الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٦ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 165 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ) أي : واللذان يأتيان الفاحشة فآذوهما .
قال ابن عباس ، وسعيد بن جبير وغيرهما : أي بالشتم والتعيير ، والضرب بالنعال ، وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم .
وقال عكرمة ، وعطاء ، والحسن ، وعبد الله بن كثير : نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا .
وقال السدي : نزلت في الفتيان قبل أن يتزوجوا .
وقال مجاهد : نزلت في الرجلين إذا فعلا لا يكني ، وكأنه يريد اللواط ، والله أعلم .
وقد روى أهل السنن ، من حديث عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " وقوله : ( فإن تابا وأصلحا ) أي : أقلعا ونزعا عما كانا عليه ، وصلحت أعمالهما وحسنت ( فأعرضوا عنهما ) أي : لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك; لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ( إن الله كان توابا رحيما ) وقد ثبت في الصحيحين " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها " أي : ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد ، الذي هو كفارة لما صنعت .
القول في تأويل قوله : وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " واللذان يأتيانها منكم "، والرجل والمرأة اللذان يأتيانها، يقول: يأتيان الفاحشة.
و " الهاء " و " الألف " في قوله: " يأتيانها " عائدة على " الفاحشة " التي في قوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ .
والمعنى: واللذان يأتيان منكم الفاحشة فآذوهما.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنِّي بقوله: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ".
فقال بعضهم: هما البكران اللذان لم يُحْصنا، وهما غير اللاتي عُنين بالآية قبلها.
وقالوا: قوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ، معنيٌّ به الثيِّبات المحصنات بالأزواج - وقوله: " واللذان يأتيانها منكم "، يعني به البكران غير المحصنين.
*ذكر من قال ذلك: 8812 - حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا &; 8-82 &; أسباط، عن السدي: ذكر الجواري والفتيان اللذين لم ينكِحوا فقال: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما " .
8813 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واللذان يأتيانها منكم " البكرين = فآذوهما.
(19) * * * وقال آخرون: بل عُني بقوله: " واللذان يأتيانها منكم "، الرجلان الزانيان.
ذكر من قال ذلك: 8814 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما "، قال: الرجلان الفاعلان، لا يَكْنى.
8815 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " واللذان يأتيانها منكم "، الزانيان.
* * * وقال آخرون: بل عني بذلك الرجلُ والمرأة، إلا أنه لم يُقصَد به بكر دون ثيِّب.
ذكر من قال ذلك: 8816 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن عطاء: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما "، قال: الرجل والمرأة.
8817 - حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ إلى قوله: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ، فذكر الرجل بعد المرأة، ثم جمعهما جميعًا فقال: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابًا رحيما ".
8818 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح قال، قال عطاء وعبد الله بن كثير، قوله: " واللذان يأتيانها منكم "، قال: هذه للرجل والمرأة جميعًا.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: " واللذان يأتيانها منكم "، قول من قال: " عُني به البكران غير المحصنين إذا زنيا، وكان أحدهما رجلا والآخر امرأة "، لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: " والذين يأتونها منكم فآذوهم "، أو قيل: " والذي يأتيها منكم "، كما قيل في التي قبلها: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ، فأخرج ذكرهن على الجميع، ولم يقل: " واللتان يأتيان الفاحشة ".
وكذلك تفعل العرب إذا أرادت البيان على الوعيد على فعل أو الوعد عليه، أخرجت أسماءَ أهله بذكر الجميع أو الواحد = وذلك أن الواحد يدل على جنسه = ولا تخرجها بذكر اثنين.
فتقول: " الذين يفعلون كذا فلهم كذا "،" والذي يفعل كذا فله كذا "، ولا تقول: " اللذان يفعلان كذا فلهما كذا "، إلا أن يكون فعلا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزنا لا يكون إلا من زانٍ وزانية.
فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يراد بذلك الفاعل والمفعول به.
فأما أن يذكر بذكر الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد ينفرد كل واحد منهما به، أو في فعل لا يكونان فيه مشتركين، فذلك ما لا يُعْرف في كلامها.
وإذا كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قول من قال: عني بقوله: " واللذان يأتيانها منكم الرجلان " = وصحةُ قول من قال: عني به الرجل والمرأة.
(20) وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنهما غير اللواتي تقدم بيان حكمهن في قوله: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ، لأن هذين اثنان، وأولئك جماعة.
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الحبس كان للثيّبات عقوبة حتى يتوفَّين من قبل أن يجعل لهن سبيلا لأنه أغلظ في العقوبة من الأذى الذي هو تعنيف وتوبيخ أو سب وتعيير، كما كان السبيل التي جعلت لهن من الرجم، أغلظ من السبيل التي جعلت للأبكار من جلد المئة ونفي السنة.
* * * القول في تأويل قوله تعالى: فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" الأذى " الذي كان الله تعالى ذكره جعله عقوبة للذين يأتيان الفاحشة، من قبل أن يجعل لهما سبيلا منه.
فقال بعضهم: ذلك الأذى، أذًى بالقول واللسان، كالتعيير والتوبيخ على ما أتيا من الفاحشة.
ذكر من قال ذلك: 8819 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فآذوهما "، قال: كانا يؤذَيَان بالقول جميعًا.
8820 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما "، فكانت الجارية والفتى إذا زنيا يعنَّفان ويعيَّران حتى يتركا ذلك.
* * * وقال آخرون: كان ذلك الأذى، أذًى اللسان، غير أنه كان سبًّا.
ذكر من قال ذلك: 8821 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فآذوهما "، يعني: سبًّا.
* * * وقال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللسان واليد.
ذكر من قال ذلك: 8822 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما "، فكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين، إذا أتيا ذلك وهما من أهل الإسلام.
و " الأذى " قد يقع لكل مكروه نال الإنسان، (21) من قول سيئ باللسان أو فعل.
(22) وليس في الآية بيان أيّ ذلك كان أمر به المؤمنون يومئذ، (23) ولا خبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نقل الواحد ولا نقل الجماعة الموجب مجيئهما قطعَ العذر.
وأهل التأويل في ذلك مختلفون، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد، وجائز أن يكون كان أذى بهما.
(24) وليس في العلم بأيِّ ذلك كان من أيٍّ نفعٌ &; 8-86 &; في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة، (25) إذْ كان الله جل ثناؤه قد نسخ ذلك من مُحكمه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما وفي اللاتي قبلهما.
فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في" سورة النور: 2" بقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ .
وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرجم الذي قضى به رسول الله فيهما.
وأجمع أهل التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكره قد جعل لأهل الفاحشة من الزناة والزواني سبيلا بالحدود التي حكم بها فيهم.
* * * وقال جماعة من أهل التأويل: إن الله سبحانه نسخ بقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [سورة النور: 2]، قوله: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ".
ذكر من قال ذلك: 8823 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما "، قال: كل ذلك نسخته الآية التي في" النور " بالحدّ المفروض.
8824 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى، عن ابن جريج، عن مجاهد: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما " الآية، قال: هذا نسخته الآية في" سورة النور " بالحدّ المفروض.
8825 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي.
عن عكرمة والحسن البصري قالا في قوله: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما " الآية، نسخ ذلك بآية الجلد فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ .
8826 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما "، فأنـزل الله بعد هذا: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ، فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
8827 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ الآية، جاءت الحدود فنسختها.
8828 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: نسخ الحدّ هذه الآية.
(26) 8829 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ الآية، قال: نسختها الحدود، وقوله: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ، نسختها الحدود.
(27) 8830 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما "، الآية، ثم نسخ هذا، وجعل السبيل لها إذا زنت وهي محصنة، رجمت وأخرجت، وجعل السبيل للذكر جلد مئة.
8831 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ، قال: نسختها الحدود.
* * * وأما قوله: " فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " فإنه يعني به جل ثناؤه: فإن تابا من الفاحشة التي أتيا فراجعا طاعة الله بينهما =" وأصلحا "، يقول: وأصلحا دينهما بمراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يرضي الله =" فأعرضوا عنهما "، يقول: فاصفحوا عنهما، (28) وكفوا عنهما الأذى الذي كنت أمرتكم أن تؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تؤذوهما بعد توبتهما.
* * * وأما قوله: " إن الله كان توابًا رحيما "، فإنه يعني: إن الله لم يزل راجعًا لعبيده إلى ما يحبون إذا هم راجعوا ما يحب منهم من طاعته (29) =" رحيما " بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة.
-------------------- الهوامش : (19) في المطبوعة: "البكران" بالرفع كأنه استنكر ما كان في المخطوطة كما أثبته ، وهو الصواب.
(20) قوله: "وصحة قول من قال" معطوف على قوله"فساد قول من قال" مرفوعًا.
(21) في المطبوعة"قد يقع بكل مكروه" ، والصواب ما في المخطوطة ، ومعنى"يقع" هنا: يجيء ، أو يوضع ، أو ينزل في الاستعمال.
(22) انظر تفسير"الأذى" فيما سلف 4: 374 / 7: 455.
(23) في المطبوعة: "بيان أن ذلك كان" وهو خطأ ، والصواب ما في المخطوطة.
(24) في المطبوعة: "وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان واليد ، وجائز أن يكون كان أذى بأيهما" ، وكان في المخطوطة: "أذى بهما" ، فرجحت أن هذا هو الصواب ، وجعلت الأولى"أذى باللسان أو اليد" بدلا من العطف بالواو.
(25) في المخطوطة والمطبوعة: "وليس في العلم بأن ذلك كان من أي نفع" ، وهو خطأ محض ، والصواب ما أثبت ، وهذا تعبير قد سلف مرارًا وعلقت عليه آنفًا 1: 520 ، س: 16 / 2: 517 ، س: 15 / 3: 64 ، تعليق: 1 / 6: 291 ، تعليق: 1.
(26) الأثر: 8828 - في المطبوعة: "عبيد بن سليمان" ، والصواب من المخطوطة ، وفي المخطوطة خطأ آخر كتب"عتبة بن سليمان" ، وهو خطأ ، وهذا إسناد دائر في التفسير.
(27) الأثر: 8829 -"أبو سفيان المعمري" هو: محمد بن حميد اليشكري ، سلف برقم: 1787 ، وهذا الإسناد مضى كثيرًا منه: 526 ، 1200 ، 1253 ، 1516 ، 1699.
(28) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف 2: 298 ، 299.
(29) انظر تفسير"كان" بهذا المعنى فيما سلف: 8: 51 / تعليق: 1 / وتفسير"التوبة" فيما سلف من مراجع اللغة.
قوله تعالى : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيمافيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : واللذان " اللذان " تثنية الذي ، وكان القياس أن يقال : اللذيان كرحيان ومصطفيان وشجيان .
قال سيبويه : حذفت الياء ليفرق بين الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات .
وقال أبو علي : حذفت الياء تخفيفا ، إذ قد أمن اللبس في اللذان ؛ لأن النون لا تنحذف ، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم ؛ فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين .
وقرأ ابن كثير " اللذان " بتشديد النون ؛ وهي لغة قريش ؛ وعلته أنه جعل التشديد عوضا من ألف " ذا " على ما يأتي بيانه في سورة " القصص " عند قوله تعالى : فذانك برهانان .
وفيها لغة أخرى " اللذا " بحذف النون .
هذا قول الكوفيين .
وقال البصريون : إنما حذفت النون لطول الاسم بالصلة .
وكذلك قرأ " هذان " و " فذانك برهانان " بالتشديد فيهما .
والباقون بالتخفيف .
وشدد أبو عمرو " فذانك برهانان " وحدها .
و " اللذان " رفع بالابتداء .
قال سيبويه : المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها ، أي الفاحشة " منكم " .
ودخلت الفاء في فآذوهما لأن في الكلام معنى الأمر ؛ لأنه لما وصل الذي بالفعل تمكن فيه معنى الشرط ؛ إذ لا يقع عليه شيء بعينه ، فلما تمكن الشرط والإبهام فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء ، ولم يعمل فيه ما قبله من الإضمار كما لا يعمل في الشرط ما قبله ؛ فلما لم يحسن إضمار الفعل قبلهما لينصبا رفعا بالابتداء ؛ وهذا اختيار سيبويه .
ويجوز النصب على تقدير إضمار فعل ، وهو الاختيار إذا كان في الكلام معنى الأمر والنهي نحو قولك : اللذين عندك فأكرمهما .الثانية : قوله تعالى : فآذوهما قال قتادة والسدي : معناه التوبيخ والتعيير .
وقالت فرقة : هو السب والجفاء دون تعيير .
ابن عباس : النيل باللسان والضرب بالنعال .
قال النحاس : وزعم قوم أنه منسوخ .قلت : رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : واللاتي يأتين الفاحشة و اللذان يأتيانها كان في أول الأمر فنسختهما الآية التي في " النور " .
قاله [ ص: 77 ] النحاس : وقيل وهو أولى : إنه ليس بمنسوخ ، وأنه واجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما : فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل .الثالثة : واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى : واللاتي وقوله : واللذان فقال مجاهد وغيره : الآية الأولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات ، والآية الثانية في الرجال خاصة .
وبين لفظ التثنية صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن ؛ فعقوبة النساء الحبس ، وعقوبة الرجال الأذى .
وهذا قول يقتضيه اللفظ ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة .
ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى : من نسائكم وفي الثانية منكم ؛ واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس .
وقال السدي وقتادة وغيرهما : الأولى في النساء المحصنات .
يريد : ودخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى ، والثانية في الرجل والمرأة البكرين .
قال ابن عطية : ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه .
وقد رجحه الطبري ، وأباه النحاس وقال : تغليب المؤنث على المذكر بعيد ؛ لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة .
وقيل : كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل ؛ فخصت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعا في الإيذاء .
قال قتادة : كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا ؛ وهذا لأن الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب .الرابعة : واختلف العلماء أيضا في القول بمقتضى حديث عبادة الذي هو بيان لأحكام الزناة على ما بيناه ؛ فقال بمقتضاه علي بن أبي طالب لا اختلاف عنه في ذلك ، وأنه جلد شراحة الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك ، وقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال بهذا القول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي وإسحاق .
وقال جماعة من العلماء : بل على الثيب الرجم بلا جلد .
وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهري والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور ؛ متمسكين بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما ، وبقوله عليه السلام لأنيس : اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يذكر الجلد ؛ فلو كان مشروعا لما سكت عنه .
قيل لهم : إنما سكت عنه ؛ لأنه ثابت بكتاب الله تعالى ، فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص عليه في القرآن ؛ لأن قوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة يعم جميع الزناة .
والله أعلم .
ويبين هذا فعل علي بأخذه عن الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه فقيل له : عملت بالمنسوخ وتركت الناسخ .
وهذا واضح .الخامسة : واختلفوا في نفي البكر مع الجلد ؛ فالذي عليه الجمهور أنه ينفى مع الجلد ؛ [ ص: 78 ] قاله الخلفاء الراشدون : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وهو قول ابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين ، وبه قال عطاء وطاوس وسفيان ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور .
وقال بتركه حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن .
والحجة للجمهور حديث عبادة المذكور ، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ، حديث العسيف وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة وغربه عاما .
أخرجه الأئمة .
احتج من لم ير نفيه بحديث أبي هريرة في الأمة ، ذكر فيه الجلد دون النفي .
وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال : غرب عمر ربيعة بن أبي أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر ؛ فقال عمر : لا أغرب مسلما بعد هذا .
قالوا : ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر بعد .
ثم إن النص الذي في الكتاب إنما هو الجلد ، والزيادة على النص نسخ ؛ فيلزم عليه نسخ القاطع بخبر الواحد .والجواب : أما حديث أبي هريرة فإنما هو في الإماء لا في الأحرار .
وقد صح عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أمته في الزنا ونفاها .
وأما حديث عمر وقوله : لا أغرب بعده مسلما ، فيعني في الخمر - والله أعلم - لما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب ، وأن أبا بكر ضرب وغرب ، وأن عمر ضرب وغرب .
أخرجه الترمذي في جامعه ، والنسائي في سننه عن أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني عن عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع .
قال الدارقطني : تفرد به عبد الله بن إدريس ولم يسنده عنه أحد من الثقات غير أبي كريب ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النفي فلا كلام لأحد معه ، ومن خالفته السنة خاصمته .
وبالله التوفيق .وأما قولهم : الزيادة على النص نسخ ، فليس بمسلم ، بل زيادة حكم آخر مع الأصل .ثم هو قد زاد الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح على الماء ، واشترط الفقر في القربى ؛ إلى غير ذلك مما ليس منصوصا عليه في القرآن .
وقد مضى هذا المعنى في البقرة ويأتي .السادسة : القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحر ، واختلفوا في تغريب العبد والأمة ؛ فممن رأى التغريب فيهما ابن عمر جلد مملوكة له في الزنا ونفاها إلى فدك وبه قال الشافعي وأبو ثور والثوري والطبري وداود .
واختلف قول الشافعي في نفي العبد ، فمرة قال : أستخير الله في نفي العبد ، ومرة قال : ينفى نصف سنة ، ومرة قال : ينفى سنة إلى غير بلده ؛ وبه قال الطبري .واختلف أيضا قوله في نفي الأمة على قولين .
وقال مالك : ينفى [ ص: 79 ] الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد ، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه .
وينفى من مصر إلى الحجاز وشغب وأسوان ونحوها ، ومن المدينة إلى خيبر وفدك ؛ وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز .
ونفى علي من الكوفة إلى البصرة .
وقال الشافعي : أقل ذلك يوم وليلة .
قال ابن العربي : كان أصل النفي أن بني إسماعيل أجمع رأيهم على أن من أحدث حدثا في الحرم غرب منه ، فصارت سنة فيهم يدينون بها ؛ فلأجل ذلك استن الناس إذا أحدث أحد حدثا غرب عن بلده ، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا خاصة .
احتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي هريرة في الأمة ؛ ولأن تغريبه عقوبة لمالكه تمنعه من منافعه في مدة تغريبه ، ولا يناسب ذلك تصرف الشرع ، فلا يعاقب غير الجاني .
وأيضا فقد سقط عنه الجمعة والحج والجهاد الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد ؛ فكذلك التغريب .
والله أعلم .والمرأة إذا غربت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت من سببه وهو الفاحشة ، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها ؛ ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل .
وقال صلى الله عليه وسلم : أعروا النساء يلزمن الحجال فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار .
وهو مختلف فيه عند الأصوليين والنظار .
وشذت طائفة فقالت : يجمع الجلد والرجم على الشيخ ، ويجلد الشاب ؛ تمسكا بلفظ " الشيخ " في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة خرجه النسائي .
وهذا فاسد ؛ لأنه قد سماه في الحديث الآخر " الثيب " .السابعة : قوله تعالى : فإن تابا أي من الفاحشة .
وأصلحا يعني العمل فيما بعد ذلك .
فأعرضوا عنهما أي اتركوا أذاهما وتعييرهما .
وإنما كان هذا قبل نزول الحدود .
فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية .
وليس المراد بالإعراض الهجرة ، ولكنها متاركة معرض ؛ وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة ، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى .والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي .
{ و } كذلك { الَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا } أي: الفاحشة { مِنْكُمْ } من الرجال والنساء { فَآذُوهُمَا } بالقول والتوبيخ والتعيير والضرب الرادع عن هذه الفاحشة، فعلى هذا يكون الرجال إذا فعلوا الفاحشة يؤذون، والنساء يحبسن ويؤذين.
فالحبس غايته إلى الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والإصلاح، ولهذا قال: { فَإِنْ تَابَا } أي: رجعا عن الذنب الذي فعلاه وندما عليه، وعزما على أن لا يعودا { وَأَصْلَحَا } العمل الدال على صدق التوبة { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } أي: عن أذاهما { إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } أي: كثير التوبة على المذنبين الخطائين، عظيم الرحمة والإحسان، الذي -من إحسانه- وفقهم للتوبة وقبلها منهم، وسامحهم عن ما صدر منهم.
ويؤخذ من هاتين الآيتين أن بينة الزنا، لا بد أن تكون أربعة رجال مؤمنين، ومن باب أولى وأحرى اشتراط عدالتهم؛ لأن الله تعالى شدد في أمر هذه الفاحشة، سترًا لعباده، حتى إنه لا يقبل فيها النساء منفردات، ولا مع الرجال، ولا ما دون أربعة.
ولا بد من التصريح بالشهادة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وتومئ إليه هذه الآية لما قال: { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } لم يكتف بذلك حتى قال: { فَإِنْ شَهِدُوا } أي: لا بد من شهادة صريحة عن أمر يشاهد عيانًا، من غير تعريض ولا كناية.
ويؤخذ منهما أن الأذية بالقول والفعل والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر.
قوله تعالى : ( واللذان يأتيانها منكم ) يعني : الرجل والمرأة ، والهاء راجعة إلى الفاحشة ، قرأ ابن كثير " اللذان ، واللذين ، وهاتان ، وهذان " مشددة النون للتأكيد ، ووافقه أهل البصرة في ( فذانك ) والآخرون بالتخفيف ، قال أبو عبيد : خص أبو عمرو ( فذانك ) بالتشديد لقلة الحروف في الاسم ( فآذوهما ) قال عطاء وقتادة : فعيروهما باللسان : أما خفت الله؟
أما استحييت من الله حيث زنيت؟
قال ابن عباس رضي الله عنهما : سبوهما واشتموهما ، قال ابن عباس : هو باللسان واليد يؤذى بالتعيير وضرب النعال .
فإن قيل : ذكر الحبس في الآية الأولى وذكر في هذه الآية الإيذاء ، فكيف وجه الجمع؟
.
قيل : الآية الأولى في النساء وهذه في الرجال ، وهو قول مجاهد ، وقيل : الآية الأولى في الثيب وهذه في البكر .
( فإن تابا ) من الفاحشة ( وأصلحا ) العمل فيما بعد ، ( فأعرضوا عنهما ) فلا تؤذوهما ، ( إن الله كان توابا رحيما ) وهذا كله كان قبل نزول الحدود ، فنسخت بالجلد والرجم ، فالجلد في القرآن قال الله تعالى : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " ( النور - 2 ) والرجم في السنة .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : اقض يا رسول الله بيننا بكتاب الله ، وقال الآخر وكان أفقههما : أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي أن أتكلم ، قال : تكلم ، قال : إن ابني كان عسيفا على هذا ، فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم ، فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي ، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب سنة ، وإنما الرجم على امرأته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، أما غنمك وجاريتك فرد عليك ، وجلد ابنه مائة وغربه عاما ، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها " فاعترفت ، فرجمها .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال : قال عمر رضي الله عنه " أن الله تعالى بعث محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله تعالى ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى ، والرجم في كتاب الله تعالى حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف " .
وجملة حد الزنا : أن الزاني إذا كان محصنا - وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف : العقل والبلوغ والحرية والإصابة بالنكاح الصحيح - فحده الرجم ، مسلما كان أو ذميا ، وهو المراد من الثيب المذكور في الحديث ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن الإسلام من شرائط الإحصان ، ولا يرجم الذمي ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديين زنيا ، وكانا قد أحصنا .
وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر : إن كان غير بالغ أو كان مجنونا فلا حد عليه ، وإن كان حرا عاقلا بالغا ، غير أنه لم يصب بنكاح صحيح فعليه جلد مائة وتغريب عام ، وإن كان عبدا فعليه جلد خمسين ، وفي تغريبه قولان ، إن قلنا يغرب ، فيه قولان ، أصحهما نصف سنة ، كما يجلد خمسين على نصف حد الحر .
«وَاًلَّلذّانِ» بتخفيف النون وتشديدها «يأتيانها» أي الفاحشة الزنا أو اللواط «منكم» أي الرجال «فآذوهما» بالسب والضرب بالنعال «فإن تابا» منها «وأصلحا» العمل «فأعرضوا عنهما» ولا تؤذوهما «إن الله كان توَّابا» على من تاب «رحيما» به وهذا منسوخ بالحد إن أريد بها الزنا وكذا إن أريد بها اللواط عن الشافعي لكن المفعول به لا يرجم عنده وإن كان محصنا بل يجلد ويغرب وإرادةُ اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير والأول أراد الزاني والزانية ويرده تبيينهما بمن المتصلة بضمير الرجال واشتراكهما في الأذى والتوبة والإعراض وهو مخصوص بالرجال لما تقدم في النساء من الحبس.
واللذان يقعان في فاحشة الزنى، فآذُوهما بالضرب والهجر والتوبيخ، فإن تابا عمَّا وقع منهما وأصلحا بما يقدِّمان من الأعمال الصالحة فاصفحوا عن أذاهما.
ويستفاد من هذه الآية والتي قبلها أن الرجال إذا فعلوا الفاحشة يُؤْذَوْن، والنساء يُحْبَسْنَ ويُؤذَيْنَ، فالحبس غايتة الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والصلاح.
وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ بما شرع الله ورسوله، وهو الرجم للمحصن والمحصنة، وهما الحران البالغان العاقلان، اللذان جامعا في نكاح صحيح، والجلدُ مائة جلدة، وتغريب عام لغيرهما.
إن الله كان توابا على عباده التائبين، رحيمًا بهم.
ثم بين - سبحانه - حكما آخر فقال : ( واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ) .أى واللذان يأتيان فاحشة الزنا من رجالكم ونسائكم فآذوهما بالشتم والتوبيخ والزجر الشديد ليندما على ما فعلا وليرتدع سواهما بهما .وقد اختلف العلماء فى المراد بقوله ( واللذان ) .فمنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة البكران اللذان لم يحصنا .ومنهم من قال المراد بهما الرجلان يفعلان اللواط .ومنهم من قال المراد بهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب .والمختار عند كثير من العلماء هو الرأى الأول ، قالوا : لأن الله - تعالى - ذكر فى هاتين الآيتين حكمين :أحدهما : الحبس في البيوت .والثاني : الإِيذاء ، ولا شك أن من حكم عليه بالأول خلاف من حكم عليه بالثاني ، والشرع يخفف فى البكر ويشدد على الثيب ، ولذلك لما نسخ هذا الحكم جعل للثيب الرجم وللبكر الجلد ، فجعلنا الحكم الشديد وهو الحبس على الثيب ، والحكم الأخف وهو الإِيذاء على البكر .قالوا : وقد نسخ حكم هذه الآية بآية النور ، حيث جعل حكم الزانيين اللذين لم يحصنا جلد مائة .فقد أخرجه ابن جرير عن الحسن البصرى وعكرمة قالا فى قوله - تعالى - ( واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ) الآية ، نسخ ذلك بآية الجلد وهى قوله - تعالى - فى سورة النور : ( الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ) الآية .ومن العلماء من قال بأن هذه الآية غير منسوخة بآية النور ، فإن العقوبة ذكرت هنا مجملة غير واضحة المقدار لأنا مجرد الإِيذاء ، وذكرت بعد ذلك مفصلة بينة المقدار فى سورة النور .
أى أن ما ذكر هنا من قبيل المجمل ، وما ذكر فى سورة النور من قبيل المفصل ، وأنه لا نسخ بين الآيتين .هذا ، ولأبى مسلم الأصفهاني رأى آخر فى تفسير هاتين الآيتين ، فهو يرى أن المراد باللاتى فى قوله ( واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ) النساء السحاقات اللاتى يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس ، والمراد بقوله ( واللذان يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ) اللائطون من الرجال وحدهم الإِيذاء وأما حكم الزناة فسيأتى فى سورة النور .قال الآلوسى : وقد زيف هذا القول بأنه لم يقل به أحد ، وبأن الصحابة قد اختلفوا فى حكم اللوطى ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية ، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست فى ذلك .وأيضا جعل الحبس فى البيت عقوبة السحاق لا معنى له .
لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا .
فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج .
وحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد باللاتى يأتين الفاحشة الزانيات .
.
.والذى نراه أن هذا الحكم المذكور فى الآيتين منسوخ ، بعضه بالكتاب وبعضه بالسنة .أما الكتاب فهو قوله - تعالى - فى سورة النور ( الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ) الآية .وأما السنة فحديث عباده بن الصامت الذى سبق ذكره .وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر الآيتين يدل على أن ما ذكر فيهما من الحبس والإِيذاء بعد نزول آية سورة النور .
بل الثابت عنه أنه كان يجلد البكر من الرجال والنساء ، ويرجم المحصن منهما ، ولم يضم إلى إحدى هاتين العقوبتين حبسا أو إيذاء ، فثبت أن هذا الحكم المذكور فى الآيتين قد نسخ .ثم بين - سبحانه - الحكم فيما إذا أقلع الزانى والزانية عن جريمتهما فقال : ( فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ) .أى فإن تابا فعلا من الفاحشة ، وأصلحا أعمالهما ( فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ) أى فاصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما ( إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً ) أى مبالغا فى قبول التوبة ممن تاب توبة صادقة نصوحا ( رَّحِيماً ) أى واسع الرحمة بعباده الذين لا يصرون على معصية بل يتوبون إليه منها توبة صادقة .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ﴿ واللذان ﴾ و ﴿ هذان ﴾ مشددة النون، والباقون بالتخفيف، وأما أبو عمرو فانه وافق ابن كثير في قوله: ﴿ فَذَانِكَ ﴾ أما وجه التشديد قال ابن مقسم: إنما شدد ابن كثير هذه النونات لأمرين: أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر: أن الذي وهذا مبنيان على حرف واحد وهو الذال، فأرادوا تقوية كل واحد منهما بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها، وقال غيره: سبب التشديد فيها ان النون فيها ليست نون التثنية، فأراد أن يفرق بينها وبين نون التثنية، وقيل زادوا النون تأكيدا، كما زادوا اللام، وأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة دون الموصولة، فيشبه أن يكون ذلك لما رأى من أن الحذف للمبهمة ألزم، فكان استحقاقها العوض أشد.
المسألة الثانية: الذين قالوا: ان الآية الأولى في الزناة قالوا: هذه الآية أيضا في الزناة فعند هذا اختلفوا في أنه ما السبب في هذا التكرير وما الفائدة فيه؟
وذكروا فيه وجوها: الأول: أن المراد من قوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ المراد منه الزواني، والمراد من قوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ الزناة، ثم انه تعالى خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الايذاء بالرجل، والسبب فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فاذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فانه لا يمكن حبسه في البيت، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله، فلا جرم جعلت عقوبة المرأة الزانية الحبس في البيت، وجعلت عقوبة الرجل الزاني أن يؤذى، فاذا تاب ترك إيذاؤه، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الايذاء كان مشتركا بين الرجل والمرأة، والحبس كان من خواص المرأة، فاذا تابا أزيل الايذاء عنهما وبقي الحبس على المرأة، وهذا أحسن الوجوه المذكورة.
الثاني: قال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجل والنساء، وبالآية الأولى الثيب، وحينئذ يظهر التفاوت بين الآيتين.
قالوا: ويدل على هذا التفسير وجوه: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ فأضافهن إلى الأزواج.
والثاني: أنه سماهن نساء وهذا الاسم أليق بالثيب.
والثالث: أن الأذى أخف من الحبس في البيت والأخف للبكر دون الثيب.
والرابع: قال الحسن: هذه الآية نزلت قبل الآية المتقدمة والتقدير: واللذان يأتيان الفاحشة من النساء والرجال فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما.
ثم نزل قوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ يعني إن لم يتوبا وأصرا على هذا الفعل القبيح فأمسكوهن في البيوت إلى أن يتبين لكم أحوالهن، وهذا القول عندي في غاية البعد، لأنه يوجب فساد الترتيب في هذه الآيات.
الخامس: ما نقلناه عن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات، وهذه في أهل اللواط وقد تقدم تقريره.
والسادس: أن يكون المراد هو أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الشهداء على الزنا لابد وأن يكونوا أربعة، فبين في هذه الآية أنهم لو كانوا شاهدين فآذوهما وخوفوهما بالرفع إلى الامام والحد، فان تابا قبل الرفع إلى الامام فاتركوهما.
المسألة الثالثة: اتفقوا على أنه لابد في تحقيق هذا الايذاء من الايذاء باللسان وهو التوبيخ والتعيير، مثل أن يقال: بئس ما فعلتما، وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة، وأبطلتما عن أنفسكما أهلية الشهادة.
واختلفوا في أنه هل يدخل فيه الضرب؟
فعن ابن عباس أنه يضرب بالنعال، والأول أولى لأن مدلول النص إنما هو الايذاء، وذلك حاصل بمجرد الايذاء باللسان، ولا يكون في النص دلالة على الضرب فلا يجوز المصير اليه.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾ يعني فاتركوا ايذاءهما.
ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ معنى التواب: أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب اليه من ذنبه، وأما قوله: ﴿ كَانَ تَوبَا ﴾ فقد تقدم الوجهُ فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ يرهقنها.
يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها بمعنى.
وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ يأتين بالفاحشة ﴾ .
والفاحشة: الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ قيل معناه: فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، وكان ذلك عقوبتهن في أول الإسلام.
ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى...
﴾ الآية [النور: 2] ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذلك الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح.
وقيل: السبيل هو الحد، لأنه لم يكن مشروعاً ذلك الوقت.
فإن قلت: ما معنى يتوفاهن الموت والتوفي والموت بمعنى واحد، كأنه قيل: حتى يميتهن الموت؟
قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ [النحل: 28] ﴿ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ﴾ [النساء: 97] ، ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت ﴾ [السجدة: 11] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يريد الزاني والزانية ﴿ فَأاذُوهُمَا ﴾ فوبخوهما وذمّوهما وقولوا لهما: أما استحييتما، أما خفتما الله ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾ واقطعوا التوبيخ والمذمة، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب، ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود العاثرين على سرهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عنهما ولا تتعرضوا لهما.
وقيل: نزلت الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين.
وقرئ: ﴿ واللذانّ ﴾ بتشديد النون.
﴿ واللذأنِّ ﴾ : بالهمزة وتشديد النون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي الزّانِيَةَ والزّانِيَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والَّذانِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وتَمْكِينِ مَدِّ الألِفِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ مِن غَيْرِ تَمْكِينٍ.
﴿ فَآذُوهُما ﴾ بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ بِالتَّعْيِيرِ والجَلَدِ.
﴿ فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما ﴾ فاقْطَعُوا عَنْهُما الإيذاءَ، أوْ أعْرِضُوا عَنْهُما بِالإغْماضِ والسَّتْرِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِالإعْراضِ وتَرْكِ المَذَمَّةِ.
قِيلَ هَذِهِ الآيَةُ سابِقَةٌ عَلى الأُولى نُزُولًا وكانَ عُقُوبَةُ الزِّنا الأذى ثُمَّ الحَبْسَ ثُمَّ الجَلْدَ.
وقِيلَ الأُولى في السَّحاقاتِ وهَذِهِ في اللَّوّاطِينَ، والزّانِيَةُ والزّانِي في الزُّناةِ.
<div class="verse-tafsir"
وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)
{واللذان} يريد الزاني والزانية وبتشديد النون مكي {يأتيانها منكم} أى الفاحشة {فآذوهما} بالتوبيخ والتعبير وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما {فإن تابا} عن الفاحشة واصلحا وغيرا الحال {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} فاقطعوا التوبيخ والمذمة {إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} يقبل توبة التائب ويرحمه قال الحسن أول ما نزل من حد الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم فكان ترتيب النزول على خلاف ترتيب التلاوة واحاصل أنهما إذا كانا محصنين فحدهما الرجم لا غير وإذا كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير وإن كان أحد هما محصناً والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد وقال ابن بحر الآية الأولى في السحّاقات والثانية في اللواطين والتي في سورة النور في الزاني والزانية وهو دليل ظاهر لابى حنيفة رحمه الله في أنه يعزر في اللواطة ولا يحد وقال مجاهد آية الأذى في اللواطة
﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ ﴾ هُما الزّانِي والزّانِيَةُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، أرادَ بِهِما البِكْرانِ اللَّذانِ لَمْ يُحَصَّنا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُ عُقُوبَتِهِما أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ المُخَلَّدِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ لَكِنْ يَبْقى حُكْمُ الزّانِي المُحْصَنِ غَيْرِ ظاهِرٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ واللَّذانِ ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي لُغَةٌ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالألِفِ كَما قِيلَ بَلْ يَكُونُ مَعَ الياءِ أيْضًا وهو عِوَضٌ عَنْ ياءِ الَّذِي المَحْذُوفِ إذْ قِياسُهُ اللَّذِيانِ والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ هُنا عَلى حَدِّهِ كَما في دابَّةٍ وشابَّةٍ ﴿ فَآذُوهُما ﴾ أيْ بَعْدَ اسْتِشْهادِ أرْبَعَةِ شُهُودٍ عَلَيْهِما بِالإتْيانِ، وتَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ آنِفًا، واخْتُلِفَ في الإيذاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والضَّرْبِ بِالنِّعالِ، وعَنِ السُّدِّيِّ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ فَقَطْ ﴿ فَإنْ تابا ﴾ عَمّا فَعَلا مِنَ الفاحِشَةِ بِسَبَبِ الإيذاءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿ وأصْلَحا ﴾ أيِ العَمَلَ.
﴿ فَأعْرِضُوا عَنْهُما ﴾ أيِ اصْفَحُوا عَنْهُما وكُفُّوا عَنْ أذاهُما ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا ﴾ مُبالِغًا في قَبُولِ التَّوْبَةِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ والجُمْلَةُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ، والخِطابُ هُنا لِلْحُكّامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشُّهُودِ الواقِفِينَ عَلى فِعْلَتِهِما، ويُرادُ بِالإيذاءِ ذَمُّهُما وتَعْنِيفُهُما وتَهْدِيدُهُما بِالرَّفْعِ إلى القُضاةِ والجَرِّ إلى الوُلاةِ وفَتْحِ بابِ الشَّرِّ عَلَيْهِما، وبِالإعْراضِ عَنْهُما تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُما بِذَلِكَ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والحُكْمُ عَلَيْهِ مَنسُوخٌ بِالحَدِّ المَفْرُوضِ في سُورَةِ النُّورِ أيْضًا عِنْدَ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجُبّائِيُّ والطَّبَرِيُّ وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وهَذا مِمّا لا يَتَمَشّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ البِكْرانِ كَما لا يَخْفى، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ لِحُكْمِ الآيَتَيْنِ بَلِ الآيَةُ الأُولى في السَّحّاقاتِ وهُنَّ النِّساءُ اللّاتِي يَسْتَمْتِعُ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ وحَدُّهُنَّ الحَبْسُ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في اللّائِطَيْنِ وحْدَهُما الإيذاءُ، وأمّا حُكْمُ الزُّناةِ فَسَيَأْتِي في سُورَةِ النُّورِ، وزُيِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وبِأنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ اللُّوطِيِّ ولَمْ يَتَمَسَّكْ أحَدٌ مِنهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وعَدَمُ تَمَسُّكِهِمْ بِها مَعَ شِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَصٍّ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في ذَلِكَ، وأيْضًا جَعَلَ الحَبْسَ في البَيْتِ عُقُوبَةَ السِّحاقِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى الخُرُوجِ كالزِّنا، فَلَوْ كانَ المُرادُ السَّحّاقاتِ لَكانَتِ العُقُوبَةُ لَهُنَّ عَدَمَ اخْتِلاطِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ لا الحَبْسُ والمَنعُ مِنَ الخُرُوجِ، فَحَيْثُ جُعِلَ هو عُقُوبَةً دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ الزّانِياتُ، وأجابَ أبُو مُسْلِمٍ بِأنَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وهو مِن أكابِرِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ عَلى أنَّهُ تَبَيَّنَ في الأُصُولِ أنَّ اسْتِنْباطَ تَأْوِيلٍ جَدِيدٍ في الآيَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ المُتَقَدِّمُونَ جائِزٌ، وبِأنَّ مَطْلُوبَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْرِفَةُ حَدِّ اللُّوطِيِّ وكَمِّيَّةُ ذَلِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ، ومُطْلَقُ الإيذاءِ لا يَصْلُحُ حَدًّا ولا بَيانًا لِلْكَمِّيَّةِ فَلِذا اخْتَلَفُوا، وبِأنَّ المُرادَ مِن إمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ حَبْسُهُنَّ فِيها واتِّخاذُها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ ومِن حالِ المَسْجُونِ مُنِعَ مَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ وعَدِمَ تَمْكِينَهُ مِنَ الِاخْتِلاطِ، فَكانَ الكَلامُ في قُوَّةِ فامْنَعُوهُنَّ عَنِ اخْتِلاطِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ عَلى أنَّ الحَبْسَ المَذْكُورَ حَدٌّ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إلّا الزَّجْرَ والتَّنْكِيلَ، وأُيِّدَ مَذْهَبُهُ بِتَمْحِيضِ التَّأْنِيثِ في الآيَةِ الأُولى والتَّذْكِيرِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ، والتَّغْلِيبُ خِلافُ الأصْلِ، ويُبْعِدُهُ أيْضًا لَفْظُ مِنكم فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ مِن رِجالِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرْبَعَةً مِنكُمْ ﴾ وأيْضًا لَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآيَتَيْنِ وارِدًا في الزِّنا يَلْزَمُ أنْ يُذْكَرَ الشَّيْءُ الواحِدُ في المَوْضِعِ الواحِدِ مَرَّتَيْنِ وأنَّهُ تَكْرِيرٌ لا وجْهَ لَهُ، وأيْضًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْتاجُ إلى التِزامِ النَّسْخِ في شَيْءٍ مِنَ الآيَتَيْنِ بَلْ يَكُونُ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُقَرَّرًا عَلى حالِهِ، وعَلى ما قالَهُ الغَيْرُ يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ وهو خِلافُ الأصْلِ، وأيْضًا عَلى ما قالُوهُ يَكُونُ الكِتابُ خالِيًا عَنْ بَيانِ حُكْمِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ، وعَلى ما قُلْناهُ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِذَلِكَ وهو الأنْسَبُ بِحالِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، و ﴿ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا قَوْلٌ لِمُجاهِدٍ، فَفي «مُجْمَعِ البَيانِ» أنَّهُ حَمَلَ اللَّذانِ يَأْتِيانِها عَلى الرَّجُلَيْنِ الزّانِيَيْنِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُما الفاعِلانِ وهو لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أنَّهُما اللّائِطانِ عَلى أنَّ حَمْلَ ( اللّاتِي ) في الآيَةِ الأُولى عَلى السَّحّاقاتِ لَمْ نَجِدْ فِيهِ عَنْهُ رِوايَةً صَحِيحَةً بَلْ قَدْ أخْرَجُوا عَنْهُ ما هو ظاهِرٌ في خِلافِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ آدَمُ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْهُ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّهُ كانَ أمَرَ أنْ يُحْبَسَ ثُمَّ نَسَخَتْها ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا ﴾ وما ذُكِرَ مِنَ العِلاوَةِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ يَبْعُدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّثْنِيَةِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ إنَّما عُهِدا بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَعُمَّ الآحادَ أوْ بِلَفْظِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الجِنْسِ ولا نُكْتَةَ لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ هُنا عَلى تَقْرِيرِ أبِي مُسْلِمٍ بَلْ كانَ المُناسِبُ عَلَيْهِ الجَمْعَ لِتَكُونَ آيَةِ اللِّواطَةِ كَآيَةِ السِّحاقِ، ولا يَرُدُّ هَذا عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى عِنْدَهم لِلْإناثِ الثَّيِّباتِ إذا زَنَيْنَ، والآيَةَ الثّانِيَةَ لِلذَّكَرِ البِكْرِ والأُنْثى البِكْرِ إذا زَنَيا فَغُويِرَ بَيْنَ التَّعْبِيرَيْنِ لِقُوَّةِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَوْرِدَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُغايِرَةُ عَلى رَأْيِهِمْ لِلْإيذانِ بِعِزَّةِ وُقُوعِ زِنا البِكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى وُقُوعِ زِنا الثَّيِّبِ لِأنَّ البِكْرَ مِنَ النِّساءِ تَخْشى الفَضِيحَةَ أكْثَرَ مِن غَيْرِها مِن جِهَةِ ظُهُورِ أثَرِ الزِّنا، وهو زَوالُ البَكارَةِ فِيها ولا كَذَلِكَ الثَّيِّبُ، ولا يُمْكِنُ اعْتِبارُ مِثْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ في المُغايَرَةِ عَلى رَأْيِ أبِي مُسْلِمٍ إذْ لا نُسَلِّمُ أنَّ وُقُوعَ اللِّواطَةِ مِنَ الرِّجالِ أقَلُّ مِن وُقُوعِ السِّحاقِ مِنَ النِّساءِ بَلْ لَعَلَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وكَوْنُ مَطْلُوبِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْرِفَةَ حَدِّ اللُّوطِيِّ وكَمِّيَّةِ ذَلِكَ والإيذاءُ لا يَصْلُحُ حَدًّا ولا بَيانًا لِلْكَمِّيَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّ مِنهم مَن لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وقالَ: تُؤَخَّرُ عُقُوبَتُهُ إلى الآخِرَةِ، وبِهِ أخَذَ الأئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن أنْ يُعْتَبَرَ الإيذاءُ حَدًّا بَعْدَ أنْ ذُكِرَ في مَعْرِضِ الحَدِّ وتَفَوُّضِ كَيْفِيَّتِهِ إلى رَأْيِ الإمامِ فَيَفْعَلُ مَعَ اللُّوطِيِّ ما يَنْزَجِرُ بِهِ مِمّا لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ القَتْلِ؛ وكَوْنُ الكَلامِ في قُوَّةِ فامْنَعُوهُنَّ عَنِ اخْتِلاطٍ بِعَضِّهِنَّ بِبَعْضٍ في غايَةِ الخَفاءِ كَما لا يَخْفى.
نَعَمْ ما في حَيِّزِ العِلاوَةِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ التَّغْلِيبَ خِلافُ الأصْلِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، واعْتِبارُهُ في مِنكم تَبَعَ لِاعْتِبارِهِ في اللَّذانِ وذِكْرُ مِثْلِهِ قَبْلُ بِلا تَغْلِيبٍ فِيهِ رُبَّما يُؤَيِّدُ اعْتِبارَ التَّغْلِيبِ فِيهِ لِيُغايِرَ الأوَّلَ فَيَكُونُ لِذِكْرِهِ بَعْدَهُ أتَمُّ فائِدَةٍ ألا تَرى كَيْفَ أُسْقِطَ مِنَ الآيَةِ الثّانِيَةِ الِاسْتِشْهادُ مَعَ اشْتِراطِهِ إجْماعًا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى لِاتِّحادِ الِاسْتِشْهادَيْنِ في المَسْألَتَيْنِ، ودَعْوى لُزُومِ التَّكْرارِ في المَوْضِعِ الواحِدِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ لَيْسَتْ في مَحَلِّها عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، ودَعْوى الِاحْتِياجِ إلى التِزامِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ لا تَضُرُّ لِأنَّ النَّسْخَ أمْرٌ مَأْلُوفٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ هُنا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى أنَّ في كَوْنِ فَرْضِيَّةِ الحَدِّ نَسْخًا في الآيَةِ الأُولى مَقالًا يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ، وإذا جُعِلَ ﴿ أوْ يَجْعَلَ ﴾ إلَخْ مُعْتَبَرًا في الآيَةِ الثّانِيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مِنها اكْتِفاءً بِما في الأُولى كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ خَبَرُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ جَرى المَقالُ في الآيَتَيْنِ ولُزُومُ خُلُوِّ الكِتابِ عَنْ بَيانِ حُكْمِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ دُونَ رَأْيِهِ في حَيِّزِ المَنعِ أمّا عَلى تَقْدِيرِ تَسْمِيَةِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ زِنًا فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَلِأنَّ ذِكْرَ ما يُمْكِنُ قِياسُهُما عَلَيْهِ في حُكْمِ البَيانِ لِحُكْمِهِما، وكَمْ حُكْمٍ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِهِ في الكِتابِ اعْتِمادًا عَلى القِياسِ كَحُكْمِ النَّبِيذِ، وكَحُكْمِ الجَدِّ وغَيْرِهِما اعْتِمادًا عَلى بَيانِ ما يُمْكِنُ القِياسُ عَلَيْهِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ ما فَرَّطَ فِيهِ مِن شَيْءٍ، ومَنِ ادَّعى أنَّ جَمِيعَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ صَرِيحًا مِن غَيْرِ اعْتِبارِ قِياسٍ، فَقَدِ ارْتَكَبَ شَطَطًا وقالَ غَلَطًا، وبِالجُمْلَةِ: المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، ومَذْهَبُ أبِي مُسْلِمٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَسادِ بِمَحَلٍّ إلّا أنَّهُ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ ولَمْ تَحُطَّ رِحالُ القَبُولِ لَدَيْهِ، وهَذا ما عِنْدِي في تَحْقِيقِ المَقامِ وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ الِاعْتِصامُ.
<div class="verse-tafsir"
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ يعني الزنى وهي المرأة الثيب إذا زنت فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أي اطلبوا عليهن أَرْبَعَةً من الشهود مِنْكُمْ أي من أحراركم المسلمين عدولاً فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بالزنى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ يعني: احبسوهن في السجن حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي حتى يمتن في السجن أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا يعني مخرجاً من الحبس، ثم نسخ فصار حدهن الرجم لما روي عن عبادة بن الصامت- - إن النبيّ قال: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالحِجَارَةِ» .
ثم ذكر في الآية حد البكر فقال: وَالَّذانِ لم يحصنا يَأْتِيانِها يعني الفاحشة مِنْكُمْ يعني من الأحرار المسلمين فَآذُوهُما باللسان، يعني بالتعيير بما فعلا ليندما على ما فعلا فَإِنْ تَابَا من بعد الزنى وَأَصْلَحا العمل فَأَعْرِضُوا عَنْهُما أي فلا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً أي متجاوزاً رَحِيماً بهما.
ثم نسخ الحبس والأذى بالرجم والجلد، وإنما كان التعيير في ذلك الزمان لأن التعيير حل محل الجلد، وأما اليوم فلا ينفعهم التعيير.
وروي عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: واللاتى يأتين الفاحشة (من نسائكم) واللذان يأتيانها منكم كان ذلك في أول الأمر، ثم نسخ بالآية التي في سورة النور.
قرأ ابن كثير: (واللذان) بتشديد النون، لأن الأصل (اللذيان) .
فحذف الياء وأقيم التشديد مقامه، وقرأ الباقون بالتخفيف.
ثم قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ يعني قبول التوبة على الله ويقال: توفيقه على الله، ويقال: إنما التجاوز من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال ابن عباس : كل مؤمن يذنب فهو جاهل في فعله، ويقال: إنما الجهالة أنهم يختارون اللذة الفانية على اللذة الباقية، وذلك الجهل لا يسقط عنهم العذاب إلا أن يتوبوا.
قوله ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قال ابن عباس: كل من تاب قبل موته فهو قريب فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي يقبل توبتهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يعني عليماً بأهل التوبة حكيماً حكم بالتوبة.
وقال مقاتل: نزلت الآية في رجل من قريش، سكر وذكر شعراً ذكر فيه اللات والعزى وأنكر البعث، فلما أصبح أخبر بذلك فندم على ذلك واسترجع، فنزلت الآية ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ يعني قبل الموت.
قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا أبو حفص، عن صالح المري، عن الحسن قال: مَنْ عيّر أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به.
وقال النبيّ : «إِنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يغَرْغِرْ» .
وقال الحسن: إن إبليس لما أهبط من الجنة، قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده.
قال الله تعالى: فبعزتي فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم يغرغر بنفسه.
قال أبو العالية الرياحي: نزلت أول الآية في المؤمنين، والوسطى في المنافقين، والأخرى في الكافرين.
فأما توبة المؤمنين فذكرها قد مضى.
وأما ذكر توبة المنافقين فقوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الآية.
يعني ليس قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ أي الشرق والنزع وعاينه ملك الموت قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فليس لهذا توبة.
ثم ذكر توبة الكفار وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي وجيعاً دائما.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ووجوه المُضَارَّةِ كثيرةٌ مِنْ ذلك: أنْ يُقِرَّ بحَقٍّ ليس عليه، أو يُوصِيَ بأكْثَرَ من ثلثه، أو لوارِثِهِ.
قال ص: غَيْرَ مُضَارٍّ: منصوبٌ على الحالِ: أي: غَيْرَ مُضَارٍّ ورثَتَهُ.
انتهى.
قلت: وتقدير أبي «٢» حَيَّان: «وَرَثَتَهُ» يأباه فصاحَةُ ألفاظِ الآية إذ مقتضاها العمُوم، فلو قال: «غَيْرَ مُضَارٍّ وَرَثَةً، أو غَيْرَهم» ، لكان أحْسَنَ، لكن الغالبَ مُضَارَّة الورثة، فلهذا قَدَّرهم/.
وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ...
الآية: «تِلْكَ» : إشارةٌ إلى القِسْمة المتقدِّمة في المواريث، وباقي الآية بيّن.
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
وقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ...
الآية: الفَاحِشَةُ في هذا الموضِعِ: الزِّنَا، وقوله: مِنْ نِسائِكُمْ، إضافةٌ في معناها الإسلام، وجعل اللَّه الشهادة علَى الزِّنَا خاصَّة لا تَتِمُّ إلا بأربعةِ شُهَدَاءَ، تَغْلِيظاً على المُدَّعي، وسَتْراً على العبادِ.
قلت: ومن هذا المعنى اشتراط رُؤْية كَذَا في كَذَا كَالمِرْوَدِ في المُكْحُلَة.
قال ع «٣» : وكانَتْ أولُ عقوبة الزُّنَاةِ الإمْسَاكَ في البُيُوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذَى الَّذي بَعْده، ثم نُسِخَ ذلك بآية النُّور وبالرَّجْمِ في الثَّيِّب قاله عبادة بنُ الصَّامت وغيره «٤» ، وعن عِمْرَانَ بْنِ حصين أنه قال: كنّا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ، وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقَالَ: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» ، خرَّجه مُسْلِم «٥» ، وهو خَبَرٌ آحادٌ، ثم ورد في الخَبَر المتواتِرِ أنّ
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رَجَمَ، وَلَمْ يَجْلِدْ «١» ، فَمَنْ قال: إن السُّنَّة المتواترة تنسخ ...
..
..
..
..
..
..
القُرآن «١» ، جعَلَ رَجْمَ الرسول دُونَ جَلْدٍ ناسخاً لجَلْدِ الثيِّب، وهذا الذي عليه الأَمَّة أنَّ السُّنَّة المتواترة تَنْسَخُ القُرآن إذ هما جميعاً وحْيٌ من اللَّه سبحانَهُ، ويوجِبَانِ جميعاً العِلْم والعَمَل.
ويتَّجه عندي في هذه النَّازلة بعَيْنها أنْ يُقَالَ: إن الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْد هو القرآن المتَّفَقُ على رَفْعِ لفظه، وبقاءِ حُكْمه في قوله تعالى: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فارجموهما أَلْبَتَّةَ» ، وهذا نصٌّ في الرجم، وقد قَرَّره عمر على المِنْبر بمَحْضَر الصَّحابة، والحديثُ بكماله في مُسْلم، والسُّنَّةُ هي المبيِّنة، ولفظُ «البخاريِّ» : «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الرَّجْمُ لِلثَّيِّب، وَالجَلْدُ لِلْبِكْرِ» «٢» .
انتهى.
وقوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ...
الآية: قال مجاهدٌ وغيره: الآيةُ الأولى في النساء عموماً، وهذه في الرِّجال، فعقوبةُ النِّساء الحَبْسُ، وعقوبةُ الرِّجَالِ الأذى «٣» ، وهذا قولٌ يقتضيه اللَّفْظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصنافَ الزُّنَاة عامَّة ويؤيِّده مِنْ جهة اللفظ قولُه في الأولى: مِنْ نِسائِكُمْ، وقوله في الثانية: مِنْكُمْ، وأجمع العلماءُ على أنَّ هاتين الآيتين منُسْوخَتَانِ كما تقدّم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "واللَّذانِ" بِتَشْدِيدِ النُّونِ، و"هَذانَ" في (طَه) و(الحَجِّ) و"هاتَيْنِ" في (القَصَصِ): ﴿ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ﴾ و"فَذانِكَ" كُلُّهُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، بِتَخْفِيفِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو "فَذانِكَ" وحْدَها.
وَقَوْلُهُ: واللَّذانِ: يَعْنِي: الزّانِيَيْنِ.
وهَلْ هو عامٌّ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في الأبْكارِ والثَّيِّبِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ.
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في البِكْرَيْنِ إذا زَنَيا، قالَهُ أبُو صالِحٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وسُفْيانُ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ هَذا تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلالَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتِيانِها ﴾ يَعْنِي: الفاحِشَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿ فَآذُوهُما ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الأذى بِالكَلامِ، والتَّعْيِيرِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ، والضَّرْبُ بِالنِّعالِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ فَإنْ تابا ﴾ مِنَ الفاحِشَةِ ﴿ وَأصْلَحا ﴾ العَمَلَ ﴿ فَأعْرِضُوا ﴾ عَنْ أذاهِما.
وهَذا كُلُّهُ كانَ قَبْلَ الحَدِّ.
* فَصْلٌ كانَ حَدَّ الزّانِيَيْنِ، فِيما تَقَدَّمَ، الأذى لَهُما، والحَبْسُ لِلْمَرْأةِ خاصَّةً، فَنَسَخَ الحُكْمانِ جَمِيعًا، واخْتَلَفُوا بِماذا وقَعَ نَسْخُهُما، فَقالَ: قَوْمٌ: بِحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الثَّيِّبِ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ، ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ، والبِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ، ونَفْيُ سَنَةٍ» وهَذا عَلى قَوْلِ مَن يَرى نَسْخَ القُرْآَنَ بِالسُّنَّةِ.
وَقالَ قَوْمٌ: نَسَخَ بِقَوْلِهِ: " ﴿ الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ" ﴾ قالُوا: وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها ﴾ لِلْبِكْرَيْنِ، فَنَسَخَ حُكْمَهُما بِالجَلْدِ، ونَسَخَ حُكْمَ الثَّيِّبِ مِنَ النِّساءِ بِالرَّجْمِ.
وَقالَ قَوْمٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّسْخُ وقْعَ بِقُرْآَنٍ، ثُمَّ رُفِعَ رَسْمُهُ، وبَقِيَ حُكْمُهُ، لِأنَّ في حَدِيثِ عُبادَةَ "قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا" والظّاهِرُ: أنَّهُ جُعِلَ بِوَحْيٍ لَمْ تَسْتَقِرَّ تِلاوَتُهُ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا وجْهٌ صَحِيحٌ، يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن لَمْ يَنْسَخِ القُرْآَنَ بِالسُّنَّةِ.
قالَ: ويَمْتَنِعُ أنْ يَقَعَ النَّسْخُ بِحَدِيثِ عُبادَةَ، لِأنَّهُ مِن أخْبارِ الآَحادِ، والنَّسْخُ لا يَجُوزُ بِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أو يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ ﴿ واللَذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عنهُما إنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ قَوْلُهُ: "واللاتِي": اسْمُ جَمْعِ "الَّتِي"، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى اللَواتِي، ويُقالُ: اللائِي بِالياءِ، و"الفاحِشَةَ" في هَذا المَوْضِعِ: الزِنى وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فاحِشَةٍ، لَكِنَّ الألِفَ واللامَ هُنا لِلْعَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِالفاحِشَةِ" بِبِناءِ الجَرِّ وقَوْلُهُ: ﴿ مِن نِسائِكُمْ ﴾ إضافَةٌ في مَعْنى الإسْلامِ، لِأنَّ الكافِرَةَ قَدْ تَكُونُ مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ بِنَسَبٍ، ولا يَلْحَقُها هَذا الحُكْمُ، وجَعَلَ اللهُ الشَهادَةَ عَلى الزِنى خاصَّةً لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ شاهِدانِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزانِيَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وكانَتْ هَذِهِ أوَّلَ عُقُوباتِ الزُناةِ: الإمْساكُ في البُيُوتِ.
قالَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: حَتّى نُسِخَ بِالأذى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ النُورِ وبِالرَجْمِ في الثَيِّبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ الأذى هو الأوَّلَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالإمْساكِ، ولَكِنَّ التِلاوَةَ أخَّرَتْ وقَدَّمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ.
و"سَبِيلًا" مَعْناهُ: مَخْرَجًا بِأمْرٍ مِن أوامِرِ الشَرْعِ، ورَوى حِطّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيُّ عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَبِيِّ ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أقْلَعَ عنهُ ووَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقالَ: "قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ".» "واللَذانِ" تَثْنِيَةُ "الَّذِي"، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: اللَذَيانِ كَرَحَيانِ قالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَتِ الياءُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وبَيْنَ الأسْماءِ المُبْهَماتِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا إذْ قَدْ أُمِنَ مِنَ اللَبْسِ في "اللَذانِ"؛ لِأنَّ النُونَ لا تَنْحَذِفُ ونُونُ التَثْنِيَةِ في الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ قَدْ تَنْحَذِفُ مَعَ الإضافَةِ في رَحَياكَ ومُصْطَفَيا القَوْمِ، فَلَوْ حُذِفَتِ الياءُ لاشْتَبَهَ المُفْرَدُ بِالِاثْنَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اللَذانِّ" بِشَدِّ النُونِ، وتِلْكَ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَحْذُوفَةِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: "هَذانِّ"، و"فَذانِّكَ"، و"هاتَيَنِّ"، بِالتَشْدِيدِ في جَمِيعِها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِتَخْفِيفِ جَمِيعِ ذَلِكَ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو "فَذانِّكَ" وحْدَها ولَمْ يُشَدِّدْ غَيْرَها.
"واللَذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقِيلَ عَلى مَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللَذانِ.
واخْتُلِفَ في الأذى، فَقالَ عُبادَةُ والسُدِّيُّ: هو التَعْيِيرُ والتَوْبِيخُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السَبُّ والجَفاءُ دُونَ تَعْيِيرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَيْلُ بِاللِسانِ واليَدِ وضَرْبِ النِعالِ وما أشْبَهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ عامَّةٌ لَهُنَّ، مُحْصَناتٍ وغَيْرِ مُحْصَناتٍ، والآيَةُ الثانِيَةُ في الرِجالِ، وبَيَّنَ بِلَفْظِ التَثْنِيَةِ صِنْفَيِ الرِجالِ مِمَّنْ أُحْصِنَ ومِمَّنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَعُقُوبَةُ النِساءِ الحَبْسُ، وعُقُوبَةُ الرِجالِ الأذى، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، ويَسْتَوْفِي نَصُّ الكَلامِ أصْنافَ الزُناةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ مِن جِهَةِ اللَفْظِ قَوْلُهُ في الأُولى: ﴿ مِن نِسائِكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ في الثانِيَةِ: "مِنكُمْ"، وقالَ السُدِّيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ المُحْصَناتِ، يُرِيدُ ويَدْخُلُ مَعَهُنَّ مَن أُحْصِنَ مِنَ الرِجالِ بِالمَعْنى، والآيَةُ الثانِيَةُ هي في الرَجُلِ والمَرْأةِ البِكْرَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا القَوْلِ تامٌّ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَقْلَقُ عنهُ، وقَدْ رَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "والَّذِينَ يَفْعَلُونَهُ مِنكُمْ".
وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِآيَةِ الجَلْدِ في سُورَةِ النُورِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، إلّا مَن قالَ: إنَّ الأذى والتَعْيِيرَ باقٍ مَعَ الجَلْدِ لِأنَّهُما لا يَتَعارَضانِ بَلْ يَتَحَمَّلانِ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ.
أمّا الحَبْسُ فَمَنسُوخٌ بِإجْماعٍ.
وآيَةُ الجَلْدِ عامَّةٌ في الزُناةِ مُحْصَنِهِمْ وغَيْرِ مُحْصَنِهِمْ، وكَذَلِكَ عَمَّمَهُ رَسُولُ اللهِ في حَدِيثِ حِطّانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيِّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ آنِفًا، وإنْ كانَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَهو خَبَرُ آحادٍ.
ثُمَّ ورَدَ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ رَجَمَ ولَمْ يَجْلِدْ،» فَمَن قالَ: إنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرْآنَ، جَعَلَ رَجْمَ الرَسُولِ دُونَ جَلْدٍ ناسِخًا لِجَلْدِ الثَيِّبِ، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الأئِمَّةُ؛ أنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرْآنَ، إذْ هُما جَمِيعًا وحْيٌ مِنَ اللهِ، ويُوجِبانِ جَمِيعًا العِلْمَ والعَمَلَ، وإنَّما اخْتَلَفا في أنَّ السُنَّةَ نَقَصَ مِنها الإعْجازُ، وصَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ في خَبَرِ ماعِزٍ، وفي حَدِيثِ الغامِدِيَّةِ، وفي حَدِيثَ المَرْأةِ الَّتِي بَعَثَ إلَيْها أُنَيْسَ.
ومَن قالَ: إنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ لا تَنْسَخُ القُرْآنَ قالَ: إنَّما يَكُونُ حُكْمُ القُرْآنِ مُوقَنًا، ثُمَّ تَأْتِي السُنَّةُ مُسْتَأْنِفَةً مِن غَيْرِ أنْ تَتَناوَلَ نَسْخًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَهَذا تَخَيُّلٌ لا يَسْتَقِيمُ لِأنّا نَجِدُ السُنَّةَ تَرْفَعُ بِحُكْمِها ما اسْتَقَرَّ مِن حُكْمِ القُرْآنِ عَلى حَدِّ النَسْخِ، ولا يَرُدُّ ذَلِكَ نَظَرٌ، ولا يَنْخَرِمُ مِنهُ أصْلٌ.
أمّا أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ بِعَيْنِها يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنْ يُقالَ فِيها: إنَّ الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْدِ هو القُرْآنُ المُتَّفَقُ عَلى رَفْعِ لَفْظِهِ وبَقاءِ حُكْمِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: "الشَيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ" وهَذا نَصٌّ في الرَجْمِ، وقَدْ قَرَّرَهُ عُمَرُ عَلى المِنبَرِ بِمَحْضَرِ الصَحابَةِ، وذَكَرَ أنَّهم قَرَؤُوهُ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ ، والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في مُسْلِمٍ.
وأيْضًا فَيُعَضِّدُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ الَّذِي قالَ لَهُ: «فاقْضِ بَيْنَنا يا رَسُولَ اللهِ بِكِتابِ اللهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللهِ، ثُمَّ أمَرَ أُنَيْسًا بِرَجْمِ المَرْأةِ إنْ هي اعْتَرَفَتْ،» فَدَلَّ هَذا الظاهِرُ عَلى أنَّ الرَجْمَ كانَ في القُرْآنِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى رَفْعِ لَفْظِهِ.
وهاتانِ الآيَتانِ أعْنِي الجَلْدَ والرَجْمَ لَوْ لَمْ يَقَعْ بَيانٌ مِنَ الرَسُولِ لَمْ يَجِبْ أنْ تَنْسَخَ إحْداهُما الأُخْرى، إذْ يَسُوغُ اجْتِماعُهُما عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، وحَدِيثُ عُبادَةَ المُتَقَدِّمُ يُقَوِّي جَمِيعَهُما، وقَدْ أخَذَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في شُراحَةَ: جَلَدَها ثُمَّ رَجَمَها، وقالَ: أجْلِدُها بِكِتابِ اللهِ وأرْجُمُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، ولَكِنْ لَمّا بَيَّنَ الرَسُولُ بِرَجْمِهِ دُونَ جَلْدٍ كانَ فِعْلُهُ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ: انْفُوا ولا تَجْلِدُوا فَيَكُونُ القُرْآنُ هو الناسِخَ والسُنَّةُ هي المُبَيِّنَةَ؛ ويَصِحُّ أنْ نَعْتَرِضَ مَن يَنْسَخُ بِالسُنَّةِ في هَذِهِ النازِلَةِ فَنَقُولَ: الناسِخُ مِن شُرُوطِهِ أنْ يَسْتَقِلَّ في البَيانِ بِنَفْسِهِ، وإذا لَمْ يَسْتَقِلَّ فَلَيْسَ بِناسِخٍ، وآيَةُ الرَجْمِ بَعْدَ أنْ يَسْلَمَ ثُبُوتُها لا تَسْتَقِلُّ في النَسْخِ بِنَفْسِها، بَلْ تَنْبَنِي مَعَ الجَلْدِ وتَجْتَمِعُ، كَما تَضَمَّنَ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، لَكِنَّ إسْقاطَ الرَسُولِ الجَلْدَ هو الناسِخُ، لِأنَّ فِعْلَهُ في ذَلِكَ هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: لا تَجْلِدُوا الثَيِّبَ، وأمّا البِكْرُ فَلا خِلافَ أنَّهُ يُجْلَدُ، واخْتُلِفَ في نَفْيِهِ، فَقالَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وابْنُ عُمَرَ ومالِكٌ والشافِعِيُّ وجَماعَةٌ: لا نَفْيَ اليَوْمِ، وقالَتْ جَماعَةٌ: يُنْفى، وقِيلَ: نَفْيُهُ سَجْنُهُ، ولا تُنْفى المَرْأةُ ولا العَبْدُ، هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ.
وقَوْلُهُ ﴿ فَأعْرِضُوا عنهُما ﴾ كانَتْ هَذِهِ العُقُوبَةُ مِنَ الإمْساكِ والأذى إرادَةَ أنْ يَتُوبَ الزُناةُ، وهو الرُجُوعُ عَنِ الزِنا والإصْرارِ عَلَيْهِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ إذا تابَ الزانِيانِ وأصْلَحا في سائِرِ أعْمالِهِما أنْ يُكَفَّ عنهُما الأذى، وجاءَ الأمْرُ بِهَذا الكَفِّ الَّذِي هو "أعْرِضُوا".
وفي قُوَّةِ اللَفْظِ غَضٌّ مِنَ الزُناةِ وإنْ تابُوا، لِأنَّ تَرْكَهم إنَّما هو إعْراضٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ ولَيْسَ الإعْراضُ في الآيَتَيْنِ أمْرًا بِهِجْرَةٍ، ولَكِنَّها مُتارَكَةُ مُعْرِضٍ، وفي ذَلِكَ احْتِقارٌ لَهم بِحَسَبِ المَعْصِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وبِحَسَبِ الجَهالَةِ في الآيَةِ الأُخْرى، واللهُ تَعالى تَوّابٌ، أيْ: راجِعٌ بِعِبادِهِ عَنِ المَعاصِي إلى تَرْكِها ولُزُومِ الطاعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
موقع هذه الآية في هذه السورة معضل، وافتتاحها بواو العطف أعضل، لاقتضائه اتّصالها بكلام قبلها.
وقد جاء حدّ الزنا في سورة النور، وهي نازلة في سنة ست بعد غزوة بني المطلق على الصحيح، والحكم الثابت في سورة النور أشدّ من العقوبة المذكورة هنا، ولا جائز أن يكون الحدّ الذي في سورة النور قد نسخ بما هنا لأنّه لا قائل به.
فإذا مضينا على معتادنا في اعتبار الآي نازلة على ترتيبها في القراءة في سورها، قلنا إنّ هذه الآية نزلت في سورة النساء عقب أحكام المواريث وحراسة أموال اليتامى، وجعلنا الواو عاطفة هذا الحكم على ما تقدّم من الآيات في أوّل السورة بما يتعلّق بمعاشرة النساء، كقوله: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ [النساء: 4] وجزمنا بأنّ أوّل هذه السورة نزل قبل أوّل سورة النور، وأنّ هذه العقوبة كانت مبدأ شرع العقوبة على الزنا فتكون هاته الآية منسوخة بآية سورة النور لا محالة، كما يدلّ عليه قوله: ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ قال ابن عطية: أجمع العلماء على أنّ هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور.
ا ه، وحكى ابن الفرس في ترتيب النسخ أقوالاً ثمانية لا نطيل بها.
فالواو عاطفة حكم تشريع عقب تشريع لمناسبة: هي الرجوع إلى أحكام النساء، فإنّ الله لمّا ذكر أحكاماً من النكاح إلى قوله: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة ﴾ وما النكاح إلاّ اجتماع الرجل والمرأة على معاشرة عمادها التأنّس والسكون إلى الأنثى، ناسب أن يعطف إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه المذكور فيه شرعاً، وهو الزنا المعبّر عنه بالفاحشة.
فالزنا هو أن يقع شيء من تلك المعاشرة على غير الحال المعروف المأذون فيه، فلا جرم أن كان يختلف باختلاف أحوال الأمم والقبائل في خرق القوانين المجعولة لإباحة اختصاص الرجل بالمرأة.
ففي الجاهلية كان طريق الاختصاص بالمرأة السبي أو الغَارة أو التعويض أو رغبة الرجل في مصاهرة قوم ورغبتهم فيه أو إذن الرجل امرأته بأن تستبضع من رجل ولداً كما تقدّم.
وفي الإسلام بطلت الغارة وبطل الاستبضاع، ولذلك تجد الزنا لا يقع إلاّ خفية لأنّه مخالفة لقوانين الناس في نظامهم وأخلاقهم.
وسمّي الزنا الفاحشة لأنّه تجاوز الحدّ في الفساد وأصل الفحش الأمر الشديد الكراهية والذمّ، من فعللٍ أو قوللٍ، أو حاللٍ ولم أقف على وقوع العمل بهاتين الآيتين قبل نسخهما.
ومعنى: ﴿ يأتين ﴾ يَفْعَلْن، وأصل الإتيان المجيء إلى شيء فاستعير هنا الإتيان لفعل شيء لأنّ فاعل شيء عن قصد يُشبه السائر إلى مكان حتّى يَصله، يقال: أتى الصلاة، أي صَلاها، وقال الأعشى: لِيَعْلَمَ كلُّ الورى أنّني *** أتَيْتُ ا لمُرُوءَةَ من بابها وربما قالوا: أَتى بفاحشة وبمكروه كأنّه جاء مُصَاحباً له.
وقوله: ﴿ من نسائكم ﴾ بيان للموصول وصلته.
والنساء اسم جمععِ امرأة، وهي الأنثى من الإنسان، وتطلق المرأة على الزوجة فلذلك يطلق النساء على الإناث مطلقاً، وعلى الزوجات خاصّة ويعرف المراد بالقرينة، قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ﴾ [الحجرات: 11] ثم قال ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ [الحجرات: 11] فقابل بالنساء القومَ.
والمراد الإناث كلهنّ، وقال تعالى: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين ﴾ [النساء: 11] الآية المتقدّمة آنفاً والمراد هنا مطلق النساء فيشمل العذارى العَزَبَاتتِ.
وضمير جمع المخاطبين في قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ والضمائر المُوالية له، عائدة إلى المسلمين على الإجمال، ويتعيّن للقيام بما خوطبوا به مَنْ لهم أهلية القيام بذلك.
فضمير ﴿ نسائكم ﴾ عامّ مراد به نساء المسلمين، وضمير ﴿ فاستشهدوا ﴾ مخصوص بمن يهمّه الأمر من الأزواج، وضمير ﴿ فأمسكوهن ﴾ مخصوص بولاة الأمور، لأنّ الإمساك المذكور سجن وهو حكم لا يتولاّه إلاّ القضاة، وهم الذين ينظرون في قبول الشهادة فهذه عمومها مراد به الخصوص.
وهذه الآية هي الأصل في اشتراط أربعة في الشهادة على الزنى، وقد تقرّر ذلك بآية سورة النور.
ويعتبر في الشهادة الموجبة للإمساك في البيوت ما يعتبر في شهادة الزنى لإقامةِ الحدّ سواء.
والمراد بالبيوت البيوت التي يعيّنها ولاة الأمور لذلك.
وليس المراد إمساكهن في بيوتهنّ بل يُخرجن من بيوتهنّ إلى بيوت أخرى إلاّ إذا حُوّلت بيت المسجونة إلى الوضع تحت نظر القاضي وحراسته، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى في آية سورة الطلاق عند ذكر العدّةِ ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ [الطلاق: 1].
ومعنى ﴿ يتوفاهن الموت ﴾ يتقاضاهن.
يقال: تَوَفَّى فلان حقَّه من فلان واستوفاه حقّه.
والعرب تتخيّل العمر مجزّءاً.
فالأيام والزمانُ والموتُ يستخلصه من صاحبه منجَّما إلى أن تتوفّاه.
قال طرفة: أرى العمر كَنزا ناقصا كلّ ليلة *** وما تَنْقُصْ الأيامُ والدهرُ ينفَدِ وقال أبو حيّة النميري: إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلة *** تَقاضاه شيء لا يَمَلُّ التقاضيا ولذلك يقولون تُوفيِّ فلان بالبناء للمجهول أي توفَّى عُمُرَهُ فجعل الله الموت هو المتقاضي لأعمار الناس على استعمالهم في التعبير، وإن كان الموت هو أثَرُ آخر أنفاس المرء، فالتوفيّ في هذه الآية وارِد على أصل معناه الحقيقي في اللغة.
ومعنى ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ أي حكماً آخر.
فالسبيل مستعار للأمر البيّن بمعنى العقاب المناسب تشبيها له بالطريق الجادّة.
وفي هذا إشارة إلى أنّ إمساكهنّ في البيوت زجر موقّت سيعقبه حكم شاف لما يَجده الناس في نفوسهم من السخط عليهنّ ممّا فَعَلْنَ.
ويشمل قوله: ﴿ والّاتي يأتين الفاحشة ﴾ جميع النساء اللائي يأتين الفاحشة من محصنات وغيرهنّ.
وأمّا قوله ﴿ والذان يأتيانها ﴾ فهو مقتض نوعين من الذكور فإنّه تثنية الذي وهو اسم موصول للمذكّر، وقد قوبل به اسمُ موصول النساء الذي في قوله: ﴿ واللاّتي يأتين الفاحشة ﴾ ولا شكّ أنّ المراد ب ﴿ اللذان ﴾ صنفان من الرجال: وهما صنف المحصنين، وصنف غير المحصنين منهم، وبذلك فسّره ابن عباس في رواية مجاهد، وهو الوجه في تفسير الآية، وبه يتقوّم معنى بيِّن غير متداخل ولا مُكَرّر.
ووجه الإشعار بصنفي الزناة من الرجال التحرّز من التماس العذر فيه لغير المحصنين.
ويجوز أن يكون أطلق على صنفين مختلفين أي الرجال والنساء على طريقة التغليب الذي يكثر في مثله، وهو تفسير السدّي وقتادة، فعلى الوجه الأول تكون الآية قد جعلت للنساء عقوبة واحدة على الزنى وهي عقوبة الحبس في البيوت، وللرجال عقوبة على الزنى، هي الأذى سواء كانوا محصنين بزوجات أم غير محصنين، وهم الأعزبون.
وعلى الوجه الثاني تكون قد جعلت للنساء عقوبتين: عقوبة خاصّة بهنّ وهي الحبس، وعقوبة لهنّ كعقوبة الرجال وهي الأذى، فيكون الحبس لهنّ مع عقوبة الأذى.
وعلى كلا الوجهين يستفاد استواء المحصن وغير المحصن من الصنفين في كلتا العقوبتين، فأمّا الرجال فبدلالة تثنية اسم الموصول المراد بها صنفان اثنان، وأمّا النساء فبدلالة عموم صيغة ﴿ نسائكم ﴾ .
وضمير النصب في قوله: ﴿ يأتيانها ﴾ عائد إلى الفاحشة المذكورة وهي الزنا.
ولا التفات لكلام من توهّم غير ذلك.
والإيذاء: الإيلام غير الشديد بالفعل كالضرب غير المبرح، والإيلام بالقول من شتم وتوبيخ، فهو أعمّ من الجلد، والآية أجملته، فهو موكول إلى اجتهاد الحاكم.
وقد اختلف أيمّة الإسلام في كيفية انتزاع هذين العقوبتين من هذه الآية: فقال ابن عباس، ومجاهد: اللاتي يأتين الفاحشة يعمّ النساء خاصّة فشمل كلّ امرأة في سائر الأحوال بكراً كانت أم ثيّبا، وقوله: ﴿ والذان ﴾ تثنية أريد بها نوعان من الرجال وهم المحصن والبكر، فيقتضي أنّ حكم الحبس في البيوت يختصّ بالزواني كلّهنّ، وحكم الأذى يختصّ بالزناة كلّهم، فاستفيد التعميم في الحالتين إلاّ أن استفادته في الأولى من صيغة العموم، وفي الثانية من انحصار النوعين، وقد كان يغني أن يقال: واللاتي يأتين، والذين يأتون، إلاّ أنّه سلك هذا الأسلوب ليحصل العموم بطريقين مع التنصيص على شمول النوعين.
وجُعل لفظ (اللاتى) للعموم ليستفاد العموم من صيغة الجمع فقط.
وجعل لفظ و ﴿ الذان ﴾ للنوعين لأنّ مفرده وهو الذي صالح للدلالة على النوع، إذ النوع يعبّر عنه بالمذكَّر مثل الشخص، ونحو ذلك، وحصل مع ذلك كلّه تفنّن بديع في العبارة فكانت بمجموع ذلك هاته الآية غاية في الإعجاز، وعلى هذا الوجه فالمراد من النساء معنى ما قابل الرجال وهذا هو الذي يجدر حمل معنى الآية عليه.
والأذى أريد به هنا غير الحبس لأنّه سبق تخصيصه بالنساء وغير الجلد، لأنّه لم يشرع بعدُ، فقيل: هو الكلام الغليظ والشتم والتعيير.
وقال ابن عباس: هو النيل باللسان واليد وضرب النعال، بناء على تأويله أنّ الآيةَ شرعت عقوبة للزنا قبل عقوبة الجلد.
واتّفق العلماء على أنّ هذا حكم منسوخ بالجلد المذكور في سورة النور، وبما ثبت في السنّة من رجم المحصنين وليس تحديد هذا الحكم بغايةِ قوله: ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بصارف معنى النسخ عن هذا الحكم كما توهّم ابن العربي، لأنّ الغاية جعلت مبهمة، فالمسلمون يترقّبون ورود حكم آخر، بعد هذا، لا غِنى لهم عن إعلامهم به.
واعلَمْ أنّ شأن النسخ في العقوبات على الجرائم التي لم تكن فيها عقوبة قبل الإسلام، أن تنسخ بأثقل منها، فشرع الحبس والأذى للزناة في هذه السورة، وشرع الجلد بآية سورة النور، والجلد أشدّ من الحبس ومن الأذى، وقد سوّي في الجلد بين المرأة والرجل، إذ التفرقة بينهما لا وجه لبقائها، إذ كلاهما قد خرق حكماً شرعياً تبعا لشهوة نفسية أو طاعة لغيره.
ثم إنّ الجلد المعيَّن شرع بآية سورة النور مطلقاً أو عامّا على الاختلاف في محمل التعريف في قوله: ﴿ الزانية والزاني ﴾ [النور: 2]؛ فإن كان قد وقع العمل به كذلك في الزناة والزواني: محصنين أو أبكاراً، فقد نسخه الرجم في خصوص المحصنين منهم، وهو ثابت بالعمل المتواتر، وإن كان الجلد لم يعمل به إلاّ في البكرين فقد قيّد أو خصّص بغير المحصنين، إذ جعل حكمهما الرجم.
والعلماء متّفقون على أنّ حكم المحصنين من الرجال والنساء الرجم.
والمحصن هو من تزوّج بعقد شرعي صحيح ووقع البناء بعد ذلك العقد بناء صحيحاً.
وحكم الرجم ثبت من قبل الإسلام في شريعة التوراة للمرأة إذا زنت وهي ذات زوج، فقد أخرج مالك، في «الموطأ»، ورجال الصحيح كلّهم، حديث عبد الله بن عمر: أنّ اليهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلاً وامرأة زنيا، فقال رسول الله " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم " فقالوا «نفضحهم ويجلدون» فقال عبد الله بن سلام «كذبتم إنّ فيها الرجم» فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام «ارفع يدك» فرفع يده فإذا فيها آية الرجم.
فقالوا: «صدق يا محمد فيها آية الرجم» فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجما وقد ذكر حكم الزنا في سفر التثنية (22) فقال " إذا وجد رجل مضطجعاً مع امرأة زوجةِ بعللٍ يُقتل الاثنان، وإذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فاضطجع معها فوُجدا، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضّة وتكون هي له زوجة ولا يقدر أن يطلّقها كلّ ايّامه ".
وقد ثبت الرجم في الإسلام بما رواه عبادة بن الصامت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خذوا عني خذوا عني.
قد جعل الله لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر ضرب مائة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم ".
ومقتضاه الجمع بين الرجم والجلد، ولا أحسبه إلاّ توهّما من الراوي عن عبادة أو اشتبه عليه، وأحسب أنّه لذلك لم يعمل به العلماء فلا يجمع بين الجلد والرجم.
ونسب ابن العربي إلى أحمد بن حنبل الجمع بين الرجم والجلد.
وهو خلاف المعروف من مذهبه.
وعن علي بن أبي طالب أنه جمع بين الجلد والرجم.
ولم يصحّ.
ثم ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء بالرجم ثلاثة أحاديث: أوّلها قضيّة ماعز بن مالك الأسلمي، أنّه جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه ثلاث مرّات ثم بعث إلى إهله فقال: به جنون؟
قالوا: لا، وأبكر هو أم ثيّب؟
قالوا: بل ثيِّب.
فأمر به فرجم.
الثاني: قضيّة الغامدية، أنّها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالزنا وهي حبلى فأمرها أن تذهب حتّى تضع، ثم حتّى ترضعه، فلمّا أتمّت رضاعه جاءت فأمر بها فرجمت.
الثالث: حديث أبي هريرة، وخالد الجهني، أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله.
وقال الآخر وهو أفقههما: أجَلْ يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله واذَنْ لي في أن أتكلّم؟
قال: تكَلَّمْ.
قال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إنّي سألت أهلَ العلم فأخبروني أنَمَّا على ابني جلدُ مائة وتغريب عام، وأخبروني أنّما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَا والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أمَّا غنمك وجاريتك فرَدٌّ عليك وجلَد ابنه مائة وغربه عاما واغْدُ يا أُنَيْسُ (هو أُنيْس بن الضَّحاك ويقال ابن مرثد الأَسلَمي) على زوجةِ هذا، فإن اعترفت فارجُمها، فاعترفت فرَجَمَها.
قال مالك والعسيف الأجير.
هذه الأحاديث مرسل منها اثنان في «الموطأ»، وهي مسندة في غيره، فثبت بها وبالعمل حكم الرجم للمحصنَيْن، قال ابن العربي: هو خبر متواتر نسخ القرآن.
يريد أنّه متواتر لدى الصحابة فلتواتره أجمعوا على العمل به.
وأمّا ما بلغ إلينا وإلى ابن العربي وإلى من قبله فهو أخبار آحاد لا تبلغ مبلغ متواتر، فالحقّ أنّ دليل رجم المحصنين هو ما نقل إلينا من إجماع الصحابة وسنتعرّض إلى ذلك في سورة النور، ولذلك قال بالرجم الشافعي مع أنّه لا يقول بنسخ القرآن بالسّنة.
والقائلون بأنّ حكم الرجم ناسخ لحكم الحبْس في البيوت قائلون بأنّ دليل النسخ هو حديث قد: ﴿ جعل الله لهن سبيلاً ﴾ وفيه (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) فتضمنّ الجلد، ونسب هذا القول للشافعي وجماعة، وأورد الجصّاص على الشافعي أنّه يلزمه أنّ القرآن نُسخ بالسنّة، وأنّ السنّة نسخت بالقرآن، وهو لا يرى الأمرين، وأجاب الخطابي بأنّ آية النساء مغياة، فالحديث بيَّن الغاية، وأنّ آية النور نزلت بعد ذلك، والحديث خصّصها من قبللِ نزولها.
قلت: وعلى هذا تكون آية النور نزلت تقريراً لبعض الحكم الذي في حديث الرجم، على أنّ قوله: إنّ آية النساء مغيّاة، لا يُجدي لأنّ الغاية المبهمة لمّا كان بيانها إبطالا لحكم المغيَّي فاعتبارُها اعتبارُ النسخ، وهل النسخ كلّه إلاّ إيذان بوصول غاية الحكم المرادة لله غير مذكورة في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ.
وقال بعضهم شُرع الأذى ثم نسخ بالحبس في البيوت وإن كان في القراءة متأخّرا.
وهذا قول لا ينبغي الالتفات إليه فلا مخلص من هذا الإشكال إلاّ بأن نجعل إجماع الصحابة على ترك الإمساك في البيوت، وعلى تعويضه بالحدّ في زمان النبوءة فيؤول إلى نسخ القرآن بالسنّة المتواترة، ويندفع ما أورده الجصَّاص على الشافعي، فإنّ مخالفة الإجماع للنصّ تتضمّن أنّ مستند الإجماع ناسخ للنصّ.
ويتعيّن أن يكون حكم الرجم للمحصَن شرع بعد الجلد، لأنّ الأحاديث المروية فيه تضمّنت التغريب مع الجَلد، ولا يتصوّر تغريب بعد الرجم، وهو زيادة لا محالة لم يذكرها القرآن، ولذلك أنكر أبو حنيفة التغريب لأنّه زيادة على النصّ فهو نسخ عنده.
قال ابن العربي في الأحكام: أجمع رأي خيار بني إسماعيل على أنّ من أحدث حدثا في الحرم يغرّب منه، وتمادى ذلك في الجاهلية فكان كلّ من أحدث حدثاً غرّب من بلده إلى أن جاء الإسلام فأقرّه في الزنا خاصَّة.
قلت: وكان في العرب الخَلع وهو أن يُخلع الرجل من قبيلته، ويشهدون بذلك في الموسم، فإن جرّ جريرة لا يطالب بها قومه، وإن اعتدي عليه لا يطلب قومه دية ولا نحوها، وقد قال امرؤ القيس: به الذيب يَعْوِي كالخَليع المُعَيَّلِ *** واتّفقوا على أنّ المرأة لا تغرّب لأنّ تغريبها ضيعة، وأنكر أبو حنيفة التغريب لأنّه نقْل ضرّ من مكان إلى آخر وعوّضه بالسجن ولا يعرف بين أهل العلم الجمع بين الرجم والضرب ولا يظنّ بشريعة الإسلام ذلك ورُوي أنّ عليّا جَلد شراحة الهمْدانية ورجمها بعد الجلد، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله.
وقرن بالفاء خبر الموصولين من قوله: ﴿ فاستشهدوا ﴾ وقوله ﴿ فآذوهما ﴾ لأنّ الموصول أشرب معنى الشرط تنبيها على أنّ صلة الموصول سبب في الحكم الدالّ عليه خبره، فصار خبر الموصول مثل جواب الشرط ويظهر لي أنّ ذلك عندما يكون الخبر جملة، وغير صالحة لمباشرة أدوات الشرط، بحيث لو كانت جزَاء للزم اقترانها بالفاء.
هكذا وجدنا من استقراء كلامهم، وهذا الأسلوب إنّما يقع في الصلات التي تُومِئ إلى وجه بناء الخبر، لأنّها التي تعطي رائحة التسبّب في الخبر الوارد بعدها.
ولك أن تجعل دخول الفاء علامة على كون الفاء نائبة عن (أَمَّا).
ومن البيّن أنّ إتيانَ النساء بالفاحشة هو الذي سبّب إمساكهن في البيوت، وإن كان قد بني نظم الكلام على جعل ﴿ فاستشهدوا عليهن ﴾ هو الخبر، لكنّه خبر صوري وإلاّ فإنّ الخبر هو ﴿ فأمسكوهن ﴾ ، لكنّه جيء به جواباً لشرط هو متفرّع على ﴿ فإن شهدوا ﴾ ففاء ﴿ فاستشهدوا ﴾ هي الفاء المشبّهة لفاء الجواب، وفاء ﴿ فإن شهدوا ﴾ تفريعية، وفاء ﴿ فأمسكوهن ﴾ جزائية، ولولا قصد الاهتمام بإعداد الشهادة قبل الحكم بالحبس في البيوت لقيل: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فأمسكوهنّ في البيوت إن شهد عليهنّ أربعة منكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالفاحِشَةِ: الزِّنى.
﴿ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي بَيِّنَةً يَجِبُ بِها عَلَيْهِنَّ الحَدُّ.
﴿ فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ ﴾ اخْتَلَفُوا في إمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ هَلْ هو حَدٌّ أوْ مَوْعِدٌ بِالحَدِّ عَلى قَوْلَيْنِ: ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ يَعْنِي بِالسَّبِيلِ الحَدَّ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ)» .
واخْتَلَفُوا في نَسْخِ الجَلْدِ مِن حَدِّ الثَّيِّبِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ ثابِتُ الحُكْمِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في البِكْرِ والثَّيِّبِ، واخْتُلِفَ في نَسْخِها عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ فِيها هَلْ هو حَدٌّ أوْ مَوْعِدٌ بِالحَدِّ؟، فَمَن قالَ: هي حَدٌّ، جَعَلَها مَنسُوخَةً بِآيَةِ النُّورِ، ومَن قالَ: هي مَوْعِدٌ بِالحَدِّ، جَعَلَها ثابِتَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الأبْكارِ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ في الأبْكارِ والثَّيِّبِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: الرَّجُلُ والمَرْأةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ.
والثّانِي: البِكْرانِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
وَفي الأذى المَأْمُورِ بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ بِاللِّسانِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِاللِّسانِ، والضَّرْبُ بِالنِّعالِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مُجْمَلٌ أُخِذَ تَفْسِيرُهُ في البِكْرِ مِن آيَةِ النُّورِ، وفي الثَّيِّبِ مِنَ السُّنَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ تَرْتِيبُ الأذى بَعْدَ الحَبْسِ؟
فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأُولى، ثُمَّ أمَرَ أنْ تُوضَعَ في التِّلاوَةِ بَعْدَها، فَكانَ الأذى أوَّلًا، ثُمَّ الحَبْسُ، ثُمَّ الجَلْدُ أوِ الرَّجْمُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّ الأذى في البِكْرَيْنِ خاصَّةً، والحَبْسَ في الثَّيِّبَيْنِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ في نَسْخِها عَلى حَسَبِ الِاخْتِلافِ في إجْمالِها وتَفْسِيرِها.
﴿ فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما ﴾ يَعْنِي تابا مِنَ الفاحِشَةِ وأصْلَحا دِينَهُما، فَأعْرِضُوا عَنْهُما بِالصَّفْحِ والكَفِّ عَنِ الأذى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ واللذان يأتيانها منكم...
﴾ الآية.
قال: كان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال.
فأنزل الله بعد هذه الآية ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [ النور: 2] وإن كانا غير محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ قال: الرجلان الفاعلان.
وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ فآذوهما ﴾ يعني سبا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ واللذان ﴾ يعني البكرين اللذين لم يحصنا ﴿ يأتيانها ﴾ يعني الفاحشة وهي الزنا ﴿ منكم ﴾ يعني من المسلمين ﴿ فآذوهما ﴾ يعني باللسان، بالتعيير والكلام القبيح لهما بما عملا، وليس عليهما حبس لأنهما بكران ولكن يعيران ليتوبا ويندما ﴿ فإن تابا ﴾ يعني من الفاحشة ﴿ وأصلحا ﴾ يعني العمل ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ يعني لا تسمعوهما الأذى بعد التوبة ﴿ إن الله كان توابا رحيما ﴾ فكان هذا يفعل بالبكر والثيب في أول الإسلام، ثم نزل حد الزاني فصار الحبس والأذى منسوخا، نسخته الآية التي في السورة التي يذكر فيها النور ﴿ الزانية والزاني...
﴾ [ النور: 2] .
وأخرج ابن جرير عن عطاء ﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ قال: الرجل والمرأة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: ثم ذكر الجواري والفتيان الذين لم ينكحوا فقال: ﴿ واللذان يأتيانها منكم...
﴾ الآية.
فكانت الجارية والفتى إذا زنيا يعنفان ويعيران حتى يتركا ذلك.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ﴾ قال: عن تعييرهما.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ﴾ .
قرأ ابن كثير (١) ولا ذاكر الله إلا قليلًا (٢) ألا ترى أنه نصب مع الحذف كما ينصب مع الإثبات؟
قيل: إن المحذوف (٣) (٤) (٥) فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المُبهمة ألزم (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) إن مع اليوم أخاه غدوًا (١١) ومنه ما يتم في التثنية نحو: يديان بيضاوان (١٢) ونحو: جرى الدميان بالخبر اليقين (١٣) وفي الجمع نحو: أيد، ودماء، وفي التحقير نحو: دُميّ، ويُديّة، وليست المبهمة كذلك.
ويمكن أن يكون أبو عمرو قَدّر (ذَانِّك) تثنية ذلك، فعوض الحرف في التثنية من الحرف الزائد الذي كان في الإفراد، والأول أشبه (١٤) وقوله تعالى: ﴿ يَأْتِيَانِهَا ﴾ أي الفاحشة (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ فَآذُوهُمَا ﴾ قال عطاء وقتادة والسدي: يعني التَّعيير باللسان والتوبيخ، كما ذكرنا (١٧) وقال ابن عباس: يؤذيان بالتعبير ويضربان بالنعال (١٨) ﴿ فَإِنْ تَابَا ﴾ من الفاحشة، ﴿ وَأَصْلَحَا ﴾ العمل فيما بعد، فاتركوا أذاهما (١٩) وقد ذكرنا حكم هذه الآية في الآية التي قبلها.
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ .
معنى التَّواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه (٢٠) وذكرنا قول سيبويه والخليل في مثل قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ وما أشبه هذا.
وكان أبو عبيدة يتأول في كان معنيين: المُضِيّ والاستقبال، وينشد قول جرير: فأدركت من قَد كان قبلي ولم أَدَع ...
لمَن كان بَعدي في القصائدِ مَصْنَعَا (٢١) وقال ابن الأنباري: معنى قوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ وأشباه هذا: وكان الله أبدًا ولم يزل كذلك، وصَلحَ وضعُ الماضي في موضع الدائم؛ لأن المعنى كان مفهومًا غير مُلبِس، كقوله: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّة ﴾ ، وهو يريد: ويُنادي؛ لأن المعنى مفهوم، وإنما (عبرنا للماضي) (٢٢) وذهب المبرد وابن قتيبة إلى أن (كان) في مثل هذا صلة في جميع القرآن (٢٣) فكيف إذا مررتُ بدارِ قوم (٢٤) (٢٥) فألغى كان.
قال ابن الأنباري: ولا وجه لهذا عندي؛ لأنه لا يُلغى (٢٦) (١) هو أبو مَعبَد عبد الله بن كثير بن المطلب، أحد القراء السبعة، تقدمت ترجمته.
(٢) عجز بيت لأبي الأسود الدؤلي، وصدره: فألفيته غير مستعتب "الكتاب" 1/ 169، "معاني القرآن" للفراء 2/ 202، "المقتضب" 2/ 312، "الحجة" 2/ 454، "سر صناعة الإعراب" 2/ 534.
والشاهد منه: ذاكر الله، حيث نصب لفظ الجلاله مع حذف التنوين من ذاكر.
(٣) في "الحجة" 3/ 142.
إن اللام.
(٤) في "الحجة" 3/ 142 - والكلام من أوله في الآية منه- هذه الكلمة: أواخرهما.
(٥) لعل المراد التصغير.
(٦) قد يكون هنا سقط أو اختصار، ففي "الحجة" 3/ 142: فأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة في نحو قوله: (فذانِّك) وتركه التعويض في اللذان، فيشبه أن يكون ذلك لما رآه من أن الحذف للمبهمة ألزم، فبحسب إلخ.
(٧) في (أ)، (د): الذي، ولعل الصواب ما أثبته، كما في "الحجة" 3/ 142.
(٨) في "الحجة": المبهم.
(٩) في "الحجة": هاذيا.
(١٠) فى "الحجة": هاذيبا.
(١١) صدره: لا تقلواها وادلواها دلوا وانظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 284، و"المستقصى في الأمثال" 1/ 414، و"مجمع الأمثال" 1/ 304، و"الزاهر" 1/ 338، و"اللسان" (دلو)، و"جمهرة اللغة" (فلو- قلو- دغن- دمو).
(١٢) جزء من شطر بيت هو: يَدَيان بَيضَاوان عند مُحَلَّم ...
قد تَمْنَعَانِك أَنْ تُضام وتُضهدا ولم يعرف قائله.
انظر "الحاشية في تحقيق الحجة" 3/ 143.
(١٣) عجز بيت صدره: فَلَو أنّا عَلى حَجَرٍ ذُبِحنا وينسب لعلي بن بدال بن سليم وقيل لغيره.
انظر: "مجالس العلماء" للزجاجي بتحقيق هارون ص 251، "الإنصاف" ص300، "معجم شواهد العرب" ص 408.
(١٤) الكلام من أوله "القراءات" لأبي علي الفارسي في "الحجة" 1/ 141 - 144، == بتصرف في العبارة وحذف لا أثر لهما في المعنى.
انظر: "معاني القراءات" 1/ 296، "الحجة في القراءات السبع" لابن خالويه ص 121، "حجة القراءات" ص 193.
(١٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 122، والطبري 4/ 294.
(١٦) انظر: الطبري 4/ 294 - 295، "معاني الزجاج" 2/ 29، "الكشف والبيان" 4/ 25 أ.
(١٧) قول قتادة والسدي عند الطبري 4/ 296، ونسبه لعطاء الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 25 أ.
انظر "معالم التنزيل" 2/ 182، "زاد المسير" 2/ 35.
(١٨) هذا الأثر عن ابن عباس ثابت، فهو من طريق ابن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 138، والطبري 4/ 296، وعزاه السيوطي أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم في "الدر المنثور" 2/ 231، وانظر: "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 201.
(١٩) انظر: "الطبري" 4/ 298، "الكشف والبيان" 4/ 25 أ، "الدر المنثور 2/ 231.
(٢٠) انظر: "الطبرى" 4/ 298.
(٢١) لم أقف على ما نسبه المؤلف لأبي عبيدة، لا في "المجاز" ولا في غيره، وأما البيت فهو في "ديوان جرير" ص 263، لكن أوله: (وأدركت) بالواو.
والشاهد منه: أن (كان) الأولى للمُضي، و (كان) الثانية للاستقبال.
(٢٢) هكذا في (أ)، (د)، ولعل الصواب: عبر بالماضي.
(٢٣) انظر: "المقتضب" 4/ 116وما بعدها.
(٢٤) في "المقتضب": فكيف إذا رأيت ديار قوم.
(٢٥) نسبه المبرد للفرزدق في "المقتضب" 4/ 116، وهو في "ديوانه" 2/ 290، وغير منسوب في "مجاز القران" 2/ 7 ،140، و"اللسان" 7/ 3961 (كون).
(٢٦) في (أ): (يلقي).
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المواريث وغيرها ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الآية: تعلق بها المعتزلة في قولهم: إن العصاة من المؤمنين يخلدون في النار، وتأولها الأشعرية على أنها في الكفار ﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ هي هنا الزنا ﴿ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ أو من المسلمات؛ لأن المسلمة تحدّ حدّ الزنا، وأما الكافر أو الكافرة فاختلف، هل يحدّ أو يعاقب؟
﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ قيل: إنما جعل شهداء الزنا أربعة؛ تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقيل: ليكون شاهدان على كل واحد من الزانيين ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ كانت عقوبة الزنا الإمساك في البيوت، ثم نسخ ذلك بالأذى المذكور بعد هذا، وهو السب والتوبيخ، وقيل: الإمساك للنساء، والأذى للرجال، فلا نسخ بينهما ورجحه ابن عطية بقوله: في الإمساك من نسائكم، وفي الأذى منكم، ثم نسخ الإمساك والأذى بالرجم للمحصن وبالجلد لغير المحصن، واستقر الأمر على ذلك، وأما الجلد فمذكور في سورة النور، وأما الرجم؛ فقد كان في القرآن ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وقد رجم صلى الله عليه وسلم ماعزاً الأسلمي وغيره ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ﴾ لما أمر بالأذى للزاني أمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو ترك الأذى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب.
﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.
الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.
الباقون: مبنياً للفاعل.
﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.
الباقون بالياء.
وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.
﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين ﴾ وأشباه ذلك.
وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.
الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.
الباقون كلها بالكسر.
الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.
﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.
﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.
﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.
أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.
واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.
أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.
فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.
والثاني المؤاخاة.
كان رسول الله يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.
والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.
والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.
روي "أن رسول الله ورث بنت حمزة من مولى لها" .
ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.
قال : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.
وإنما بدأ بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.
أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.
أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.
وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.
وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.
وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.
وأما الحكمة في أنه جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.
فيكف حال المرأة؟
وعن جعفر الصادق أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.
فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.
وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.
وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.
وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.
وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.
وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.
فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.
وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.
أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.
وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.
وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.
وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.
وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.
وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.
وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.
فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.
فقال لي رسول الله : ادع لي المرأة وصاحبها.
فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .
وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.
وأيضاً قال : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.
والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله : ﴿ يا بني آدم ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ .
وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.
واعلم أن عموم قوله ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.
ومنها أن القاتل لا يرث.
ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.
وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.
ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.
روي أن فاطمة ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.
وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.
وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟
وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.
أجابوا بأن فاطمة ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.
واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.
فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".
/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.
وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.
ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.
ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.
فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.
واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.
والباقي للأولاد بالسوية.
وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.
وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.
فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟
فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.
وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.
الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟
فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.
وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.
وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.
وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.
فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.
هذا عكس قوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.
فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.
وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.
وقال : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟
فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.
فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.
ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.
ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.
ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.
حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.
وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.
فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله .
عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول قضى بالدين قبل الوصية" .
والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.
وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.
ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.
ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.
وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.
فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.
يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.
فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.
وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.
فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.
وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.
وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.
﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.
قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.
وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.
هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.
وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.
فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.
ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.
ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.
وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.
ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.
وههنا مسألة.
قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.
ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.
وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.
وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.
واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.
الكلالة ما خلا الوالد والولد.
وعن عمر : الكلالة من لا ولد له فقط.
وعنه في رواية أخرى التوقف.
وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.
وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.
ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.
قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.
قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.
ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد ﴾ فاحتج عمر بذلك.
والجواب أنه حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.
ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.
وأيضاً إنه ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.
وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.
والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.
وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.
ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.
ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.
وقوله : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.
ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.
والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.
قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟
والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.
تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.
والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.
وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.
ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.
هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.
وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.
والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.
ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.
وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.
فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.
فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.
ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.
وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.
قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.
وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.
ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.
وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.
وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.
وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.
ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.
قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.
فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.
وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.
وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.
نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.
فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.
وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.
قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.
وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.
وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.
واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.
وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.
وقد يقال: اللاآت كاللامات.
قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.
ومن العرب من يلغي هذا الفرق.
والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.
وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.
قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.
ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.
﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.
والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.
قال الزهري: مضت السنة من رسول الله والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.
ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.
﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟
﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.
واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.
فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.
أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.
وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.
وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.
والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.
وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.
وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.
وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.
وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .
ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.
وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.
وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.
وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.
وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.
وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.
ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.
صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله عليم.
ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.
ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.
وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.
وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.
وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.
أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.
أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.
وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.
و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.
ومثله قوله : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.
أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.
قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.
وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟
وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟
وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟
فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.
وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.
ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.
ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.
أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.
﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.
قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.
لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.
وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.
/ قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.
وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.
فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.
النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.
وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.
وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.
قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.
قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.
ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.
ثم إنه استثناء مماذا؟
قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.
وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.
وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.
ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.
وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.
النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.
النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.
يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.
والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.
روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.
فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.
فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.
ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.
وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.
ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.
واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.
﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.
وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.
وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.
وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.
وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.
وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.
وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.
وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.
وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.
ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.
فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟
فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.
وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.
ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.
ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.
وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟
النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.
وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.
حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.
ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.
ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ ولقوله : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.
وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ وبقوله : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.
وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.
سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟
قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.
وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.
ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.
والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.
سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.
قال محمد بن جرير الطبري.
سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.
لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟
سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.
وإذا كان منعقداً صحيحاً.
ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ وكقوله " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟
أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.
فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.
وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.
وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.
والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.
وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.
وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.
قالوا: إنه أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.
وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.
وروي "أنه بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.
حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.
قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.
فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.
﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله أعلم.
التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.
فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.
ومن هنا قال : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.
فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.
قال : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.
ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ ، ﴿ وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ قيل: كان هذا الحكمان في أول الإسلام: الأول منهما للمرأة، والثاني للرجل.
وقيل: إن آية الأذى كانت في الرجل والمرأة، وآية الحبس كانت في حبس المرأة.
ويحتمل أن تكون آية الآذى في البكر في الرجل والمرأة جميعاً، وآية الحبس في الثيب في الرجل والمرأة جميعاً.
ويحتمل أن تكون آية الأذى في الرجال خاصّة: فيما يأتي الذكرُ ذكراً؛ على ما كان من فعل قوم لوط، وآية الحبس في الرجال والنساء جميعاً.
فإن كانت آية الأذى في الرجال خاصّة؛ ففيها حجة لأبي حنيفة - - حيث لم يوجب على من عمل عمل قوم لوط الحدَّ؛ ولكن أوجب التعزير والأذى، وهو منسوخ إن كان في هذا، وإن كانت في الأول؛ فهي منسوخة.
ثم اختلف بما به نسخ: فقال قوم: نسخ بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .
لكن عندنا هذا يجوز أن يجمع بين حكميهما؛ فكيف يكون به النسخ؟!
ولكن نسخ عندنا بالخبر الذي روي عن رسول الله قال: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً: البِكْرُ بِالبِكْرِ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، البِكْرُ يُجْلَد ويُنْفَى، والثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ" ؛ ففيه دليل حكم نسخ القرآن بالسنة.
فإن قيل: في الآية دليل وعد النسخ بقوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ ؛ فإنما صار منسوخاً بما وعد [الله] في الآية من النسخ، لا بالسنة.
قيل: ما من آية أو سنة كان من حكم الله النسخ إلا والوعد فيه النسخ، وإن لم يكن مذكوراً؛ لأن الله - عز وجل - لا يجعل الحكم في الشيء للأبد ثم ينسخ؛ لأنه بدو، وذلك فعل البشر لا فعل الربوبية؛ فإذا كان ما ذكرنا فلا فرق بين أن ينسخه بوحي يكون قرآناً يتلى وبين أن ينسخه بوحي لا يكون قرآناً، وفيه أخبار كثيرة: روي أنه رجم ماعزاً لما أقرّ بالزنا ومراراً، ورجم - أيضاً - غيره: ما روي أن عسيف الرجل زنا بامرأته، وقال: سأقضي بينكما بكتاب الله ، وقال: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ هِيَ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" وعن عمر - - قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائله: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق إذا أحصن الرجل، وقامت البينة، أو اعترف، وقد قرأناها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله" ، رجم رسول الله ورجمنا بعده.
وقال قوم: الرجم بين اليهود والنصارى كهو بين المسلمين كالجلد بالآية، ولما روي عن رسول الله : "أنه رجم يهودَّيين" قيل: إنما رجم بحكم التوراة؛ ألا ترى أنه روي أنه دعا بالتوراة، ودعا علماءهم فأمرهم أن يقرءوا عليه؛ فوضعوا أيديهم على الموضع الذي فيه ذكر الرجم فقرءوا غيره؛ فقال ابن سلام: إنهم كتموه يا رسول الله، ثم قرأ هو؛ فأمر برجمهم، ولا شك أن القرآن نسخ حكم التوراة؛ لذلك لم يقم عليهم الرجم.
فإن قال قائل: إن الحد يقام على من عمل عمل قوم لوط بقوله - -: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .
قيل: لا يحتمل وجوب الحد عليه بذلك؛ لأنه مختلف حكم هذا من هذا في الحرمة، ووجوب المهر؛ وغير ذلك، فلا يحتمل أن يعرف حكم شيء لما يخالفه في جميع أحكامه وجميع الوجوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ -: في الآية دليل جواز القياس؛ لأنه ذكر الحكم في النساء، ولم يذكر في الرجال ذلك الحكم، وهما لا يختلفان في هذا الحكم؛ ما يلزم المرأة في ذلك الفعل يلزم الرجل مثله؛ دل أن ما ترك ذكره في المنصوص إنما ترك؛ للاستدلال عليه، والاستنباط من المنصوص والانتزاع منه.
وقال قوم: إن على الثيب الجلد والرجم جميعاً؛ ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن عبادة ابن الصامت، عن النبي قال: "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي؛ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبَيلاً: البِكْرُ بالِبِكْرِ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ" : أوجب الجلد والرجم على الثيب.
أما عندنا: فإنه لا يوجب مع الرجم الجلد؛ لما روينا من الأخبار عن [رسول الله ] أنه رجم ماعزاً، ولم يذكر أنه جلده، وما روي عن رسول الله قال: "أغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" : لم يُذكر هنالك جلد، والأخبار كثيرة في هذا.
وروي أنه قال: "مَنْ أصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيْئاً فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللهِ الَّذِي سَتَرَه عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقْمَنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ" ثم يحتمل قوله : "الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ يُجْلَدُ وَيَرْجَمُ" في اختلاف الأحوال: يجلد في حال، ويرجم في حال، أو يجلد ثيب ويرجم آخر؛ لأنه لا كل ثيب يرجم؛ لأنه إذا كان ثيباً غير محصن لا يرجم؛ دل أنه على ما ذكرنا.
أو يحتمل قوله : "البِكْرُ بِالبِكْرِ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ" ، أي: البكر مع البكر، والثيب مع الثيب؛ فيكون ثيباً يجلد وثيباً آخر يرجم.
ثم اختلف أهل العلم في نفي البكر: قال قوم: النفي ثابت واجب.
وعندنا: إن كان فهو منسوخ، ودليل نسخه: ما روي في خبر زيد بن خالد، وكان الرجل بكراً، لم يذكر أنه نفي.
وما روي عن عمر بن الخطاب - - أنه نفى رجلا؛ فارتد ولحق بالروم؛ فقال: لا أنفي بعد هذا أبداً.
وما روي أنه قال: كفي بالنفي فتنة.
وإن كان فهو عقوبة وليس بحد؛ كحبس الدعارة وغيره.
والدليل على أن النفي ليس بحد أن الله - وتعالى - قال في الإماء ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ والأمة لا تنفي؛ لما روي عن رسول الله [أنه] قال: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" : أمر بجلدها ولم يأمر بالنفي، ولو كان حدّاً لأمر به كما أمر بالجلد؛ دل أنه ليس بحدٍّ في الحر، ولأنه أوجب على الإماء نصف ما أوجب على الحرائر، ولا نصف للنفي؛ دل أنه ليس بحد، ولا يجب ذلك، أو إن كان فهو حبس، وفي الحبس نفي، فيحبسان أو ينفيان؛ لينسيا [ما أصابا؛ لأن كل من رآهما يذكر فعلهما؛ فينفيان لذلك، لا أنه حد؛ ولكن لينسيا] ذلك ولا يذكر.
وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ...
﴾ إلى قوله - -: ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ - يخرج على وجهين - لو كان الإتيان الزنا: أحدهما: أن يكون في جميع الإناث الحبس، وفي الذكور: الإيذاء؛ ولذلك جمع بين الجميع في الخبر الذي به النسخ؛ فارتفع الحبس والأذى جميعاً، وذلك معقول: تأديب الرجل به أزجر له، وحبس المرأة أقطع لوجوه الزنا.
أو أن تكون الآية الأولى: في المحصنات؛ على تضمن المحصنين بالمعنى، والآية الثانية: في الذكور؛ على تضمن الإناث بالمعنى، لكن جرى الذكر على ما ظهر من فضل صيانة الأبكار في الإناث: إما تديناً، أو حياء الافتضاح، أو بما الغالب عليهن الصون من المحارم، والحفظ عن قرب الذكور، ليس بشيء من ذلك في الذكور ولا في الثيبات من النساء، على أنه بعيد بلوغ النساء في قلة الحياء إلى أن يُعْلِنَّ حتى يشهده أربع، والغالب عليهن ألاَّ يخالطن هذا القدر من العدد.
ثم الدلالة على دخول الكل - قول رسول الله : "خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً..." : ذكر لهن؛ على ما جرى به الذكر في القرآن، ثم جمع في التفسير بين الكل؛ ثبت أن الذكر قد يضمن الكل، وذلك يبطل تأويل من يصرف الآية إلى الأبكار من الإناث والذكور، ومتى يحتمل وجود الكل مثل ذلك بعد النكاح على إثر خلوة الأزواج بهن والاطلاع على ما فيه المسبة الدائمة، والعار اللازم لهن، ثم كشف ذلك لجميع محارمها، ثم خوف الانتشار به ظاهراً، وكيف يحتمل في مثل تلك الحال إلى تمكن من ذكر بحضرة من ذكر دون أن ينضم إلى زوجها؟
فتأويل من وجَّهَ الآية إلى الأبكار خارج عن المعروف.
ثم المروي من السنة، ثم بما أجمع عليه أهل التأويل عمل صاحبه على هذا جهله بألا يجوز بيان نسخ حكم بينه الكتاب بالسنة، ويحكم على الله - - وعلى رسوله بحجر هذا النوع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ...
﴾ الآية، ومعلوم أن عقوبة الزناة يتولاها الأئمة، فكأن الخطاب عليهم خرج، ثم قد أثبت الفاحشة منهم، ولم يأذن في إقامة عقوبتها حتى يستحضر أربعة فيشهدون بها؛ فعلى هذا أن ليس للأئمة تولى حدّ الزناة بعلمهم حتى يكون ثَمَّ شهود، وفي ذلك لزوم حق الستر إلى أقصى ما ينتهي إليه من إعلان الفعل من الزناة؛ إذ ذلك أمر معلوم فيما يحل ألا يفعل إلا في أحوال الخلوات التي تعلم حقيقة ذلك بالولد يكون، فأما من حيث الكون دونه فإنما هو غالب الظن، فالذي لا يحل من ذلك أن يكون بحيث لا يعلم حقيقته أبداً؛ يدل على ذلك جميع الأمور التي منها المباح أو المحظور: أن المحظور منه أبعد من الظهور والعلم به من المباح؛ فعلى ذلك أمر هذا مع ما زيد هاهنا ما جعل فيه من حد الزاني وجهين: أحدهما: الزجر عن هتك هذا النوع من الستر حتى خرجت شهادة من رمى بذلك؛ بما هتك ستر الله.
والثاني: فحش الشين بفاعل ذلك، ولزوم المسبَّة في صاحب ذلك، وذلك غاية معنى لزوم الشين، وكذلك روي عن رسول الله أنه قال: "مَنْ أَصَابَ [مِنْ] هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيْئاً فَلْيَسْتَتِرْ [بِسَتْرِ الله]، فَإِنَّهُ مَنْ أَبدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ الله" .
فإذا بلغ العمل الذي حده ما ذكرت [من العقوبة] من نهاية الستر النهاية من الإعلان حتى أظهر ذلك الجماعة بفعل من يشينه فعله ما ذكرت، استحق ما ذكرت من العقوبة بجرأته على ذلك بحله، وبقلة حيائه، حيث أظهر الذي ذلك حقه الستر عقوبة ذلك الفعل، فألزم من إليه ذلك القيام به لله، ثم جعل الله في ذلك الفعل عقوبات مختلفة على اختلاف أوقات الفعل وأهله، على ما علم من مصلحة الخلق بها، وزجرهم، وتكفيرهم بها.
ثم إن الله - وتعالى - جعل أول عقوبة الزنا في نوع من الخلق في الإسلام الحبس في البيوت، فهو - والله أعلم - مخرج على أوجه: أحدها: إنه كان الزنا في الابتداء في نوع ظاهر يكتسبون به عرض الدنيا في ذلك في الإماء حتى قال الله - -: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ...
﴾ الآية [النور: 33]، وحتى كانوا يدعون الأنساب في أولاد الزناة من الإماء، حتى بلغ من ظهور ذلك إلى أن يمازج به الحرائر في الطرق تعامياً عن حالهن؛ فنزل قوله - وتعالى -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ﴾ وإن كان هذا حالهم في ذلك الوقت غلب عليهم خوف مواقعة الزنا، [وكذلك على] الحرائر؛ لكثرة ما يرين أو يسمعن، وذلك معنى يبعث من شَرِهَتْ نفسه، وقل تفكره في أمر عاقبته مما ينزل به أو يشينه، وقد ركبت هذه الشهوة في كل البشر، فخفف الله عقوبته في الابتداء أن جعل فيه الحبس والإمساك في البيوت، ثم صار ذلك إلى الضرب؛ لما أن تحرج الناس وعظم ذلك في أعينهم، وجعل في الشتم به الحدّ؛ ليعرفوا عظم موقعه عند الله وينتهوا عن فعله، وقد جعل في ذلك في بعض الأحوال الرجم، وهي الحال التي يزول فيها كل وجوه العذر، ويرتفع جميع معاني الشبه لعظيم أمره.
والثاني: أن السبب الباعث على ذلك قرب بعض لبعض، ومخالطة بعض ببعض على عظم الشهوة؛ فغلب عليهم الأمر، واستعدتهم الشهوة حتى واقعوا ذلك.
ثم في الحبس وجهان: أحدهما: الكف عن المعنى الذي يدعو إليه من الاختلاط وتلاقي الأبصار.
والثاني: ما فيه من فضل ضجر وتضييق الحال؛ إذ جعل ذلك إلى الموت، فيكون في ذلك عقوبة من حيث الضجر، ومعونة على الكف عنه بالحبس حتى لا يقع بصر ذكر على أنثى وأنثى على ذكر.
والثالث: أن يكون في الحبس ترغيب الأرحام في الحفظ وإلزام القرابة بعض ما يزجر عن تضييع حقوق الرحم، ويدعو إلى القيام بالكفاية؛ إذ ضيق على الفاعل ذلك، وذلك يوجب قبل المواقعة الاستعلام عن الأحوال والجهد في الحفظ؛ إذ في ذلك بعض عقوبة أهل الاتصال من تكليف الإمساك والقيام بالكفاية؛ فيكون أبلغ في العفاف، وأقرب إلى الصلاح، وعلى مثل ذلك جعل أمر المعاقل؛ ليقوم أهل الصلاح في كل قبيلة في كف أهل الفساد عن الفساد، والله أعلم.
ثم لما انقطعت العادة وقام الناس بالتعاهد، وتفرق الفريقان حتى لا يؤذن بالاجتماع، إلا أن يكون ثَمَّ مَنْ جُبِلَ على الإياس من ذلك وأنشىء على قطع الشهوة فيهن، فجعل في ذلك حد، وجعل في ذلك لهن سبيلا، وذلك - والله أعلم - يخرج على أوجه، يجب التأمل في الوجه الذي سمى ما نسخ به اللازم في ذلك، وذكر فيما ذكر حد مرة ورجم ثانياً، ومعلوم أن المجعول له السبيل، والرجم والحد أشد عليهم من الحبس، وقد رُوي عن نبي الرحمة أنه قال: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْريبُ عَامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ" فهو - والله أعلم - أن بهذه الشريعة خلى سبيلهن، لا أن أوجب على المحبوسات إقامة ذلك بما قد حبس بالزنا، ولكن في هذا تخلية السبيل، على أنهن؛ إذا زنين فعل بهن ذلك على رفع الحبس عنهن إذا حبس بما لم يبين حد ذلك، فإذا بين زال ذلك ولا حد حتى يكون منها ذلك، فالسبيل المجعول لهن تخلية السبيل، ثم بين الحكم في الحادث.
ووجه آخر: أن السبيل في الحقيقة مجعول لمن كلف إمساكهن، وإن أضيف إليهن بما فيهن ضيق عليهم الأمر، وذلك كقوله - -: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ والإماء لا يؤتين الأجر، لكن بما بمعنى فيهن ذكر الأجر، فأضيف إليهن، وعلى نحو أضيف أهل القرى إلى القرى بالتسمية، فأخرجت على تسمية القرى، وإذا كان المراد أهل ذلك في حق تسمية الأهل التذكير والقرية التأنيث، فكأنه جعل للمأمورين بالإمساك سبيلا في أن يقيموا الحد، ويزول عنهم مؤنة الإمساك والقيام بالكفاية.
والثالث: أن يكون في طول الحبس ضجر [و] ضيق، وحيلولة بين المحبوس والشهوات كلها، وقطع [ما] بينه وبين الأحباب، وتحمل مثله بمرة أيسر على النفس وأهون من دوام الذل والقهر، ثم لا مخلص عن ذلك إلا بما في الأول يكون ثمرة؛ فلذلك سمي - والله أعلم - ذلك سبيلا لهن.
ثم دل الخبر الذي ذكرت على أمرين: أحدهما: أن الحبس - وإن كان مذكوراً في النساء خاصة - فهو في جميع الزناة؛ لأنه قال [رسول الله ]: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً" ثم ذكر ما به جعل لهن السبيل، في الذكور والإناث، في المحصنين وغيرهم جميعاً؛ ليعلم أن الحكم يجمع الكل وإن كان الذِّكْرُ فيهن، وذلك كما ذكر حد المماليك في الإماء، وحد الزناة في قذف المحصنات، والحكم يجمع الذكر والأنثى من حيث اتفاق المعنى الذي له جعل، فمثله فيما نحن فيه.
والثاني: بيان نسخ المذكور من الحكم في الكتاب بالسنة، وذلك لوجهين: أحدهما: أنه لم يوجد على الترتيب الذي ذكر في القرآن مع ما ذكر تخلية السبيل، وليس بمذكور في شيء من القرآن؛ ثبت أن ذلك كان بوحي غير القرآن.
والثاني: أنه - - قال: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي" ثم أخبر عن جعل الله لهن السبيل؛ فدل قوله : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي" [أنه بيان الله]، وهكذا معنى النسخ أن بيان جعل الله مدة حكم الأوَّل بما يحدث فيه الحكم، وليس قول من يقول في هذا في القرآن وعد بقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ - معنى؛ لأن كل شيء في حكم الله أنه ينسخه، فالوعد في حكمه قائم، إلا أن يقول قائل: لا يصدق الرسول ببيان وعد الحكم، وإنما يصدق ببيان وعد الشرط؛ فيحتاج أن يحدث منه إيماناً، والله الموفق، مع ما إذا جاز أن يعد النسخ المذكور في القرآن حقيقة، لا فيه يجوز أن ينسخ المذكور حقيقته لا فيه.
وبعد، فإن من يقول هذا بعثه عليه جهله بمعنى النسخ: أنه البيان عن منتهي حكم المذكور من الوقت، ولا ريب أن لرسول الله بيان منتهي الحكم من النوع، فمثله الوقت.
ثم إذا كان هذا أول عقوبة في الإسلام؛ فثبت به نسخ الحكم بالتوراة والعمل إذا كان فيه الرجم، وقد ذكر أن رسول الله إنما رجم بحكم التوراة، وقال: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أَمَاتُوهَا" .
وإذا ثبت أن ذلك حكم التوراة ثم ثبت نسخ حكمه، فلا يقام عليهم الرجم إلا بعد البيان مع ما جاء عن رسول الله أنه قال: "مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ" ، وأنه أخبر بالرجم في القرآن للمحصن.
وقال قوم: عقوبة الحبس في الإناث خاصة، وأما في الذكور ففيهم الأذى باللسان والتعزير بقوله - -: ﴿ وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا...
﴾ الآية، وهذا قريب من حيث كانت النساء مكانهن البيوت، وأمكن حفظهن عن الزنا، وتسليمهن إلى الأزواج مرة والمحارم ثانياً، والرجال إذا حبسوا تحولت مؤنهم إلى غيرهم، فتكون عقوبة فعلهم تلزم غيرهم، والراحة تكون لهم، وأمّا النساء فمؤنهنَّ في الأصل على غيرهنَّ، فليس في حبسهنَّ زيادة على غيرهن، فذلك عقوبة لهنَّ مع ما كان الرجال بحيث يمكن تعييرهم، وذلك أبلغ ما يزجر العقلاء، وقد يحتمل أن يكون ذلك في الرجال خاصة؛ إذ لا يذكر في عمل قوم لوط العقوبة، وقد علم الله - وتعالى - حاجة الناس إلى معرفة عقوبة ذلك؛ إذ قد جعل الله - - في إتيان النساء حقوقاً وحرمات وأحكاماً ليست في إتيان الذكور، عرف الخلائق تلك؛ فلم يحتمل أن يترك ذكر عقوبة للذكور في الزنا بعد أن فرق أحكام الأمرين؛ فيشبه أن تكون الآية على ذلك؛ وأيد ذلك عز وجل أنه - وتعالى - قال: ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ﴾ ولم يذكر في ذلك جعل السبيل، وقد ذكر رسول الله ذلك في كل أقسام الزنا، ثبت أن ذلك فيما ذكر، فتكون عقوبة الأولى في ذلك أخف من الحدّ، فكذلك عقوبة الثانية مع ما يكون فيما يؤذيان بتفريق، وهو تعزير، وذلك هو الباقي أبداً إذا لم يظهر معنى النسخ، وأيد الذي ذكرت استواء الذكور والإناث في جميع عقوبات الزنا في قديم الدهر وحديثه من حدود المماليك والأحرار، والثيبات والأبكار، فعلى ذلك أمر تأويل الآية.
والنفي المذكور في الخبر يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذهب إليه الخصوم من جعله عقوبة، وأنَّه النفي من البلد، لكن الحدود إذا جعلت كفارات قد جعلن زواجر، وفي الزنا بخاصّة إذا أمر فيه بالحبس أريد قطع السبيل إليه، وفي الإشخاص والإخراج من البلدان تمكين، وذلك بعيد، والله أعلم.
فعلى ذلك لو كان عقوبة فهو على الحبس، فينتفي عن وجوه الاجتماع على ما كان من قبل، فينتفي ذلك العذر منه؛ لظهور خشوع التوبة.
وقد يحتمل أن يراد بالنفي قطع الذكر ورفع المسبَّة، فينفي؛ لينسى ذلك؛ فلا يعير بذلك، وكذلك في الإماء ولا في الكفر؛ إذ ما فيهم من الذل أعظم مع ما لا يجب بسبِّ من ذكرت حد؛ ليعلم عظيم موقع ذلك في الأحرار، ولو كان على العقوبة فهو منسوخ بما جرت السنة في الإماء بحدهن من غير ذكر الحبس، وقد قال الله وتعالى : ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ والمذكور في الثيب يحتمل: يجلد في حال ويرجم في حال؛ إذ لا كل ثيب يجلد، وإن كان ثم نسخ بما ذكر من خبر ماعز وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآذُوهُمَا ﴾ \[قيل: فآذوهما\] بالحدّ.
وقيل: فآذوهما بالتعيير ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ كُفُّوا عن ذلك.
وقيل: سبوهما، لكن ذا قبيح، والتعيير أقرب.
<div class="verse-tafsir"
واللذان يرتكبان فاحشة الزنى من الرجال -مُحْصَنيْن أو غير محصَنَيْن- فعاقبوهما باللسان واليد بما يحقق الإهانة والزجر، فإن أقلعا عمَّا كانا عليه، وصلحت أعمالهما؛ فأعرضوا عن أذاهما؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، إن الله كان توابًا على من تاب من عباده رحيمًا بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.qEkBD"
اختلف المفسرون في الآيتين فالجمهور على أنهما في الزنا خاصة، ولأجل الفرار من التكرار قالوا: إن الآية الأولى في المحصنات أي الثيبات فهن اللواتي كان يحبسن في البيوت إذا زنين حتى يتوفاهن الموت، والثانية في غير المحصنين والمحصنات أي في الأبكار ولهذا كان العقاب فيها أخف، وعلى هذا يكون الزاني المحصن مسكوتا عنه.
والآيتان على هذا القول منسوختان بالحد المفروض في سورة النور وهو السبيل الذي جعله الله للنساء اللواتي يمسكن في البيوت.
ولكن يبقى في نظم الآية شيء وهو أن كلا من توفِّي الموت ومن جعل السبيل قد جعل غاية للإمساك في البيوت بعد وقوعه، فعلى هذا لا يصح تفسير السبيل بإنزال حكم جديد فيهن يكون المعني على هذا التفسير فامسكوهن في البيوت إلى أن يمتن أو ينزل الله فيهن حكمًا جديدًا.
وقد فسر السبيل بعضهم بالزواج كأن يسخر الله للمرأة المحبوسة رجلًا آخر يتزوجها، وقد وافق (الجلال) الجمهور في الأولى وخالفهم في الثانية فقال إنها في الزنا واللواط معا ثم رجح أنها في اللواط، فتكون الأولى منسوخة على رأيه، والثانية غير منسوخة.
وخالف الجمهور أبو مسلم في الآيتين فقال: إن الأولى في المساحقات، والثانية في اللواط فلا نسخ.
وحكمة حبس المساحقات على هذا القول هو أن المرأة التي تعتاد المساحقة تأبى الرجال وتكره قربهم -أي فلا ترضى أن تكون حرثًا للنسل- فتعاقب بالإمساك في البيت والمنع من مخالطة أمثالها من النساء إلى أن تموت أو تتزوج.
وفي إسناد جعل السبيل لها إلى الله تعالى إشارة إلى عسر النزوع عن هذه العادة الذميمة، والشفاء منها حتى بالترك الذي هو أثر الحبس فكأنها لا تزول إلا بعناية خاصة منه تعالى.
واعترض على أبي مسلم بأن تفسير الفاحشة في الآية الأولى لم يقل به أحد وبأن الصحابة اختلفوا في حد اللواط، فأجاب عن الأول بأن مجاهدًا قال به، وناهيك بمجاهد، وبأنه ثَبتَ في الأصول أنه يجوز للعالم أن يفسر القرآن ويفهم منه ما لم يكن مرويًا عن أحد بشرط أن لا يخرج بذلك عن مدلولات اللغة العربية في مفرداتها وأساليبها، وأجاب عن الثاني بأن الصحابة إنما اختلفوا في حد اللواط وهذا لا يمنع كون الآية نزلت في العقوبة عليه وهي لا حد فيها.
ومما يجاب به عن أبي مسلم أن الصحابة ما كانوا يجلسون لتفسير القرآن إلا عند الحاجة، وإنما كانوا يتدارسونه ويتدبرونه للاهتداء والاتعاظ وهم يفهمونه لأنه نزل بلغتهم فإذا سألهم سائل عن تفسير آية ذكروا له تفسيرها، وقد يسكتون عن حكم الشيء السنين الطوال لعدم وقوعه فإذا وقعت الواقعة ذكروا حكمها، فإذا جاء في القرآن حكم السحاق ولم نجد عندنا رواية عن الصحابة فيه ولا حكمًا منهم على امرأة بالحبس لأجله علمنا أن سبب هذا وذاك هو أنه لم يقع في زمنهم ويشهد به أربعة منهم، وإذا كان القرآن يضع عقابًا على فاحشة أو جريمة فيمتنع عنها أهل الإيمان فلا تقع، أو لا تظهر فيهم ولا تثبت على أحد، فهذا مما نحمد الله تعالى عليه ونحمد المؤمنين والمؤمنات، ولا نعده من المستحيلات، فالحق أن ما ذهب إليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين.
وبحثوا في جمع اللاتي يأتين الفاحشة وتثنية اللذين يأتيانها وعدوه مشكلًا، وما هو بمشكل، بل نكتته ظاهرة وهي أن النساء لما كن لا يجدن من العار في السحاق ما يجده الرجل في إتيان مثله كانت فاحشة السحاق مظنة الشيوع والإظهار بين النساء، وفاحشة اللواط مظنة الإخفاء حتى لا تكاد تتجاوز اللذين يأتيانها.
ففي التعبير بصيغة المثنى إشارة إلى ذلك وتقرير لكون فاحشة اللواط عارًا فاضحًا يتبرأ منه كل ذي فطرة سليمة، ويجوز أن يكون اختلاف التعبير بالجمع والتثنية من باب التنويع فذلك معهود في الكلام البليغ مع الأمن من الاشتباه.
<div class="verse-tafsir"