهَرِهِ ∗∗∗ مِن بَحْرِ عِلْمِكَ ثُمَّ اِبْعَثْ لَنا دُرَرَهْ فَأجابَ القاضِي يا مَن فَوائِدُهُ بِالعِلْمِ مُنْتَشِرَهْ ∗∗∗ ومِن فَضائِلِهِ في الكَوْنِ مُشْتَهِرَهْ يا مَن تَفَرَّدَ في كَشْفِ العُلُومِ لَقَدْ ∗∗∗ وافى سُؤالُكَ والأسْرارُ مُسْتَتِرَهْ (تَضِلُّ إحْداهُما) فالقَوْلُ مُحْتَمَلٌ ∗∗∗ كِلَيْهِما فَهي لِلْإظْهارِ مُفْتَقِرَهْ ولَوْ أتى بِضَمِيرٍ كانَ مُقْتَضِيًا ∗∗∗ تَعْيِينَ واحِدَةٍ لِلْحُكْمِ مُعْتَبِرَهْ ومَن رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ الحَلَّ فَهو كَما ∗∗∗ أشَرْتُمْ لَيْسَ مَرْضِيًّا لِمَن سَبَرَهْ هَذا الَّذِي سَمَحَ الذِّهْنُ الكَلِيلُ بِهِ ∗∗∗ واَللَّهُ أعْلَمُ في الفَحْوى بِما ذَكَرَهْ وقُرِئَ ﴿ أنْ تَضِلَّ ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والتَّأْنِيثِ، وقُرِئَ (فَتُذاكِرَ) وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو والحَسَنُ (فَتُذْكِرْ) بِسُكُونِ الذّالِ وكَسْرِ الكافِ، وحَمْزَةُ (إنْ تَضِلَّ) عَلى الشَّرْطِ فَتُذَكِّرُ بِالرَّفْعِ وعَلى ذَلِكَ فالفِعْلُ مَجْزُومٌ والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والفاءُ في الجَزاءِ قِيلَ: لِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ وهو ضَمِيرُ القِصَّةِ أوِ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ لِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ مُضارِعًا مُثْبَتًا يَجُوزُ فِيهِ الفاءُ وتَرْكُهُ، وقِيلَ: الأوْجَهُ أنْ يُقَدَّرَ المُبْتَدَأُ ضَمِيرُ الذّاكِرَةِ و(إحْداهُما) بَدَلٌ عَنْهُ أوْ عَنِ الضَّمِيرِ في (تُذَكِّرَ) وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الأوْجَهُ مِن هَذا كُلِّهِ تَقْدِيرُ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ أيْ فَهُما تُذَكِّرُ إحْداهُما الأُخْرى وعَلَيْهِ كَلامُ كَثِيرٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، والقائِلُونَ عَنْ ذَلِكَ تَفَرَّقُوا لَمّا رَأوْا تَنْظِيرَ الزَّمَخْشَرِيِّ قِراءَةَ الرَّفْعِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ ﴾ ولَمْ يَتَفَطَّنُوا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَةِ تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ بَعْدَ الفاءِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ لا مِن جِهَةِ خُصُوصِ الضَّمِيرِ إفْرادًا وتَثْنِيَةً واَللَّهُ تَعالى المُلْهِمُ لِلرَّشادِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ﴾ لِأداءِ الشَّهادَةِ أوْ لِتَحَمُّلِها وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وخَصَّ ذَلِكَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ بِالأوَّلِ وهو الظّاهِرُ لِعَدَمِ اِحْتِياجِهِ إلى اِرْتِكابِ المَجازِ إلّا أنَّ المَرْوِيَّ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ كانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ في القَوْمِ الكَثِيرِ فَيَدْعُوهم إلى الشَّهادَةِ فَلا يَتْبَعُهُ أحَدٌ مِنهم فَإنَّ ظاهِرَهُ يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِمَجازِ المُشارَفَةِ، و(ما) صِلَةٌ وهي قاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ بَعْدَ إذا.

﴿ ولا تَسْأمُوا ﴾ أيْ تَمَلُّوا أوْ تَضْجَرُوا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ∗∗∗ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأمِ ﴿ أنْ تَكْتُبُوهُ ﴾ أيِ الدَّيْنَ أوِ (اَلْحَقَّ) أوِ الكِتابَ المُشْعِرَ بِهِ الفِعْلُ والمُنْسَبِكُ مَفْعُولٌ بِهِ لِ (تَسْأمُوا) ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السَّأمِ الكَسَلِ إلّا أنَّهُ كَنّى بِهِ عَنْهُ لِأنَّهُ وقَعَ في القُرْآنِ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ﴾ ولِذا وقَعَ في الحَدِيثِ: «”لا يَقُولُ المُؤْمِنُ كَسِلْتُ وإنَّما يَقُولُ ثَقُلْتُ“».

وقُرِئَ (ولا يَسْأمُوا أنْ يَكْتُبُوهُ) بِالياءِ فِيهِما.

﴿ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا ﴾ حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا مُجْمَلًا أوْ مُفَصَّلًا، وقِيلَ: مَنصُوبانِ عَلى أنَّهُما خَبَرا كانَ المُضْمَرَةِ وقُدِّمَ الصَّغِيرُ عَلى الكَبِيرِ اِهْتِمامًا بِهِ وانْتِقالًا مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى.

﴿ إلى أجَلِهِ ﴾ حالٌ مِنَ الهاءِ في تَكْتُبُوهُ أيْ مُسْتَقِرًّا في ذِمَّةِ المَدِينِ إلى وقْتِ حُلُولِهِ الَّذِي أقَرَّ بِهِ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِ (تَكْتُبُوهُ) لِعَدَمِ اِسْتِمْرارِ الكِتابَةِ إلى الأجَلِ إذْ هي مِمّا يَنْقَضِي في زَمَنٍ يَسِيرٍ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيِ الكُتُبِ وهو الأقْرَبُ أوِ الإشْهادُ وهو الأبْعَدُ أوْ جَمِيعُ ما ذُكِرَ وهو الأحْسَنُ والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ أقْسَطُ ﴾ أيْ أعْدَلُ ﴿ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ في حُكْمِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ﴾ أثْبَتُ لَها وأعْوَنُ عَلى إقامَتِها وأدائِها وهُما مَبْنِيّانِ مِن أقْسَطَ وأقامَ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ فَإنَّهُ يُجِيزُ بِناءَ أفْعَلَ مِنَ الأفْعالِ مِن غَيْرِ شُذُوذٍ، وقِيلَ: مِن قاسِطٍ بِمَعْنى ذِي قِسْطٍ وقَوِيمٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قَسَطَ يَكُونُ بِمَعْنى جارَ وعَدَلَ، وأقْسَطَ بِمَعْنى عَدَلَ لا غَيْرَ حَكاهُ اِبْنُ القَطّاعِ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ في أقْسَطَ وقِيلَ: هو مِن قَسُطَ بِوَزْنِ كَرُمَ بِمَعْنى صارَ ذا قِسْطٍ أيْ عَدْلٍ، وإنَّما صَحَّتِ الواوُ في أقْوَمَ ولَمْ يَقُلْ أقامَ، لِأنَّها لَمْ تُقْلَبْ في فِعْلِ التَّعَجُّبِ نَحْوَ ما أقْوَمَهُ لِجُمُودِهِ إذْ هو لا يَتَصَرَّفُ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يُناسِبُهُ مَعْنًى فَحُمِلَ عَلَيْهِ ﴿ وأدْنى ألا تَرْتابُوا ﴾ أيْ أقْرَبَ إلى اِنْتِفاءِ رَيْبِكم وشَكِّكم في جِنْسِ الدَّيْنِ وقَدْرِهِ وأجَلِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، قِيلَ: وهَذا حِكْمَةُ خَلْقِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والكِرامُ الكاتِبِينَ مَعَ أنَّهُ الغَنِيُّ الكامِلُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ وإرْشادًا لِلْحُكّامِ، وحَرْفُ الجَرِّ مُقَدَّرٌ هُنا وهو (إلى) كَما سَمِعْتَ وقِيلَ: اللّامُ، وقِيلَ: مِن، وقِيلَ فِي، ولِكُلٍّ وُجْهَةٌ.

﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ ﴾ اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الأمْرِ بِالكِتابَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ﴾ إلى هُنا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ أيْ لَكِنْ وقْتَ كَوْنِ تَدايِنِكم أوْ تِجارَتِكم تِجارَةً حاضِرَةً بِحُضُورِ البَدَلَيْنِ تُدِيرُونَها بَيْنَكم بِتَعاطِيها يَدًا بِيَدٍ كَذا قِيلَ.

وفي «اَلدُّرِّ المَصُونِ» يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اِسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنَ الِاسْتِشْهادِ فَيَكُونُ قَدْ أُمِرَ بِالِاسْتِشْهادِ في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ حُضُورِ التِّجارَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ اِسْتِثْناءٌ مِن هَذا وذاكَ وهو مُنْقَطِعٌ أيْضًا، أيْ: لَكِنَّ التِّجارَةَ الحاضِرَةَ يَجُوزُ فِيها عَدَمُ الِاسْتِشْهادِ والكِتابَةِ؛ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوَّلُ أوْلى، ونَصَبَ عاصِمٌ (تِجارَةً) عَلى أنَّها خَبَرُ (تَكُونُ) واسْمُها مُسْتَتِرٌ فِيها يَعُودُ إلى التِّجارَةِ، كَما قالَ الفَرّاءُ وعَوْدُ الضَّمِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً جارٍ في فَصِيحِ الكَلامِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَعُودُ إلى المُدايَنَةِ والمُعامَلَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ، وعَلَيْهِ فالتِّجارَةُ مَصْدَرٌ لِئَلّا يَلْزَمَ الإخْبارُ عَنِ المَعْنى بِالعَيْنِ، ورَفَعَها الباقُونَ عَلى أنَّها اِسْمُ ﴿ تَكُونَ ﴾ والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿ تُدِيرُونَها ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ تَكُونَ ﴾ تامَّةً، فَجُمْلَةُ ﴿ تُدِيرُونَها ﴾ صِفَةٌ.

﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها ﴾ أيْ فَلا مَضَرَّةَ عَلَيْكم أوْ لا إثْمَ في عَدَمِ كِتابَتِكم لَها لِبُعْدِ ذَلِكَ عَنِ التَّنازُعِ والنِّسْيانِ، أوْ لِأنَّ في تَكْلِيفِكُمُ الكِتابَةَ حِينَئِذٍ مَشَقَّةً جِدًّا وإدْخالُ الفاءِ لِلْإيذانِ بِتَعَلُّقِ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها.

﴿ وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ﴾ أيْ هَذا التَّبايُعَ المَذْكُورَ أوْ مُطْلَقًا ﴿ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ نَهْيٌ عَنِ المُضارَّةِ، والفِعْلُ يَحْتَمِلُ البِناءَ لِلْفاعِلِ والبِناءَ لِلْمَفْعُولِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (ولا يُضارِرْ) بِالفَكِّ والكَسْرِ، وقِراءَةُ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالفَكِّ والفَتْحِ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: نُهِيَ الكاتِبُ والشّاهِدُ عَنْ تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما يُطْلَبُ مِنهُما وعَنِ التَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وعَلى الثّانِي: النَّهْيُ عَنِ الضِّرارِ بِهِما بِأنْ يُعَجَّلا عَنْ مُهِمٍّ أوْ لا يُعْطى الكاتِبُ حَقَّهُ مِنَ الجُعْلِ أوْ يَحْمِلَ الشّاهِدُ مَؤُونَةَ المَجِيءِ مِن بَلَدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ ولا يَأْبَ كاتِبٌ ﴾ الخ كانَ أحَدُهم يَجِيءُ إلى الكاتِبِ فَيَقُولُ: اُكْتُبْ لِي فَيَقُولُ: إنِّي مَشْغُولٌ أوْ لِي حاجَةٌ فانْطَلِقْ إلى غَيْرِي، فَيُلْزِمُهُ ويَقُولُ: إنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ أنْ تَكْتُبَ لِي فَلا يَدَعُهُ ويُضارُّهُ بِذَلِكَ، وهو يَجِدُ غَيْرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ وحَمَلَ بَعْضِهِمُ الصِّيغَةَ عَلى المَعْنَيَيْنِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ الحَسَنُ ولا (يُضارِّ) بِالكَسْرِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نَفْيٌ بِمَعْنى النَّهْيِ.

﴿ وإنْ تَفْعَلُوا ﴾ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ أوْ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ وبَعِيدٌ وُقُوعُهُ مِنكم ﴿ فَإنَّهُ ﴾ أيْ ذَلِكَ الفِعْلَ ﴿ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ أيْ خُرُوجٌ عَنْ طاعَةٍ مُتَلَبَّسٌ بِكُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُ الباءِ لِلظَّرْفِيَّةِ، قِيلَ: وهو أبْلَغُ إذْ جَعَلُوا مَحَلًّا لِلْفِسْقِ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ أحْكامَهُ المُتَضَمِّنَةَ لِمَصالِحِكم ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ حالُكم وهو مُجازِيكم بِذَلِكَ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَرَّرَ سُبْحانَهُ الِاسْمَ الجَلِيلَ في الجُمَلِ الثَّلاثِ وقَدِ اِسْتَكْرَهُوا مِثْلَ قَوْلِهِ: فَما لِلنَّوى جُذَّ النَّوى قُطِعَ النَّوى ∗∗∗ حَتّى قِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شاةٌ تَأْكُلُ نَواهُ؟

أُجِيبَ بِأنَّ التَّكْرِيرَ مِنهُ المُسْتَحْسَنُ ومِنهُ المُسْتَقْبَحُ، فالمُسْتَحْسَنُ كُلُّ تَكْرِيرٍ يَقَعُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّحْقِيرِ في جُمَلٍ مُتَوالِياتٍ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، والمُسْتَقْبَحُ هو أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ أوْ في جُمَلٍ بِمَعْنًى، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّعْظِيمُ والتَّحْقِيرُ، وما في البَيْتِ مِنَ القِسْمِ الثّانِي لِأنَّ جُذَّ النَّوى قُطِعَ النَّوى فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وما في الآيَةِ دُرَّةُ تاجِ القِسْمِ الأوَّلِ، لِأنَّ ”اتَّقُوا اللَّهَ“ حَثٌّ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى ﴿ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ وعْدٌ بِإنْعامِهِ سُبْحانَهُ ﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا عَلِمْتَ وجْهَ العَطْفِ فِيها مِنَ اِخْتِلافِها في الظّاهِرِ خَبَرًا وإنْشاءً، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الجُمْلَةِ الوُسْطى حالًا مِن فاعِلِ ”اتَّقُوا“ أيِ اِتَّقَوُا اللَّهَ مَضْمُونًا لَكُمُ التَّعْلِيمُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، والأوْلى ما قَدَّمَنا لِقِلَّةِ اِقْتِرانِ الفِعْلِ المُضارِعِ المُثْبَتِ الواقِعِ حالًا بِالواوِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ روي عن ابن عباس أنه قال: الآية نزلت في السلم.

ويقال كل دين إلى أجل سلماً كان أو غيره.

إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى أجل معلوم.

وفي الآية دليل أن المداينة لا تجوز إلا بأجل معلوم فَاكْتُبُوهُ يعني الدين والأجل.

ويقال: أمر بالكتابة، ولكن المراد به الكتابة والإشهاد، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة.

ويقال: أمر بالكتابة لكي لا ينسى.

ويقال: من أدان ديناً، ولم يكتب، فإذا نسي ودعى الله تعالى بأن يظهره يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري، وإذا دعى بالنجاة من الزوجة يقول الله تعالى جعلت الطلاق بيدك إن شئت طلقها، وإن شئت فأمسكها.

ثم قال تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ يعني يكتب الكاتب عن البائع والمشتري يعدل بينهما في كتابته، ولا يزاد على المطلوب على حقه، ولا ينقص من حق الطالب.

ويقال: إن هذا أمر للكاتب بالكتابة، وكانت المكاتبة واجبة في ذلك الوقت على الكاتب، لأن الكتبة كانوا قليلاً ثم نسخ بقوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: 282] وقال بعضهم: الكتابة لم تكن واجبة، ولكن الأمر على معنى الاستحباب ثم قال: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ يقول ولا يمتنع الكاتب عن الكتابة أَن يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ يعني يكتب شكراً لما أنعم الله عليه حيث علمه الكتابة، واحتاج غيره إليه، فكما أكرمه الله تعالى بالكتابة وفضله بذلك، فيعرف شكره، ولا يمتنع عن الكتابة لمن طلب منه.

ثم قال: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يعني المطلوب هو الذي يملي على الكاتب حتى يكتب الكتابة، لأن قول المطلوب حجة على نفسه، فإذا أملى على الكاتب يكون ذلك إقراراً منه بوجوب الحق عليه.

ثم خوف المطلوب لكيلا ينقص شيئاً من حق الطالب.

فقال تعالى: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ يعني المطلوب وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً يقول: لا ينقص مِنَ الحق شَيْئاً، يعني المطلوب.

ويقال: يعني الكاتب، ولا يبخس في الكتابة شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يعني إذا كان المطلوب سَفِيهاً أي جاهلاً بالإملاء، ويقال أحمق أَوْ ضَعِيفاً يعني صبيّاً عاجزاً عن الإملاء.

ويقال: أخرس أو مجنون أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ يعني لا يحسن أَنْ يُمِلَّ هُوَ على الكاتب فيرجع الإملاء على الطالب فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ يعني: ولي الحق أي الطالب هكذا قال في رواية الكلبي.

وقال في رواية الضحاك.

يعني ولي المدين يعني إذا كان للصبي وصي أو ولي يرجع الإملاء عليه فليملل وليه بِالْعَدْلِ أي بالحق.

ثم أمر بالإشهاد فقال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا على حقكم شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ يعني من أهل دينكم من الأحرار البالغين فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ فليكن رجلاً وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ يعني من العدول أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما يعني إذا نسيت إحدى المرأتين.

فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى يعني: إذا حفظت إحداهما الشهادة فتذكر صاحبتها ويقال: إذا امتنعت إحداهما عن أداء الشهادة، فتعظها الأُخرى حتى تشهد.

قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف ونصب التاء وجزم اللام، وإنما كسر الألف على معنى الابتداء والشرط، وجزم اللام لحرف الشرط، فَتُذْكِرُ بضم الراء.

وقرأ الباقون بنصب الألف، ومعناه لأن تضل.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، فتذكر بالتخفيف.

وقرأ الباقون بنصب الذال وتشديد الكاف، وهما لغتان أذكرته وذكرته.

ثم قال: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا يعني: الشاهد إذا دعي إلى الحاكم ليشهد، فلا يمتنع عن أداء الشهادة والإباء عن الشهادة حرام، لأن الله تعالى نهى عن الإباء عن الشهادة.

ويقال: إباء الشهادة على ثلاثة أوجه: أحدهما أن يمتنع عن أدائه.

والثاني أن يشهد ويقصر في أدائه، لكيلا تقبل شهادته.

والثالث بأن لا يصون نفسه عن المعاصي، فيصير منهما لا تقبل شهادته، فكأنه وهو الذي أبطل حق المدعي، وخانه حيث عصى الله تعالى حتى ردت شهادته بمعصيته.

ثم قال تعالى وَلا تَسْئَمُوا يقول ولا تملوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً يعني قليل الحق أو كثيره إِلى أَجَلِهِ لأن الكتابة أحصى للأجل وأحفظ للمال ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ أي أعدل وَأَقْوَمُ وأصوب لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى يقول: أحرى وأجدر أَلَّا تَرْتابُوا يعني: لا تشكوا في شيء من حقوقكم.

ثم استثنى الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً قرأ عاصم تجارة حاضرة بالنصب وقرأ الباقون بالرفع، فمن قرأ بالنصب جعله خبر تكون، والاسم مضمر معناه إلا أن تكون المداينة تجارة حاضرة.

ومن قرأ بالرفع جعله اسمه يعني إذا كان البيع بالنقد تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ يعني تداولونها أيديكم، ولم يكن المال مؤجلاً فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي حرج أَلَّا تَكْتُبُوها يعني التجارة.

ثم قال وَأَشْهِدُوا على حقكم إِذا تَبايَعْتُمْ على كل حال، نقداً كان أو مؤجلاً، وهذا أمر استحباب، ولو ترك الإشهاد جاز البيع.

ثم قال تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يقال لا يعمد أحدكم إلى الكاتب والشاهد، فيدعوهما إلى الكتابة والشهادة، ولهما حاجة مهمة، فيمنعهما عن حاجتهما، وليتركهما حتى يفرغا من حاجتهما، أو يطلب غيرهما وَإِنْ تَفْعَلُوا يقول: إن تضاروا الكاتب والشاهد فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ يقول معصية منكم وترك الأدب قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرر ويقال: واتقوا الله ولا تعصوه فيما أمركم من أمر الكتابة والإشهاد وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ في أمر الكتابة، ويقال: ويؤدبكم الله وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم عَلِيمٌ.

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي كنتم مسافرين وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً يعني لم تجدوا من يكتب الكتاب وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ، ولم تجدوا كاتباً، يعني الكاتب والصحيفة فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن، والباقون فرهان، فمن قرأ فرهان، فهو جمع الرهن، ومن قرأ فرهن فهو جمع الرهان، وهو جمع الجمع.

ويقال: كلاهما واحد، وهو جمع الرهن، يعني إذا كنتم في السفر، ولم تجدوا من يكتب، ولم تجدوا الصحيفة والدواة، فاقبضوا الرهن.

وفي الآية دليل أن الرهن لا يصح إلا بالقبض لأنه جعل الرهن بالقبض.

ثم قال تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً يعني إذا كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق أميناً عند الطلب، ولم يطلب منه الرهن، ورضي بدينه بغير رهن قوله: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ يعني أن المطلوب يقضي دينه حيث ائتمنه الطالب، ولم يرتهن منه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يمنع حقه، ثم رجع إلى الشهود فقال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ عند الحاكم يقول: من كانت عنده شهادة، فليؤدها على وجهها ولا يكتمها وَمَنْ يَكْتُمْها يعني الشهادة فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ يعني فاجر قلبه.

قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ من كتمان الشهادة وإقامتها، فهذا وعيد للشاهد على كتمان شهادته لكيلا يكتمها.

قرأ حمزة وعاصم فليؤد الذي اؤتمن، بضم الألف، والباقون يقرءون بسكون الألف وكلاهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فقرئَتْ عليه هذه الآيةُ، فبكى عندها، ثم بكى، إلى أَنْ فاضتْ نفْسُه، ومَالَ، فحَرَّكُوه، فإِذا هو مَيِّتٌ- رَحِمَهُ اللَّهُ- ونَفَعَ بِهِ، يَا هَذَا، مَنْ صَحَا عَقْلُه مِنْ سُكْر هواه، وجَهْلِهِ، احترق بنَارِ النَّدَمِ والخَجَلِ مِنْ مهابة نَظَرِ ربِّه، وتنكَّرت صُورةُ حالِهِ في عَيْنِهِ نفوسَ الأغبياءِ الجُهَّال، غَافِلَةً عن العظمة والجَلاَل، ولاَهِيَةً عن أهْوَال المَعَاد والمَآل، مَشْغُولَةً برذائلِ الأفْعَال، وفُضُولِ القِيلِ والقَال، والاِستنباطِ والاِحْتِيَالِ لاِزدياد الأمْوَال، ولا يَعْلَمُون أنَّها فِتْنَةٌ وَوَبَال، وطُولُ حِسَابٍ وبَلاَء وبَلْبَالَ «١» ، اغتنموا، يا ذوِي البَصَائر نعْمَةَ الإِمهال، واطرحوا خَوَادِع الأمانِي، وكَوَاذِب/ الآمال، فكأنْ قد فجأتْكُم هواجمُ الآجال.

انتهى من ٧٤ «الكم الفارقيّة، في الحكم الحقيقيّة» .

ويَوْماً: نصب على المفعول، لا على الظرف، وجمهور العلماء على أنَّ هذا اليوم المحذَّر منه هو يومُ القيامةِ، والحِسَابِ والتوفيةِ، وقال قومٌ: هو يوم المَوْت، والأول أصَحُّ، وهو يومٌ تنفطرُ لذكْره القُلُوب، وفي هذه الآيةِ نصٌّ على أنَّ الثواب والعقابَ متعلِّق بكَسْب الإِنْسَان، وهذا ردّ على الجبريّة.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ...

الآية.

قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السّلم خاصّة «٢» ،

قال ع «١» : معناه أنَّ سَلَمَ أهْلِ المدينة كانَ سَبَبَ الآيةِ، ثم هِيَ تتناوَلُ جميعَ المدايَنَات إجماعاً، ووصفُهُ الأَجَلَ ب مُسَمًّى- دليلٌ على أنَّ الجهالة لا تجوزُ، وقال جمهورُ العلماء: الأمر بالكَتب ندْبٌ إِلى حفظ الأموال، وإِزالة الرّيب، وإِذا كان الغريمُ تقيًّا، فما يضرُّه الكَتْب، وإِن كان غير ذلك، فالكتب ثقافٌ في دَيْنِهِ وحَاجَة صاحبِ الحقِّ، قال بعضهم: إِن أشهدتَّ، فحَزْمٌ، وإِن ائتمنت، ففي حِلٍّ وَسَعةٍ.

ع «٢» : وهذا هو القول الصحيحُ، ثم علم تعالى أنه سيقع الاِئتمانُ، فقال: إِن وقع ذلك، فَلْيُؤَدِّ ...

[البقرة: ٢٨٣] الآية، فهذه وصيَّة للذِينَ علَيْهم الدُّيون.

واختلف في قوله تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ.

فقال عطاءٌ، والشَّعْبِيُّ: واجبٌ على الكاتِبِ أنْ يكْتُبَ، إِذا لم يوجَدْ سواه «٣» ، وقال السُّدِّيُّ: هو واجبٌ مع الفَرَاغ «٤» .

وقوله: بِالْعَدْلِ: معناه: بالحَقِّ، ثم نهى اللَّه سبحانه الكُتَّابَ عن الإباءَة، وحكى المَهْدَوِيُّ عن الرَّبِيعِ، والضَّحَّاك أنَّ قوله تعالى: وَلا يَأْبَ منسوخٌ بقوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، قال «٥» ع «٦» : أما إذا أمكن الكتاب، فلَيْسَ يجبُ الكَتْب على معيَّن، بل له الاِمتناع، إِلا إِذا استأجره، وأمَّا إِذا عدم الكاتبُ، فيتوجَّه وجوبُ النَّدْب حينئِذٍ على الكَاتِبِ.

وقوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ...

الاية: أَمَرَ اللَّه تعالى الَّذي علَيْه الحقُّ بالإِملال لأنَّ الشهادة، إِنما تكونُ بحَسَب إِقراره، وإِذا كتبت الوثيقة، وأقر بها، فهي

كإمْلاله، والبَخْسُ: النقْصُ بنوعٍ من المخادَعَة، والمُدَافعة، وهؤلاءِ الذين أُمِرُوا بالإِملال هم المالكُون لأنفسهم، إِذا حَضَرُوا.

ثم ذكر تعالى ثلاثةَ أنواعٍ تقَعُ نوازلُهُمْ في كلِّ زمانٍ، فقال: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً، والسفيهُ: الهَلْهَل الرأي في المالِ، الذي لا يحسنُ الأخذ لنَفْسِهِ ولا الإِعطاء منْها مشبَّه بالثوْبِ السَّفِيهِ، وهو الخفيفُ النَّسْجِ، والسَّفَهُ: الخِفَّة، وهذه الصفة في الشريعةِ لا تخلُو من حجر أبٍ، أو وصيٍّ وذلك هو وليُّه، ثم قال: أَوْ ضَعِيفاً، والضعيفُ: هو المدخُولُ في عَقْلِهِ، وهذا أيضاً قد يكونُ وليُّه أَباً أو وصيًّا، والذي لا يستطيعُ أن يُمِلَّ هو الصغيرُ، ووليُّه وصيُّه أو أبوه، والغائبُ عن موضعِ الإشهاد لمرضٍ أو لغيرِ ذلك مِنَ الأعذار، ووليُّه وكيلُهُ، وأمَّا الأخْرَسُ، فيسوغُ أنْ يكون من الضعفاء، والأولى أنه ممَّن لا يستطيعُ.

وقوله: بِالْعَدْلِ: معناه: بالحَقِّ، وقَصْدِ الصواب.

وقوله تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ...

الآية: الاستشهادُ: طلبُ الشهادة/، وعبّر ٧٤ ب ببناءِ مبالغة في «شَهِيدَيْنِ» دلالةً على مَنْ قد شهد، وتكرَّر ذلك منه فكأنه إِشارة إِلى العدالة، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «١» : والصحيحُ أنَّ الأمر بالاستشهادِ محمولٌ على الندب.

اهـ.

وقوله تعالى: مِنْ رِجالِكُمْ: نصٌّ في رفضِ الكفارِ، والصِّبْيَانِ، والنِّساء، وأما العبيدُ، فاللفظ يتناولهم.

واختلف العلماء فيهم، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، وجمهورِ العلماءِ: أنَّ شهادتهم لا تجوزُ، وغلبوا نقْضَ الرِّقِّ.

واسم كان الضميرُ الذي في قوله: يَكُونا، والمعنى في قول الجمهور: فإِن لم يكن المستشْهَدُ رجلَيْنِ، وقال قومٌ: بلْ المعنى: فإِن لم يوجَدْ رجلانِ.

ولا يجوز استشهاد المَرْأَتَيْنِ إِلا مع عَدَم الرجال، قال ع «٢» : وهذا قول ضعيفٌ ولفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهرُ منه قولُ الجمهور.

وقوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، أي: فليشهدْ أو فليكُنْ رجُلٌ وامرأتان.

وقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ: رفعٌ في موضع الصفةِ لقوله: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، وهذا الخطاب لجميع الناس، المتلبِّس بهذه القصَّة هم الحُكَّام، وهذا كثيرٌ في كتاب اللَّه يعمُّ الخطابُ فيما يتلبَّس به البعْض.

وفي قوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ: دليلٌ على أنَّ في الشهود من لا يرضى فيجيء من ذلك، أنَّ الناس ليسوا بمحمولِينَ عَلَى العَدَالة حتى تَثْبُتَ لهم.

وقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما ...

الآيةَ: «أنْ» مفعولٌ من أجله، والشهادة لم تقع لأَنْ تَضِلَّ إحْدَاهما، وإِنما وقع إِشهاد امرأتين لأنّ تُذَكِّر إِحداهما، إِنْ ضلَّت الأخرى، قال سيبوَيْهِ، وهذا كما تقول: أعْدَدتُّ هذه الخَشَبَةَ أنْ يميلَ الحَائِطُ، فأدعمه.

ع «١» : ولما كانتِ النفوسُ مستشرفةً إِلى معرفة أسباب الحوادِثِ، قدم في هذه العبارة ذكْرَ سبب الأمر المقْصُود إلى أنْ يخبر به، وهذا مِنْ أبْرَعِ الفَصَاحَةِ إِذ لو قال لكَ رجل: أعدت هذه الخشبةَ أنْ أدعم بها هذا الحائطَ، لقال السامعُ: ولِمَ تدعم حائطاً قائماً، فيجب ذكر السبب، فيقال: إِذا مَالَ، فجاء في كلامِهِمْ تقديمُ السَّبَبِ أخْصَرَ من هذه المحاورة، قال أبو عبيد: ومعنى: تَضِلَّ تنسى «٢» .

ع «٣» : والضَّلال عن الشهادة: إِنما هو نسيانُ جزءٍ منها، وذكْرُ جزء، ويبقَى المرء بَيْن ذلك حيرانَ ضَالاًّ.

وقوله تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا ...

الآية: قال قتادة وغيره: معنى الآيةِ: إِذا دُعُوا أنْ يشهدوا «٤» ، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآيةُ جمعت أمرَيْن: لا تأب إِذا دُعِيتَ إلى تحصيل الشهادةِ، ولا إِذا دُعِيتَ إِلى أدائها «٥» وقاله ابن عباس «٦» ، وقال

مجاهد: معنى الآيةِ لا تأبَ، إِذا دُعِيتَ إِلى أداء شهادة قد حصَلَتْ عندك «١» ، وأسند النّقّاش إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّه فسر الآية بهذا.

ت: وهذا هو الحقيقة في الآيةِ، وأما تسمية الشيْءِ بِما يَئُولُ إِليه، فمجازٌ، والشاهد حقيقةً من حصَلَتْ له الشهادة، قال مجاهد: فأما إِذا دُعِيتَ أوَّلاً، فإِن شئْت فاذهب، وإِن شئت، فلا تذهب» «٢» ، وقاله جماعة، قال ع «٣» : والآية كما قال الحَسَنُ جمعتْ أمرَيْنِ، والمسلمون مندوبون إِلى معونة إِخوانهم، فإِذا كانت الفُسْحَة لكَثْرة الشهودِ والأَمْنِ مِنْ تعطُّل الحق، فالمدعُّو مندوبٌ، وإِن خِيفَ تَلَفُ الحقِّ بتأخُّر الشاهد، وجب عليه القيام بها سِيَمَا إِن كانت محصَّلةً، ودُعِيَ لأدائها، / فهذه آكَدُ لأنها قِلاَدَةٌ في العُنُق وأمانةٌ تقتضي الأداء.

م: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ، قال أبو البقاءِ: مفعولُ «يأب» محذوفٌ، أي: ولا يأب الشهداءُ إِقامةَ الشهادةِ أو تحمُّل الشهادةِ، «وإِذا» : ظرفٌ ل «يَأْبَ» ، ويحتمل أنْ يكون ظرفا للمفعول المحذوف.

اهـ.

وتَسْئَمُوا: معناه تملّوا، وقدّم الصغير اهتماما به، وأَقْسَطُ: معناه أعدل، وأَقْوَمُ، أي: أشدُّ إقامةً، وقيل: أقْوَمُ، من: قَامَ بمعنى: اعتدل، وأَدْنى:

معناه: أقرب، وتَرْتابُوا: معناه: تَشُكُّوا.

قال ابنُ هِشَامٍ: إِلى أَجَلِهِ: لا يصحُّ تعلُّقه ب «تَكْتُبُوهُ» لاِقتضائه استمرار الكتابة إِلى أجل الدَّيْن، وإِنما هو حالٌ، أي: مستقِرًّا في الذِّمَّة إِلى أجله.

اهـ من «المُغْنِي» .

وقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً ...

الآية: لما علمَ اللَّه سبحانه مشَقَّة الكتْب عليهم، نصَّ على ترك ذلك، ورَفْعِ الجُنَاح فيه، في كلِّ مبايعة بنَقْد، وذلك في الأغلَبِ، إِنما هو في قليلٍ كالطَّعام ونحوه، لا في كثير كالأملاك ونحوها، وقال السُّدِّيُّ، والضَّحَّاك: هذا فيما كان يداً بيد، تأخذ وتعطي «٤» .

وقوله تعالى: تُدِيرُونَها: يقتضي التقابُضَ والبينونَةَ في المقبوضِ.

وقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ، اختلف، هل ذلك على الوجوب، أو على الندب؟

والوجوبُ في ذلك قَلِقٌ أمَّا في الدقائق، فصعب شاقٌّ، وأما ما كَثُر، فربَّما يقصد التاجر الاِستِئْلافَ بتَرْك الإِشهاد إِلى غير ذلك من المصالِحِ، فلا يُشْهِد، ويدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقَى الأمر في الإِشهاد نَدْباً لما فيه من المصلحة في الأغلب، وحكى المهدويُّ عن قومٍ أنهم قالوا: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ منسوخٌ بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ ...

[البقرة: ٢٨٣] الآية: وذكره مكِّيٌّ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ.

واختلف النَّاس في معنى قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، أي:

كاختلافهم في قوله تعالى: لاَ تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها [البقرة: ٢٣٣] ، هل الفعلُ مسند إِلى الفاعل، فأصله: «وَلاَ يضارر كَاتِبٌ ولاَ شَهِيدٌ» بكسر الراء، وقيل: مسندٌ إلى المفعول الذي لم يسمّ فاعله، فأصله: «وَلاَ يُضَارَرُ» بفتحها.

ع «١» : ووجوه المضارَّة لا تنحصرُ، وفكُّ الفعْلِ هي لغةُ الحجازِ، والإِدغامُ لغة تَمِيمٍ.

وقوله: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أيْ: وإِنْ تفعلوا المضارَّة، وقوله: بِكُمْ، أي: حَالٌّ بِكُمْ.

وباقي الآية موعظةٌ وتهديدٌ، واللَّه المستعانُ لا ربَّ غيره، وقيل: معنى الآية الوعْدُ لأنَّ من اتقى عُلِّمَ الخَيْرَ وأُلْهِمَهُ.

ت: وفي «العتبية» مِنْ سماع ابن القَاسِمِ، قال: سَمِعْتُ مالكاً يقولُ: سَمِعْتُ أنَّه يقالُ: ما زَهِدَ عَبْدٌ، واتقى اللَّهَ إِلا أنْطَقَهُ اللَّهُ بالحكْمَة.

اهـ.

والمراد بهذا العلم العلم النافع الّذي يورث الحشية قال أبو عُمَرَ بنُ عبْدِ البَرِّ: رُوِّينَا عنْ مَسْروقٍ، قال: «كفى بالمَرْءِ عَلْماً أنْ يخشَى اللَّهَ، وكفى بالمَرْءِ جهلاً أنْ يُعْجَب بعلْمه» ، أبو عمر: إِنما أعرفه بعَمَلِهِ.

اهـ من كتاب «فضل العلم» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ الشّاعِرُ: دايَنْتُ أرَوى والدُّيُونُ تُقْضى فَماطَلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضًا والمَعْنى: إذا كانَ لِبَعْضِكم عَلى بَعْضٍ دَيْنٌ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فاكْتُبُوهُ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِكِتابَةِ الدَّيْنِ، وبِالإشْهادِ، حِفْظًا مِنهُ لِلْأمْوالِ، ولِلنّاسِ مِنَ الظُّلْمِ، لِأنَّ مَن كانَتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ، قَلَّ تَحْدِيثُهُ لِنَفْسِهِ بِالطَّمَعِ في إذْهابِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في السِّلْمِ خاصَّةً.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ "بِدَيْنٍ" و"تَدايَنْتُمْ" يَكْفِي عَنْهُ؟

فالجَوابُ: أنَّ تَدايَنْتُمْ يَقَعُ عَلى مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: المُشاراةُ والمُبايَعَةُ والإقْراضُ.

والثّانِي: المُجازاةُ بِالأفْعالِ، فالأوَّلُ يُقالُ فِيهِ: الدَّيْنُ بِفَتْحِ الدّالِ، والثّانِي: يُقالُ مِنهُ: الدِّينُ بِكَسْرِ الدّالِ.

قالَ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ  ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ.

وَأنْشَدُوا: دِنّاهم كَما دانُوا فَدَلَّ قَوْلُهُ "بِدَيْنٍ" عَلى المُرادِ بِقَوْلِهِ "تَدايَنْتُمْ" ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

فَأمّا العَدْلُ فَهو الحَقُّ.

قالَ قَتادَةُ: لا تَدَعْنَ حَقًّا، ولا تَزِيدَنَّ باطِلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ﴾ أيْ: يَمْتَنِعُ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ الكِتابَةَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: الكِتابَةُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ كالجِهادِ.

والثّانِي: كَما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ الحَقُّ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي المَطْلُوبَ، يَقُولُ: لِيُمْلِ ما عَلَيْهِ مِن حَقِّ الطّالِبِ عَلى الكاتِبِ، ﴿ وَلا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا ﴾ أيْ: لا يُنْقِصْ عِنْدَ الإمْلاءِ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: يُقالُ: أمَلْلْتُ أُمْلِ، وأمْلَيْتُ أُمْلِي لُغَتانِ، فَأمْلَيْتُ مِنَ الإمْلاءِ وأمْلَلْتُ مِنَ المَلَلِ والمَلالِ، لِأنَّ المُمِلَّ يُطِيلُ قَوْلَهُ عَلى الكاتِبِ ويُكَرِّرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا ﴾ في المُرادِ بِالسَّفِيهِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الجاهِلُ بِالأمْوالِ، والجاهِلُ بِالإمْلاءِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّبِيُّ والمَرْأةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الصَّغِيرُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ المُبَذِّرُ، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

وفي المُرادِ بِالضَّعِيفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاجِزُ والأخْرَسُ، ومَن بِهِ حُمْقٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الأحْمَقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الصَّغِيرُ قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَسْتَطِيعُ لِعِيِّهِ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: لا يُحْسِنُ أنْ يُمِلَّ ما عَلَيْهِ، وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هو المَجْنُونُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُها: أنَّها تَعُودُ إلى الحَقِّ، فَتَقْدِيرُهُ: فَلْيُمْلِلْ ولِيَّ الحَقِّ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، ومُقاتِلٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وعابَ قَوْلَ الأوَّلِينَ، فَقالَ: كَيْفَ يَقْبَلُ قَوْلَ المُدَّعِي؟!

وما حاجَتُهُ إلى الكُتّابِ والإشْهادِ، والقَوْلُ قَوْلُهُ؟!

وهَذا اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى أيْضًا.

والعَدْلُ: الإنْصافُ.

وُقِيَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن رِجالِكُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي الأحْرارَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والثّانِي: أهْلُ الإسْلامِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ، والقاضِي أبِي يَعْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ خاطَبَ المُؤْمِنِينَ في أوَّلِ الآَيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ ﴾ أرادَ: فَإنْ لَمْ يَكُنِ الشَّهِيدانِ رَجُلَيْنِ ﴿ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ ﴾ ولَمْ يُرِدْ بِهِ: إنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أهْلِ الفَضْلِ والدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ، أنَّ الخَلِيلَ، وسِيبَوَيْهِ، وسائِرَ النَّحْوِيِّينَ المَوْثُوقِ بِعِلْمِهِمْ، قالُوا: مَعْناهُ: اسْتَشْهِدُوا امْرَأتَيْنِ، لِأنَّ تَذَكُّرَ إحْداهُما الأُخْرى.

ومِن أجْلِ أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى.

وقَرَأ حَمْزَةُ "إنْ تَضِلَّ" بِكَسْرِ الألِفِ.

والضَّلالُ هاهُنا: النِّسْيانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وأمّا قَوْلُهُ: "فَتُذَكِّرَ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، بِالتَّخْفِيفِ مَعَ نَصْبِ الرّاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِالرَّفْعِ مَعَ تَشْدِيدِ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ، وتَشْدِيدِ الكافِ، فَمَن شَدَّدَ أرادَ الإدِّكارَ عِنْدَ النِّسْيانِ، وفي قِراءَةِ مَن خَفَّفَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى المُشَدَّدَةِ أيْضًا، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والسُّدِّيُّ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى: تَجْعَلُ شَهادَتَهِما بِمَنزِلَةِ شَهادَةِ ذَكَرٍ، وهَذا مَذْهَبُ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو نَحْوَهُ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى، وقَدْ رَدَّهُ جَماعَةٌ، مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ مَذْهَبُ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِالقَوِيِّ، لِأنَّهُنَّ لَوْ بَلَغْنَ ما بَلَغْنَ، لَمْ تَجُزْ شَهادَتُهُنَّ إلّا أنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، ولِأنَّ الضَّلالَ هاهُنا: النِّسْيانُ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقابَلَ بِما يُعادِلُهُ، وهو التَّذْكِيرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ في الحِواءِ العَظِيمِ، [فِيهِ القَوْمُ فَيَدْعُوهم إلى الشَّهادَةِ ] فَلا يَتْبَعُهُ مِنهم أحَدٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وإلى ماذا يَكُونُ هَذا الدُّعاءُ؟

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إلى تَحَمُّلِ الشَّهادَةِ، وإثْباتِها في الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةُ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ.

والثّانِي: إلى إقامَتِها وأدائِها عِنْدَ الحُكّامِ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَتْ شَهادَتُهم بِها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

ورَواهُ المَيْمُونِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

والثّالِثُ: إلى تَحَمُّلِها وإلى أدائِها، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: إنَّما يَلْزَمُ الشّاهِدُ أنْ لا يَأْبى إذا دُعِيَ لِإقامَةِ الشَّهادَةِ إذا لَمْ يُوجَدْ مَن يَشْهَدُ غَيْرَهُ، فَأمّا إنْ كانَ قَدْ تَحَمَّلَها جَماعَةٌ، لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ في حالِ تَحَمُّلِها، لِأنَّهُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ كالجِهادِ، فَلا يَجُوزُ لِجَمِيعِ النّاسِ الِامْتِناعُ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسْأمُوا ﴾ أيْ: لا تَمِلُّوا وتَضْجَرُوا أنْ تَكْتُبُوا القَلِيلَ والكَثِيرَ الَّذِي قَدْ جَرَتِ العادَةُ بِتَأْجِيلِهِ إلى أجَلِهِ، أيْ: إلى مَحَلِّ أجَلِهِ ﴿ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ: أعْدَلُ، ﴿ وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ﴾ لِأنَّ الكِتابَ يَذْكُرُ الشُّهُودَ جَمِيعَ ما شَهِدُوا عَلَيْهِ ﴿ وَأدْنى ﴾ أيْ: أقْرَبُ ﴿ ألا تَرْتابُوا ﴾ أيْ: لا تَشُكُّوا ﴿ إلا أنْ تَكُونَ ﴾ الأمْوالُ ﴿ تِجارَةً ﴾ أيْ: إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةً.

وقَرَأ عاصِمٌ "تِجارَةً" بِالنَّصْبِ عَلى مَعْنى: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً حاضِرَةً، وهي البُيُوعُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ تَسْلِيمَ ما عُقِدَ عَلَيْهِ مِن جِهَتِهِ بِلا تَأْجِيلٍ، فَأباحَ تَرْكَ الكِتابِ فِيها تَوْسِعَةً، لِئَلّا يَضِيقَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ تُبايِعُهم في مَأْكُولٍ أوْ مَشْرُوبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ﴾ الإشْهادُ مَندُوبٌ إلَيْهِ فِيما جَرَتِ العادَةُ بِالإشْهادِ عَلَيْهِ.

* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآَيَةُ تَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِإثْباتِ الدَّيْنِ في كِتابٍ، وإثْباتِ شَهادَةٍ في البَيْعِ والدَّيْنِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ هَذا أمْرُ وُجُوبٍ، أمْ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ؟

فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ أمْرُ نَدْبٍ واسْتِحْبابٍ فَعَلى هَذا هو مُحْكَمٌ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الكِتابَ والإشْهادَ واجِبانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي مُوسى، ومُجاهِدٍ، وابْنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وأبِي قُلابَةَ، والحَكَمِ، وابْنِ زَيْدٍ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، هَلْ هَذا الحُكْمُ باقٍ، أمْ مَنسُوخٌ؟

فَذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ مِن "يُضارُّ" وسُكُونِها.

وفي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ لا يُضارُّ بِأنْ يَدَّعِيَ وهو مَشْغُولٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، والفَرّاءِ، ومُقاتِلٍ.

وقالَ الرَّبِيعُ: كانَ أحَدُهم يَجِيءُ إلى الكاتِبِ فَيَقُولُ: اكْتُبْ لِي، فَيَقُولُ: إنِّي مَشْغُولٌ، فَيَلْزَمُهُ، ويَقُولُ: إنَّكَ قَدْ أمَرْتَ بِالكِتابَةِ، فَيُضارُّهُ، ولا يَدَعُهُ، وهو يَجِدُ غَيْرَهُ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ الشّاهِدُ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ .

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: النَّهْيُ لِلْكاتِبِ أنْ يُضارَّ مَن يَكْتُبُ لَهُ، بِأنْ يَكْتُبَ غَيْرَ، ما يُمْلَ عَلَيْهِ ولِلشّاهِدِ أنَّ يَشْهَدَ بِما لَمْ يَسْتَشْهِدْ عَلَيْهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وطاوُوسٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

واحْتَجَّ الزَّجّاجُ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ قالَ: ولا يُسَمّى مَن دَعا كاتِبًا لِيَكْتُبَ، وهو مَشْغُولٌ، أوْ شاهِدٌ؛ فاسِقًا، إنَّما يُسَمّى مِن حَرْفِ الكِتابِ، أوْ كَذِبٍ في الشَّهادَةِ، فاسِقًا.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى المُضارَّةَ: امْتِناعُ الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ، والشَّهادَةُ أنْ يَشْهَدَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَفْعَلُوا ﴾ يَعْنِي: المُضارَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في السَلَمِ خاصَّةً، مَعْناهُ أنَّ سَلَمَ أهْلِ المَدِينَةِ كانَ بِسَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ هي تَتَناوَلُ جَمِيعَ المُدايَناتِ إجْماعًا.

وبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "بِدَيْنٍ" ما في قَوْلِهِ: "تَدايَنْتُمْ" مِنَ الِاشْتِراكِ، إذْ قَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ: تَدايَنُوا بِمَعْنى: جازى بَعْضُهم بَعْضًا.

ووَصْفُهُ الأجَلَ بِـ "مُسَمّىً" دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَهالَةَ لا تَجُوزُ، فَكَأنَّ الآيَةَ رَفَضَتْها، وإذا لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةٌ وحَدٌّ فَلَيْسَ هُناكَ أجَلٌ - وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ كَتْبَ الدُيُونِ واجِبٌ عَلى أرْبابِها فُرِضَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَهَبَ الرَبِيعُ إلى أنَّ ذَلِكَ وجَبَ بِهَذِهِ الألْفاظِ، ثُمَّ خَفَّفَهُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا  ﴾ ، وقالَ الشَعْبِيُّ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَإنْ أمِنَ  ﴾ ناسِخٌ لِأمْرِهِ بِالكَتْبِ، وحَكى نَحْوَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ورُوِيَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الأمْرُ بِالكَتْبِ نَدْبٌ إلى حِفْظِ الأمْوالِ وإزالَةِ الرَيْبِ، وإذا كانَ الغَرِيمُ تَقِيًّا فَما يَضُرُّهُ الكِتابُ، وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فالكَتْبُ ثِقافٌ في دَيْنِهِ، وحاجَةِ صاحِبِ الحَقِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ أشْهَدْتَ فَحَزْمٌ، وإنِ ائْتَمَنتَ فَفي حِلٍّ وسَعَةٍ، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، ولا يَتَرَتَّبُ نَسْخٌ في هَذا لِأنَّ اللهَ تَعالى نَدَبَ إلى الكَتْبِ فِيما لِلْمَرْءِ أنْ يَهَبَهُ ويَتْرُكَهُ بِإجْماعٍ، فَنَدْبُهُ إنَّما هو عَلى جِهَةِ الحَيْطَةِ لِلنّاسِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَقَعُ الِائْتِمانُ فَقالَ: إنْ وقَعَ ذَلِكَ فَلْيُؤَدِّ - الآيَةَ، فَهَذِهِ وصِيَّةٌ لِلَّذِينَ عَلَيْهِمُ الدُيُونُ، ولَمْ يَجْزِمْ تَعالى الأمْرَ نَصًّا بِألّا يُكْتَبَ إذا وقَعَ الِائْتِمانُ.

وأمّا الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فَذَهَبَ إلى أنَّ الأمْرَ بِالكَتْبِ فَرْضٌ واجِبٌ، وطَوَّلَ في الِاحْتِجاجِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ أنَّهُ يَعْتَقِدُ الأوامِرَ عَلى الوُجُوبِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ ﴾ فَقالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: واجِبٌ عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ، وقالَ الشَعْبِيُّ: وعَطاءٌ أيْضًا: إذا لَمْ يُوجَدْ كاتِبٌ سِواهُ فَواجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَ، فَقالَ السُدِّيُّ: هو واجِبٌ مَعَ الفَراغِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالعَدْلِ ﴾ ، مَعْناهُ: بِالحَقِّ والمَعْدَلَةِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَكْتُبْ ﴾ ، ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِـ "كاتِبٌ"، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ لا يَكْتُبَ وثِيقَةً إلّا العَدْلُ في نَفْسِهِ، وقَدْ يَكْتُبُها الصَبِيُّ والعَبْدُ والمَسْخُوطُ إذا أقامُوا فِقْهَها، أمّا المُنْتَصِبُونَ لِكَتْبِها فَلا يَجُوزُ لِلْوُلاةِ أنْ يَتْرُكُوهم إلّا عُدُولًا مَرَضِيِّينَ، وقالَ مالِكُ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَكْتُبُ الوَثائِقَ مِنَ الناسِ إلّا عارِفٌ بِها، عَدْلٌ في نَفْسِهِ، مَأْمُونٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ﴾ .

ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى الكاتِبَ عَنِ الإبايَةِ، وأبى يَأْبى شاذٌّ لَمْ يَجِئْ إلّا قَلى يَقْلى وأبى يَأْبى، ولا يَجِيءُ فَعَلَ يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ في المُضارِعِ إلّا إذا رَدَّهُ حَرْفُ حَلْقٍ، قالَ الزَجّاجُ: والقَوْلُ في أبى - أنَّ الألِفَ فِيهِ أشْبَهَتِ الهَمْزَةَ فَلِذَلِكَ جاءَ مُضارِعُهُ يَفْعَلُ بِفَتْحِ العَيْنِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الرَبِيعِ والضَحّاكِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ وَلا يَأْبَ ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ .

والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَما عَلَّمَهُ اللهُ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ أنْ يَكْتُبَ ﴾ ، المَعْنى: كَتْبًا كَما عَلَّمَهُ اللهُ، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "كَما" مُتَعَلِّقَةً بِما في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَأْبَ ﴾ مِنَ المَعْنى، أيْ كَما أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِعِلْمِ الكِتابَةِ فَلا يَأْبَ هو ولْيَفْضُلْ كَما أفْضَلَ اللهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى هَذا المَعْنى تامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أنْ يَكْتُبَ ﴾ ، ثُمَّ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ كَما عَلَّمَهُ اللهُ ﴾ ابْتِداءَ كَلامٍ، وتَكُونَ الكافُ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: "فَلْيَكْتُبْ"، أمّا إذا أمْكَنَ الكُتّابُ فَلَيْسَ يَجِبُ الكَتْبُ عَلى مُعَيَّنٍ، ولا وُجُوبُ النَدْبِ، بَلْ لَهُ الِامْتِناعُ، إلّا إنِ اسْتَأْجَرَهُ، وأمّا إذا عُدِمَ الكاتِبُ فَيَتَوَجَّهُ وُجُوبُ النَدْبِ حِينَئِذٍ عَلى الحاضِرِ، وأمّا الكَتْبُ في الجُمْلَةِ فَنُدِبَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وافْعَلُوا الخَيْرَ  ﴾ وهو مِن بابِ عَوْنِ الضائِعِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أو ضَعِيفًا أو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ بِالإمْلاءِ، لِأنَّ الشَهادَةَ إنَّما تَكُونُ بِحَسَبِ إقْرارِهِ، وإذا كُتِبَتِ الوَثِيقَةُ وأقَرَّ بِها فَهو كَإمْلالِهِ، وأمَرَ اللهُ بِالتَقْوى فِيما يُمِلُّ، ونَهى عن أنْ يَبْخَسَ شَيْئًا مِنَ الحَقِّ، والبَخْسُ: النَقْصُ بِنَوْعٍ مِنَ المُخادَعَةِ والمُدافَعَةِ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالإمْلالِ هُمُ المالِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ إذا حَضَرُوا.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ثَلاثَةَ أنْواعٍ تَقَعُ نَوازِلُهم في كُلِّ زَمَنٍ، فَقالَ: ﴿ فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا ﴾ وكَوْنَ الحَقِّ يَتَرَتَّبُ في جِهاتٍ سِوى المُعامَلاتِ، كالمَوارِيثِ إذا قُسِّمَتْ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

والسَفِيهُ: المُهَلْهَلُ الرَأْيِ في المالِ الَّذِي لا يُحْسِنُ الأخْذَ لِنَفْسِهِ ولا الإعْطاءَ مِنها، مُشَبَّهٌ بِالثَوْبِ السَفِيهِ وهو الخَفِيفُ النَسْجِ، والسَفَهُ: الخِفَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو ذُو الرُمَّةِ:.

مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ وَهَذِهِ الصِفَةُ في الشَرِيعَةِ لا تَخْلُو مِن حَجْرِ أبٍ أو وصِيٍّ، وذَلِكَ هو ولِيُّهُ، ثُمَّ قالَ: "أو ضَعِيفًا" والضَعِيفُ: هو المَدْخُولُ العَقْلِ، الناقِصُ الفِطْرَةِ، وهَذا أيْضًا قَدْ يَكُونُ ولِيُّهُ أبًا أو وصِيًّا - والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ: الصَغِيرُ، ووَلِيُّهُ وصِيُّهُ أو أبُوهُ، والغائِبُ عن مَوْضِعِ الإشْهادِ إمّا لِمَرَضٍ أو لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُذْرِ، ووَلِيُّهُ وكِيلُهُ، وأمّا الأخْرَسُ فَيَسُوغُ أنْ يَكُونَ مِنَ الضُعَفاءِ، والأولى أنَّهُ مِمَّنْ لا يَسْتَطِيعُ، فَهَذِهِ أصْنافٌ تَتَمَيَّزُ، وقَدْ تَجِدُ مَن يَنْفَرِدُ بِواحِدٍ واحِدٍ مِنها، وقَدْ يَجْتَمِعُ مِنها اثْنانِ في شَخْصٍ، ورُبَّما اجْتَمَعَتْ كُلُّها في شَخْصٍ، وهَذا التَرْتِيبُ يُنْتَزَعُ مِن قَوْلِ مالِكٍ وغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: السَفِيهُ الصَبِيُّ الصَغِيرُ، وهَذا خَطَأٌ، وقالَ قَوْمٌ: الضَعِيفُ: هو الكَبِيرُ الأحْمَقُ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.

وجاءَ الفِعْلُ مُضاعَفًا في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ يُمِلَّ ﴾ ، لِأنَّهُ لَوْ فُكَّ لَتَوالَتْ حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ، والفَكُّ في هَذا الفِعْلِ لُغَةُ قُرَيْشٍ.

و"بِالعَدْلِ" مَعْناهُ: بِالحَقِّ وقَصْدِ الصَوابِ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ الضَمِيرَ في "وَلِيُّهُ" عائِدٌ عَلى الحَقِّ، وأسْنَدَ في ذَلِكَ عَنِ الرَبِيعِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي شَيْءٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَيْفَ تَشْهَدُ البَيِّنَةَ عَلى شَيْءٍ وتُدْخِلُ مالًا في ذِمَّةِ السَفِيهِ بِإمْلالِ الَّذِي لَهُ الدَيْنُ؟

هَذا شَيْءٌ لَيْسَ في الشَرِيعَةِ، والقَوْلُ ضَعِيفٌ إلّا أنْ يُرِيدَ قائِلُهُ أنَّ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ بِمَرَضِهِ إذا كانَ عاجِزًا عَنِ الإمْلاءِ فَلْيُمِلَّ صاحِبُ الحَقِّ بِالعَدْلِ، ويُسْمِعِ الَّذِي عَجَزَ فَإذا كَمُلَ الإمْلاءُ أقَرَّ بِهِ، وهَذا مَعْنىً لَمْ تَعْنِ الآيَةُ إلَيْهِ، ولا يَصِحُّ هَذا إلّا فِيمَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ بِمَرَضٍ فَقَطْ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِن الشُهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ الِاسْتِشْهادُ: طَلَبُ الشَهادَةِ، وعَبَّرَ بِبِناءِ مُبالَغَةٍ في "شَهِيدَيْنِ" دَلالَةً عَلى مَن قَدْ شَهِدَ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ، فَكَأنَّها إشارَةٌ إلى العَدالَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن رِجالِكُمْ ﴾ نَصٌّ في رَفْضِ الكُفّارِ والصِبْيانِ والنِساءِ وأمّا العَبِيدُ فاللَفْظُ يَتَناوَلُهُمْ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِمْ - فَقالَ شُرَيْحٌ: وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: شَهادَةُ العَبْدِ جائِزَةٌ إذا كانَ عَدْلًا، وغَلَّبُوا لَفْظَ الآيَةِ، وقالَ مالِكُ، والشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ، وغَلَّبُوا نَقْصَ الرِقِّ.

واسْمُ كانَ الضَمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: "يَكُونا"، والمَعْنى في قَوْلِ الجُمْهُورِ: فَإنْ لَمْ يَكُنِ المُسْتَشْهَدُ رَجُلَيْنِ، أيْ إنْ أغْفَلَ ذَلِكَ صاحِبُ الحَقِّ أو قَصَدَهُ لِعُذْرٍ ما، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المَعْنى: فَإنْ لَمْ يُوجَدْ رَجُلانِ، ولا يَجُوزُ اسْتِشْهادُ المَرْأتَيْنِ إلّا مَعَ عَدَمِ الرِجالِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ولَفْظُ الآيَةِ لا يُعْطِيهِ، بَلِ الظاهِرُ مِنهُ قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ ﴾ ، مُرْتَفِعٌ بِأحَدِ ثَلاثَةِ أشْياءٍ: إمّا أنْ تُقَدِّرَ: فَلْيُسْتَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، وإمّا: فَلْيَكُنْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ تامَّةً وناقِصَةً، ولَكِنَّ التامَّةَ أشْبَهُ، لِأنَّهُ يَقِلُّ الإضْمارُ، وإمّا: فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَشْهَدُونَ - وعَلى كُلِّ وجْهٍ فالمُقَدَّرُ هو العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ .

ورَوى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ عن بَعْضِ أهْلِ مَكَّةَ أنَّهم قَرَؤُوا: "وامْرَأْتانِ" بِهَمْزِ الألِفِ ساكِنَةً، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: لا نَظِيرَ لِتَسْكِينِ الهَمْزَةِ المُتَحَرِّكَةِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، إنَّما خَفَّفُوا الهَمْزَةَ فَقَرُبَتْ مِنَ الساكِنِ، ثُمَّ بالَغُوا في ذَلِكَ فَصارَتِ الهَمْزَةُ ألِفًا ساكِنَةً، كَما قالَ الشاعِرُ: يَقُولُونَ جَهْلًا: لَيْسَ لِلشَّيْخِ عَيِّلٌ ∗∗∗ لَعَمْرِي لَقَدْ أعْيَلْتُ وأْنَ رَقُوبُ يُرِيدُ: وأنا - ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُدْخِلُونَ الهَمْزَةَ عَلى هَذِهِ الألِفِ كَما هِيَ، وهي ساكِنَةٌ، ومِنهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ: "عن سَأْقَيْها"، وقَوْلُهُمْ: بَأْزٌ، وخَأْتَمٌ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَإنْ قِيلَ: شُبِّهَتِ الهَمْزَةُ بِالألِفِ في أنَّها ساوَتْها في الجَهْرِ والزِيادَةِ والبَدَلِ والحَذْفِ وقُرْبِ المَخْرَجِ فَقَوْلٌ مَخْشُوبٌ لا صَنْعَةَ فِيهِ ولا يَكادُ يُقْنَعُ بِمِثْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُهَداءِ ﴾ رُفِعَ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ ﴾ ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الصِفَةِ قَوْلُهُ: "شَهِيدَيْنِ" لِاخْتِلافِ الإعْرابِ، وهَذا حُكْمٌ لَفْظِيٌّ، وأمّا المَعْنى فالرِضى شَرْطٌ في الشَهِيدَيْنِ كَما هو في الرَجُلِ والمَرْأتَيْنِ.

قالَ ابْنُ بَكِيرٍ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْحُكّامِ، وهَذا غَيْرُ نَبِيلٍ إنَّما الخِطابُ لِجَمِيعِ الناسِ لَكِنَّ المُتَلَبِّسَ بِهَذِهِ القَضِيَّةِ إنَّما هُمُ الحُكّامُ، وهَذا كَثِيرٌ في كِتابِ اللهِ يَعُمُّ الخِطابُ فِيما يَتَلَبَّسُ بِهِ البَعْضُ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ في الشُهُودِ مَن لا يَرْضى فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ الناسَ لَيْسُوا بِمَحْمُولِينَ عَلى العَدالَةِ حَتّى تَثْبُتَ لَهم.

وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "إنْ تَضِلَّ" بِكَسْرِ الألِفِ وفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الضادِ "فَتُذَكِّرُ" بِفَتْحِ الذالِ ورَفْعِ الراءِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأها الباقُونَ: "أنْ تَضِلَّ" بِفَتْحِ الألِفِ "فَتُذَكِّرَ" بِنَصْبِ الراءِ غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وأبا عَمْرٍو خَفَّفا الذالَ والكافَ وشَدَّدَها الباقُونَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيما هو العامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَضِلَّ ﴾ و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والشَهادَةُ لَمْ تَقَعْ لِأنْ تَضِلَّ إحْداهُما وإنَّما وقَعَ إشْهادُ امْرَأتَيْنِ لِأنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما إنْ ضَلَّتِ الأُخْرى، قالَ سِيبَوَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ هَذا الحائِطُ فَأُدَعِّمَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمّا كانَتِ النُفُوسُ مُسْتَشْرِفَةً إلى مَعْرِفَةِ أسْبابِ الحَوادِثِ قَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرَ سَبَبِ الأمْرِ المَقْصُودِ أنْ يُخْبِرَ بِهِ، وفي ذَلِكَ سَبْقُ النُفُوسِ إلى الإعْلامِ بِمُرادِها، وهَذا مِن أبْرَعِ أنْواعِ الفَصاحَةِ، إذْ لَوْ قالَ رَجُلٌ لَكَ: أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ أُدَعِّمَ بِها هَذا الحائِطَ لَقالَ السامِعُ: ولِمَ تُدَعِّمُ حائِطًا قائِمًا؟

فَيَجِبُ ذِكْرُ السَبَبِ فَيُقالُ: إذا مالَ.

فَجاءَ في كَلامِهِمْ تَقْدِيمُ السَبَبِ أخْصَرَ مِن هَذِهِ المُحاوَرَةِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى "تَضِلَّ": تَنْسى، والضَلالُ عَنِ الشَهادَةِ إنَّما هو نِسْيانُ جُزْءٍ مِنها، وذِكْرُ جُزْءٍ، ويَبْقى المَرْءُ بَيْنَ ذَلِكَ حَيْرانَ ضالًّا، ومَن نَسِيَ الشَهادَةَ جُمْلَةً فَلَيْسَ يُقالُ: ضَلَّ فِيها، فَأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ فَجَعَلَ "أنْ" لِلْجَزاءِ، والفاءَ في قَوْلِهِ: فَتُذَكِّرَ جَوابَ الجَزاءِ، ومَوْضِعَ الشَرْطِ وجَوابَهُ رُفِعَ بِكَوْنِهِ صِفَةً لِلْمَذْكُورِ وهُما المَرْأتانِ.

وارْتَفَعَ "تُذَكِّرُ" كَما ارْتَفَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنهُ  ﴾ هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وأمّا نَصْبُ قَوْلِهِ: "فَتُذَكِّرَ" عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ فَعَلى العَطْفِ عَلى الفِعْلِ المَنصُوبِ بِـ "أنْ".

وتَخْفِيفُ الكافِ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو، وابْنِ كَثِيرٍ هو بِمَعْنى تَثْقِيلِهِ مِنَ الذِكْرِ، يُقالُ: ذَكَّرَ وأذْكَرَ تُعَدِّيهِ بِالتَضْعِيفِ أو بِالهَمْزِ.

ورُوِيَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُما قالا: مَعْنى قَوْلِهِ: "فَتُذْكِرَ" بِتَخْفِيفِ الكافِ أيْ تَرُدُّها ذِكْرًا في الشَهادَةِ، لِأنَّ شَهادَةَ امْرَأةٍ نِصْفُ شَهادَةٍ، فَإذا شَهِدَتا صارَ مَجْمُوعُهُما كَشَهادَةِ ذَكَرٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ غَيْرُ فَصِيحٍ، ولا يَحْسُنُ في مُقابَلَةِ الضَلالِ إلّا الذِكْرُ - وذَكَّرْتَ بِشَدِّ الكافِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، و"أحَدُهُما" في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى الشَهادَةَ الَّتِي ضَلَّتْ عنها.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنْ تُضَلَّ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الضادِ بِمَعْنى أنْ تَنْسى، هَكَذا حَكى عنهُما أبُو عَمْرٍو الدانِي، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الجَحْدَرِيِّ ضَمَّ التاءِ وكَسْرَ الضادِ بِمَعْنى أنْ تُضِلَّ الشَهادَةَ، تَقُولُ: أضْلَلْتُ الفَرَسَ والبَعِيرَ إذا تَلِفا لَكَ وذَهَبا فَلَمْ تَجِدْهُما، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ ومُجاهِدٌ "فَتُذْكِرُ" بِتَخْفِيفِ الكافِ المَكْسُورَةِ ورَفْعِ الراءِ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَوازَ شَهادَةِ امْرَأتَيْنِ بِشَرْطِ اقْتِرانِهِما بِرَجُلٍ، واخْتَلَفَ قَوْلُ مالِكٍ في شَهادَتِهِما - فَرَوى عنهُ ابْنُ وهْبٍ أنَّ شَهادَةَ النِساءِ لا تَجُوزُ إلّا حَيْثُ ذَكَرَها اللهُ في الدَيْنِ، أو فِيما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا هُنَّ لِلضَّرُورَةِ إلى ذَلِكَ، ورَوى عنهُ ابْنُ القاسِمِ أنَّها تَجُوزُ في الأمْوالِ، والوَكالاتِ عَلى الأمْوالِ، وكُلِّ ما جَرَّ إلى مالٍ، وخالَفَ في ذَلِكَ أشْهَبُ وغَيْرُهُ.

وكَذَلِكَ إذا شَهِدْنَ عَلى ما يُؤَدِّي إلى غَيْرِ مالٍ - فَفِيها قَوْلانِ في المَذْهَبِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَأْبَ الشُهَداءُ إذا ما دُعُوا ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أو كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألا تَرْتابُوا ﴾ قالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُما: مَعْنى الآيَةِ: إذا دُعُوا أنْ يَشْهَدُوا فَيَتَقَيَّدَ حَقٌّ بِشَهادَتِهِمْ، وفي هَذا المَعْنى نَزَلَتْ لِأنَّهُ كانَ يَطُوفُ الرَجُلُ في القَوْمِ الكَثِيرِ يَطْلُبُ مَن يَشْهَدُ لَهُ فَيَتَحَرَّجُونَ هم عَنِ الشَهادَةِ فَلا يَقُومُ مَعَهُ أحَدٌ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآيَةُ جَمَعَتْ أمْرَيْنِ - لا تَأْبَ إذا دُعِيتَ إلى تَحْصِيلِ الشَهادَةِ، ولا إذا دُعِيتَ إلى أدائِها، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ - لا تَأْبَ إذا دُعِيتَ إلى أداءِ شَهادَةٍ قَدْ حَصَلَتْ عِنْدَكَ.

وَأسْنَدَ النَقّاشُ إلى النَبِيِّ  أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِهَذا.

قالَ مُجاهِدٌ: فَأمّا إذا دُعِيتَ لِتَشْهَدَ أوَّلًا فَإنْ شِئْتَ فاذْهَبْ، وإنْ شِئْتَ فَلا تَذْهَبْ، وقالَهُ: لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَطاءٌ، وإبْراهِيمُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم.

والآيَةُ كَما قالَ الحَسَنُ جَمَعَتْ أمْرَيْنِ عَلى جِهَةِ النَدْبِ، فالمُسْلِمُونَ مَندُوبُونَ إلى مَعُونَةِ إخْوانِهِمْ، فَإذا كانَتِ الفُسْحَةُ لِكَثْرَةِ الشُهُودِ والأمْنِ مِن تَعْطِيلِ الحَقِّ فالمَدْعُوُّ مَندُوبٌ، ولَهُ أنْ يَتَخَلَّفَ لِأدْنى عُذْرٍ، وإنْ تَخَلَّفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ولا ثَوابَ لَهُ، وإذا كانَتِ الضَرُورَةُ، وخِيفَ تَعَطُّلُ الحَقِّ أدْنى خَوْفٍ قَوِيَ النَدْبُ، وقَرُبَ مِنَ الوُجُوبِ.

وإذا عَلِمَ أنَّ الحَقَّ يَذْهَبُ ويَتْلَفُ بِتَأخُّرِ الشاهِدِ عَنِ الشَهادَةِ فَواجِبٌ عَلَيْهِ القِيامُ بِها، لا سِيَّما إنْ كانَتْ مُحَصَّلَةً، وكانَ الدُعاءُ إلى أدائِها، فَإنَّ هَذا الظَرْفَ آكَدُ، لِأنَّها قِلادَةٌ في العُنُقِ، وأمانَةٌ تَقْتَضِي الأداءَ.

﴿ وَلا تَسْأمُوا ﴾ مَعْناهُ تَمَلُّوا، و ﴿ صَغِيرًا أو كَبِيرًا ﴾ حالانِ مِنَ الضَمِيرِ فِي: ﴿ تَكْتُبُوهُ ﴾ ، وقُدِّمَ الصَغِيرُ اهْتِمامًا بِهِ، وهَذا النَهْيُ عَنِ السَآمَةِ إنَّما جاءَ لِتَرَدُّدِ المُدايَنَةِ عِنْدَهُمْ، فَخِيفَ عَلَيْهِمْ أنْ يَمَلُّوا الكَتْبَ.

و( أقْسَطُ ) مَعْناهُ أعْدَلُ، وهَذا أفْعَلُ مِنَ الرُباعِيِّ، وفِيهِ شُذُوذٌ، فانْظُرْ هَلْ هي مِن قَسُطَ بِضَمِّ السِينِ كَما تَقُولُ: أكْرَمُ مِن كَرُمَ.

يُقالُ: أقْسَطَ بِمَعْنى عَدَلَ، وقَسَطَ بِمَعْنى جارَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا  ﴾ ومَن قَدَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ﴾ بِمَعْنى وأشَدُّ إقامَةً فَذَلِكَ أيْضًا أفْعَلُ مِنَ الرُباعِيِّ، ومَن قَدَّرَها مِن قامَ بِمَعْنى: اعْتَدَلَ زالَ عَنِ الشُذُوذِ، "وَأدْنى" مَعْناهُ: أقْرَبُ و"تَرْتابُوا" مَعْناهُ: تَشُكُّوا، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ.

"يَسْأمُوا، ويَكْتُبُوهُ ويَرْتابُوا" كُلَّها بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم واتَّقُوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهَ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ لَمّا عَلِمَ اللهُ تَعالى مَشَقَّةَ الكِتابِ عَلَيْهِمْ نَصَّ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ، ورَفْعِ الجُناحِ فِيهِ في كُلِّ مُبايَعَةٍ بِنَقْدٍ، وذَلِكَ في الأغْلَبِ إنَّما هو في قَلِيلٍ كالمَطْعُومِ ونَحْوِهِ لا في كَثِيرٍ كالأمْلاكِ ونَحْوِها، ولِذا قالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هَذا فِيما كانَ يَدًا بِيَدٍ تَأْخُذُ وتُعْطِي، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ ﴾ يَقْتَضِي التَقابُضَ والبَيْنُونَةَ بِالمَقْبُوضِ- ولَمّا كانَتِ الرِباعُ والأرْضُ وكَثِيرٌ مِنَ الحَيَوانِ لا تَقْوى البَيْنُونَةُ بِهِ ولا يُعابُ عَلَيْهِ - حَسُنَ الكَتْبُ فِيها، ولَحِقَتْ في ذَلِكَ بِمُبايَعَةِ الدَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "تِجارَةً" نَصْبًا، وقَرَأ الباقُونَ: "تِجارَةٌ" رَفْعًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأشُكُّ في ابْنِ عامِرٍ - وإذا أتَتْ "كانَ" بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ - غَنِيَتْ عن خَبَرٍ، وإذا خُلِعَ مِنها مَعْنى الحُدُوثِ لَزِمَها الخَبَرُ المَنصُوبُ، فَحُجَّةُ مَن رَفَعَ "تِجارَةٌ" أنَّ "كانَ" بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ، وأمّا مَن نَصَبَ فَعَلى خَبَرِ "كانَ" والِاسْمُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ، إمّا: "المُبايَعَةُ" الَّتِي دَلَّتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلَيْها، وإمّا: [إلّا أنْ تَكُونَ "التِجارَةُ تِجارَةً"] ويَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ الشاعِرِ: فِدىً لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ ناقَتِي ∗∗∗ إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا أيْ إذا كانَ اليَوْمُ يَوْمًا، هَكَذا أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ البَيْتَ، وكَذَلِكَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ولِلَّهِ قَوْمِي أيَّ قَوْمٍ لِحُرَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا وأنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ: يَوْمٌ بِالرَفْعِ.

إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ...

∗∗∗........................

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ﴾ ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: "وَأشْهِدُوا عَلى صَغِيرِ ذَلِكَ وكَبِيرِهِ"، واخْتَلَفَ الناسُ - هَلْ ذَلِكَ عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ؟

فَقالَ الحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، وغَيْرُهُما: ذَلِكَ عَلى النَدْبِ.

وقالَ ابْنُ عَمْرٍو، والضَحّاكُ: ذَلِكَ عَلى الوُجُوبِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ في قَلِيلِ الأشْياءِ وكَثِيرِها.

وقالَهُ عَطاءٌ، ورَجَّحَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ: والوُجُوبُ في ذَلِكَ قَلِقٌ، أمّا في الدَقائِقِ فَصَعْبٌ شاقٌّ، وأمّا ما كَثُرَ فَرُبَّما يَقْصِدُ التاجِرُ الِاسْتِيلافَ بِتَرْكِ الإشْهادِ، وقَدْ يَكُونُ عادَةً في بَعْضِ البِلادِ، وقَدْ يَسْتَحِي مِنَ العالِمِ والرَجُلِ الكَبِيرِ المُوَقَّرِ فَلا يُشْهِدُ عَلَيْهِ، فَيَدْخُلُ ذَلِكَ كُلُّهُ في الِائْتِمانِ، ويَبْقى الأمْرُ بِالإشْهادِ نَدْبًا لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في الأغْلَبِ ما لَمْ يَقَعْ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنهُ كَما ذَكَرْنا، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: "وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ" مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: "فَإنْ أمِنَ" الآيَةِ.

وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ فَقالَ الحَسَنُ، وَقَتادَةُ، وطاوُسُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى: ولا يُضارَّ الكاتِبُ بِأنْ يَكْتُبَ ما لَمْ يُمْلَ عَلَيْهِ، ولا يُضارَّ الشاهِدُ بِأنْ يَزِيدَ في الشَهادَةِ أو يَنْقُصَ مِنها، وقالَ مِثْلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، إلّا أنَّهم قالُوا: لا يُضارَّ الكاتِبُ والشاهِدُ بِأنْ يَمْتَنِعا، ولَفْظُ الضَرَرِ يَعُمُّ هَذا، والقَوْلَ الأوَّلَ، والأصْلُ في "يُضارَّ" عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ "يُضارِرْ" بِكَسْرِ الراءِ، ثُمَّ وقَعَ الإدْغامُ وفُتِحَتِ الراءُ في الجَزْمِ لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وطاوُسُ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ بِأنْ يُؤْذِيَهُ طالِبُ الكَتْبَةِ أوِ الشَهادَةِ فَيَقُولَ: اكْتُبْ لِي أوِ اشْهَدْ لِي في وقْتِ عُذْرٍ أو شُغْلٍ لِلْكاتِبِ أوِ الشاهِدِ، فَإذا اعْتَذَرا بِعُذْرِهِما حَرَّجَ وآذاهُما، وقالَ: خالَفْتَ أمْرَ اللهِ ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، ولَفْظُ المُضارَّةِ إذْ هو مِنَ اثْنَيْنِ يَقْتَضِي هَذِهِ المَعانِيَ كُلَّها، والكاتِبُ والشَهِيدُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ رُفِعَ بِفِعْلِهِما، وفي القَوْلِ الثانِي رُفِعَ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وأصْلُ "يُضارَّ" عَلى القَوْلِ الثانِي يُضارَرْ بِفَتْحِ الراءِ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ أنَّهم كانُوا يَقْرَؤُونَ: "وَلا يُضارَرْ" بِالفَكِّ وفَتْحِ الراءِ الأُولى، وهَذا عَلى مَعْنى أنْ يَبْدَأهُما بِالضَرَرِ طالِبُ الكَتْبَةِ والشَهادَةِ، وذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عنهم في تَرْجَمَةِ هَذا القَوْلِ، وفَسَّرَ القِراءَةَ بِهَذا المَعْنى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الراءَ الأُولى مَفْتُوحَةٌ كَما ذَكَرْنا.

وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، ومُجاهِدٍ أنَّ الراءَ الأُولى مَكْسُورَةٌ، وحَكى عنهم أيْضًا فَتْحَها.

وفَكُّ الفِعْلِ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والإدْغامُ لُغَةُ تَمِيمٍ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَلا يُضارَّ" بِجَزْمِ الراءِ قالَ أبُو الفَتْحِ: تَسْكِينُ الراءِ مَعَ التَشْدِيدِ فِيهِ نَظَرٌ، ولَكِنَّ طَرِيقَهُ أُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَلا يُضارِرْ" بِكَسْرِ الراءِ الأُولى "كاتِبًا ولا شَهِيدًا بِالنَصْبِ، أيْ لا يَبْدَأْهُما صاحِبُ الحَقِّ بِضَرَرٍ، ووُجُوهُ المُضارَّةِ لا تَنْحَصِرُ.

ورَوى مِقْسَمٌ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ "وَلا يُضارِّ" بِالإدْغامِ وكَسْرِ الراءِ لِلِالتِقاءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلا يُضارُّ" بِرَفْعِ الراءِ مُشَدَّدَةً، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ.

ولا أدْرِي ما هَذِهِ القِراءَةُ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا الَّذِي أنْكَرَهُ ابْنُ مُجاهِدٍ مَعْرُوفٌ، وذَلِكَ عَلى أنْ تَجْعَلَ "لا" نَفْيًا أيْ: لَيْسَ يَنْبَغِي أنْ يُضارَّ، كَما قالَ الشاعِرُ: عَلى الحَكَمِ المَأْتِيِّ يَوْمًا إذا قَضى ∗∗∗ ∗∗∗ قَضِيَّتَهُ أنْ لا يَجُورَ ويَقْصِدُ فَرَفْعُ "وَيَقْصِدُ" عَلى إرادَةِ ويَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَ، فَكَذَلِكَ يَرْتَفِعُ "وَلا يُضارُّ" عَلى مَعْنى: ويَنْبَغِي أنْ لا يُضارَّ، قالَ: وإنْ شِئْتَ كانَ لَفْظَ خَبَرٍ عَلى مَعْنى النَهْيِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ النَظَرِ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ مَن جَعَلَ المُضارَّةَ المَنهِيَّ عنها زِيادَةَ الكاتِبِ والشاهِدِ فِيما أُمْلِيَ عَلَيْهِما أو نَقْصَهُما مِنهُ فالفُسُوقُ عَلى عُرْفِهِ في الشَرْعِ، وهو مُواقَعَةُ الكَبائِرِ، لِأنَّ هَذا مِنَ الكَذِبِ المُؤْذِي في الأمْوالِ والأبْشارِ، وفِيهِ إبْطالُ الحَقِّ - ومَن جَعَلَ المُضارَّةَ المَنهِيَّ عنها أذى الكاتِبِ والشاهِدِ بِأنْ يُقالَ لَهُما: أجِيبا ولا تُخالِفا أمْرَ اللهِ أو جَعَلَها امْتِناعَهُما إذا دُعِيا، فالفُسُوقُ عَلى أصْلِهِ في اللُغَةِ الَّذِي هو الخُرُوجُ مِن شَيْءٍ كَما يُقالُ: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، وفَسَقَتِ الرُطَبَةُ، فَكَأنَّ فاعِلَ هَذا فَسَقَ عَنِ الصَوابِ والحَقِّ في هَذِهِ النازِلَةِ، ومِن حَيْثُ خالَفَ أمْرَ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ فَيَقْرُبُ الأمْرُ مِنَ الفُسُوقِ العُرْفِيِّ في الشَرْعِ.

وقَوْلُهُ "بِكُمْ" تَقْدِيرُهُ: فُسُوقٌ حالٌّ بِكُمْ، وباقِي الآيَةِ مَوْعِظَةٌ وتَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، واللهُ المُسْتَعانُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الوَعْدُ بِأنَّ مَنِ اتَّقى عُلِّمَ الخَيْرَ وأُلْهِمَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما اهتم القرآن بنظام أحوال المسلمين في أموالهم فابتدأ بما به قوام عامّتهم من مواساة الفقير وإغاثة الملهوف، ووضّح ذلك بما فيه عبرة للمعتبر، ثم عطف عليه التحذير من مضايقة المحتاجين إلى المواساة مضايقة الربا مع ما في تلك المعاملات من المفاسد، ثلّث ببيان التوثّقات المالية من الإشهاد، وما يقوم مقامه وهو الرهن والائتمان.

وإنّ تحديد التوثّق في المعاملات من أعظم وسائل بثّ الثقة بين المتعاملين، وذلك من شأنه تكثير عقود المعاملات ودوران دولاب التموّل.

والجملة استئناف ابتدائي، والمناسبة في الانتقال ظاهرة عقب الكلام على غرمَاء أهل الربا.

والتداين من أعظم أسباب رواج المعاملات لأنّ المقتدر على تنمية المال قد يعوزه المال فيضطرّ إلى التداين ليظهر مواهبه في التجارة أو الصناعة أو الزراعة، ولأنّ المترفّه قد ينضب المال من بين يديه وله قِبل به بعد حين، فإذا لم يتداين اختلّ نظام ماله، فشرّع الله تعالى للناس بَقاء التداين المتعارف بينهم كيلا يظنّوا أنّ تحريم الربا والرجوع بالمتعاملين إلى رؤوس أموالهم إبطال للتداين كلّه.

وأفاد ذلك التشريعَ بوضعه في تشريع آخر مكمّل له وهو التوثّق له بالكتابة والإشهاد.

والخطاب موجّه للمؤمنين أي لمجموعهم، والمقصود منه خصوص المتداينين، والأخصّ بالخطاب هو المدين لأنّ من حق عليه أن يجعل دائنه مطمئن البال على ماله.

فعلى المستقرِض أن يطلب الكتابة وإن لم يسألها الدائن، ويؤخذ هذا مما حكاه الله في سورة القَصص عن موسى وشعيب، إذ استأجرَ شعيبٌ موسى.

فلما تراوضا على الإجارة وتعيين أجلها قال موسى: «واللَّهُ على ما نَقول وكيل»، فذلك إشهاد على نفسه لمؤاجره دون أن يسألَه شعيب ذلك.

والتداين تفاعل، وأطلق هنا مع أنّ الفعل صادر من جهة واحدة وهي جهة المُسَلِّف لأنّك تقول ادّان منه فَدانَه، فالمفاعلة منظور فيها إلى المخاطبين هم مجموع الأمة؛ لأنّ في المجموع دائناً ومديناً، فصار المجموع مشتملاً على جانبين.

ولك أن تجعل المفاعلة على غير بابها كما تقول تَداينت من زيد.

وزيادة قيد ﴿ بدين ﴾ إما لِمجرد الإطناب، كما يقولون رأيتُه بعيني ولمَسته بيدي، وإما ليكون معاداً للضمير في قوله فاكتبوه، ولولا ذكره لقال فاكتبوا الدّين فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنّه أبين لتنويع الدين إلى مؤجّل وحالّ، قاله في «الكشاف».

وقال الطيبي عن صاحب الفرائد: يمكن أن يظنّ استعمال التداين مجازاً في الوعد كقول رؤبة: داينتُ أرْوَى والديونُ تُقضَى *** فمطَلَتْ بعضاً وأدّت بعضاً فذكر قوله «بدين» دفعاً لتوهم المجاز.

والدين في كلام العرب العوض المؤخّر قال شاعرهم: وعدَتْنَا بدرهمَيْنَا طِلاء *** وشِواءً معجّلا غيرَ دَيْن وقوله: ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ طلب تعيين الآجال للديون لئلاّ يقعوا في الخصومات والتداعي في المرادات، فأدمج تشريع التأجيل في أثناء تشريع التسجيل.

والأجل مدة من الزمان محدودة النهاية مجعولة ظرفاً لعمل غير مطلوب فيه المبادرة، لرغبة تمام ذلك العمل عند انتهاء تلك المدة أو في أثنائها.

والأجل اسم وليس بمصدر، والمصدر التأجيل، وهو إعطاء الأجل.

ولما فيه من معنى التوسعة في العمل أطلق الأجل على التأخير، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ فإذا بلغن أجلهن ﴾ [البقرة: 234] وقوله: ﴿ حتى يبلغ الكتاب أجله ﴾ [البقرة: 235].

والمُسمّى حقيقته المميّز باسم يميّزه عمّا يشابهه في جنسه أو نوعه، فمنه أسماء الأعلام وأسماء الأجناس، والمسمّى هنا مستعار للمعيّن المحدود، وإنّما يقصد تحديده بنهاية من الأزمان المعلومة عند الناس، فشبه ذلك بالتحديد بوضع الاسم بجامع التعيين؛ إذ لا يمكن تمييزه عن أمثاله إلاّ بذلك، فأطق عليه لفظ التسمية، ومنه قول الفقهاء المَهر المسمى.

فالمعنى أجل معيّن بنهايته.

والدين لا يكون إلاّ إلى أجل، فالمقصود من وصف الدين بهذا الوصف، هو وصف أجللٍ بمسمّى إدماجاً للأمر بتعيين الأجل.

وقوله: ﴿ بدين إلى أجل مسمى ﴾ يعمّ كل دين: من قرض أو من بيع أو غير ذلك.

وعن ابن عباس أنّها نزلت في السلَم يعني بيعَ الثمار ونحوها من المثليات في ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجللٍ وكان السلَم من معاملات أهل المدينة.

ومعنى كلامه أنّ بيع السلم سبب نزول الآية، ومن المقرر في الأصول أنّ السبب الخاص لا يخصّص العموم.

والأمر في «فاكتبوه» قيل للاستحباب، وهو قول الجمهور ومالككٍ وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وعليه فيكون قوله: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ [البقرة: 283] تكميلاً لمعنى الاستحباب.

وقيل الأمر للوجوب، قاله ابن جريج والشعبي وعطاء والنخعي، وروي عن أبي سعيد الخدري، وهو قول داوود، واختاره الطبَري.

ولعلّ القائلين بوجوب الإشهاد الآتي عند قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ قائلون بوجوب الكتابة، وعليه فقوله: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ [البقرة: 283] تخصيص لعموم أزمنة الوجوب لأنّ الأمر للتكرار، لا سيما مع التعليق بالشرط، وسمّاه الأقدمون في عباراتهم نسخاً.

والقصد من الأمر بالكتابة التوثّق للحقوق وقطع أسباب الخصومات، وتنظيم معاملات الأمة، وإمكان الاطّلاع على العقود الفاسدة.

والأرجح أنّ الأمر للوجوب فإنّه الأصل في الأمر، وقد تأكّد بهذه المؤكّدات، وأنّ قوله: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ الآية رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين كما سيأتي فإنّ حالة الائتمان حالة سالمة من تطرّق التناكر والخصام لأنّ الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى فأوجب عليهم التوثّق في مقامات المشاحنة، لئلاّ يتساهلوا ابتداء ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة، ويظهر لي أنّ في الوجوب نفياً للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب حتى لا يَعُد المدينُ ذلك من سوء الظنّ به، فإنّ في القوانين معذرة للمتعاملين.

وقال ابن عطية: «الصحيح عدم الوجوب لأنّ للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع، فكيف يجب عليه أن يكتبه، وإنّما هو ندب للاحتياط».

وهذا كلام قد يروج في بادئ الرأي ولكنّه مردود بأنّ مقام التوثّق غير مقام التبرّع.

ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا ثم يندموا وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضاً، كما أنّ من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثّق دائنه إذا علم أنّه بأمر من الله ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام.

وقوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ يشمل حالتين: الأولى حالة كتابة المتداينين بخطّيهما أو خطّ أحدهما ويسلّمه للآخر إذا كانا يحسناننِ الكتابة معاً، لأنّ جهل أحدهما بها ينفي ثقته بكتابة الآخر.

والثانية حالة كتابة ثالث يتوسّط بينهما.

فيكتب ما تعاقدا عليه ويشهد عليه شاهدان ويسلمه بيد صاحب الحق إذا كانا لا يحسنان الكتابة أو أحدهما، وهذه غالب أحوال العرب عند نزول الآية.

فكانت الأميّة بينهم فاشية، وإنّما كانت الكتابة في الأنبار والحِيرة وبعض جهات اليمن وفيمن يتعلّمها قليلاً من مكة والمدينة.

وقوله: ﴿ وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ أمر للمتداينِين بأن يوسّطوا كاتباً يكتب بينهم لأنّ غالب حالهم جهل الكتابة.

فعل الأمر به إلى الكاتب مبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب.

والعرب تعمد إلى المقصود فتنزّله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله كقولهم في الأمر ليكن ولدُك مهذّباً، وفي النهي لا تنس ما أوصيتُك، ولا أعرِفَنَّك تفعلُ كذا.

فمتعلِّق فعل الطلب هو ظرف بينكم وليس هذا أمراً للكاتب، وأما أمر الكاتب فهو قوله: ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب ﴾ .

وقوله: ﴿ بالعدل ﴾ أي بالحق، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد فيقال رجل عدل لأنّ وجود الباء يصرف عن ذلك، ونظيره قوله الآتي: ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ .

ولذلك قصر المفسرون قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ على أن يكتبه كاتب غير المتداينين لأنّه الغالب، ولتعقيبه بقوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل، فإنّه كالبيان لكيفية فاكتبوه، على أنّ كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه.

ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط، فإنّ استكتاب الكاتب إنّما ينفع بقراءة خطه.

وقوله: ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب ﴾ نهي لمن تطْلب منه الكتابة بين المتداينين عن الامتناع منها إذا دُعي إليها، فهذا حكم آخر وليس تأكيداً لقوله: ﴿ وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ لما علمت آنفاً من كون ذلك حكماً موجّهاً للمتداينين.

وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم، فالذي يدعي لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه الامتناع.

وعليه فالإجابة للكتابة فرض عين، وهو قول الربيع ومجاهد وعطاء والطبري، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه.

وقيل: إنّما تجب الإجابة وجوباً عينياً إذا لم يكن في الموضع إلاّ كاتب واحد، فإن كان غيره فهو واجب على الكفاية وهو قول الحسن، ومعناه أنّه موكول إلى ديانتهم لأنّهم إذا تمالؤوا على الامتناع أثموا جميعاً، ولو قيل: إنّه واجب على الكفاية على من يعرف الكتابة من أهل مكان المتداينين، وإنّه يتعيّن بتعيين طالب التوثق أحدَهم لكان وجيهاً، والأحق بطلب التوثّق هو المستقرض كما تقدم آنفاً.

وقيل: إنّما يجب على الكاتب في حال فراغه، قاله السُّدي.

وقيل: هو منسوخ بقوله: ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد ﴾ وهو قول الضحاك، وروي عن عطاء، وفي هذا نظر لأنّ الحضور للكتابة بين المتداينين ليس من الإضرار إلاّ في أحوال نادرة كبُعد مكان المتداينين من مكان الكاتب.

وعن الشعبي وابن جريج وابن زيد أنّه منسوخ بقوله تعالى بعد هذا ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته ﴾ [البقرة: 283] وسيأتي لنا إبطال ذلك.

وعلى هذا الخلاف يختلف في جواز الأجر على الكتابة بين المتداينين، لأنّها إن كانت واجبة فلا أجر عليها، وإلاّ فالأجر جائز.

ويلحق بالتداين جميع المعاملات التي يطلب فيها التوثّق بالكتابة والإشهاد، وسيأتي الكلام على حكم أداء الشهادة عند قوله تعالى: ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد ﴾ .

وقوله: ﴿ كما علمه الله ﴾ أي كتابة تشابه الذي علّمه الله أن يكتبها، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة، فهي مثل قوله: ﴿ فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ﴾ [البقرة: 137]، فالكاف في موضع المفعول المطلق لأنّها صفة لمصدر محذوف.

و(ما) موصولة.

ومعنى ما علّمه الله أنّه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب، لأنّ الله ما علم إلاّ الحق وهو المستقرّ في فطرة الإنسان، وإنّما ينصرف الناس عنه بالهوى فيبدّلون ويغيّرون وليس ذلك التبديل بالذي علّمهم الله تعالى، وهذا يشير إليه قوله النبي صلى الله عليه وسلم " واستفتتِ نفسَك وإن أفْتَاكَ الناس ".

ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه والعوضضِ بمعوضه، أي أن يكتب كتابة تكافئ تعليم الله إياه الكتابة، بأن ينفع الناس بها شكراً على تيسير الله له أسباب علمها، وإنّما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه حفظ الحق ولا يقصر ولا يدلّس، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل كما في قوله تعالى: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك ﴾ [القصص: 77] وقوله: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198].

والكاف على هذا إما نائبة عن المفعول المطلق أو صفة لمفعول به محذوف على تأويل مصدر فِعل أنْ يَكْتُب بالمكتوب، و(ما) على هذا الوجه مصدرية، وعلى كلا الوجهين فهو متعلق بقوله: ﴿ أن يكتب ﴾ ، وجوّز صاحب «الكشاف» تعليقه بقوله فليكتب فهو وجه في تفسير الآية.

وقوله: ﴿ فليكتب ﴾ تفريع على قوله: ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ ، وهو تصريح بمقتضى النهي وتكرير للأمر في قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ ، فهو يفيد تأكيدَ الأمر وتأكيدَ النهي أيضاً، وإنّما أعيد ليُرتَّب عليه قولُه: ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ لبعد الأمر الأول بما وَلِيَه، ومثله قوله تعالى: ﴿ اتخذوه ﴾ [الأعراف: 148] بعد قوله: ﴿ واتخذ قوم موسى من بعده من حليّهم عجلاً جسداً ﴾ [الأعراف: 148] الآية.

وقوله: ﴿ وليُملل الذي عليه الحق ﴾ أمَلّ وأمْلَى لغتان: فالأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد، والثانية لغة تميم، وقد جاء القرآن بهما قال تعالى: ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ وقال: ﴿ فهي تملي عليه بكرة وأصيلا ﴾ [الفرقان: 5]، قالوا والأصل هو أمللّ ثم أبدلت اللاّم ياء لأنّها أخف؛ أي عكسَ ما فعلوا في قولهم تقضّي البازي إذْ أصله تَقَضض.

ومعنى اللفظين أن يلقي كلاماً على سامعه ليكتبه عنه، هكذا فسره في «اللِّسَان» و«القاموس».

وهو مقصور في التفسير أحسب أنّه نشأ عن حصر نظرهم في هذه الآية الواردة في غرض الكتابة، وإلاّ فإن قوله تعالى في سورة الفرقان (5): ﴿ فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ﴾ تشهد بأنّ الإملاء والإملال يكونان لغرض الكتابة ولغرض الرواية والنقل كما في آية الفرقان، ولغرض الحفظ كما يقال مَلّ المؤدب على الصبي للحفظ، وهي طريقة تحفيظ العميان.

فتحرير العبارة أن يفسر هذان اللفظان بإلقاء كلاممٍ ليُكتب عنه أو ليُروى أو ليُحفظ، والحق هنا ما حقَّ أي ثبت للدائن.

وفي هذا الأمر عبرة للشهود فإنّ منهم من يكتبون في شروط الحُبُس ونحوه ما لم يملله عليهم المشهود عليه إلاّ إذا كان قد فوّض إلى الشاهد الإحاطة بما فيه توثقه لحقّه أو أوقفه عليه قبل عقده على السدارة.

والضميران في قوله: وليتق } ، وقوله: ﴿ ولا يبخس منه ﴾ يحتمل أن يعودا إلى الذي عليه الحق لأنّه أقرب مذكور من الضميرين، أي لا يُنقصْ ربّ الدين شيئاً حينَ الإملاء، قاله سعيد بن جبير، وهو على هذا أمر للمدين بأن يقرّ بجميع الدين ولا يغبن الدائن.

وعندي أنّ هذا بعيد إذ لا فائدة بهذه الوصاية؛ فلو أخفى المدين شيئاً أو غبن لأنكر عليه ربُّ الديْن لأنّ الكتابة يحضرها كلاهما لقوله تعالى: ﴿ وليكتب بينكم ﴾ .

ويحتمل أن يعود الضميران إلى ﴿ كاتب ﴾ بقرينة أنّ هذا النهي أشدّ تعلّقاً بالكاتب؛ فإنّه الذي قد يغفل عن بعض ما وقع إملاؤه عليه.

والضمير في قوله: ﴿ منه ﴾ عائد إلى الحق وهو حق لكِلاَ المتداينين، فإذا بخس منه شيئاً أضرّ بأحدهما لا محالة، وهذا إيجاز بديع.

والبخْس فسره أهل اللغة بالنقص ويظهر أنّه أخصّ من النقص، فهو نقص بإخفاء.

وأقربُ الألفاظ إلى معناه الغبن، قال ابن العربي في الأحكام في سورة الأعراف: «البخس في لسان العرب هو النقص بالتعْييب والتزهِيدِ، أو المخادعة عن القيمة، أو الاحتيال في التزيّد في الكيل أو النقصان منه» أي عن غفلة من صاحب الحق، وهذا هو المناسب في معنى الآية لأنّ المراد النهي عن النقص من الحق عن غفلة من صاحبه، ولذلك نُهي الشاهد أو المدين أو الدائن، وسيجيء في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ [الأعراف: 85].

وقوله: ﴿ فإن كان عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ﴾ السفيه هو مختلّ العقل، وتقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ﴾ [البقرة: 142].

والضعيف الصغير، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ [البقرة: 266].

والذي لا يستطيع أن يملّ هو العاجز كمن به بَكَم وعمًى وصمَمٌ جميعاً.

ووجه تأكيد الضمير المسْتتر في فعل يُملّ بالضمير البارز هو التمهيد لقوله: ﴿ فليملل ﴾ لئلا يتوهّم الناس أنّ عجزه يسقط عنه واجب الإشهاد عليه بما يستدينه، وكان الأولياء قبل الإسلام وفي صدره كبراء القرابة.

والولي من له ولاية على السفيه والضعيف ومن لا يستطيع أن يملّ كالأب والوصيّ وعرفاء القبيلة، وفي حديث وفد هوازن: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «لِيَرْفَعْ إلَيّ عُرفَاؤُكم أمْرُكم» وكان ذلك في صدر الإسلام وفي الحقوق القَبَلِيَّةِ.

ومعنى ﴿ بالعدل ﴾ أي بالحق.

وهذا دليل على أنّ إقرار الوصي والمقدّم في حق المولّى عليه ماضضٍ إذا ظهر سببه، وإنّما لم يعمل به المتأخّرون من الفقهاء سدّاً للذريعة خشية التواطؤ على إضاعة أموال الضعفاء.

﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الاخرى ﴾ .

عطف على ﴿ فاكتبوه ﴾ ، وهو غيره وليس بياناً له إذ لو كان بياناً لما اقترن بالواو.

فالمأمور به المتداينون شيآن: الكتابة، والإشهاد عليها.

والمقصود من الكتابة ضبط صيغة التعاقد وشروطه وتذكر ذلك خشية النسيان.

ومن أجل ذلك سمّاها الفقهاء ذُكْر الحق، وتسمّى عَقداً قال الحارث بن حلزة: حذر الجور والتطاخي وهل ين *** قض ما في المهارق الأهواء قال تعالى: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ﴾ [البقرة: 283]، فلم يجعل بين فقدان الكاتب وبين الرهن درجة وهي الشهادة بلا كتابة لأنّ قوله: ﴿ ولم تجدوا كاتباً ﴾ [البقرة: 283] صار في معنى ولم تجدوا شهادة، ولأجل هذا يجوز أن يكون الكاتب أحد الشاهدين.

وإنّما جعَل القرآن كاتباً وشاهدين لندرة الجمع بين معرفة الكتابة وأهلية الشهادة.

﴿ واستشهدوا ﴾ بمعنى أشهدوا، فالسين والتاء فيه لمجرد التأكيد، ولك أن تجعلهما للطلب أي اطلبوا شهادة شاهدين، فيكون تكليفاً بالسعي للإشهاد وهو التكليف المتعلّق بصاحب الحق.

ويكون قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ تكليفاً لمن يَطلب منه صاحبُ الحق أن يَشهد عليهما ألاّ يمتنع.

والشهادة حقيقتها الحضور والمشاهدة، والمراد بها هنا حضور خاص وهو حضور لأجل الاطّلاع على التداين، وهذا إطلاق معروف للشهادة على حضورٍ لمشاهدة تعاقدٍ بين متعاقدَيْن أو لسماععِ عقد من عاقد واحد مثل الطلاق والحُبس.

وتطلق الشهادة أيضاً على الخبر الذي يخبر به صاحبه عن أمر حصل لقصد الاحتجاج به لمن يزعمه، والاحتجاج به على من ينكره، وهذا هو الوارد في قوله: ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ [النور: 4].

وجَعَل المأمورَ به طلب الإشهاد لأنّه الذي في قدرة المكلّف وقد فهم السامع أنّ الغرض من طلب الإشهاد حصوله.

ولهذا أمَرَ المستشهَدَ بفتح الهاء بعد ذلك بالامتثال فقال: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا ﴾ .

والأمر في قوله: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ قيل للوجوب، وهو قول جمهور السلف، وقيل للندب، وهو قول جمهور الفقهاء المتأخرين: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ .

وقوله: ﴿ من رجالكم ﴾ أي من رجال المسلمين، فحصل به شرطان: أنّهم رجال، وأنّهم ممّن يشملهم الضمير.

وضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام يأيها الذين آمنوا.

وأما الصبيّ فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل التهم.

والرجل في أصل اللغة يفيد وصف الذكورة فخرجت الإناث، ويفيد البلوغ فخرج الصبيان، والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام.

فأما الأنثى فيذكر حكمها بعد هذا، وأما الكافر فلأنّ اختلاف الدِّين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة، ولأنّه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي.

فإنّ الأديان السالفة لم تتعرّض لاحترام حقوق المخالفين، فتوَهَم أَتْباعهم دحضها.

وقد حكى الله عنهم أنّهم قالوا: «ليس علينا في الأمّيين سبيل».

وهذه نصوص التوراة في مواضع كثيرة تنهى عن أشياء أو تأمر بأشياء وتخصّها ببني إسرائيل، وتسوغ مخالفة ذلك مع الغريب، ولم نر في دين من الأديان التصريحَ بالتسوية في الحقوق سوى دين الإسلام، فكيف نعتدّ بشهادة هؤلاء الذين يرون المسلمين مارقين عن دين الحق مناوئين لهم، ويرمون بذلك نبيئهم فمن دونه، فماذا يرجَى من هؤلاء أن يقولوا الحق لهم أو عليهم والنصْرانية تابعة لأحكام التوراة.

على أنّ تجافي أهل الأديان أمر كان كالجبليّ فهذا الإسلام مع أمره المسلمين بالعدل مع أهل الذمة لا نرى منهم امتثالاً فيما يأمرهم به في شأنهم.

وفي القرآن إيماء إلى هذه العلة «ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل».

وفي «البخاري»، في حديث أبي قلابة في مجلس عمر بن عبد العزيز.

وما روي عن سهل بن أبي حَثْمة الأنصاري: أنّ نفراً من قومه ذهبوا إلى خيبر فتفرّقوا بها، فوجدوا أحدهم قتيلاً، فقالوا للذين وجد فيهم القتيل أنتم قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكَوْا إليه، فقال لهم: " تأتون بالبيّنة على من قتله " قالوا: «ما لنا بيّنة»، قال: " فتحلف لكم يهودُ خمسين يميناً " قالوا: «ما يُبالُون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون»، فكرِه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُبطل دمَه ووَدَاه من مال الصدقة.

فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قولَ الأنصار في اليهود: إنّهم ما يبالون أن يقتلوا كل القوم ثم يحلفون.

فإن قلت: كيف اعتدتّ الشريعة بيمين المدّعى عليه من الكفار، قلت: اعتدّت بها لأنّها أقصى ما يمكن في دفع الدعوى، فرأتْها الشريعة خيراً من إهمال الدعوى من أصلها.

ولأجل هذا اتّفق علماء الإسلام على عدم قبول شهادة أهل الكتاب بين المسلمين في غير الوصية في السفر، واختلفوا في الإشهاد على الوصية في السفر، فقال ابن عباس ومجاهد وأبو موسى الأشعري وشريح بقبول شهادة غير المسلمين في الوصية في السفر، وقضى به أبو موسى الأشعري مدّة قضائه في الكُوفة، وهو قول أحمدَ وسفيانَ الثوري وجماعة من العلماء، وقال الجمهور: لا تجوز شهادة غير المسلمين على المسلمين ورأوا أنّ ما في آية الوصية منسوخ، وهو قول زيد بن أسلم ومالك وأبي حنيفة والشافعي، واختلفوا في شهادة بعضهم على بعض عند قاضي المسلمين فأجازها أبو حنيفة ناظراً في ذلك إلى انتفاء تهمة تساهلهم بحقوق المسلمين، وخالَفه الجمهور، والوجه أنّه يتعذّر لقاضي المسلمين معرفة أمانة بعضهم مع بعض وصدق أخبارهم كما قدمناه آنفاً.

وظاهر الآية قبول شهادة العبد العدل وهو قول شريح وعثمان البَتِّي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وعن مجاهد: المراد الأحرار، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، والذي يظهر لي أنّ تخصيص العبيد من عموم الآية بالعرف وبالقياس، أما العرف فلأنّ غالب استعمال لفظ الرجل والرجال ألاّ يرد مُطلقاً إلاّ مراداً به الأحرار، يقولون: رجال القبيلة ورجال الحي، قال محكان التميمي: يا رَبَّةَ البيتتِ قُومي غيرَ صاغِرة *** ضُمي إليككِ رِجَالَ الحَيِّ والغُرَبا وأما القياس فلعدم الاعتداد بهم في المُجتمع لأنّ حالة الرقّ تقطعهم عن غير شؤون مالكيهم فلا يضبطون أحوال المعاملات غالباً؛ ولأنّهم ينشؤون على عدم العناية بالمروءة، فترك اعتبار شهادة العبد معلُول للمظنّة وفي النفس عدم انثلاج لِهذا التعليل.

واشتُرط العددُ في الشاهد ولم يكتف بشهادة عدل واحد لأنّ الشهادة لما تعلّقت بحق معيّن لمعيّن اتّهم الشاهد باحتمال أن يتوسّل إليه الظالم الطالب لحق مزعوم فيحمله على تحريف الشهادة، فاحتيج إلى حيطة تدفع التهمة فاشترط فيه الإسلام وكفى به وازعاً، والعدالة لأنّها تزع من حيث الدين والمروءة، وزِيد انضمام ثاننٍ إليه لاستبعاد أن يتواطأ كلا الشاهدين على الزور.

فثبت بهذه الآية أنّ التعدّد شرط في الشهادة من حيث هي، بخلاف الرواية لانتفاء التهمة فيها إذ لا تتعلق بحقّ معيّن، ولهذا لو روَى راوٍ حديثاً هو حجة في قضية للراوي فيها حق لَمَا قُبلت روايتُه، وقد كلف عُمَرُ أبا موسى الأشعريّ أن يأتي بشاهد معه على أنّ رسول الله قال: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً ولم يؤذن له فليرجع» إذ كان ذلك في ادّعاء أبي موسى أنّه لما لم يأذنْ له عُمَر في الثالثة رجَع، فشهد له أبو سعيد الخدْري في ملإ من الأنصار.

والعدد هو اثنان في المعاملات المالية كما هنا.

وقوله: ﴿ فإن لم يكونا رجلين ﴾ أي لم يكن الشاهدَاننِ رجلين، أي بحيث لم يحضر المعاملة رجلان بل حضر رجل واحد، فرجل وامرأتان يشهدان.

فقوله: ﴿ فرجل وامرأتان ﴾ جواب الشرط، وهو جزء جملة حُذف خبرها لأنّ المقدر أنسب بالخبرية ودليل المحذوف قوله: ﴿ واستشهدوا ﴾ وقد فهم المحذوف فكيفما قدّرْتَه ساغ لك.

وجيء في الآية بكان الناقصة مع التمكّن من أن يقال فإن لم يكنْ رجلان لئلاّ يتوهم منه أنّ شهادة المرأتين لا تقبل إلاّ عند تعذّر الرجلين كما توهّمه قوم، وهو خلاف قول الجمهور لأنّ مقصود الشارع التوسعة على المتعاملين.

وفيه مرمى آخر وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشؤون، فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد وعلّل ذلك بقوله: ﴿ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ ، وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسياننِ لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب، والضلال هنا بمعنى النسيان.

وقوله: ﴿ أن تضل ﴾ قرأه الجمهور بفتح همزة أنْ على أنّه محذوف منه لام التعليل كما هو الغالب في الكلام العربي مع أنْ، والتعليل في هذا الكلام ينصرف إلى ما يحتاج فيه إلى أن يُعلّل لقصد إقناع المكلّفين، إذ لا نجد في هذه الجملة حكماً قد لا تطمئنّ إليه النفوس إلاّ جعْلَ عوضضِ الرجل الواحد بامرأتين اثنتين فصُرح بتعليله.

واللام المقدرة قبل أنْ متعلقة بالخبر المحذوف في جملة جواب الشرط إذ التقدير فرجل وامرأتان يشهدان أو فليشهد رجل وامرأتان، وقرأوه بنصب ﴿ فتذكّر ﴾ عطفاً على ﴿ أن تضلّ ﴾ ، وقرأه حمزة بكسر الهمزة على اعتبار إنْ شرطية وتضلّ فعل الشرط، وبرفع تذكرُ على أنّه خبر مبتدأ محذوف بعد الفاء لأنّ الفاء تؤذن بأنّ ما بعدها غير مجزوم والتقدير فهي تذكّرها الأخرى على نحو قوله تعالى: ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ [المائدة: 95].

ولما كان «أن تضلّ» في معنى لضلال إحداهما صارت العلّة في الظاهر هي الضلال، وليس كذلك بل العلّة هي ما يترتّب على الضلال من إضاعة المشهود به، فتفرّع عليه قوله: ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ لأنّ فتذكّر معطوف على تضلّ بفاء التعقيب فهو من تكملته، والعبرة بآخر الكلام كما قدمناه في قوله تعالى: ﴿ أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ﴾ [البقرة: 266]، ونظيره كما في «الكشاف» أن تقول: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعِّمَه، وأعددت السلاح أن يجيءَ عدوّ فأدْفَعَه.

وفي هذا الاستعمال عدول عن الظاهر وهو أن يقال: أن تذكر إحداهما الأخرى عند نسيانها.

ووجَّهه صاحب «الكشاف» بأنّ فيه دلالة على الاهتمام بشأن التذكير حتى صار المتكلم يعلّل بأسبابه المفضية إليه لأجل تحصيله.

وادّعى ابن الحاجب في أماليه على هذه الآية بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة: أنّ من شأن لغة العرب إذا ذكروا علة وكان للعلة علة قَدّموا ذكر علة العلة وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معاً بعبارة واحدة.

ومثَّله بالمثال الذي مثَّل به «الكشاف»، وظاهر كلامه أنّ ذلك مُلتزم ولم أره لِغيره.

والذي أراه أنّ سبب العدول في مثله أنّ العلة تارة تكون بسيطة كقولك: فعلت كذا إكراماً لك، وتارة تكون مركّبة من دفع ضُر وجلب نَفْع بدفعِه.

فهنالك يأتي المتكلم في تعليله بما يدل على الأمرين في صورة علة واحدة إيجازاً في الكلام كما في الآية والمثالين.

لأنّ المقصود من التعدد خشية حصول النسيان للمرأة المنفردة، فلذا أخِذ بقولها حَقُّ المشهود عليه وقُصد تذكير المرأة الثانية إياها، وهذا أحسن مما ذكره صاحب «الكشاف».

وفي قوله: ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ إظهار في مقام الإضمار لأنّ مقتضى الظاهر أن يقول فتذكّرها الأخرى، وذلك أن الإحدى والأخرى وصفان مبهمان لا يتعيّن شخص المقصود بهما، فكيفما وضعتَهما في موضعي الفاعل والمفعول كان المعنى واحداً، فلو أضمر للإحدى ضمير المفعول لكان المعاد واضحاً سواء كان قوله أحداهما المظهر فاعلاً أو مفعولاً به، فلا يظنّ أن كَون لفظ إحداهما المظهر في الآية فاعلاً ينافي كونه إظهاراً في مقام الإضمار لأنّه لو أضمر لكان الضمير مفعولاً، والمفعول غير الفاعل كما قد ظنّه التفتازاني لأنّ المنظور إليه في اعتبار الإظهار في مقام الإضمار هو تأتي الإضمار مع اتّحاد المعنى.

وهو موجود في الآية كما لا يخفى.

ثم نكتة الإظهار هنا قد تحيّرت فيها أفكار المفسرين ولم يتعرّض لها المتقدمون، قال التفتازاني في «شرح الكشاف»: «ومما ينبغي أن يتعرض له وجه تكرير لفظ إحداهما، ولا خفاء في أنّه ليس من وضع المظهر موضع المضمر إذ ليست المذكِّرة هي الناسية إلاّ أن يجعل إحداهما الثانية في موقع المفعول، ولا يجوز ذلك لتقديم المفعول في موضع الإلباس، ويصح أن يقال: فتذكرها الأخرى، فلا بد للعدول من نكتة».

وقال العصام في «حاشية البيضاوي» «نكتة التكرير أنّه كان فصل التركيب أن تذكّر إحداهما الأخرى إن ضلّت، فلما قدّم إن ضلّت وأبرز في معرض العلّة لم يصح الإضمار (أي لعدم تقدم إمعاد) ولم يصح أن تضلّ الأخرى لأنّه لا يحسن قبل ذكر إحداهما (أي لأنّ الأخرى لا يكون وصفاً إلاّ في مقابلة وصف مقابل مذكور) فأبدل بإحداهما (أي أبدل موقع لفظ لأخرى بلفظ إحداهما) ولم يغيّر ما هو أصل العلّة عن هيأته لأنّه كأن لم يقدم عليه، ﴿ أن تضلّ إحداهما ﴾ يعني فهذا وجه الإظهار.

وقال الخفاجي في «حاشية التفسير» «قالوا: إنّ النكتة الإبهام لأنّ كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير، فدخل الكلام في معنى العموم» يعني أنّه أظهر لئلاّ يتوهم أنّ إحدى المرأتين لا تكون إلاّ مذكِّرة الأخرى، فلا تكون شاهدة بالأصالة.

وأصل هذا الجواب لشهاب الدين الغزنوي عصري الخفاجي عن سؤال وجّهه إليه الخفاجي، وهذا السؤال: يا رأس أهل العلوم السادةِ البرره *** ومَن نداه على كل الورى نَشَره ما سِرُّ تَكْرَار إحدَى دون تُذْكِرُها *** في آية لذوي الأشهاد في البقره وظاهر الحال إيجاز الضمير على *** تكرار إحداهما لو أنّه ذكره وحَمل الإحدى على نفس الشهادة في *** أولاهما ليس مرضياً لدى المهره فغُص بفكرك لاستخراج جوهره *** من بحر علمك ثم ابعث لنا درره فأجاب الغزنوي: يا من فوائده بالعلم منتشره *** ومَن فضائله في الكون مشتهره تَضلَّ إحداهما فالقولُ محتمل *** كِلَيهما فهي للإظهار مفتقره ولو أتى بضمير كان مقتضيا *** تعيين واحدة للحكم معتبره ومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ فهو كما *** أشرتُم ليس مرضيا لمن سبَره هذا الذي سمح الذهن الكليل به *** واللَّهُ أعلم في الفحوى بما ذكره وقد أشار السؤال والجواب إلى ردّ على جواب لأبي القاسم المغربي في تفسيره؛ إذ جعل إحداهما الأولَ مراداً به إحدى الشهادتين، وجعل تضلّ بمعنى تتلف بالنسيان، وجعل إحداهما الثاني مراداً به إحدى المرأتين.

ولما اختلف المدلول لم يبق إظهار في مقام الإضمار، وهو تكلّف وتشتيت للضمائر لا دليل عليه، فينزّه تخريج كلام الله عليه، وهو الذي عناه الغزنوي بقوله: «ومن رَدَدْتُم عليه الحَلّ إلخ».

والذي أراه أنّ هذا الإظهار في مقام الإضمار لنكتة هي قصد استقلال الجملة بمدلولها كيلا تحتاج إلى كلام آخر فيه مَعاد الضمير لَو أضمر، وذلك يرشّح الجملة لأن تَجري مَجرى المثل.

وكأنّ المراد هنا الإيماء إلى أنّ كلتا الجملتين علّة لمشروعية تعدّد المرأة في الشهادة، فالمرأة معرضة لتطرق النسيان إليها وقلة ضبط ما يهم ضبطه، والتعدد مظنّة لاختلاف مواد النقص والخلل، فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى.

فقوله أن تضلّ تعليل لعدم الاكتفاء بالواحدة، وقوله: ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ تعليل لإشهاد امرأة ثانية حتى لا تبطل شهادة الأولى من أصلها.

﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ .

عُطف ﴿ ولا يأب ﴾ على ﴿ واستشهدوا شهيدين ﴾ لأنّه لما أمر المتعاقدين باستشهاد شاهدين نَهى من يُطلب إشهاده عن أن يأبَى، ليتم المطلوب وهو الإشهاد.

وإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر وجيء في خطاب الشهداء بصيغة النهي اهتماماً بما فيه التفريط.

فإنّ المتعَاقدين يظنّ بهما إهمال الإشهاد فأمرا به، والشهود يظنّ بهم الامتناع فنهوا عنه، وكل يستلزم ضدّه.

وتسمية المدعوِّينَ شهداء باعتبار الأوّل القريببِ، وهو المشارفة، وكأنَّ في ذلك نكتة عظيمة: وهي الإيماء إلى أنّهم بمجرّد دعوتهم إلى الإشهاد، قد تعيّنت عليهم الإجابة، فصاروا شهداء.

وحذف معمول دُعوا إمّا لظهوره من قوله قبله ﴿ واستشهدوا شهيدين ﴾ أي إذا ما دعوا إلى الشهادة أي التحمّل، وهذا قول قتادة، والربيع بن سليمان، ونقل عن ابن عباس، فالنهي عن الإباية عند الدعاء إلى الشهادة حاصل بالأوْلى، ويجوز أن يكون حذف المعمول لقصد العموم، أي إذا ما دعوا للتحمّل والأداء معاً؛ قاله الحسن، وابن عباس، وقال مجاهد: إذا ما دعوا إلى الأداء خاصة، ولعلّ الذي حمله على ذلك هو قوله: ﴿ الشهداء ﴾ لأنّهم لا يكونون شهداء حقيقة إلاّ بعد التحمّل، ويبعده أنّ الله تعالى قال بعد هذا ﴿ ولا تكتموا الشهادة ﴾ [البقرة: 283] وذلك نهي عن الإباية عند الدعوة للأداء.

والذي يظهر أنّ حذف المتعلِّق بفعل ﴿ دعوا ﴾ لإفادة شمول ما يُدعَون لأجله في التعاقد: من تحمّل، عند قصد الإشهاد، ومن أداء، عند الاحتياج إلى البيّنة.

قال ابن الحاجب: «والتحمّل حيث يفتقر إليه فرض كفاية والأداء من نحو البريدين إن كانا اثنين فرضُ عين، ولا تحِلُّ إحالته على اليمين».

والقول في مقتضى النهي هنا كالقول في قوله: ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ ويظهر أنّ التحمّل يتعيّن بالتعيين من الإمام، أو بما يعينه، وكان الشأن أن يكون فرض عين إلاّ لِضرورة فينتقل المتعاقدان لآخر، وأما الأداء ففرض عين إن كان لا مضرة فيه على الشاهد في بدنه، أو ماله، وعند أبي حنيفة الأداء فرض كفاية إلاّ إذا تعيَّن عليه: بأن لا يوجد بَدَلُه، وإنّما يجب بشرط عدالة القاضي، وقرب المكان: بأن يرجع الشاهد إلى منزله في يومه، وعِلْمِه بأنّه تقبل شهادته، وطلب المدّعي.

وفي هذه التعليقات ردّ بالشهادة إلى مختلف اجتهادات الشهود، وذلك باب من التأويلات لا ينبغي فتحه.

قال القرطبي: «يؤخذ من هذه الآية أنّه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهوداً، ويجعل لهم كفايتهم من بيت المال، فلا يكون لهم شغل إلاّ تحمل حقوق الناس حفظاً لها».

قلت: وقد أحسن.

قضاة تونس المتقدّمون، وأمراؤها، في تعيين شهود مُنتصبين للشهادة بين الناس، يؤخذون ممّن يقبلهم القضاة ويعرفونهم بالعدالة، وكذلك كان الأمر في الأندلس، وذلك من حسن النظر للأمة، ولم يكن ذلك متّبعاً في بلاد المشرق، بل كانوا يكتفون بشهرة عدالة بعض الفقهاء وضبطهم للشروط وكَتب الوثائق فيعتمدهم القضاة، ويكلون إليهم ما يجري في النوازِل من كتابة الدعوى والأحكام، وكان ممّا يعدّ في ترجمة بعض العلماء أن يقال: كان مقبولاً عند القاضي فلان.

﴿ وَلاَ تسھموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ ﴾ .

تعميم في أكوان أو أحوال الديون المأمور بكتابتها، فالصغير والكبير هنا مَجازان في الحقير والجليل.

والمعاملات الصغيرة أكثر من الكبيرة، فلذلك نُهوا عن السآمة هنا.

والسآمة: الملل من تكرير فعللٍ مَّا.

والخطاب للمتداينين أصالة، ويستتبع ذلك خطاب الكاتب: لأنّ المتداينين إذا دعواه للكتابة وجب عليه أن يكتب.

والنهي عنها نهي عن أثرها، وهو ترك الكتابة، لأنّ السآمة تحصل للنفس من غير اختيار، فلا ينهى عنها في ذاتها، وقيل السآمة هنا كناية عن الكسل والتهاون.

وانتصب صغيراً أو كبيراً على الحال من الضمير المنصوب بتكتبوه، أو على حذف كانَ مع اسمها.

وتقديم الصغير على الكبير هنا، مع أنّ مقتضى الظاهر العكس، كتقديم السِنة على النوم في قوله تعالى: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ [البقرة: 255] لأنّه قصد هنا إلى التنصيص على العموم لدفع ما يطرأ من التوهّمات في قلة الاعتناء بالصغير، وهو أكثر، أو اعتقاد عدم وجوب كتابة الكبير، لو اقتصر في اللفظ على الصغير.

وجملة ﴿ إلى أجله ﴾ حال من الضمير المنصوب بتكتبوه، أي مُغيَّى الدّينُ إلى أجله الذي تعاقدا عليه، والمراد التغيية في الكتابة.

﴿ ذلكم أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْوَمُ للشهادة وأدنى أَلاَّ ترتابوا ﴾ .

تصريح بالعلة لتشريع الأمر بالكتابة: بأنّ الكتابة فيها زيادة التوثّق، وهو أقسط أي أشدّ قسطاً، أي عدلاً، لأنّه أحفظ للحق، وأقوم للشهادة، أي أعون على إقامتها، وأقرب إلى نفي الريبة والشك، فهذه ثلاث علل، ويستخرج منها أنّ المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بيّنة، واضحة، بعيدة عن الاحتمالات، والتوهّمات.

واسم الإشارة عائد إلى جميع ما تقدم باعتبار أنّه مذكور، فلذلك أشير إليه باسم إشارة الواحد.

وفي الآية حجّة لجواز تعليل الحكم الشرعي بعلل متعدّدة وهذا لا ينبغي الاختلاف فيه.

واشتقاق ﴿ أقْسَطُ ﴾ من أقْسَطَ بمعنى عدل، وهو رباعي، وليس من قَسَط لأنّه بمعنى جَار، وكذا اشتقاق ﴿ أقْوَمُ ﴾ من أقام الشهادةَ إذا أظهرها جارٍ على قول سيبويه بجواز صوغ التفضيل والتعجّب من الرباعي المهموز، سواء كانت الهمزة للتعدية نحو أعطى أم لغير التعدية نحو أفْرط.

وجوّز صاحب «الكشّاف» أن يكون أقسط مشتقاً من قاسط بمعنى ذي قسط أي صيغةِ نسب وهو مشكل، إذ ليس لهذه الزنة فعل.

واستشكل أيضاً بأنّ صوغه من الجامد أشدّ من صوغه من الرباعي.

والجواب عندي أنّ النسبَ هنا لما كان إلى المصدر شابَه المشتق: إذ المصدر أصل الاشتقاق، وأن يكون أقوم مشتقاً من قام الذي هو محوّل إلى وزن فَعُلَ بضم العين الدال على السجيّة، الذي يجيء منه قويم صفة مشبّهة.

﴿ إِلاَ أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ .

استثناء من عموم الأحوال أو الأكوان في قوله: ﴿ صغيراً أو كبيراً ﴾ .

وهو استثناء؛ قيل منقطع، لأنّ التجارة الحاضرة ليست من الدين في شيء، والتقدير: إلاّ كونَ تجارةٍ حاضرة.

والحاضرة الناجزة، التي لا تأخير فيها، إذ الحاضر، والعاجل، والناجز: مترادفة.

والدين، والأجل، والنّسيئة: مترادفة.

وقوله: ﴿ تديرونها بينكم ﴾ بيان لجملةِ ﴿ أن تكون تجارة حاضرة ﴾ بل البيان في مثل هذا، أقرب منه في قول الشاعر ممّا أنشده ابن الأعرابي في نوادره، وقال العيني: ينسب إلى الفرزدق: إلى الله أشكُو بالمدينةِ حاجة *** وبالشَّام أخرى كيفَ يلتقيان إذ جعل صاحب «الكشاف» كيفَ يلتقيان بياناً لحاجةٍ وأخرى، أو تجعل ﴿ تديرونها ﴾ صفة ثانية لتجارة في معنى البيان، ولعلّ فائدة ذكره الإيماءُ إلى تعليل الرخصة في ترك الكتابة، لأنّ إدارتها أغنت عن الكتابة.

وقيل: الاستثناء متّصل، والمراد بالتجارة الحاضرة المؤجّلة إلى أجل قريب، فهي من جملة الديون، رخص فيها ترك الكتابة بها، وهذا بعيد.

وقوله: ﴿ فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ﴾ تصريح بمفهوم الاستثناء، مع ما في زيادة قوله: ﴿ جُناح ﴾ من الإشارة إلى أنّ هذا الحكم رخصة، لأنّ رفع الجناح مؤذن بأنّ الكتابة أولى وأحسن.

وقرأ الجمهور تجارةٌ بالرفع: على أنّ تكونَ تامة، وقرأه عاصم بالنصب: على أنّ تكونَ ناقصة، وأنّ في فعل تكون ضميراً مستتراً عائداً على ما يفيده خبر كان، أي إلاّ أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرة، كما في قول عَمّرو بن شاس-أنشده سيبويه-: بنِي أسد هل تعلمون بلاءَنَا *** إذَا كان يوماً ذَا كَوَاكِبَ أشْنَعا تقديره إذا كان اليومُ يوماً ذا كواكب، وقوله: ﴿ ألا ﴾ أصله أن لا فرسم مدغماً.

﴿ وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ .

تشريع للإشهاد عند البيع ولو بغير دين إذا كان البيع غيرَ تجارة حاضرة، وهذا إكمال لصور المعاملة: فإنّها إمّا تداين، أو آيل إليه كالبيع بدين، وإمّا تناجز في تجارة، وإمّا تناجز في غير تجارة كبيع العقار والعروض في غير التجر.

وقيل: المراد بتبايعتم التجارة، فتكون الرخصة في ترك الكتابة مع بقاء الإشهاد بدون كتابة، وهذا بعيد جداً، لأنّ الكتابة ما شُرعت إلاّ لأجل الإشهاد والتوثّق.

وقوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ﴾ أمر: قيل هو للوجوب، وهذا قول أبي موسى الأشعري، وابن عمر، وأبي سعيد الخُدْري، وسعيد بن المسيّب، ومجاهد، والضحّاك، وعطاء، وابن جريج، والنخعي، وجابر بن زيد، وداوود الظاهري، والطبري.

وقد أشهد النبي صلى الله عليه وسلم على بيع عبد باعه للعَدّاء بن خالد بن هوذة، وكتَب في ذلك «باسم الله الرحمان الرحيم، هذا ما اشترى العَدّاء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبداً لا داءَ ولا غائلة ولا خِبثة بيعَ المُسلم للمُسلم» وقيل: هو للندب وذهب إليه من السلف الحسن، والشعبي، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وتمسّكوا بالسنّة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم باع ولم يُشهد، قاله ابن العربي، وجوابه: أنّ ذلك في مواضع الائتمان، وسيجيء قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ [البقرة: 283] الآية وقد تقدم ما لابن عطية في توجيه عدم الوجوب ورَدُّنا له عند قوله تعالى: ﴿ فاكتبوه ﴾ .

﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ .

نهي عن المضارّة وهي تحتمل أن يكون الكاتب والشهيد مصدراً للإضرار، أو أن يكون المكتوب له والمشهود له مصدراً للإضرار: لأن يضارّ يحتمل البناء للمعلوم وللمجهول، ولعلّ اختيار هذه المادة هنا مقصود، لاحتمالها حكمين، ليكون الكلام موجّهاً فيحمل على كلا معنييه لعدم تنافيهما، وهذا من وجه الإعجاز.

والمضارّة: إدخال الضرّ بأن يوقع المتعاقدان الشاهدين والكاتب في الحَرج والخسارة، أو ما يجر إلى العقوبة، وأن يوقع الشاهدان أحدَ المتعاقدين في إضاعة حق أو تعب في الإجابة إلى الشهادة.

وقد أخذ فقهاؤنا من هاته الآية أحكاماً كثيرة تتفرّع عن الإضرار: منها ركوب الشاهد من المسافة البعيدة، ومنها ترك استفساره بعد المدة الطويلة التي هي مظنّة النسيان، ومنها استفساره استفساراً يوقعه في الاضطراب، ويؤخذ منها أنّه ينبغي لولاة الأمور جعل جانب من مال بيت المال لدفع مصاريف انتقال الشهود وإقامتهم في غير بلدهم وتعويض ما سينالهم من ذلك الانتقاللِ من الخسائر المالية في إضاعة عائلاتهم، إعانة على إقامة العدل بقدر الطاقة والسعة.

وقوله تعالى: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ حذف مفعول تفعلوا وهو معلوم، لأنّه الإضرارُ المستفاد من لا يضارّ مثلُ «اعدلوا هو أقرب» والفسوق: الإثم العظيم، قال تعالى: ﴿ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ [الحجرات: 11].

﴿ واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

أمر بالتّقوى لأنّها مِلاك الخير، وبها يكون ترك الفسوق.

وقوله: ﴿ ويعلمكم الله ﴾ تذكير بنعمة الإسلام، الذي أخرجهم من الجهالة إلى العلم بالشريعة، ونظام العالم، وهو أكبر العلوم وأنفعها، ووعدٌ بدوام ذلك لأنّه جيء فيه بالمضارع، وفي عطفه على الأمر بالتقوى إيماء إلى أنّ التقوى سبب إفاضة العلوم، حتى قيل: إنّ الواو فيه للتعليل أي ليعلّمكم.

وجعله بعضهم من معاني الواو، وليس بصحيح.

وإظهار اسم الجلالة في الجمل الثلاث: لقصد التنويه بكلّ جملة منها حتى تكون مستقلّة الدلالةِ، غيرَ محتاجة إلى غيرها المشتمل على معادِ ضميرها، حتى إذا سمع السامع كلّ واحدة منها حصل له علم مستقلّ، وقد لا يسمع إحداها فلا يضرّه ذلك في فهم أخراها، ونظير هذا الإظهار قول الحماسي: اللُّؤْمُ أكْرَمُ من وَبْرٍ ووالدِهِ *** واللؤمُ أكرَمُ من وَبْرٍ ومَا وَلَدا واللؤم داءٌ لوَبْرٍ يُقْتَلُونَ به *** لا يُقْتَلُونَ بدَاءٍ غيرِه أبدا فإنّه لما قصد التشنيع بالقبيلة ومَنْ وَلَدَها، ومَا ولدته، أظهر اللّؤم في الجمل الثلاث ولما كانت الجملة الرابعة كالتأكيد للثالثة لم يظهر اسم اللؤم بها.

هذا، ولإظهار اسم الجلالة نكتة أخرى وهي التهويل.

وللتكرير مواقع يحسن فيها، ومواقع لا يحسن فيها، قال الشيخ في «دلائل الإعجاز»، في الخاتمة التي ذكر فيها أنّ الذوق قد يدرك أشياء لا يُهتدى لأسبابها، وأنّ ببعض الأئمة قد يعرض له الخطأ في التأويل: «ومن ذلك ما حكي عن الصاحب أنّه قال: كان الأستاذ ابن العميد يختار من شعر ابن الرومي وينقط على ما يختاره، قال الصاحب فدفع إليّ القصيدة التي أولها: أتَحْتَ ضلوعي جمرةٌ تتوقّد *** على ما مضى أم حسْرة تتجدّد وقال لي: تأمّلها، فتأمَّلتها فوجدته قد ترك خير بيت فيها لم ينقِّط عليه وهو قوله: بجَهْللٍ كجهل السيففِ والسيفُ منتضًى *** وحِلْممٍ كحلم السيف والسيفُ مُغْمَدُ فقلت: لِمَ تركَ الأستاذُ هذا البيت؟

فقال: لعلّ القلم تجاوزه، ثم رآني من بعد فاعتذر بعذر كان شرّاً من تركه؛ فقال: إنّما تركته لأنّه أعادَ السيف أربع مرات، قال الصاحب: لو لم يعده لفسد البيت، قال الشيخ عبد القاهر: والأمر كما قال الصاحب ثم قال قاله أبو يعقوب: إنّ الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف لأجل ذلك كان لإعادة اللفظ في قوله تعالى: ﴿ وبالحق أنزلته وبالحق نزل ﴾ [الإسراء: 105] وقوله: ﴿ قل هو الله أحد، الله الصمد ﴾ [الصمد: 1، 2] عَمَل لولاه لم يكن.

وقال الراغب: قد استكرهوا التكرير في قوله: فما للنَّوى جُذّ النَّوى قُطِع النَّوَى *** حتى قيل: لو سلّط بعير على هذا البيت لرَعى ما فيه من النَّوى، ثم قال: إنّ التكرير المستحسن هو تكرير يقع على طريق التعظيم، أو التحقير، في جمل متواليات كلّ جملة منها مستقلة بنفسها، والمستقبح هو أن يكون التكرير في جملة واحدة أو في جمل في معنى، ولم يكن فيه معنى التعظيم والتحقير، فالراغب موافق للأستاذ ابن العميد، وعبدُ القاهر موافقٌ للصاحب بن عباد، قال المرزوقي في شرح الحماسة عند قول يحيى بن زياد: لَمَّا رَأيتُ الشيبَ لاح بياضُه *** بمَفرِققِ رأسي قُلتُ للشيب مرحبا «كان الواجب أن يقول: قلت له مرحباً، لكنّهم يكرّرون الأعلام وأسماءَ الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم».

واعلم أنّه ليس التكرير بمقصور على التعظيم بل مقامه كلّ مقام يراد منه تسجيل انتساب الفعل إلى صاحب الاسم المكرّر، كما تقدّم في بيتي الحماسة: «اللؤم أكرم من وبر» إلخ.

وقد وقع التكرير متعاقباً في قوله تعالى في سورة آل عمران (78): ﴿ وإن منهم لفريقاً يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.

﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.

في ﴿ تَدايَنْتُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَجازَيْتُمْ.

والثّانِي: تَعامَلْتُمْ.

وَفي ﴿ فاكْتُبُوهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَدْبٌ، وهو قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ فَرْضٌ، قالَهُ الرَّبِيعُ، وكَعْبٌ.

﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ ﴾ وعَدْلُ الكاتِبِ ألّا يَزِيدَ [فِيهِ] إضْرارًا بِمَن هو عَلَيْهِ، ولا يَنْقُصُ مِنهُ، إضْرارًا بِمَن هو لَهُ.

﴿ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ كالجِهادِ، قالَهُ عامِرٌ.

والثّانِي: أنَّهُ واجِبٌ عَلَيْهِ في حالِ فَراغِهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَدْبٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي عَلى الكاتِبِ، ويُقِرُّ بِهِ عِنْدَ الشّاهِدِ.

﴿ وَلا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا ﴾ أيْ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْئًا.

﴿ فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الجاهِلُ بِالصَّوابِ فِيما عَلَيْهِ أنْ يُمِلَّهُ عَلى الكاتِبِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّبِيُّ والمَرْأةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُبَذِّرُ لِمالِهِ، المُفْسِدُ في دِينِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الشّافِعِيِّ.

والرّابِعُ: الَّذِي يَجْهَلُ قَدْرَ المالِ، ولا يَمْتَنِعُ مِن تَبْذِيرِهِ ولا يَرْغَبُ في تَثْمِيرِهِ.

﴿ أوْ ضَعِيفًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الأحْمَقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ العاجِزُ عَنِ الإمْلاءِ إمّا بِعِيٍّ أوْ خَرَسٍ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ.

﴿ أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ العَيِيُّ الأخْرَسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المَمْنُوعُ عَنِ الإمْلاءِ إمّا بِحُبْسٍ أوْ عَيْبَةٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَجْنُونُ.

﴿ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ولِيُّ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: ولِيُّ الحَقِّ، وهو صاحِبُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَّبِيعُ.

﴿ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن أهْلِ دِينِكم.

والثّانِي: مِن أحْرارِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ ﴾ يَعْنِي فَإنْ لَمْ تَكُنِ البَيِّنَةُ بِرَجُلَيْنِ، فَبِرَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأحْرارُ المُسْلِمُونَ العُدُولُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهم عُدُولُ المُسْلِمِينَ وإنْ كانُوا عَبِيدًا، وهو قَوْلُ شُرَيْحٍ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وأبِي ثَوْرٍ.

﴿ تَضِلَّ إحْداهُما ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِئَلّا تَضِلَّ، قالَهُ أهْلُ الكُوفَةِ.

والثّانِي: كَراهَةَ أنْ تَضِلَّ، قالَهُ أهْلُ البَصْرَةِ.

وَفي المُرادِ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تُخْطِئَ.

والثّانِي: أنْ تَنْسى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

﴿ فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَجْعَلُها كَذَكَرٍ مِنَ الرِّجالِ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ.

والثّانِي: أنَّها تُذَكِّرُها إنْ نَسِيَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِتَحَمُّلِها وإثْباتِها في الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ.

والثّانِي: لِإقامَتِها وأدائِها عِنْدَ الحاكِمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّها لِلتَّحَمُّلِ والأداءِ جَمِيعًا، قالَهُ الحَسَنُ.

واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نَدْبٌ ولَيْسَ بِفَرْضٍ، قالَهُ عَطاءٌ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ فَرْضٌ عَلى الأعْيانِ، قالَهُ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ.

﴿ وَلا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ ﴾ ولَيْسَ يُرِيدُ بِالصَّغِيرِ ما كانَ تافِهًا حَقِيرًا كالقِيراطِ والدّانَقِ لِخُرُوجِ ذَلِكَ عَنِ العُرْفِ المَعْهُودِ.

﴿ ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ أعْدَلُ، يُقالُ: أقْسَطَ إذا عَدَلَ فَهو مُقْسِطٌ، قالَ تَعالى: ﴿ وَأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ  ﴾ وقَسَطَ إذا جارَ، قالَ تَعالى: ﴿ وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا  ﴾ ﴿ وَأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصَحُّ لَها، مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِقامَةِ.

والثّانِي: أحْفَظُ لَها، مَأْخُوذٌ مِنَ القِيامِ، بِمَعْنى الحِفْظِ.

﴿ وَأدْنى ألا تَرْتابُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ألّا تَرْتابُوا بِمَن عَلَيْهِ حَقٌّ أنْ يُنْكِرَهُ.

والثّانِي: ألّا تَرْتابُوا بِالشّاهِدِ أنْ يَضِلَّ.

﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحاضِرَةَ ما تُعَجَّلُ ولَمْ يُداخِلْهُ أجَلٌ في مَبِيعٍ ولا ثَمَنٍ.

والثّانِي: أنَّها ما يَحُوزُهُ المُشْتَرِي مِنَ العُرُوضِ المَنقُولَةِ.

﴿ تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَتَناقَلُونَها مِن يَدٍ إلى يَدٍ.

والثّانِي: تُكْثِرُونَ تَبايُعَها في كُلِّ وقْتٍ.

﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألا تَكْتُبُوها ﴾ يَعْنِي أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِكَتْبِهِ وإنْ كانَ مُباحًا.

﴿ وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فَرْضٌ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، وداوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.

والثّانِي: أنَّهُ نَدْبٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

﴿ وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ المُضارَّةَ هو أنْ يَكْتُبَ الكاتِبُ ما لَمْ يُمْلَ عَلَيْهِ، ويَشْهَدَ الشّاهِدُ بِما لَمْ يُسْتَشْهَدْ، قالَهُ طاوُسٌ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ المُضارَّةَ أنْ يُمْنَعَ الكاتِبُ أنْ يَكْتُبَ، ويُمْنَعَ الشّاهِدُ أنْ يَشْهَدَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ.

والثّالِثُ: أنَّ المُضارَّةَ أنْ يُدْعى الكاتِبُ والشّاهِدُ وهُما مَشْغُولانِ مَعْذُورانِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: أنْ تَكُونَ المُضارَّةُ في الكِتابَةِ والشَّهادَةِ.

﴿ وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفُسُوقَ المَعْصِيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ الكَذِبُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الفُسُوقَ المَأْثَمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير بسند صحيح عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.

وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين.

وأخرج الطيالسي وأبو يعلى وابن سعد وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أوّل من جحد آدم أن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلاً يزهر قال: أي رب من هذا؟

قال: هذا ابنك داود.

قال: أي رب كم عمره؟

قال: ستون عاماً قال: رب زد في عمره.

فقال: لا إلا أن أزيده من عمرك.

وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عاماً، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عاماً.

فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود.

قال: ما فعلت.

فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة، فكمل الله لآدم ألف سنة، وأكمل لداود مائة عام» .

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أجله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ﴾ قال: نزلت في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال: «قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: لا سلف إلى العطاء، ولا إلى الحصاد، ولا إلى الأندر، ولا إلى العصير، واضرب له أجلاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: أمر بالشهادة عند المداينة لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان، فمن لم يشهد على ذلك فقد عصى، ولا يأب الشهداء يعني من احتيج إليه من المسلمين يشهد على شهادة، أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ثم قال بعد هذا ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ والضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره، فنهاه الله عن ذلك وقال: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق ﴾ يعني معصية.

قال: ومن الكبائر كتمان الشهادة.

قال: لأن الله تعالى يقول ﴿ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾ [ البقرة: 283] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كاتب بالعدل ﴾ قال: يعدل بينهما في كتابه، لا يزاد على المطلوب ولا ينقص من حق الطالب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: واجب على الكاتب أن يكتب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: إن كان فارغاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: ذلك أن الكتاب في ذلك الزمان كانوا قليلاً.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: كانت الكتاب يومئذ قليلاً.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ قال: كانت عزيمة فنسختها ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ كما علمه الله ﴾ قال: كما أمره الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ كما علمه الله ﴾ قال: كما علمه الكتابة وترك غيره ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ يعني المطلوب.

يقول: ليمل ما عليه من الحق على الكاتب ﴿ ولا يبخس منه شيئاً ﴾ يقول: لا ينقص من حق الطالب شيئاً ﴿ فإن كان الذي عليه الحق ﴾ يعني المطلوب ﴿ سفيهاً أو ضعيفاً ﴾ يعني عاجزاً أو أخرس أو رجلاً به حمق ﴿ أو لا يستطيع ﴾ يعني لا يحسن ﴿ أن يمل هو ﴾ قال: أن يمل ما عليه ﴿ فليملل وليه ﴾ ولي الحق حقه ﴿ بالعدل ﴾ يعني الطالب ولا يزداد شيئاً ﴿ واستشهدوا ﴾ يعني على حقكم ﴿ شهيدين من رجالكم ﴾ يعني المسلمين الأحرار ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان...

أن تضل إحداهما ﴾ يقول: أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ يعني تذكرها التي حفظت شهادتها ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: الذي معه الشهادة ﴿ ولا تسأموا ﴾ يقول: لا تملوا ﴿ أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً ﴾ يعني.

أن تكتبوا صغير الحق وكبيره قليله وكثيره ﴿ إلى أجله ﴾ لأن الكتاب أحصى للأجل والمال ﴿ ذلكم ﴾ يعني الكتاب ﴿ أقسط عند الله ﴾ يعني أعدل ﴿ وأقوم ﴾ يعني أصوب ﴿ للشهادة وأدنى ﴾ يقول: وأجدر ﴿ أن لا ترتابوا ﴾ أن لا تشكوا في الحق والأجل والشهادة إذا كان مكتوباً، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة ﴾ يعني يداً بيد ﴿ تديرونها بينكم ﴾ يعني ليس فيها أجل ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ يعني حرج ﴿ أن لا تكتبوها ﴾ يعني التجارة الحاضرة ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ يعني اشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فاشهدوا على حقكم على كل حال ﴿ وإن تفعلوا ﴾ يعني أن تضاروا الكاتب أو الشاهد وما نهيتم عنه ﴿ فإنه فسوق بكم ﴾ ثم خوفهم فقال: ﴿ واتقوا الله ﴾ ولا تعصوه فيها ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ يعني من أعمالكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً ﴾ قال: هو الجاهل بالإِملاء ﴿ أو ضعيفاً ﴾ قال: هو الأحمق.

وأخرج ابن جرير عن السدي والضحاك في قوله: ﴿ سفيهاً ﴾ قالا: هو الصبي الصغير.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ فليملل وليه ﴾ قال: صاحب الدين.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فليملل وليه ﴾ قال: ولي اليتيم.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ فليملل وليه ﴾ قال: ولي السفيه أو الضعيف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عمر في قوله: ﴿ واستشهدوا شهيدين ﴾ قال: كان إذا باع بالنقد أشهد ولم يكتب قال مجاهد: وإذا باع بالنسيئة كتب وأشهد.

وأخرج سفيان وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ قال: من الأحرار.

وأخرج سعيد بن منصور عن داود بن أبي هند قال: سألت مجاهداً عن الظهار من الأمة فقال: ليس بشيء.

قلت: أليس يقول الله: ﴿ الذين يظاهرون من نسائهم ﴾ [ المجادلة: 3] أفلسن من النساء؟

فقال: والله تعالى يقول ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ أفتجوز شهادة العبيد؟.

وأخرج ابن المنذر عن الزهري أنه سئل عن شهادة النساء فقال: تجوز فيما ذكر الله من الدين، ولا تجوز في غير ذلك.

وأخرج ابن المنذر من مكحول قال: لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك قال: لا تجوز شهادة أربع نسوة مكان رجلين في الحقوق، ولا تجوز شهادتهن إلا معهن رجل، ولا تجوز شهادة رجل وامرأة، لأن الله يقول ﴿ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر قال: لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما أشبه ذلك من حملهن وحيضهن.

وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن!

قالت امرأة: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟

قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ولا تصلي، وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين» .

وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ فمن ترضون من الشهداء ﴾ قال: عدول.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله عن شهادة الصبيان؟

فكتب إلي: إن الله يقول ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ فليسوا ممن نرضى، لا تجوز.

وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ قال: عدلان حران مسلمان.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، أنه كان يقرأها ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ مثقلة.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.

أنه كان يقرأها ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ مخففة.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ أن تضل إحداهما فتذكرها إحداهما الأخرى ﴾ .

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ يقول: من احتيج إليه من المسلمين قد شهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي، ثم قال بعد هذا ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ والأضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا ما دعيت فيضاره بذلك، وهو مكتف بذلك، فنهاه الله وقال: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ يعني بالفسوق المعصية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: إذا كانت عندهم شهادة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم، فأنزل الله هذه الآية.

وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ قال: إذا كانت عندك شهادة فأقمها، فأما إذا دعيت لتشهد فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا تذهب.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ ولا يأب الشهداء ﴾ قال: وهو الذي عنده الشهادة.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: جمعت أمرين.

لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة.

وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله: ﴿ أقسط عند الله ﴾ قالت: أعدل.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله: ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ قال: نسختها ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ [ البقرة: 283] .

وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد.

أنه اشترى سوطاً فاشهد وقال: قال الله: ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ .

وأخرج النحاس في ناسخه عن إبراهيم في الآية قال: أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دستجة بقل.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ قال: أشهدوا ولو دستجة من بقل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ قال: يأتي الرجل الرجلين فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة فيقولان: إنا على حاجة.

فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن يضارهما.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ يقول: إنه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد فيقول: خلوا سبيله.

وأخرج سفيان وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة قال: كان عمر بن الخطاب يقرأها ﴿ ولا يضارر كاتب ولا شهيد ﴾ يعني بالبناء للمفعول.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ ﴿ ولا يضارر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد، أنه كان يقرأ ﴿ ولا يضارر كاتب ولا شهيد ﴾ وأنه كان يقول في تأويلها: ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبه وشاهده إلى أن يشهد، ولعله يكون في شغل أو حاجة.

وأخرج ابن جرير عن طاوس ﴿ ولا يضار كاتب ﴾ فيكتب ما لم يمل عليه ﴿ ولا شهيد ﴾ فيشهد ما لم يستشهد.

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الحسن ﴿ ولا يضار كاتب ﴾ فيزيد شيئاً أو يحرف ﴿ ولا شهيد ﴾ لا يكتم الشهادة ولا يشهد إلا بحق.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ﴾ كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول: اكتب لي.

فيقول: إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري، فيلزمه ويقول: إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك وهو يجد غيره، فأنزل الله: ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ ويقول: إن تفعلوا غير الذي أمركم به ﴿ واتقوا الله ويعلمكم الله ﴾ قال: هذا تعليم علمكموه فخذوا به.

وأخرج أبو يعقوب البغدادي في كتاب رواية الكبار عن الصغار عن سفيان قال: من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» .

وأخرج الترمذي عن يزيد بن سلمة الجعفي أنه قال: «يا رسول الله إني سمعت منك حديثاً كثيراً أخاف أن ينسيني أوّله آخره، فحدثني بكلمة تكون جماعاً قال: اتق الله فيما تعلم» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من معادن التقوى تعلمك إلى ما علمت ما لم تعلم والنقص والتقصير فيما علمت قلة الزيادة فيه، وإنما يزهد الرجل في علم ما لم يعلم قلة الانتفاع بما قد علم» .

وأخرج الدارمي عن عبد الله بن عمر.

أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: من أرباب العلم؟

قال: الذين يعملون بما يعلمون.

قال: فما ينفي العلم من صدور الرجال؟

قال: الطمع.

وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال: تعلموا الصمت، ثم تعلموا الحلم، ثم تعلموا العلم، ثم تعلموا العمل به، ثم انشروا.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن زياد بن جدير قال: ما فقه قوم لم يبلغوا التقى.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: يقول الله عز وجل «إذا علمت أن الغالب على عبدي التمسك بطاعتي مننت عليه بالاشتغال بي والانقطاع إليَّ» .

وأخرج أبو الشيخ من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم حياة الإِسلام وعماد الإِيمان، ومن علم علماً أنمى الله له أجره إلى يوم القيامة، ومن تعلم علماً فعمل به فإن حقاً على الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم» .

وأخرج هناد عن الضحاك قال: ثلاثة لا يسمع الله تعالى لهم دعاء: رجل معه امرأة زناء كلما قضى شهوته منها قال: رب اغفر لي.

فيقول الرب تبارك وتعالى: تحول عنها وأنا أغفر لك وإلا فلا، ورجل باع بيعاً إلى أجل مسمى ولم يشهد ولم يكتب فكافره الرجل بما له فيقول: يا رب كافرني فلان بمالي.

فيقول الرب لا آجرك ولا أجيبك، إني أمرتك بالكتاب والشهود فعصيتني، ورجل يأكل مال قوم وهو ينظر إليهم ويقول: يا رب اغفر لي ما آكل من مالهم فيقول الرب تعالى: رد إليهم مالهم وإلا فلا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ قال ابن عباس: لم حرّم الله تعالى الرِّبا أباحَ السَّلَم فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾ (١) التداين: تفاعل، من الدَّيْن، ومعناه: داين بعضكم بعضًا وتبايعتم بدين (٢) (٣) ويقال من الدَّين: ادَّانَ: إذا باع سلعته (٤) (٥) نَدِيْنُ ويَقْضِي اللهُ عَنّا وقد نَرَى ...

مَصارعَ قَوْمٍ لا يَدِينُونَ ضُيَّعا (٦) فهذا على معنى يستقرض، وادّان: إذا كثر عليه الدّين، وتديّن واستدان: إذا أخذ الدين (٧) يُعَيّرُني بالدَّيْن قَوْمِي وإنَّما ...

تَدَيَّنْتُ في أَشْيَاءَ تُكْسِبُهُم حَمْدًا (٨) قال المفسرون: كل حق مؤجل فهو داخل تحت قوله: ﴿ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾ (٩) قال ابن الأنباري: إنما ذكر الدَّيْن مع أن ﴿ تَدَايَنْتُمْ ﴾ يدل عليه؛ لأن التداين يكون بمعنيين، أحدهما: التداين بالمال، والآخر: التداين بمعنى: المجازاة، من قولهم: كما تدين تُدان، والدين: الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتلخيص أحد المعنيين (١٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ معنى الأجل في اللغة: الوقتُ المضروبُ لانقضاء الأمد، وأَجَلُ الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأَجَلُ الدين: محَلُّه، لانقضاء التأخير فيه، وأصله من التأخير، يقال: أَجِلَ الشيء يَأْجَلُ أُجُولًا: إذا تأخر، والآجل: نقيضُ العاجل.

وقوله تعالى: ﴿ فَاكْتُبُوهُ ﴾ الكِتابةُ والإِشهادُ اللذان ذكرا في هذه الآية للتداين، والمبايعة في قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ قد اختلف الناس فيهما، فأوجبهما جماعة من أهل العلم، وقالوا: إن الله تعالى أمر في الحقوق المؤجلة بالكِتابة والإشهادِ حفظًا منه للأموال، وذلك أن الذي عليه الدين إذا كانت عليه الشهود والبينة قلّ تحديثه نفسه بالطمع في إذهابه، وهذا مذهب عطاء (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال قوم: هذا أمر ندب وإباحة كقوله: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا  ﴾ ، ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا  ﴾ وهذا اختيار الفراء؛ لأنه يقول: هذا الأمر ليس بفريضة، إنما هو أدب ورحمة من الله، فإن كتب فحسن، وإن لم يكتب فلا بأس (١٦) قال ابن الأنباري: وهو اختيارنا؛ لاتفاق أكثر العلماء عليه، ولأن الأمر لو كان حتمًا لم يكن المسلمون ليقدموا على خلاف نصّ القرآن في أسواقهم، ولكان فيه أعظم التشديد على الناس والتغليظ، والنبي  يقول: "بُعِثْتُ بالحنفية السمحة" (١٧) وقال آخرون: كانت الكتابة والإشهاد أو الرهن فرضًا، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ إن أشهدت فَحَزْم (١٨) (١٩) وقال التيِمي: سألت الحسن عنها فقال: إن شاء أشهدَ، وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألا تسمع قوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ (٢٠) قال أبو عبيد: والعلماء اليوم من أهل الحجاز وأهل العراق وغيرهم على هذا القول (٢١) ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ ويرون (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ أي: ليكتب كتاب الدين بين المستدين والمدين كاتب بالعدل، أي: بالحق والإنصاف، لا يكتب لصاحب الدين فضلًا على الذي عليه، ولا يُنْقِصُه (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ أي: لا يمتنع، يقال: أبى فلان الشيء يَأبَاهُ، إذا امتنع عنه (٢٦) (٢٧) قال مجاهد (٢٨) (٢٩)  (٣٠) وقال الحسن: ذاك إذا لم يقدر على كاتب سواه فيضر بصاحب الدين إن امتنع (٣١) وقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد، فنسخها قوله: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ أي: لا يأبَ أن يكتبَ كما أمره الله عز وجل من الحق، فعلى هذا يكون قوله: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾ متصلًا بقوله: ﴿ أَن يَكْتُبَ ﴾ كما أمره الله، ويحتمل أن يتمَّ الكلامُ عند قوله: ﴿ أَن يَكتُبَ ﴾ ثم قال: ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ أي: كما فضله الله بالكتابة.

وقال ابن عباس: كما أفهمه الله، ولا يمنعن المعروف بكتابة (٣٣) والوجهان ذكرهما الزجاج (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ الإِمْلال والإِملاءُ لغتان (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا  ﴾ ومعنى الآية: أن (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ البَخْسُ: النُّقْصَان، يقال: بَخَسه حَقَّه، إذا نَقَصَه (٣٩) أُمِر من عليه الحق أن يُقرَّ بمبلغ المال الذي عليه ولا ينقص شيئًا.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا ﴾ قال مجاهد: جاهلا (٤٠) (٤١) وقال الضحاك (٤٢) (٤٣) (أو ضعيفًا) يعني: عاجزًا أحمق، عن السدي (٤٤) (٤٥) (أو لا يستطيع أن يملّ هو) لخَرَسٍ أو عِيِّ أو (٤٦) (٤٧) ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ .

قال الضحاك (٤٨) (٤٩) وقال ابن عباس (٥٠) (٥١) (٥٢) ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾ : بالصدق والحق والإنصاف.

والقول الأول اختيار الزجاج (٥٣) قال الزجّاج: إن الله عز وجل أمر أن لا يؤتى السفهاء الأموال، وأمر أن يقام بهم (٥٤) ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ ، فوليُّه: الذي يقوم مقامه في ماله.

قال: وقول من قال: إنه ولي الدين، بعيد، كيف يقبل قول المدعي، وما حاجتنا إلى الكتابة والإشهاد، والقول قوله (٥٥) (٥٦) (٥٧) ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ ووسم الذي عليه الحق (٥٨) ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ (٥٩) ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ ، عُلِمَ أنه يعني: وليَّ السفيه؛ لأنه أقامه مقام السفيه، وهو الذي عليه الحق، ولو أراد صاحب الحق لقال: فليكتب وليه بالعدل، كما وسمه (٦٠) وأجاز الفراء القولين جميعًا (٦١) وقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا ﴾ أي: أَشْهِدُوا، يقالُ: أَشْهَدتُّ الرجلَ واستشهدته بمعنى (٦٢)  : "يَشْهَدُون (٦٣) (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ يعني: من أهل ملتكم من الأحرار البالغين، دون الصبيان والعبيد (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾ قال الزجاج: أي: (٦٦) (٦٧) (٦٨) قال الفراء: فليكن رجل وامرأتان فرفع بالرد على الكون (٦٩) وقال صاحب "النظم": أي: فليكفكم رجل وامرأتان (٧٠) (٧١) قال أبو علي الفارسي: قال أبو الحسن الأخفش: التقدير: فليكن رجل وامرأتان (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) واجماع أن شهادة النساء جائزة (٨١) (٨٢) وقوله تعالى: ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ قال ابن عباس: يريد: من أهل الفضل والدين (٨٣) ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ  ﴾ .

ودل هذا القول: أن في الشهود من ينبغي أن لا يُرضى (٨٤) (٨٥) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ أن تتعلق بفعل مضمر، دل عليه ما قبله من الكلام، وذلك أن قوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾ يدل على: فاستشهدوا رجلًا وامرأتين، فتعلق أن إنما (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَضِلَّ ﴾ قال ابن عباس (٩١) ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ  ﴾ أي: الناسين الذين ضلوا وجه الأمر، ومن هذا قولهم: ضَلِلْتُ الطريق والدار أَضِلُّه ضلالًا: إذا لم تدر أين هو (٩٢) ولَقَدْ ضَلَلْتَ أباَكَ يَدْعُو دَارِمًا ...

كضَلالِ مُلْتَمِسٍ طَرِيقَ وَبَارِ (٩٣) وقال أبو عمرو: أصل الضلال في اللغة: الغيبوبة (٩٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا ﴾ أي: تغيب عن حفظِها، أو يغيب حفظُها عنها، وإحدى: تأنيث الواحد.

قال أبو علي: أنثوه على غير بنائه، و (إحدى) لا تستعمل إلّا مضمومة إلى غيرها ومضافة، لا يقولون: رأيت إحدى، ولا جاءني إحدى.

وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي قال: (٩٥) حتى استثاروا بي (٩٦) (٩٧) (٩٨) قال أبو العباس: جعلوا الألف في (إحدى) بمنزلة التاء في الكسرة، فقالوا (٩٩) (١٠٠) (١٠١) وموضع (أن) نصب، لأن المعنى: استشهدوا امرأتين، لأن تُذَكّر إحداهما الأخرى، ومن أجل أن تذكر (١٠٢) فإن قيل: إذا كان المعنى هذا فلم جاز: أن تضل، والشهادة لم توقع للضلال الذي هو النسيان، إنما وقعت للذكر والإذكار؟

والجواب عنه: أن الإذكار لما كان سببه الإضلال، جاز أن يذكر (أن تضل)؛ لأن الضلال هو السبب الذي به وجب الإذكار، كما تقول: أعددت هذا (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) وقال الفراء: معنى الآية: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، كي تُذَكِّر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) ﴿ أَنْ تَضِلَّ ﴾ للجزاء، إلا أنه قدم وفتح، وأصله التأخير.

وأنكر البصريون هذا القول (١٠٩) قال أبو إسحاق: لست أعرف لم صار الجزاء إذا تقدم وهو في مكانه وغير مكانه وجب أن تفتح أن (١١٠) وقال أبو علي: ما ذكره الفراء دعوى لا دلالة عليها، والقياس يفسدها (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) وقال صاحب النظم في هذه الآية: التقدير: مخافة أن تضل وخوفًا لكم، أن تضل أن تنسى، لما فيهن من النقص عن ذكر الرجال وحفظهم، كما قال عمرو بن كلثوم: فَعجَّلْنَا القِرَى أن تَشْتِمُونَا (١١٥) قيل فيه: مخافة أن (١١٦) ﴿ أَنْ تَضِلَّ ﴾ ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ ، ولما عطف قوله: ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ على ﴿ أَنْ تَضِلَّ ﴾ فسد هذا القول؛ لأن الخوف على الضلال يصح، والخوف على التذكير لا يصح؛ لأن إشهاد امرأتين للتذكير لا لخوف التذكير (١١٧) وقرأ حمزة (إن تَضَلَّ) بكسر الألف (فَتُذَكِّرُ) بالرفع (١١٨) ﴿ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ  ﴾ .

والفاء في قوله: ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ جواب الجزاء، وقياس قول سيبويه في قوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ  ﴾ أن يكون بعد الفاء في ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ مبتدأ محذوف (١١٩) (١٢٠) (١٢١) ﴿ إِحْدَاهُمَا ﴾ .

وموضع الشرط وجوابه رفع بكونهما وصفًا للمنكرين (١٢٢) ﴿ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾ ، لأن الشرط والجزاء جملة يوصف بها، كما يوصف (١٢٣) ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ  ﴾ (١٢٤) وقوله تعالى ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (١٢٥) (١٢٦) ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ  ﴾ ، والتشديد أكثر استعمالًا من التخفيف، أنشد أبو علي: على أنَّنِي بَعْدَما قَدْ مَضَى ...

ثَلاثُون للهَجْرِ حَوْلًا كَمِيلا يُذَكّرُنيِكِ حَنِينُ العَجُولِ ...

ونَوْحُ الحَمَامَةِ تَدْعُو هَدِيلا (١٢٧) (١٢٨) وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان، إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ أي: تجعلها ذَكَرًا (١٢٩) (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ بالتشديد فهو من طريق التذكير بعد النسيان، تقول لها: هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا وبحضرتنا فلان أو فلانة، حتى تذكر الشهادة، ومن قرأ: (فتذكر) بالتخفيف، قال: إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها، لأنهما تقومان مقام رجل، ونحو هذا روى أبو عمر عن ثعلب سواء.

وأنكر المفسرون هذا التفسير، وضعّفوه، من حيث إن النساءَ لو بلغن ما بلغن ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن حتى يكون معهنَّ رَجُل، فإذا كان الأمر على هذا لم تُذْكِرْها، والحاجة في نفاذ الشهادة إلى الرجل قائمة، ومما يبعد هذا التفسير: أن الضلال في قوله: ﴿ تُضِلَّ إِحْدَاهُمَا ﴾ فسر بالنسيان، والذي (١٣٣) (١٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذا في تحمل الشهادة، وكل من (١٣٥) (١٣٦) (١٣٧) قال الشعبي: هذا إذا لم يوجد غيره فيتعين عليه الإجابة، فإن وجد غيره ممن يتحمل فهو مخير (١٣٨) القول الثاني: أن هذا في إقامة الشهادة وأدائها، قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد: إذا استودعته الشهادة ثم احتجت إلى شهادة فلا ينبغي له أن يتخلف عنك حتى يأتي معك إلى الحاكم فيؤديها (١٣٩) وهو قول مجاهد (١٤٠) (١٤١) (١٤٢) (١٤٣) القول الثالث: أن هذا في الأمرين جميعًا التحمل والأداء، إذا كان فارغًا، ولم يكن له عذر، وهذا قول الحسن (١٤٤) ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ﴾ أي: لا تملوا أن تكتبوا ما شهدتم عليه، فقد أمروا بهذا، فهذا يؤكد أن أمر الشهادة فى الابتداء واجب، وأنه لا ينبغي أن تملوا (١٤٥) والسآمة: المَلاَلَةُ والضَّجَر، يقال: سَئِمْتُ الشيءَ أَسْأَمُهُ سَأَمًا وسَآمةً (١٤٦) يقول: لا يمنعكم (١٤٧) (١٤٨) والهاء في ﴿ تَكْتُبُوهُ ﴾ تعود على الحق، وكذلك الهاء في الأجل (١٤٩) هذا ما قيل في تفسير هذه الآية، وأظهر من هذا أن يُجْعَلَ قوله: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ ﴾ خطابًا لأولياء الحق، يقول: لا تَمَلُّوا أن تكتبوا حقُوقَكُم التي دفعتموها إلى الناس دقّت أو جلَّت، وتذكروا في الكتاب أَجَلَها ومَحَلَّها، ويؤكد هذا الوجه: أن الآية من ابتدائها خطاب لأرباب الأموال والديون.

والقيراط والحبة لا تدخل في الندب إلى الكتاب؛ لأن هذا مضمن بالعادة وليس في العادة أن يكتبُوا التَّافِه.

وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أي: الكتاب ﴿ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي: أعدل (١٥٠) ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا  ﴾ (١٥١) (١٥٢) ﴿ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ﴾ لأن الكتاب يذكر الشهود، فتكون شهادتهم (١٥٣) ومعنى ﴿ وَأَقْوَمُ ﴾ أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج، وذلك أن المنتصب القائم يكون ضد المنحني المعوج، ﴿ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾ أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل (١٥٤) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾ أي: إلا أن تقع (١٥٥) (١٥٦) والكونُ هنا بمعنى: الوقوع والحدوث، كما بينا في قوله: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ  ﴾ .

وقال الفراء (١٥٧) ﴿ تُدِيرُونَهَا ﴾ في موضع نصب، فيكون لـ (كان) مرفوع ومنصوب (١٥٨) وعلى الوجه الأول تكون (١٥٩) (١٦٠) وقرأ عاصم ﴿ تِجَارَةً حَاضِرَةً ﴾ بالنصب (١٦١) (١٦٢) قال أبو علي: لا يجوز أن يكون التداين اسم كان؛ لأن التداين معنى، والتجارة الحاضرة يراد بها العين، وحكم الاسم أن يكون الخبر في المعنى، والتداين حق في ذمة المستدين، للمدين المطالبة به، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون اسم كان؛ لاختلاف التداين والتجارة الحاضرة، ولا يجوز أيضًا (١٦٣) ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ للمعنى الذي ذكرنا في التداين؛ لأن ذلك الحق دين فإذا لم يجز هذا، لم يخل (١٦٤) أحدهما: أن هذه الأشياء التي اقْتُصَّتْ من الإشهاد والإرتهان قد عُلِمَ من فحواها التبايع، فأضمر لدلالة الحال عليه، كما أضمر لدلالة الحال في ما حكى سيبويه من قولهم: إذا كان غدًا فأتني، وينشد على هذا: أَعَيْنَيّ هَلّا تَبْكِيَانِ عِفَاقا ...

إذا كان طَعنًا بينهم وعِناقا (١٦٥) والثاني: أن يكون أضمر التجارة، كأنه قيل: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، ومثله: ما أنشده الفراء: فِدًى لِبَني ذُهَلِ بنِ شَيْبَانَ نَاقتي ...

إذا كان يومًا ذا كَوَاكِبَ أشْهَبَا (١٦٦) أي: إذا كان اليوم يومًا (١٦٧) فأما التِّجَارَةُ فهي: تقليبُ الأموال وتصريفُها لطلبِ النَّمَاء (١٦٨) (١٦٩) قد تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْربٌ ...

لا مرحبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَة (١٧٠) والتجارة، اسمُ حَدَثٍ، لأنه اسمٌ للتَّقْليب والتَّصَرُّف، إلا أن المراد به في هذه الآية العين، ويكون المعنى: إلا أن تقع (١٧١) ﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ  ﴾ أي: المصيدة لأن الأيدي والرماح إنما تنالان الأعيان، وبين (١٧٢) (١٧٣) وقوله: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ قد ذكرنا ما في هذا في أول الآية (١٧٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ نهى الله عز وجل الكاتبَ والشاهدَ عن المضارَّة، وهو أن يزيد الكاتب أو ينقص أو يحرف، وأن يشهد الشاهد بما لم يستشهد عليه، أو يمتنع من إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس (١٧٥) (١٧٦) (١٧٧) (١٧٨) (١٧٩) وقال ابن مسعود (١٨٠) (١٨١) (١٨٢) يُضِرُّ به، وعلى هذا القول، أصله: يُضَارَرَ على الفعل المجهول فاعله.

والقول الأول اختيار الزجاج، قال: لقوله: ﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ والفاسق أشبه بغير العدل، وبمن حَرَّف الكتابة منه بالذي دعا شاهدًا ليشهد وكاتبًا ليكتب وهو مشغول، وليس يسمى هذا فاسقًا، ولكن يسمَّى من كذب في الشهادة ومن حَرَّفَ في الكتاب فاسقًا (١٨٣) (١٨٤) وإذا أَضَرَّ بالكاتِبِ والشاهِدِ فقد أثم وعصى بترك أمر الله، ومعنى الفسوق: هو الخروج، وهذا خارج (١٨٥) (١٨٦) (١٨٧) (١٨٨) (١٨٩) ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ بإظهار التضعيف على ما لم يسم فاعله (١٩٠) (١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 5، والشافعي في "الأم" 3/ 93، والطبري في "تفسيره" 3/ 116 - 117، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 554.

(٢) من قوله: (التداين)، ساقط من (ي).

(٣) ينظر "اللسان" 1/ 32 (مادة: أجل).

(٤) في (م) (سلعة).

(٥) هو: علي بن الحسن المعروف بالأحمر، مؤدب المأمون العباسي، وشيخ النحاة في عصره، كان جنديًا على باب الرشيد، وأخذ العربيةَ عن الكسائي الذي أوصله إلى الرشيد، كان قوي الذاكرة يحفظ 40 ألف بيتِ شعرٍ، توفي سنة 194هـ.

انظر بغية الوعاة 2/ 158 - 159، "الأعلام" 4/ 271.

(٦) البيت للعجير السلولي، في "لسان العرب" 3/ 1468 (مادة: دين)، "تاج العروس" (مادة: دين)، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 2/ 1137، ينظر: "المعجم المفصل في شواهد اللغة" 4/ 249.

قال ابن بَرِّي: صوابه ضُيّعِ بالخفض على الصفة لقوم وقبله: فَعِد صاحبَ اللَّحَّام سيفًا تبيعُه ...

وزد درهمًا فوق المُغَالينَ واخْنَعِ (٧) ينظر في دين: "تهذيب اللغة" 2/ 1137، "المفردات" ص181، "اللسان" 3/ 1468.

(٨) البيت للمقنع الكندي، ينظر "اللسان" 3/ 1468 مادة: (دين)، "تهذيب اللغة" 2/ 1138، "البحر المحيط" 2/ 8 ويروى البيت هكذا: يعاتبني في الدين قومي وإنما ...

ديوني في أشياء تكسبهم حمدًا (٩) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1783.

(١٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1783، وقيل: إنها جاءت للتوكيد، كقوله: ﴿ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  ﴾ .

و"تفسير الطبري" 3/ 117، و"المدخل لتفسير كتاب الله": للحدادي 296 ص، و"تفسير أبي المظفر السمعاني" 2/ 461.

(١١) المغني 6/ 381.

(١٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 117.

(١٣) المغني 6/ 381.

(١٤) "تفسير الطبري" 3/ 119 - 120.

(١٥) الدَّسْتَجَة: الحزمة.

ينظر: "القاموس" ص 189 (مادة: دستج).

(١٦) "معاني القرآن" للفراء.

(١٧) رواه أحمد 5/ 266.

قال السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص109: وسنده حسن.

(١٨) في (م) (فجزم).

(١٩) وهذا قول الشعبي، رواه الثوري في "تفسيره" ص 73، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 145، وابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 97، والطبري في "تفسيره" 3/ 118، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 570، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص 263، وقال: وهذا ليس بنسخ؛ لأن الناسخ ينافي المنسوخ، ولم يقل هاهنا: فلا تكتبوا ولا تشهدوا، وإنما بين التسهيل في ذلك.

وينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 383، و"النسخ في القرآن" لمصطفى زيد 2/ 683.

(٢٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 118، وفي "النكت والعيون" 1/ 354 بمعناه.

(٢١) سقطت من (م).

(٢٢) في (ش) (ويروي).

(٢٣) وينظر في المسألة: "المغني" 6/ 381 - 383، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 248، "تفسير القرطبي" 3/ 383.

(٢٤) في (ي) (ولا ينقصه عليه).

(٢٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1789.

(٢٦) في (م) (منه).

(٢٧) ينظر في أبى: "تهذيب اللغة" 1/ 114، "اللسان" 1/ 14 قال الراغب في "المفردات": الإباء شدة الامتناع، وليس كل امتناع إباء.

(٢٨) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 365، والطبري في "تفسيره" 3/ 119، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 556.

(٢٩) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 120، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 555.

(٣٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1789.

(٣١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1789، والبغوي في "تفسيره" 1/ 349.

(٣٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 120، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1790، والبغوي في "تفسيره" 1/ 349، وفي "النكت والعيون" 1/ 355، "تفسير القرطبي" 3/ 384، وقال معلقًا: هذا يتمشى على قول من رأى أو ظن أنه قد وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع، حتى نسخه قوله تعالي: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ وهذا بعيد؛ فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان، ولو كانت الكتابة واجبة ما صح الاستئجار لها؛ لأن الإجارة على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذ الوثيقة على كَتْب الوثيقة.

وينظر "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 248.

(٣٣) هو من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

(٣٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 362.

(٣٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1790.

(٣٦) في (ي) (بني تميم).

(٣٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 4/ 3452 (مادة: ملل)، وينظر "اللسان" 7/ 4271 (مادة: ملل).

(٣٨) سقطت من (أ) و (م).

(٣٩) ينظر في بخس: "تهذيب اللغة" 1/ 221: "المفردات" ص 48، قال الراغب: البخس: نقص الشيء على سبيل الظلم.

(٤٠) سقطت من (ي).

(٤١) رواه عبه الطبري في "تفسيره" 3/ 122، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 559، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1791.

(٤٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 122، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1791.

(٤٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 122، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 559.

(٤٤) انظر المصدرين السابقين.

(٤٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 123.

(٤٦) غير واضح في (م).

(٤٧) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1791.

(٤٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 123 بمعناه.

(٤٩) المرجع السابق.

(٥٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 123، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1792، والبغوي في "تفسيره" 1/ 349.

(٥١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 123، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1792.

(٥٢) "تفسير مقاتل" 1/ 229.

(٥٣) "معاني القرآن" 1/ 363.

(٥٤) في (ي) و (ش) (لهم).

(٥٥) "معاني القرآن" 1/ 363.

(٥٦) قوله: (لأن ولي السفيه)، ساقط من (ي).

(٥٧) في (م) (مقامه).

(٥٨) سقطت من (م).

(٥٩) في (ي) (قال فلما قال).

(٦٠) في (ي) (قال) بدل (وسمه به).

(٦١) "معاني القرآن" للفراء 1/ 183.

(٦٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1944 (مادة: شهد).

(٦٣) سقطت من (ي).

(٦٤) رواه البخاري (3750) كتاب: فضائل أصحاب النبي  ، باب فضائل أصحاب النبي  ، ومسلم (5235) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة، عن عمران بن حصين.

(٦٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1792، وينظر "الأم" 6/ 251، "مختصر الطحاوي" 335، "المغني" 14/ 185، وأجاز أنس بن مالك وابن سيرين وشريحٌ شهادةَ العبيد، وأجاز الحسن وإبراهيم.

والشعبي والنخعي والحكم شهادتهم في الشيء التافه.

ينظر صحيح البخاري (2659) كتاب: الشهادات، باب: شهادة الإماء والعبيد، و"المصنف" لابن أبي شيبة 6/ 77، و"المغني" 14/ 186.

(٦٦) سقطت من (ي).

(٦٧) في (أ) و (م) و (ش) (رجل).

(٦٨) "معاني القرآن" 1/ 363.

(٦٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 184.

(٧٠) من قوله: (قال الفراء).

ساقط من (أ) و (م).

(٧١) من قوله: (قال الفراء).

ساقط من (أ).

(٧٢) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 189.

(٧٣) في (ي): (إن كانت كان).

(٧٤) في (م): (للحال).

(٧٥) في (م): (فإن).

(٧٦) سقطت من (ي).

(٧٧) في (أ) و (م): (إضمار).

(٧٨) ذكر في "البحر المحيط" 2/ 346 أن الصحيح أن خبر كان لا يحذف لا اقتصارًا ولا اختصارًا.

(٧٩) في (ي): (أمرأة).

(٨٠) من "الحجة" 2/ 419 - 421 بتصرف، وينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 344، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 144، "التبيان" 1/ 167، "البحر المحيط" 2/ 346.

(٨١) سقطت من (م).

(٨٢) حكى الإجماع الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1793، وابن المنذر في "الإجماع" ص 78، وينظر: "اختلاف الفقهاء" للمروزي ص 284، "المغني" 14/ 130، "فتح الباري" 5/ 266، ووقع الخلاف في غير الأموال، فيرى مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأحمد وأبو ثور: أنها لا تجوز إلا في الأموال، ويرى أبو حنيفة وسفيان: أنها جائزة في كل شيء ما عدا الحدود والقصاص.

(٨٣) ذكره في "زاد المسير" 1/ 338، وفي "الوسيط" 1/ 405.

(٨٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 363.

(٨٥) ينظر في ذكر الشروط: "تفسير الثعلبي" 2/ 1796، و"الكافي" لابن عبد البر 2/ 892، و"المغني" 14/ 145، و"روضة الطالبين" 14/ 145، "البحر المحيط" 2/ 347.

وبين المذاهب خلاف في بعض هذه الشروط.

(٨٦) سقطت من (ي).

(٨٧) من "الحجة" 2/ 419.

(٨٨) تقدمت أقوالهما عند قوله تعالى: ﴿ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾ .

(٨٩) من "الحجة" 2/ 421.

(٩٠) ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للفراء 1/ 184، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 345، "الحجة" 2/ 419، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 144، "التبيان" ص 167.

(٩١) ذكره في "زاد المسير" 1/ 338.

(٩٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2129 - 2131 (مادة: ضلّ)، "تفسير الثعلبي" 2/ 1805، "المفردات" 300 - 302، وأطال النفس في ذكر أنواعه، "لسان العرب" 5/ 2601 - 2604 (مادة: ضلل)، وفيه قال أبو عمرو بن العلاء: إذا لم تعرف المكان قلت: ضلَلته، وإذا سقط من يدك شيء قلت: أضللته، يعني: أن المكان لا يضل وإنما أنت تضل عنه.

(٩٣) البيت من الكامل، وهو للفرزدق في "ديوانه" ص 450، "لسان العرب" 5/ 2601 مادة: (ضلل).

(٩٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2130 (مادة: ضل).

(٩٥) في "الحجة": (وقال أحمد بن يحيى) ولم يروه عن ابن الأعرابي كما هنا.

(٩٦) في (ي): (في).

(٩٧) في (م): (أحد).

(٩٨) رجز للمرار الفقعسي.

ينظر: "الأغاني" 10/ 324، "الخزانة" 3/ 293.

(٩٩) في (ش): (فقال).

(١٠٠) في (ش): (سدد).

(١٠١) "الحجة" 2/ 422 - 423.

وينظر في أحد: "اللسان" 1/ 35، "عمدة الحفاظ" 1/ 71 - 73.

(١٠٢) ينظر في الإعراب: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 364، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 144، "التبيان" ص 168.

(١٠٣) في "معاني القرآن": (أعددت هذا الجذع)، وفي "الكتاب" لسيبويه 3/ 53: أعددته.

(١٠٤) في (ش) (فأدغمه).

(١٠٥) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 3/ 53، وعنه نقل الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 364، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 144، "التبيان" ص 168.

(١٠٦) في (م) (قدم).

(١٠٧) في (ش) (إنه).

(١٠٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 184، "تفسير الثعلبي" 2/ 1804.

(١٠٩) ينظر في رد هذا القول: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 345، "التبيان" ص 168.

(١١٠) "معاني القرآن" 1/ 364.

(١١١) في (ي): (يفيدها).

(١١٢) في (ي): (ما).

(١١٣) في (أ) و (ش): (كما).

(١١٤) من "الحجة" 2/ 433 بتصرف.

(١١٥) شطره الأول: نزلتم منزل الأضياف منا والبيت من معلقته، ينظر: "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 361، "جمهرة أشعار العرب" 1/ 412، "منتهى الطلب" 1/ 116، "شرح شواهد المغني" ص 44.

(١١٦) في (أ) و (م) (لا يشتمونا).

(١١٧) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 346، وقال في "التبيان" ص 168: ولا يجوز أن يكون التقدير: مخافة أن تضل؛ لأنه عطف عليه ﴿ فَتُذَكِّرَ ﴾ ، فيصير المعنى.

مخافة أن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا عكس المراد.

وينظر "البحر المحيط" 2/ 349.

(١١٨) وقرأ الباقون (أن تضل إحداهما فتُذَكِّر) بفتح همزة (أن) ونصب الراء من (تذكر) غير أن ابن كثير وأبا عمرو خففا الكاف وشددها الباقون.

ينظر "السبعة" ص 194، "الحجة" 2/ 418 - 419.

(١١٩) في (ي): (محذوف الضمير في).

(١٢٠) في (ش): (فيهما).

وفي (أ): (كأنها: فهما)، والمثبت من "الحجة".

(١٢١) في (ي) (والذكرى).

(١٢٢) في (ش) (وضعا للمنكورين)، وفي (ي) (للمنكورين).

(١٢٣) في "الحجة": (يوصل).

(١٢٤) من "الحجة" 2/ 426 - 427 بتصرف وتقديم وتأخير.

(١٢٥) في (ي) (بتشديد الكاف وتخفيف).

(١٢٦) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الكاف، وقرأ الباقون بالتشديد.

ينظر: "السبعة" ص 194، "الحجة" 2/ 419.

(١٢٧) البيتان للعباس بن مرداس الصحابي في "ديوانه" ص 136، "الحجة" 2/ 431، "لسان العرب" 7/ 3930 مادة: (كمل).

والحنين: ترجيع الناقة صوتها إثر ولدها، والعَجُول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة، ونوح الحمامة.

صوت تستقبل بها صاحبها، والهديل: قال ابن قتيبة في "أدب الكاتب" ص 210: العرب تجعله مرةً فَرْخُا تزعم الأعراب أنه كان على عهد نوح لله، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا وتبكي عليه.

ومرة يجعلونها الطائر نفسه، ومرة يجعلونه الصوت.

ينظر "الخزانة" 1/ 573 وشرح أبيات المغني 7/ 203، وتحقيق "الحجة" 2/ 431.

(١٢٨) من "الحجة" 2/ 431 - 432 بتصرف وتقديم وتأخير، وينظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 151، "علل القراءات" للأزهري 1/ 100.

(١٢٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 125، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 318، وابن زنجلة في "حجة القراءات" ص 151، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1806، والبغوي 1/ 351، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 338.

(١٣٠) ذكره في "زاد المسير" 1/ 338، "المحرر الوجيز" 2/ 511 - 512، "البحر المحيط" 2/ 349.

(١٣١) في (أ) و (م) (المكداني).

(١٣٢) عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي، إخباري علامة، لكنه واهٍ ذاهب الحديث، كان يقلب الأخبار ويسرقها.

ينظر: "ميزان الاعتدال" 3/ 152، "تاريخ بغداد" 9/ 474.

(١٣٣) في (ي) (فالذي).

(١٣٤) ينظر في الرد: "الحجة" 2/ 433، وعنه نقل المؤلف أكثر الكلام، "تفسير الثعلبي" 2/ 1806، "المحرر الوجيز" 1/ 511 - 512، "البحر المحيط" 2/ 349، وعده الزمخشري في "الكشاف" من بدع التفاسير، وقال ابن عطية: وهذا تأويل بعيد غير فصيح، ولا يحسن في مقابلة الضلال إلا الذكر، وذكر أبو حيان في "البحر" أن هذا التأويل ينبو عنه اللفظ من جهة اللغة ومن جهة المعنى، ثم فصل ذلك.

(١٣٥) في (ش) و (كلما).

(١٣٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 126، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 563.

(١٣٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 127، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 563.

(١٣٨) نفسه.

(١٣٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 127، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 563، "الوسيط" 1/ 405.

(١٤٠) في "تفسيره" 1/ 118، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 110، والطبري في "تفسيره" 3/ 128.

(١٤١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 128، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 563، "الوسيط" 1/ 405.

(١٤٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 128.

(١٤٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 128، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 563.

(١٤٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 110، وسعيد بن منصور في "مسنده" 3/ 996، وابن أبي شيبة في "المصنف" 7/ 71، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 563.

(١٤٥) "معاني القرآن" 1/ 365.

(١٤٦) ينظر في سئم: "المفردات" ص 226، "تفسير الثعلبي" 2/ 1809، "اللسان" ==3/ 1907، قال في "اللسان": سئم الشيء وسئم منه وسئمت منه أسام سأَما وسأْمة وسآمة.

وقال الراغب: السآمة: الملالة مما يكثر لبثه فعلًا كان أو انفعالًا.

(١٤٧) في (ش) (لا يمنعنكم).

(١٤٨) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 346، "تفسير الثعلبي" 2/ 1810.

(١٤٩) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1810.

(١٥٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1811.

(١٥١) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2959، "التبيان" ص 231، قال الراغب في "المفردات" ص 404: والقسط هو أن يأخذ قسط غيره وذلك جور، والإقساط أن يعطي قسط غيره، وذلك إنصاف، ولذلك قيل: قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل.

(١٥٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1811.

(١٥٣) في (أ) و (م): (الشهادة).

(١٥٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 1811.

(١٥٥) من قوله: (تديرونها)، ساقط من (ش).

(١٥٦) ينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1811 - 1812.

(١٥٧) قوله: (وقال الفراء)، سقطت من (ش).

(١٥٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 185.

(١٥٩) من قوله: (في موضع نصب)، ساقط من (أ) و (م).

(١٦٠) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 132 - 133، و"الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه ص 103، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 1/ 321.

(١٦١) قرأ عاصم وحده (تجارة) نصبًا، وقرأ الباقون بالرفع.

ينظر: "السبعة" ص 194، "الحجة" 2/ 436.

(١٦٢) "معاني القرآن" 1/ 366.

(١٦٣) سقطت من (ش).

(١٦٤) في (م) (يجز).

(١٦٥) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 186 ولم ينسبه، وعفاق: اسم رجل، وقد يكون هذا عفاق بن مري الذي يقول فيه صاحب القاموس: أخذه الأحدب بن عمرو الباهلي في قحط وشواه وأكله، وقوله: إذا كان أي: إذا كان القتال والجلاد.

(١٦٦) البيت لمقَّاس العائذي، في "الكتاب" 1/ 47، "المقتضب" 4/ 96 "الحجة"، 2/ 439 مع اختلاف في الرواية.

وأشهب يعني يوم الحرب، جعله كالليل تبدو فيه الكواكب، ووصفه بالشبهة، وهي البياض، إما لكثرة السلاح الصقيلية فيه، وإما لما ذكره من النجوم، وذهل بن شيبان من بكر بن وائل، وكان مقّاس نازلًا فيهم ينظر: "لسان العرب" 7/ 3959 - 3963 مادة: كون.

(١٦٧) من "الحجة" 2/ 440 بتصرف، والبيت الأول: أعيني هلا تبكيان، لم يذكره في "الحجة".

(١٦٨) من "الحجة" 2/ 441.

(١٦٩) ينظر في تجر: "تهذيب اللغة" 1/ 429، "المفردات" ص 85، "اللسان" 1/ 420، وضبط فيهما المضارع يتجر، بضم الجيم، قال في "المفردات": وليس في كلامهم تاء بعدها جيم غير هذا اللفظ، فأما تجاه فأصله وجاه، تجوب: التاء للمضارعة.

(١٧٠) البيت للفضل بن عباس في "لسان العرب" 5/ 3039 (مادة: عقرب).

(١٧١) في (م) (يقع).

(١٧٢) في (ش) (ويبين).

(١٧٣) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 442، وذكر وجهًا ثالثًا وهو: أن يوصف بالمصدر فيراد به العين، كما يقال: عدل ورضا، يراد به: عادل ومرضي.

(١٧٤) من قوله: (وقوله: وأشهدوا)، ساقط من (أ) و (م).

(١٧٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 111، والطبري في "تفسيره" 3/ 134 - 135.

(١٧٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 135، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 567.

(١٧٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 110، والطبري في "تفسيره" 3/ 135، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 567.

(١٧٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 135، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1815.

(١٧٩) ينظر "تفسير الطبري" 3/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 366، "تفسير الثعلبي" 2/ 1814.

(١٨٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 136.

(١٨١) المرجع السابق.

(١٨٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 136، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 567.

(١٨٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 366.

(١٨٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 138، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 568.

(١٨٥) في (ي) (خروج).

(١٨٦) عزاها إليه ابن خالويه في "مختصر شواذ القرآن" ص 21، والفراء في "معاني القرآن" 1/ 150، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1816.

(١٨٧) وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1816.

(١٨٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1816، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 324، وابن خالويه في "مختصر شواذ القرآن" ص 24، والقرطبي 3/ 406.

(١٨٩) عزاها إليه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1816، وأبو حيان في "البحر" 2/ 353، والسمين في "الدر المصون" 2/ 676.

(١٩٠) ينظر في معنى الآية واختلاف المعنى باختلاف التصريف: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 366، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 347، "تفسير الثعلبي" 2/ 1814، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 145، "البحر المحيط" 2/ 353، وقد ذكر النحاس أن عمر يقرأ بكسر الراء الأولى، وابن مسعود يقرأ بفتح الراء الأولى، وقال السمين في "الدر المصون" 2/ 676: وذكر الداني أيضًا عنهم أنهم قرؤوا الراء الأولى بالفتح، قلت: ولا غروَ في هذا؛ إذ الآية محتملة للوجهين، فسروا وقرؤوا بهذا المعنى تارة وبالآخر أخرى، وقد ذكر النحاس أن القراءتين على التفسير ولا يجوز أن تخالف التلاوة التي في المصحف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ كان تامة بمعنى حضر ووقع، وقرئ ذا عسرة، أي إن كان الغريم ذا عسرة ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى ﴾ حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، وقد كان قبل ذلك يباع فيما عليه، ونظرة مصدر، معناه: التأخير، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره فالجواب: نظرة، أو مبتدأ، وميسرة أيضاً مصدر وقرئ بضم السين وفتحها ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ندب الله إلى الصدقة على المعسر بإسقاط الدين عنه فذلك أفضل من إنظاره، وباقي الآية وعظ، وقيل إنّ آخر آية نزلت آية الربا، وقيل بل قوله: ﴿ واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ﴾ ، الآية.

وقيل آية الدين المذكورة بعد ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ أي إذا عامل بعضكم بعضاً بدين، وإنما ذكر الدين وإن كان مذكوراً في تداينتم ليعود عليه الضمير في اكتبوه وليزول الاشتراك الذي في تداينتم، إذ يقال لمعنى الجزاء ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ دليل على أنه لا يجوز إلى أجل مجهول، وأجاز مالك البيع إلى الجذاذ والحصاد، لأنه معروف عند الناس، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، قال ابن عباس: نزلت الآية في السَّلم خاصة يعني: أن سَلَم أهل المدينة كان سبب نزولها، قال مالك وهذا يجمع الدين كله، يعني: أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما ﴿ فاكتبوه ﴾ ذهب قوم إلى أن كتابة الدين واجبة بهذه الآية، وقال قوم: إنها منسوخة لقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً ﴾ وقال قوم: إنها على الندب ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ ﴾ قال قوم: يجب على الكاتب أن يكتب، وقال قوم نسخ ذلك بقوله: ولا يضار كاتب ولا شهيد، وقال آخرون: يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه، وقال قوم: إنّ الأمر بذلك على الندب، ولذلك جاز أخذ الأجرة على كتب الوثائق ﴿ بالعدل ﴾ يتعلق عند ابن عطية بقوله: وليكتب، وعند الزمخشري بقوله: كاتب فعلى الأول: تكون الكتابة بالعدل، وإن كان الكاتب غير مرضيّ، وعلى الثاني: يجب أن يكون الكاتب مرضياً في نفسه، قال مالك: لا يكتب الوثائق إلاّ عارف بها، عدل في نفسه مأمون ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ ﴾ نهي عن الإباية، وهو يقوّي الوجوب ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ يتعلق بقوله أن يكتب، والكاف للتشبيه أي: يكتب مثل ما علمه الله أو للتعليل: أي ينفع الناس بالكتابة كما علمه الله لقوله: ﴿ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77] وقيل: يتعلق بقوله بعدها ﴿ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ﴾ يقال أمللت الكتاب، وأمليته، فورد هنا على اللغة الواحدة، وفي قوله تملي عليه على الأخرى ﴿ الذي عَلَيْهِ الحق ﴾ لأنّ الشهادة إنما هي باعترافه، فإن كتب الوثيقة دون إملاله، ثم أقرّ بها جاز ﴿ وَلاَ يَبْخَسْ ﴾ أمر الله بالتقوى فيما يملي، ونهاه عن البخس وهو نقص الحق ﴿ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ ﴾ السفيه الذي لا يحسن النظر في ماله، والضعيف الصغير وشبهه، والذي لا يستطيع أن يمل الأخرس وشبهه ﴿ وَلِيُّهُ ﴾ أبوه، أو وصيه، والضمير عائد على الذي عليه الحق ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ نص في رفض شهادة الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم، ولذلك أجاز ابن حنبل شهادتهم، ومنعها مالك والشافعي لنقص الرق ﴿ فَرَجُلٌ وامرأتان ﴾ قال قوم: لا تجوز شهادة المرأتين إلاّ مع الرجال، وقال معنى الآية: إن لم يكونا أي إن لم يوجدا وأجاز الجمهور أن المعنى إن لم يشهد رجلان فرجل وامرأتان، وإنما يجوز عند مالك شهادة الرجل والمرأتين في الأموال لا في غيرها، وتجوز شهادة المرأتين دون رجل، فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والاستهلال، وعيوب النساء، وارتفع رجل بفعل مضمر تقديره: فليكن رجل، فهو فاعل، أو تقديره: فليستشهد رجل فهو مفعول لم يسم فاعله، أو بالابتداء تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ ﴾ صفة للرجل والمرأتين، وهو مشترط أيضاً في الرجلين الشاهدين، لأن الرضا مشترط في الجميع وهو العدالة، ومعناها اجتناب الذنوب الكبائر، وتوقي الصغائر مع المحافظة على المروءة ﴿ أَن تَضِلَّ ﴾ مفعول من أجله، والعامل فيه هو المقدر العامل في رجل وامرأتان والضلال في الشهادة هو نسيانها أو نسيان بعضها، وإنما جعل ضلال إحدى المرأتين مفعولاً من أجله، وليس هو المراد، لأنه سبب لتذكير الأخرى لها وهو المراد، فأقيم السبب مقام المسبب، وقرئ: إن تضل: بكسر الهمزة على الشرط، وجوابه الفاء في فتذكر، ولذلك رفعه من كسر الهمزة، ونصبه من فتحها على العطف، وقرئ تذكر بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهدآء ﴾ أي لا يمتنعون ﴿ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ إلى أداء الشهادة وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتفق العلماء أن أداء الشهادة واجب إذا دعي إليها، وقيل: إذا دعوا إلى تحصيل الشهادة وكتبها.

وقيل: إلى الأمرين ﴿ وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ ﴾ أي لا تملوا من الكتابة إذا ترددت وكثرت، سواء كان الحق صغيراً أو كبيراً، ونصب صغيراً على الحال ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى الكتابة ﴿ أَقْسَطُ ﴾ من القسط وهو العدل ﴿ وَأَقْومُ ﴾ بمعنى أشد إقامة، وينبني أفعل فيهما من الرباعي وهو قليل ﴿ وأدنى أَلاَّ ترتابوا ﴾ أي أقرب إلى عدم الشك في الشهادة ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً ﴾ أن في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، لأن الكلام المتقدم في الدين المؤجل، والمعنى: إباحة ترك الكتابة في التجارة الحاضرة، وهو ما يباع بالنقد وغيره، ﴿ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ ﴾ يقتضي القبض والبينونة ﴿ وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ ذهب قوم إلى وجوب الإشهاد على كل بيع صغيراً أو كبيراً، وهم الظاهرية، خلافاً للجمهور.

وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: فإن أمن بعضكم بعضاً، وذهب قوم إلى أنه على الندب ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ يحتمل أن يكون كاتب فاعلاً على تقدير كسر الراء المدغمة من يضارّ، والمعنى على هذا نهي للكاتب والشاهد أن يضارّ صاحب الحق أو الذي عليه الحق بالزيادة فيه أو في النقصان منه، أو الامتناع من الكتابة أو الشهادة، ويحتمل أن يكون كاتب مفعولاً لم يسم فاعله على تقدير فتح الراء المدغمة، ويقوي ذلك قراءة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ لا يضارر ﴾ بالتفكيك وفتح الراء، والمعنى: النهي عن الإضرار بالكاتب والشاهد بإذايتهما بالقول أو بالفعل ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ ﴾ أي إن وقعتم في الإضرار ﴿ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ ﴾ حال بكم ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ الله ﴾ إخبار على وجه الامتنان، وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه، لأنه لو كان كذلك لجزم يعلمكم في جواب اتقوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن يمل ﴾ هو بسكون الهاء: قتيبة والحلواني عن قالون.

الباقون بالضم على الأصل ﴿ أن تضل ﴾ بكسر الهمزة على الشرط: حمزة والمفضل.

الباقون بالفتح على أنها ناصبة ﴿ فتذكر ﴾ بالتشديد والرفع: حمزة وجبلة ﴿ فتذكر ﴾ بالرفع، ومن الإذكار: أبو زيد عن المفضل ﴿ فتذكر ﴾ من الإذكار وبالنصب: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.

الباقون ﴿ فتذكر ﴾ بالتشديد والنصب.

﴿ تجارة حاضرة ﴾ بالنصب فيهما: عاصم./ الباقون بالرفع فيهما.

﴿ فرهن ﴾ بضم الراء والهاء: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون ﴿ فرهان ﴾ .

الوقوف: ﴿ فاكتبوه ﴾ ط، للعدول.

﴿ بالعدل ﴾ ص، لعطف المتفقين ﴿ فليكتب ﴾ ج ﴿ شيئا ﴾ ط.

﴿ بالعدل ﴾ ط، ﴿ من رجالكم ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ الأخرى ﴾ ط ﴿ دعوا ﴾ ط للعدول ﴿ أجله ﴾ ط ﴿ ألا تكتبوها ﴾ ط لابتداء الأمر.

﴿ تبايعتم ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ ولا شهيد ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ه، ﴿ ويعلمكم الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ مقبوضة ﴾ ط لابتداء شرط واستئناف معنى آخر ﴿ ربه ﴾ ط للعدول ﴿ الشهادة ﴾ ط ﴿ قلبه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثالث المداينة.

وسبب النظم أن الحكمين المتقدمين وهما الإنفاق وترك الربا كانا سببين لنقصان المال، فأرشد الله  في هذه الآية بكمال رأفته إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن التلف والبوار ورعاية وجوه الاحتياط، فإن مصالح المعاش والمعاد متوقفة على ذلك، ولهذه الدقيقة بالغ في الوصاية وأطنب.

عن ابن عباس أن المراد به السلم وقال: لما حرم الربا أباح السلم وأنزل فيه أطول آية.

ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا وجعل الله  وتعالى لتحصيل مثلها طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً.

والتداين تفاعل من الدين.

يقال: داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً.

والمراد إذا تعاملتم بما فيه دين.

وذلك أن البياعات على أربعة أوجه: أحدها بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة البتة.

والثاني بيع الدين بالدين وهو باطل فيبقى ههنا بيعان: بيع العين بالدين وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم وكلاهم داخلان تحت الآية.

وأما القرض فلا يدخل فيه وإنه غير الدين لغة فإن الدين يجوز فيه الأجل، والقرض لا يجوز فيه الأجل.

والفائدة في قوله: ﴿ بدين ﴾ تخليصه من التداين بمعنى المجازاة، أو التأكيد مثل ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ أو ليشمل أي دين كان صغيراً أو كبيراً سلماً أو غيره.

وفي الكشاف: فائدته رجوع الضمير إليه في قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن.

ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال فإنه كالمطابقة، ودلالة تداينتم على ذلك كالتضمن.

وقيل: ليكون المعنى تدايناً يحصل فيه دين واحد فيخرج بيع الدين بالدين.

وإنما لم يقل كلما تداينتم ليكون نصاً في العموم لأن الكلية تفهم من بيان العلة في قوله: ﴿ ذلكم أقسط عند الله ﴾ فإن العلة قائمة في الكل فيكون الحكم حاصلاً في الكل، أو نقول: العلة هي التداين والعلة لا ينفك عنها معلوها فتكون القضية كلية كما في قوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا  ﴾ والأجل مدة الشيء ومنه أجل الإنسان لمدة عمره./ وفائدة قوله ﴿ مسمى ﴾ أن يعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام.

وأنه لو قال إلى الحصاد أو إلى قدوم الحاج لم يجز لعدم التسمية.

ثم إنه  أمر في المداينة بشيئين: الكتبة والاستشهاد ليكون كلا المتداينين أوثق وآمن من النسيان والتفاوت والتخالف في مقدار الدين وفي انقضاء الأجل وفي سائر ما تشارطا عليه.

وهذا الأمر قيل للوجوب وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي، وجمهور المجتهدين على أنه للندب لإجماع المسلمين قديماً وحديثاً على البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد، ولأن في إيجابهما حرجاً وتضييقاً.

وقيل: كانا واجبين فنسخا بقوله: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم بن عتيبة.

أما المخاطب بقوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ فليس كل أحد لوجود أميين كثيرين في الدنيا، بل من له استئهال لكتبه ولهذا قال: ﴿ وليكتب بينكم كاتب ﴾ وليس ذلك أيضاً على الإطلاق ولكنه يجب أن يكون الكاتب متصفاً بالعدل فيكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص عنه ولا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، ويحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد منها.

وهذا بالحقيقة أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً أديباً ديناً.

قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين المجتهدين ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى التنكير في كاتب ﴿ أن يكتب ﴾ وقوله ﴿ كما علمه الله ﴾ إما أن يكون متعلقاً بما قبله فالتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب مثل ما علمه الله  فيقع قوله بعد ذلك ﴿ فليكتب ﴾ تأكيداً للأول أي فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله  إياها أو بما بعده فيكون الأول نهياً عن الامتناع مطلقاً، والثاني أمراً بالكتابة المقيدة والمطلق لا دلالة له على المقيد، فلا يكون الثاني تأكيداً للأول وإنما يكون بياناً له.

ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى تحصيلاً لحاجة المسلم وشكراً لما علمه الله من كتابة الوثائق فهو كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ وقيل: إنه على سبيل الإيجاب ولكنه نسخ بقوله ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ .

وعن الشعبي أنه فرض كفاية فإن لم يجد إلا كاتباً واحداً وجبت الكتابة عليه، وإن وجد أشخاصاً فالواجب كتابة أحدهم.

وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله يعني أنه بتقدير أن يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله وأن لا يخل بشرط من الشروط كيلا يضيع مال المسلم بإهماله.

واعلم أن الكتابة بعد حصول الكاتب العارف بشروط الصكوك والسجلات لا تتم إلا بإملاء من عليه الحق ليدخل في جملة إملائه اعترافه بمقدار الحق وصفته وأجله إلى غير ذلك، فلهذا قال  ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ والإملال والإملاء لغتان: قال الفراء: أمللت عليه الكتاب لغة/ الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة بني تميم وقيس، وقد نطق القرآن بهما.

قال: ﴿ فهي تملى عليه بكرة وأصيلا  ﴾ .

﴿ وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً ﴾ أمر أن لهذا المملي الذي عليه الحق بأن يقر بتمام المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً.

والبخس النقص ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً ﴾ محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف وضعف عقله ﴿ أو ضعيفاً ﴾ صبياً أو شيخاً مختلاً ﴿ أو لا يستطيع أن يمل هو ﴾ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ والمراد بولي الذي عليه الحق الذي يلي أمره ويقوم بمصالحه من وصي إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه.

وفائدة توكيد المتصل بالمنفصل في قوله: ﴿ أن يمل هو ﴾ أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره وهو الذي يترجم عنه.

وعن ابن عباس ومقاتل والربيع أن الضمير في ﴿ وليه ﴾ عائد إلى الدين أي الذي له الدين ليمل.

قيل: وفيه بعد لأن قول المدعي كيف يقبل؟

ولو كان قوله معتبراً فأيحاجة إلى الكتابة والإشهاد؟

ثم المقصود من الكتابة هو الاستشهاد ليتمكن بالشهود من التوصل إلى تحصيل الحق إن جحد فلهذا قال  : ﴿ واستشهدوا ﴾ أي أشهدوا.

والإشهاد والاستشهاد بمعنى، لأن معنى استشهدته سألته أن يشهد شهيدين أي شاهدين "فعيل" بمعنى "فاعل".

وإطلاق الشهيد على من سيكون شهيداً تنزيل لما يشارف منزلة الكائن.

ومعنى قوله ﴿ من رجالكم ﴾ أي من رجال أهل ملتكم وهم المسلمون.

وقيل يعني الأحرار، وقيل من رجالكم الذين تعدّونهم للشهادة من أهل العدالة ﴿ فإن لم يكونا ﴾ أي الشهيدان رجلين ﴿ فرجل وامرأتان ﴾ أي فليكن أو فليشهد أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يشهدون جميع هذه التقديرات جائز حسن ذكره علي بن عيسى ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ وفيه دليل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة.

والفقهاء قالوا شرائط قبول الشهادة أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً عالماً بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا بترك المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة.

وعن علي  : ولا يجوز شهادة العبد في شيء وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وذلك لأنه  قال ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ والإجماع منعقد على أن العبد لا يجب عليه الذهاب بل يحرم عليه ذلك إذا لم يأذن له السيد، فيعلم منه أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً.

وعند شريح وابن سيرين وأحمد: تجوز شهادة العبد قالوا: لأن العقل والعدالة والدين لا يختلف بالحرية والرق.

وعند أبي حنيفة يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل ﴿ ان تضل ﴾ أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن/ تنساها لغلبة البرد والرطوبة على أمزجتهن أو إحدى النفسين، فإن الإنسان لا يخلو من النسيان ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل.

قال في الكشاف: فإن قلت: كيف يكون ضلالها مراداً لله؟

قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار والإذكار مسبباً عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ونظيره قولهم "أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه".

وفي التفسير الكبير أن ههنا غرضين: أحدهما حصول الإشهاد وذلك لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين.

والثاني بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية وذلك لا يتأتّى إلا بضلال إحدى المرأتين، فلهذا صار كل من الغرضين صحيحاً ولا محذور.

ومن قرأ بكسر "إن" على الشرط والجزاء فلا إشكال.

وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال ﴿ فتذكر إحداهما ﴾ معناه فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ولا يخفى ما فيه من التعسف.

واعلم أن الشهادة خبر قاطع ولهذا قال  : " على مثل الشمس فاشهد أو فدع " وقد يقام الظن المؤكد فيه مقام اليقين ضرورة.

وقول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به إلا في هلال رمضان كما مر، ولا يحتاج إلى أزيد من اثنين إلا في الزنا لقوله  : ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء  ﴾ وقال: ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولا يعتبر فيه شهادة النساء.

عن الزهري أنه قال مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود وغير هلال رمضان والزنا إما عقوبة أو غيرها.

فإن كان عقوبة فلا يثبت إلا برجلين لما مر من حديث الزهري يستوي فيه حق الله  كحد الشرب وقطع الطريق، وحق العباد كالقصاص والقذف، وأما غير العقوبات فما ليس بمالي.

ولا يقصد به المال إن كان مما يطلع عليه الرجال غالباً كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والولاء وانقضاء العدة وجرح الشهود وتعديلهم والعفو عن القصاص، فكل ذلك لا يثبت إلا برجلين أيضاً.

وإن كان ممن يختص بمعرفته النساء غالباً فتقبل فيه شهادتهن على انفرادهن لما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره تحت الإزار، ولا يثبت شيء من ذلك بأقل من أربع نسوة تنزيلاً لاثنتين منهن منزلة رجل.

وما يثبت بهن يثبت برجل وامرأتين وبرجلين بالطريق الأولى.

وأما ما هو مال أو يقصد به المال كالأعيان/ والديون والعقود المالية من البيع والإقالة والرد بالعيب والإجارة والوصية بالمال والحوالة والضمان والصلح والقرض، فيثبت بشهادة رجل وامرأتين ثبوتها بشهادة رجلين ونص القرآن منزل على هذا القسم والذي قبله.

وجوز الشافعي القضاء بالشاهد واليمين لما روي أنه  قضى بالشاهد واليمين وأنكره أبو حنيفة ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ "ما" زائدة مبهمة أي إذا دعوا فقيل: أي إلى أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها.

وقيل: إلى تحمل الشهادة وهو قول قتادة واختاره القفال قال: كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة، أمر الشاهد أن لا يأبى تحمل الشهادة وقيل: أمر بالتحمل إذا لم يوجد غيره.

وحمله الزجاج على مجموع الأمرين: التحمل أولاً والأداء ثانياً.

والقول الأول أصح لأنه أطلق عليهم لفظ الشهداء.

والأصل في الإطلاق الحقيقة وتسميتهم قبل التحمل شهداء مجاز لا يعدل إليه إلا لضرورة.

وأيضاً التحمل غير واجب على الكل بخلاف الأداء بعد التحمل.

وأيضاً الأمر بالإشهاد يتضمن الأمر بتحمل الشهادة، فكان صرف قوله ﴿ ولا يأب الشهداء ﴾ إلى الأمر بالأداء أولى ليفيد فائدة جديدة وهي أن الشاهد إن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة، وإن كان فيهم كثرة كان الأداء فرضاً على الكفاية.

﴿ ولا تسأموا ﴾ لا تضجروا ولا تملوا أن تكتبوه أي الدين أو الحق لتقدم ذكرهما على أي حال كان الحق صغيراً أو كبيراً مما جرت العادة بكتبته لا كالحبة والقيراط، فإن القليل من المال ربما أفضى إلى نزاع كثير.

وإنما نهى عن السآمة لأنها من الكسل والكسل صفة المنافق.

وأيضا من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً فربما مل كثرة الكتب فاقتضى المقام ترغيبه وإلهابه.

ويجوز أن يكون الضمير للكتاب، وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً، ولا يخلوا بكتابته إلى أجله إلى وقته الذي اتفقا على تسميته ﴿ ذلكم ﴾ الكتب أو ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد ﴿ أقسط ﴾ أعدل ﴿ عند الله وأقوم للشهادة ﴾ أعون على إقامة الشهادة وهما إما من أقسط وأقام فيكون محمولاً على قولهم "أفلس من ابن المذلق" وإما من قويم وقاسط بمعنى ذو قسط على طريقة النسب وإلا فالقاسط الجائر.

ولا يصح ذلك المعنى ههنا يقال: قسط إذا جار، وأقسط أي عدل ﴿ وأدنى ألا ترتابوا ﴾ أقرب من انتفاء الريب.

رتب الله  على الكتبة والإشهاد ثلاث فوائد: الأولى: تتعلق بالدين لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين أقرب وعن الجهل أبعد فيكون أعدل عند الله.

والثانية تتعلق بالدنيا وهو كونه أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج وأعون للحفظ والذكر.

والثالثة أنه يدفع الضرر عن نفسه بأن لا يضل في أمره ولا يتردد، وعن غيره بأن لا/ ينسبه إلى الكذب والخيانة فلا يقع في الغيبة والجهالة.

فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في الضبط والترتيب ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة ﴾ قيل: هو راجع إلى قوله ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴾ إن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب وقد يكون إلى أجل بعيد، فاستثنى عن المداينة ما يكون أجله قريباً.

ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه ﴾ وقد يقال: إنه استثناء منقطع والتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة فليس عليكم جناح.

فيكون كلاماً مستأنفاً على سبيل الإضراب عن الأول.

والتجارة تصرف في المال لطلب الربح.

فسواء كانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة.

فإذاً المراد بالتجارة ههنا ما يتجر فيه من الأبدال.

ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد.

والمعنى إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد.

ومن قرأ ﴿ تجارة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة أو الناقصة والخبر ﴿ تديرونها ﴾ ومن قرأ بالنصب فالتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب.

بني أسد هل تعلمون بلاءنا *** إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا أي إذا كان اليوم يوماً.

واليوم الأشنع هو الذي ارتفع شره وعلا.

وذو كواكب أي شديد.

ويقال في التهديد: لأرينك الكواكب ظهراً.

وقال الزجاج: تقديره إلا أن تكون المداينة تجارة أي يكون ديناً قريب الأجل.

﴿ فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ﴾ ومعنى رفع الجناح عدم الضرر لا عدم الإثم إلا لزم أن تكون الكتابة المذكورة أولاً واجبة، وقد أثبتنا خلاف ذلك.

وإنما رخص  في هذا النوع من التجارة لكثرة جريانها فيما بين الناس.

فتكليفهم الكتابة والإشهاد في كل لحظة حرج عليهم مع أن خوف التجاحد في مثله قليل.

﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ هذا التبايع كأنه لما رفع عنهم الكتابة في التجارة الحاضرة، كرر الأمر بالإشهاد ليعلم أن حكمه باق فيها لأن الإشهاد بلا كتابة تخفُّ مؤنته.

ويحتمل أن يكون أمراً بالإشهاد مطلقاً ناجزاً كان التبايع أو كالئاً لأنه أحوط.

عن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد.

وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل.

﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل فيكون أصله لا يضارر بكسر الراء وبه قرأ عمر وعليه أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ومعناه: نهى الكاتب أن يزيد أو ينقص والشاهدين أن يحرفا أو يتركا الإجابة إلى ما يطلب منهما ولهذا قال: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ فإن التحريف في الكتابة والشهادة فسق وإثم.

وعن ابن مسعود وعطاء ومجاهد أن التقدير لا يضارر بفتح الراء وبه قرأ ابن عباس، وأنه نهي للمتداينين عن الضرار بالكاتب والشهيد كأن يعجلا عن مهم ويلزا، أولا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد/ مؤنة مجيئة من بلد.

﴿ وإن تفعلوا ﴾ ما نهيتكم عنه من الضرار أو كل ما نهيتكم عنه من فعل معصية أو ترك طاعة ليكون عاماً ﴿ فإنه ﴾ فإن الضرار أو ارتكاب المنهي ﴿ فسوق بكم ﴾ خروج عن أمر الله وطاعته.

ومعنى ﴿ بكم ﴾ أي ملتصق بكم.

﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ ويعلمكم الله ﴾ ما فيه صلاح الدارين ﴿ والله بكل شيء ﴾ من مصالح عباد ﴿ عليم ﴾ .

واعلم أنه  جعل البياعات في هذا المقام على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة.

ولما بين القسم الأول شرع في الثاني وقال ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ﴾ واتفق الفقهاء على أن الارتهان لا يختص بالسفر ولا بحالة عدم وجدان الكاتب، كيف وقد ثبت أن رسول الله  رهن درعه في غير سفر، ولكنه وردت الآية على الغالب، فإن الغالب أن لا يوجد الكاتب في السفر ولا يوجد أدوات الكتابة ولهذا قال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة وقرأ ﴿ ولم تجدوا كاتباً ﴾ ونظيره قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ وليس الخوف من شرط جواز القصر.

وكان مجاهد والضحاك يذهبان إلى أن الرهن لا يجوز في غير السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقولهما اليوم.

وأصل الرهن من الدوام.

رهن الشيء إذا دام وثبت.

ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة والرهن مصدر جعل اسماً وزال عنه عمل الفعل.

فإذا قلت رهنت عنده رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ولكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت ثوباً.

ولهذا جمع الأسماء.

وله جمعان: رهن بضمتين كسقف في سقف، ورهان مثل كباش في كبش.

وقيل: إن أحدهما جمع الآخر.

وفي الكلام حذف تقديره فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو فعليه رهن، أو فالوثيقة، أو الذي يستوثق به رهن.

ويعلم من قوله: ﴿ مقبوضة ﴾ أن الرهن لا بد في لزومه من القبض، والمراد باللزوم أن لا يكون للراهن الرجوع عن الرهن ولا للمرتهن عن الارتهان.

وقبض المرهون المشاع إنما يحصل بقبض الكل وقبل القبض يصح الرهن ولكن لا يلزم.

وأما صورة القبض فقبض العقار إنما يحصل بتخلية الراهن أو وكيله بينه وبين المرتهن أو وكيله وتمكينه منه بتسليم المفتاح فيما له مفتاح.

وقبض المنقول يحصل بالنقل من موضعه إلى موضع لا يختص بالراهن كالشارع والمسجد وملك المرتهن، وإن كان المنقول مقدراً فلا بد من التقدير أيضاً بوزن أو كيل أو ذرع.

ولو نقل من بيت من دار الراهن إلى بيت آخر بإذنه، أو وضعه الراهن بين يدي المرتهن إذا امتنع من قبضه، حصل القبض.

ثم إنه  ذكر بيع الأمانة فقال ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره ﴿ فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ فليكن المديون عند ظن الدائن به.

وسمى/ الدين أمانة وإن كان مضموناً لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه مجاز مستعار.

وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة اللغوية أطلق أحدهما على الآخر.

والائتمان افتعال من الأمن ﴿ وليتق الله ربه ﴾ حتى لا يدور في خلده جحود واختيان.

وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده.

والصحيح هو الأول.

ومن الناس من قال: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن.

والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد رعاية وجوه الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة.

وعن ابن عباس أنه قال: في آية المداينة نسخ.

ثم قال: ﴿ لا تكتموا الشهادة ﴾ وفيه وجوه: الأول عن القفال: أنه  لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحداً للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه.

وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله  : "خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد " وقيل: المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة.

وقيل: المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن في ذلك إبطال حق المسلم، وحرمه مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في الوعيد وقال ﴿ ومن يكتمها فإنه اثم قلبه ﴾ والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن و ﴿ قلبه ﴾ فاعله.

ويجوز أن يكون ﴿ قلبه ﴾ مبتدأ و ﴿ آثم ﴾ خبره مقدماً عليه، والجملة خبر "إن".

وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، وعن النبي  : " "إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب " .

وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي/ هو القلب، ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ فيه تحذير للكاتم وتهديد له.

عن ابن عباس: "أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله  : ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ وشهادة الزور وكتمان الشهادة" التأويل: إنه  كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ إلى قوله: ﴿ واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به  ﴾ وأشهد الملائكة الكرام ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين  ﴾ وإنه  كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً أمرالملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلون ذلك في أعناقكم ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  ﴾ ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن يملي الحق للحق.

فإن كان الذي عليه حق للحق سفيهاً جاهلاً بإملاء الحق للحق لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفاً عاجراً مغلوباً بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل هو لكونه ممنوعاً بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور.

﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ و ﴿ استشهدوا شهيدين ﴾ استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء ﴿ فإن لم يكونا رجلين ﴾ أرباب القلوب ﴿ فرجل ﴾ منهم ﴿ وامرأتان ﴾ أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال: " "أنتم شهداء الله في أرضه " ﴿ أن تضل إحداهما ﴾ عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ فالرفيق ثم الطريق.

واعلم أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون.

والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان: سيار وطيار.

فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة.

فالإشارة في قوله: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً ﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم: ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي صاحب اليمين وقال لي: أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله.

قال: فقلت له: حسبك الفرائض.

فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه.

فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله  ﴾ وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض؟

مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن.

أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد.

مستهام ضاق مذهبه *** في هوى من عز مطلبه كل أمر في الهوى عجب *** وخلاصي منه أعجبه وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السموات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين.

لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ألقاب فنسب في البداية إلى الإفساد وسفك الدماء ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ ولقب في النهاية بالظلم والجهل ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً  ﴾ هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين.

ومن/ أطاع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم إنما يكون ذلك لوجهين: أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق كما أن العزة والعظمة وقعت في طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر إلا في مرآه ذلة العاشق.

وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة.

وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، ﴿ اسجدوا لآدم  ﴾ وعتاب ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة ﴿ فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم: بلى شهدنا.

فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى "الإيمان عريان ولباسه التقوى" وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

فيه دليل جواز السلم من قوله: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ ؛ لأن المداينة هي فعل اثنين، وهو السلم نفسه؛ لأنه دين من الجانبين جميعاً، وعلى ذلك روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: شهدوا أن المُسْلَم المضمون مما أجازه الله -  - في كتاب الكريم، ثم تلا هذه الآية.

فأما الخبر الذي جاء به نهي عن الدين: فإن ذلك على فوت القبض فيه، دليله: جواز ما كان ديناً بدين إذا قبض أحد الجانبين.

وقال آخرون: قوله: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ ، هو بيع كل دين إلى أجل مسمى، فهو يسمى التداين، كما يسمي البائع والمشتري: المتبايعين؛ لأن كل واحد منهما بائع في وجه، ومشترٍ في وجه.

فعلى ذلك المداينة والتداين.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : فالعرف في الإسلاف عند الناس: ألا يخلي عن الأجل، فصار الأجل بالعرف شرطا في جواز السلم وإن لم يؤجل؛ لأن الرجل لا يسلم السلف ليؤديه حالة الإسلاف؛ لأن الحاجة هي التي تحمله على الإسلاف فهو إنما يسلف ليؤديه في وقت ثان؛ لأنه لو كان عنده حاضرا لا يحتاج إلى غيره، ولكنه يبيعه فيصل إلى حاجته، ولا يتحمل المُؤْنة العظيمة، فصار في العرف كأنه بأجل، يفسد لترك بيان الأجل.

والله أعلم.

وعلى ذلك روي عن رسول الله  ، أنه قال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" ثم أمر عز وجل بالكتابة في التداين بقوله: ﴿ فَٱكْتُبُوهُ ﴾ ، وذلك - والله أعلم - لأنه وصل إلى حاجته بقبض رأس المال والآخر لم يصل؛ فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود؛ فأمر عز وجل بالكتابة؛ احترازاً عن الإنكار وجحود الحق له؛ لأنه إذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه يرتدع عن الإنكار والجحود؛ فهو كما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ ؛ لأنه إذا ذكر أنه يقتل ارتدع عن قتل غيره؛ فكذلك إذا ذكر أنه مكتوب عليه يمتنع من الإنكار والجحود؛ لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس، والله أعلم.

ولا كذلك بيع العين بالعين؛ لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصل به الآخر، فليس هنالك للإنكار معنى؛ لذلك لم يؤمر بالكتابة في بيع الأعيان، وأمر في المداينات.

والله أعلم.

ويحتمل الأمر بالكتابة في التداين وجهاً آخر: وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك، أو ينسى بعضه ويذكر بعضاً؛ فأمر الله  بالكتابة؛ لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة.

ولا كذلك بيع العين؛ لذلك افترقا.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: والنسيان يعقب التنازع، والمنازعة توجب التخالف، وفيه الفساد؛ فأمر بالكتابة لدفع ذلك، وللوفاء بالحق، ودفع الخصومات.

والله أعلم.

ولا يحتمل أن يفرض الكتابة، وأكثر ما فيه أن يحفظ الحق، ولمن له تركه كذلك ألا يقبضه مع ما ليست في عقد أو فسخ فيكلم فيه بوجوب واختيار، إنما هي للحق، فله فعل ذلك.

والله أعلم.

ثم اختلف في الكتابة: قال بعضهم: هي واجبة لازمة.

واستدلوا على وجوبها بقوله  : ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ ، أخبر برفع الجناح في التجارة الحاضرة، فلو كانت في المداينة غير واجبة لم يكن لرفع الجناح فيها معنى؛ فدل أنها لازمة في المداينة حيث رفع الجناح في الحاضرة منها.

وأما عندنا: فهي ليست بواجبة؛ لأنه قال عز وجل: ﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ ، ثم أمر، قال: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ ، ذكر الرهن بدلاً من الكتابة، ثم ذكر ترك الرهن بالائتمان.

فإذا كان له ترك الرهن بالائتمان، وهو بدل الكتابة - فعلى ذلك له ترك الكتابة بالائتمان، إن كان أصله مفروضا لم يحتمل ترك بدله بالائتمان.

فإذا كان ذلك له دل أنه ليس بمفروض ولا لازم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ ﴾ : فهذا لأن الكاتب مأمون عليه فيؤدي حق ما اؤتمن فيه، لا يزيد على ما أملي عليه بالنصيحة وأداء الأمانة.

وهكذا الواجب على كل محكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والنصيحة وأداء الأمانة، كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ  ﴾ وكقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ ، قال بعضهم: هذا وذلك أن الكتبة كانوا في صدر الاسلام قليلا، فنهوا عن ترك الكتابة؛ إذ في ذلك بطلان حقوق الناس وذهابها.

وأما اليوم فلا بأس بالإبقاء عليها، لم يجد من يكتب له بالأجر؛ فلا يبطل حقه.

وفيه وجه آخر: وهو أن قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ ﴾ ، أي: لا يأب الكاتب إذا كتب أن يكتب بالعدل، أي: له ترك الكتابة، ولكنه إذا كتب لا يكتب إلا بالعدل.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ﴾ ، هو نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يكتب وإن لم يعلمه الله  .

والله - عز وجل - أخبر أنه يكتب بتعليم الله إياه.

ولو كان التعليم من الله  إيتاء الأسباب لم يكن لقوله  : ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ  ﴾ معنى؛ لأنه قد أعطى أسبابه.

والعدل - ما ذكرنا -: ألا يزيد على الحق، ولا ينقص منه.

وأصل العدل: هو وضع الشيء موضعه.

وقوله  : ﴿ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ ﴾ : ما عليه، ﴿ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ ﴾ : ولا ينقص، ﴿ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ : [أي: لا يملي على الكاتب أقل من حقه ولا ينقص منه شيئاً].

ففيه دلالة على أن القول قوله في قدر الحق حيث أوعد فيما يملي على الكاتب ألا ينقص من حق الطالب شيئاً.

وقوله  : ﴿ فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ ﴾ ، قال قائلون: هذا كله واحد: السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل.

وقال آخرون: بل هو مختلف، السفيه هو الصغير، فليملل وليه.

والضعيف هو المريض الذي لا يقدر أن يُمِلّ.

والذي لا يستطيع أن يمل هو الجاهل الذي لا يعرف أن يمل.

ثم اختلف في الولي: قال بعضهم: الولي: هو صاحب الحق، يملُّ بالعدل بين يدي من عليه الحق؛ لئلا يزيد على ذلك شيئاً، فإن زاده أو نقصه أنكر عليه صاحبه.

وقال آخرون: الولي هو وصي الصغير، أو ذو النسب منه.

ثم المسألة في الحجر: قال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: الحجر لا يمنع عقوده.

وقال محمد بن الحسن: لا يجوز عقوده، ولكن الولي هو الذي يتولى ذلك؛ استدلالاً بظاهر قوله: ﴿ فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ، فإنما جعل الإملاء إلى الولي، لا إليه.

ولو كان يجوز إملاؤه لكان لا معنى لجعل ذلك إلى غيره؛ دل أنه لا يجوز.

وأما أبو حنيفة - رضي الله  عنه - فإنه ذهب إلى أنه يجوز بقوله  : ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ ، أجاز تداينه؛ فدل أن الحجر لا يمنع العقد عليه ولا تداينه، ولأن السفيه لم يستفد الإذن من السلطان؛ إنما استفاده من الله  ، ولا يجوز حجر من لم يستفد الإذن منه.

وقوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ : لم يجعل الإشهاد شرطا في جواز البيع، ولكنه معطوف على قوله: ﴿ فَٱكْتُبُوهُ ﴾ .

أمر عز وجل بالإشهاد في البيع والتداين؛ للمعنى الذي ذكرنا: أن ترك الإشهاد والكتابة يحمله على الإنكار وجحود الحق، فإذا كان هنالك شهود وكتاب يمتنع من الإنكار؛ لخوف ظهور الكذب.

ولم يصر شرطا في جواز التداين؛ لأن الإشهاد إنما ذكر بعد المداينة والمبايعة.

وكذلك الكتابة فهو لما ذكرنا: أن الإنسان من طبعه النسيان والسهو؛ فأمر بالاستشهاد والكتابة لئلا يسنى، أو يحمله ترك الإشهاد والكتابة على الإنكار.

وأما الأمر بالإشهاد في النكاح - في عقد النكاح نفسه - دليله قوله -  -: "لا نكاح إلا بشهود" ؛ لذلك صار شرطاً في عقد النكاح، ولم يصر شرطاً في المبايعة.

ووجه آخر: وهو أن الشهادة في النكاح تدفع تهمة الزنى عنهما، وقد يحوج إليه في أول أحواله.

والحاجة إلى الشهادة في البيع إلى ما يتعقب فيه من توهم وقوع التنازع؛ إذ له بذل ملكه للآخر من غير عقد بيع، وليس لها بذل فرجها له من غير عقد النكاح؛ لذلك صار الإشهاد شرطا في جواز النكاح، ولم يكن شرطا في البيع.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ : في الآية دلالة أن من قضى بالشاهد واليمين قضى بخلاف ظاهر الكتاب، وهو أيضا خلاف السنة؛ لأن قوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ ﴾ ، ليس هو الإشهاد، إنما هو الإحضار للشهادة؛ إذ العجز لا يقع في الإشهاد، إنما يقع عند الاستحضار، ولو كان بيمينه غنية لم يأمر المرأتين هتك سترهما؛ ولأن الآية ذكر حق القضاء في البياعات الواقعة والأحكام إلى سبيلها لزوم الفصل بالقضاء بين أربابها.

فمن جعل فصل القضاء بالشاهد واليمين جعل على خلاف ما جعله من له نصب الشرائع والحجج، وقال الله  : ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً  ﴾ .

وأما مخالفة السنة - فقوله  : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" .

فإذا أتى بشاهد واحد لم يخرج الآخر من أن يكون مدعى عليه.

فإذا كان كذلك، وقد جعل النبي  حجة المدعي عليه اليمين، ولم يجعل اليمين حجة للمدعي؛ فلذلك قلنا: إنه المخالف لظاهر الكتاب والسنة.

ولأن الله  جعل المرأتين فى حال الضرورة، وهو حال عدم الرجل مقام ذلك الرجل، فلو كان يجوز القضاء بالشاهد واليمين، لم يحتج إلى أن يكلف النساء من الخروج إلى أبواب القضاء والسلاطين لأداء الشهادة، وفي ذلك هتك الستر عليهن وكشف عورتهن، وتكلف القضاة فضل التفحص في حالهن ومعرفتهن؛ لذلك بطل القضاء بالشاهد واليمين.

والله أعلم.

فإن قيل: روي عن رسول الله  ، أنه قضى به.

قيل: إنه لم يرو أنه فيم قضى في الأموال أو في غير الأموال فإن ثبت أنه فيم قضى لكنا نقضي به.

ثم قال الصحابة: رضوان الله  عليهم أجمعين، أنه قضى بالشاهد واليمين في الأمان.

ونحن نقضي بعض أحكام الأمان بالشاهد الواحد إذا كان عدلا.

واليمين باب من يحتاط فيه إذا شهد شاهد أنه أمنه لم يقبل، ولكن يسترق.

وأما الأموال فإن الاحتياط في ذلك ترك القضاء إلى أن تقوم الحجة التي تزيل الشبهة من جميع الوجوه.

وبالله التوفيق.

وأما شهادة النساء: فإنها جائزة في الأموال وفي غير الأموال إلا في الحدود خاصة، فإنها غير مقبولة.

أما جوازها في غير الحدود؛ لأن الله  ذكر التداين، وذكر في التداين الأجل، والأجل ليس بمال.

ثم أجاز شهادتهن في التداين وفي الأجل الذي ليس هو بمال؛ دل ذلك أن علة جواز شهادتين ليس هو المالية نفسها، وأجيزت شهادتهن فيما لا مالية فيه وهو الأجل؛ فظهرت أن علتها ليست مالية.

وأما بطلان شهادتهن في الحدود؛ فلأن شهادتهن إنما أجيزت بحكم البدل عن شهادة الرجال، والأبدال في الحدود غير مقبولة نحو الوكالات والكفالات؛ فعلى ذلك شهادتهن لما كانت جوازها بحكم البدل لم تقبل، ولأنهن جعلن على السهو والغفلة ونقصان العقل والدين؛ لقوله  : "إنهن ناقصات عقل ودين" .

فإذا كان كذلك أورث ذلك شبهة في الحدود، والحدود مما يبتغي فيها الدرء؛ لذلك لم تقبل.

والله أعلم.

ولأن شهادتهن إنما ذكرت فيما يبتغي به الإعلام والإعلان، لا الإسرار.

فعلى ذلك تقبل شهادتهن فيما يبتغي ذلك المعنى.

وأما الحدود وما يلزم بها ذلك إنما يبتغي في ذلك الإسرار والستر؛ لذلك قلنا بأن شهادتهن تجوز في النكاح والطلاق والعتاق؛ لأن النكاح يبتغي فيه الإعلان على ما جاء: "أعلنوا النكاح"؛ لذلك قبلت.

والله أعلم.

ومعنى آخر: أن الخصم أجاز شهادة النساء بالانفراد في كل شيء ما خلا الحدود والقصاص؛ لذلك قبل بالرجال.

ولأن شهادة النساء أجيزت في الأصل توسيعا، فلا يجوز أن ترد فيما يتوسع، وتقبل فيما يضيق، وأمر النكاح والطلاق في الشهادة أوسع، فهو أحق أن يقبل.

وقوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ .

فإن قال قائل: كيف جاز استشهاد المرأتين عند وجود الرجلين؛ والله أمر باستحضار الرجلين عند الحاكم للشهادة، لا أمر بالإشهاد عليها؛ لذلك قال عز وجل: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ .

أي: لا تكلف النساء حضور أبواب القضاة ومجلسهم لأداء الشهادة إلا عند العجز عن وجود الرجل؛ لما في ذلك هتك أستارهن، وكشف عورتهن.

والله أعلم.

والثاني: أن الله  ذكر امرأتين وأقامهما مقام رجل فائت، والرجل الذي قامت امرأتان مقامه هو فائت أبدا غير موجود، إذ له أن يشهد عددا على ذلك الحق؛ لذلك جازت شهادتهن وإن كان هناك رجلان.

والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر رجلين دون ذكر العدد، أو ذكر واحد؟

قيل: لوجوه: أحدها: ذكر على قدر الأشياء ومراتبها عند الناس، إذا كان أمراً عظيما فظيعا لا تقبل فيه إلا شهادة عدد، نحو الزنى، كقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً  ﴾ .

وإذا كان خسيسا سهلا عند الناس قبل قول الفرد حرّاً كان أو عبدا، من نحو الاستئذان للدخول على آخر ونحوه.

ثم الأموال وغيرها هي المتوسطة المترددة بين هذين، فقبل الوسط من الشهادة، ولم يقبل دونها.

والله أعلم.

ووجه آخر: قيل: إنه ذكر ذلك عبادة، لا لمعنى المودع فيه، ولكن سمعا، فهو على ما ذكر، لا يطلب معناه.

والثالث: أن الواحد لم تقبل شهادته في الحقوق بالانفراد؛ لأنه ينتفع بها.

لأن من صدق في قوله يتلذذ بتصديقهم إياه.

فعلى ذلك لم يقبل قول المدعي في دعواه وإن كان عدلا، لما ينتفع بالتصديق وقبول قوله فيه.

فإذا كانا اثنين صار تلذذ كل واحد منهما وانتفاعه لصاحبه؛ فحصلت الشهادة خالصة صافية؛ فقبلت.

والله أعلم.

والرابع: أن الإنسان مطبوع على السهو والغفلة، فإذا كان فردا يخاف عليه النسيان؛ أمر بضم آخر إليه ليذكر كل واحد منهما صاحبه إذا نسيه.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ، لما ذكر أنهن جبلن وطبعن على فضل السهو والغفلة، أمر بضم غيرها إليها إذا سهت وغفلت عنها.

ثم اختلف في قوله: ﴿ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ : قال أصحابنا - رحمهم الله  -: يرجع الخطاب إلى الأحرار خاصة دون العبيد والكفرة.

أما الكفرة؛ فلأن الخطاب في الابتداء للمؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ...

﴾ الآية؛ فخرج الكفار من خطاب الآية؛ لذلك لم تقبل شهادتهم على أهل الإسلام.

وأما العبيد فلم يدخلوا تحت هذا الخطاب لوجوه: أحدها: ما ذكرنا: أن ظاهر الخطاب للأحرار دون العبيد، لما لا يملكون هم التداين والتبايع؛ فعلى ذلك خطاب الشهادة.

فإن قيل: أليس العبيد يملكون التبايع والتداين؟

قيل: يملكون بالإذن والتولية لا بملك أنفسهم فذلك القدر من التداين وغيره، يملك الكفار، ثم لم يجب قبول شهادتهم، ولا دخلوا تحت ذلك الخطاب؛ فكذلك العبيد.

والثاني: ما قاله عز وجل: ﴿ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ ، ثم لا يملك العبيد الإجابة لكل ما دعوا لحق السادات؛ فعلى ذلك ليس عليهم الإجابة في الشهادة لحق السادات.

والله أعلم.

والثالث: أن الله  قسم الشهادة قسمة الميراث بقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ ، وقال في الميراث: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ  ﴾ ، ثم لا حظ للعبيد في الميراث؛ فعلى ذلك لا حظ لهم في الشهادة.

والرابع: أن الشهادات تجري مجرى الولايات والتمليكات، ثم لا ولاية تكون للعبد على غيره ولا تمليك؛ فعلى ذلك الشهادة؛ إذ فيها ولاية وتمليك الحاكم الحكم.

والله أعلم.

وعلى هذا بطلت شهادة الكفار على أهل الإسلام لما لا ولاية لهم عليهم.

والخامس: أن الشهود بين حالين: بين أن يصدقوا فتمضي شهادتهم، وبين أن يكذبوا فيضمنوا.

ولما كان العبيد إذا كذبوا في شهادتهم لم يضمنوا؛ لأن ضمان الشهادة ضمان معروف؛ لأنه لا بدل له بإزاء من لم يكن من أهل الشهادة؛ دل أنهم ليسوا من أهل الشهادة.

وعلى ذلك قلنا: إن النكاح يجوز بشهادة الفاسق والمحدود في القذف، وأنهما من أهل الشهادة فيه؛ لأنهما من أهل الضمان، وإن كانت شهادتهما ردت لتهمة الكذب في سائر الحقوق.

وأما العبد: فليس هو من أهل الشهادة بحال، للمعنى الذي وصفنا.

والله أعلم.

وإلا القياس يقتضي أن تجوز شهادة العبيد؛ لأنها من حق الله، ودليله قوله  : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ .

فإذا كانت من حق الله  ؛ وحقوق الله  لا يختلف العبيد والأحرار فيها، فيجب أن تقبل شهادتهم، لكنها لم تقبل للوجوه التي ذكرناها.

والله أعلم.

قوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ ، إلى أن قال: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أنهن لما جبلن وطبعن على فضل سهو وغفلة، ضمت إليها أخرى لتذكرها الشهادة إذا نيست.

وفي الآية دلالة أن الرجل إذا نسي الشهادة، ثم ذكر فتذكر، يجوز أن يشهد.

وأما إذا أخبر بالشهادة ولم يتذكر، لم يجز له أن شهد؛ لقوله: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ، إذ لم يقل: "فتخبر إحداهما الأخرى".

وقوله  : ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ : فيه دلالة أن من المسلمين من لا يكون مرضيّاً، وكذلك فيهم من يكون عدلا ومن لا يكون عدلا، دليله قوله  : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ ، لأنه لو لم يكن فيهم مرضيا وغير مرضي لكان يقول: "وأشهدوا رجلين منكم"، ولم يشترط فيه العدالة والرضاء.

وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: المسلم لا يكون غير عدل ولا غير مرضي.

وفي الآية التي ذكرنا دلالة ما قلنا.

الله أعلم.

وفي قوله: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ ، دلالة أن الشهود إذا شهدوا على المدعي عليه بالحق، وهم مرضيون عنده، يجب أن يؤدي إليه حقه؛ لأنا قلنا: إن قوله: ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ ، أمر باستحضارهم عند الحاكم، فإذا كان كذلك فهو دليل ما قلنا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: ﴿ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ للإشهاد.

وقيل: لا يأبوا إذا ما دعوا للأداء.

وهذا أشبه لأن للشهود أن يقولوا: أحضر الخصم هاهنا لتشهدنا عليه، فإنا لا نحضر المكان الذي هو فيه.

وليس هذا القول في الأداء، إذ الأداء لا يكون إلا عند الحاكم؛ لذلك كان أولى، كقوله  : ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ ﴾ ، ولا يجد من يشهدهم، ولا يجد من يشهد له غيرهم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ﴾ : فيه دلالة جواز السلم في الثياب؛ لأن ما يكال ويوزن لا يقال فيه: "الصغير والكبير"، ولا يكتب: "صغيرة وكبيرة"، إنما يقال ذلك في العددي.

وقوله  : ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، يقول: أعدل عند الله، ﴿ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ ﴾ ، في الحجة.

وقوله  : ﴿ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ ﴾ : أقرب إلى دفع الظنون والشكوك التي تحملكم على التناكر والتنازع الذي عاقبته الفسخ؛ ولهذا ما أمر عز وجل بالكتابة فيه والإشهاد، وذكر كل صغير وكبير، لئلا يقع بينهم في العاقبة تنازع وتناكر، فيحمل ذلك الحاكم على فسخ العقد بينهما.

وعلى ذلك تصبوا الأجل فيه شرطا لقطع وقوع التنازع والتناكر الذي حكمه الفسخ في العاقبة.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ...

﴾ الآية: استنثى عز وجل التجارة الحاضرة بترك الكتابة والإشهاد والرهن وغيره، وذلك لما ذكرنا آنفا أن الديون والقروض تنسى وتشتبه على الناس؛ فلذلك أمر بالكتابة فيها، والإشهاد، ولا كذلك التجارات الحاضرات، وعلى ذلك أمر ظاهر بين الناس أنهم يكتبون ويشهدون في الديون والقروض، ولم يعلموا ذلك في التجارات الحاضرات الجاريات فيما بينهم، لارتفاع ما يخاف وقوعه في الديون والقروض وخلائها عن ذلك.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ : يقول: يداً بيد وليس فيها إيجاب القبض على المجلس.

وقوله ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ : أمر عز وجل بالإشهاد [في التجارة الحضارة، ولم يأمر بالكتابة، وأمر في التداين بالكتابة والإشهاد] جميعاً؛ فالأمر بالكتابة لمحافظة الحقوق ومعاهدة كل قليل وكثير فيه، وأما الأمر بالإشهاد للأدب، والأمر بالرهن أمر بالوفاء، والرهن والكتابة والإشهاد كل ذلك يمنع صاحبه عن الإنكار والجحود، ويذكر عند النسيان والسهو.

ذلك كله لقطع التنازع الواقع فيما بينهما في المتعقب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ لا يشغل الكاتب ولا الشهيد، فيقول له: اكتب لي كذا، واشهد لي على كذا، وهو يجد غيره.

وقال آخرون: ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ ، أي لا يضار كاتب صاحب الحق، فيكتب ما لا ينبغي أن يكتب بالزيادة والنقصان، وكذلك الشاهد لا يزيد على الحق ولا ينقص من الحق شيئاً، ولا يكتم الشهادة أيضاً.

فهذا أقرب.

والله أعلم.

فإن قيل: إذا كان المعنى راجعاً إلى ما ذكرت ألا يزيد الكاتب ولا ينقص ألا قال: لا يضار بالرفع؟

قيل: إنه يضاره فطرحت إحداهما فإذا طرحت انتصبت علامة للطرح إذ هكذا عمل الإضمار.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: "الإضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله أمرك ألا تأبى إذا ما دعيت فتضاره بذلك".

وقوله: ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ ﴾ أي: تضاروا فإنه فسوق بكم؛ هذا يدل على أن التأويل هو ما ذكرنا من النهي عن الزيادة والنقصان والتحريف والكتمان؛ إذ في ذلك خروج عن الأمر.

والفسق هو الخروج عن الأمر كقوله ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ وهو على المعتزلة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في المضارة من الزيادة والنقصان والكتمان ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ﴾ الحكم والأدب وما يحل وما لا يحل ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ حرف وعيد.

وقوله  : ﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في الأمر بالكتابة والإشهاد: أنهما - والله أعلم - لحفظ الحقوق، ما جل منها وما دق، وألا يحملهم على الإنكار والجحد، وأن يذكرهم ذلك حتى لا ينسوا، فعلى ذلك الأمر بالرهان لئلا يؤخر قضاء الدين ويذكرون ولا ينسون، والله أعلم.

ثم فيه دلالة ألا يجوز الرهن إلا مقبوضاً؛ لأن الرهن يقبض لأمرين: أحدهما: لأنه إذا كان مقبوضاً محبوساً عن صاحبه عن جميع أنواع منافعه ذكره وتقاضاه لقضاء دينه، وإذا كان في يديه لم يتقاضاه على ذلك؛ لذلك قلنا: إنه لا يجوز إلا مقبوضاً.

والثاني: أنه إنما يقبض ليستوفي منه الدين، ولا يستوفي إلا بعد القبض، أو يأخذ ليأخذ الدين منه من غير بخس فيه ولا منع عنه.

ووجه آخر - فيما لا يجوز الرهن إلا مقبوضاً - لأنه جعل وثيقة، فلا جائز أن يكون وثيقة وهو في يدي الراهن غير محبوس ولا ممنوع عن منافعه؛ فدل ما ذكرنا من طلب الناس بعضهم من بعض الرهون، أنهم طلبوا وثيقة.

فإذا كان وثيقة فهو إنما يكون وثيقة إذا كان في يدي المرتهن محسوباً عن صاحبه.

ألا ترى أن الكاتب أمر بأداء الأمانة إذا أمن بعضهم بعضا بغير رهن، فلو كان الرهن يكون رهنا في يدي الراهن لذكر فيه أداء الأمانة في الرهن، ولم يكن لذكر القبض وجه؛ لذلك قلنا: إن الرهن لا يجوز إلا أن يكون مقبوضاً محبوساً عن منافع صاحبه.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ فيه دلالة ضمان الرهن دلالة استيفاء الدين من الرهن؛ لأنه إنما ذكر الأداء فيما أمن بعضهم بعضاً بلا رهن، ولم يذكر الأداء فيما فيه الرهن، فلولا أن جعل في الرهن استيفاء الحق والدين وإلا لذكر الأداء فيه كما ذكر في الرهن فدل أنه مضمون به إذا هلك، هلك به.

والله أعلم.

وأيضا قوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ ﴾ فيه دليل لقولهم في الشركات: إنه يكتب اشتركا على تقوى الله وأداء الأمانة [؛ لأن كل واحد منهما أمين في ذلك، لذلك ذكر فيه تقوى الله وأداء الأمانة] كما ذكر - عز وجل - تقوى الله وأداء الأمانة فيما اؤتمن.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ ذكر إثم القلب، والإثم موضعه القلب لكنه يشيع في الجوارح ويظهر على ما روي: "إن في النفس مضغة إذا صلحت صلح البدن، وإذا فسدت فسد البدن" قال الشيخ - رحمه الله -: وفيه دلالة أن المأثم تعمد القلوب بأي شيء كان؛ فلذلك وصف القلب بأنه آثم؛ وهو كقوله: ﴿ يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، وكذا قوله: ﴿ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا تعاملتم بالدَّيْنِ، بأن دَايَنَ بعضكم بعضًا إلى مدة محددة فاكتبوا ذلك الدَّيْنَ، وليكتب بينكم كاتب بالحق والإنصاف الموافق للشرع، ولا يمتنع الكاتب أن يكتب الدَّين بما يوافق ما علَّمه الله من الكتابة بالعدل، فلْيَكتبْ ما يُمْلِيه الذي عليه الحق، حتى يكون ذلك إقرارًا منه، وليتق الله ربه، ولا يَنقُص من الدَّين شيئًا في قدره أو نوعه أو كيفيته، فإن كان الذي عليه الحق لا يحسن التصرف، أو كان ضعيفًا لصغره أو جنونه أو كان لا يستطيع الإملاء لخَرَسِه ونحو ذلك، فلْيقُم بالإملاء عنه وليُّه المسؤول عنه بالحق والإنصاف.

واطلبوا شهادة رجلين عاقلين عدلين، فإن لم يوجد رجلان فاستشهدوا رجلًا وامرأتين ترضون دينهم وأمانتهم، حتى إذا نسيت إحدى المرأتين ذكّرتها أختها، ولا يمتنع الشهود إذا طُلِب منهم الشهادة على الدَّين، وعليهم أداؤها إذا دُعوا لذلك، ولا يُصِبْكم الملل من كتابة الدَّين قليلًا كان أو كثيرًا إلى مدته المحددة، فكتابة الدَّين أعدل في شرع الله، وأبلغ في إقامة الشهادة وأدائها، وأقرب إلى نفي الشك في نوع الدَّين ومقداره ومدته، إلا إذا كان التعاقد بينكم على تجارة في سلعة حاضرة وثمن حاضر؛ فلا حرج في ترك الكتابة حينئذ لعدم الحاجة إليها، ويشرع لكم الإشهاد منعًا لأسباب النزاع، ولا يجوز الإضرار بالكُتّابِ والشهود، ولا يجوز لهم الإضرار بمن طلب كتابتهم أو شهادتهم، وأن يقع منكم الإضرار فإنه خروج عن طاعة الله إلى معصيته.

وخافوا الله -أيها المؤمنون- بأن تمتثلوا ما أمركم به، وتجتنبوا ما نهاكم عنه، ويعلِّمكم الله ما فيه صلاح دنياكم وآخرتكم، والله بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء.

من فوائد الآيات مشروعية توثيق الدَّين وسائر المعاملات المالية دفعًا للاختلاف والتنازع.

وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وأنواع الإجارات.

ثبوت الولاية على القاصرين إما بسبب عجزهم، أو ضعف عقلهم، أو صغر سنهم.

مشروعية الإشهاد على الإقرار بالديون والحقوق.

أن من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها.

لا يجوز الإضرار بأحد بسبب توثيق الحقوق وكتابتها، لا من جهة أصحاب الحقوق، ولا من جهة من يكتبه ويشهد عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.bbQ3G"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام في الأموال بدأ بالترغيب في الصدقات والإنفاق في سبيل الله وذلك محض الرحمة، وثنى بالنهي عن الربا الذي هو محض القساوة، ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن.

ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بإنظار المعسر فيه، وكان لا بد لحفظه من كتابته، إذ ربما يخشى ضياعه بالإنظار إلى الأجل.

جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه.

ويقول بعض المفسرين وله الحق إنه تقدم في الآيات طلب الإنفاق والتصدق ثم حكم الربا الذي يناقض الصدقة، ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال، لأن الذي يؤمر بالإنفاق والصدقة وبترك الربا لا بد له من كسب ينمي ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالإنفاق في سبيل الله ولا يضطر بإنفاقه إلى الوقوع فيما حرم الله.

وهذا يدل على أن المال ليس مذمومًا لذاته في دين الله ولا مبغضًا عنده تعالى على الإطلاق، كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا إلى حفظ المال وعدم تضييعه، وإلى اختيار الطرق النافعة في إنفاقه بأن نستعمل عقولنا في تعرفها ونوجه إرادتنا إلى العمل بخير ما نعرفه منها.

ففي آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك يزيل ما عساه يتوهم من الكلام السابق، وهو أن المبالغة في الترغيب في الإنفاق في سبيل الله والتشديد في تحريم الربا يدلان على أن جمع المال وحفظه مذموم على الإطلاق، كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة.

فكأنه يقول إنا لا نأمركم بإضاعة المال وإهماله، ولا بترك استثماره واستغلاله، إنما نأمركم بأن تكسبوه من طرق الحل، وتنفقوا منه في طرق الخير والبر.

إن قوله تعالى ﴿ فَاكْتُبُوهُ  ﴾ أمر عام للمتعاملين وفيهم الأمي الذي لا يكتب ولذلك احتيج إلى هذه الجملة: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ  ﴾ وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التي تحفظ الحقوق لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو يتهم في الكتابة بجهلة فيلتبس بذلك الحق بالباطل ويضيع حق أحد المتعاملين كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة أو الإبهام إذا لم يكن عادلًا.

إن كاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلًا لذلك، وإنما أهله من يصح أن يكون قاضي العدل والإنصاف.

إن ما ذكر في وصف الكتاب إرشاد من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام معروف وهو أن يكون كاتب الديون عادلًا عارفًا بالحقوق والأحكام فيها حتى لا يقع التنازع بعد ذلك فيما يكتبه، وإرشاد للمسلمين إلى أنه ينبغي أن يكون فيهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهو ما يسمونه اليوم العقود الرسمية، ويتحتم ذلك على القول بأن الكتابة واجبة.

وفيه أيضًا أن الكاتب ينبغي أن يكون غير المتعاقدين وإن كانا يحسنان الكتابة لئلا يغالط أحدهما الآخر أو يغشه وكأن هذا أمر حتم وعليه العمل الآن فإن للعقود الرسمية كُتّابًا يختصون بها.

﴿ فَلْيَكْتُبْ  ﴾ : تأكيد لأن الموضوع غريب في نظر الأميين الذين خوطبوا به أولًا.

﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ  ﴾ ذكر الذي عليه الحق مظهرًا في موضع الإضمار لزيادة الكشف والبيان، كما قالوا، أما السفيه فهو ضعيف الرأي أي من لا يحسن التصرف في المال لضعف عقله.

﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى  ﴾ قال بعضهم معناه أن تضل إحدى الشهادتين عن إحدى المرأتين فتذكّرها بها المرأة الأخرى فجعل إحدى الأولى للشهادة والثانية للمرأة وأيده الطبرسي بأن نسيان الشهادة لا يسمى ضلالًا لأن الضلال معناه الضياع والمرأة لا تضيع، واستدل على التفرقة بين الضلال والنسيان بقوله تعالى ﴿ ضَلُّوا عَنَّا  ﴾ ومثله ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى  ﴾ .

تكلم المفسرون في هذا وجعلوا سببه المزاج فقالوا إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان، وهذا غير متحقق، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أن من طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها.

ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها.

إن الله تعالى جعل شهادة المرأتين شهادة واحدة فإذا تركت إحداهما شيئًا من الشهادة كأن نسيته أو ضل عنها تذكرها الأخرى وتتم شهادتها، وللقاضي بل عليه أن يسأل إحداهما بحضور الأخرى، ويعتد بجزء الشهادة من إحداهما وبباقيها من الأخرى.

هذا هو الواجب وإن كان القضاة لا يعملون به جهلًا منهم.

وأما الرجال فلا يجوز له أن يعاملهم بذلك بل عليه أن يفرق بينهم، فإن قصر أحد الشاهدين أو نسي فليس للآخر أن يذكره وإذا ترك شيئًا تكون الشهادة باطلة، يعني إذا ترك شيئًا مما يبين الحق فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه فإنها لا يعتد بها ولا بشهادة الآخر وحدها وإن بينت.

﴿ وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا  ﴾ إلى تحمل الشهادة، أو إلى أداء الشهادة، وقال بعضهم بالإطلاق الشامل للتحمل والأداء، وهو رأي الجمهور، وأختاره.

﴿ وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ  ﴾ : وهذا دليل على أن الكتابة يعمل بها، وأنها من الأدلة التي تعتبر عند استيفاء شرطها.

﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ  ﴾ الخطاب للمؤمنين، والإشارة للكتاب، أي الكتابة، لأنه الأقرب في الذكر وهو رأي الجمهور.

ويعد من دلائل العمل بالكتابة.

وفيه أيضًا الدليل على أن للشاهد أن يطلب وثيقة العقد المكتوب ليتذكر ما كان على وجهه.

وقوله ﴿ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا  ﴾ هذه مزية ثالثة للكاتبة تؤكد القول بالأخذ بها، والاعتماد عليها، وجعلها مذكرة للشهود، والاحتجاج بها إذا استوفيت شروطها.

﴿ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا  ﴾ أي إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة أو إلا أن توجد تجارة حاضرة تدار بين المتعاملين بالتعاطي بأن يأخذ المشتري المبيع والبائع الثمن فلا حرج من ترك كتابتها ولا إثم، إذ لا يترتب عليه شيء من الارتياب الذي يجر إلى التنازع والتخاصم وما رواء ذلك من المفاسد.

﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ : معناه هذا التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة، لأن البيع بالكالئ يستلزم الدين وهو الذي أمر بكتابته والاستشهاد عليه، والإشهاد لازم لما يحصل من المجاحدين في بعض العقود الحاضرة بعد العقد من التنازع والخلاف.

وكأنه يعني أن من شأن هذه المجاحدة أن تحصل عن قريب ولذلك اكتفي بالإشهاد لتلافي ما عساه يقع منها، وأما الديون المؤجلة فربما يقع التنازع فيما بعد موت الشهود لأنها مما يطول زمنها لا سيما إذا كان الأجل بعيدًا فلهذا وجبت كتابتها وشرع الاحتجاج عليها بالكتابة.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ اشتهر على ألسنة المدعين للتصوف في معنى هاتين الجملتين ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ  ﴾ أن التقوى تكون سببًا للعلم، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تثمر لهم العلوم الإلهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم بدون تعلم.

وهذا الزعم فتح للجاهلين الذين يلبسون لباس الصلاح دعوى العلم بالله وفهم القرآن والحديث ومعرفة أسرار الشريعة من غير أن يكونوا قد تعلموا من ذلك شيئًا، والعامة تسلم لهم بهذه الدعوى وتصدق قولهم أن الله هو الذي تولى تعليمهم ويسمون علمهم هذا"بالعلم اللدني".

ويرد استدلالهم بالآية على ذلك من وجهين: أحدهما:أنه لا يرضى به سيبوبه، وله الحق في ذلك، لأن عطف ﴿ يُعَلِّمُكُمْ  ﴾ على ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ ينافي أن يكون جزاء له ومرتبًا عليه، لأن العطف يقتضي المغايرة ولو قال ﴿ يُعَلِّمُكُمْ  ﴾ بالجزم لكان مفيدًا لما قالوه، وكذلك لو كان العطف بالفاء أو اتصل بالفعل لام التعليل.

الثاني: إن قولهم هذا عبارة عن جعل المسبب سببًا والفرع أصلًا والنتيجة مقدمة، فإن المعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى، فلا تقوى بلا علم، فالعلم هو الأصل الأول، وعليه المعول.

فللعلم تأثير في الإدارة بتوجيهها إلى العمل الصالح وصرفها عن العمل القبيح -وتلك هي التقوى- ونحن لا ننكر العلم الذي يسمونه لدنيا، وإنما ننكر أن يكون غاية لذلك الطريق الجائر الذي يشترط فيه الجهل، ونقول: إن العلم بالله تعالى والعلم بالشرع والعمل به، مع الإخلاص، قد يصرف العالم العامل المخلص إلى الله تعالى حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعي، وقد يحصل له عند ذلك إشراف على ما لا يشرف عليه غيره من أسرار الحكمة الإلهية والتحقق ببعض المعارف الغيبية فيعلم مما قصه الله علينا من خبر الآخرة والملائكة ما لا يعلمه كل ناظر في معاني الألفاظ والأساليب في الكتاب.

وأين هذا مما يدعيه أعوان الجهل وأعداء العلم.

ذهب الجمهور إلى الأمر بكتابة الدين للندب واستدلوا بثلاثة أمور: أحدهما: قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  ﴾ فإنه أجاز ذلك بإقرارهم عليه وهو يستلزم عدم الكتابة والاستشهاد.

الثاني:كون المسلمين لم يلتزموا الكتابة والاستشهاد في العصر الأول ولا فيما بعده، بل كانوا يأتونه تارة ويتركونه تارة، ولو فهموا أنه واجب لالتزموه.

الثالث:أن في الكتابة حرجًا وهو منفي بالنص.

وذهب أقوام إلى أن الأمر للوجوب، وبه قال عطاء والشعبي وابن جرير في تفسيره، وهو الأصل في الأمر عند الجمهور، وقد تتابعت الأوامر في الآية وتأكدت حتى في حال السفه والضعف والعجز فقد أمر ولي من عليه الحق من هؤلاء بأن يملي عنه للكاتب ولم يعفهم من الكتابة، ومثل هذا التأكيد لا يكون في غير الواجب، ويؤيده التعليل بكون ذلك أقسط عند الله إلخ.

قالوا أما قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا  ﴾ إلخ فهو محمول على حال الضرورة كالأوقات التي لا يوجد فيها كاتب ولا شهود، فإذا احتاج امرؤا إلى الاقتراض من أخيه في مثل هذه الحال فإن الله تعالى لا يحرم عليه قضاء حاجته وسد خلته إذا هو ائتمنه.

قالوا وأما دعوى تعامل أهل الصدر الأول وغيرهم من المسلمين بغير كتابة ولا إشهاد فهي على إطلاقها باطلة، فإنه لم يؤثر عن الصحابة الذين يحتج بمعاملاتهم ولا عن التابعين شيء صحيح يؤيد هذه الدعوى، وإنما اغتر هؤلاء القائلون من الفقهاء بعدم وجوب الكتاب والإشهاد بمعاملات أهل عصرهم فجعلوا ذلك عامًا ولم يرووا عن الصحابة فيه شيئًا صحيحًا واقعًا بالفعل.

وأما قولهم أن في ذلك ضيقًا وحرجًا فجوابه أن هذا الضيق والحرج في بادي الرأي هو عين السهولة والسعة واليسر في حقيقة الأمر.

إن التعامل الذي لا يكتب ولا يستشهد عليه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع، ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان، فإذا ارتاب المتعاملان واختلفنا ولا شيء يرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منها الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه فلج في خصامه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسرًا ويرميهما بأشد الحرج، وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة.

كيف يكون هذا حرجًا وهو مما لا يقع إلا قليلًا لبعض المكلفين ولا يكون الوضوء حرجًا وهو مما يجب على كل مكلف كل يوم يصلي فيه خمس مرات، فما كل ما يتكرر يكون حرجًا.

هبوا أن هذه الأوامر المؤكدة للندب فهل ينبغي أن يترك المسلمون جملة ما ندب إليه كتاب الله بحجة أن فيه حرجًا أو بغير ذلك من الحجج حتى صار من تراه من المسلمين يعنى بكتابة ديونه فإنما يفعل ذلك لضعف ثقته بمدينة، لا عملًا بهداية دينه، ألا إن الحرج في هذا كالحرج في تحريم جميع أنواع الشرك والمعاصي، فكما لا يجوز أن تكون مشركًا بنوع ما من أنواع الشرك، لا يجوز أن تفرط في شيء من الحق الذي لا مراء فيه أنه لا شيء من الحرج في الكتابة، فإن البلد قد يكفيه كاتب واحد للديون المؤجلة، وقد رخص الله لنا في ترك كتابة التجارة الحاضرة.

والحاصل أن ظاهر الآية وأسلوبها وطريقة تأديتها تدل على أن الأمر فيها للوجوب، وإن كان الجمهور على خلافه.

وقد اختلف الفقهاء بعد هذا في العمل بالخط، ونحمد الله أن كان المفتى به هو العمل بالخط، إذ لو كان المفتى هو خلاف ما أمر به القرآن لكان المصاب عظيمًا واستدل القائلون بعدم العمل بالخط بأنه يحتمل فيه التزوير وزعموا أن فائدة الكتابة التذكار فقط كما أن الأمر بالإشهاد لأجل التذكار، ومنشأ الشبهة في هذا قوله تعالى في المرأتين ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى  ﴾ والصواب أن كلا من الكتابة والاستشهاد قد شرع للاستيثاق بين الدائن والمدين لا لأجل التذكر بعد النسيان، والكتابة أقوى من الشهادة فيه، وهي عون للشهادة، وهي عون للشهادة، فهي آلة الاستيثاق للمتعاملين، فالدائن يستوثق بما له فيأمن من إنكاره كله أو بعضه، والمدين يستوثق بما عليه فلا يخاف أن يزاد فيه، والشاهد يستوثق بشهادته فإذا شك أو نسي رجع إلى الكتاب فتذكر واطمأن قلبه، ولذلك قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا  ﴾ ونفع الكتابة الأكبر يكون بعد الموت الشهيدين أو أحدهما فلا يصح في هذه الحال أن تضيع الحقوق ولا حافظ لها حينئذ إلا الكتابة يرجع إليها فيعمل بها.

واحتجاجهم على أن الشهادة هي الأصل في إثبات الحقوق وأن الكتابة ليست إلا مذكرة بها بأن الخط يتحمل فيه التزوير منقوض بأن احتمال وقوع التزوير في الشهادة أشد بل حصوله فيها بالفعل أكثر حتى أن النسبة بينهما تكاد تكون كنسبة الخمسة إلى الألف.

ثم إن في الشهادة احتمالات أخرى تسقطها عن مرتبة الكتابة كالنسيان والذهول.

ومن محاسن الأجوبة في هذا المقام ما وقع لأحد القضاة في الوجه القبلي إذ جاءه مدع يطالب آخر بدين له كتب في صك وختم بخاتم المدعي عليه فقال القاضي للمدعي عليه: إن هذا الصك لا يعمل به لأن الختم ليس بينة فلا بد من الشهود.

قال المدعي: من قال بهذا؟

قال القاضي الإمام أبو حنيفة.

قال المدعي: هل عندك شهود سمعت منهم ذلك؟

فبهت القاضي!

فالأشياء البديهية يلهم حكمها كل الناس.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد