الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٨-٢٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةالكلام متصل بما قبله ومرتبط به ارتباطًا محكمًا والخطاب للفاسقين الذين يضلون بالمثل فإنه وصفهم أولًا بنقض العهد الإلهي الموثق، وقطع ما أمر به سبحانه أن يوصل، سواء كان الأمر أمرَ تكوين وهو السنن الكونية، أو أمر تشريع وهو الديانة السماوية، ثم بعد هذا البيان جاء بهذا الاستفهام التعجبي عن صفة كفرهم مقترنًا بالبرهان الناصع على أنه لا وجه له، ولا شبهة تسوغ الإقامة عليه فقال ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ ؟
أي بأي صفة من صفات الكفر بالله تعالى تأخذون وعلى أية شبهة فيه تعتمدون، وحالكم في موتيكم وحياتيكم تأبى عليكم ذلك، ولا تدع لكم عذرًا فيه؟
وبين هذه الحال بقوله ﴿ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ أي والحال أنكم كنتم قبل هذه النشأة الأولى من حياتكم الدنيا أمواتًا منبثة أجزاؤكم في الأرض، بعضها في طبقتها الجامدة وبعضها في طبقتها السائلة وبعضها في طبقتها الغازية (الهوائية) لا فرق في ذلك بينها وبين أجزاء سائر الحيوان والنبات، فخلقكم أطوارًا من سلالة من طين، فكنتم بالطور الأخير في أحسن تقويم، وفضلكم على غيركم بما وهبكم من العقل والإدراك وما سخر لكم من الكائنات ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ يقبض الروح الحي الذي به نظام حياتكم هذه فتنحل أبدانكم بمفارقته إياها وتعود إلى أصلها الميت وتنبث في طبقات الأرض وتدغم في عوالمها، حتى ينعدم هذا الوجود الخاص به ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ حياة ثانية كما أحياكم بعد الموتة الأولى بلا فرق إلا ما تكون به الحياة الثانية أرقى في مرتبة الوجود وأكمل لمن يزكون أنفسهم في تلك، وأدنى منها وأسفل فيمن يدسونها ويفسدون فطرتها ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فينبئكم بما عملتم، ويحاسبكم على ما قدمتم، ويجازيكم به.
وأقول: إن تراخي الإرجاع إلى الله تعالى عن حياة البعث عبارة عن تأخير الحساب والجزاء وطول زمن الوقوف والانتظار كما ورد في حديث الشفاعة العظمى وغيره.
فإذا كان هذا شأنكم معه وهذا فضله عليكم، وهذا مبدأكم وذلك منتهاكم، فكيف تكفرون به وتنكرون عليه أن يضرب لكم مثلًا تهتدون به، ويبعث فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من قيام مصالحكم في حياتكم الأولى، وسعادتكم في حياتكم الأخرى؟
لا يقال كيف يحتج عليهم بالحياة الثانية قبل الإيمان بالوحي الذي هو دليلها ومثبتها، لأنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه الأكثرون منهم، ولا عبرة بالشذاذ المنكرين للبعث في هذا المقام، لأن الاحتجاج بالحياة الأولى بعد الموتة الأولى كاف للتعجب من كفرهم بالله وإنكارهم عليه أن يضرب مثلًا ما لهداية الناس زعمًا أن هذا لا يليق بعظمته، فإن من أوجد هذا الإنسان الكريم، وجعله في أحسن تقويم، وركب صورته من تلك الذرات الصغيرة، والنطفة المهينة الحقيرة، والعلقة الدموية أو الدودية، والمضغة اللحمية، ﴿ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .
والكلام مسوق لإبطال شبه منكري المثل والقرآن الذي جاء به، لا لإبطال شبه منكري البعث بلوامع شهبه، ثم عن تمثيل إحدى الحياتين بعد الموت بالأخرى داحض لحجة من يزعم عدم إمكان الثانية، لأن ما جاز في أحد المثلين جاز في الآخر، والكلام في إثبات الوحي الإلهي للنبي المرسل من البشر والإيمان بالبعث تابع له.
ثم بعد بيان بعض آياته في أنفسهم بذكر المبدأ والمنتهي ذكرهم بآياته في الآفاق فقال ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ ، فالكلام على اتصاله وترتيبه، وانتظام جواهره في سلك أسلوبه، فليس في قوله كيف تكفرون إلخ، انتقال لإثبات البعث كما قال بعض المفسرين غفلة عن هذا الاتصال المتين، ولعمري إن وجوه الاتصال بين الآيات، وما فيها من دقائق المناسبات، لهي ضرب من ضروب البلاغة، وفن من فنون الإعجاز، إذا أمكن للبشر الإشراف عليه، فلا يمكنهم البلوغ إليه، والكلام في البعث في القرآن كثير جدًا فلا حاجة إلى الإسراع إليه هنا.
يصور لنا قوله تعالى ﴿ خَلَقَ لَكُم ﴾ قدرته الكاملة، ونعمه الشاملة، وأي قدرة أكبر من قدرة الخالق؟
وأي نعمة أكمل من جعل كل ما في الأرض مهيئًا لنا، ومعدًا لمنافعنا؟
وللانتفاع بالأرض طريقان: (أحدهما): الانتفاع بأعيانها في الحياة الجسدية.
(وثانيهما): النظر والاعتبار بها في الحياة العقلية، والأرض هي ما في الجهة السفلى، أي ما تحت أرجلنا، كما أن المراد بالسماء كل ما في الجهة العليا أي فوق رؤوسنا، وإننا ننتفع فيه بعقولنا بالاستدلال به على قدرة مبدعه وحكمته.
والتعبير يفي بتناول ما في جوف الأرض من المعادن بالنص الصريح.
قال تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ ﴾ يقال استوى إلى الشيء إذا قصد إليه قصدًا مستويًا خاصًا به لا يلوي على غيره.
وقال الراغب: إذا تعدى استوى بإلى اقتضى الانتهاء إلى الشيء، إما بالذات وإما بالتدبير، والمراد أن إرادته توجهت إلى مادة السماء كما قال في سورة فصلت ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ ﴾ إلخ ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ فأتم خلقهن من تلك المادة الدخانية، فجعلهن سبع سموات تامات منتظمات الخلق.
وهذا الترتيب يوافق ما كان معروفًا عند اليهود عن سيدنا موسى من أن الله تعالى خلف الأرض أولًا، ثم خلق السموات والنور، ولا مانع من الأخذ بظاهر الآية، فإن الخلق غير التسوية، ألا ترى أن الإنسان في طور النطفة والعلقة يكون مخلوقًا ولكنه لا يكون بشرًا سويًا في أحسن تقويم كما يكون عند إنشائه خلقًا آخر، وسنبين إن شاء الله تعالى عند تفسير قوله تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ أن العالم كان شيئًا واحدًا ثم فصله الله تعالى بالخلق تفصيلًا، وقدره تقديرًا، فلا مانع إذن من أن يكون خلق الأرض وما فيها سابقًا على تسوية السماء سبعًا، نعم إن هذا من أسرار الخلقة التي لا نعرفها وربما يتوهم أن هذه الآية تناقض أو تخالف قوله تعالى بعد ذكر خلق السماء وأنوارها ﴿ والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ والجواب عنه من وجهين: أحدهما-أن البعدية ليست بعدية الزمان ولكنها البعدية في الذكر، وهي معروفة في كلام العرب وغيرهم، فلا بعد في أن نقول فعلت كذا لفلان وأحسنت عليه بكذا وبعد ذلك ساعدته في عمل كذا كما تقول وزيادة على ذلك ساعدته في عمله، تريد نوعًا آخر من أنواع الإحسان من غير ملاحظة التأخر في الزمان.
ثانيهما-أن الذي كان بعد خلق السماء هو دحو الأرض أي جعلها ممهدة مدحوة قابلة للسكنى والاستعمار لا مجرد خلقها وتقدير أقواتها فيها، وخلق الله وتقديره لم ينقطع من الأرض ولا ينقطع منها ما دامت، وكذلك يقال في غيرها.
وحاصل القول إن الله تعالى خلق هذه الأرض وهذه السماوات التي فوقنا بالتدريج، وما أشهدنا خلقهن، وإنما ذكر لنا ما ذكره للاستدلال على قدرته وحكمته، وللامتنان علينا بنعمته، لا لبيان تاريخ تكوينهما بالترتيب، لأن هذا ليس من مقاصد الدين، فابتداء الخلق غير معروف، ولا ترتيبه، إلا أن تسوية السماء سبع سماوات يظهر أنه كان بعد تكوين الأرض، ويظهر أن السماء كانت موجودة إلا أنها لم تكن سبعًا، ولذلك ذكر الاستواء إليها وقال ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ فنؤمن بأنه فعل ذلك لحكم يعلمها، وقد عرض علينا ذلك لنتدبر ونتفكر، فمن أراد أن يزداد علمًا فليطلبه من البحث في الكون، وعليه بدراسة ما كتب الباحثون فيه من قبل، وما اكتشف المكتشفون من شؤونه، وليأخذ من ذلك بما قام عليه الدليل الصحيح لا بما يتخرص به المتخرصون ويخترعونه من الأوهام والظنون، وحسبه أن الكتاب أرشده إلى ذلك وأباحه له.
هذه الإباحة للنظر والبحث في الكون، بل هذا الإرشاد إليها بالصيغ التي تبعث الهمم وتشوق النفوس ككون كل ما في الأرض مخلوقًا لنا محبوسًا على منافعنا هو مما امتاز به الإسلام في ترقية الإنسان، فقد خاطبنا القرآن بهذا على أن أهل الكتاب كانوا متفقين في تقاليدهم وسيرتهم العملية على أن العقل والدين ضدان لا يجتمعان، والعلم والدين خصمان لا يتفقان، وأن جميع ما يستنتجه العقل خارجًا عن نص الكتاب فهو باطل.
ولذلك جاء القرآن يلح أشد الإلحاح بالنظر العقلي، والتفكر والتدبر والتذكر، فلا تقرأ منه قليلًا إلا وتراه يعرض عليك الأكوان ويأمرك بالنظر فيها واستخراج أسرارها واستجلاء حكم اتفاقها واختلافها ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ﴾ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ ﴿ أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدًا.
وإكثار القرآن من شيء دليل على تعظيم شأنه ووجوب الاهتمام به، ومن فوائد الحث على النظر في الخليقة للوقوف على أسرارها بقدر الطاقة، واستخراج علومها لترقية النوع الإنساني الذي خلقت هي لأجله- مقاومة تلك التقاليد الفاسدة التي كان عليها أهل الكتاب فأودت بهم وحرمتهم من الانتفاع بما أمر الله الناس أن ينتفعوا به.
كانت أوروبا المسيحية في غمرة من الجهل، وظلمات من الفتن، تسيل الدماء فيها أنهارًا لأجل الدين، وباسم الدين وللإكراه على الدين، ثم فاض طوفان تعصبها على المشرق ورجعت بعد الحروب الصليبية تحمل قبسًا من دين الإسلام وعلوم أهله، فظهر فيهم بعد ذلك قوم قالوا: إن لنا الحق في أن نتفكر، وأن نعلم أو نستدل، فحاربهم الدين ورجاله حربًا عوانًا انتهت بظفر العلم ورجاله بالدين ورجاله، وبعد غسل الدماء المسفوكة قام منذ مائتي سنة إلى اليوم رجال منهم يسمون هذه المدنية القائمة على دعائم العلم: المدنية المسيحية، ويقولون بوجوب محق سائر الأديان ومحوها بعد انهزامها من أمام الدين المسيحي لأنها لا تتفق مع العلم وفي مقدمتها الدين الإسلامي، وحجتهم على ذلك حال المسلمين، نعم إن المسلمين أصبحوا وراء الأمم كلها في العلم حتى سقطوا في جاهلية أشد جهلًا من الجاهلية الأولى، فجهلوا الأرض التي هم عليها، وضعفوا عن استخراج منافعها، فجاء الأجنبي يتخطفها من بين أيديهم وهم ينظرون وكتابهم قائم على صراطه يصيح بهم ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ .
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الآية وأمثال ذلك ولكنهم ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ..
إلا من رحم الله، ولو عقلوا لعادوا، ولو عادوا لاستفادوا، وبلغوا ما أرادوا، وها نحن أولاء نذكرهم بكلام الله لعلهم يرجعون، ولا نيأس من روح الله ﴿ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾ .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ أي فهو المحيط بكيفية التكوين وحكمته، وبما ينفع الناس بيانه، وإذا كان العاقل يدرك أن هذا النظام المحكم لا يكون إلا من عليم حكيم فكيف يصح له أن ينكر عليه أن يرسل من يشاء من خلقه لهداية من شاء من عباده؟
فهذا الآخر يتصل بأول الآية في تقرير رسالة النبي وإبطال شبه الذين أنكروا أن يكون البشر رسولًا، والذين أنكروا أن يكون من العرب رسول، لأن قصارى ذلك كله اعتراض الجاهلين، على من هو بكل شيء عليم.
<div class="verse-tafsir"