تفسير سورة البقرة الآيات ٣٥-٣٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآيات ٣٥-٣٧

وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٣٥ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ ٣٦ فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍۢ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 16 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

مجمل الآيات السابقة أن هذا العالم لما استعد لوجود هذا النوع الإنساني واقتضت الحكمة الإلهية إيجاده واستخلافه في الأرض، آذن الله تعالى الأرواح المنبثة في الأشياء لتدبيرها ونظامها بذلك، وأن تلك الأرواح فهمت من معنى كون الإنسان خليفة أنه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى أعلمها الله تعالى بأن علمها لم يحط بمواقع حكمته، ولا يصل إلى حيث يصل علمه تعالى.

ثم أوجد آدم وفضله بتعليمه الأسماء كلها، على أن کل صنف من تلك الأرواح لا يعلم إلا طائفة منها، ولذلك أخضع له تلك الأرواح إلا روحًا واحدًا هو مبعث الشر ومصدر الإغواء فقد أبى الخضوع، واستكبر عن السجود، لما كان في طبيعته من الاستعداد لذلك، والاستعداد في الشيء إنما يظهر بظهور متعلقة، فلا يقال: إذا كان لكل روح من هذه الأرواح والقوى الغيبية علم محدود فكيف ظهر من الروح الإبليسي ما لم يسبق له وهو مخالفة الأمر بالسجود لآدم والتصدي لإغوائه؟

لا يقال ذلك لأنه كان مستعدًا لهذا العصيان والإباء فلما أمر عصى، ولا وجد خلقًا مستعدًا للوسوسة اتصل به ووسوس إليه، كما أن ألوان ورق الشجر والزهور موجود كامنة في البذرة ولكنها لا تظهر إلا عند الاستعداد لها ببلوغ الطور المحدود من النمو.

ومجمل الآيات اللاحقة أن الله تعالى أمر آدم وزوجه بسكنى الجنة والتمتع بها، ونهاهما عن الأكل من شجرة مخصوصة وأخبرهما أن قربها ظلم، وأن الشيطان أزلهما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم إلى ضده، ثم إن آدم تاب إلى الله من معصيته فقبله، ثم جعل سعادة هذا النوع باتباع هدى الله وشقاءه بتركه.

وقد تقدم أن الآيات كلها قد سيقت للاعتبار ببيان الفطرة الإلهية التي فطر عليها الملائكة والبشر، وتسلية النبي  عما يلاقي من الإنكار، وتقدم وجه ذلك في الآيات السابقة، وأما وجهه في هذه الآيات فظاهر وهو أن المعصية من شأن البشر، كأنه يقول: فلا تأس يا محمد على القوم الكافرين ولا تبخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا، فقد كان الضعف في طباعهم ينتهي إليهم من أول سلف لهم، تغلب عليهم الوساوس وتذهب بصبرهم الدسائس، انظر ما وقع لآدم وما كان منه، وسنة الله مع ذلك لا تتبدل، فقد عوقب آدم علی خطيئته بإهباطه مما كان فيه ، وإن کان قد قبل توبته، و غفر هفوته، فالمعصية دائمًا مجلبة الشقاء، وقد استقر أمر البشر على أن سعادتهم في اتباع الهداية الإلهية وشقاءهم في الانحراف عن سبلها.

وأما تفسير هذه الآيات فقد أختلف علماء من أهل السنة وغيرهم في "الجنة" هل هي البستان أو المكان الذي تظلله الأشجار بحيث يستتر الداخل فيه كما يفهمه أهل اللغة، أم هي الدار الموعود بها في الآخرة؟

والمحققون من أهل السنة على الأول .

قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى بالتأويلات: نعتقد أن هذه الجنة بستان من البساتين أو غيضة من الغياض كان آدم وزوجه منعمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السلف ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السنة وغيرهم.

وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة وهي: أن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليقة فيها فالخلافة مقصودة منهم بالذات فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة.

أنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم.

أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون فكيف دخلها الشيطان الكافر الملعون.

أنها ليست محلًا للتكليف.

أنه لا يمنع من فيها من التمتع بما يريد منها.

أنه لا يقع فيها العصيان.

وبالجملة إن الأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم، ومنه كون عطائها غير مجذوذ ولا مقطوع وغير ذلك.

قال تعالى ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ ولم يقل (ادخل) ولو انتقل من الأرض التي خلق فيها إلى الجنة لقال هذا أو ما بمعناه مما يشير إلى الانتقال، فقوله ﴿ اسْكُنْ  ﴾ يشير إلى أن الخلقة كانت في تلك الجنة أو بالقرب منها، وقوله ﴿ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا  ﴾ إباحة للتمتع بتلك الجنة والتنعم بما فيها أي كلا منها أَكلًا رغدًا واسعًا هنيئًا من أي مكان منها إلا شيئًا واحدًا نهاهما عنه بقوله ﴿ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ  ﴾ لأنفسكما بالوقوع فيما يترتب على الأكل منها، ولم يعين الله تعالى لنا هذه الشجرة فلا نقول في تعيينها شيئًا، وإنما نعلم أن ذلك لحكمة اقتضته، ولعل في خاصية تلك الشجرة ما هو سبب خروجهما من حال إلى حال، وربما كان في الأكل منها ضرر، أو كان النهي ابتلاء وامتحانًا منه تعالى ليظهر به ما في استعداد الإنسان من الميل إلى الإشراف على كل شيء واختباره، وإن كان في ذلك معصية يترتب عليها ضرر.

قال تعالى ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا  ﴾ أي حولها وزحزحهما عن الجنة، أو حملهما على الزلة بسبب الشجرة وقرأ حمزة (فأزالهما) والشيطان إبليس الذي لم يسجد ولم يخضع وقد وسوس لهما بما ذكر في سورتي الأعراف وطه حتى أوقعهما في الزلل وحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ أي من ذلك المكان أو النعيم الذي كانا فيه فكان الذنب متصلًا بالعقوبة اتصال السبب بالمسبب ثم بين الله تعالى كيفية الإخراج بقوله ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا  ﴾ ، يعني آدم وزوجه وإبليس فلا حاجة لتقدير إرادة ذرية آدم بالجمع كما فعل مفسرنا (الجلال)، فإن العداوة في قوله  ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  ﴾ تنافي هذا التقدير فإن العداوة بين الإنسان والشيطان لا بين الإنسان وذريته.

والأصل في الهبوط أن يكون من مكان عالٍ إلى أسفل منه، ولذلك احتج به من قال إن آدم كان في السماء، وقد يستعمل في مطلق الانتقال أو مع اعتبار العلو والسفل في المعنى، وقال الراغب: الهبوط الانحدار على سبيل القهر ولا يبعد أن تكون تلك الجنة في ربوة فسمي الخروج منها هبوطًا أو سمي بذلك لأن ما انتقلوا إليه دون ما كانوا فيه أو هو كما يقال هبط من بلد إلى بلد كقوله تعالى لبني إسرائيل ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  ﴾ أي أن استقراركم في الأرض وتمتعكم فيها ينتهيان إلى زمن محدود وليسا بدائمين ففي الكلام فائدتان: إحداهما- أن الأرض ممهدة ومهيأة للمعيشة فيها والتمتع بها.

والثانية - أن طبيعة الحياة فيها تنافي الخلود والدوام، فليس الهبوط لأجل الإبادة ومحو الآثار، وليس للخلود كما زعم إبليس بوسوسته إذ سمى الشجرة المنهي عنها (شجرة الخلد وملك لا يبلى) يعني أن الله أخرجهم من جنة الراحة إلى أرض العمل لا ليفنيهم، وعبر عن ذلك بالاستقرار في الأرض، ولا ليعاقبهم بالحرمان من التمتع بخيرات الأرض، وعبر عن ذلك بالمتاع، ولا ليمتعهم بالخلود وعبر عن ذلك بكون الاستقرار والمتاع إلى حين.

ثم قال ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ  ﴾ أي ألهمه الله إياها فأناب إليه بها وهي كما في سورة الأعراف ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ  ﴾ تاب آدم بذلك وأناب إلى ربه ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي قبل توبته، وعاد عليه بفضله ورحمته، وبين سبب ذلك بأنه تعالى هو التواب أي الذي يقبل التوبة كثيرًا فمهما يذنب العبد ويندم ويتب يتب الرب عليه، وبأنه هو الرحيم بعباده مهما يسيء أحدهم بما هو سبب لغضبه تعالى ويرجع إليه فإنه يحفه برحمته.

وكل ما ورد في هبوط آدم وحواء من تعيين الأمكنة فهو من الإسرائيليات الباطلة .

وأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ وفي سورة الأعراف ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا  ﴾ فقد قال غير واحد من المفسرين إن المعنى من جنسها كما قال في سورة الروم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ فإن المعنى هناك على أنه خلق أزواجًا من جنسنا ولا يصح أن يراد أنه خلق كل زوجة من بدن زوجها كما هو ظاهر، فليس في القرآن نص يلزمنا حمل قوله تعالى ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا  ﴾ على ذلك، لأجل مطابقة سفر التكوين، فإن القصة لم ترد في القرآن كما وردت في التوراة التي في أيدي أهل الكتاب حكاية تاريخية، وإنما جاء القرآن بموضع العبرة فی خلق آدم واستعداد الكون لأن يتكمل به، و كونه قد أعطي استعدادًا في العلم والعمل لا نهاية لهما، ليظهر حكم الله ويقيم سننه في الأرض فيكون خليفة له، وكونه لا يسلم من داعية الشر والتأثر بالوسوسة التي تحمل على المعصية، ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين، وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة لا غير، لذلك لم يبين الزمان والمكان كما جاء في سفر التكوين، وكان سببًا لرفض الباحثين في الكون وتاريخ الخليقة دين النصرانية، لأن العلم المبني على الاختبار والمشاهدة أظهر خطأ ما جاء من التاريخ في التوراة، ووجدت للإنسان آثار في الأرض تدل على أنه أقدم مما حددته التوراة في تاريخ تكوينه، فقام فريق من أهل الكتاب يركب التعاسيف في التأويل، وفريق يكفر بالكتاب والتنزيل.

وأما مسألة عصمة آدم فالجري على طريقة السلف يذهب بنا إلى أن العصيان والتوبة من المتشابه كسائر ما ورد في القصة مما لا يركن العقل إلى ظاهره، ولنا أن نقول إن تلك مخالفة صدرت منه قبل أن يدركه عزم النبوة كما قال جل شأنه ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا  ﴾ ، إنما هو على العصمة عن مخالفة الأوامر بعد النبوة.

وقد يكون الذي وقع من آدم نسيانًا، فسمي تفخيمًا لأمره، عصيانًا، والنسيان والسهو مما لا ينافي العصمة، فإن جعلنا الكلام كله تمثيلًا فحديث الإخلال بالعصمة مما لا يمر بذهن العاقل.

وأما تفسير الآيات على طريق الخلف في التمثيل فيقال فيه: إن القرآن كثيرًا ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب، أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان، والتأثير، فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني، كقوله تعالى ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ  ﴾ فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه، وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا، ونحوه قوله  بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ والمعنى في التمثيل الظاهر.

وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب، هكذا: إن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض.

وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطى استعدادًا في العلم والعمل لا حد لهما هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافي خلافته في الأرض.

وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه به في استعمارها.

وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودًا لا يتعدى وظيفته.

وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم، والتعدي والإفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري.

هذا ملخص ما تقدم في سابق آيات القصة.

وأما التمثيل فيما نحن فيه منها فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرأى ومأكول ومشروب ومشموم ومسموع، في ظل ظليل، وهواء عليل، وماء سلسبيل، كما قال تعالى في القصة من سورة طه ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى  وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى  ﴾ ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإنسان كما يطلق اسم أبي القبيلة الأكبر على القبيلة فيقال كلب فعلت كذا ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.

ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة وفسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة وفسرت بكلمة الكفر.

وفي الحديث تشبيه المزمن بشجرة النخل، ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإلهي قسمان: أمر تكوين وأمر تكليف، والتكوين هو المراد بقوله تعالى ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ .

والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا  ﴾ .

فأولها طور الطفولية: وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائمًا في جنة ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ  ﴾ وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورًا وإناثًا هكذا -وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير- والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وإن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني وهو طور التمييز هما المراد بقوله تعالى ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ ووسوسة الشيطان وإزلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوي فيها داعية الشر، أي أن إلهام التقوى والخير أقوى في قطرة الإنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه - والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري.

وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق والتجائه إليه في الشدة.

وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء، بعد ذلك الاعتبار والالتجاء، وذكر توبة الله على الإنسان ترد ما عليه النصارى من اعتقاد أن الله تعالى قد سجل معصية آدم عليه وعلى بنيه إلى أن يأتي عيسى ويخلصهم منها وهو اعتقاد تنبذه القطرة ويرده الوحي المحكم المتواتر.

فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة: طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فالإنسان في أفراده مثال للإنسان في مجموعه.

كان تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتداء ساذجًا سليم الفطرة، قويم الوجهة، مقتصرًا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونًا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.

ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلًا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائمًا في نفوس سائرهم فثار النزاع، وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني وهو معروف في تاريخ الأمم.

ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر، ووزن الحرير والشر بميزان النظر والفكر، وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات، ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله.

وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار، وهو منتهى الكيل وأعني به طور الدين الإلهي والوحي السماوي الذي به كمال البداية الإنسانية، وبيانه في قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد