الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ١٥-١٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةاختلف المفسرون في الآيتين فالجمهور على أنهما في الزنا خاصة، ولأجل الفرار من التكرار قالوا: إن الآية الأولى في المحصنات أي الثيبات فهن اللواتي كان يحبسن في البيوت إذا زنين حتى يتوفاهن الموت، والثانية في غير المحصنين والمحصنات أي في الأبكار ولهذا كان العقاب فيها أخف، وعلى هذا يكون الزاني المحصن مسكوتا عنه.
والآيتان على هذا القول منسوختان بالحد المفروض في سورة النور وهو السبيل الذي جعله الله للنساء اللواتي يمسكن في البيوت.
ولكن يبقى في نظم الآية شيء وهو أن كلا من توفِّي الموت ومن جعل السبيل قد جعل غاية للإمساك في البيوت بعد وقوعه، فعلى هذا لا يصح تفسير السبيل بإنزال حكم جديد فيهن يكون المعني على هذا التفسير فامسكوهن في البيوت إلى أن يمتن أو ينزل الله فيهن حكمًا جديدًا.
وقد فسر السبيل بعضهم بالزواج كأن يسخر الله للمرأة المحبوسة رجلًا آخر يتزوجها، وقد وافق (الجلال) الجمهور في الأولى وخالفهم في الثانية فقال إنها في الزنا واللواط معا ثم رجح أنها في اللواط، فتكون الأولى منسوخة على رأيه، والثانية غير منسوخة.
وخالف الجمهور أبو مسلم في الآيتين فقال: إن الأولى في المساحقات، والثانية في اللواط فلا نسخ.
وحكمة حبس المساحقات على هذا القول هو أن المرأة التي تعتاد المساحقة تأبى الرجال وتكره قربهم -أي فلا ترضى أن تكون حرثًا للنسل- فتعاقب بالإمساك في البيت والمنع من مخالطة أمثالها من النساء إلى أن تموت أو تتزوج.
وفي إسناد جعل السبيل لها إلى الله تعالى إشارة إلى عسر النزوع عن هذه العادة الذميمة، والشفاء منها حتى بالترك الذي هو أثر الحبس فكأنها لا تزول إلا بعناية خاصة منه تعالى.
واعترض على أبي مسلم بأن تفسير الفاحشة في الآية الأولى لم يقل به أحد وبأن الصحابة اختلفوا في حد اللواط، فأجاب عن الأول بأن مجاهدًا قال به، وناهيك بمجاهد، وبأنه ثَبتَ في الأصول أنه يجوز للعالم أن يفسر القرآن ويفهم منه ما لم يكن مرويًا عن أحد بشرط أن لا يخرج بذلك عن مدلولات اللغة العربية في مفرداتها وأساليبها، وأجاب عن الثاني بأن الصحابة إنما اختلفوا في حد اللواط وهذا لا يمنع كون الآية نزلت في العقوبة عليه وهي لا حد فيها.
ومما يجاب به عن أبي مسلم أن الصحابة ما كانوا يجلسون لتفسير القرآن إلا عند الحاجة، وإنما كانوا يتدارسونه ويتدبرونه للاهتداء والاتعاظ وهم يفهمونه لأنه نزل بلغتهم فإذا سألهم سائل عن تفسير آية ذكروا له تفسيرها، وقد يسكتون عن حكم الشيء السنين الطوال لعدم وقوعه فإذا وقعت الواقعة ذكروا حكمها، فإذا جاء في القرآن حكم السحاق ولم نجد عندنا رواية عن الصحابة فيه ولا حكمًا منهم على امرأة بالحبس لأجله علمنا أن سبب هذا وذاك هو أنه لم يقع في زمنهم ويشهد به أربعة منهم، وإذا كان القرآن يضع عقابًا على فاحشة أو جريمة فيمتنع عنها أهل الإيمان فلا تقع، أو لا تظهر فيهم ولا تثبت على أحد، فهذا مما نحمد الله تعالى عليه ونحمد المؤمنين والمؤمنات، ولا نعده من المستحيلات، فالحق أن ما ذهب إليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين.
وبحثوا في جمع اللاتي يأتين الفاحشة وتثنية اللذين يأتيانها وعدوه مشكلًا، وما هو بمشكل، بل نكتته ظاهرة وهي أن النساء لما كن لا يجدن من العار في السحاق ما يجده الرجل في إتيان مثله كانت فاحشة السحاق مظنة الشيوع والإظهار بين النساء، وفاحشة اللواط مظنة الإخفاء حتى لا تكاد تتجاوز اللذين يأتيانها.
ففي التعبير بصيغة المثنى إشارة إلى ذلك وتقرير لكون فاحشة اللواط عارًا فاضحًا يتبرأ منه كل ذي فطرة سليمة، ويجوز أن يكون اختلاف التعبير بالجمع والتثنية من باب التنويع فذلك معهود في الكلام البليغ مع الأمن من الاشتباه.
<div class="verse-tafsir"