تفسير سورة النساء الآيات ١٣-١٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ١٣-١٤

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٣ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الإشارة في قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ  ﴾ تتناول الأحكام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى ما قبل هذه الآية أي أنه تعالى جعل تلك الأحكام حدودًا لأعمال المكلفين ينتهون منها إليها ولا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتعدوها، وهكذا جميع أحكامه في المأمورات والمنهيات وكذا المباحات فإن لها حدودًا إذا تجاوزها المكلف وقع في المحظور فقد قال  : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  ﴾ : طاعة الرسول هي طاعة الله بعينها لأنه إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله من مصالحنا التي فيها سعادتنا في الدنيا والآخرة، وإنما يذكر طاعة الرسول مع طاعة الله لأن من الناس من كانوا يعتقدون قبل اليهودية وبعدها وكذلك بعد الإسلام إلى اليوم، أن الإنسان يمكن أن يستغني بعقله وعلمه عن الوحي، يقول أحدهم: إنني أعتقد أن للعالم صانعًا عليمًا حكيمًا، وأعمل بعد ذلك بما يصل إليه عقلي من الخير واجتناب الشر.

وهذا خطأ من الإنسان، ولو صح ذلك لما كان في حاجة إلى الرسل، وقد تقدم في تفسير سورة الفاتحة أن الإنسان محتاج بطبيعته النوعية إلى هداية الدين، وأنها هي الهداية الرابعة التي وهبها الله للإنسان بعد هداية الحواس والوجدان والعقل، فلم يكن العقل في عصر من عصوره كافيًا لهداية أمة من أممه ومرقيًا له بدون معونة الدين.

﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا  ﴾ إن في ذكر أهل الجنة بلفظ الجمع إشارة إلى تمتعهم بالاجتماع، وأنس بعضهم ببعض، والمنعم يسره أن يكون مع غيره، قال المعري الحكيم: ولو أني حبيت الخلد وحدي لما أحببت بالخلد انفرادا وأما من قذفه عصيانه لله ولرسوله في النار فإن له من العذاب ما يمنعه عن الأنس بغيره فهو وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسًا، فلما كان لا يتمتع بمنفعة من منافع الاجتماع كان كأنه وحيد والتعبير بلفظ "خالدًا" يشير إلى ذلك.

ذهب بعض المختلفين إلى أن تعدي حدود الله تعالى هنا يراد به جميع الحدود لا جنسها، ومن تعدى حدود الله كلها ولم يقف عند شيء منها فهو كافر خالد في النار.

وقال بعضهم إن التعدي يصدق بالبعض وهو يكون من الكفر وجحود الحكم بعدم الإذعان له.

والجحود إما صريح وإما غير صريح ولكنه حقيقي وإن لم يصرح به صاحبه، فإن أخذ شيء من حق إنسان وإعطاءه لآخر لا يكون إلا من إنكار حكم الله في تحريم ذلك أو الشك فيه، وإن الحاكم إذا ثبتت عنده السرقة فحبس السارق ولم يقطع يده كان منكرًا للحد الذي أوجب الله معاقبة السارق به، أو مستقبحًا له وكلاهما من الكفر وإن لم يصرح به صاحبه.

وإذا تأملتم في هذا الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة تجدونه لفظيًا فإن الكلام في المصير على الذنب مع العلم بأنه ذنب، لأنه تعالى قال في الناجين المسارعين إلى الجنة: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ فإن من يعمل الذنب ولا يخطر في باله عند ارتكابه أنه منهي عنه لا يعد مُصِرًا عالمًا، وقد بينا من قبل أن للمذنب حالتين، وإننا نعيد ذلك ولا نزال نلح في تقريره إلى أن نموت: الحالة الأولى: غلبة الباعث النفسي من الشهوة أو الغضب على الإنسان حتى يغيب عن ذهنه الأمر الإلهي فيقع في الذنب وقلبه غائب عن الوعيد غير متذكر للنهي، وإذا تذكره يكون ضعيفًا كنور ضئيل يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب ثم لا يلبث أن يزول أو يختفي، فإذا سكنت شهوته أو سكت عنه غضبه وتذكر النهي والوعيد ندم وتاب، ووقع من نفسه في أشد اللوم والعتاب، وذلك ضرب من ضروب العقاب، وصاحبه جدير بالنجاة في يوم المآب.

الحالة الثانية: أن يقدم المرء على الذنب جريئًا عليه، متعمدًا ارتكابه، عالمًا بتحريمه، مؤثرا له على الطاعة بتركه لا يصرفه عنه تذكر النهي والوعيد عليه، فهذا هو الذي قد أحاطت به خطيئته حتى آثر طاعة شهوته على طاعة الله ورسوله فصدق عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ  ﴾ .

ربما يقول قائل: إننا نرى كثيرًا من أفراد هذا الصنف مع تلبسهم بهذه الحالة يطمعون في عفو الله ومغفرته وذلك دليل الإيمان المنجي.

والجواب عن هذا: أن من يصر على معصيته تعالى عامدًا عالمًا بنهيه ووعيده لا يكون مؤمنًا بصدق خبره، ولا مذعنًا لشرعه الذي تنال رحمته ورضاه بالتزامه، وعذابه وبأسه باعتداء حدوده، فيكون إذا مستهزءًا به، فالإصرار على العصيان مع عدم استشعاره الخوف والندم لا يجتمع مع الإيمان الصحيح بعظمة الله وصدقه دي وعده ووعيده، وبهذا الذي قررته يكون الخلاف لفظيًا لا حقيقيًا.

﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ  ﴾ أراد الله تعالى بالعذاب المهين عذاب الروح بالإهانة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله