الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٣ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي : هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه ، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها; ولهذا قال : ( ومن يطع الله ورسوله ) أي : فيها ، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضا بحيلة ووسيلة ، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ( يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم.
القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " تلك حدود الله ".
فقال بعضهم: يعني به: تلك شروط الله.
(41) *ذكر من قال ذلك: 8790 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا &; 8-69 &; أسباط، عن السدي: " تلك حدود الله "، يقول: شروط الله.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك طاعة الله.
* ذكر من قال ذلك: 8791 - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " تلك حدود الله "، يعني: طاعة الله، يعني المواريث التي سمَّى الله.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: تلك سنة الله وأمره.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك فرائض الله.
* * * وقال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما نحن مبيِّنوه، وهو أن " حدّ" كل شيء: ما فصَل بينه وبين غيره، ولذلك قيل لحدود الدار وحدود الأرضين: " حدود "، لفصلها بين ما حُدَّ بها وبين غيره.
(42) فكذلك قوله: " تلك حدود الله "، معناه: هذه القسمة التي قسمها لكم ربكم، والفرائض التي فرضها لأحيائكم من موتاكم في هذه الآية على ما فرض وبيَّن في هاتين الآيتين،" حدود الله "، يعني: فصول ما بين طاعة الله ومعصيته في قسمكم مواريث موتاكم، كما قال ابن عباس.
(43) وإنما ترك " طاعة الله "، (44) والمعنى بذلك: حدود طاعة الله، اكتفاء بمعرفة المخاطبين بذلك بمعنى الكلام من ذكرها.
والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قوله: " ومن يطع الله ورسوله "، والآية التي بعدها: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
(45) * * * فتأويل الآية إذًا: هذه القسمة التي قسم بينكم، أيها الناس، عليها ربكم مواريثَ موتاكم، فصولٌ فصَل بها لكم بين طاعته ومعصيته، وحدود لكم تنتهون إليها فلا تتعدَّوها، ليعلم منكم أهلَ طاعته من أهل معصيته، (46) فيما أمركم به من قسمة مواريث موتاكم بينكم، وفيما نهاكم عنه منها.
ثم أخبر جل ثناؤه عما أعدَّ لكل فريق منهم فقال لفريق أهل طاعته في ذلك: " ومن يطع الله ورسوله " في العمل بما أمره به، والانتهاء إلى ما حدَّه له في قسمة المواريث وغيرها، ويجتنبْ ما نهاه عنه في ذلك وغيره =" يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ".
* * * = فقوله: " يدخله جنات "، يعني: بساتين تجري من تحت غروسها وأشجارها الأنهار =" خالدين فيها "، يقول: باقين فيها أبدًا لا يموتون فيها ولا يفنون، ولا يُخْرجون منها = (47) " وذلك الفوز العظيم ".
يقول: وإدخال الله إياهم الجنانَ التي وصفها على ما وصف من ذلك " الفوز العظيم "، يعني: الفَلَح العظيم.
(48) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 8792 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله " الآية، قال: في شأن المواريث التي ذكر قبل.
8793 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " تلك حدود الله "، التي حدَّ لخلقه، وفرائضه بينهم من الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدَّوها إلى غيرها.
------------------------------ الهوامش : (41) انظر تفسير"الحدود" فيما سلف 3: 546 ، 547 / 4: 564 ، 565 ، 583 - 585 ، 599 ، وفي هذا الموضع تفصيل لم يسبق مثله فيما سلف ، وهو تفصيل في غاية الجودة والدقة.
(42) في المخطوطة والمطبوعة: "لفصولها بين ما حد بها وبين غيره" كأن"الفصول" مصدر"فصل بين الشيئين يفصل" ، ولكن أهل اللغة لم يجعلوا ذلك مصدرًا لهذا المعنى ، بل قالوا مصدره"الفصل".
أما "الفصول" فهو مصدر"فصل فلان من عندي" إذا خرج.
والذي قاله أصحاب اللغة هو الصواب المحض.
وأنا أرجح أن الناسخ أسقط من الكلام شيئًا ، وأن أصل عبارة الطبري: "ولذلك قيل لحدود الدار وحدود الأرضين حدود - وهي فصولها ، لفصلها..." ، و"الفصول" هنا ، وكما ستأتي في عبارته بعد ، جمع"فصل" (بفتح فسكون) ، وهو مثل"الحد" ، وهو الحاجز بين الشيئين.
(43) يعني في الأثر رقم: 8791.
(44) هكذا في المخطوطة والمطبوعة: "طاعة الله" ، وإنما المتروك"طاعة" وحدها: فكنت أوثر أن يكون الكلامْ: "وإنما ترك - طاعة - والمعنى بذلك...".
(45) في المطبوعة والمخطوطة: "الآية التي بعدها" بإسقاط واو العطف ، وهو فساد ، والصواب إثباتها.
وهذه حجة ظاهرة مبينة في تفسير معنى"حدود الله" ، ورحم الله أبا جعفر وجزاه خيرًا عن كتابه.
(46) في المطبوعة: "وفصل منكم أهل طاعته من أهل معصيته" ، لم يحسن قراءة ما كان في المخطوطة فبدله ، وكان فيها: "لسلم منكم أهل طاعته" كأنها رؤوس"سين" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
(47) انظر تفسير"الجنات" ، و"الخلود" فيما سلف من فهارس اللغة.
(48) انظر تفسير"الفوز" فيما سلف: 7: 452: 472.
وقوله"الفلح" (بفتح الفاء واللام معًا).
و"الفلح": و"الفلاح": الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير.
قوله : تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيمقوله تعالى : تلك حدود الله وتلك بمعنى هذه ، أي هذه أحكام الله قد بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها .ومن يطع الله ورسوله في قسمة المواريث فيقر بها ويعمل بها كما أمره الله تعالى يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار جملة في موضع نصب على النعت لجنات
أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها، وفي ذلك دليل على أن الوصية للوارث منسوخة بتقديره تعالى أنصباء الوارثين.
ثم قوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } فالوصية للوارث بزيادة على حقه يدخل في هذا التعدي، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" ثم ذكر طاعة الله ورسوله ومعصيتهما عموما ليدخل في العموم لزوم حدوده في الفرائض أو ترك ذلك فقال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها واجتناب نهيهما الذي أعظمُه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } فمن أدى الأوامر واجتنب النواهي فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار.
{ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون.
( تلك حدود الله ) يعني : ما ذكر من الفروض المحدودة ، ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم )
«تلك» الأحكام المذكورة من أمر اليتامى وما بعده «حدود الله» شرائعه التي حدَّها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها «ومن يطع الله ورسوله» فيما حكم به «يدخله» بالياء والنون التفاتا «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم».
تلك الأحكام الإلهية التي شرعها الله في اليتامى والنساء والمواريث، شرائعه الدالة على أنها مِن عند الله العليم الحكيم.
ومَن يطع الله ورسوله فيما شرع لعباده من هذه الأحكام وغيرها، يدخله جنات كثيرة الأشجار والقصور، تجري من تحتها الأنهار بمياهها العذبة، وهم باقون في هذا النعيم، لا يخرجون منه، وذلك الثواب هو الفلاح العظيم.
ثم أكد - سبحانه - وجوب الانقياد لأحكامه ، وبشر المطيعين بحسن الثواب .
وأنذر العصاة بسوء العقاب فقال : ( تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وذلك الفوز العظيم ) .واسم الإِشارة ( تِلْكَ ) يعود إلى الأحكام المذكورة فى شأن المواريث وغيرها .
والمعنى : تلك الأحكام التى ذكرها - سبحانه - عن المواريث وغيرها ( حُدُودُ الله ) أى شرائعه وتكاليفه التى شرعها لعباده .والحدود جمع حد .
وحد الشئ طرفه الذى يمتاز به عن غيره .
ومنه حدود البيت أى أطرافه التى تميزه عن بقية البيوت .والمراد بحدود الله هنا الشرائع التى شرعها - سبحانه - لعباده بحيث لا يجوز لهم تجاوزها ومخالفتها .وقد أطلق - سبحانه - على هذه الشرائع كلمة الحدود على سبيل المجاز لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها .ثم قال - تعالى - ( وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ) أى فيما أمر به من الأحكام ، وفيما شرعه من شرائع تتعلق بالمواريث وغيرها .( يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) أى تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار ( خَالِدِينَ فِيهَا ) أى باقين فيها لا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها وقوله ( وذلك الفوز العظيم ) أى وذلك المذكور من دخول الجنة الخالدة الباقية بمن فيها هو الفوز العظيم ، والفلاح الذى ليس بعده فلاح .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيبا في الطاعة وترهيبا عن المعصية فقال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: ان قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ماذا؟
فيه قولان: الأول: أنه إشارة إلى أحوال المواريث.
القول الثاني: أنه إشارة الى كل ما ذكره من أول السورة الى هاهنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم، حجة القول الأول أن الضمير يعود الى أقرب المذكورات، وحجة القول الثاني أن عوده الى الأقرب اذا لم يمنع من عوده الى الأبعد مانع يوجب عوده الى الكل.
البحث الثاني: أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره، ومنه حدود الدار، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حداً له، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه، وغيره هو كل ما سواه.
المسألة الثانية: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة، وقال المحققون: بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل.
أقصى ما في الباب ان هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص، ثم يقول: احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور، فكذا هاهنا والله أعلم.
المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن عامر: (ندخله جنات) (ندخله نارا) بالنون في الحرفين، والباقون بالياء.
أما الأول: فعلى طريقة الالتفات كما في قوله: ﴿ بَلِ الله مولاكم ﴾ ثم قال: ﴿ سَنُلْقِى ﴾ بالنون.
وأما الثاني: فوجهه ظاهر.
المسألة الرابعة: هاهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ يُدْخِلْهُ جنات ﴾ إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد ذلك ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما؟
الجواب: أن كلمة (من) في قوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله ﴾ مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان.
المسألة الخامسة: انتصب خالدين وخالدا على الحال من الهاء في ندخله والتقدير: ندخله خالدا في النار.
المسألة السادسة: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار.
وذلك لأن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث، أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد، وعلى ان الوعيد مخلد، ولا يقال: هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.
فانه هو الذي تعدى جميع حدود الله، فانا نقول: هذا مدفوع من وجهين: الأول: انا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية، فتعدي جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة، فعلمنا ان المراد منه أي حد كان من حدود الله.
الثاني: هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث، فيكون المراد من قوله: ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات.
وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال.
هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة.
ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول: أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على انه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو، فان بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو، ثم نقول: هذا العموم مخصوص بالكافر، ويدل عليه وجهان: الأول: انا إذا قلنا لكم: ما الدليل على أن كلمة (من) في معرض الشرط تفيد العموم؟
قلتم: الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول: ان صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ مختص بالكافر: لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال: ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر، والا في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر، وقوله: الاتيان بجميع المعاصي محال لأن الاتيان باليهودية والنصرانية معا محال، فنقول: ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوي ما ذكرناه.
الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر: أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب، وقوله: ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار، وهو خلاف الأصل، فوجب حمله على الكفر، وقوله: بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا: هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام، لأن التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه يتركها، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه، فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه الآية من قسمة المواريث، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث، وأما بقية الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث.
وسماها حدوداً، لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين، لا يجوز لهم أن يتجاوزها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ قرئ بالياء والنون، وكذلك ﴿ يُدْخِلْهُ نَاراً ﴾ وقيل: يدخله، وخالدين حملاً على لفظ (من) ومعناه.
وانتصب خالدين وخالداً على الحال.
فإن قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين لجنات وناراً؟
قلت: لا، لأنهما جريا على غير من هما له.
فلا بدّ من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها.
وخالداً هو فيها.
<div class="verse-tafsir"
تِلْكَ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ الَّتِي قُدِّمَتْ في أمْرِ اليَتامى والوَصايا والمَوارِيثِ.
حُدُودُ اللَّهِ شَرائِعُهُ الَّتِي هي كالحُدُودِ المَحْدُودَةِ الَّتِي لا يَجُوزُ مُجاوَزَتُها.
ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ.
وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في يُدْخِلُهُ، وجَمْعُ خالِدِينَ لِلَّفْظِ والمَعْنى.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ نُدْخِلُهُ بِالنُّونِ وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا، وكَذَلِكَ خالِدًا ولَيْسَتا صِفَتَيْنِ لِجَنّاتٍ ونارًا وإلّا لَوَجَبَ إبْرازُ الضَّمِيرِ لِأنَّهُما جَرَيا عَلى غَيْرِ مَن هُما لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{تِلْكَ} إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث {حُدُودُ الله} سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود
المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وذلك الفوز العظيم}
﴿ تِلْكَ ﴾ أيِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ في شُؤُونِ اليَتامى والمَوارِيثِ وغَيْرِها، واقْتَصَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى المَوارِيثِ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أيْ شَرائِعُهُ أوْ طاعَتُهُ أوْ تَفْصِيلاتُهُ أوْ شُرُوطُهُ، وأُطْلِقَتْ عَلَيْها الحُدُودُ لِشَبَهِها بِها مِن حَيْثُ إنَّ المُكَلَّفَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَجاوَزَها إلى غَيْرِها.
﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ فِيما فَرَضَ مِنَ الفَرائِضِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها ﴾ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وأبْنِيَتِها، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿ الأنْهارُ ﴾ أيْ ماؤُها ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ ( يُدْخِلْهُ ) لِأنَّ الخُلُودَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ يَصِيدُ بِهِ غَدًا، وصِيغَةُ الجَمْعِ لِمُراعاةِ مَعْنى ( مِن ) كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ لِمُراعاةِ لَفْظِها ﴿ وذَلِكَ ﴾ أيْ دُخُولُ الجَنّاتِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ﴿ الفَوْزُ ﴾ أيِ الفَلاحُ والظَّفَرُ بِالخَيْرِ ﴿ العَظِيمُ ﴾ في نَفْسِهِ أوْ بِالإضافَةِ إلى حِيازَةِ التَّرِكَةِ عَلى ما قِيلَ؛ والجُمْلَةُ اعْتُرِضَ.
<div class="verse-tafsir"
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يبين الله لكم ميراث أولادكم كما بيّن قسمة المواريث، يعني: إذا مات الرجل أو المرأة وترك أولاداً ذكوراً وإناثاً، يكون لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم.
وروى ابن أبي نجيح عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كان الميراث للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس، وللمرأة الثمن أو الربع، وللزوج النصف أو الربع.
ثم قال تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ يعني إذا ترك الميت بناتاً ولم يترك أبناء، فللبنات إن كن اثنتين فصاعداً فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ من الميراث، ولم يذكر في الآية حكم البنتين، ولكن أجمع المسلمون ما خلا رواية عن ابن عباس أنه قال: للاثنتين النصف، كما كان للواحدة وللثلاث بنات الثلثان وأما سائر الصحابة فقد قالوا: إن للاثنتين الثلثين، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله .
روى جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله ، فقالت: يا رسول الله ، هاتان ابنتا سعد وقد قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال.
فقال رسول الله : «سَيَقْضِي الله ذلك» فأنزل الله تعالى آية الميراث، فبعث النبيّ إلى عمهما وقال: «أَعْطِ لابْنَتَيْ سَعْدٍ الثّلثَيْنِ وَأَعْطِ أمَّهُمَا الثُّمُنَ وَالبَاقِي لَكَ» .
ثم قال تعالى: وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ يعني: إن ترك الميت بنتاً واحدة فلها النصف من الميراث، والباقي للعصبة بالخبر.
قرأ نافع: (وإن كانت واحدة) بالرفع على اسم كانت وقرأ الباقون بالنصب على معنى الخبر ويكون الاسم فيه مضمراً.
ثم قال تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ الميت من المال وإِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر أو أنثى أو ولد الابن فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ للميت وَلَدٌ ولا ولد ابن وَوَرِثَهُ أَبَواهُ يعني: إن لم يكن للميت وارث سوى الأبوين فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ يعني للأم ثلث المال والباقي للأب.
قرأ حمزة والكسائي: (فلإمه) بكسر الألف لكسر ما قبله، وقرأ الباقون بالضم.
ثم قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ يعني: إذا كان للميت إخوة، وقد اتفق أصحاب رسول الله أن اسم الإخوة يقع على الاثنين فصاعداً، إلا في قول ابن عباس ثلاثة فصاعداً، واتفقوا أن الذكور والإناث فيه سواء، فيكون للأم السدس والباقي للأب مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يعني: أن قسمة المواريث من بعد وصية يُوصِي بِها الميت أَوْ دَيْنٍ يعني بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية.
وروى الحارث عن علي قال: قضى رسول الله بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ يعني أن في الآية تقديماً وتأخيراً، وروي عن ابن عباس هكذا.
قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم (يوصى بها) على فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون يُوصِي بِها يعني الميت إن كان يوصي بها أو عليه دين.
ثم قال تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يعني في الآخرة، إذا كان أحدهما أرفع درجة من الآخر يسأل الله تعالى حتى يرفع إليه الآخر لتقر عينه به فقال: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يعني أيهم أرفع درجة، فيلتحق به صاحبه.
ويقال: معناه أن الله علمكم قسمة المواريث، وأنكم لا تدرون أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً حتى تعطوه حصته، ويقال لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ موتاً فيرث منه الآخر.
ثم قال تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ يعني بيان قسمة المواريث من الله تعالى، ويقال: القسمة فريضة من الله تعالى، لا يجوز تغييرها عما أمر الله به.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالمواريث حَكِيماً حكم قسمتها وبيّنها لأهلها.
وقال الزجاج: معناه وكان الله عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً فيما يقرر بتدبيره منها.
وقال بعضهم: لأن الله تعالى لم يزل، ولا يزال فالخبر منه بالماضي كالخبر منه بالاستقبال.
وقال سيبويه: كأن القوم شاهدوا علماً وحكماً، فقيل لهم: إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً كذلك، لم يزل على ما شاهدتم.
ثم قال تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إذا ماتت المرأة فتركت زوجاً، فللزوج النصف إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ذكراً أو أنثى أو ولد ابن فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ أو ولد ابن فللزوج الربع فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مما تركت المرأة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ.
ثم قال: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ يعني إذا مات الزوج وترك امرأة فللمرأة الربع إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ولا ولد ابن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فإن كان للميت ولد وولد ابن فَلَهُنَّ الثُّمُنُ سواء كان له امرأة واحدة أو أربع نسوة فلهن الربع بغير ولد، والثمن مع الولد أو مع ولد الابن، لأنه قال: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ فجعل حصتهن الربع أو الثمن.
ثم قال: مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ.
ثم قال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً والكلالة ما خلا الوالد والولد، ويقال: هو اسم الميت الذي ليس له ولد ولا والد.
قال أبو عبيدة: هو مصدر من تكله النسب أي أحاط به، والأب والابن طرفا الرجل فيسمى لذهاب طرفيه كلالة.
وقرأ بعضهم: (يورث) بكسر الراء.
قال أبو عبيدة: من قرأ (يورث) بكسر الراء جعل الكلالة الورثة، ومن قرأ بنصب الراء جعل الكلالة الميت.
وروى الشعبي عن أبي بكر وعمر ما أنهما قالا: الكلالة من لا ولد ولا والد.
وروي عنهما أيضاً أنهما قالا: الكلالة ما سوى الولد والوالد.
قوله تعالى: أَوِ امْرَأَةٌ يعني إن كانت الكلالة هي امرأة.
ثم قال تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ من الميراث فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يعني: الإخوة من الأم، وقد أجمع المسلمون أن المراد هاهنا الإخوة من الأم، لأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين، ففهموا أن المراد هاهنا الإخوة من الأم.
ثم قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ وقد ذكرناه غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني: غير مضار للورثة، فيوصي بأكثر من الثلث وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني أن تلك القسمة فريضة من الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعني علم بأمر الميراث حَلِيمٌ على أهل الجهل منكم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَطَعَ مِيْرَاثاً فَرَضَهُ الله قَطَعَ الله مَيرَاثَهُ مِنَ الجَنَّةِ» .
وقرأ بعض المتقدمين: (والله عليم حكيم) ، يعني حكم بقسمة الميراث والوصية.
ثم قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني هذه فرائض الله مما أمركم به من قسمة المواريث، ويقال: تلك أحكام الله، وتلك بمعنى هذه، يعني هذه أحكام الله قد بيّنها لكم لتعرفوا وتعملوا.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث فيقر بها، ويعمل بها كما أمره الله يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي ذلك الثواب هو الفوز العظيم إلى النجاة الوافرة.
قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث، فلم يقسمها ولم يعمل بها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي خالف أمره يُدْخِلْهُ نَاراً خالِداً فِيها لأنه إذا جحد صار كافراً وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ يهان فيه.
قرأ نافع وابن عامر: (ندخله) كلاهما بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه، وقرأ الباقون كلاهما بالياء لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
حُكْمِ الواحد «١» .
وقدَّم الوصيةَ في اللفظ اهتماما بها، وندباً إليها إذ هي أقلُّ لزوماً من الدَّيْن وأيضاً: قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلا بُدَّ منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ وأيضاً: قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على «٢» الوصيَّة، والإجماعُ على أنه لا يوصى بأكْثَرَ مِنَ الثلث، واستحب كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث.
وقوله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره: هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون على غير هذه الصِّفَة.
قال ابن زَيْد: لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً، يعني: في الدنيا والآخرة «٣» ، قال الفَخْر «٤» : وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يميل إليه الطّبع.
انتهى.
وقوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ...
الآية: الولَدُ هنا في هذه الآية، وفي التي بعدها: هُمْ بَنُو الصُّلْب، وبَنُو ذُكُورِهِمْ، وإن سَفَلُوا، والكَلاَلَةُ: خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَالِدِ والوَلَدِ هذا هو الصحيحُ.
وقوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ...
الآية: الإجماع على الأُخُوَّة في هذه الآيةِ للأمِّ، وأما حُكْم سائر الإِخوة سواهم، فهو المذكور في آخر السورة.
وقرأ «١» سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص «٢» : «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمِّهِ» ، والأنثى والذَّكَر في هذه النَّازلة سواءٌ، بإجماع.
وقوله سبحانه: غَيْرَ مُضَارٍّ، قال ابن عبَّاس: «الضِّرَارُ في الوصية من الكبائر» ورواه «٣» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وروى أبو هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ، أَلْقَاهُ اللَّهُ تعالى في واد في جهنّم» «٤» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما حَدَّ اللَّهُ مِن فَرائِضِهِ في المِيراثِ ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ في شَأْنِ المَوارِيثِ ﴿ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ: "نُدْخِلُهُ" بِالنُّونِ في الحَرْفَيْنِ جَمِيعًا، والباقُونَ بِالياءِ فِيهِما.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أو دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةٍ مِن اللهِ واللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ ومَن يُطِعِ اللهِ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ .
"غَيْرَ مُضارٍّ" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ "يُوصى"، و"وَصِيَّةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ "يُوصِيكُمُ"، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الخُرُوجِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ ﴾ أو مِن قَوْلِهِ: ﴿ فَهم شُرَكاءُ في الثُلُثِ ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ "مُضارٍّ" في "وَصِيَّةً"، والمَعْنى أنْ يَقَعَ الضَرَرُ بِها وبِسَبَبِها فَأُوقِعَ عَلَيْها تَجَوُّزًا.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "غَيْرَ مُضارِّ وصِيَّةٍ" بِالإضافَةِ، كَما تَقُولُ: شُجاعُ حَرْبٍ، ومِدْرَهُ حَرْبٍ، وبَضَّةُ المُتَجَرِّدِ، في قَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ، والمَعْنى عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَجَوُّزِ في اللَفْظِ لِصِحَّةِ المَعْنى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «الضِرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ،» رَواهُ عَنِ النَبِيِّ ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "مَن ضارَّ في وصِيَّةٍ ألْقاهُ اللهُ تَعالى في وادٍ في جَهَنَّمَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ووُجُوهُ المُضارَّةِ كَثِيرَةٌ لا تَنْحَصِرُ، وكُلُّها مَمْنُوعَةٌ: يُقِرُّ بِحَقٍّ لَيْسَ عَلَيْهِ، ويُوصِي بِأكْثَرَ مِن ثُلُثِهِ، أو لِوارِثِهِ، أو بِالثُلُثِ فِرارًا عن وارِثٍ مُحْتاجٍ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ وابْنِ القاسِمِ أنَّ المُوصِيَ لا يُعَدُّ فِعْلُهُ مُضارَّةً ما دامَ في الثُلُثِ، فَإنْ ضارَّ الوَرَثَةَ في ثُلُثِهِ مَضى ذَلِكَ، وفي المَذْهَبِ قَوْلُهُ: إنَّ المُضارَّةَ تُرَدُّ وإنْ كانَتْ في الثُلُثِ، إذا عُلِمَتْ بِإقْرارٍ أو قَرِينَةٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ ...الآيَةُ.
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ ...
الآيَةُ.
"تِلْكَ" إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ في المَوارِيثِ، والحَدُّ: الحَجْزُ المانِعُ لِأمْرٍ ما أنْ يَدْخُلَ عَلى غَيْرِهِ أو يَدْخُلَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ومِن هَذا قَوْلُهم لِلْبَوّابِ: حَدّادٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، ومِنهُ إحْدادُ المَرْأةِ وهو امْتِناعُها عَنِ الزِينَةِ، هَذا هو الحَدُّ في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: "مِن تَحْتِها" يُرِيدُ مِن تَحْتِ بِنائِها وأشْجارِها الَّذِي مِن أجْلِهِ سُمِّيَتْ جَنَّةً، لِأنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ إنَّما هي عَلى وجْهِ أرْضِها في غَيْرِ أخادِيدَ.
وحَكى الطَبَرِيُّ: إنَّ الحُدُودَ عِنْدَ السُدِّيِّ هُنا شُرُوطُ اللهِ، وعِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ: طاعَةُ اللهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ: سُنَّةُ اللهِ، وعِنْدَ بَعْضِهِمْ: فَرائِضُ اللهِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنىً واحِدٌ وعِبارَةٌ مُخْتَلِفَةٌ.
و"خالِدِينَ" قالَ الزَجّاجُ: هي حالَةٌ عَلى التَقْدِيرِ، أيْ: مُقَدَّرِينَ خالِدِينَ فِيها، وجُمِعَ "خالِدِينَ" عَلى مَعْنى "مَن" بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ الإفْرادُ مُراعاةً لِلَفْظِ "مَن"، وعَكْسُ هَذا لا يَجُوزُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ ﴾ ...
الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "نُدْخِلُهُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الباقُونَ: "يُدْخِلُهُ" بِالياءِ فِيهِما جَمِيعًا، وهَذِهِ آيَتا وعْدٍ ووَعِيدٍ، وتَقَدَّمَ الإيجازُ في ذَلِكَ، ورَجّى اللهُ تَعالى عَلى التِزامِ هَذِهِ الحُدُودِ في قِسْمَةِ المِيراثِ، وتَوَعَّدَ عَلى العِصْيانِ فِيها بِحَسَبِ إنْكارِ العَرَبِ لِهَذِهِ القِسْمَةِ، وقَدْ كَلَّمَ فِيها النَبِيُّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وغَيْرَهُ..
<div class="verse-tafsir"
الإشارة إلى المعاني والجمل المتقدّمة.
والحدود جمع حَدّ، وهو ظرف المكان الذي يميز عن مكان آخر بحيث يمنع تجاوزه، واستُعمل الحدود هنا مجازاً في العمل الذي لا تحلّ مخالفته على طريقة التمثيل.
ومعنى ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ أنّه يتابع حدوده كما دلّ عليه قوله في مقابله ﴿ ويتعد حدوده ﴾ .
وقولُه: ﴿ خالداً فيها ﴾ استُعمل الخلود في طول المدّة.
أو أريد من عصيان الله ورسوله العصيان الأتمُّ وهو نبذ الإيمان، لأنّ القوم يومئذ كانوا قد دخلوا في الإيمان ونبذوا الكفر، فكانوا حريصين على العمل بوصايا الإسلام، فما يخالف ذلك إلاّ من كان غير ثابت الإيمان إلاّ من تاب.
ولعلّ قوله: ﴿ وله عذاب مهين ﴾ تقسيم، لأنّ العصيان أنواع: منه ما يوجب الخلود، ومنه ما يوجب العذاب المهين، وقرينة ذلك أنّ عطف ﴿ وله عذاب مهين ﴾ على الخلود في النار لا يُحتاج إليه إذا لم يكن مراداً به التقسيم، فيضطرّ إلى جعله زيادةَ توكيد، أو تقول إنّ محط العطف هو وصفه بالمهين لأنّ العرب أباة الضيم، شمّ الأنوف، فقد يحذرون الإهانة أكثر ممّا يحذرون عذاب النار، ومن الأمثال المأثورة في حكاياتهم (النار ولا العار).
وفي كتاب «الآداب» في أعجاز أبياته «والحرّ يصبر خوف العار للنار».
وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر ﴿ ندخله ﴾ في الموضعين هنا بنون العظمة، وقرأه الجمهور بياء الغيبة والضمير عائد إلى اسم الجلالة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: شُرُوطُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: طاعَةُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: سُنَّةُ اللَّهِ وأمْرُهُ.
والرّابِعُ: فَرائِضُ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ.
والخامِسُ: تَفْصِيلاتُ اللَّهِ لِفَرائِضِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ تلك حدود الله ﴾ يعني طاعة الله، يعني المواريث التي سمى.
وقوله: ﴿ ويتعدَّ حدوده ﴾ يعني من لم يرض بقسم الله وتعدَّى ما قال.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ تلك حدود الله ﴾ بقول: شروط الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ تلك حدود الله ﴾ يعني سنة الله وأمره في قسمة الميراث ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيقسم الميراث كما أمره الله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ قال: يخالف أمره في قسمة المواريث ﴿ يدخله ناراً خالداً فيها ﴾ يعني من يكفر بقسمة المواريث وهم المنافقون، كانوا لا يعدون أن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيباً.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ قال: في شأن المواريث التي ذكر قبل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ تلك حدود الله ﴾ التي حد لخلقه وفرائضه بينهم في الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدوها إلى غيرها.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ قال: من يؤمن بهذه الفرائض.
وفي قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ قال من لا يؤمن بها.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة واللفظ له والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة» ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿ تلك حدود الله ﴾ إلى قوله: ﴿ عذاب مهين ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة» .
وأخرج ابن ماجه من وجه آخر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة» .
وأخرج البيهقي في البعث من وجه ثالث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله به ميراثه من الجنة» .
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الآية.
ذكرنا معنى الحدود فيما تقدم.
قال ابن عباس: يريد ما حد الله من فرائضه (١) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ ﴾ (٤) وقرأ نافع وابن عامر بالنون، والمعنى فيه كالمعنى في الياء، ومثله قوله: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ سَنُلْقِى ﴾ بالنون [آل عمران: 151] (٥) وقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ قال أبو إسحاق: أي: ندخلهم مقدرين الخلود فيها، وهذا كما تقول في الكلام: مررت برجل معه صقرٌ صائدًا به غدًا، أي: مقدرًا الصيد غدًا، لأن الحال لا يكون إلا ما أنت فيه (٦) (١) "تفسير ابن عباس" ص 138، وأخرجه ابن جرير بمعناه من طريق ابن أبي طلحة 8/ 69، 72، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 33 بلفظ المؤلف.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 228، "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 197.
(٢) هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان، تقدمت ترجمته.
(٣) الذي في "معاني الزجاج" 2/ 27: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أي: الأمكنة التي لا ينبغي أن تُتجاوز، ولم أقف على قول ابن كيسان.
(٤) (يدخله) ليست في (د).
(٥) "الحجة" 3/ 140، 141، وانظر: "السبعة" ص 228، وهذا القراءة عشرية قرأ بها أبو جعفر أيضًا من العشرة.
انظر: "المبسوط" ص 154، "النشر" 2/ 248.
(٦) "معاني الزجاج" 2/ 27 بتصرف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المواريث وغيرها ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الآية: تعلق بها المعتزلة في قولهم: إن العصاة من المؤمنين يخلدون في النار، وتأولها الأشعرية على أنها في الكفار ﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ هي هنا الزنا ﴿ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ أو من المسلمات؛ لأن المسلمة تحدّ حدّ الزنا، وأما الكافر أو الكافرة فاختلف، هل يحدّ أو يعاقب؟
﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ قيل: إنما جعل شهداء الزنا أربعة؛ تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقيل: ليكون شاهدان على كل واحد من الزانيين ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ كانت عقوبة الزنا الإمساك في البيوت، ثم نسخ ذلك بالأذى المذكور بعد هذا، وهو السب والتوبيخ، وقيل: الإمساك للنساء، والأذى للرجال، فلا نسخ بينهما ورجحه ابن عطية بقوله: في الإمساك من نسائكم، وفي الأذى منكم، ثم نسخ الإمساك والأذى بالرجم للمحصن وبالجلد لغير المحصن، واستقر الأمر على ذلك، وأما الجلد فمذكور في سورة النور، وأما الرجم؛ فقد كان في القرآن ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وقد رجم صلى الله عليه وسلم ماعزاً الأسلمي وغيره ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ﴾ لما أمر بالأذى للزاني أمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو ترك الأذى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب.
﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.
الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.
الباقون: مبنياً للفاعل.
﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.
الباقون بالياء.
وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.
﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين ﴾ وأشباه ذلك.
وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.
الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.
الباقون كلها بالكسر.
الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.
﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.
﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.
﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.
أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.
واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.
أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.
فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.
والثاني المؤاخاة.
كان رسول الله يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.
والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.
والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.
روي "أن رسول الله ورث بنت حمزة من مولى لها" .
ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.
قال : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.
وإنما بدأ بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.
أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.
أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.
وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.
وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.
وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.
وأما الحكمة في أنه جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.
فيكف حال المرأة؟
وعن جعفر الصادق أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.
فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.
وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.
وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.
وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.
وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.
وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.
فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.
وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.
أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.
وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.
وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.
وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.
وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.
وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.
وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.
فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.
فقال لي رسول الله : ادع لي المرأة وصاحبها.
فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .
وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.
وأيضاً قال : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.
والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله : ﴿ يا بني آدم ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ .
وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.
واعلم أن عموم قوله ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.
ومنها أن القاتل لا يرث.
ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.
وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.
ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.
روي أن فاطمة ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.
وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.
وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟
وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.
أجابوا بأن فاطمة ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.
واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.
فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".
/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.
وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.
ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.
ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.
فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.
واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.
والباقي للأولاد بالسوية.
وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.
وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.
فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟
فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.
وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.
الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟
فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.
وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.
وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.
وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.
فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.
هذا عكس قوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.
فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.
وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.
وقال : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟
فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.
فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.
ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.
ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.
ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.
حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.
وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.
فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله .
عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول قضى بالدين قبل الوصية" .
والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.
وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.
ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.
ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.
وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.
فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.
يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.
فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.
وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.
فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.
وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.
وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.
﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.
قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.
وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.
هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.
وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.
فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.
ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.
ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.
وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.
ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.
وههنا مسألة.
قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.
ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.
وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.
وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.
واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.
الكلالة ما خلا الوالد والولد.
وعن عمر : الكلالة من لا ولد له فقط.
وعنه في رواية أخرى التوقف.
وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.
وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.
ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.
قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.
قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.
ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد ﴾ فاحتج عمر بذلك.
والجواب أنه حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.
ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.
وأيضاً إنه ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.
وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.
والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.
وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.
ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.
ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.
وقوله : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.
ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.
والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.
قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟
والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.
تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.
والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.
وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.
ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.
هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.
وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.
والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.
ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.
وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.
فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.
فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.
ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.
وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.
قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.
وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.
ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.
وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.
وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.
وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.
ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.
قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.
فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.
وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.
وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.
نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.
فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.
وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.
قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.
وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.
وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.
واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.
وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.
وقد يقال: اللاآت كاللامات.
قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.
ومن العرب من يلغي هذا الفرق.
والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.
وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.
قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.
ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.
﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.
والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.
قال الزهري: مضت السنة من رسول الله والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.
ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.
﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟
﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.
واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.
فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.
أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.
وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.
وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.
والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.
وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.
وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.
وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.
وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .
ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.
وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.
وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.
وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.
وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.
وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.
ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.
صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله عليم.
ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.
ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.
وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.
وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.
وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.
أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.
أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.
وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.
و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.
ومثله قوله : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.
أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.
قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.
وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟
وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟
وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟
فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.
وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.
ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.
ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.
أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.
﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.
قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.
لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.
وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.
/ قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.
وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.
فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.
النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.
وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.
وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.
قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.
قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.
ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.
ثم إنه استثناء مماذا؟
قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.
وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.
وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.
ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.
وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.
النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.
النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.
يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.
والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.
روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.
فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.
فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.
ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.
وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.
ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.
واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.
﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.
وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.
وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.
وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.
وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.
وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.
وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.
وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.
وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.
ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.
فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟
فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.
وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.
ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.
ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.
وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟
النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.
وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.
حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.
ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.
ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ ولقوله : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.
وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ وبقوله : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.
وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.
سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟
قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.
وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.
ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.
والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.
سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.
قال محمد بن جرير الطبري.
سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.
لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟
سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.
وإذا كان منعقداً صحيحاً.
ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ وكقوله " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟
أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.
فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.
وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.
وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.
والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.
وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.
وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.
قالوا: إنه أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.
وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.
وروي "أنه بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.
حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.
قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.
فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.
﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله أعلم.
التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.
فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.
ومن هنا قال : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.
فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.
قال : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.
ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: فرائض الله التي أمركم بها من قسمة الميراث.
ويحتمل ﴿ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ : ما حدّ لنا حتى لا يجوز مجاوزتها، وقد تقدم ذكرها في سورة البقرة.
وذكر حدود الله، وقد يجوز أن يكون للخلق حدود، يقال: حدُّ فلان؛ فإذا لم يفهم من حدود الله ما فهم من حدّ الخلق كيف فهم من قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، و ﴿ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ما فهم من استواء الخلق؟!
فإذا لم يفهم من حدود الله ما فهم من حد الخلق - لم يجز أن يفهم من استواء الله ما يفهم من استواء الخلق، وكذلك لا يفهم من رؤية الرب ما يفهم من رؤية المخلوق، ولا يفهم من مجيئه مجيء الخلق، ولا من نزوله نزول الخلق، على ما لم يفهم من قوله - - ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ حدود الخلق؛ إذ لا فرق بين هذا وبين الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أوامره ونواهيه، وما حَرَّم وأحل.
ويحتمل: حدود شيء من ذلك؛ فيرجع تأويل الأول إلى أنفس العبادات، والثاني: إلى نهايات العبادات.
والمعروف من الحدود التي تنسب إلى الخلق وجهان: أحدهما: نهاية المنسوب إليه، وذلك حق حد الأعيان.
والثاني: الأثر الذي يضاف إليه، وذلك حد الصفات أن يقال: حد الفعل فعل كذا، وحد البصر والسمع، يراد به الأثر الذي به يعرف، أو هنالك ما ذكر، ثم لم تكن الحدود التي أضيفت إلى الله - وتعالى - على واحد من الوجهين اللذين يضافا إلى الخلق؛ إذ قد ثبت بضرورة العقل وحُجج السمع تعاليه عن المعاني التي هي معاني خلقه؛ فعلى ذلك ما أضيف إليه من طريق العقل من الاستواء، والمجيء، والرؤية - لم يجز في ذلك تصوير المعنى الذي في إضافة ذلك إلى الخلق يكون بما في ضرورة العقل والسمع جلاله وكبرياؤه عن ذلك المعنى، وبالله العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
قيل: من يطع الله في أداء فرائضه [وسنة رسوله].
﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
وقيل: ومن يطع الله فيما أمر ونهي، وأطاع رسوله في أمره ونهيه؛ فله ما ذكر.
وقيل: إذا أطاع الله فقد أطاع رسوله، وإذا أطاع رسوله فقد أطاع الله - - وهو واحد، كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ ﴾ - -: فيما أمر ونهي، وحَرَّم وأحل، ﴿ وَرَسُولَهُ ﴾ : فيما بلغ وبين.
وقيل: ذا ليس بتفريق، لكن من الذي يطيع الله هو الذي يطيع رسوله؛ لأنه إلى طاعة الله - - دعاه، وعلى عبادته رغب؛ فتكون طاعتُهُ طاعتَهُ، كقوله - -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي...
﴾ الآية [آل عمران: 31].
وقوله - -: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
وهذا كذلك - أيضاً - إذا عصى الله؛ فقد تعدى حدوده، ومن تعدى حدوده فقد عصى الله.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ : فيما لم ير أمره أمراً ونهيه نهياً، ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ ، يعني: أحكامه وشرائعه، أي: لم يرها حقّاً -: ﴿ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا ﴾ .
وله ما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
تلك الأحكام المذكورة في شأن اليتامى وغيرهم، شرائعُ الله التي شرعها لعباده ليعملوا بها، ومن يطع الله ورسوله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ يدخله الله جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ماكثين فيها لا يلحقهم فناء، وذلك الجزاء الإلهي هو الفلاح العظيم الذي لا يضاهيه فلاح.
<div class="verse-tafsir" id="91.jBjoZ"
الإشارة في قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ تتناول الأحكام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى ما قبل هذه الآية أي أنه تعالى جعل تلك الأحكام حدودًا لأعمال المكلفين ينتهون منها إليها ولا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتعدوها، وهكذا جميع أحكامه في المأمورات والمنهيات وكذا المباحات فإن لها حدودًا إذا تجاوزها المكلف وقع في المحظور فقد قال : ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ .
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ : طاعة الرسول هي طاعة الله بعينها لأنه إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله من مصالحنا التي فيها سعادتنا في الدنيا والآخرة، وإنما يذكر طاعة الرسول مع طاعة الله لأن من الناس من كانوا يعتقدون قبل اليهودية وبعدها وكذلك بعد الإسلام إلى اليوم، أن الإنسان يمكن أن يستغني بعقله وعلمه عن الوحي، يقول أحدهم: إنني أعتقد أن للعالم صانعًا عليمًا حكيمًا، وأعمل بعد ذلك بما يصل إليه عقلي من الخير واجتناب الشر.
وهذا خطأ من الإنسان، ولو صح ذلك لما كان في حاجة إلى الرسل، وقد تقدم في تفسير سورة الفاتحة أن الإنسان محتاج بطبيعته النوعية إلى هداية الدين، وأنها هي الهداية الرابعة التي وهبها الله للإنسان بعد هداية الحواس والوجدان والعقل، فلم يكن العقل في عصر من عصوره كافيًا لهداية أمة من أممه ومرقيًا له بدون معونة الدين.
﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ﴾ إن في ذكر أهل الجنة بلفظ الجمع إشارة إلى تمتعهم بالاجتماع، وأنس بعضهم ببعض، والمنعم يسره أن يكون مع غيره، قال المعري الحكيم: ولو أني حبيت الخلد وحدي لما أحببت بالخلد انفرادا وأما من قذفه عصيانه لله ولرسوله في النار فإن له من العذاب ما يمنعه عن الأنس بغيره فهو وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسًا، فلما كان لا يتمتع بمنفعة من منافع الاجتماع كان كأنه وحيد والتعبير بلفظ "خالدًا" يشير إلى ذلك.
ذهب بعض المختلفين إلى أن تعدي حدود الله تعالى هنا يراد به جميع الحدود لا جنسها، ومن تعدى حدود الله كلها ولم يقف عند شيء منها فهو كافر خالد في النار.
وقال بعضهم إن التعدي يصدق بالبعض وهو يكون من الكفر وجحود الحكم بعدم الإذعان له.
والجحود إما صريح وإما غير صريح ولكنه حقيقي وإن لم يصرح به صاحبه، فإن أخذ شيء من حق إنسان وإعطاءه لآخر لا يكون إلا من إنكار حكم الله في تحريم ذلك أو الشك فيه، وإن الحاكم إذا ثبتت عنده السرقة فحبس السارق ولم يقطع يده كان منكرًا للحد الذي أوجب الله معاقبة السارق به، أو مستقبحًا له وكلاهما من الكفر وإن لم يصرح به صاحبه.
وإذا تأملتم في هذا الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة تجدونه لفظيًا فإن الكلام في المصير على الذنب مع العلم بأنه ذنب، لأنه تعالى قال في الناجين المسارعين إلى الجنة: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ فإن من يعمل الذنب ولا يخطر في باله عند ارتكابه أنه منهي عنه لا يعد مُصِرًا عالمًا، وقد بينا من قبل أن للمذنب حالتين، وإننا نعيد ذلك ولا نزال نلح في تقريره إلى أن نموت: الحالة الأولى: غلبة الباعث النفسي من الشهوة أو الغضب على الإنسان حتى يغيب عن ذهنه الأمر الإلهي فيقع في الذنب وقلبه غائب عن الوعيد غير متذكر للنهي، وإذا تذكره يكون ضعيفًا كنور ضئيل يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب ثم لا يلبث أن يزول أو يختفي، فإذا سكنت شهوته أو سكت عنه غضبه وتذكر النهي والوعيد ندم وتاب، ووقع من نفسه في أشد اللوم والعتاب، وذلك ضرب من ضروب العقاب، وصاحبه جدير بالنجاة في يوم المآب.
الحالة الثانية: أن يقدم المرء على الذنب جريئًا عليه، متعمدًا ارتكابه، عالمًا بتحريمه، مؤثرا له على الطاعة بتركه لا يصرفه عنه تذكر النهي والوعيد عليه، فهذا هو الذي قد أحاطت به خطيئته حتى آثر طاعة شهوته على طاعة الله ورسوله فصدق عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
ربما يقول قائل: إننا نرى كثيرًا من أفراد هذا الصنف مع تلبسهم بهذه الحالة يطمعون في عفو الله ومغفرته وذلك دليل الإيمان المنجي.
والجواب عن هذا: أن من يصر على معصيته تعالى عامدًا عالمًا بنهيه ووعيده لا يكون مؤمنًا بصدق خبره، ولا مذعنًا لشرعه الذي تنال رحمته ورضاه بالتزامه، وعذابه وبأسه باعتداء حدوده، فيكون إذا مستهزءًا به، فالإصرار على العصيان مع عدم استشعاره الخوف والندم لا يجتمع مع الإيمان الصحيح بعظمة الله وصدقه دي وعده ووعيده، وبهذا الذي قررته يكون الخلاف لفظيًا لا حقيقيًا.
﴿ وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أراد الله تعالى بالعذاب المهين عذاب الروح بالإهانة.
<div class="verse-tafsir"