الآية ١٢ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٢ من سورة النساء

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ ١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 226 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ولكم - أيها الرجال - نصف ما ترك أزواجكم إذا متن عن غير ولد ، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد [ وصية ] يوصين بها أو دين .

وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية ، وبعده الوصية ثم الميراث ، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء ، وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب .

ثم قال : ( ولهن الربع مما تركتم [ إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم ] ) إلخ ، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان والثلاث والأربع يشتركن فيه .

وقوله : ( من بعد وصية ) إلخ ، الكلام عليه كما تقدم .

وقوله : ( وإن كان رجل يورث كلالة ) الكلالة : مشتقة من الإكليل ، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه ، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه ، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق : أنه سئل عن الكلالة ، فقال : أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه : الكلالة من لا ولد له ولا والد .

فلما ولي عمر بن الخطاب قال : إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه .

رواه ابن جرير وغيره .

وقال ابن أبي حاتم ، رحمه الله ، في تفسيره : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ، حدثنا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن طاوس قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب ، فسمعته يقول : القول ما قلت ، وما قلت وما قلت .

قال : الكلالة من لا ولد له ولا والد .

وهكذا قال علي بن أبي طالب وابن مسعود ، وصح عن غير وجه عن عبد الله بن عباس ، وزيد بن ثابت ، وبه يقول الشعبي والنخعي ، والحسن البصري ، وقتادة ، وجابر بن زيد ، والحكم .

وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة .

وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم .

وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد ، وورد فيه حديث مرفوع .

قال أبو الحسين بن اللبان : وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك ، وهو أنه لا ولد له .

والصحيح عنه الأول ، ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد .

وقوله : ( وله أخ أو أخت ) أي : من أم ، كما هو في قراءة بعض السلف ، منهم سعد بن أبي وقاص ، وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه ، ( فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ) وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه ، أحدها : أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم .

الثاني : أن ذكرهم وأنثاهم سواء .

الثالث : أنهم لا يرثون إلا إذا كان ميتهم يورث كلالة ، فلا يرثون مع أب ، ولا جد ، ولا ولد ، ولا ولد ابن .

الرابع : أنهم لا يزادون على الثلث ، وإن كثر ذكورهم وإناثهم .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا يونس ، عن الزهري قال : قضى عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، أن ميراث الإخوة من الأم بينهم ، للذكر مثل الأنثى قال محمد بن شهاب الزهري : ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذه الآية التي قال الله تعالى : ( فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ) واختلف العلماء في المسألة المشتركة ، وهي : زوج ، وأم أو جدة ، واثنان من ولد الأم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين .

فعلى قول الجمهور : للزوج النصف ، وللأم أو الجدة السدس ، ولولد الأم الثلث ، ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأم .

وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فأعطى الزوج النصف ، والأم السدس ، وجعل الثلث لأولاد الأم ، فقال له أولاد الأبوين : يا أمير المؤمنين ، هب أن أبانا كان حمارا ، ألسنا من أم واحدة ؟

فشرك بينهم .

وصح التشريك عنه وعن أمير المؤمنين عثمان ، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، رضي الله عنهم .

وبه يقول سعيد بن المسيب ، وشريح القاضي ، ومسروق ، وطاوس ، ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي ، وعمر بن عبد العزيز ، والثوري ، وشريك وهو مذهب مالك والشافعي ، وإسحاق ابن راهويه .

وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم ، بل يجعل الثلث لأولاد الأم ، ولا شيء لأولاد الأبوين ، والحالة هذه ، لأنهم عصبة .

وقال وكيع بن الجراح : لم يختلف عنه في ذلك ، وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري ، وهو المشهور عن ابن عباس ، وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، والحسن بن زياد ، وزفر بن الهذيل ، والإمام أحمد بن حنبل ، ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد ، وأبي ثور ، وداود بن علي الظاهري ، واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي ، رحمه الله ، في كتابه " الإيجاز " .

وقوله : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ) أي : لتكون وصيته على العدل ، لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة ، أو ينقصه ، أو يزيده على ما قدر الله له من الفريضة فمتى سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في حكمته وقسمته; ولهذا قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي ، حدثنا عمر بن المغيرة ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الإضرار في الوصية من الكبائر " .

وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة ، قال أبو القاسم ابن عساكر : ويعرف بمفتي المساكين .

وروى عنه غير واحد من الأئمة .

وقال فيه أبو حاتم الرازي : هو شيخ .

وقال علي بن المديني : هو مجهول لا أعرفه .

لكن رواه النسائي في سننه عن علي ابن حجر ، عن علي بن مسهر ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، موقوفا : " الإضرار في الوصية من الكبائر " .

وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج ، عن عائذ بن حبيب ، عن داود بن أبي هند .

ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس موقوفا وفي بعضها : ويقرأ ابن عباس : ( غير مضار ) قال ابن جريج والصحيح الموقوف .

ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث : هل هو صحيح أم لا ؟

على قولين : أحدهما : لا يصح لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " .

وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك ، وأحمد بن حنبل ، والقول القديم للشافعي ، رحمهم الله ، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار .

وهو مذهب طاوس ، وعطاء ، والحسن ، وعمر بن عبد العزيز .

وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه .

واحتج بأن رافع بن خديج أوصى ألا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها قال : وقال بعض الناس : لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث " .

وقال الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) [ النساء : 58 ] فلم يخص وارثا ولا غيره .

انتهى ما ذكره .

فمتى كان الإقرار صحيحا مطابقا لما في نفس الأمر جرى فيه هذا الخلاف ، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم ، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة ( غير مضار وصية من الله والله عليم حليم ) [ ثم قال الله ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه،" ولكم " أيها الناس =" نصف ما ترك أزواجكم "، بعد وفاتهن من مال وميراث =" إن لم يكن لهن ولد "، يوم يحدث بهن الموت، (1) لا ذكر ولا أنثى =" فإن كان لهن ولد "، أي: فإن كان لأزواجكم يوم يحدث لهن الموت، (2) ولد ذكر أو أنثى =" فلكم الربع مما تركن "، من مال وميراث، ميراثًا لكم عنهن =" من بعد وصية يوصين بها أو دين "، يقول: ذلكم لكم ميراثًا عنهن، مما يبقى من تركاتهن وأموالهن، من بعد قضاء ديونهن التي يمتن وهي عليهن، ومن بعد إنفاذ وصاياهن الجائزة إن كن أوصين بها.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد " ولأزواجكم، أيها الناس، ربع ما تركتم بعد وفاتكم من مال وميراث، إن حدث بأحدكم حَدَثُ الوفاة ولا ولد له ذكر ولا أنثى =" فإن كان لكم ولد "، يقول: فإن حدث بأحدكم حدث الموت وله ولد ذكر أو أنثى، واحدًا كان الولد أو جماعة =" فلهن الثمن مما تركتم "، يقول: فلأزواجكم حينئذ من أموالكم وتركتكم التي تخلفونها بعد وفاتكم، الثمن من بعد قضاء ديونكم التي حدث بكم حدث الوفاة وهي عليكم، ومن بعد إنفاذ وصاياكم الجائزة التي توصون بها.

* * * وإنما قيل: " من بعد وصية توصون بها أو دين "، فقدم ذكر الوصية على ذكر الدين، لأن معنى الكلام: إن الذي فرضتُ لمن فرضتُ له منكم في هذه الآيات، إنما هو له من بعد إخراج أيِّ هذين كان في مال الميت منكم، (3) من وصية أو دين.

فلذلك كان سواءً تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديم ذكر الدين قبل ذكر الوصية، لأنه لم يرد من معنى ذلك إخراج الشيئين: " الدين والوصية " من ماله، فيكون ذكر الدين أولى أن يُبدأ به من ذكر الوصية.

(4) * * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن كان رجلٌ أو امرأة يورث كلالةً.

ثم اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

* * * فقرأ ذلك عامة قرأة أهل الإسلام: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ) ، يعني: وإن كان رجل يورث متكلًّل النسب.

* * * ف " الكلالة " على هذا القول، مصدر من قولهم: " تكلَّله النسب تكلُّلا وكلالة "، بمعنى: تعطف عليه النسب.

* * * وقرأه بعضهم: ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ) ، بمعنى: وإن كان رجل يورِث من يتكلَّله، بمعنى: من يتعطف عليه بنسبه من أخ أو أخت.

* * * واختلف أهل التأويل في" الكلالة ".

فقال بعضهم: هي ما خلا الوالد والولد.

* ذكر من قال ذلك: 8745 - حدثنا الوليد بن شجاع السَّكوني قال، حدثني علي بن مسهر، عن عاصم، عن الشعبي قال: قال أبو بكر رحمه الله عليه: إني قد رأيت في الكلالة رأيًا = فإن كان صوابًا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، (5) والله منه بريء =: أن الكلالة ما خلا الولد والوالد.

فلما &; 8-54 &; استخلف عمر رحمة الله عليه قال: إني لأستحيي من الله تبارك وتعالى أن أخالف أبا بكر في رأي رآه.

(6) 8746 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عاصم الأحول قال، حدثنا الشعبي: أن أبا بكر رحمه الله قال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله: هو ما دون الولد والوالد.

قال: فلما كان عمر رحمه الله قال: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر.

8747 - حدثنا [يونس بن عبد الأعلى] قال، أخبرنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن الشعبي: أن أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قالا الكلالة من لا ولد له ولا والد.

(7) 8748 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن عمران بن حدير، عن السميط قال: كان عمر رجلا أيسر، (8) فخرج يومًا وهو يقول بيده &; 8-55 &; هكذا، (9) يديرها، إلا أنه قال، أتى عليّ حين ولست أدري ما الكلالة، ألا وإنّ الكلالة ما خلا الولد والوالد.

(10) 8749 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن عامر، عن أبي بكر قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.

8750 - حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.

8751 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن جريج يحدث، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.

8752 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن ابن عباس، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (11) .

8753 - حدثنا ابن بشار وابن وكيع قالا حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا &; 8-56 &; أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن ابن عباس بمثله.

(12) 8754 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد السلولي، عن ابن عباس قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.

8755 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة "، قال: الكلالة من لم يترك ولدًا ولا والدًا.

8756 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد قال: ما رأيتهم إلا قد اتفقوا أن من مات ولم يدع ولدًا ولا والدًا، أنه كلالة.

8757 - حدثنا تميم بن المنتصر قال، حدثنا إسحاق بن يوسف، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد قال: ما رأيتهم إلا قد أجمعوا أنّ الكلالة الذي ليس له ولد ولا والد.

8758 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.

8759 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن أبي &; 8-57 &; إسحاق، عن سليم بن عبد قال: أدركتهم وهم يقولون، إذا لم يدع الرجل ولدًا ولا والدًا، وُرِث كلالة.

8760 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإن كان رجل يورَث كلالة أو امرأة "، والكلالة الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جد، ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الأخوة من الأم.

8761 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم قال في الكلالة: ما دون الولد والوالد.

8762 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: الكلالة كل من لا يرثه والد ولا ولد، وكل من لا ولد له ولا والد فهو يورث كلالة، من رجالهم ونسائهم.

8763 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة والزهري وأبي إسحاق، قال: الكلالة من ليس له ولد ولا والد.

8764 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن محمد، عن معمر، عن الزهري وقتادة وأبي إسحاق مثله.

* * * وقال آخرون: " الكلالة ما دون الولد "، وهذا قول عن ابن عباس، وهو الخبر الذي ذكرناه قبل من رواية طاوس عنه: (13) أنه ورَّث الإخوة من الأم السدس مع الأبوين.

* * * وقال آخرون: الكلالة ما خلا الوالد.

* ذكر من قال ذلك: 8765 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا سهل بن يوسف، عن شعبة، قال: &; 8-58 &; سألت الحكم عن الكلالة قال: فهو ما دون الأب.

* * * واختلف أهل العربية في الناصب للكلالة.

فقال بعض البصريين: إن شئت نصبت " كلالة " على خبر " كان "، وجعلت " يورث " من صفة " الرجل ".

وإن شئت جعلت " كان " تستغني عن الخبر نحو " وقع "، وجعلت نصب " كلالة " على الحال، أي: يورث كلالة، (14) كما يقال: " يضرب قائمًا ".

* * * وقال بعضهم قوله: " كلالة "، خبر " كان "، لا يكون الموروث كلالة، وإنما الوارث الكلالةُ.

* * * قال أبو جعفر والصواب من القول في ذلك عندي أن " الكلالة " منصوب على الخروج من قوله: " يورث "، وخبر " كان "" يورث ".

و " الكلالة " وإن كانت منصوبة بالخروج من " يورث "، فليست منصوبة على الحال، ولكن على المصدر من معنى الكلام.

لأن معنى الكلام: وإن كان رجل يورَث متكلِّله النسب كلالةً = ثم ترك ذكر " متكلِّله " اكتفاء بدلالة قوله: " يورث " عليه.

* * * واختلف أهل العلم في المسمَّى " كلالة ".

فقال بعضهم: " الكلالة " الموروث، وهو الميت نفسه، يسمى بذلك إذا ورثه غير والده وولده.

(15) * ذكر من قال ذلك: 8766 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا &; 8-59 &; أسباط، عن السدي قوله في الكلالة، (16) قال: الذي لا يدع والدًا ولا ولدًا.

8767 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهدًا بعمر رحمه الله، (17) فسمعته يقول: القولُ ما قلت.

(18) قلت: وما قلت؟

قال: الكلالة من لا ولد له.

(19) 8768 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن ابن عباس قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.

(20) &; 8-60 &; وقال آخرون: " الكلالة "، هي الورثة الذين يرثون الميت، إذا كانوا إخوة أو أخوات أو غيرهم، إذا لم يكونوا ولدًا ولا والدًا، على ما قد ذكرنا من اختلافهم في ذلك.

* * * وقال آخرون: بل " الكلالة " الميت والحي جميعًا.

* ذكر من قال ذلك: 8769 - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد: الكلالة الميت الذي لا ولد له ولا والد = أو الحي، كلهم " كلالة "، هذا يَرِث بالكلالة، وهذا يورَث بالكلالة (21) .

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله هؤلاء، وهو أن " الكلالة " الذين يرثون الميت، من عَدا ولده ووالده، وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابر بن عبد الله أنه قال: قلت يا رسول الله؟

إنما يرثني كلالة، فكيف بالميراث (22) وبما: - 8770 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد قال، كنا مع حميد بن عبد الرحمن في سوق الرقيق، قال: فقام من عندنا ثم رجع، فقال: هذا آخر ثلاثة من بني سعد حدَّثوني هذا الحديث، قالوا: مرض سعد بمكة مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده.

فقال: يا رسول الله، لي مال كثير، وليس لي وارثٌ إلا كلالة، فأوصي بمالي كله؟

فقال: لا.

(23) 8771 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا إسحاق بن سويد، عن العلاء بن زياد قال: جاء شيخٌ إلى عمر رضي الله عنه فقال: إنِّي شيخ، وليس لي وارث إلا كلالةُ أعراب مُتراخٍ نسبُهم، (24) أفأوصي بثلث مالي؟

قال: لا.

* * * =فقد أنبأت هذه الأخبار عن صحة ما قلنا في معنى " الكلالة "، وأنها ورثة الميت دون الميت، ممن عدا والده وولده.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " وله أخ أو أخت "، وللرجل الذي يورث كلالة أخ أو أخت، يعني: أخًا أو أختًا من أمه، كما:- 8772 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم، عن سعد أنه كان يقرأ: " وإن كان رجل &; 8-62 &; يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت " قال، سعد: لأمه.

8773 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء قال: سمعت القاسم بن ربيعة يقول: قرأت على سعد: " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت " قال، سعد: لأمه.

8774 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة بن قانف (25) قال: قرأت على سعد، فذكر نحوه.

8775 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص قرأ: " وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت من أمه ".

(26) 8776 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وله أخ أو أخت " فهؤلاء الإخوة من الأم: إن كان واحدًا فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، ذكرهم وأنثاهم فيه سواء.

(27) 8778 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت "، &; 8-63 &; فهؤلاء الإخوة من الأم، فهم شركاء في الثلث، سواءٌ الذكر والأنثى.

* * * قال أبو جعفر: وقوله: " فلكل واحد منهما السدس "، إذا انفرد الأخ وحده أو الأخت وحدها، ولم يكن أخ غيره أو غيرها من أمه، فله السدس من ميراث أخيه لأمه.

فإن اجتمع أخ وأخت، أو أخوان لا ثالث معهما لأمهما، أو أختان كذلك، أو أخ وأخت ليس معهما غيرهما من أمهما = فلكل واحد منهما من ميراث أخيهما لأمهما السدس =" فإن كانوا أكثر من ذلك "، يعني: فإن كان الإخوة والأخوات لأم الميت الموروث كلالة أكثرَ من اثنين =" فهم شركاء في الثلث "، يقول: فالثُّلث الذي فرضت لاثنيهم إذا لم يكن غيرهما من أمهما ميراثًا لهما من أخيهما الميت الموروث كلالة، شركة بينهم، إذا كانوا أكثر من اثنين إلى ما بلغ عددهم على عدد رؤوسهم، لا يفضل ذكر منهم على أنثى في ذلك، ولكنه بينهم بالسويَّة.

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: " وله أخ أو أخت "، ولم يُقَل: " لهما أخ أو أخت "، وقد ذكر قبل ذلك " رجل أو امرأة "، فقيل: (28) وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ ؟

قيل: إن من شأن العرب إذا قدمت ذكر اسمين قبل الخبر، فعطفت أحدهما على الآخر بـ " أو " ، ثم أتت بالخبر، أضافت الخبر إليهما أحيانًا، وأحيانًا إلى أحدهما، وإذا أضافت إلى أحدهما، كان سواء عندها إضافة ذلك إلى أيّ الاسمين اللذين ذكرتهما إضافَته، فتقول: " من كان عنده غلام أو جارية فليحسن إليه "، يعني: فليحسن إلى الغلام - و " فليحسن إليها "، يعني: فليحسن إلى الجارية - و " فليحسن إليهما ".

(29) * * * وأما قوله: " فلكل واحد منهما السدس "، وقد تقدم ذكر الأخ والأخت بعطف أحدهما على الآخر، والدلالة على أن المراد بمعنى الكلام أحدهما في قوله: " وله أخ أو أخت "، فإن ذلك إنما جاز، لأن معنى الكلام، فلكل واحد من المذكورين السدس.

(30) * * * القول في تأويل قوله : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " من بعد وصيه يوصي بها "، أي: هذا الذي فرضت لأخي الميت الموروث كلالة وأخته أو إخوته وأخواته من ميراثه وتركته، إنما هو لهم من بعد قضاء دين الميت الذي كان عليه يوم حدث به حَدَثُ الموت من تركته، وبعد إنفاذ وصاياه الجائزة التي يوصي بها في حياته لمن أوصى له بها بعد وفاته، كما:- 8779 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " من بعد وصية يوصَى بها أو دين "، والدين أحق ما بدئ به من جميع المال، فيؤدَّي عن أمانة الميت، ثم الوصية، ثم يقسم أهل الميراث ميراثهم.

* * * وأما قوله: " غير مضارّ"، فإنه يعني تعالى ذكره: من بعد وصية يوصي بها، غيرَ مضَارّ ورثته في ميراثهم عنه، كما:- 8780 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، &; 8-65 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " غير مضار "، قال: في ميراث أهله.

8781 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " غير مضار "، قال: في ميراث أهله.

8782 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " غير مضار وصية من الله "، وإن الله تبارك وتعالى كره الضرار في الحياة وعند الموت، ونهى عنه، وقدَّم فيه، فلا تصلح مضارَّة في حياة ولا موت.

8783 - حدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال، حدثنا عبيدة بن حميد = وحدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية = جميعًا، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: " غير مضار وصية من الله واللهُ عليم حليم "، قال: الضرار في الوصية من الكبائر.

(31) 8784 - حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الضرار في الوصية من الكبائر.

8785 - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.

8786 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الحيفُ في الوصية من الكبائر.

8787 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى قالا حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الضرار والحيف في الوصية من الكبائر.

(32) 8788 - حدثني موسى بن سهل الرملي قال، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر قال، حدثنا عمر بن المغيرة قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الضرار في الوصية من الكبائر ".

(33) 8789 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو عمرو التيمي، عن أبي الضحى قال: دخلت مع مسروق على مريض، فإذا هو يوصي قال: فقال له مسروق: أعدل لا تضلل.

(34) * * * ونصبت " غيرَ مضارّ" على الخروج من قوله: " يوصَى بها " .

(35) * * * وأما قوله: " وصية " فإن نصبه من قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ، وسائر ما أوصى به في الاثنين، ثم قال: " وصية من الله "، مصدرًا من قوله: يُوصِيكُمُ .

(36) * * * وقد قال بعض أهل العربية: ذلك منصوب من قوله: فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ =" وصية من الله "، وقال: هو مثل قولك: " لك درهمان نفقةً إلى أهلك ".

(37) * * * قال أبو جعفر: والذي قلناه بالصواب أولى، لأن الله جل ثناؤه افتتح ذكر قسمةِ المواريث في هاتين الآيتين بقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ ، ثم ختم ذلك بقوله: " وصية من الله "، أخبر أن جميع ذلك وصية منه به عباده، فنصْبُ قوله: " وصية " على المصدر من قوله: يُوصِيكُمُ ، أولى من نصبه على التفسير من قوله: (38) فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، لما ذكرنا.

* * * ويعني بقوله تعالى ذكره: " وصية من الله "، عهدًا من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم = (39) " والله عليم "، يقول: والله ذو علم بمصالح خلقه ومضارِّهم، ومن يستحق أن يعطى من أقرباء من مات منكم وأنسبائه من ميراثه، ومن يحرم ذلك منهم، ومبلغ ما يستحق به كل من استحق منهم قسمًا، وغير ذلك من أمور عباده ومصالحهم =" حليم "، يقول: ذو حلم على خلقه، وذو أناة في تركه معاجلتهم بالعقوبة على ظلم بعضهم بعضًا، (40) في إعطائهم الميراث لأهل الجلد والقوة من ولد الميت، وأهل الغناء والبأس منهم، دون أهل الضعف والعجز من صغار ولده وإناثهم.

--------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "يحدث لهن الموت" باللام ، والصواب ما في المخطوطة .

(2) في المطبوعة: "يحدث لهن الموت" باللام ، والصواب ما في المخطوطة .

(3) في المخطوطة والمطبوعة: "الميت منكن" ، والصواب"منكم" كما أثبتها.

(4) في المطبوعة: "إخراج أحد الشيئين" بزيادة"أحد" ، وهي لا معنى لها هنا ، بل هي إخلال بما أراد ، وبما ذكر قبل من قوله: "إنما هو له من بعد إخراج أي هذين كان في مال الميت منكم".

(5) في المطبوعة: "وإن يكن خطأ" ، وأثبت ما في المخطوطة.

وفي المطبوعة: "أبو بكر رضي الله عنه" ، وكذلك لما ذكر"عمر" ، وأثبت ما في المخطوطة في هذا الموضع وفيما يليه ، ولم أنبه إليه فيما يلي.

وفي المخطوطة والمطبوعة: "فمني والشيطان" بإسقاط"من" ، والصواب من تفسير ابن كثير والبغوي بهامشه 2: 370 ، والدر المنثور 2: 250.

(6) الأثر: 8745 - أخرجه البيهقي في السنن 6: 223 ، 224 ، وابن كثير والبغوي 2: 370 ، والدر المنثور 2: 250 ، ونسبه أيضًا لعبد الرزاق ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وفي الدر والبيهقي: "فلما طعن عمر" ، وفي ابن كثير: "فلما ولي عمر" ، وإحدى روايتي البيهقي ، ورواية البغوي كرواية الطبري: "فلما استخلف".

(7) الأثر: 8747 -"يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري ، شيخ الطبري ، روى عنه أبو جعفر شيئًا كثيرًا في تفسيره وفي غيره من كتبه ، وقد مضى برقم: 1679.

وكان في المطبوعة: "أبو بشر بن عبد الأعلى" ، وليس في الرواة من كان بهذا الاسم ، وخاصة في شيوخ أبي جعفر.

وفي المخطوطة: "أبو بشر عبد الأعلى" ، وهذا أيضًا لا يعرف ، ورجح عندي أنه تصحيف وتحريف من الناسخ ، وأن صوابه"يونس بن عبد الأعلى" شيخ الطبري ، فأثبته كذلك بين قوسين.

(8) جاء في هذا الأثر في صفة عمر أنه"أيسر" ، والذي جاء في الآثار من صفته أنه"أعسر يسر (بفتحتين) يعمل بيديه جميعًا" ، وذلك هو الذي يسمونه"الأضبط" ، تكون قوة شماله ، كقوة يمينه في العمل.

فإذا كان يعمل بيده الشمال خاصة فهو"أعسر" ، والرجل إذا كان"أعسر" وليس"يسرًا" ، كانت يمينه أضعف من شماله.

هذا ، وكأنه أراد هنا بقوله: "أيسر" أنه يعمل بشماله ، وهو غريب عند أهل اللغة ، وقد جاء أيضًا في صفة عمر"أعسر أيسر" ، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: "هكذا روي في الحديث ، وأما كلام العرب ، فالصواب أنه"أعسر يسر".

وقال ابن السكيت: "لا تقل أعسر أيسر".

ولكن هكذا جاءت الرواية فيما بين أيدينا من تفسير أبي جعفر ، فلا أدري أأخطأ ناسخها ، أم هكذا كانت روايته.

ولم أجد الخبر بتمامه في مكان آخر.

(9) قوله: "يقول بيده هكذا" ، أي: يحركها ويشير بها أو يومئ.

و"القول" في كلام العرب يوضع مواضع كثيرة ، منها معنى الإشارة والتحريك والإيماء.

(10) الأثر: 8748 - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 224 من طريق محمد بن نصر ، عن عبد الأعلى ، عن حماد ، عن عمران بن حدير ، عن السميط بن عمير ، بغير هذا اللفظ مختصرًا ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 250-251 مختصرًا ، ولم ينسبه لغير ابن أبي شيبة.

و"عمران بن حدير السدوسي" مضت ترجمته فيما سلف برقم: 2634.

وأما "السميط" فهو: سميط بن عمير السدوسي ، ويقال: سميط بن سمير ، ويقال سميط بن عمرو.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري: 2 / 2 / 204 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 317.

(11) الآثار: 8750 ، 8751 ، 8752 - ثلاث طرق ، وأخرجه البيهقي في السنن 6: 225 من طريقين ، من طريق أبي سعيد الأعرابي ، عن سعدان بن نصر ، عن سفيان = ومن طريق محمد بن نصر ، عن محمد بن الصباح ، عن سفيان ، مطولا.

(12) الأثر: 8753 ، ثم الآثار: 8754 ، 8756 ، 8757 ، 8758 ، 8759 - طرق مختلفة لخبر سليم بن عبد السلولي عن ابن عباس وسيرويه أيضًا برقم: 8768.

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2: 224 من طريق أخرى ، من طريق يحيى بن يحيى ، عن هشيم ، عن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبي إسحاق.

وأشار إلى رقم: 8753 ، 8754 ، طريق إسرائيل عن أبي إسحاق.

و"سليم بن عبد السلولي" ، ويقال: "سليم بن عبد الله" ، كوفي.

مترجم في الكبير للبخاري 2 / 2 / 127 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 212 ، وتعجيل المنفعة: 163 ، قال البخاري وأبو حاتم: "روى عن حذيفة ، روى عنه أبو إسحاق السبيعي" ، وزاد الحافظ في تعجيل المنفعة"فقط".

وقال: "وثقه ابن حبان وقال: شهد غزوة طبرستان ، وقال العجلي: كوفي ثقة ، هم ثلاثة إخوة: سليم بن عبد ، وعمارة بن عبد ، وزيد بن عبد.

ثقات ، سلوليون ، كوفيون".

هذا وقد أفادنا إسناد الطبري والبيهقي ، أنه روى أيضًا عن غير حذيفة من الصحابة ، روى عن ابن عباس أيضًا كما تسمع.

(13) هو الأثر رقم: 8734 ، فيما سلف.

(14) في المطبوعة: "يورث كلالة" ، وفي المخطوطة يشبه أن تكون"مورث" ، وتلك أجود ، فأثبتها لأنها أحق بالمكان.

(15) في المطبوعة: "سمى بذلك" وفي المخطوطة: "سمى" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(16) في المطبوعة: "قولهم في الكلالة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الصواب.

(17) في المطبوعة: "رضي الله عنه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(18) في المطبوعة: "فسمعته يقول ما قلت" ، أسقط"القول" ، وفي المخطوطة: "فسمعته يقول يقول ما قلت" ، وهو عجلة من الناسخ وتحريف ، والصواب ما أثبت من السنن الكبرى للبيهقي.

(19) الأثر: 8767 -"سليمان الأحول" هو: سليمان بن أبي مسلم المكي الأحول ، خال ابن أبي نجيح.

وهو ثقة ، روى عنه الستة.

وهذا الأثر أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 2: 225 من طريق سعدان بن نصر ، عن سفيان (يعني ابن عيينة) ، عن سليمان الأحول.

وقال البيهقي معقبًا على روايته: "كذا في هذه الرواية ، والذي روينا عن عمر وابن عباس في تفسير الكلالة ، أشبه بدلائل الكتاب والسنة من هذه الرواية ، وأولى أن يكون صحيحًا ، لانفراد هذه الرواية ، وتظاهر الروايات عنهما بخلافها".

وأشار إليها ابن كثير في تفسيره 2: 371 قال: "وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك ، وهو أنه من لا ولد له ، والصحيح عنه الأول ، ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد".

هذا ، ولم يغفل أبو جعفر عن ذلك ، فعقب عليه هو أيضًا برواية القول المشهور في الرواية عن ابن عباس ، فساق خبر سليم بن عبد السلولي عن ابن عباس ، الذي سلف من رقم: 8753 - 8759 ، من طريق أخرى ، واكتفى بذلك من التعليق على هذا القول الذي انفرد به طاوس عن ابن عباس.

(20) الأثر: 8768 - هما إسنادان أحدهما"ابن وكيع عن أبيه" ، وقد سلف 8754 ، والآخر: "ابن وكيع عن يحيى بن آدم" ، وهو إسناد لم يذكره مع أسانيد هذا الأثر فيما سلف من رقم: 8753-8759.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "سليمان بن عبد" ، وهو خطأ ، بل هو"سليم بن عبد السلولي" كما سلف في أسانيد الأثر.

(21) في المخطوطة: "هذا يرث بالكلالة ، وهذا يرث بالكلالة" ، وهو سهو من الناسخ ، صوابه ما في المطبوعة.

(22) هو الأثر السالف رقم: 8730.

(23) الأثر: 8770 -"عمرو بن سعيد القرشي" ، روى عن سعيد بن جبير ، وأبي العالية ، والشعبي ، وحميد بن عبد الرحمن الحميري ، روى عنه أيوب ، ويونس ، وابن عون ، وغيرهم وهو و"حميد بن عبد الرحمن الحميري" ، روى له الستة ، روى عن أبي بكرة وابن عمر ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، وثلاثة من ولد سعد بن أبي وقاص (هم المذكورون في هذا الأثر) وغيرهم.

قال ابن سعد: "كان ثقة ، وله أحاديث".

وكلاهما مترجم في التهذيب.

وخبر سعد بن أبي وقاص في الوصية ، وقوله: "إني أورث كلالة" ، رواه ابن سعد في الطبقات 3 / 1 / 103 ، وأحمد في مسنده 4: 60 ، كلاهما: عفان بن مسلم ، عن وهيب ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن عمرو بن القاري ، عن أبيه ، عن جده عمرو بن القاري.

وأخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب: 444 ، وابن الأثير في أسد الغابة 4: 119 وقال: "أخرجه الثلاثة" يعني ابن منده ، وأبو نعيم ، وابن عبد البر.

(24) قوله"متراخ نسبهم" ، أي: بعيد نسبهم ، من قولهم: "تراخى فلان عني" ، أي: بعد عني ، ولم يذكر أصحاب اللغة شاهدًا له ، وهذا شاهده.

(25) في المطبوعة: "القاسم بن ربيعة عن فاتك" ، وهو خطأ محض ، وفي المخطوطة كما أثبتها إلا أن الناسخ أساء كتابتها ونقطها ، فغيرها الناشرون.

وانظر التعليق التالي.

(26) الآثار: 8772 -8775 -"القاسم بن ربيعة" ، هو: "القاسم بن ربيعة بن قانف الثقفي" منسوبًا إلى جده ، فهو: "القاسم بن عبد الله بن ربيعة بن قانف الثقفي".

ثقة ، لم يرو عنه سوى"يعلى بن عطاء العامري" ، وقد سلفت ترجمته وإسناده فيما مضى رقم: 1755 -1757 .

وهذا الخبر عن سعد بن أبي وقاص ، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 223 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 126 ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، والدارمي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.

(27) سقط من الترقيم رقم: 8777.

(28) في المخطوطة والمطبوعة: "وقد ذكر مثل ذلك" وهو خطأ بين ، وصواب السياق ما أثبت.

(29) انظر معاني القرآن للفراء 1: 257 ، 258.

(30) في المطبوعة والمخطوطة: "ولكل واحد" بالواو ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(31) الأثر: 8783 -"نصر بن عبد الرحمن الأزدي" ، مضت ترجمته برقم: 423 ، 875 ، 2859 ، وقد وقع هنا في المخطوطة والمطبوعة ، كما كان قد وقع هناك فيهما"الأودي" بالواو ، وهو خطأ.

و"عبيدة بن حميد بن صهيب التيمي" ، مضى برقم: 2781.

ثم انظر التعليق في آخر هذه الآثار رقم: 8787 ، 8788.

(32) الأثر 8787- وما قبله ، أثر ابن عباس ، رواه أبو جعفر بخمسة أسانيد موقوفا عليه ، وسيأتي في الذي يليه مرفوعًا ، وقد أخرجه البيهقي في السنن 6: 271 من طريق سعيد بن منصور ، عن هشيم ، عن داود بن أبي هند ، وقال: "هذا هو الصحيح ، موقوف ، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا.

وروي من وجه آخر مرفوعًا ، ورفعه ضعيف" ، وهو إشارة إلى الأثر التالي الذي رواه الطبري.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 372 ، 373 قال: "رواه النسائي في سننه ، عن علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس موقوفًا...

وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أبي سعيد الأشج ، عن عائذ بن حبيب ، عن داود بن أبي هند.

ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس موقوفًا" ، ثم قال: "قال ابن جرير: والصحيح الموقوف".

وهذا الذي نسبه ابن كثير لابن جرير ، لم أجده في تفسيره في مظنته في هذا الموضع ، فلا أدري أسقط من الكتاب شيء ، أم وجده ابن كثير في مكان آخر من كتب أبي جعفر ، أم تعجل ابن كثير فأخطأ؟

هذا ، وقد جاء في هذه الآثار في المخطوطة والمطبوعة: "الحيف في الوصية" ، وفي السنن الكبرى"الجنف" ، وهو مثله في المعنى ، وهو الموافق لما في آية الوصية من سورة البقرة: 182"فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا".

(33) الأثر: 8788 -"إسحاق بن إبراهيم بن يزيد" أبو النضر الدمشقي الفراديسي ، مولى عمر بن عبد العزيز ، روى عنه البخاري ، وربما نسبه إلى جده يزيد.

وهو ثقة ، مترجم في التهذيب.

وأما "عمر بن المغيرة" أبو حفص فهو بصري ، وقع إلى المصيصة ، روى عن داود بن أبي هند والجلد بن أيوب ، وروى عنه بقية بن الوليد ، وهشام بن عمار.

قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه فقال: شيخ" وقال: "وروىعنه أبو النضر الدمشقي الفراديسي إسحاق بن إبراهيم".

وقال البخاري: "عمر بن المغيرة ، منكر الحديث مجهول".

وقال علي بن المديني: "هو مجهول ، لا أعرفه".

مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 136 ، ولسان الميزان 4: 332.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "عمرو بن المغيرة" ، والصواب ما أثبته.

وهذا الأثر أخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 271 من طريق عبد الله بن يوسف التنسي ، عنه.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 372 ، ونسبه لأبي بن حاتم ، عن أبيه ، عن أبي النضر الدمشقي ، عن عمر بن المغيرة.

وقال الحافظ في ترجمة"إسحاق بن إبراهيم" في التهذيب 1: 220 ="روى له الأزدي في الضعفاء حديثًا عن عمر بن المغيرة ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رفعه: الضرار في الوصية من الكبائر.

قال الأزدي: المحفوظ من قول ابن عباس ، لا يرفعه.

قلت: (القائل هو الحافظ ابن حجر): عمر ، ضعيف جدًا ، فالحمل فيه عليه ، وقد رواه الثوري وغيره عن داود موقوفًا".

(34) الأثر: 8789 -"أبوعمرو التيمي" ، لم أعرف من هو؟

وأخشى أن يكون"أبو المعتمر التيمي" وهو"سليمان بن طرخان التيمي".

(35) "الخروج" انظر ما سلف ص: 50 ، تعليق: 3.

(36) "المصدر" يعني به المفعول المطلق.

(37) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 258.

(38) "التفسير" هو التمييز ، كما أسلفنا مرارًا آخرها في 6: 586 ، تعليق: 1 .

(39) انظر تفسير"الوصية" فيما سلف ص: 30 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(40) انظر تفسير"عليم" و"حليم" في مادتهما من فهارس اللغة فيما سلف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم فيه ثمانية مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآيتين .

الخطاب للرجال .

والولد هنا بنو الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا ، ذكرانا وإناثا واحدا فما زاد بإجماع .

وأجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد ، وله مع وجوده الربع .

وترث المرأة من زوجها الربع مع فقد الولد ، والثمن مع وجوده .

وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد ، وفي الثمن إن كان له ولد واحد ، وأنهن شركاء في ذلك ؛ لأن الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهن وبين حكم الجميع ، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن .الثانية : قوله تعالى : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة الكلالة مصدر ؛ من تكلله النسب أي أحاط به .

وبه سمي الإكليل ، وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر إذا احتل بها .

ومنه الإكليل أيضا وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس .

( فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة ) .

هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم .

وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير وأبي الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبد قال : ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد .

وهكذا قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتبي وأبو عبيد وابن الأنباري .

فالأب والابن طرفان للرجل ؛ فإذا ذهبا تكلله النسب .

ومنه قيل : روضة مكللة إذا حفت بالنور .

وأنشدوا :مسكنه روضة مكللة عم بها الأيهقان والذرق[ ص: 68 ] يعني نبتين .

وقال امرؤ القيس :أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكللفسموا القرابة كلالة ؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم ، وإحاطتهم به أنهم ينتسبون معه .

كما قال أعرابي : مالي كثير ويرثني كلالة متراخ نسبهم .

وقال الفرزدق :ورثتم قناة المجد لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشموقال آخر :وإن أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضبوقيل : إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء ؛ فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء .

قال الأعشى :فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من وجى حتى تلاقي محمداوذكر أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال : الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة .

قال أبو عمر : ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له ، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره .

وروي عن عمر بن الخطاب أن ( الكلالة من لا ولد له خاصة ) ؛ وروي عن أبي بكر ثم رجعا عنه .

وقال ابن زيد : الكلالة الحي والميت جميعا .

وعن عطاء : الكلالة المال .

قال ابن العربي : وهذا قول طريف لا وجه له .قلت : له وجه يتبين بالإعراب آنفا .

وروي عن ابن الأعرابي أن الكلالة بنو العم الأباعد .وعن السدي أن الكلالة الميت .

وعنه مثل قول الجمهور .

وهذه الأقوال تتبين وجوهها بالإعراب ؛ فقرأ بعض الكوفيين " يورث كلالة " بكسر الراء وتشديدها .

وقرأ الحسن وأيوب " يورث " بكسر الراء وتخفيفها ، على اختلاف عنهما .

وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة إلا الورثة أو المال .

كذلك حكى أصحاب المعاني ؛ فالأول من ورث ، والثاني من أورث .وكلالة مفعوله وكان بمعنى وقع .

ومن قرأ " يورث " بفتح الراء احتمل أن تكون الكلالة المال ، والتقدير : يورث وراثة كلالة فتكون نعتا لمصدر محذوف .

ويجوز أن تكون الكلالة اسما للورثة وهي خبر كان ؛ فالتقدير : ذا ورثة .

ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع ، [ ص: 69 ] ويورث نعت لرجل ، ورجل رفع بكان ، وكلالة نصب على التفسير أو الحال ؛ على أن الكلالة هو الميت ، التقدير : وإن كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت .الثامنة والعشرون : ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين : آخر السورة وهنا ، ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الإخوة .

فأما هذه الآية فأجمع العلماء على أن الإخوة فيها عنى بها الإخوة للأم ؛ لقوله تعالى : فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث .

وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ " وله أخ أو أخت من أمه " .

ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم أو الأب ليس ميراثهم كهذا ؛ فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه أو لأبيه ؛ لقوله عز وجل وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين .

ولم يختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا ؛ فدلت الآيتان أن الإخوة كلهم جميعا كلالة .

وقال الشعبي : ( الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة ) .

كذلك قال علي وابن مسعود وزيد وابن عباس ، وهو القول الأول الذي بدأنا به .

قال الطبري : والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده ، لصحة خبر جابر : فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة ، أفأوصي بمالي كله ؟

قال : لا .الثالثة : قال أهل اللغة : يقال رجل كلالة وامرأة كلالة .

ولا يثنى ولا يجمع ؛ لأنه مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة .

وأعاد ضمير مفرد في قوله : وله أخ ولم يقل لهما .

ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا ؛ تقول : من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما وإليهم ؛ قال الله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة .

وقال تعالى : إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ويجوز أولى بهم ؛ عن الفراء وغيره .

ويقال في امرأة : مرأة ، وهو الأصل .

وأخ أصله أخو ، يدل عليه أخوان ؛ فحذف منه وغير على غير قياس .

قال الفراء ضم أول أخت ، لأن المحذوف منها واو ، وكسر أول بنت ؛ لأن المحذوف منها ياء .

وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا .الرابعة : قوله تعالى : فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا .

وإذا كانوا يأخذون بالأم فلا يفضل [ ص: 70 ] الذكر على الأنثى .

وهذا إجماع من العلماء ، وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الإخوة للأم .

فإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخاها لأمها فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ من الأم السدس .

فإن تركت أخوين وأختين - والمسألة بحالها - فللزوج النصف وللأم السدس وللأخوين والأختين الثلث ، وقد تمت الفريضة .

وعلى هذا عامة الصحابة ؛ لأنهم حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس .

وأما ابن عباس فإنه لم ير العول ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة ، وهو لا يرى ذلك .

والعول مذكور في غير هذا الموضع ، ليس هذا موضعه .

فإن تركت زوجها وإخوة لأم وأخا لأب وأم ؛ فللزوج النصف ، ولإخوتها لأمها الثلث ، وما بقي فلأخيها لأمها وأبيها .

وهكذا من له فرض مسمى أعطيه ، والباقي للعصبة إن فضل .

فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحمارية ، وتسمى أيضا المشتركة .

قال قوم : ( للإخوة للأم الثلث ، وللزوج النصف ، وللأم السدس ) ، وسقط الأخ والأخت من الأب والأم ، والأخ والأخت من الأب .روي عن علي وابن مسعود وأبي موسى والشعبي وشريك ويحيى بن آدم ، وبه قال أحمد بن حنبل واختاره ابن المنذر ؛ لأن الزوج والأم والأخوين للأم أصحاب فرائض مسماة ولم يبق للعصبة شيء .

وقال قوم : ( الأم واحدة ، وهب أن أباهم كان حمارا !

وأشركوا بينهم في الثلث ) ؛ ولهذا سميت المشتركة والحمارية .

روي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضا وزيد بن ثابت ومسروق وشريح ، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق .

ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلا .

فهذه جملة من علم الفرائض تضمنتها الآية ، والله الموفق للهداية .وكانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة ، وكانوا يورثون الرجال دون النساء ؛ فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله : للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب كما تقدم .

وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية وبدء الإسلام بالمحالفة ، قال الله عز وجل : والذين عقدت أيمانكم على ما يأتي بيانه .

ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة ؛ قال الله تعالى : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا الأنفال : وسيأتي .

وهناك [ ص: 71 ] يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم ، إن شاء الله تعالى .

وسيأتي في سورة " النور " ميراث ابن الملاعنة وولد الزنا والمكاتب بحول الله تعالى .

والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلوم حياته أن ميراثه ثابت ؛ لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام جارية عليهم .

وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في الأسير في يد العدو : لا يرث .

وقد تقدم ميراث المرتد في سورة " البقرة " والحمد لله .الخامسة : قوله تعالى : غير مضار نصب على الحال والعامل يوصى .أي يوصي بها غير مضار ، أي غير مدخل الضرر على الورثة .

أي لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة ؛ ولا يقر بدين .

فالإضرار راجع إلى الوصية والدين ؛ أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث ، فإن زاد فإنه يرد ، إلا أن يجيزه الورثة ؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى .

وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا .

وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز .

وقد تقدم هذا في " البقرة " .

وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها ؛ كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف ؛ فإن ذلك لا يجوز عندنا .

وروي عن الحسن أنه قرأ غير مضار وصية من الله " على الإضافة .

قال النحاس : وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لحن ؛ لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر .

والقراءة حسنة على حذف ، والمعنى : غير مضار ذي وصية ، أي غير مضار بها ورثته في ميراثهم .

وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة .السادسة : فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين ؛ فقالت طائفة : يبدأ بدين الصحة ؛ هذا قول النخعي والكوفيين .

قالوا : فإذا استوفاه صاحبه فأصحاب الإقرار في المرض يتحاصون .

وقالت طائفة : هما سواء إذا كان لغير وارث .

هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد ، وذكر أبو عبيد أنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن .السابعة : قد مضى في " البقرة " الوعيد في الإضرار في الوصية ووجوهها .

وقد روى أبو داود من حديث شهر بن حوشب ( وهو مطعون فيه ) عن أبي هريرة حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار .

قال : وقرأ علي أبو هريرة من هاهنا [ ص: 72 ] من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار حتى بلغ ذلك الفوز العظيم .

وقال ابن عباس : ( الإضرار في الوصية من الكبائر ) ؛ ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن مشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارة في ثلثه ؛ لأن ذلك حقه فله التصرف فيه كيف شاء .

وفي المذهب قوله : أن ذلك مضارة ترد .

وبالله التوفيق .الثامنة : قوله تعالى : وصية نصب على المصدر في موضع الحال والعامل " يوصيكم " ويصح أن يعمل فيها مضار والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا ، قال ابن عطية ؛ وذكر أن الحسن بن أبي الحسن قرأ " غير مضار وصية " بالإضافة ؛ كما تقول : شجاع حرب .

وبضة المتجرد ؛ في قول طرفة بن العبد .

والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى .ثم قال : والله عليم حليم يعني عليم بأهل الميراث حليم على أهل الجهل منكم .

وقرأ بعض المتقدمين " والله عليم حكيم يعني حكيم بقسمة الميراث والوصية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال تعالى: ولكم أيها الأزواج نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين .

ويدخل في مسمى الولد المشروط وجوده أو عدمه، ولد الصلب أو ولد الابن الذكر والأنثى، الواحد والمتعدد، الذي من الزوج أو من غيره، ويخرج عنه ولد البنات إجماعا.

ثم قال تعالى: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت أي: من أم، كما هي في بعض القراءات.

وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأم، فإذا كان يورث كلالة أي: ليس للميت والد ولا ولد أي: لا أب ولا جد ولا ابن ولا ابن ابن ولا بنت ولا بنت ابن وإن نزلوا.

وهذه هي الكلالة كما فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حصل على ذلك الاتفاق ولله الحمد.

فلكل واحد منهما أي: من الأخ والأخت السدس ، فإن كانوا أكثر من ذلك أي: من واحد فهم شركاء في الثلث أي: لا يزيدون على الثلث ولو زادوا عن اثنين.

ودل قوله: فهم شركاء في الثلث أن ذكرهم وأنثاهم سواء، لأن لفظ "الشريك" يقتضي التسوية.

ودل لفظ الكلالة على أن الفروع وإن نزلوا، والأصول الذكور وإن علوا، يسقطون أولاد الأم، لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة، فلو لم يكن يورث كلالة، لم يرثوا منه شيئا اتفاقا.

ودل قوله: فهم شركاء في الثلث أن الإخوة الأشقاء يسقطون في المسألة المسماة بالحمارية.

وهى: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء.

للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرق الله حكمه.

وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض، والأشقاء عصبات.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: - " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " - وأهل الفروض هم الذين قدر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء، فيسقط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك.

وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، فمذكور في قوله: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة الآية.

فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين.

وإذ استغرقت الشقيقات الثلثين سقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن.

وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين.

فإن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى، والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد، وذوي الأرحام، وبقية العصبة، والأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا؟

قيل: نعم، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات:فأما القاتل والمخالف في الدين فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي.

وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا وقد علم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث.

فعلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن "من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه" وبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، والمانع الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه، فقوي المانع ومنع موجب الإرث الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع.

يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به.

فيكون قوله تعالى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة.

قال ابن القيم في "جلاء الأفهام": وتأمل هذا المعنى في آية المواريث وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: ولكم نصف ما ترك أزواجكم إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث.

وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين انتهى .

وأما ( الرقيق ) فإنه لا يرث ولا يورث، أما كونه لا يورث فواضح، لأنه ليس له مال يورث عنه، بل كل ما معه فهو لسيده.

وأما كونه لا يرث فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت فيكون مثل قوله تعالى: للذكر مثل حظ الأنثيين ولكم نصف ما ترك أزواجكم فلكل واحد منهما السدس ونحوها لمن يتأتى منه التملك، وأما الرقيق فلا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له.

وأما من بعضه حر وبعضه رقيق فإنه تتبعض أحكامه.

فما فيه من الحرية يستحق بها ما رتبه الله في المواريث، لكون ما فيه من الحرية قابلا للتملك، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك، فإذا يكون المبعض، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية.

وإذا كان العبد يكون محمودا مذموما، مثابا ومعاقبا، بقدر ما فيه من موجبات ذلك، فهذا كذلك.

وأما ( الخنثى ) فلا يخلو إما أن يكون واضحا ذكوريته أو أنوثيته، أو مشكلا.

فإن كان واضحا فالأمر فيه واضح.

إن كان ذكرا فله حكم الذكور، ويشمله النص الوارد فيهم.

وإن كان أنثى فله حكم الإناث، ويشملها النص الوارد فيهن.

وإن كان مشكلا فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما -كالإخوة للأم- فالأمر فيه واضح، وإن كان يختلف إرثه بتقدير ذكوريته وبتقدير أنوثيته، ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك، لم نعطه أكثر التقديرين، لاحتمال ظلم من معه من الورثة، ولم نعطه الأقل، لاحتمال ظلمنا له.

فوجب التوسط بين الأمرين، وسلوك أعدل الطريقين، قال تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى فليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا أكثر من هذا الطريق المذكور.

ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها فاتقوا الله ما استطعتم .

وأما ( ميراث الجد ) مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وهل يرثون معه أم لا؟

فقد دل كتاب الله على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن الجد يحجب الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم، كما يحجبهم الأب.

وبيان ذلك: أن الجد أب في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق الآية.

وقال يوسف عليه السلام: واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب .

فسمى الله الجد وجد الأب أبا، فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب، يرث ما يرثه الأب، ويحجب من يحجبه.

وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أن الجد حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم من بني الإخوة والأعمام وبنيهم، وسائر أحكام المواريث، فينبغي أيضا أن يكون حكمه حكمه في حجب الإخوة لغير أم.

وإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن الصلب فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب؟

وإذا كان جد الأب مع ابن الأخ قد اتفق العلماء على أنه يحجبه.

فلم لا يحجب جد الميت أخاه؟

فليس مع من يورث الإخوة مع الجد، نص ولا إشارة ولا تنبيه ولا قياس صحيح.

وأما مسائل ( العول ) فإنه يستفاد حكمها من القرآن، وذلك أن الله تعالى قد فرض وقدر لأهل المواريث أنصباء، وهم بين حالتين: إما أن يحجب بعضهم بعضا أو لا.

فإن حجب بعضهم بعضا، فالمحجوب ساقط لا يزاحم ولا يستحق شيئا، وإن لم يحجب بعضهم بعضا فلا يخلو، إما أن لا تستغرق الفروض التركة، أو تستغرقها من غير زيادة ولا نقص، أو تزيد الفروض على التركة، ففي الحالتين الأوليين كل يأخذ فرضه كاملا.

وفي الحالة الأخيرة وهي ما إذا زادت الفروض على التركة فلا يخلو من حالين: إما أن ننقص بعض الورثة عن فرضه الذي فرضه الله له، ونكمل للباقين منهم فروضهم، وهذا ترجيح بغير مرجح، وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر، فتعينت الحال الثانية، وهي: أننا نعطي كل واحد منهم نصيبه بقدر الإمكان، ونحاصص بينهم كديون الغرماء الزائدة على مال الغريم، ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول، فعلم من هذا أن العول في الفرائض قد بينه الله في كتابه.

وبعكس هذه الطريقة بعينها يعلم ( الرد ) فإن أهل الفروض إذا لم تستغرق فروضهم التركة وبقي شيء ليس له مستحق من عاصب قريب ولا بعيد، فإن رده على أحدهم ترجيح بغير مرجح، وإعطاءه غيرهم ممن ليس بقريب للميت جنف وميل، ومعارضة لقوله: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فتعين أن يرد على أهل الفروض بقدر فروضهم.

ولما كان الزوجان ليسا من القرابة، لم يستحقا زيادة على فرضهم المقدر هذا عند من لا يورث الزوجين بالرد، وهم جمهور القائلين بالرد، فعلى هذا تكون علة الرد كونه صاحب فرض قريبا، وعلى القول الآخر، أن الزوجين كغيرهما من ذوي الفروض يرد عليهما; فكما ينقصان بالعول فإنهما يزادان بالرد كغيرهما، فالعلة على هذا كونه وارثا صاحب فرض، فهذا هو الظاهر من دلالة الكتاب والسنة، والقياس الصحيح، والله أعلم .

وبهذا يعلم أيضا ميراث ذوي الأرحام؛ فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض ولا عاصبا، وبقي الأمر دائرا بين كون ماله يكون لبيت المال لمنافع الأجانب، وبين كون ماله يرجع إلى أقاربه المدلين بالورثة المجمع عليهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فصرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره، فتعين توريث ذوي الأرحام.

وإذا تعين توريثهم، فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بأعيانهم في كتاب الله.

وأن بينهم وبين الميت وسائط، صاروا بسببها من الأقارب.

فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط.

والله أعلم.

وأما ميراث بقية العصبة؛ كالبنوة والأخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم...

إلخ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" وقال تعالى: ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون فإذا ألحقنا الفروض بأهلها ولم يبق شيء، لم يستحق العاصب شيئا، وإن بقي شيء أخذه أولي العصبة، وبحسب جهاتهم ودرجاتهم.

فإن جهات العصوبة خمس: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة وبنوهم، ثم العمومة وبنوهم، ثم الولاء، ويقدم منهم الأقرب جهة.

فإن كانوا في جهة واحدة فالأقرب منزلة، فإن كانوا بمنزلة واحدة فالأقوى، وهو الشقيق، فإن تساووا من كل وجه اشتركوا.

والله أعلم.

وأما كون الأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن عصبات، يأخذن ما فضل عن فروضهن، فلأنه ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات.

فإذا كان الأمر كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن، فإنه يعطى للأخوات ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومن هو أبعد منهم.

والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ) وهذا في ميراث الأزواج ، ( ولهن الربع ) يعني : للزوجات الربع ، ( مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ) هذا في ميراث الزوجات وإذا كان للرجل أربع نسوة فهن يشتركن في الربع والثمن .

قوله تعالى : ( وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ) تورث كلالة ، ونظم الآية : وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة وهو نصب على المصدر ، وقيل : على خبر ما لم يسم فاعله ، وتقديره : إن كان رجل يورث ماله كلالة .

واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا ولد له ولا والد له .

وروي عن الشعبي قال : سئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة فقال : إني سأقول فيها قولا برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان ، أراه ما خلا الوالد والولد ، فلما استخلف عمر رضي الله عنهما قال : إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر رضي الله عنه .

وذهب طاوس إلى أن الكلالة من لا ولد له ، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأحد القولين عن عمر رضي الله عنه ، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله تعالى : ( قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ) وبيانه عند العامة مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله ، لأن الآية نزلت فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن ، لأن أباه عبد الله بن حرام قتل يوم أحد ، وآية الكلالة نزلت في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم ، فصار شأن جابر بيانا لمراد الآية لنزولها فيه .

واختلفوا في أن الكلالة اسم لمن؟

منهم من قال : اسم للميت ، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، لأنه مات عن ذهاب طرفيه ، فكل عمود نسبه ، ومنهم من قال : اسم للورثة ، وهو قول سعيد بن جبير ، لأنهم يتكللون الميت من جوانبه ، وليس في عمود نسبه أحد ، كالإكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خال ، وعليه يدل حديث جابر رضي الله عنه حيث قال : إنما يرثني كلالة ، أي : يرثني ورثة ليسوا بولد ولا والد .

وقال النضر بن شميل : الكلالة اسم للمال ، وقال أبو الخير : سأل رجل عقبة عن الكلالة فقال : ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة ، وما أعضل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما أعضلت بهم الكلالة .

وقال عمر رضي الله عنه " ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بينهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها : الكلالة والخلافة وأبواب الربا " .

وقال معدان بن أبي طلحة : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة ، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي في الكلالة ، حتى طعن بأصبعه في صدري قال : " يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء " وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن .

وقوله ألا تكفيك آية الصيف؟

أراد : أن الله عز وجل أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء والأخرى في الصيف ، وهي التي في آخرها ، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء ، فلذلك أحاله عليها .

قوله تعالى : ( وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ) أراد به الأخ والأخت من الأم بالاتفاق ، قرأ سعد بن أبي وقاص " وله أخ أو أخت من أم " ولم يقل لهما مع ذكر الرجل والمرأة من قبل ، على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما ، وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما ، وربما أضافت إليهما ، كقوله تعالى : " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة " ( البقرة - 153 ) ، ( فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ) فيه إجماع أن أولاد الأم إذا كانوا اثنين فصاعدا يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم ، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته : ألا إن الآية التي أنزل الله تعالى في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد .

والآية الثانية في الزوج والزوجة والإخوة من الأم ، والآية التي ختم بها سورة النساء في الإخوة والأخوات من الأب والأم ، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ، ( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ) أي : غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزته الثلث في الوصية ، قال الحسن هو أن يوصي بدين ليس عليه ، ( وصية من الله والله عليم حليم ) قال قتادة : كره الله الضرار في الحياة وعند الموت ، ونهى عنه وقدم فيه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد» منكم أو من غيركم «فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين» وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع «ولهن» أي الزوجات تعددن أو لا «الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد» منهن أو من غيرهن «فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين» وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا «وإن كان رجل يورث» صفة والخبر «كلالة» أي لا والد له ولا ولد «أو امرأة» تورث كلالة «وله» أي للمورث كلالة «أخ أو أخت» أي من أم وقرأ به ابن مسعود وغيره «فلكل واحد منهما السدس» مما ترك «فإن كانوا» أي الإخوة والأخوات من الأم «أكثر من ذلك» أي من واحد «فهم شركاء في الثلث» يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم «من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مُضارّ» حال من ضمير يوصي أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث «وصيةً» مصدر مؤكد ليوصيكم «من الله والله عليم» بما دبره لخلقه من الفرائض «حليم» بتأخير العقوبة عمن خالفه، وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رقٌ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولكم -أيها الرجال- نصف ما ترك أزواجكم بعد وفاتهن إن لم يكن لهن ولد ذكرًا كان أو أنثى، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن، ترثونه من بعد إنفاذ وصيتهن الجائزة، أو ما يكون عليهن من دَيْن لمستحقيه.

ولأزواجكم - أيها الرجال - الربع مما تركتم، إن لم يكن لكم ابن أو ابنة منهن أو من غيرهن، فإن كان لكم ابن أو ابنة فلهن الثمن مما تركتم، يقسم الربع أو الثمن بينهن، فإن كانت زوجة واحدة كان هذا ميراثًا لها، من بعد إنفاذ ما كنتم أوصيتم به من الوصايا الجائزة، أو قضاء ما يكون عليكم من دَيْن.

وإن مات رجل أو امراة وليس له أو لها ولد ولا والد، وله أو لها أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس.

فإن كان الإخوة أو الأخوات لأم أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث يقسم بينهم بالسوية لا فرق بين الذكر والأنثى، وهذا الذي فرضه الله للإخوة والأخوات لأم يأخذونه ميراثًا لهم من بعد قضاء ديون الميت، وإنفاذ وصيته إن كان قد أوصى بشيء لا ضرر فيه على الورثة.

بهذا أوصاكم ربكم وصية نافعة لكم.

والله عليم بما يصلح خلقه، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد والأبوين شرع فى بيان ميراث الأزواج فقال - تعالى - ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ ) .أى : ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لهؤلاء الزوجات الموروثات ولد ذكرا كان أو أنثى ، واحدا كان أو متعددا ، منكم كان أو من غيركم فإن كان لهن ولد فلكم أيها الازواج الربع مما تركن من المال .وبهذا نرى أن للزوج فى الميراث حالتين : حالة يأخذ فيها نصف ما تركته زوجته المتوفاة من مال إن لم تترك خلفها ولدا من بطنها أو من صلب نبيها أو بنيها .

.

.

إلخ ، فإن تركت ولدا على التفصيل السابق كان لزوجها ربع ما تركت من مال وتلك هى الحالة الثانية للزوج ، ويكون الباقى فى الصورتين لبقية الورثة .وقوله ( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ) متعلق بكلتا الصورتين .أى لكم ذلك أيها الرجال من بعد استخراج وصيتهن وقضاء ما عليهن من ديون .ثم بين - سبحانه - نصيب الزوجة فقال ( وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم ) .أى أن للزوجات ربع المال الذى تركه أزواجهن إذا لم يكن لهؤلاء الأزواج الأموال ولد من ظهورهم أو من ظهور بنيهم أو بنى بنيهم .

.

إلخ فإن ترك الأزواج من خلقهم ولدا فللزوجات ثمن المال الذى تركه أزواجهن ويكون المال الباقى فى الصورتين لبقية الورثة .ونرى من هذا أن الزوجة على النصف فى التقدير من الزوج ، وهو قاعدة عامة فى قسمة الميراث بالنسبة للذكر والأنثى ، ولم يستثن إلا الإخوة لأم ، والأبوين فى بعض الأحوال .وقوله ( مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ) متعلق بما قبله .أى لكن ذلك أيتها الزوجات من بعد استخراج وصيتهم وقضاء ما عليهم من ديون .ثم بين - سبحانه ، ميراث الإِخوة والأخوات لأم فقال - تعالى - : ( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امرأة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس فَإِن كانوا أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث ) .والكلالة؛ هم القرابة من غير الأصول والفروع .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما الكلالة؟

قلت : ينطلق على واحد من ثلاثة : على من لم يخلف ولدا ولا والدا وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد ، ومنه قولهم ما ورث المجد عن كلالة .

كما تقول : ما صمت عن عى ، وما كف عن جبن .والكلالة فى الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء ، قال الأعشى :فآليت لا أرثى لها من كلالة ...

فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالإِضافة إلى قرابتها كالّة ضعيفة .

عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أنه سئل عن الكلالة فقال : الكلالة : من لا ولد له ولا والد .والظاهر أن كلمة " كلالة هنا وصف للميت الموروث ، لأنها حال من نائب فاعل قوله : ( يُورَثُ ) وهو ضمير الميت الموروث .

والتقدير .

وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة .

أى؛ لم يترك ولدا ولا والدا .

ويرى بعضهم أن كلمة هنا : وصف للوارث الذى ليس بولد ولا والد للميت .

لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه ، وليسوا فى عمود نسبه ، كالإِكليل يحيط بالرأس ، ووسط الرأس منه خال .

من تكلله الشئ إذا أحاط به .

فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة ، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه .

وعلى هذا الرأى يكون المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة .

أى أن وارثه ليس بولد ولا والد له .والمراد بالإِخوة والأخوات هنا : الإِخوة والاخوات لأم ، بدليل قراءة سعد بن أبى وقاص : " وله أخ أو أخت من أم " .

ويلد عليه - أيضا - أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإِخوة مرتين : هنا مرة ، ومرة أخرى فى آخر آية من هذه السورة وهى قوله : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة ) وقد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث شركة ، وجعل فى الآية التى فى آخر السورة للأخت الواحد النصف .

وللأثنتين الثلثين ، فوجب أن يكون الإِخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض .

ولأنه لما كان الإِخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من الإِخوة لأم ، وقد أعطى - سبحانه - الأخت والأختين والإِخوة فى آخر السورة نصيبا أوفر ، فقد وجب حمل الإِخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإِخوة لأب .

كما وجب حمل الإِخوة والأخوات هنا على الإِخوة لأم .والمعنى : ( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً ) أى : يورث من غير أصوله أو فروعه ( أَو امرأة ) أى : تورث كذلك من غير أصولها أو فروعها .والضمير فى قوله ( وَلَهُ ) يعود لذلك الشخص الميت المفهوم من المقام .

أو لواحد منهما - أى الرجل والمرأة - والتذكير للتغليب .

أو يعود للرجل واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فى هذا الحكم .وقوله : ( أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ) أى : من الأم فقط ( فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ) أى : الأخ والأخت ( السدس ) مما ترك ذلك المتوفى من غير تفصيل للذكر على الأنثى .

لأنهما يتساويان فى الإِدلاء إلى الميت بمحض الانوثة .

( فَإِن كانوا ) أى : الإِخوة والأخوات لأم ، أكثر من واحد فهم شركاء فى الثلث ، يقتسمونه فيما بينهم بالسوية بين ذكورهم وإناثهم ، والباقى من المال الموروث يقسم بين أصحاب الفروض والعصبات من الورثة .وبذلك نرى أن الإِخوة والأخوات من الأم لهم حالتان :إحداهما : أن يأخذ الواحد أو الواحدة السدس إذا انفردا .والثانية : أن يتعدد الأخ لأم وفى هذه الحالة يكون نصيبهم الثلث يشتركون فيه بالسوية فلا فرق بين الذكر والأنثى .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ ) .أى : هذه القسمة التى قسمها الله - تعالى - لكم بالنسبة للإِخوة للأم إنما تتم بعد تنفيذ وصية الميت وقضاء ما عليه من ديون ، من غير ضرار الورثة بوصيته أو دينه .

وفى قوله ( يوصى ) قراءتان سبعيتان :إحداهما بالبناء للمفعول أى ( يوصى ) - بفتح الصاد - فيكون قوله ( غَيْرَ مُضَآرٍّ ) حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور .

أى من بعد وصية يوصى بها أو دين حالة كون الموصى به أو الدين غير مضار ، أى غير متسبب فى ضرر الورثة .والقراءة الثانية بالبناء للفاعل أى ( يوصى ) - بكسر الصاد - فيكون قوله ( غَيْرَ مُضَآرٍّ ) حال من فاعل الفعل المذكور وهو ضمير ( يوصى ) .أى : يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه " غير مضار " أى غير مدخل الضرر على الورثة .

وبهذا نرى أن مرتبة الورثة فى التقسيم تأتى بعد سداد الديون وبعد تنفيذ الوصايا ولذا ذكر سبحانه هذين الأمرين أربع مرات فى هاتين الآيتين تأكيدا لحق الدائنين والموصى لهم وتبرئة لذمة المتوفى فقد قال بعد ببان ميراث الأولاد والأبوين ( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ) وقال بعد بيان ميراث الزوج ( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ) وقال بعد ميراث الزوجة : ( مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ) وقال بعد بيان ميراث الإِخوة والأخوات لأم : ( مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ ) .وقد قدم - سبحانه - الوصية على الدين فى اللفظ مع أنها مؤخرة عن الدين فى السداد ، وذلك للتشديد فى تنفيذها ، إذ هى مظنه الإِهمال ، أو مظنة الإِخفاء ، ولأنها مال يعطى بغير عوض فكان إخراجها شاقا على النفس .فكان من الاسلوب البليغ الحكيم العناية بتنفيذها ، وكان من مظاهر هذه العناية تقديمها فى الذكر .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : فإن قلت : لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها فى الشريعة؟

قالت : لما كانت الوصية مشبهة للميراث فى كونها مأخوذة من غير عوض ، كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها ، فكان أداؤها مظنة للتفريط ، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه ، فلذلك قدمت على الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين .فإن قلت : ما معنى ( أَوْ ) ؟

قلت معناها الإِباحة ، وأنه إذا كان أحدهما أو كلاهما ، قدم على قسمة الميراث كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين .

فأو هنا جئ بها للتسوية بينهما فى الوجوب .وقوله - تعالى - ( غَيْرَ مُضَآرٍّ ) يفيد النهى للموروث عن إلحاق الضرر بورثته عن طريق الوصية أو بسب الديون .والضرر بالورثة عن طريق الوصية يتأتى بأن يوصى الموروث بأكثر من الثلث ، أو به فأقل مع قصده الإِضرار بالورثة فقد روى النسائى فى سننه عن ابن عباس أنه قال : الضرار فى الوصية من الكبائر .

وقال قتادة : كره الله الضرار فى الحياة وعند الممات ونهى عنه .والضرر بالورثة بسبب الدين يتأتى بأن يقر بدين لشخص ليس له عليه دين دفعا للميراث عن الورثة ، أو يقر بأن الدين الذى كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه ، مع أنه لم يحصل شئ من ذلك .وقد ذكر - سبحانه - هذه الجملة وهى قوله ( غَيْرَ مُضَآرٍّ ) بعد حديثه عن ميراث الإِخوة والأخوات من الأم ، تأكيدا لحقوقهم ، وتحريضا على أدائها ، لأن حقوقهم مظنة الضياع والإِهمال .

ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب الإِخوة لأم .وقوله ( وَصِيَّةً مِّنَ الله ) نصبت كلمة ( وَصِيَّةً ) فيه على أنها مصدر مؤكد أى : يوصيكم الله بذلك وصية .

والتنوين فيها للتفخيم والتعظيم .

والجار والمجرور وهو ( مِّنَ الله ) متعلق بمحذوف وقع صفة لوصية : أى وصية كائنة من الله فمن خالفها كان مستحقا لعقابه .وقوله ( والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ ) تذييل قصد به تربية المهابة فى القلوب من خالقها العليم بأحوالها .

أى والله عليم بما تسرون وما تعلنون ، وبما يصلح أحوالكم وبمن يستحق الميراث ومن لا يستحقه وبمن يطيع أوامره ومن يخالفها حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه ، فهو - سبحانه - يمهل ولا يهمل .

فعليكم أن تستجيبوا لأحكامه ، حتى كونوا أهلا لمثوبته ورضاه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات، وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة، فان اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال اما أن يكون هو النسب أو الزوجية، فحصل هاهنا أقسام ثلاثة، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولاد، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا القسم.

وثانيها: الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي، والذاتي أشرف من العرضي، وهذا القسم هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها.

وثالثها: الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه: أحدها: أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية، وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية.

وثانيها: أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من الثابت بواسطة.

وثالثها: أن مخالطة الإنسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة.

وكثرة المخالطة مظنة الالفة والشفقة، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الانثيين كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الانثيين، واعلم أن الواحد والجماعة سواء في الربع والثمن، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء في الرد من النصف إلى الربع أو من الربع إلى الثمن، واعلم أنه لا فرق في الولد بين الذكر والانثى ولا فرق بين الابن وبين ابن الابن ولا بين البنت وبين بنت الابن، والله أعلم.

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: يجوز للزوج غسل زوجته، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز.

حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها، بيان أنها زوجته قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ سماها زوجة حال ما أثبت للزوج نصف مالها عند موتها، إذا ثبت للزوج نصف مالها عند موتها، فوجب أن تكون زوجة له بعد موتها، إذا ثبت هذا وجب أن يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها، وعند حصول الزوجية حل له غسلها، والدوران دليل العلية ظاهرا.

وحجة أبي حنيفة أنها ليست زوجته ولا يحل له غسلها: بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت وطؤها لقوله: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم  ﴾ وإذا ثبت هذا وجب أن لا يثبت حل الغسل، لأنه لو ثبت لثبت اما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه السلام: «غض بصرك إلا عن زوجتك» أو بدون حل النظر وهو باطل بالاجماع.

والجواب: لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول: لو لم تكن زوجة لكان قوله: ﴿ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ مجازا، ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل وطؤها لزم التخصيص، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن التخصيص أولى، فكان الترجيح من جانبنا، وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض والنفاس ومثل نهار رمضان، وعند اشتغالها باداء الصلاة المفروضة والحج المفروض، وعند كونها في العدة عن الوطء بالشبهة، وأيضا فقد بينا في الخلافيات أن حل الوطء ثبت على خلاف الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة، فبعد الموت لم يبق شيء من تلك المصالح، فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل فان ثبوته بعد الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله أعلم.

المسألة الثالثة: في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة، وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء، وما أحسن ما راعى هذه الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال على النساء في النصيب، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم عليهن.

قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أوامرأة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثلث مِن بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية الله والله عليم حليم ﴾ .

اعلم أن هذه الآية في شرح توريث القسم الثالث من أقسام الورثة وهم الكلالة وهم الذين ينسبون إلى الميت بواسطة.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة، واختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد، وهذا هو المختار والقول الصحيح، وأما عمر رضي الله عنه فانه كان يقول: الكلالة من سوى الولد، وروي أنه لما طعن قال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحيى أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد، وعن عمر فيه رواية أخرى: وهي التوقف، وكان يقول: ثلاثة، لأن يكون بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحب الي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، والربا.

والذي يدل على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه: الأول: التمسك باشتقاق لفظ الكلالة وفيه وجوه: الأول: يقال: كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة، وحمل فلان على فلان، ثم كل عنه إذا تباعد.

فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه.

الثاني: يقال: كل الرجل يكل كلا وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة، وذلك لانا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير فيكون فيها ضعف، وبهذا يظهر أنه يبعد ادخال الوالدين في الكلالة لأن انتسابهما إلى الميت بغير واسطة.

الثالث: الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الاحاطة، ومنه الاكليل لاحاطته بالرأس، ومنه الكل لاحاطته بما يدخل فيه، ويقال تكلل السحاب إذا صار محيطا بالجوانب، إذا عرفت هذا فنقول: من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة، لأنهم كالدائرة المحيطة بالانسان وكالاكليل المحيط برأسه: أما قرية الولادة فليست كذلك فان فيها يتفرع البعض عن البعض: ويتولد البعض من البعض، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد، ولهذا قال الشاعر: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوبا على أنبوب فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة، وهي كالاخوة والأخوات والأعمام والعمات، فانما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب اليه، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد.

الحجة الثانية: أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين، في هذه السورة: أحدهما: في هذه الآية، والثاني: في آخر السورة وهو قوله: ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ  ﴾ واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من لا ولد له فقط، قال: لأن المذكور هاهنا في تفسير الكلالة: هو أنه ليس له ولد، إلا أنا نقول: هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد.

وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الاخوة والأخوات حال كون الميت كلالة، ولا شك أن الاخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

الحجة الثانية: انه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها بذكر الكلالة، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد.

الحجة الرابعة: قول الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم دل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة، ودل على أنهم ورثوها عن آبائهم، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلا في الكلالة والله أعلم.

المسألة الثانية: الكلالة قد تجعل وصفا للوارث وللمورث، فاذا جعلناها وصفا للوارث فالمراد من سوى الأولاد والوالدين، واذا جعلناها وصفا للمورث، فالمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، أما بيان أن هذا اللفظ مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى جابر قال: مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد، وأما أنه مستعمل في المورث فالبيت الذي رويناه عن الفرزدق، فان معناه أنكم ما ورثتم الملك عن الأعمام، بل عن الآباء فسمى العم كلالة وهو هاهنا مورث لا وارث، اذا عرفت هذا فنقول: المراد من الكلالة في هذه الآية الميت، الذي لا يخلف الوالدين والولد، لأن هذا الوصف إنما كان معتبراً في الميت الذي هو المورث لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسب أن له ولدا أو والدا أم لا.

المسألة الثالثة: يقال رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا جعلناها صفة للوارث أو المورث كان بمعنى ذي كلالة، كما يقول: فلان من قرابتي يريد من ذوي قرابتي، قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ يُورَثُ ﴾ فيه احتمالان: الأول: أن يكون ذلك مأخوذاً من ورثه الرجل يرثه، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه، وفي انتصاب كلالة وجوه: أحدها: النصب على الحال، والتقدير: يورث حال كونه كلالة، والكلالة مصدر وقع موقع الحال تقديره: يورث متكلل النسب.

وثانيها: أن يكون قوله: ﴿ يُورَثُ ﴾ صفة لرجل، و ﴿ كلالة ﴾ خبر كان، والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة.

وثالثها: أن يكون مفعولا له، أي يورث لأجل كونه كلالة.

الاحتمال الثاني: في قوله: ﴿ يُورَثُ ﴾ أن يكون ذلك مأخوذا من أورث يورث، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الوارب، وانتصاب كلالة على هذا التقدير أيضا يكون على الوجوه المذكورة.

المسألة الخامسة: قرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي: يورث ويورث بالتخفيف والتشديد على الفاعل.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هاهنا سؤال: وهو أنه تعالى قال: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة أَو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وَلَهُ أَخٌ ﴾ فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما السبب فيه؟

والجواب قال الفراء: هذا جائز فانه إذا جاء حرفان في معنى واحد بأو جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد، ويجوز إسناده إليهما أيضا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، يذهب إلى الأخ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت، وإن قلت فليصلهما جاز أيضا.

المسألة الثانية: أجمع المفسرون هاهنا على أن المراد من الأخ والأخت: الأخ والأخت من الأم، وكان سعد بن أبي قاص يقرأ: وله أخ أو أخت من أم، وإنما حكموا بذلك لأنه تعالى قال في آخر السورة: ﴿ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة  ﴾ فأثبت للأختين الثلثين، وللاخوة كل المال، وهاهنا أثبت للاخوة والأخوات الثلث، فوجب أن يكون المراد من الاخوة والأخوات هاهنا غير الاخوة والأخوات في تلك الآية، فالمراد هاهنا الاخوة والأخوات من الأم فقط، وهناك الاخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب.

ثم قال تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أو  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الوصية بكل المال وبأي بعض أريد، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حق امرئ مسلم له مال يوصى به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده».

فهذا الحديث أيضا يدل على الاطلاق في الوصية كيف أريد، إلا أنا نقول: هذه العمومات مخصوصة من وجهين: الأول: في قدر الوصية، فانه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن والسنة، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملا ومفصلا، أما المجمل فقوله تعالى: ﴿ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون  ﴾ ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا النص، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين  ﴾ ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ  ﴾ وأما السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «الثلث والثلث كثير إنك ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».

واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام: أحدها: أن الوصية غير جائزة في أكثر من الثلث.

وثانيها: أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله: «والثلث كثير».

وثالثها: أنه اذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام: «أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».

ورابعها: فيه دلالة على جواز الوصية بجميع المال اذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة، فعند عدمهم وجب الجواز.

الوجه الثاني: تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له، وذلك لأنه لا يجوز الوصية لوارث، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا لا وصية لوارث».

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمة الله عليه: اذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما من التركة، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب، حجة الشافعي: أن الزكاة الواجبة والحج الواجب دين فيجب اخراجه بهذه الآية، وإنما قلنا إنه دين، لأن اللغة تدل عليه، والشرع أيضاً يدل عليه، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد، قيل في الدعوات المشهورة؛ يا من دانت له الرقاب، أي انقادت، وأما الشرع فلأنه روي أن الخثعمية لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها، فقال عليه الصلاة والسلام: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ؟

فقالت نعم، فقال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق أن يُقضى إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ قال أبو بكر الرازي: المذكور في الآية الدين المطلق، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج دينا لله، والاسم المطلق لا يتناول المقيد.

قلنا: هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة، وحديث الاطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُضَارّ ﴾ نصب على الحال، أي يوصى بها وهو غير مضار لورثته.

واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه: أحدها: أن يوصي بأكثر من الثلث.

وثانيها: أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي.

وثالثها: أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة.

ورابعها: أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل اليه.

وخامسها: أن يبيع شيئاً بثمن بخمس أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة.

وسادسها: أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية.

واعلم أن العلماء قالوا: الأولى أن يوصي بأقل من الثلث، قال علي: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع.

ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث.

وقال النخعي: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص، وقبض أبو بكر فوصى، فان أوصى الإنسان فحسن، وإن لم يوص فحسن أيضا.

واعلم أن الأولى بالانسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فان كان ماله قليلا وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم.

المسألة الرابعة: روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الاضرار في الوصية من الكبائر.

واعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ قال ابن عباس في الوصية: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ قال في الوصية، وأما السنة فروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الاضرار في الوصية من الكبائر وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة وجار في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة».

وقال عليه الصلاة والسلام: «من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة».

ومعلوم ان الزيادة في الوصية قطع من الميراث، وأما المعقول فهو أن مخالفة أمر الله عند القرب من الموت يدل على جراءة شديدة على الله تعالى، وتمرد عظيم عن الانقياد لتكاليفه، وذلك من أكبر الكبائر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: كيف انتصاب قوله: ﴿ وَصِيَّةً ﴾ .

والجواب فيه من وجوه: الأول: أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية، كقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله  ﴾ .

الثاني: أن تكون منصوبة بقوله: ﴿ غَيْرَ مُضَار ﴾ أي لا تضار وصية الله في أن الوصية يجب أن لا تزاد على الثلث.

الثالث: أن يكون التقدير: وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الاسراف في الوصية، وينصر هذا الوجه قراءة الحسن: غير مضار وصية بالاضافة.

السؤال الثاني: لم جعل خاتمة الآية الأولى: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ وخاتمة هذه الآية ﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ .

الجواب: ان لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل، وان كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى، ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ أي عليم بمن جار أو عدل في وصيته ﴿ حَلِيمٌ ﴾ على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ ﴾ منكم أو من غيركم.

جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج، كما جعلت كذلك بحق النسب.

والواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ ﴾ يعني الميت.

و ﴿ يُورَثُ ﴾ من ورث، أي يورث منه وهو صفة لرجل.

و ﴿ كلالة ﴾ خبر كان، أي وإن كان رجل موروث منه كلالة، أو يجعل يورث خبر كان، وكلالة حالاً من الضمير في يورث.

وقرئ ﴿ يُورِث ﴾ و ﴿ يُورّث ﴾ بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل، وكلالة حال أو مفعول به.

فإن قلت: ما الكلالة؟

قلت: ينطلق على ثلاثة على من لم يخلف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد.

ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة، كما تقول: ما صمت عن عيّ، وما كف عن جبن.

والكلالة في الأصل: مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء.

قال الأعشى: فَآلَيْتُ لاَ أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كالة ضعيفة، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث فبمعنى ذي كلالة.

كما تقول: فلان من قرابتي، تريد من ذوي قرابتي.

ويجوز أن تكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق.

فإن قلت: فإن جعلتها اسماً للقرابة في الآية فعلام تنصبها؟

قلت: على أنها مفعول له أي يورث لأجل الكلالة أو يورث غيره لأجلها، فإن قلت: فإن جعلت يورث على البناء للمفعول من أورث، فما وجهه؟

قلت: الرجل حينئذٍ هو الوارث لا الموروث.

فإن قلت: فالضمير في قوله: ﴿ فَلِكُلِّ واحد مّنْهُمَا ﴾ إلى من يرجع حيئنئذٍ؟

قلت: إلى الرجل وإلى أخيه أو أخته، وعلى الأول إليهما.

فإن قلت: إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر الأنثى، فهل تبقى هذه الفائدة قائمة في هذا الوجه؟

قلت: نعم، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء.

الكلالة: ما خلا الولد والوالد.

وعن عطاء والضحاك: أنّ الكلالة هو الموروث.

وعن سعيد بن جبير: هو الوارث،.

وقد أجمعوا على أنّ المراد أولاد الأم.

وتدل عليه قراءة أبيّ: ﴿ وله أخ أو أخت من الأم ﴾ .

وقراءة سعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم ﴾ .

وقيل: إنما استدل على أن الكلالة هاهنا الإخوة للأم خاصة بما ذكر في آخر السورة من أنّ للأختين الثلثين وأنّ للإخوة كل المال، فعلم هاهنا لما جعل للواحد السدس، وللاثنين الثلث، ولم يزادوا على الثلث شيئاً أنه يعني بهم الإخوة للأم، وإلا فالكلالة عامة لمن عدا الولد والوالد من سائر الإخوة الأخياف والأعيان وأولاد العلات وغيرهم ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ حال، أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته وذلك أن يوصي بزيادة على الثلث، أو يوصي بالثلث فما دونه، ونيته مضارّة ورثته ومغاضبتهم لا وجه الله تعالى.

وعن قتادة: كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه.

وعن الحسن: المضارة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه ومعناه الإقرار ﴿ وَصِيَّةً مّنَ الله ﴾ مصدر مؤكد، أي يوصيكم بذلك وصية، كقوله: ﴿ فَرِيضَةً مّنَ الله ﴾ [النساء: 11] ويجوز أن تكون منصوبة بغير مضار، أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث أو وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية.

وينصر هذا الوجه قراءة الحسن: ﴿ غير مضارّ وصية من الله ﴾ بالإضافة ﴿ والله عَلِيمٌ ﴾ بمن جار أو عدل في وصيته ﴿ حَلِيمٌ ﴾ عن الجائر لا يعالجه.

وهذا وعيد.

فإن قلت: في ﴿ يوصى ﴾ ضمير الرجل إذا جعلته الموروث، فكيف تعمل إذا جعلته الوارث؟

قلت: كما علمت في قوله تعالى: ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ [النساء: 11] لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت.

فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ ﴿ يوصى بها ﴾ على ما لم يسم فاعله؟

قلت يضمر (يوصى) فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل ﴿ يُوصِى بِهَا ﴾ علم أن ثم موصياً، كما قال: ﴿ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والاصال رجال ﴾ [النور: 36] على ما لم يسمّ فاعله، فعلم أن ثم مسبحاً، فأضمر يسبح فكما كان (رجال) فاعل ما يدل عليه يسبح، كان غير مضارّ حالاً عما يدل عليه يوصى بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ أيْ ولَدٌ وارِثٌ مِن بَطْنِها، أوْ مِن صُلْبِ بَنِيها، أوْ بَنِي بَنِيها وإنْ سَفُلَ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم.

مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ فَرَضَ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ الزَّواجِ ضِعْفَ ما لِلْمَرْأةِ كَما في النَّسَبِ، وهَكَذا قِياسُ كُلِّ رَجُلٍ وامْرَأةٍ اشْتَرَكا في الجِهَةِ والقُرْبِ، ولا يُسْتَثْنى مِنهُ إلّا أوْلادُ الأُمِّ والمُعْتَقُ والمُعْتَقَةُ، وتَسْتَوِي الواحِدَةُ والعَدَدُ مِنهم في الرُّبُعِ والثُّمُنِ.

وإنْ كانَ رَجُلٌ أيِ المَيِّتُ.

يُورَثُ أيْ يُورِثُ مِنهُ مَن ورِثَ صِفَةَ رَجُلٍ.

كَلالَةً خَبَرُ كانَ أوْ يُورِثُ خَبَرُهُ، وكَلالَةً حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ وهو مَن لَمْ يُخْلِفْ ولَدًا ولا والِدًا.

أوْ مَفْعُولٌ لَهُ والمُرادُ بِها قَرابَةٌ لَيْسَتْ مِن جِهَةِ الوالِدِ والوَلَدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الوارِثَ ويُورِثُ مَن أوْرَثَ، وكَلالَةٌ مَن لَيْسَ لَهُ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ.

وقُرِئَ يُورِثُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالرَّجُلُ المَيِّتُ وكَلالَةٌ تُحْتَمِلُ المَعانِي الثَّلاثَةَ وعَلى الأوَّلِ خَبَرٌ أوْ حالٌ، وعَلى الثّانِي مَفْعُولٌ لَهُ، وعَلى الثّالِثِ مَفْعُولٌ بِهِ، وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ قالَ الأعْشى: فَآلَيْتُ لا أرْثِي لَها مِن كَلالَةٍ ∗∗∗ ولا مِن حَفا حَتّى أُلاقِيَ مُحَمَّدًا فاسْتُعِيرَتْ لِقَرابَةٍ لَيْسَتْ بِالبَعْضِيَّةِ، لِأنَّها كالَّةٌ بِالإضافَةِ إلَيْها، ثُمَّ وُصِفَ بِها المُورِثُ والوارِثُ بِمَعْنى ذِي كَلالَةٍ كَقَوْلِكَ فُلانٌ مِن قَرابَتِي.

أوِ امْرَأةٌ عُطِفَ عَلى رَجُلٍ.

ولَهُ أيْ ولِلرَّجُلِ، واكْتُفِيَ بِحُكْمِهِ عَنْ حُكْمِ المَرْأةِ لِدَلالَةِ العَطْفِ عَلى تَشارُكِهِما فِيهِ.

أخٌ أوْ أُخْتٌ أيْ مِنَ الأُمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ وسَعْدِ بْنِ مالِكٍ «وَلَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ مِنَ الأُمِّ»، وأنَّهُ ذَكَرَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ولِلْأُخْوَةِ الكُلَّ، وهو لا يَلِيقُ بِأوْلادِ الأُمِّ وأنَّ ما قُدِّرَ هاهُنا فَرْضُ الأُمِّ فَيُناسِبُ أنْ يَكُونَ لِأوْلادِها.

فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ سَوّى بَيْنِ الذَّكَرِ والأُنْثى في القِسْمَةِ لِأنَّ الإدْلاءَ بِمَحْضِ الأُنُوثَةِ، ومَفْهُومُ الآيَةِ أنَّهم لا يَرِثُونَ ذَلِكَ مَعَ الأُمِّ والجَدَّةِ كَما لا يَرِثُونَ مَعَ البِنْتِ وبِنْتِ الِابْنِ فَخَصَّ فِيهِ بِالإجْماعِ.

مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ أيْ غَيْرَ مُضارٍّ لِوَرَثَتِهِ بِالزِّيادَةِ عَلى الثُّلُثِ، أوْ قَصَدَ المُضارَّةَ بِالوَصِيَّةِ دُونَ القُرْبَةِ والإقْرارُ بِدَيْنٍ لا يَلْزَمُهُ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ يُوصى المَذْكُورُ في هَذِهِ القِراءَةِ والمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ يُوصى عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وابْنِ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ.

وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أوْ مَنصُوبٌ بِغَيْرِ مُضارٍّ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «غَيْرَ مُضارِّ وصِيَّةٍ» بِالإضافَةِ أيْ لا يُضارُّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ، وهو الثُّلُثُ فَما دُونَهُ بِالزِّيادَةِ، أوْ وصِيَّةٌ مِنهُ بِالأوْلادِ بِالإسْرافِ في الوَصِيَّةِ والإقْرارِ الكاذِبِ.

واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُضارِّ وغَيْرِهِ.

حَلِيمٌ لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم} أي زوجاتكم {إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ} أي ابن أو بنت {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} منكم أو من غيركم {فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُم وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم

مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بها أو دين} والواحد والجماعة سواء في الربع والثمن جعل ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجة لدلالة قوله للذكر مثل حظ الأُنثيين {وَإِن كَانَ رَجُلٌ} يعني للميت وهو اسم كان {يُورَثُ} من ورث أى يورث منه وهو صفة لرجل {كلالة} خبر كان أي وإن كان رجل موروث منه كلالة أو يورث خبر كان وكلالة حال من الضمير في يورث والكلالة تطلق على من لم يخلف ولداً ولا والدا وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء {أَو امرأة} عطف على رجل {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أي لأم فإن قلت قد تقدم ذكر الرجل والمرأة فلم أفرد الضمير وذكره قلت أما إفراده فلأن أو لأحد الشيئين وأما تذكيره فلأنه يرجع إلى رجل لأنه مذكره مبدوء به أو يرجع إلى أحدهما وهو مذكر {فَلِكُلِّ واحد مّنْهُمَا السدس فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك} من واحد {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثلث} لأنهم يستحقون بقرابة الأم وهي لا ترث أكثر من الثلث ولهذا لا يغضل الذكر منهم على الأنثى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} إنما كررت الوصية لاختلاف الموصين فالأول الوالدان والأولاد والثاني الزوجة والثالث الزوج والرابع الكلالة {غَيْرَ مُضَارٍّ} حال أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته وذلك بأن يوصي بزيادة على الثلث أو لوارث {وَصِيَّةً مّنَ الله} مصدر مؤكد أي يوصيكم بذلك وصية {والله عليم} ممن جار أو عدل في وصيته {حَلِيمٌ} على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد فإن قلت فأين ذو الحال فيمن قرأ يوصي بها قلت يضمر يوصي فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل يوصي بها علم أن ثمّ موصياً كما كان رِجَالٌ فاعل ما يدل عليه يسبح لأنه لما قيل يُسَبّحُ لَهُ علم أن ثم مسبحاً فأضمر يسبح

واعلم أن الورثة أصناف أصحاب الفرائض وهم

النساء (١٣ _ ١٤)

الذين لهم سهام مقدرة كالبنت ولها النصف وللأكثر الثلثان وبنت الابن وإن سفلت وهي عند عدم الولد كالبنت ولها مع البنت الصلبية السدس وتسقط بالابن وبنتي الصلب إلا أن يكون معها أو أسفل منها غلام فيعصبها والأخوات لأب وأم وهن عند عدم الولد ولدالابن كالبنات والأخوات لأب وهن كالأخوات لأب وأم عند عدمهن وبصير الفريقان عصبة مع البنت أو بنت الابن ويسقطن بالابن وابنه وإن سفل والأب وبالجد عند أبى حنيفة رحمه الله وولد الأم فللواحد السدس وللأكثر الثلث وذكرهم كأنثاهم ويسقطون بالولد وولد الابن وإن سفل والأب والجد والأب وله السدس مع الابن أو ابن الابن وإن سفل ومع البنت أو بنت الابن وإن سفلت السدس والباقي والجد وهو أبو الأب وهو كالأب عند عدمه إلا في رد الأم إلى ثلث ما يبقى والأم ولها السدس مع الولد أو ولد الابن وإن سفل أو الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً من أي جهة كانا وثلث الكل عند عدمهم وثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين والجدة ولها السدس وإن كثرت لأم كانت أو لأب والبعدى تحجب بالقربى والكل بالأم والأبويات بالأب والزوج وله الربع مع الولد أو ولد الابن وإن سفل وعند عدمه النصف والزوجة ولها الثمن مع الولد أو ولد الابن وإن سفل وعند عدمه الربع والعصبات وهم الذين يرثون ما بقي من الفرض وأولاهم الابن ثم ابنه وإن سفل ثم الأب ثم أبوه وإن علائم الأخ لأب وأم ثم الأخ لأب ثم ابن الأخ لأب وأم ثم ابن الأخ لأب ثم الأعمام ثم أعمام الأب ثم أعمام الجد ثم المعتق ثم عصبته على الترتيب واللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بأخواتهن لا غيرهن وذوو الأرحام وهم الأقارب الذين ليسوا من العصبات ولا من أصحاب الفرائص وترتيبهم كترتيب العصبات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ ﴾ إنْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أوَّلًا ﴿ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ ﴾ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى واحِدًا كانَ أوْ مُتَعَدِّدًا مِنكم كانَ أوْ مِن غَيْرِكم، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ( لَهُنَّ ) ولَمْ يَقُلْ لَكم، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن بَطْنِ الزَّوْجَةِ وأنْ يَكُونَ مِن صُلْبِ بَنِيها أوْ بَنِي بَنِيها إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّفْصِيلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ولَدَ الوَلَدِ لا يَحْجِبُ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ذِكْرَ تَقْدِيرِ عَدَمِ الوَلَدِ وبَيانَ حُكْمِهِ مُسْتَتْبِعٌ لِتَقْدِيرِ وجُودِهِ وبَيانِ حُكْمِهِ ﴿ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ ﴾ مِنَ المالِ والباقِي في الصُّورَتَيْنِ لِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ، أوْ ذَوِي الأرْحامِ، أوْ لِبَيْتِ المالِ إنْ لَمْ يَكُنْ وارِثٌ آخَرُ ﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلْتا الصُّورَتَيْنِ لا بِما يَلِيهِ وحْدَهُ، والكَلامُ عَلى فائِدَةِ الوَصْفِ وكَذا عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ ذِكْرًا قَدْ مَرَّ آنِفًا فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ ﴿ ولَهُنَّ ﴾ أيِ الأزْواجِ تَعَدَّدْنَ أوْ لا ﴿ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ ﴾ عَلى التَّفْصِيلِ المُتَقَدِّمِ ﴿ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها ﴾ فَرَضَ لِلرَّجُلِ بِحَقِّ الزَّواجِ ضِعْفَ ما فَرَضَ لِلْمَرْأةِ كَما في النَّسَبِ لِمَزِيَّةٍ عَلَيْها ولِذا اخْتُصَّ بِتَشْرِيفِ الخِطابِ، وتَقْدِيمِ ذِكْرِ حُكْمِ مِيراثِهِ وهَكَذا قِياسُ كُلِّ رَجُلٍ وامْرَأةٍ اشْتَرَكا في الجِهَةِ والقُرْبِ، ولا يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ إلّا أوْلادُ الأُمِّ والمُعَتَقُ والمُعْتَقَةُ لِاسْتِواءِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنهم.

﴿ دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ ﴾ المُرادُ بِالرَّجُلِ المَيِّتُ وهو اسْمُ كانَ ﴿ يُورَثُ ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن ورِثَ الثُّلاثِيِّ خَبَرُ كانَ، والمُرادُ يُورَثُ مِنهُ فَإنَّ ورِثَ تَتَعَدّى بِمِن وكَثِيرًا ما تُحْذَفُ ﴿ كَلالَةً ﴾ هي في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكَلالِ وهو الإعْياءُ قالَ الأعْشى: فَآلَيْتُ لا أرْثِي لَها مِن ”كَلالَةٍ“ ولا مِن حَفِيٍّ حَتّى أُلاقِيَ مُحَمَّدًا ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ واسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الحَقائِقِ لِلْقَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوالِدِ والوَلَدِ لِضَعْفِها بِالنِّسْبَةِ إلى قَرابَتِهِما، وتُطْلَقُ عَلى مَن لَمْ يُخْلِفْ والِدًا ولا ولَدًا، وعَلى مَن لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ مِنَ المُخَلَّفِينَ بِمَعْنى ذِي كَلالَةٍ كَما تُطْلَقُ القَرابَةُ عَلى ذَوِي القَرابَةِ وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالمَصْدَرِ وآخَرُونَ جَوَّزُوا كَوْنَها صِفَةً كالهَجاجَةِ لِلْأحْمَقِ قالَ الشّاعِرُ: ” هَجاجَةُ“ مُنْتَخَبُ الفُؤادِ ∗∗∗ كَأنَّهُ نَعامَةٌ في وادٍ وتُسْتَعْمَلُ في المالِ المَوْرُوثِ مِمّا لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ إلّا أنَّهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرُ شائِعٍ وهي في جَمِيعِ ذَلِكَ لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ، واخْتارَ كَثِيرٌ كَوْنَ أصْلِها مِن تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ إذْ أحاطَ بِهِ، ومِن ذَلِكَ الإكْلِيلُ لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ والكُلِّ لِإحاطَتِهِ بِالعَدَدِ، وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ المَغْرِبِيُّ: أصًلُ الكَلالَةِ عِنْدِي ما تَرَكَهُ الإنْسانُ وراءَ ظَهْرِهِ أخْذًا مِنَ الكَلِّ وهو الظَّهْرُ والقَفا، ونَصَبَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ يُورَثُ مِنهُ لِأجْلِ القَرابَةِ المَذْكُورَةِ، أوْ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يُورَثُ ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِكانَ؛ و ﴿ يُورَثُ ﴾ صِفَةٌ لِرَجُلٍ أيْ إنْ كانَ رَجُلٌ مَوْرُوثٌ ذا كَلالَةٍ لَيْسَ بِوالِدٍ ولا ولَدٍ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ احْتِمالَ كَوْنِ ( كانَ ) تامَّةً، و( رَجُلٌ ) فاعِلُها، و ﴿ يُورَثُ ﴾ صِفَةٌ لَهُ و ﴿ كَلالَةً ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يُورَثُ، واحْتِمالُ نَصْبِها عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْضًا ظاهِرٌ، وجُوِّزَ فِيها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أحَدٌ قَرَأ بِهِ فَلا يَجُوزُ القِراءَةُ بِهِ أصْلًا، وجُعِلَ نَصْبُها عَلى الِاسْتِعْمالِ الغَيْرِ الشّائِعِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِيُورَثُ.

وقُرِئَ ( يُورَثُ ) و( يُورِثُ ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فانْتِصابُ ( كَلالَةً ) إمّا عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ يُورِثُ وارِثَهُ حالَ كَوْنِهِ ذا كَلالَةٍ، وإمّا عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ أيْ يُورِثُ ذا كَلالَةٍ، وإمّا عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ يُورَثُ لِأجْلِ الكَلالَةِ كَذا قالُوا، ثُمَّ إنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكُوفَةِ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ هو أنَّ الكَلالَةَ هُنا بِالمَعْنى الثّالِثِ، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ مِنهُمُ ابْنُ جُبَيْرٍ وصَحَّ بِهِ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها بِالمَعْنى الثّانِي، ولَمْ نَرَ نِسْبَةَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ لِأحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، والأوَّلُ مِنهُما غَيْرُ بَعِيدٍ، والثّانِي سائِغٌ إلّا أنَّ فِيهِ بُعْدًا كَما لا يَخْفى.

﴿ أوِ امْرَأةٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( رَجُلٌ ) مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ، وكَثِيرًا ما يُسْتَغْنى بِتَقْيِيدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْ تَقْيِيدِ المَعْطُوفِ، ولَعَلَّ فَصْلَ ذَكَرِها عَنْ ذِكْرِهِ لِلْإيذانِ بِشَرَفِهِ وأصالَتِهِ في الأحْكامِ، وقِيلَ: لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ بَيانَ حُكْمِهِ بِناءًا عَلى ما رُوِيَ عَنْ «جابِرٍ أنَّهُ قالَ: أتانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَرِيضٌ فَقُلْتُ: كَيْفَ المِيراثُ وإنَّما يَرِثُنِي كَلالَةً؟

فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ لِذَلِكَ» ( ولَهُ ) أيِ الرَّجُلِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِوُجُوبِهِ فِيما وقَعَ بَعْدُ، أوْ حَتّى أنَّ ما ورَدَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مُؤَوَّلٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما ﴾ وأتى بِهِ مُذَكِّرًا لِلْخِيارِ بَيْنَ أنْ يُراعى المَعْطُوفُ أوِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ رُوعِيَ هُنا المُذَكَّرُ لِتَقَدُّمِهِ ذِكْرًا وشَرافَةً، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِواحِدٍ مِنهُما، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ راجِعًا لِلْمَيِّتِ، أوِ المَوْرُوثِ ولِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وأبْعَدَ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا لِلرَّجُلِ، وضَمِيرُ المَرْأةِ مَحْذُوفٌ، والمُرادُ ولَهُ أوْ لَها: ﴿ أخٌ أوْ أُخْتٌ ﴾ أيْ مِنَ الأُمِّ فَقَطْ وعَلى ذَلِكَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ حَتّى أنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ عَلَيْهِ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ”ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ مِن أُمٍّ“، وعَنْ أُبَيٍّ مِنَ الأُمِّ، وهَذِهِ القِراءَةُ وإنْ كانَتْ شاذَّةً إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ اسْتَنَدَ إلَيْها بِناءًا عَلى أنَّ الشّاذَّ مِنَ القِراءاتِ إذا صَحَّ سَنَدُهُ كانَ كَخَبَرِ الواحِدِ في وُجُوبِ العَمَلِ بِهِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، ويُرْشِدُ إلى هَذا القَيْدِ أيْضًا أنَّ أحْكامَ بَنِي الأعْيانِ والعِلّاتِ هي الَّتِي تَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، وأيْضًا ما قُدِّرَ هُنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأخِ والأُخْتِ، ولِلْأكْثَرِ وهُوَ السُّدُسُ، والثُّلُثُ هو فَرْضُ الأُمِّ، فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأوْلادِ الأُمِّ، ويُقالُ لَهم إخْوَةُ أخْيافٍ، وبَنُو الأخْيافِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يُورَثُ ﴾ أوْ مِن ( رَجُلٌ ) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ يُورَثُ ﴾ صِفَةً لَهُ ومَساقُها لِتَصْوِيرِ المَسْألَةِ، وذَكَرَ الكَلالَةَ لِتَحْقِيقِ جَرَيانِ الحُكْمِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ مَعَ مَن ذَكَرَ ورَثَةٌ أُخْرى بِطَرِيقِ الكَلالَةِ ولا يَضُرُّ عِنْدَ مَن لَمْ يَقُلْ بِالمَفْهُومِ جَرَيانُهُ في صُورَةِ الأُمِّ، أوِ الجَدَّةِ مَعَ أنَّ قَرابَتَهُما لَيْسَ بِطَرِيقِ الكَلالَةِ، وكَذا لا يَضُرُّ عِنْدَ القائِلِ بِهِ أيْضًا لِلْإجْماعِ عَلى ذَلِكَ ﴿ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما ﴾ أيِ الأُخْتِ والأخِ ﴿ السُّدُسُ ﴾ مِمّا تَرَكَ مِن غَيْرِ تَفْضِيلٍ لِلذَّكَرِ عَلى الأُنْثى، ولَعَلَّهُ إنَّما عَدَلَ عَنْ فَلَهُ السُّدُسُ إلى هَذا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ المَذْكُورَ حُكْمُ الأخِ، وتَرْكُ حُكْمِ الأُخْتِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ لَها نِصْفَ الأخِ بِحُكْمِ الأُنُوثَةِ والحِكْمَةُ في تَسْوِيَةِ الشّارِعِ بَيْنَهُما تَساوِيهِما في الإدْلاءِ إلى المَيِّتِ بِمَحْضِ الأُنُوثَةِ.

﴿ فَإنْ كانُوا ﴾ أيِ الإخْوَةُ والأخَواتُ مِنَ الأُمِّ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ ﴿ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورِ بِواحِدٍ، أوْ بِما فَوْقَهُ، والتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ دُونَ الواحِدِ لِأنَّهُ لا يُقالُ أكْثَرُ مِنَ الواحِدِ حَتّى لَوْ قِيلَ أوَّلُ بِأنَّ المَعْنى زائِدًا عَلَيْهِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ التَزَمَ التَّأْوِيلَ هُنا أيْضًا إذْ لا مُفاضَلَةَ بَعْدَ انْكِشافِ حالِ المُشارِ إلَيْهِ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِاسْمِ الإشارَةِ حِينَئِذٍ تَأْكِيدُ الإشارَةِ إلى أنَّ المَسْألَةَ فَرْضِيَّةٌ، والفاءُ لِما مَرَّ مِن أنَّ ذِكْرَ احْتِمالِ الِانْفِرادِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ احْتِمالِ العَدَدِ.

﴿ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ ﴾ يَقْتَسِمُونَهُ فِيما بَيْنَهم بِالسَّوِيَّةِ، وهَذا مِمّا لا خِلافَ فِيهِ لِأحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ، والباقِي لِباقِي الوَرَثَةِ مِن أصْحابِ الفُرُوضِ والعَصَباتِ، وفِيهِ خِلافُ الشِّيعَةِ، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ يُورَثُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أوْرَثَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الوارِثُ، والمَعْنى وإنْ كانَ رَجُلٌ يُجْعَلُ وارِثًا لِأجْلِ الكَلالَةِ؛ أوْ ذا كَلالَةٍ أيْ غَيْرَ والِدٍ ولا ولَدٍ، ولِذَلِكَ الوارِثُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلٍّ مِن ذَلِكَ الوارِثِ أوْ أخِيهِ أوْ أُخْتِهِ السُّدُسُ، فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أيْ مِنَ الِاثْنَيْنِ بِأنْ كانُوا ثَلاثَةً، أوْ أكْثَرَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ المُوَزَّعِ لِلِاثْنَيْنِ لا يُزادُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَخْفى أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قاصِرٌ عَنْ بَيانِ حُكْمِ صُورَةِ انْفِرادِ الوارِثِ عَنِ الأخِ والأُخْتِ ومُقْتَضٍ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ في اسْتِحْقاقِ الوَرَثَةِ لِلْفَرْضِ المَذْكُورِ إخْوَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِن جِهَةِ الأُمِّ فَقَطْ، وخارِجٌ عَلى مَخْرَجٍ لا عَهْدَ بِهِ، وفِيهِ أيْضًا ما فِيهِ، وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

﴿ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضارٍّ ﴾ أيْ مِن غَيْرِ ضِرارٍ لِوَرَثَتِهِ فَلا يُقِرُّ بِحَقٍّ لَيْسَ عَلَيْهِ، ولا يُوصِي بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، فالدَّيْنُ هُنا مُقَيَّدٌ كالوَصِيَّةِ، وفي ﴿ يُوصِي ﴾ قِراءَتانِ سُبَعِيَّتانِ في البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ، و( غَيْرَ ) عَلى القِراءَةِ الأُولى حالٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، وما حُذِفَ مِنَ المَعْطُوفِ اعْتِمادًا عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ ﴾ ﴿ رِجالٌ ﴾ عَلى قِراءَةِ ( يُسَبَّحُ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ”لِيُبْكَ“ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المَذْكُورِ والمَحْذُوفِ اكْتِفاءً بِهِ، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا الفَصْلِ بَيْنَ الحالِ وذَيِّها بِأجْنَبِيٍّ كَما لا يَخْفى، أيْ يُوصى بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصِيَّةِ والدَّيْنِ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُضارٍّ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ المَحْذُوفِ في المَجْهُولِ لِأنَّهُ تُرِكَ بِحَيْثُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَلا يَصِحُّ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ أيْ إيصاءً غَيْرَ مُضارٍّ، واخْتارَ بَعْضُهم جَعْلَهُ حالًا مِن وصِيَّةٍ أوْ دَيْنٍ أيْ مِن بَعْدِ أداءِ وصِيَّةٍ أوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضُاَرٍّ ذَلِكَ الواحِدَ؛ وجَعَلَ التَّذْكِيرَ لِلتَّغْلِيبِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ هَذا البَعْضُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى ما تَقَدِّمَ غَيْرَ مُضِرٍّ نَفْسَهُ بِأنْ يَكُونَ مُرْتَكِبًا خِلافَ الشَّرْعِ بِالزِّيادَةِ عَلى الثُّلُثِ وهو صَحِيحٌ في نَفْسِهِ إلّا أنَّ المُتَبادَرَ الأوَّلُ وعَلَيْهِ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

ويُحْتَمَلُ كَما قالَ جَمْعٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى غَيْرَ قاصِدٍ الإضْرارَ بَلِ القُرْبَةَ، وذَكَرَ عِصامُ المِلَّةِ أنَّ المَفْهُومَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإيصاءَ والإقْرارَ بِالدَّيْنِ لِقَصْدِ الإضْرارِ لا يَسْتَحِقُّ التَّنْفِيذَ وهو كَذَلِكَ إلّا أنَّ إثْباتَ القَصْدِ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِإقْرارِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَصْدَ الإضْرارِ لا القُرْبَةِ بِالوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فَما دُونَهُ لا يَمْنَعُ مِنَ التَّنْفِيذِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى تَصَدَّقَ عَلَيْكم بِثُلُثِ أمْوالِكم زِيادَةً في حَياتِكم، نَعَمْ ذاكَ مُحَرَّمٌ بِلا شُبْهَةٍ ولَيْسَ كُلُّ مُحَرَّمٍ غَيْرَ مُنْفِذٍ فَإنَّ نَحْوَ العِتْقِ والوَقْفِ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مُحَرَّمٌ بِالإجْماعِ مَعَ أنَّهُ نافِذٌ، ومَنِ ادَّعى تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالوَصِيَّةِ فَعَلَيْهِ البَيانُ وإقامَةُ البُرْهانِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الإضْرارَ بِالوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا: ”«إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإذا أوْصى حافَ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ في وصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ“».

﴿ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ يُوصِيكُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وصِيَّةً، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ مُؤَكِّدًا لِفَخامَتِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ ولَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِ كُلٍّ مِنهُما بِمَحَلِّهِ ما قالَهُ الإمامُ مِن «أنَّ لَفْظَ الفَرْضِ أقْوى وآكَدُ مِن لَفْظِ الوَصِيَّةِ، فَخَتَمَ شَرْحَ مِيراثِ الأوْلادِ بِذِكْرِ الفَرْضِيَّةِ، وخَتَمَ شَرْحَ مِيراثِ الكَلالَةِ بِالوَصِيَّةِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الكُلَّ وإنْ كانَ واجِبَ الرِّعايَةِ إلّا أنَّ القِسْمَ الأوَّلَ وهو حالُ رِعايَةِ الأوْلادِ أوْلى»، وقِيلَ إنَّ الوَصِيَّةَ أقْوى مِنَ الفَرْضِ لِلدَّلالَةِ عَلى الرَّغْبَةِ وطَلَبِ سُرْعَةِ الحُصُولِ، فَخَتَمَ شَرْحَ مِيراثِ الكَلالَةِ بِها لِأنَّها لِبُعْدِها رُبَّما لا يُعْتَنى بِشَأْنِها فَحَرَّضَ عَلى الِاعْتِناءِ بِها بِذِكْرِ الوَصِيَّةِ ولا كَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضارٍّ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ إمّا بِتَقْدِيرٍ أيْ أهْلَ وصِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى المُبالَغَةِ لِأنَّ المُضارَّةَ لَيْسَتْ لِلْوَصِيَّةِ بَلْ لِأهْلِها فَهو عَلى حَدِّ يا سارِقُ اللَّيْلَةَ أهْلَ الدّارِ ومُضارَّتُها الإخْلالُ بِحُقُوقِهِمْ ونَقْصُها بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِما زادَ عَلى الثُّلْثِ، أوْ بِهِ مَثَلًا لِقَصْدِ الإضْرارِ دُونَ القُرْبَةِ والإقْرارِ بِالدَّيْنِ كاذِبًا.

والمُرادُ مِنَ الأهْلِ الوَرَثَةُ المَذْكُورَةُ هَهُنا ووَقَعَ في بَعْضِ العِباراتِ أنَّ المُرادَ وصِيَّةُ اللَّهِ تَعالى بِالأوْلادِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِمُ الوَرَثَةُ مُطْلَقًا بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ عَنِ الكُلِّيِّ بِأشْهَرِ أفْرادِهِ كَما عَبَّرَ عَنْ مُطْلَقِ الِانْتِفاعِ بِالمالِ بِأكْلِهِ وإلّا فَهو غَيْرُ مُلائِمٍ وإنَّما نَصَبَ مُضارٌّ المَفْعُولَ بِهِ لِأنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مُعْتَمِدٌ عَلى ذِي الحالِ، أوْ مَنفِيٌّ مَعْنًى فَيَعْمَلُ في المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، ويَشْهَدُ لِهَذا الِاحْتِمالِ قِراءَةُ الحَسَنِ ( غَيْرَ مُضارِّ وصِيَّةٍ ) بِالإضافَةِ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ في هَذِهِ القِراءَةِ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: غَيْرَ مُضارٍّ أهْلَ وصِيَّةٍ فَحَذَفَ المُضافَ، والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ غَيْرَ مُضارٍّ وقْتَ وصِيَّةٍ فَحُذِفَ وهو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى الزَّمانِ، ويَقْرُبُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: هو فارِسُ حَرْبِ أيْ فارِسٌ في الحَرْبِ، وتَقُولُ: هو فارِسُ زَمانِهِ أيْ في زَمانِهِ، والجُمْهُورُ لا يُثْبِتُونَ الإضافَةَ بِمَعْنى في، ووَقَعَ في «الدُّرِّ المَصُونِ» احْتِمالُ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الخُرُوجِ ولَمْ يُبَيِّنِ المُرادَ مِن ذَلِكَ، ووَقَعَ في «هَمْعِ الهَوامِعِ» في المَفْعُولِ بِهِ: إنَّ الكُوفِيِّينَ يَجْعَلُونَهُ مَنصُوبًا عَلى الخُرُوجِ ولَمْ يُبَيِّنْهُ أيْضًا، قالَ الشِّهابُ: فَكَأنَّ مُرادَهم أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَرَفَيِ الإسْنادِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: فَضْلَةٌ.

فَلْيُنْظَرْ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِالمُضارِّ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: بِما دَبَّرَهُ بِخَلْقِهِ مِنَ الفَرائِضِ ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يُعاجِلُ بِالعُقُوبَةِ فَلا يَغْتَرَّنَّ المُضارُّ بِالإمْهالِ أوْ لا يَغْتَرَّنَّ مَن خالَفَهُ فِيما بَيْنَهُ مِنَ الفَرائِضِ بِذَلِكَ، والإضْمارُ في مَقامِ الإظْهارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْرَدَ أقْسامَ الوَرَثَةِ في هَذِهِ الآياتِ عَلى أحْسَنِ التَّرْتِيباتِ، وذَلِكَ أنَّ الوارِثَ إمّا أنْ يَتَّصِلَ بِالمَيِّتِ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، أوْ يَتَّصِلَ بِهِ بِواسِطَةٍ فَإنِ اتَّصَلَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ فَسَبَبُ الِاتِّصالِ إمّا أنْ يَكُونَ النَّسَبُ أوِ الزَّوْجِيَّةُ، فَحَصَلَ هُنا ثَلاثَةُ أقْسامٍ: أشْرَفُها وأعْلاها الِاتِّصالُ الحاصِلُ ابْتِداءً مِن جِهَةِ النَّسَبِ، وذَلِكَ هو قَرابَةُ الوِلادَةِ، ويَدْخُلُ فِيها الأوْلادُ والوالِدانِ، وثانِيها الِاتِّصالُ الحاصِلُ ابْتِداءً مِن جِهَةِ الزَّوْجِيَّةِ وهَذا القِسْمِ مُتَأخِّرٌ في الشَّرَفِ عَنِ القِسْمِ الأوَّلِ لِأنَّ الأوَّلَ ذاتِيٌّ والثّانِيَ عَرَضِيٌّ؛ والذّاتِيُّ أشْرَفُ مِنَ العَرَضِيِّ، وثالِثُها الِاتِّصالُ الحاصِلُ بِواسِطَةِ الغَيْرِ وهو المُسَمّى بِالكَلالَةِ، وهَذا القِسْمُ مُتَأخِّرٌ عَنِ القَسَمَيْنِ الأوَّلِينَ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ الأوْلادَ والوالِدَيْنِ والأزْواجَ والزَّوْجاتِ لا يَعْرِضُ لَهُمُ السُّقُوطُ بِالكُلِّيَّةِ، وأمّا الكَلالَةُ فَقَدْ يَعْرِضُ لَها السُّقُوطُ بِالكُلِّيَّةِ، وثانِيها: أنَّ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَنْتَسِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى المَيِّتِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، والكَلالَةُ يَنْتَسِبُ إلى المَيِّتِ بِواسِطَةٍ، والثّابِتُ ابْتِداءً أشْرَفُ مِنَ الثّابِتِ بِواسِطَةٍ، وثالِثُها: أنَّ مُخالَطَةَ الإنْسانِ بِالوالِدَيْنِ والأوْلادِ والأزْواجِ والزَّوْجاتِ أكْثَرُ وأتَمُّ مِن مُخالَطَتِهِ بِالكَلالَةِ وكَثْرَةُ المُخالَطَةِ مَظِنَّةُ الأُلْفَةِ والشَّفَقَةِ وذَلِكَ يُوجِبُ شِدَّةَ الِاهْتِمامِ بِأحْوالِهِمْ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ وأشْباهِها أخَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذِكْرَ مِيراثِ الكَلالَةِ عَنْ ذِكْرِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ وما أشَدَّ انْطِباقَهُ عَلى قَوانِينِ المَعْقُولاتِ كَما قالَهُ الإمامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أي يبين الله لكم ميراث أولادكم كما بيّن قسمة المواريث، يعني: إذا مات الرجل أو المرأة وترك أولاداً ذكوراً وإناثاً، يكون لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم.

وروى ابن أبي نجيح عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كان الميراث للولد، وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس، وللمرأة الثمن أو الربع، وللزوج النصف أو الربع.

ثم قال تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ يعني إذا ترك الميت بناتاً ولم يترك أبناء، فللبنات إن كن اثنتين فصاعداً فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ من الميراث، ولم يذكر في الآية حكم البنتين، ولكن أجمع المسلمون ما خلا رواية عن ابن عباس أنه قال: للاثنتين النصف، كما كان للواحدة وللثلاث بنات الثلثان وأما سائر الصحابة فقد قالوا: إن للاثنتين الثلثين، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله  .

روى جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله  ، فقالت: يا رسول الله  ، هاتان ابنتا سعد وقد قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما ولم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال.

فقال رسول الله  : «سَيَقْضِي الله ذلك» فأنزل الله تعالى آية الميراث، فبعث النبيّ  إلى عمهما وقال: «أَعْطِ لابْنَتَيْ سَعْدٍ الثّلثَيْنِ وَأَعْطِ أمَّهُمَا الثُّمُنَ وَالبَاقِي لَكَ» .

ثم قال تعالى: وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ يعني: إن ترك الميت بنتاً واحدة فلها النصف من الميراث، والباقي للعصبة بالخبر.

قرأ نافع: (وإن كانت واحدة) بالرفع على اسم كانت وقرأ الباقون بالنصب على معنى الخبر ويكون الاسم فيه مضمراً.

ثم قال تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ الميت من المال وإِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر أو أنثى أو ولد الابن فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ للميت وَلَدٌ ولا ولد ابن وَوَرِثَهُ أَبَواهُ يعني: إن لم يكن للميت وارث سوى الأبوين فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ يعني للأم ثلث المال والباقي للأب.

قرأ حمزة والكسائي: (فلإمه) بكسر الألف لكسر ما قبله، وقرأ الباقون بالضم.

ثم قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ يعني: إذا كان للميت إخوة، وقد اتفق أصحاب رسول الله  أن اسم الإخوة يقع على الاثنين فصاعداً، إلا في قول ابن عباس ثلاثة فصاعداً، واتفقوا أن الذكور والإناث فيه سواء، فيكون للأم السدس والباقي للأب مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يعني: أن قسمة المواريث من بعد وصية يُوصِي بِها الميت أَوْ دَيْنٍ يعني بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية.

وروى الحارث عن علي  قال: قضى رسول الله  بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ يعني أن في الآية تقديماً وتأخيراً، وروي عن ابن عباس هكذا.

قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم (يوصى بها) على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون يُوصِي بِها يعني الميت إن كان يوصي بها أو عليه دين.

ثم قال تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يعني في الآخرة، إذا كان أحدهما أرفع درجة من الآخر يسأل الله تعالى حتى يرفع إليه الآخر لتقر عينه به فقال: لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً يعني أيهم أرفع درجة، فيلتحق به صاحبه.

ويقال: معناه أن الله علمكم قسمة المواريث، وأنكم لا تدرون أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً حتى تعطوه حصته، ويقال لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ موتاً فيرث منه الآخر.

ثم قال تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ يعني بيان قسمة المواريث من الله تعالى، ويقال: القسمة فريضة من الله تعالى، لا يجوز تغييرها عما أمر الله به.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالمواريث حَكِيماً حكم قسمتها وبيّنها لأهلها.

وقال الزجاج: معناه وكان الله عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً فيما يقرر بتدبيره منها.

وقال بعضهم: لأن الله تعالى لم يزل، ولا يزال فالخبر منه بالماضي كالخبر منه بالاستقبال.

وقال سيبويه: كأن القوم شاهدوا علماً وحكماً، فقيل لهم: إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً كذلك، لم يزل على ما شاهدتم.

ثم قال تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إذا ماتت المرأة فتركت زوجاً، فللزوج النصف إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ذكراً أو أنثى أو ولد ابن فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ أو ولد ابن فللزوج الربع فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مما تركت المرأة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ.

ثم قال: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ يعني إذا مات الزوج وترك امرأة فللمرأة الربع إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ولا ولد ابن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فإن كان للميت ولد وولد ابن فَلَهُنَّ الثُّمُنُ سواء كان له امرأة واحدة أو أربع نسوة فلهن الربع بغير ولد، والثمن مع الولد أو مع ولد الابن، لأنه قال: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ فجعل حصتهن الربع أو الثمن.

ثم قال: مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ.

ثم قال: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً والكلالة ما خلا الوالد والولد، ويقال: هو اسم الميت الذي ليس له ولد ولا والد.

قال أبو عبيدة: هو مصدر من تكله النسب أي أحاط به، والأب والابن طرفا الرجل فيسمى لذهاب طرفيه كلالة.

وقرأ بعضهم: (يورث) بكسر الراء.

قال أبو عبيدة: من قرأ (يورث) بكسر الراء جعل الكلالة الورثة، ومن قرأ بنصب الراء جعل الكلالة الميت.

وروى الشعبي عن أبي بكر وعمر  ما أنهما قالا: الكلالة من لا ولد ولا والد.

وروي عنهما أيضاً أنهما قالا: الكلالة ما سوى الولد والوالد.

قوله تعالى: أَوِ امْرَأَةٌ يعني إن كانت الكلالة هي امرأة.

ثم قال تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ من الميراث فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يعني: الإخوة من الأم، وقد أجمع المسلمون أن المراد هاهنا الإخوة من الأم، لأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين، ففهموا أن المراد هاهنا الإخوة من الأم.

ثم قال: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ وقد ذكرناه غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني: غير مضار للورثة، فيوصي بأكثر من الثلث وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ يعني أن تلك القسمة فريضة من الله وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعني علم بأمر الميراث حَلِيمٌ على أهل الجهل منكم.

وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَطَعَ مِيْرَاثاً فَرَضَهُ الله قَطَعَ الله مَيرَاثَهُ مِنَ الجَنَّةِ» .

وقرأ بعض المتقدمين: (والله عليم حكيم) ، يعني حكم بقسمة الميراث والوصية.

ثم قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني هذه فرائض الله مما أمركم به من قسمة المواريث، ويقال: تلك أحكام الله، وتلك بمعنى هذه، يعني هذه أحكام الله قد بيّنها لكم لتعرفوا وتعملوا.

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث فيقر بها، ويعمل بها كما أمره الله يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي ذلك الثواب هو الفوز العظيم إلى النجاة الوافرة.

قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في قسمة المواريث، فلم يقسمها ولم يعمل بها وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي خالف أمره يُدْخِلْهُ نَاراً خالِداً فِيها لأنه إذا جحد صار كافراً وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ يهان فيه.

قرأ نافع وابن عامر: (ندخله) كلاهما بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه، وقرأ الباقون كلاهما بالياء لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حُكْمِ الواحد «١» .

وقدَّم الوصيةَ في اللفظ اهتماما بها، وندباً إليها إذ هي أقلُّ لزوماً من الدَّيْن وأيضاً: قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلا بُدَّ منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ وأيضاً: قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على «٢» الوصيَّة، والإجماعُ على أنه لا يوصى بأكْثَرَ مِنَ الثلث، واستحب كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث.

وقوله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره: هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون على غير هذه الصِّفَة.

قال ابن زَيْد: لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً، يعني: في الدنيا والآخرة «٣» ، قال الفَخْر «٤» : وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يميل إليه الطّبع.

انتهى.

وقوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ...

الآية: الولَدُ هنا في هذه الآية، وفي التي بعدها: هُمْ بَنُو الصُّلْب، وبَنُو ذُكُورِهِمْ، وإن سَفَلُوا، والكَلاَلَةُ: خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَالِدِ والوَلَدِ هذا هو الصحيحُ.

وقوله تعالى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ...

الآية: الإجماع على الأُخُوَّة في هذه الآيةِ للأمِّ، وأما حُكْم سائر الإِخوة سواهم، فهو المذكور في آخر السورة.

وقرأ «١» سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص «٢» : «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمِّهِ» ، والأنثى والذَّكَر في هذه النَّازلة سواءٌ، بإجماع.

وقوله سبحانه: غَيْرَ مُضَارٍّ، قال ابن عبَّاس: «الضِّرَارُ في الوصية من الكبائر» ورواه «٣» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وروى أبو هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ، أَلْقَاهُ اللَّهُ تعالى في واد في جهنّم» «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ﴾ قَرَأ الحَسَنُ: "يُوَرِّثُ" بِفَتْحِ الواوِ، وكَسْرِ الرّاءِ مَعَ التَّشْدِيدِ.

وفي الكَلالَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها ما دُونُ الوالِدِ والوَلَدِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ.

وقالَ عُمَرُ ابْنُ الخَطّابِ: أتى عَلى حِينٍ وأنا لا أعْرِفُ ما الكَلالَةُ، فَإذا هُوَ: مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ والِدًا ولا ولَدًا، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، والفَرّاءِ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، أنَّ "الكَلالَةَ": مِن قَوْلِهِمْ: تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي يَرِثُهُ ابْنُهُ، ولا أباهُ.

قالَ: والكَلالَةُ سِوى الوالِدِ والوَلَدِ، وإنَّما هو كالإكْلِيلِ عَلى الرَّأْسِ.

وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ مَصْدَرُ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ: إذا أحاطَ بِهِ.

والِابْنُ والأبُ: طَرَفانِ لِلرِّجْلِ، فَإذا ماتَ، ولَمْ يَخْلُفْهُما، فَقَدْ ماتَ عَنْ ذَهابِ طَرَفَيْهِ، فَسُمِّيَ ذَهابُ الطَّرَفَيْنِ: كَلالَةً [وَكَأنَّها اسْمٌ لِلْمُصِيبَةِ في تَكَلَّلَ النَّسَبُ مَأْخُوذٌ مِنهُ؛ نَحْوُ هَذا قَوْلُهُمْ: وجَّهْتُ الشَّيْءَ" أخَذَتُ وجْهَهُ، وثَغَرْتُ الرَّجُلَ: كَسَرْتُ ثَغْرَهُ] والثّانِي: أنَّ الكَلالَةَ: مَن لا ولَدَ لَهُ، رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وهو قَوْلُ طاوُسَ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَلالَةَ: ما عَدا الوالِدَ، قالَهُ الحَكَمُ.

والرّابِعُ: أنَّ الكَلالَةَ: بَنُو العَمِّ الأباعِدِ، ذَكَرَهُ ابْنُ فارِسٍ، عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ.

واخْتَلَفُوا عَلى ما يَقَعُ اسْمَ الكَلالَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ الوارِثِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وعامَّةُ العُلَماءِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الكَلالَةَ مِن دُونِ الوالِدِ والوَلَدِ، فَإنَّهم قالُوا: الكَلالَةُ: اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ولَدٌ ولا والِدٌ، قالَ بَعْضُ الأعْرابِ: مالِي كَثِيرٌ، ويَرِثُنِي كَلالَةٌ مُتَراخٍ نَسَبُهم.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ في جَماعَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: الكَلالَةُ: اسْمٌ لِلْمَيِّتِ، ولِحالِهِ، وصِفَتِهِ، ولِذَلِكَ انْتَصَبَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ والحَيِّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفِيما أُخِذَتْ مِنهُ الكَلالَةُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الإحاطَةِ، ومِنهُ الإكْلِيلُ، لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الكَلالِ، وهو التَّعَبُ، كَأنَّهُ يَصِلُ إلى المِيراثِ مِن بُعْدٍ وإعْياءٍ.

قالَ الأعْشى: فَآَلَيْتُ لا أرْثِي لَها مِن كَلالَةٍ ولا مَن حَفى حَتّى تَزُورَ مُحَمَّدًا قَوْلُهُ: ﴿ وَلَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ ﴾ يَعْنِي: مِنَ الأُمِّ بِإجْماعِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: ذَكَرَهم وأُنْثاهم فِيهِ سَواءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُضارٍّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: غَيْرُ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: يُوصِي بِها غَيْرَ مُضارٍّ، يَعْنِي: لِلْوَرَثَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إنَّ اللهِ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  ﴾ ﴿ وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أو دَيْنٍ ﴾ "آباؤُكم وأبْناؤُكُمْ" رَفْعُ الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ.

تَقْدِيرُهُ: هُمُ المَقْسُومُ عَلَيْهِمْ وهُمُ المُعْطَوْنَ، وهَذا عَرْضٌ لِلْحِكْمَةِ في ذَلِكَ، وتَأْنِيسٌ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُوَرِّثُونَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِفَةِ، و"لا تَدْرُونَ" عامِلٌ في الجُمْلَةِ بِالمَعْنى ومُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في اللَفْظِ بِحَسَبِ المَعْمُولِ فِيهِ، إذِ الاسْتِفْهامُ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، و"نَفْعًا" قالَ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ وابْنُ سِيرِينَ: مَعْناهُ: في الدُنْيا، أيْ: إذا اضْطُرَّ إلى إنْفاقِهِمْ لِلْحاجَةِ، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ، وقَدْ يُنْفِقُونَ دُونَ اضْطِرارٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: في الآخِرَةِ، أيْ بِشَفاعَةِ الفاضِلِ لِلْمَفْضُولِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فِيهِما: واللَفْظُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، و"فَرِيضَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، إذْ مَعْنى "يُوصِيكُمُ":يَفْرِضُ عَلَيْكم.

وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ذَلِكَ ضَعِيفٌ.

والعامِلُ "يُوصِيكُمُ"، و"كانَ" هي الناقِصَةُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمّا رَأوا عِلْمًا وحِكْمَةً قِيلَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ هَكَذا، وصِيغَةُ "كانَ" لا تُعْطِي إلّا المُضِيَّ، ومِنَ المَعْنى بُعْدٌ يُعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى كانَ كَذَلِكَ، وهو يَكُونُ، لا مِن لَفْظِ الآيَةِ، وقالَ قَوْمٌ: "كانَ" بِمَعْنى وجَدَ ووَقَعَ، و"عَلِيمًا" حالٌ، وفي هَذا ضَعْفٌ، ومَن قالَ: "كانَ" زائِدَةٌ فَقَوْلُهُ خَطَأٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ ﴾ ...الآيَةُ،.

الخِطابُ لِلرِّجالِ، والوَلَدُ هاهُنا بَنُو الصُلْبِ وبَنُو ذُكُورِهِمْ وإنْ سَفُلُوا، ذُكْرانًا وإناثًا، واحِدًا فَما زادَ، هَذا بِإجْماعٍ مِنَ العُلَماءِ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَهُنَّ الرُبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أو دَيْنٍ وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أو امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أو أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُلُثِ ﴾ .

والوَلَدُ في هَذِهِ الآيَةِ كَما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، و"الثُمُنُ" لِلزَّوْجَةِ أو لِلزَّوْجاتِ هُنَّ فِيهِ مُشْتَرِكاتٌ بِإجْماعٍ، ويَلْحَقُ العَوْلُ فَرْضَ الزَوْجِ والزَوْجَةِ، كَما يَلْحَقُ سائِرَ الفَرائِضِ المُسَمّاةِ، إلّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ قالَ: يُعْطَيانِ فَرْضَهُما بِغَيْرِ عَوْلٍ.

والكَلالَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن تَكَلَّلَ النَسَبُ: أيْ: أحاطَ، لِأنَّ الرَجُلَ إذا لَمْ يَتْرُكْ والِدًا ولا ولَدًا فَقَدِ انْقَطَعَ طَرَفاهُ، وبَقِيَ أنْ يَرِثَهُ مَن يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ، أيْ: يُحِيطُ بِهِ مِن نَواحِيهِ كالإكْلِيلِ، وكالنَباتِ إذا أحاطَ بِالشَيْءِ، ومِنهُ: رَوْضٌ مُكَلَّلٌ بِالزَهْرِ، والإكْلِيلُ: مَنزِلُ القَمَرِ يُحِيطُ بِهِ فِيهِ كَواكِبُ، ومِنَ الكَلالَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنَّ أبا المَرْءِ أحْمى لَهُ ومَوْلى الكَلالَةِ لا يَغْضَبُ فالأبُ والِابْنُ هُما عَمُودا النَسَبِ، وسائِرُ القَرابَةِ يُكَلِّلُونَ.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وسَلِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ وقَتادَةُ والحَكَمُ وابْنُ زَيْدٍ والزُهْرِيُّ وأبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: الكَلالَةُ: خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَلَدِ والوالِدِ، وهَذا هو الصَحِيحُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: هي خُلُوُّ المَيِّتِ مِنَ الوَلَدِ فَقَطْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ وعن عُمَرَ، ثُمَّ رَجَعا عنهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَلِكَ مُسْتَقْرَأٌ مِن قَوْلِهِ في الإخْوَةِ مَعَ الوالِدَيْنِ: إنَّهم يَحُطُّونَ الأُمَّ ويَأْخُذُونَ ما يَحُطُّونَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا حَكى الطَبَرِيُّ، ويَلْزَمُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ إذْ ورَّثَهم بِأنَّ الفَرِيضَةَ كَلالَةً: أنْ يُعْطِيَهُمُ الثُلُثَ بِالنَصِّ.

وقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ: الكَلالَةُ: الخُلُوُّ مِنَ الوالِدِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، لِأنَّ مَن بَقِيَ والِدُهُ أو ولَدُهُ فَهو مَوْرُوثٌ بِجَزْمِ نَسَبٍ لا بِتَكَلُّلٍ.

وأجْمَعَتِ الآنَ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الإخْوَةَ لا يَرِثُونَ مَعَ ابْنٍ ولا مَعَ أبٍ، وعَلى هَذا مَضَتِ الأمْصارُ والأعْصارُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: يُورَثُ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأبُو رَجاءٍ: "يُوَرِّثُ" بِكَسْرِ الراءِ وتَشْدِيدِها.

قالَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ: قَرَأ الحَسَنُ: "يُورِثُ" مِن أورَثَ، وعِيسى: "يُوَرِّثُ" بِشَدِّ الراءِ مِن ورَّثَ، والمَفْعُولانِ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ مَحْذُوفانِ، التَقْدِيرُ: يُورَثُ وارِثُهُ مالَهُ "كَلالَةً"، ونُصِبَ "كَلالَةً" عَلى الحالِ.

واخْتَلَفُوا في الكَلالَةِ فِيما وقَعَتْ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ: الكَلالَةُ: المَيِّتُ المَوْرُوثُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، ونَصْبُها عَلى خَبَرِ كانَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الكَلالَةُ الوارِثَةُ بِجُمْلَتِها، المَيِّتُ والأحْياءُ كُلُّهم كَلالَةٌ، ونَصْبُها عَلى الحالِ أو عَلى النَعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وِراثَةً كَلالَةً، ويَصِحُّ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ "كانَ" تامَّةً بِمَعْنى وقَعَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ ناقِصَةً وخَبَرُها "يُورَثُ"، وقالَ عَطاءٌ: الكَلالَةُ: المالُ، ونُصِبَ عَلى المَفْعُولِ الثانِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاشْتِقاقُ في مَعْنى الكَلالَةِ يُفْسِدُ تَسْمِيَةَ المالِ بِها.

وقالَتْ طائِفَةٌ: الكَلالَةُ: الوَرَثَةُ، وهَذا يَسْتَقِيمُ عَلى قِراءَةِ "يُورِثُ" بِكَسْرِ الراءِ، فَيُنْصَبُ كَلالَةً عَلى المَفْعُولِ.

واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِحَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، إذْ عادَهُ رَسُولُ اللهِ  ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ أفَأُوصِي بِمالِي كُلِّهِ؟

وحَكى بَعْضُهم أنْ تَكُونَ الكَلالَةُ الوَرَثَةَ، ونَصْبُها عَلى خَبَرِ كانَ، وذَلِكَ بِحَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: ذا كَلالَةٍ، ويَسْتَقِيمُ سائِرُ التَأْوِيلاتِ عَلى كَسْرِ الراءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ أخٌ أو أُخْتٌ ﴾ ...

الآيَةُ، الضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى الرَجُلِ، واكْتَفى بِإعادَتِهِ عَلَيْهِ دُونَ المَرْأةِ، إذِ المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، والحُكْمُ قَدْ ضَبَطَهُ العَطْفُ الأوَّلُ، وأصْلُ أُخْتٍ: أُخْوَةٌ، كَما أصْلُ بِنْتٍ: بِنْيَةٌ، فَضُمَّ أوَّلُ أُخْتٍ إذِ المَحْذُوفُ مِنها واوٌ، وكُسِرَ أوَّلُ بِنْتٍ إذِ المَحْذُوفُ ياءٌ، وهَذا الحَذْفُ والتَعْلِيلُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الإخْوَةَ في هَذِهِ الآيَةِ الإخْوَةُ لِأُمٍّ، لِأنَّ حُكْمَهم مَنصُوصٌ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى صِفَةٍ، وحُكْمُ سائِرِ الإخْوَةِ مُخالِفٌ لَهُ، وهو الَّذِي في كَلالَةِ آخِرِ السُورَةِ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: "وَلَهُ أخٌ أو أُخْتٌ لِأُمِّهِ".

والأُنْثى والذَكَرُ في هَذِهِ النازِلَةِ سَواءٌ، وشِرْكَتُهم في الثُلُثِ مُتَساوِيَةٌ وإنْ كَثُرُوا، هَذا إجْماعٌ، فَإنْ ماتَتِ امْرَأةٌ وتَرَكَتْ زَوْجًا وأُمًّا وإخْوَةً أشِقّاءَ، فَلِلزَّوْجِ: النِصْفُ، ولِلْأُمِّ: السُدُسُ، وما بَقِيَ فَلِلْإخْوَةِ، فَإنْ كانُوا لِأُمٍّ فَقَطْ، فَلَهُمُ الثُلُثُ، فَإنْ تَرَكَتِ المَيِّتَةُ زَوْجًا وأُمًّا وأخَوَيْنِ لِأُمٍّ وإخْوَةً لِأبٍ وأُمٍّ، فَهَذِهِ الحِمارِيَّةُ، قالَ قَوْمٌ: فِيها لِلْإخْوَةِ لِلْأُمِّ: الثُلُثُ، ولا شَيْءَ لِلْإخْوَةِ الأشِقّاءِ، كَما لَوْ ماتَ رَجُلٌ وخَلَّفَ أخَوَيْنِ لِأُمٍّ، وخَلَّفَ مِائَةَ أخٍ لِأبٍ وأُمٍّ، فَإنَّهُ يُعْطى الأخَوانِ الثُلُثَ، والمِائَةُ الثُلُثَيْنِ، فَيُفَضَّلُونَ بِالثُلُثِ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: الأُمُّ واحِدَةٌ وهَبْ أباهم كانَ حِمارًا، وأشْرَكُوا بَيْنَهم في الثُلُثِ، وسَمَّوْها أيْضًا: المُشْتَرَكَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا تَسْتَقِيمُ هَذِهِ المَسْألَةُ أنْ لَوْ كانَ المَيِّتُ رَجُلًا، لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأشِقّاءِ، ومَتى بَقِيَ لَهم شَيْءٌ فَلَيْسَ لَهم إلّا ما بَقِيَ، والثُلُثُ لِلْإخْوَةِ لِلْأُمِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثمن مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ .

هذه فريضة الميراث الذي سببه العصمة، وقد أعطاها الله حقّها المهجور عند الجاهلية إذ كانوا لا يورّثون الزوجين: أمّا الرجل فلا يرث امرأته لأنّها إن لم يكن لها أولاد منه، فهو قد صار بموتها بمنزلة الأجنبي عن قرابتها من آباء وإخوة وأعمام، وإن كان لها أولاد كان أولادها أحقّ بميراثها إن كانوا كباراً، فإن كانوا صغاراً قبض أقرباؤهم مالهم وتصرّفوا فيه، وأمّا المرأة فلا ترث زوجها بل كانت تعدّ موروثة عنه يتصرّف فيها ورثته كما سيجيء في قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ [النساء: 19].

فنوّه الله في هذه الآيات بصلة العصمة، وهي التي وصفها بالميثاق الغليظ في قوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ [النساء: 21].

والجمع في ﴿ أزواجكم ﴾ وفي قوله: ﴿ مما تركتم ﴾ كالجمع في الأولاد والآباء، مراد به تعدّد أفراد الوارثين من الأمّة، وههنا قد اتّفقت الأمّة عى أنّ الرجل إذا كانت له زوجات أنهنّ يشتركن في الربع أو في الثمن من غير زيادة لهنّ، لأنّ تعدّد الزوجات بيد صاحب المال فكان تعددّهنّ وسيلة لإدخال المضرّة على الورثة الآخرين بخلاف تعدّد البنات والأخوات فإنّه لا خيار فيه لربّ المال.

والمعنى: ولكلّ واحد منكم نصف ما تركت كلّ زوجة من أزواجه وكذلك قوله: ﴿ فلكم الربع مما تركن ﴾ .

وقوله: ﴿ ولهن الربع مما تركتم ﴾ أي لمجموعهنّ الربع ممّا ترك زوجهنّ.

وكذلك قوله: ﴿ فلهن الثمن مما تركتم ﴾ وهذا حذق يدلّ عليه إيجاز الكلام.

وأعقبت فريضة الأزواج بذكر ﴿ من بعد وصية يوصين بها أو دين ﴾ لئلا يتوهّم متوهّم أنّهنّ ممنوعات من الإيصاء ومن التداين كما كان الحال في زمان الجاهلية.

وأمّا ذكر تلك الجملة عقب ذكر ميراث النساء من رجالهنّ فجريا على الأسلوب المتّبع في هذه الآيات، وهو أن يعقب كلّ صنف من الفرائض بالتنبيه على أنّه لا يُستحقّ إلاّ بعد إخراج الوصيّة وقضاء الدين.

بعد أن بيّن ميراث ذي الأولاد أو الوالدَيْن وفصّله في أحواله حتّى حالة ميراث الزوجين، انتقل هنا إلى ميراث من ليس له ولد ولا والد، وهو الموروث كلالة، ولذلك قابل بها ميراث الأبوين.

والكلالةُ اسم للكلال وهو التعب والإعياء قال الأعشى: فآليتُ لا أرثي لَها مِن كلالة *** ولا من حفى حتّى أُلاقي مُحَمَّدا وهو اسم مصدر لا يثنيّ ولا يجمع.

ووصفت العرب بالكلالة القرابةَ غيرَ القربى، كأنّهم جعلوا وصوله لنسب قريبه عن بُعد، فأطلقوا عليه الكلالة على طريق الكناية واستشهدوا له بقول من لم يسمّوه: فإنّ أبا المرءِ أحمى له *** ومَوْلى الكلالة لا يُغْضَبُ ثم أطلقوه على إرث البعيد، وأحسب أنّ ذلك من مصطلح القرآن إذ لم أره في كلام العرب إلاّ ما بعد نزول الآية.

قال الفرزدق: ورثتم قَنَاةَ المجد لا عن كلالة *** عن ابنَيْ مناف عبدِ شمس وهاشمِ ومنه قولهم: ورِث المجدَ لاعن كلالة.

وقد عدّ الصحابة معنى الكلالة هنا من مشكل القرآن حتّى قال عُمر بن الخطاب: «ثلاث لأن يكون رسول الله بَيّنهن أحبّ إليّ من الدنيا: الكلالةُ، والربا، والخلافةُ».

وقال أبو بكر: «أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان والله منه بريء، الكلالة ما خلا الولدَ والوالدَ».

وهذا قول عمر، وعلي، وابن عباس، وقال به الزهري، وقتادة والشعبي، وهو قول الجمهور، وحكي الإجماع عليه، وروي عن ابن عباس «الكلالة من لا ولد له» أي ولو كان له والد وينسب ذلك لأبي بكر وعمر أيضاً ثم رجعا عنه، وقد يستدلّ له بظاهر الآية في آخر السورة: ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد ﴾ [النساء: 176] وسياق الآية يرجّح ما ذهب إليه الجمهور لأنّ ذكرها بعد ميراث الأولاد والأبوين مؤذن بأنّها حالة مخالفة للحالين.

وانتصب قوله: ﴿ كلالة ﴾ على الحال من الضمير في ﴿ يورث ﴾ الذي هو كلالة من وارثه أي قريب غير الأقرب لأنّ الكلالة يصحّ أن يوصف بها كلا القريبين.

وقوله: ﴿ أو امرأة ﴾ عطف على ﴿ رجل ﴾ الذي هو اسم (كان) فيشارك المعطوف المعطوف عليه في خبر (كان) إذ لا يكون لها اسم بدون خبر في حال نقصانها.

وقوله: ﴿ وله أخ أو أخت ﴾ يتعيّن على قول الجمهور في معنى الكلالة أن يكون المراد بهما الأخ والأخت للأمّ خاصّة لأنَّه إذا كان الميّت لا ولد له ولا والد وقلنا له أخ أو أخت وجعلنا لكلّ واحد منهما السدس نعلم بحكم ما يُشْبه دلالةَ الاقتضاء أنّهما الأخ والأخت للأم لأنّهما لمّا كانت نهاية حظّهما الثلث فقد بقي الثلثان فلو كان الأخ والأخت هما الشقيقين أو اللذين للأب لاقتضى أنّهما أخذا أقلّ المال وترك الباقي لغيرهما وهل يكون غيرهما أقرب منهما فتعيّن أنّ الأخ والأخت مراد بهما اللذان للأمّ خاصّة ليكون الثلثان للإخوة الأشقّاء أو الأعمام أو بني الأعمام.

وقد أثبت الله بهذا فرضاً للإخوة للأمّ إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلاً، لأنّه جانب نساء ولم يحتج للتنبيه على مصير بقيّة المال لما قدّمنا بيانه آنفاً من أنّ الله تعالى أحال أمر العصابة على ما هو متعارف بين من نزل فيهم القرآن.

وعلى قول ابن عباس في تفسير الكلالة لا يتعيّن أن يكون المراد بالأخ والأخت اللذين للأمّ إذ قد يفرض للإخوة الأشقّاء نصيب هو الثلث ويبقى الثلثان لعاصب أقوى وهو الأب في بعض صور الكلالة غير أنّ ابن عباس وافق الجمهور على أنّ المراد بالأخ والأخت اللذان للأمّ وكان سبب ذلك عنده أنّ الله أطلق الكلالة وقد لا يكون فيها أب فلو كان المراد بالأخ والأخت الشقيقين أو اللذين للأب لأعطيناهما الثلث عند عدم الأب وبقي معظم المال لمن هو دون الإخوة في التعصيب فهذا فيما أرى هو الذي حدا سائر الصحابة والفقهاء إلى حمل الأخ والأخت على الذين للأمّ.

وقد ذكر الله تعالى الكلالة في آخر السورة بصورة أخرى سنتعرّض لها.

﴿ غير مضار ﴾ حال من ضمير ﴿ يوصى ﴾ الأخير، ولمّا كان فعل يوصي تكريراً، كان حالا من ضمائر نظائره.

و ﴿ مضارّ الأظهر أنّه اسم فاعل بتقدير كسر الراء الأولى المدغمة أي غير مضارّ ورثته بإكثار الوصايا، وهو نهي عن أن يقصد الموصي من وصيته الإضرارَ بالورثة.

والإضرارُ منه ما حدّده الشرع، وهو أن يتجاوز الموصي بوصيّته ثلث ماله وقد حدّده النبي بقوله لسعد بن أبي وقّاص الثلثُ والثلث كثير.

ومنه ما يحصل بقصد الموصي بوصيته الاضرار بالوارث ولا يقصد القربة بوصيّته، وهذا هو المراد من قوله تعالى: غير مضار ﴾ .

ولمّا كانت نيَّة الموصي وقصدُه الإضرار لا يُطلع عليه فهو موكول لدينه وخشية ربّه، فإن ظهر ما يدلّ على قصده الإضرار دلالة واضحة، فالوجه أن تكون تلك الوصيّة باطلة لأنّ قوله تعالى: ﴿ غير مضار ﴾ نهي عن الإضرار، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.

ويتعيّن أن يكون هذا القيد مقيِّدا للمطلق في الآي الثلاث المتقدّمة من قوله ﴿ من بعد وصية ﴾ إلخ، لأنّ هذه المطْلقات متّحدة الحكم والسبب.

فيحمِل المطْلَق منها على المقيّد كما تقرّر في الأصول.

وقد أخذ الفقهاء من هذه الآية حكم مسألة قصد المعطي من عطيّته الإضرار بوارثه في الوصيّة وغيرها من العطايا، والمسألة مفروضة في الوصيّة خاصّة.

وحكى ابن عطية عن مذهب مالك وابن القاسم أنّ قصد المضارّة في الثلث لا تردّ به الوصيّة لأنّ الثلث حقّ جعله الله له فهو على الإباحة في التصرّف فيه.

ونازعه ابن عرفة في التفسير بأنّ ما في الوصايا الثاني من «المدوّنة»، صريح في أنّ قصد الإضرار يوجب ردّ الوصيّة وبحث ابن عرفة مكين.

ومشهور مذهب ابن القاسم أن الوصية تردّ بقصد الإضرار إذا تبيّن القصد غير أنّ ابن عبد الحكم لا يرى تأثير الإضرار.

وفي شرح ابن ناجي على تهذيب المدوّنة أنّ قصد الإضرار بالوصيّة في أقلّ من الثلث لا يوهن الوصيّة على الصحيح.

وبه الفتوى.

وقوله: ﴿ وصية ﴾ منصوب على أنّه مفعول مطلق جاء بدلا من فعله، والتقدير: يوصيكم الله بذلك وصيّة منه فهو ختم للأحكام بمثل ما بدئت بقوله: ﴿ يوصيكم الله ﴾ [النساء: 11] وهذا من ردّ العجز على الصدر.

وقوله: ﴿ والله عليم حليم ﴾ تذييل، وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعاً مثاره الجهل والقساوة.

فإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب.

فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم.

وقد بيّنت الآيات في هذه السورة الميراث وأنصباءه بين أهل أصول النسب وفروعه وأطرافه وعصمة الزوجية، وسكتت عمّا عدا ذلك من العصبة وذوي الأرحام وموالي العتاقة وموالي الحلف، وقد أشار قوله تعالى: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ في سورة الأنفال (75) وقوله: ﴿ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ في سورة الأحزاب (6) إلى ما أخذ منه كثير من الفقهاء توريث ذوي الأرحام.

وأشار قوله الآتي قريباً ﴿ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ [النساء: 33] إلى ما يؤخذ منه التوريث بالولاء على الإجمال كما سنبيّنه، وبَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم توريث العصبة بما رواه رواة أهل الصحيح عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألحِقُوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأوْلى رَجُللٍ ذَكَر» وما رواه الخمسة غير النسائي عن أبي هريرة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فماله لمَوالي العصبة ومن ترك كَلا أو ضَياعا فأنا وليّه» وسنفصّل القول في ذلك في مواضعه المذكورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ ﴾ اخْتَلَفُوا في الكَلالَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مَن عَدا الوَلَدَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَواهُ طاوُسٌ عَنْهُ.

والثّانِي: أنَّهم مَن عَدا الوالِدَ، وهو قَوْلُ الحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم مَن عَدا الوَلَدَ والوالِدَ، وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، والمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَقَدْ رَوى الشَّعْبِيُّ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ رَأيْتُ في الكَلالَةِ رَأْيًا، فَإنْ كانَ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وإنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي واللَّهُ مِنهُ بَرِيءٌ، إنَّ الكَلالَةَ ما خَلا الوالِدَ والوَلَدَ.

فَلَمّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قالَ: إنِّي لِأسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أنْ أُخالِفَ أبا بَكْرٍ في رَأْيٍ رَآهُ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُسَمّى كَلالَةً عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الكَلالَةَ المَيِّتُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَيُّ الوارِثُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَيِّتُ والحَيُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَأصْلُ الكَلالَةِ الإحاطَةُ، ومِنهُ الإكْلِيلُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِإحاطَتِهِ بِالرَّأْسِ فَكَذَلِكَ الكَلالَةُ لِإحاطَتِها بِأصْلِ النَّسَبِ الَّذِي هو الوالِدُ والوَلَدُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم..

﴾ الآية.

يقول: للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره، فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى فللزوج الربع مما تركت من المال من بعد وصية يوصي بها النساء أو دين عليهن- والدين قبل الوصية فيها تقديم- ﴿ ولهن الربع...

﴾ الآية.

يعني للمرأة الربع مما ترك زوجها من الميراث إن لم يكن لزوجها الذي مات عنها ولد منها ولا من غيرها، فإن كان للرجل ولد ذكر أو أنثى فلها الثمن مما ترك الزوج من المال، وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة- والكلالة الميت الذي ليس له ولد ولا والد- ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك ﴾ يعني أكثر من واحد، إثنين إلى عشرة فصاعداً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدرامي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص.

أنه كان يقرأ ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت من أم ﴾ .

وأخرج البيهقي عن الشعبي قال: ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة من الأم مع الجد شيئاً قط.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وله أخ أو أخت ﴾ قال: هؤلاء الإخوة من الأم فهم شركاء في الثلث قال: ذكرهم وأنثاهم فيه سواء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: قضى عمر بن الخطاب أن ميراث الإخوة من الأم بينهم الذكر فيه مثل الأنثى.

قال: ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذه الآية التي قال الله: ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ .

وأخرج الحاكم عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد في أم وزوج وإخوة لأب، وأم وإخوة لأم.

إن الإخوة من الأب والأم شركاء الإخوة من الأم في ثلثهم وذلك أنهم قالوا: هم بنو أم كلهم، ولم تزدهم الأم إلا قرباً فهم شركاء في الثلث.

وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت في المشركة قال: هبوا أن أباهم كان حماراً ما زادهم الأب إلا قرباً، وأشرك بينهم في الثلث.

ذكر الأحاديث الواردة في الفرائض: أخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أول ما ينزع من أمتي» .

وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفرائض، لا يجدان من يقضي بها» .

وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: كتب عمر إلى أبي موسى: إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا الفرائض، واللحن، والسنة، كما تعلمون القرآن.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: تعلموا الفرائض فإنها من دينكم.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال: من قرأ منكم القرآن فليتعلم الفرائض، فإن لقيه أعرابي قال: يا مهاجر أتقرأ القرآن؟

فيقول: نعم.

فيقول: وأنا أقرأ.

فيقول الأعرابي: أتفرض يا مهاجر؟

فإن قال: نعم.

قال: زيادة خير.

وإن قال: لا.

قال: فما فضلك عليَّ يا مهاجر؟.

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: تعلموا الفرائض، والحج، والطلاق، فإنه من دينكم.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْرَضُ أمتي زيد بن ثابت» .

وأخرج البيهقي عن الزهري قال: لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس.

وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في المراسيل والبيهقي عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة.

فأنزل الله عليه لا ميراث لهما.

وأخرجه الحاكم موصولاً من طريق عطاء عن أبي سعيد الخدري.

وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: عجباً للعمة تورِث ولا ترث.

وأخرج الحاكم عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر فقالت: إن لي حقاً في ابن ابن.

أو ابن ابنة لي مات.

قال: ما علمت لك حقاً في كتاب الله، ولا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً، وسأسأل.

فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس قال: من شهد ذلك معك؟

فشهد محمد بن مسلمة، فأعطاها أبو بكر السدس.

وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت.

أن عمر لما استشارهم في ميراث الجد والإخوة قال زيد: كان رأيي أن الإخوة أولى بالميراث، وكان عمر يرى يومئذ أن الجد أولى من الإخوة، فحاورته وضربت له مثلاً، وضرب علي وابن عباس له مثلاً يومئذ.

السيل يضربانه ويصرفانه على نحو تصريف زيد.

وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت قال: إن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدتين من الميراث السدس بينهما بالسوية.

وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: أول من أعال الفرائض عمر، تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري كيف أصنع بكم، والله ما أدري أيكم قدَّم الله ولا أيكم أخَّر، وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص.

ثم قال ابن عباس: وأيم الله لو قدَّم من قدَّم الله وأخَّر من أخر الله ما عالت فريضته.

فقيل له: وأيها قدَّم الله؟

قال: كل فريضة لم يهبطها الله من فريضة إلا إلى فريضة: فهذا ما قدَّم الله، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخَّر الله فالذي قدَّم كالزوجين والأم، والذي أخَّر كالأخوات والبنات.

فإذا اجتمع من قدَّم الله وأخرَّ بدئ بمن قدَّم فأعطى حقه كاملاً، فإن بقي شيء كان لهن وإن لم يبق شيء فلا شيء لهن.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال: أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في المال نصفاً وثلثاً وربعاً، إنما هو نصفان وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع.

وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء قال: قلت لابن عباس: إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك، ولو متُّ أنا وأنت ما اقتسموا ميراثاً على ما تقول: قال: فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.

ما حكم الله بما قالوا.

وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت.

أنه أول من أعال الفرائض، وأكثر ما بلغ العول مثل ثلثي رأس الفريضة.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس.

أنه كان يقول: من شاء لاعنته عند الحجر الأسود، إن الله لم يذكر في القرآن جداً ولا جدة إن هم إلا الآباء، ثم تلا ﴿ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ﴾ [ يوسف: 38] .

وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجرؤكم على قسم الجد أجرؤكم على النار» .

وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال: أجرؤكم على جراثيم جهنم أجرؤكم على الجد.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن علي قال: من سرَّه أن يتقحَّم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة.

وأخرج مالك والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» .

وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الله بن مغفل قال: ما أحدث في الإسلام قضاء بعد قضاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعجب إليَّ من قضاء معاوية، إنا نرثهم ولا يرثونا، كما أن النكاح يحل لنا فيهم ولا يحلُّ لهم فينا.

وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس للقاتل من الميراث شيء» .

قوله تعالى: ﴿ غير مضار ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار ﴾ يعني من غير ضرار لا يقر بحق ليس عليه ولا يوصي بأكثر من الثلث مضار للورثة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ غير مضار ﴾ قال: في الميراث لأهله.

وأخرج النسائي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: الضرار في الوصية من الكبائر ثم قرأ ﴿ غير مضار ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأضرار في الوصية من الكبائر» .

وأخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص «أنه مرض مرضاً أشفي منه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال: يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة أفأتصدق بالثلثين؟

قال: لا.

قال: فالشطر...؟

قال: لا.

قال: فالثلث...؟

قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال: إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم يعني الوصية.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال: وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث كثير» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: ذكر عند عمر الثلث في الوصية قال: الثلث وسط، لا بخس ولا شطط.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال: لأن أوصي بالخمس أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصي بالثلث لم يترك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع، والذي يوصي بالربع أفضل من الذي يوصي بالثلث.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كان يقال: السدس خير من الثلث في الوصية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال: من أوصى بوصية لم يحف فيها ولم يضار أحداً كان له من الأجر ما لو تصدق في حياته في صحته.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يموت الرجل قبل أن يوصي، قبل أن تنزل المواريث.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم ﴾ الآية؛ خطاب للرجال.

وأجمع العلماء على ما تضمنته هذه الآية من ميراث الزوج والزوجة، وأن ميراث الزوجة تنفرد به إن كانت واحدة، ويقسم بينهن إن كن أكثر من واحدة، ولا ينقص عن ميراث الزوج والزوجة وسائر السهام، إلاّ ما نقصه العول على مذهب جمهور العلماء، خلافاً لابن عباس: فإنه لا يقول بالعول فإن قيل: لم كرر قوله: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ ، مع ميراث الزوج وميراث الزوجة، ولم يذكره قبل ذلك إلاّ مرة واحدة في ميراث الأولاد والأبوين، فالجواب: أن الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج، وكل واحدة قضية على انفرادها، فلذلك ذكر ذلك مع كل واحدة بخلاف الأولى، فإن الموروث فيها واحد، ذكر حكم ما يرثمنه أولاده وأبواه، وهي قضية واحدة، فلذلك قال فيها: ﴿ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ مرة واحدة ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة ﴾ الكلالة هي انقطاع عمود النسب؛ وهو خلو الميت عن ولد ووالد، ويحتمل أن تطلق هنا على الميت الموروث، أو على الورثة، أو على القرابة، أو على المال: فإن كانت على الضمير، في يورث أو تكون كان تامة وتورث في موضع الصفة أو يورث خبر كان، وكلالة حال من الضمير، في يورث أو تكون كان تامة وتورث في موضع الصفة وكلالة حال من الضمير وإن كانت للورثة فهي مصدر في موضع الحال، وإن كانت للقرابة فهي مفعول من أجله، وإن كانت للمال فهي مفعول ليورث، وكل وجه من هذه الوجوه على ان تكون كان تامة، ويورث في موضع الصفة، وأن تكون ناقصة ويورث خبرها ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ المراد هنا: الأخ للأم والأخت للأم بإجماع وقرأ سعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت لأمه ﴾ وذلك تفسير للمعنى ﴿ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس ﴾ إذا كان الإخوة للأم اثنين فصاعداً: فلهما الثلث بالسواء بين الذكر والأنثى، لن قوله: شركاء يقتضي التسوية بينهم، ولا خلاف في ذلك ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ ﴾ منصوب على الحال، والعامل فيه يوصي ومضار اسم فاعل، قال ابن عباس: الضرار في الوصية من الكبائر، ووجوه المضار كثيرة: منها الوصية لوارث، والوصية بأكثر من الثلث، أو بالثلث فراراً عن وارث محتاج، فإن عُلم أنه قصد بوصيته الإضرار رد ما زاد على الثلث اتفاقاً، واختلف؛ هليريد الثلث على قولين في المذهب، والمشهور أنه ينفذ ﴿ وَصِيَّةً مِّنَ الله ﴾ مصدر مؤكد لقوله: يوصيكم الله ويجوز أن ينتصب بغير مصدر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب.

﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.

الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.

الباقون: مبنياً للفاعل.

﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.

الباقون بالياء.

وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.

﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان  ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين  ﴾ وأشباه ذلك.

وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.

الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.

الباقون كلها بالكسر.

الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.

﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.

﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.

﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت  ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.

أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.

واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.

أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم  ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.

فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.

والثاني المؤاخاة.

كان رسول الله  يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.

والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.

والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.

روي "أن رسول الله  ورث بنت حمزة من مولى لها" .

ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.

قال  : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.

وإنما بدأ  بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.

أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.

أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.

وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.

وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.

وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.

وأما الحكمة في أنه  جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.

فيكف حال المرأة؟

وعن جعفر الصادق  أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.

فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.

وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.

وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.

وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.

وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.

وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.

فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.

أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.

وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.

وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.

وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.

وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه  يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه  لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.

وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق  ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.

وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.

فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.

فقال لي رسول الله  : ادع لي المرأة وصاحبها.

فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .

وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.

وأيضاً قال  : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.

والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله  : ﴿ يا بني آدم  ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل  ﴾ .

وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.

واعلم أن عموم قوله  ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.

ومنها أن القاتل لا يرث.

ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.

وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.

ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.

روي أن فاطمة  ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله  : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله  حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب  ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.

وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.

وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول  أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟

وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.

أجابوا بأن فاطمة  ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.

واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.

فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".

/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.

وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.

ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.

ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.

فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.

واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.

والباقي للأولاد بالسوية.

وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.

وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.

فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه  جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟

فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.

وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.

الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه  قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟

فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.

وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.

وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.

وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.

فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.

هذا عكس قوله  : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.

فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.

وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله  في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.

وقال  : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟

فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.

فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.

ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.

ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.

ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.

حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.

وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.

فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله  .

عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول  قضى بالدين قبل الوصية" .

والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.

وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.

ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.

ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.

وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد  ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.

فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.

يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.

وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.

فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.

وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.

فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.

وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.

وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.

﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.

قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه  منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.

وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.

هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.

وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.

فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.

ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.

ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.

وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.

ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.

وههنا مسألة.

قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله  : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.

ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.

وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.

وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.

واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق  أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.

الكلالة ما خلا الوالد والولد.

وعن عمر  : الكلالة من لا ولد له فقط.

وعنه في رواية أخرى التوقف.

وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول  لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.

وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.

ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.

قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.

قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.

ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه  قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد  ﴾ فاحتج عمر بذلك.

والجواب أنه  حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.

ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

وأيضاً إنه  ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.

وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.

والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.

وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي  فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.

ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.

ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.

وقوله  : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.

ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.

والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.

قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟

والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.

تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.

والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.

وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.

ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.

هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.

وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.

والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.

ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.

وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.

فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.

فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.

ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.

وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.

قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي  : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.

وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.

ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.

وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.

وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.

وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.

ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.

قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.

فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.

وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.

وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.

نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.

فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.

وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.

قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.

وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.

وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.

واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.

وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض  ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.

وقد يقال: اللاآت كاللامات.

قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً  ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.

ومن العرب من يلغي هذا الفرق.

والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.

وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.

قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.

ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.

﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.

والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.

قال الزهري: مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.

ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.

﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟

﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.

واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.

فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.

أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.

وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.

وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.

والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.

وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.

وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.

وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.

وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله  إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .

ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.

وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.

وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.

وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.

وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.

وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.

ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال  : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.

صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله  عليم.

ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.

ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.

وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.

وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.

وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.

أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.

أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.

وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.

و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.

ومثله قوله  : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.

أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.

قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟

وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟

وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟

فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون  ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.

وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.

ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.

ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.

أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.

﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.

قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.

لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.

وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.

/ قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.

وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.

فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.

النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.

وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.

وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.

قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.

قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله  هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.

ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.

ثم إنه استثناء مماذا؟

قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.

وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.

وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.

ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.

وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.

النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال  : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله  في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.

النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.

يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.

والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.

روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.

فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.

فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.

ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.

وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.

ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.

واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.

﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.

وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.

وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.

وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.

وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه  فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.

وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.

وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.

وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.

وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.

فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟

فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.

وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.

ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.

ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.

وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟

النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.

وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.

حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.

ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح  ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.

ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية  ﴾ ولقوله  : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.

وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وبقوله  : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.

وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.

سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟

قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.

وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.

ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.

والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.

سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.

قال محمد بن جرير الطبري.

سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.

لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟

سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.

وإذا كان منعقداً صحيحاً.

ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ وكقوله  " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله  : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟

أما قوله  : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.

فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.

وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.

والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.

وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.

والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.

وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى  ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.

وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.

قالوا: إنه  أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.

وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.

وروي "أنه  بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله  أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.

حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله  في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.

قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.

فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.

﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله  أعلم.

التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.

فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.

ومن هنا قال  : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله  : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.

فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.

قال  : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.

ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: فيه مراد الخصوص، وإن كان مخرج الخطاب عامّاً؛ لأن الزوج أو الزوجة إذا لم يكن على دين صاحبه وعلى وصفه لم يجز بينهما التوارث؛ دل أن ليس لأحد الاحتجاج بعموم المخرج، على ما ذكرنا في الولد والوالد والأم وغيرهم: أنه إذا لم يكن بعضهم على وصف بعض لم يجز بينهما التوارث؛ دل أن عموم مخرج الخطاب لا يدل على عموم المراد، ثم الآية معطوفة على ما سبق من الآيات؛ لأنها ذُكرت بحرف العطف والنسق بقوله: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ ﴾ والربع إن كان لهن ولد ﴿ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ ﴾ ، والثمن إن كان لكم ولد، فبين في الآية الأولى ميراث الأب والأم وميراث الأولاد، ولم يبين ميراث الأزواج، ثم بين في هذه الآية؛ فنسق على الأول؛ دل أن الأزواج والزوجات إذا كانوا معهم فإن الحكم لا يختلف فيهم، يكون للأم الثلث إذا لم يكن هنالك ولد ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدا، والسدس إن كان له ولد أو اثنان من الإخوة والأخوات يكون لها مع هؤلاء ثلث ما بقى، حيث نسق هذه على السابقة.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَٰلَةً ﴾ .

اختلف في الكلالة: قال بعضهم: الكلالة: الميت الذي لا ولد له ولا والد.

وعن الحسن أنه قال: الكلالة: الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو الإخوة والأخوات من الأب، ذهب في ذلك إلى ما ذكر في آية أخرى قوله: ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر [النساء: 176]، والنصف إنما يكون للأخت من الأب والأم، أو الأخت من الأب، وذلك تفسير الكلالة؛ دل أنها الإخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب.

وروي عن أبي بكر الصديق -  - أنه قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.

وروي عن عمر -  - أنه قال: لقد أتى عليَّ زمان ما أدري ما الكلالة، ألا وإن الكلالة ما لم يكن له ولد ولا والد.

وعن أبي عباس -  - قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.

وروي [عن أبي بكر الصديق] -  - قال في خطبته: ألا إن الآية التي أنزلها الله -  - في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والمرأة، والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة من الأب والأم، والآية التي في سورة الأنفال في: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ  ﴾ مما جرت في الرحم من العصبة.

وروي عن عمر -  - أنه قال: إذا كانت الكلالة بعضهم أقرب من بعض بأب فهو أحق بالمال.

وحديث عمر هذا يبين أن الكلالة، اسم يقع على الإخوة من الأم ويقع على الإخوة من الأب، ويقع على الإخوة من الأب والأم، وهو ما ذكرنا في قول أبي بكر الصديق وعمر -  ما - أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، فكانوا يذهبون - والله أعلم - أن الأعمام وبني الأعمام يرجعون في النسب مع الميت إلى جده، وقد تكللهم الجد، وكذلك الأخوال والخالات وأولادهم يرجعون مع الميت إلى جده أبي أمه، وقد تكللهم أبو الأم؛ فسبيلهم في ذلك سبيل الإخوة والأخوات الذين تكللهم الأب والأم، إلا أنهم لما كانوا أبعد في النسب من الإخوة والأخوات لم يرثوا معهم، فأجمعوا أن معنى [قوله -  وتعالى -]: ﴿ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ  ﴾ هو في الأخت من الأب والأم، أو من الأب، إذا مات الرجل ولا ولد له ذكر ولا أنثى يعطي الأخت النصف تسمية، فقال قوم من الشيعة: الآية تدل على أنه إن ترك ابنة وأختاً أن المال كله للابنة، ولا شيء للأخت؛ لأن الله -  - جعل لها الميراث إذا لم يكن له ولد؛ فسوى الذكر والأنثى من الأولاد.

وليس الأمر كما قالوا؛ لأنا إذا جعلنا للابنة النصف وجعلنا ما بقي للأخت فلم نعطها ما أعطيناها بالتسمية؛ ألا ترى أنه لو كانتا أختين كان لهما عندنا ما بقي؛ ولو جعلنا ذلك لهما تسمية، أعطيناهما الثلثين؛ لأن الله -  - جعل لهما الثلثين بالتسمية، وليس سبيل ما تأخذه الأخت بالتسمية لا ينقص منها شيئاً ما تأخذه من الباقي بغير تسمية؛ ألا ترى أن الله -  - جعل للأبوين السدسين مع الولد، فإن كانت ابنة وأباً فلها النصف، وما بقي للأب، فقد أعطينا الأب أكثر مما سمى الله -  - ولكنا لم نعطه الزيادة بالتسمية؛ فلم يلزمنا الخلاف في زيادته، فإن خالفونا في ذلك، قيل: قد سبق لذلك جواب ما يدل على أن الأب بالباقي أولى من الابنة؛ لذلك لم نذكره في هذا الموضع.

فإن قال: الابنة أولى بما زاد على النصف؛ لأن الله -  - قال: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ ؛ فكانت الابنة أحق بذلك من غيرها.

قيل له: [إن قوله -  -:] ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ - إنما أوجب أنهم أولى ببعض من الأجنبيين؛ بين ذلك قوله  : ﴿ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ  ﴾ ؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله ذلك، وجعل الميراث لذوي القرابة.

وليس في الآية دليل على أن القريب أولى بالميراث ممن هو أبعد منه في القرابة، وقال الله -  -: ﴿ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ  ﴾ ، يقول - والله أعلم -: الأخ من الأب يرث الأخت المال كله؛ إن لم يكن لها ولد، وترث من الأخ النصف إذا كان هو الميت، وقال الله  وتعالى : ﴿ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ  ﴾ ؛ فأجمعوا أن الأختين وما زاد من الميراث سواء.

وقال الله -  -: ﴿ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ  ﴾ فأجمعوا أن الرجل والمرأة إذا مات أحدهما وترك أخاً وأختاً فما زاد على ذلك من الذكور والإناث كان الميراث بينهم: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ ؛ فهذا ما نص الله -  - عليه في فرائض المواريث.

وقد تكلم أهل العلم في الردّ، والعول، وميراث ذوي الأرحام: فأما ميراث ذوي الأرحام: فإن الله -  - قال: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ فمن زعم أن المال لبيت المال فلم يجعل بعض الأرحام أولى ببعض؛ بل جعل الغرباء أولى بالميت من أولى الأرحام؛ فكان قول المورثين عندنا أولى، وهو قول عمر، وعلي، وعبد الله [بن مسعود]، وجماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - إلا زيد بن ثابت -  - فإنه جعل ذلك لبيت المال.

فإن قيل: إن قول الله -  وتعالى -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ إنما هو فيمن سمى الله لهم سهاماً.

قيل: في الخبر دليل أنه في غير الذين سمى الله لهم سهاماً: ما روي عن عمر [بن الخطاب] -  - أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله  : "اللهُ وَرَسُولُهُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ، وَالخَالُ وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ" وروي - أيضاً - أن عمر -  - قضى للخالة بالثلث، وللعمة بالثلثين.

وعن زر بن حبيش، عن عمر -  - أنه قسم الميراث بين العمة والخالة.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: الخالة والدة.

وعن علي -  - أنه قال في العمة والخالة: للعمة الثلثان، وللخالة الثلث.

فأخذ علماؤنا في ذلك بما رُوي عن النبي  ، وعن الأجِلَّة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وكان ذلك موافقاً لظاهر الآية وعمومها، وكان اتباع ذلك عندهم أولى من غيره.

فأما الكلام في العول: فإن ابن عباس -  - كان ينكره، ويقول: لا تعول الفريضة.

وكان علي وعبد الله وزيد بن ثابت يقولون بعول الفرائض.

وروي عن الحارث قال: ما رأيت أحداً قط أحسب من علي بن أبي طالب -  - أتاه آت، فقال: يا أمير المؤمنين، رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وامرأته، ما لامرأته؟

قال: صار ثمنها تسعاً.

وكان ابن عباس -  - يكره أن ينقص الأب من السدس، وقد سمى الله -  - له السدس، ثم لم يمض على هذا الأصل؛ لأنه قال في الابنتين وأبوين وامرأته: للمرأة الثمن، وللأبوين السدسان، وما بقي فللابنتين؛ فنقص الابنتين مما سمى الله لهما، فلم كانتا أولى بالنقصان كله من غيرهما؟

وسائر الصحابة أدخلوا النقصان على كل وارث بقدر نصيبه؛ لئلا يلحق النقصان على بعض، ويأخذ البقية كمال نصيبهم، وجعلوا ذلك كقوم أوصى لهم رجل بوصايا تتجاوز الثلث إذا جمعت؛ فالحكم أن يقسم الثلث بينهم بالحصص، وكقوم صح لهم دَيْن على ميت، وتركته لا تفي بذلك؛ فهم جميعاً أسوة: يلحق كل واحد منهم النقصان بقدر حصته.

وأما الردُّ: فإن عليّاً -  - وعبد الله -  - قالا به، على اختلافهما فيمن يرد عليه، وسبيل ذلك سبيل ذوي الأرحام؛ لأن ذا الرحم بباقي المال أولى من الأجنبيين؛ بقول الله -  وتعالى -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ ؛ فمن لا رحم له فلا حق له غير سهمه.

وليس في الزوج والزوجة خلاف بين أهل العلم أنه لا يرد عليهما، ولأن في الآية دليل الرد على غير الزوجين من أهل السهام ومنعَ الرد عليهما؛ لأنه - عز وجل - ذكر للأبوين السدسين إذا كان له ولد، وسمى للأم الثلث إذا لم يكن له ولد، ولم يسم للأب شيئاً؛ فيرد الباقي عليه، وكذلك سمى للذكور من الأولاد مع الإناث نصيباً بقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ ﴾ ، ولم يسم لهم شيئاً في حال الانفراد؛ فيرد الكل عليهم، ولم يترك للزوجين ذكر تسمية سهامهما في حال؛ بل ذكر سهامهما في الأحوال كلها في حال الولد، وفي حال الذي لا ولد له؛ فلذلك منع دليل الرد عليهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ومرة: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ حتى يعلم أنهما واحد.

ثم ذكر المضارة في ميراث الإخوة والأخوات، ولم يذكر في الولد والوالد والزوج والزوجة؛ فهو - والله أعلم - يحتمل وجهين: يحتمل: أنه ذكر في هذا أنه بهم ختم المواريث؛ فتكون تلك المضارة كانت كالمذكورة في الأولاد، أو الوالدين والأزواج؛ إذ بذلك ختم.

ويحتمل: أنه ذكر هاهنا المضارة ولم يذكر فيما ذكرنا؛ لما في الطبع يقصد الرجل إلى مضارة الأخ والأخت ومَنْ بَعُدَ منه، ولا يقصد في المتعارف إلى مضارة الآباء والأولاد ومن ذكرنا، فإذا جاء النهي في مضارة من يُقصد في الطبع - يقصد الرجل - مضارته؛ فَلاَن ينهي عنها فيما لا يقصد بالطبع أحق.

ثم بيان المضارة في الوصية ما روي عن رسول الله  قال: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" وقوله: "إِنَّكَ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِياءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ" ، وما روي عن أبي هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ الخَيْرِ سِتِّينَ سَنَةً، فَإِذَا أَوْصَى خَانَ فِي وَصِيَّتِه، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ؛ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الشَّرِّ سِتِّينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ" ثم يقول أبو هريرة -  -: اقرءوا إن شئتم: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .

وما روي: "الثُّلثُ حَيْفٌ".

وما روي عن ابن عباس -  - قال: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم قرأ ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ...

﴾ إلى آخره، قال: في الوصية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ .

ثم الإضرار قد يكون - أيضاً - إذا أوصى لوارث ولم يوص للباقين؛ لأنه أضر به بالوصية لبعض ورثته الباقين؛ فلا فرق بين أن يضر بعض الورثة وبين أن يضر الورثة كلهم؛ ففيه دليل بطلان الوصية لبعض الورثة دون بعض.

ثم الإضرار قد يكون بالدَّيْن على ما يكون بالوصية؛ لأنه أقر المريض لبعض الورثة بدين، فإن إقراره لا يجوز كما لا تجوز وصيته، والإقرار بالدين أحق ألا يجوز من الوصية؛ لأن الإقرار في المرض جوازه بحق الأمانة؛ إذ يجوز جواز الشهادة، والشهادة أمانة، والوصية جوازها بحق الملك؛ فإذا بطلت الوصية لوارثه فإقراره له في المرض أحق أن يبطل؛ وعلى ذلك إذا كان عليه دين في الصحة، فأقر بدين في المرض؛ فغرماء الصحة أولى بدينهم من غرماء المرض؛ لأن في ذلك إضراراً بغرماء الصحة؛ لأن دينهم قد تعين في ماله، وتحول من الذمة إلى التركة؛ ألا ترى أنه ليس له أن يقضي غريماً دون غريم!

فإذا كان ما ذكرنا - لم يكن له قسمة المال بين غرماء الصحة وبين من أقر لهم بالدين في المرض؛ إذ فيه الإضرار بهم؛ إذ قد تعين حقهم؛ فلا فرق أن يكسب الضرر على الوارث وبين أن يكسب الضرر على الغرماء.

وإذا باع شيئاً بقيمته في المرض أو استقرض؛ فإنه يجوز ويبدأ به؛ لأنه يعمل للغرماء؛ إذ يقضي ديونهم مما أخذ.

وإذا تزوج أو استأجر فيكون أسوة الغرماء؛ لأنه لم يعمل لهم، إنما يعمل لنفسه، وليس فيه اكتساب الضرر على الغرماء، فيكون أسوة، ثم إذا أضر لم يجز، ويرد ذلك الضرر ويفسخ.

فإن قيل: إن الرجل قد ينهي عن الإضرار في نفسه وماله، ولو فعل يجوز.

قيل: إن الإضرار إذا حصل في ملكه أو في نفسه - يُنْهي ويجوز؛ لأنه لم يضر غيره، وإذا حصل في ملك غيره لم يجز وَرُدّ، وهاهنا إنما حصل في ملك الورثة والغرماء؛ لذلك بطل، ولا يوصي بأكثر من الثلث، ولا يوصي لوارث، ولا يقر بحق ليس عليه مضارة للورثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل قوله  : ﴿ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: الذي نهي عن المضارة وصيةً.

ويحتمل: الذي فرض عليكم من المواريث؛ وصية من الله وفريضة منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .

بمن ضارَّ الوارث، وزاد على الثلث، وبمن لم يضار.

﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من ضار.

ويحتمل العليم والحليم أن يكونا سواء؛ لأن ضد ﴿ حَلِيمٌ ﴾ سفيه، وكذلك الحليم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولكم - أيها الأزواج - نصف ما تركت زوجاتكم؛ إن لم يكن لهن ولد -ذكرًا كان أو أنثى- منكم أو من غيركم، فإن كان لهن ولد -ذكرًا كان أو أنثى- فلكم الربع مما تركن من المال يقسم لكم ذلك بعد تنفيذ وصيتهن، وقضاء ما عليهن من دين.

<div class="verse-tafsir" id="91.kpwXx"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الخطاب في الآية عام موجه إلى جميع المكلفين في الأمة لأنهم؛ هم الذين يقسمون التركة وينفذون الوصية، ولتكافل الأمة في الأمور العامة.

﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ  ﴾ جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، واختير فيها هذا التعبير للإشعار بإبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع توريث النساء، كما تقدم فكأنه جعل إرث الأنثى مقررًا معروفًا، وأخبر بأن للذكر مثله مرتين، أو جعله هو الأصل في التشريع وجعل إرث الذكر محمولًا عليه، يعرف بالإضافة إليه، ولولا ذلك لقال: للأنثى نصف حظ الذكر، وإذا لا يفيد هذا المعنى ولا يلتئم السياق بعده كما ترى.

﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ  ﴾ : هذا تحريض على أخذ وصية الله تعالى وأحكامه بقوة، وتنبيه إلى أنه تعالى فرضها وهو يعلم ما فيها من الخير والمصلحة لنا ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، وإذا كنا نعلم أنه تعالى شأنه أعلم منا بمصالحنا ومنافعنا فما علينا إلا أن نذعن لوصاياه وفرائضه، ونعمل بما ينزله علينا من هدايته، وكما يشير اسم العليم هنا إلى وضع تلك الأحكام على قواعد العلم بمصلحة العباد ومنفعتهم يشير أيضًا إلى وجوب مراقبة الوارثين والقوام على التركات لله تعالى في عملهم بتلك الأحكام، لأنه لا يخفى عليه حال من يلتزم الحق في ذلك ويقف عند حدود الله  وحال من يتعدى تلك الحدود بأكل شيء من الوصايا أو الدين أو حق صغار الوارثين أو النساء الذي فرضه الله لهم كما كانت تفعل الجاهلية، ولذلك قال في الآية السابقة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  ﴾ فللتذكير بعلمه تعالى هنا فائدتان، تتعلق بحكمة التشريع، وفائدة تتعلق بكيفية التنفيذ.

وقد يخطر في البال أن المناسب الظاهر في هذه الآية أن يقرن وصف العلم بوصف الحكمة كالآية الأخرى فيقال: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ  ﴾ فما هي النكتة في إيثار الوصف بالحلم على الوصف بالحكمة، والمقام مقام تشريع وحث على اتباع الشريعة، لا مقام حث على التوبة فيؤتى فيه بالحلم الذي يناسب العفو والرحمة؟

والجواب عن ذلك أن التذكير بعلم الله تعالى لما كان متضمنًا لإنذار من يتعدى حدوده تعالى فيما تقدم من الوصية والدين والفرائض ووعيده، وكان تحقق الإنذار والوعيد بعقاب معتدي الحدود وهاضم الحقوق قد يتأخر عن الذنب، وكان ذلك مدعاة غرور الغافل، ذكرنا تعالى هنا بحلمه لنعلم أن تأخر نزول العقاب لا ينافي ذلك الوعيد والانذار، ولا يصح أن يكون سببًا للجراءة والاغترار، فإن الحليم هو الذي لا تستفزه المعصية إلى التعجيل بالعقوبة، وليس في الحلم شيء من معنى العفو والرحمة، فكأنه يقول لا يغرن الطامع في الاعتداء وأكل الحقوق تمتع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل فينسى علم الله تعالى بحقيقة حالهم، ووعيده لأمثالهم، فيظن أنهم بمفازة من العذاب فيتجرأ على مثل ما تجرأوا عليه من الاعتداء، ولا يغرن المعتدي نفسه، تأخر نزول الوعيد به، فيتمادى في المعصية، بدلًا من المبادرة إلى التوبة، لا يغرن هذا ولا ذاك تأخير العقوبة فإنه إمهال يقتضيه الحلم، لا إهمال من العجز أو عدم العلم، وفائدة المذنب من حلم الحليم القادر أنه يترك له وقتًا للتوبة والإنابة بالتأمل في بشاعة الذنب وسوء عاقبته، فإذا أصر المذنب على ذنبه، ولم يبق للحلم فائدة في إصلاح شأنه، يوشك أن يكون عقاب الحليم له أشد من عقاب السفيه على البادرة عند حدوثها، ومن الأمثال في ذلك: ﴿ اتقوا غيظ الحليم  ﴾ ذلك بأن غيظه لا يكون إلا عند آخر درجات الحلم إذا لم تبق الذنوب منه شيئًا، وعند ذلك يكون انتقامه عظيما.

نعم إن حلم الله تعالى لا يزول ولكنه يعامل به كل أحد بقدر معلوم: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ  ﴾ فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بحلمه كما أنه لا ينبغي له أن يغتر بكرمه ﴿ يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ  الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ  كَلَّا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله