الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٥ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 176 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة ، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت; ولهذا قال : ( واللاتي يأتين الفاحشة ) يعني : الزنا ( من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك .
قال ابن عباس : كان الحكم كذلك ، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد ، أو الرجم .
وكذا روي عن عكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وعطاء الخراساني ، وأبي صالح ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، والضحاك : أنها منسوخة .
وهو أمر متفق عليه .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتربد وجهه ، فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم ، فلما سري عنه قال : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب ، والبكر بالبكر ، الثيب جلد مائة ، ورجم بالحجارة ، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة " .
وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة عن الحسن عن حطان عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا; البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " .
وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح وهكذا رواه أبو داود الطيالسي ، عن مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن حطان بن عبد الله الرقاشي ، عن عبادة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي عرف ذلك في وجهه ، فلما أنزلت : ( أو يجعل الله لهن سبيلا ) [ و ] ارتفع الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا خذوا ، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة " .
وقد روى الإمام أحمد أيضا هذا الحديث عن وكيع بن الجراح ، حدثنا الفضل بن دلهم ، عن الحسن ، عن قبيصة بن حريث ، عن سلمة بن المحبق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " .
وكذا رواه أبو داود مطولا من حديث الفضل بن دلهم ، ثم قال : وليس هو بالحافظ ، كان قصابا بواسط .
حديث آخر : قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا عباس بن حمدان ، حدثنا أحمد بن داود ، حدثنا عمرو بن عبد الغفار ، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البكران يجلدان وينفيان ، والثيبان يجلدان ويرجمان ، والشيخان يرجمان " .
هذا حديث غريب من هذا الوجه .
وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة ، عن أخيه عيسى بن لهيعة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حبس بعد سورة النساء " .
وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث ، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني ، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد ، قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية واليهوديين ، ولم يجلدهم قبل ذلك ، فدل على أن الجلد ليس بحتم ، بل هو منسوخ على قولهم ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (15) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " واللاتي يأتين الفاحشة " والنساء اللاتي يأتين = (1) بالزنا، أي يزنين (2) =" من نسائكم "، وهن محصنات ذوات أزواج أو غير ذوات أزواج =" فاستشهدوا عليهن أربعة منكم "، يقول: فاستشهدوا عليهن بما أتين به من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني: من المسلمين =" فإن شهدوا " عليهن =" فامسكوهن في البيوت "، يقول: فاحبسوهن في البيوت (3) =" حتى يتوفاهن الموت "، يقول: حتى يمتن (4) =" أو يجعل الله لهن سبيلا "، يعني: أو يجعل الله لهن مخرجًا وطريقًا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة.
(5) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 8795 - حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت "، أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن =" أو يجعل الله لهن سبيلا "، قال: الحد.
(6) 8796 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم "، قال: الزنا، كان أمر بحبسهن حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن =" أو يجعل الله لهنّ سبيلا "، والسبيل الحد.
8797 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم " إلى " أو يجعل الله لهن سبيلا "، فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنـزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [سورة النور: 2]، فإن كانا محصنين رجُما.
فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما.
8798 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " أو يجعل الله لهن سبيلا "، فقد جعل الله لهنّ، وهو الجلد والرجم.
8799 - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " واللاتي يأتين الفاحشة "، حتى بلغ: " أو يجعل الله لهن سبيلا "، كان هذا من قبل الحدود، فكانا يؤذّيان بالقول جميعًا، وبحبْس المرأة.
ثم جعل الله لهن سبيلا فكان سبيل من أحصن جلدُ مئة ثم رميٌ بالحجارة، وسبيل من لم يحصن جلد مئة ونفي سنة.
8800 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير: " الفاحشة "،" الزنا "،" والسبيل " الحدّ، الرجم والجلد.
(7) 8801 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " إلى: " أو يجعل الله لهن سبيلا "، هؤلاء اللاتي قد نكحن وأحصنّ.
إذا زنت المرأة فإنها كانت تحبس في البيت، ويأخذ زوجها مهرَها فهو له، فذلك قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ الزنا (8) وَعَاشِرُوهُنَّ &; 8-76 &; بِالْمَعْرُوفِ [سورة النساء: 19]، حتى جاءت الحدود فنسختها، فجُلدت ورُجِمت، وكان مهرها ميراثًا، فكان " السبيل " هو الجلد.
8802 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " أو يجعل الله لهن سبيلا "، قال: الحدّ، نسخ الحدُّ هذه الآية.
8803 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد: " أو يجعل الله لهن سبيلا "، قال: جلد مئة، الفاعل والفاعلة.
8804 - حدثنا الرفاعي قال، حدثنا يحيى، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الجلد.
8805 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا نـزل عليه الوحي نكَّس رأسه، ونكَّس أصحابه رؤوسهم، فلما سُرِّي عنه رفع رأسه فقال: قد جعل الله لهنّ سبيلا الثيِّبُ بالثيب، والبكر بالبكر.
أما الثيب فتُجلد ثم ترجم، وأما البكر فتجلد ثم تُنفى .
(9) 8806 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " خُذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب تجلد مئة وترجم بالحجارة، والبكر جلد مئة ونفي سنة ".
(10) 8807 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة عن الحسن، عن حطان بن عبد الله أخي بني رَقاش، عن عبادة بن الصامت: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نـزل عليه الوحي كُرِب لذلك وتربَّد له وجهه، (11) فأنـزل الله عليه ذات يوم، فلقي ذلك.
فلما سُرِّي عنه قال: " خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب، جلد مئة ثم رجم بالحجارة، والبكر بالبكر، جلد مئة ثم نفي سنة ".
(12) 8808 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا &; 8-78 &; فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا "، قال يقول: لا تنكحوهن حتى يتوفّاهن الموت، ولم يخرجهن من الإسلام.
ثم نسخ هذا، وجُعِل السبيل أن يجعل لهن سبيلا (13) قال: فجعل لها السبيل إذا زنت وهي محصنة رجمت وأخرجت، وجعل السبيل للبكر جلد مائة.
8809 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " قال، الجلد والرجم.
(14) 8810 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشيّ، عن عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيل، الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب تجلد وترجم، والبكر تجلد وتنفى " .
(15) 8811 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إسماعيل بن مسلم البصري، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت قال، كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذِ احمرَّ وجهه، وكان يفعل ذلك إذا نـزل عليه الوحي، فأخذه كهيئة الغَشْي لما يجد من ثِقَل ذلك، فلما أفاق قال: " خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا البكران يجلدان وينفيان سنة، والثيبان يجلدان ويرجمان ".
(16) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: " أو يجعل الله لهن سبيلا "، قول من قال: السبيلُ التي جعلها الله جل ثناؤه للثيبين المحصَنَيْن، الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مئة ونفي سنة = لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رَجم ولم يجلد = وإجماعِ الحجة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعةً عليه، الخطأ والسهو والكذب = وصحةِ الخبر عنه أنه قضى في البكرين بجلد مئة ونفي سنة.
فكان في الذي صح عنه من تركه جلدَ من رُجم من الزناة في عصره، دليلٌ واضح على وهَاء الخبر الذي روي عن الحسن، (17) عن حطان، عن عبادة، &; 8-81 &; عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: السبيل للثيب المحصن الجلدَ والرجم.
* * * وقد ذكر أن هذه الآية في قراءة عبد الله: ( واللاتي يأتين بالفاحشة من نسائكم ) .
والعرب تقول: " أتيت أمرًا عظيمًا، وبأمر عظيم " = و " تكلمت بكلام قبيح، وكلامًا قبيحًا ".
(18) -------------------- الهوامش : (1) قوله في تفسيره: "يأتين بالزنا" بإدخال الباء على خلاف ما في الآية سيظهر لك معناه في ص: 81 وتعليق: 1 وأن قراءة عبد الله: "واللاتي يأتين بالفاحشة" ، بالباء.
(2) انظر تفسير"الفاحشة" فيما سلف 3: 303 / 5 : 571 / 7: 218 (3) انظر تفسير"الإمساك" فيما سلف 4: 546 .
(4) انظر تفسير"التوفي" فيما سلف 6: 455 ، 456 ، وما بعدها.
(5) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف: 7: 490 بولاق تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(6) الأثر: 8795 -"أبو هشام الرفاعي ، محمد بن يزيد" مضت ترجمته برقم: 2739 ، وغيره من المواضع ، وكان في المطبوعة: "أبو هشام الرفاعي عن محمد بن يزيد" ، بزيادة"عن" وهو خطأ واضح ، وصوابه في المخطوطة.
(7) في المطبوعة: "والسبيل الرجم والجلد" ، حذف"الحد" ، وأثبتها من المخطوطة.
(8) في المطبوعة والمخطوطة: "فذلك قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ، وأحسبه سهوًا من الناسخ لا من أبي جعفر ، فإن صدر هذا الذي ساقه من آية أخرى في سورة البقرة: 229 : { وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } والعجب للسيوطي ، فإنه خرجه في الدر المنثور 2: 129 ، ونسبه لابن جرير وحده ، وساقه كما هو في المخطوطة والمطبوعة ، ولم يتوقف عند هذه الآية المدمجة من آية أخرى!!
فأثبت نص الآية التي هي موضوع استشهاده.
هذا ، وقد حذف الناشر بعد قوله: "بفاحشة مبينة" كلمة"الزنا" فأثبتها من المخطوطة ، والدر المنثور.
(9) الحديث: 8805 - هذا الحديث رواه الطبري هنا بخمسة أسانيد: 8805 - 8807 / 8810 ، 8811.
كلها صحيح متصل إلا الأخير منها ، كما سيأتي ، إن شاء الله.
وقد رواه مسلم 2: 33 ، عن محمد بن بشار - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد.
ورواه هو وغيره بأسانيد أخر ، سنشير إليها.
وحطان بن عبد الله الرقاشي البصري: تابعي ثقة ثبت ، وكان مقرئًا.
مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 109 ، وابن سعد 7 / 1 / 93 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 303 - 304 ، وطبقات القراء 1: 253.
(10) الحديث: 8806 - سعيد: هو ابن أبي عروبة.
وقد سقط من الإسناد هنا ، في المخطوطة والمطبوعة ، [عن الحسن] ، بين قتادة وحطان.
وهو خطأ من الناسخين.
فإن الحديث رواه مسلم 2: 33 ، عن ابن بشار - شيخ الطبري هنا - وعن ابن المثنى - كلاهما عن عبد الأعلى ، بهذا الإسناد ، على الصواب.
فلذلك أثبتنا ما أسقطه الناسخون.
ثم كل الروايات التي رأينا"عن قتادة" فيها هذه الزيادة ، ومنها الإسناد الذي بعد هذا ، والإسناد: 8810.
وكذلك رواه أحمد في المسند 5: 318 (حلبي) عن محمد بن جعفر ، عن سعيد ، عن قتادة.
وكذلك رواه أبو داود: 4415 ، من طريق يحيى ، عن سعيد.
وكذلك رواه البيهقي 8: 210 ، من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد.
وكذلك رواه أحمد 5: 317 ، عن طريق حماد ، عن قتادة وحميد - كلاهما عن الحسن.
(11) كان في المخطوطة"كرب لتلك" ، والصواب من روايات الحديث ، وصححته المطبوعة السالفة.
وقوله: "كرب" بالبناء للمجهول من"كربه الأمر يكربه" ، غمه واشتد عليه.
وقوله: "تربد وجهه"؛ تغير لونه إلى الغبرة.
وقوله بعد: "سرى عنه" بالبناء للمجهول ، تجلى عنه ، كربه ، من قولهم: "سرا الثوب" ، إذا نزعه ، والتشديد للمبالغة.
(12) الأثر: 8807 - انظر التعليق على الحديث 8805.
(13) كان في المطبوعة: "ثم نسخ هذا وجعل السبيل التي ذكر أن يجعل..." زاد"التي ذكر" ولا خير في زيادتها ، والذي في المخطوطة كما أثبته ، مستقيم بعض الاستقامة ، إذا قرئت"جعل" بالبناء للمجهول ، فتركتها كذلك مخافة أن تكون صوابًا محضًا ، وإن كنت الآن في ريب منه.
(14) في المطبوعة: "حدثني يحيى بن أبي طالب قال أخبرنا جويبر" ، أسقط من الإسناد"يزيد" ، وهو من المخطوطة ، وهو إسناد دائر في التفسير.
(15) الحديث: 8810 - [ابن] المثنى: هو"محمد بن المثنى" شيخ الطبري.
وكلمة [ابن] سقطت من المطبوعة خطأ.
وهي ثابتة في المخطوطة.
"محمد بن جعفر": هو غندر ، صاحب شعبة.
ووقع في المطبوعة"محمد بن أبي جعفر"!
وهو خطأ ظاهر.
وثبت على الصواب في المخطوطة.
والحديث - من هذا الوجه - رواه أحمد في المسند 5: 320 ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة.
وكذلك رواه مسلم 2: 33 ، عن محمد بن المثنى -شيخ الطبري هنا - وعن ابن بشار = كلاهما عن شعبة.
ورواه أحمد أيضًا 5: 320 ، عن يحيى ، عن حجاج ، عن شعبة.
ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار 2: 79 ، من طريق أسد بن موسى ، عن شعبة.
وكذلك رواه حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حطان ، عن عبادة - عند الدارمي في سننه 2: 181.
وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن الحسن البصري ، ذكروا أنه"عن الحسن ، عن حطان الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت".
وقليل منهم لم يذكروا في الإسناد"عن حطان" - كما سنذكر في الإسناد التالي لهذا.
فالظاهر أن الحسن سمعه من حطان عن عبادة ، وكذلك كان يرويه.
وأنه في بعض أحيانه كان يرسله عن عبادة ، فلا يذكر"عن حطان".
فمن رواه عنه موصولا ، بإثبات"حطان" في الإسناد: المبارك بن فضالة ، عند الطيالسي في مسنده: 584.
ومنصور بن زاذان ، عند أحمد في المسند 5: 313 ، وسنن الدارمي 2: 181 ، وصحيح مسلم 2: 33 ، وسنن أبي داود: 4416 ، والترمذي 2: 242 ، والمنتقى لابن الجارود ، ص: 371 -372 ، والطحاوي 2: 79 ، وابن النحاس في الناسخ والمنسوخ ، ص: 97 ، والبيهقي في السنن الكبرى 8: 221-222.
ولم ينفرد الحسن بروايته عن حطان ، بل رواه أيضًا يونس بن جبير.
فرواه ابن ماجه: 2550 ، من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن يونس بن جبير ، عن حطان بن عبد الله ، عن عبادة بن الصامت.
فكان لقتادة فيه شيخان الحسن ويونس.
(16) الحديث: 8811 - هذا هو الإسناد الخامس المنقطع ، كما أشرنا في الإسناد الأول: 8805.
يحيى بن إبراهيم المسعودي- شيخ الطبري: مضت ترجمته في رقم: 84 في الجزء الأول.
إسماعيل بن مسام البصري: مضت ترجمته في: 5417.
وهو قد روى هذا الحديث"عن الحسن ، عن عبادة" - منقطعًا.
لأن الحسن البصري لم يسمع من عبادة.
ولم ينفرد إسمعيل بروايته عن الحسن منقطعًا ، بل تابعه غيره على ذلك.
مما يدل على أن الحسن كان يصل الحديث مرة عن حطان ، ويرسله مرة عن عبادة.
فرواه الشافعي في الرسالة: 378 ، 636 - بشرحنا - وفي اختلاف الحديث (هامش الأم 7: 252) ، عن عبد الوهاب ، وهو ابن عبد المجيد الثقفي ، "عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن عبادة بن الصامت".
ثم قال في الرسالة: 379"أخبرنا الثقة من أهل العلم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن ، عن حطان الرقاشي ، عن عبادة بن الصامت".
وقال في اختلاف الحديث - بعد روايته عن عبد الوهاب -: "وقد حدثني الثقة: أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة: حطان الرقاشي.
ولا أدري: أدخله عبد الوهاب بينهما فزال من كتابي حين حولته من الأصل ، أم لا؟
والأصل - يوم كتبت هذا الكتاب - غائب عني".
وقد ذكره في الأم 6: 119 ، معلقًا ، جازمًا بالزيادة ، فقال: "ثم روى الحسن ، عن حطان الرقاشي ، عن عبادة".
فلا أدري: أجزم بأن عبد الوهاب"أدخله بينهما" - بعد ، أم أراد رواية ما حدثه به"الثقة"؟
ولم أجد رواية"يونس بن عبيد" في موضع آخر ، حتى أستطيع اليقين بأي ذلك كان.
ورواه أيضًا - منقطعًا - : "جرير بن حازم ، عن الحسن ، عن عبادة" - عند الطيالسي: 584 ، وأحمد في المسند 5: 327 (حلبي) ، والبيهقي في السنن 8: 210.
وكذلك رواه - منقطعًا -: "حميد ، عن الحسن ، عن عبادة" - عند أحمد في المسند 5: 317 (حلبي).
والحديث صحيح على كل حال.
وقد ظهر وصل الروايات المنقطعة بالروايات الموصولة.
وقد ذكره ابن كثير 2: 375 ، عن بعض روايات أحمد ، والطيالسي ، ومسلم ، وأصحاب السنن.
وذكره السيوطي 2: 129 ، وزاد نسبته لعبد الرزاق ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان.
(17) في المطبوعة: "على وهي الخبر" ، وأثبت ما في المخطوطة لما سترى بعد.
وذلك أني صححتها في الجزء 4: 18 ، فجعلت العبارة"لوهي أسانيدها ، وأنها مع وهي أسانيدها" مصدر"وهى الشيء يهي وهيًا" ثم فعلت ذلك في الجزء نفسه ص: 155 ، وقلت في التعليق: 1 ، إني أخشى أن يكون ذلك من ناسخ التفسير ، لا من أبي جعفر ، ونقلت قول المطرزي في المغرب أن قول الفقهاء"وهاء" أنه خطأ ، ولا يعتد به ، ثم فعلت ذلك في الجزء الرابع نفسه ص: 361 ، تعليق: 3.
وكذلك فعلت في الجزء 6: 85 ، تعليق: 2.
بيد أني رأيت الآن أن أثبت ما في المخطوطة ، لأنه تكرر مرارًا كثيرة يمتنع معها ادعاء خطأ الناسخ في نسخه ، هذه واحدة.
وأخرى أنه قد وقعت لي أجزاء من كتاب أبي جعفر الطبري"تهذيب الآثار" وهما قطعتان بخطين مختلفين عتيقين ، فوجدت فيهما أنه يكتب"وهاء" ، لا"وهى" ، فرجحت أن أبا جعفر كذلك كان يكتبها ، وإن كان المطرزي يقول إنه خطأ ولا يعتد به.
(18) انظر معاني القرآن للفراء 1: 258.
قوله : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلافيه ثمان مسائل :الأولى : لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن ، وانجر الأمر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال ، ذكر أيضا التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة ، لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف .الثانية : قوله تعالى : " واللاتي " اللاتي جمع التي ، وهو اسم مبهم للمؤنث ، وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير ، ولا يتم إلا بصلته ؛ وفيه ثلاث لغات كما تقدم .
ويجمع أيضا " اللات " بحذف الياء وإبقاء الكسرة ؛ و " اللائي " بالهمزة وإثبات الياء ، و " اللاء " بكسر الهمزة وحذف الياء ، و " اللا " بحذف الهمزة .
فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي ، وفي اللاء : اللوائي .
وقد روي عنهم " اللوات " بحذف الياء وإبقاء الكسرة ؛ قاله ابن الشجري .
قال الجوهري : أنشد أبو عبيد :من اللواتي والتي واللاتي زعمن أن قد كبرت لداتواللوا بإسقاط التاء .
وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد ؛ قال الراجز ( العجاج ) :بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها نفس تودتوبعض الشعراء أدخل على " التي " حرف النداء ، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه [ ص: 74 ] الألف واللام إلا في قولنا : يا الله وحده ؛ فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها .
وقال :من أجلك يالتي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عنيويقال : وقع في اللتيا والتي ؛ وهما اسمان من أسماء الداهية .الثالثة : قوله تعالى : يأتين الفاحشة الفاحشة في هذا الموضع الزنا ، والفاحشة الفعلة القبيحة ، وهي مصدر كالعاقبة والعافية .
وقرأ ابن مسعود " بالفاحشة " بباء الجر .الرابعة : قوله تعالى : من نسائكم إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات ؛ كما قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم .الخامسة : قوله تعالى : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم أي من المسلمين ، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد .
وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن ؛ قال الله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة وقال هنا : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم .
وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوه بابني صوريا فنشدهما : كيف تجدان أمر هذين في التوراة ؟
قالا : نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما .
قال : فما يمنعكما أن ترجموهما ؛ قالا : ذهب سلطاننا فكرهنا القتل ؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما .
وقال قوم : إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ؛ إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما ؛ وهذا ضعيف ؛ فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا .[ ص: 75 ] السادسة : ولا بد أن يكون الشهود ذكورا ؛ لقوله : منكم ولا خلاف فيه بين الأمة .
وأن يكونوا عدولا ؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة ، وهذا أعظم ، وهو بذلك أولى .
وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل ، على ما هو مذكور في أصول الفقه .
ولا يكونون ذمة ، وإن كان الحكم على ذمية ، وسيأتي ذلك في " المائدة " وتعلق أبو حنيفة بقوله : أربعة منكم في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن .
وسيأتي بيانه في " النور " إن شاء الله تعالى .السابعة : قوله تعالى : فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت هذه أول عقوبات الزناة ؛ وكان هذا في ابتداء الإسلام ؛ قاله عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده ، ثم نسخ ذلك بآية " النور " وبالرجم في الثيب .
وقالت فرقة : بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك ، ولكن التلاوة أخرت وقدمت ؛ ذكره ابن فورك ، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة ، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن ؛ قاله ابن العربي .الثامنة : واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو توعدا بالحد على قولين :أحدهما : أنه توعد بالحد ، والثاني : ( أنه حد ) ؛ قاله ابن عباس والحسن .
زاد ابن زيد : وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه .
وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد ؛ غير أن ذلك الحكم كان ممدودا إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى ، على اختلاف التأويلين في أيهما قبل ؛ وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم .
وهذا نحو قوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه .
هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين ، فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما ، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير والجلد والرجم ، وقد قال بعض العلماء : إن الأذى والتعيير باق مع الجلد ؛ لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص [ ص: 76 ] واحد .
وأما الحبس فمنسوخ بإجماع ، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز .
والله أعلم .
أي: النساء { اللاتي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ } أي: الزنا، ووصفها بالفاحشة لشناعتها وقبحها.
{ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } أي: من رجالكم المؤمنين العدول.
{ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } أي: احبسوهن عن الخروج الموجب للريبة.
وأيضا فإن الحبس من جملة العقوبات { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ } أي: هذا منتهى الحبس.
{ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } أي: طريقا غير الحبس في البيوت، وهذه الآية ليست منسوخة، وإنما هي مغياة إلى ذلك الوقت، فكان الأمر في أول الإسلام كذلك حتى جعل الله لهن سبيلا، وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن.
قوله عز وجل : ( واللاتي يأتين الفاحشة ) يعني : الزنا ، ( من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) يعني : من المسلمين ، وهذا خطاب للحكام ، أي : فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود ، وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود .
( فإن شهدوا فأمسكوهن ) فاحبسوهن ، ( في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) وهذا كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود ، كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ، ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب ، وفي حق الثيب بالجلد والرجم .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أخبرنا الشافعي رضي الله عنه أخبرنا عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خذوا عني خذوا عني : قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " ، قال الشافعي رضي الله عنه : وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة حطان الرقاشي ، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فنزل عن كتابي أم لا .
قال شيخنا الإمام : الحديث صحيح رواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة ، ثم نسخ الجلد في حق الثيب وبقي الرجم عند أكثر أهل العلم .
وذهب طائفة إلى أنه يجمع بينهما .
روي عن علي رضي الله عنه : أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة ، وقال : " جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
وعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما .
وعند أبي حنيفة رضي الله عنه : التغريب أيضا منسوخ في حق البكر .
وأكثر أهل العلم على أنه ثابت ، روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب ، وأن أبا بكر رضي الله عنه ضرب وغرب ، وأن عمر رضي الله عنه ضرب وغرب .
واختلفوا في أن الإمساك في البيت كان حدا فنسخ أم كان حبسا ليظهر الحد؟
على قولين .
(واللاتي يأتين الفاحشة) الزنا (من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) أي من رجالكم المسلمين (فإن شهدوا) عليهن بها (فأمسكوهن) احبسوهن (في البيوت) وامنعوهن من مخالطة الناس (حتى يتوفاهن الموت) أي ملائكته (أو) إلى أن (يجعل الله لهن سبيلا) طريقا إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مائة وتغريبها عاما ورجم المحصنة، وفي الحديث لما بين الحد قال "" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا "" رواه مسلم.
واللاتي يزنين من نسائكم، فاستشهدوا -أيها الولاة والقضاة- عليهن أربعة رجال عدول من المسلمين، فإن شهدوا عليهن بذلك فاحبسوهن في البيوت حتى تنتهي حياتهن بالموت، أو يجعل الله لهن طريقًا للخلاص من ذلك.
وبعد أن أمر - سبحانه - بالإحسان إلى النساء .
وبمعاشرتهن معاشرة كريمة ، وبين حقوقهن فى الميراث ، أتبع ذلك ببيان حكمه - سبحانه - فى الرجال والنساء إذا ما ارتكبوا فاحشة الزنا فقال - تعالى - : ( واللاتي يَأْتِينَ .
.
.
.
.
تَوَّاباً رَّحِيماً ) .وقوله : ( واللاتي ) جمع التى .
وهى تستعمل فى جمع من يعقل .
أما إذا أريد جمع ما لا يعقل من المؤنث فإنه يقال : التى تقول : أكرمت النسوة اللاتى حضرن .
وتقول : نزعت الأثواب التى كنت ألبسها .
وهذا هو الرأى المختار .وبعضهم يسوى بينهم فيقول فى الجمع المؤنث لغير العاقل : اللاتى .وقوله ( يَأْتِينَ ) من الإِتيان ويطلق فى الأصل على المجئ إلى شئ .
والمراد به هنا الفعل .
أى واللاتى يفعلن ( الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ) .والفاحشة : هي الفعلة القبيحة .
وهى مصدر كالعافية .
يقال فحش الرجل يفحش فحشا .وأفحش : إذا جاء بالقبح من القول أو الفعل .والمراد بها هنا : الزنا .وقوله : ( مِن نِّسَآئِكُمْ ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل ( يَأْتِينَ ) أى : يأتين الفاحشة حال كونهن من نسائكم .والمراد بالنساء فى قوله ( مِن نِّسَآئِكُمْ ) : النساء اللاتى قد أحصن بالزواج سواء أكن مازلن فى عصمة أزواجهن أم لا .
وهذا رأى جمهور الفقهاء .
وبعضهم يرى أن المراد بالنساء هنا مطلق النساء سواء أكن متزوجات أم أبكاراً .والمعنى : أن الله - تعالى - يبين لعباده بعض الأحكام المتعلقة بالنساء فيقول :أخبركم - أيها المؤمنون - بأن اللاتى يأتين فاحشة الزنا من نسائكم ، بأن فعلن هذه الفاحشة المنكرة وهن متزوجات أو سبق لهن الزواج .( فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ) أى : فاطلبوا أن يشهد عليهن بأنهن أتين هذه الفاحشة المنكرة أربعة منكم أى من الرجال المسلمين الأحرار .وقوله : ( فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ) أى فإن شهد هؤلاء الأربعة بأن هؤلاء النسوة قد أتين هذه الفاحشة ، فعليكم فى هذه الحالة أن تحبسوا هؤلاء النسوة فى البيوت ولا تمكنوهن من الخروج عقوبة لهن ، وصيانة لهن عن تكرار الوقوع فى هذه الفاحشة المنكرة ، وليستمر الأمر على ذلك ( حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ) أى حتى يقبض أرواحهن الموت .
أو حتى يتوفاهن ملك الموت .وقوله : ( أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ) أى : أو يجعل الله لهن مخرجا من هذا الإِمساك فى البيوت ، بأن يشرع لهن حكما آخر .وقوله : ( واللاتي ) فى محل رفع مبتدأ .
وجملة ( فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ) خبره .وجاز دخول الفاء الزائدة فى الخبر .
لأن المبتدأ أشبه الشرط فى كونه موصولا عاما صلته فعل مستقبل .وعبر - سبحانه - عن ارتكاب فاحشة الزنا بقوله : ( يَأْتِينَ ) لمزيد التقبيح والتشنيع على فاعلها : لأن مرتكبها كأنه ذهب إليها عن قصد حتى وصل إليها وباشرها .واشترط - سبحانه - شهادة أربعة من الرجال المسلمين الأحرار؛ لأن الرمى بالزنا من أفحش ما ترمى به المرأة والرجل ، فكان من رحمة الله وعدله أن شدد فى إثبات هذه الفاحشة أبلغ ما يكون التشديد ، فقرر عدم ثبوت هذه الجريمة إلا بشهادة أربعة من الرجال بحيث لا تقبل فى ذلك شهادة النساء .قال الزهرى : مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء فى الحدود .وقرر أن تكون الشهادة بالمعاينة لا بالسماع ، ولذا قال ( فَإِن شَهِدُواْ ) أى إن ذكروا أنهم عاينوا ارتكاب هذه الجريمة من مرتكبيها .
وشهدوا على ما عاينوه وأبصروه ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ) .وحتى فى قوله .
( حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ) بمعنى إلى .
والفعل بعدها منصوب بإضمار أن وهى متعلقة بقوله ( فَأَمْسِكُوهُنَّ ) غاية له .والمراد بالتوفى أصل معناه أى الاستيفاء وهو القبض تقول : توفيت مالى الذى على فلان واستوفيته إذا قبضته .
وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك .
والكلام على حذف مضاف أى : حتى يقبض أرواحهن الموت .
أو حتى يتوفاهن ملائكة الموت .و " أو " فى قوله ( أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ) ، للعطف ، فقد عطفت قوله ( يَجْعَلَ ) على قوله : ( يَتَوَفَّاهُنَّ ) فيكون الجعل غاية لإمساكهن أيضا .فيكون المعنى .
أمسكوهن فى البيوت إلى أن يتوفاهن الموت ، أو إلى أن يجعل الله لهن سبيلا أى مخرجا من هذه العقوبة .وقد جعل الله - تعالى - هذا المخرج بما شرعه بعد ذلك من حدود بأن جعل عقوبة الزانى البكر : الجلد .
وجعل عقوبة الزانى الثيب : الرجم وقد رجم النبى - صلى الله عليه وسلم - ماعز بن مالك الأسلمى ، ورجم الغامدية ، وكانا محصنين .قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : كان الحكم فى ابتداء الإِسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة حبست فى بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت ، ولهذا قال - تعالى - : ( واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ ) الآية .
فالسبيل الذى جعله الله هو الناسخ لذلك - أى لإمساكهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت - .قال ابن عباس : كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سروة النور فنسخه بالجلد أو الرجم .وكذلك روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة .
وهو أمر متفق عليه .روى الإِمام أحمد عن عبادة بن الصامت قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى أثر عليه وكرب لذلك وتغير وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال : خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا ، الثيب بالثيب .
والبكر بالبكر .
الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة .
والبكر جلد مائة ونفى سنة " .وقد رواه مسلم وأصحاب السننن من طرق عبادة بن الصامت .هذا وما ذكره ابن كثير من أن هذا الحكم كان فى ابتداء الإِسلام ، ثم نسخ بما جاء فى سورة النور وبما جاء فى حديث عبادة بن الصامت ، هو مذهب جمهور العلماء .وقال صاحب الكشاف : ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوما بالكتاب والسنة ، ويوصى بإمساكهن فى البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال .( أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ) هو النكاح الذى يستغنين به عن السفاح وقيل السبيل : الحد ، لأنه لم يكن مشروعا فى ذلك الوقت .وقال أبو سليمان الخطابى : هذه الآية ليست منسوخة ، لأن قوله ( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ) ألخ ، يدل على أن إمساكهن فى البيوت ممتد إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا ، وذلك السبيل كان مجملا ، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عنى .
ألخ ، صار هذا الحديث بيانا لتلك الآية لا ناسخا لها .
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالاحسان الى النساء ومعاشرتهن بالجميل، وما يتصل بهذا الباب، ضم الى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، فان ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن، وأيضا ففيه فائدة أخرى: وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالاحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك، وأيضا فيه فائدة ثالثة، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الانصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الافراط والتفريط، فقال: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اللاتي: جمع التي، وللعرب في جمع التي لغات: اللاتي واللات واللواتي واللوات.
قال أبو بكر الانباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ﴿ أموالكم التى جَعَلَ الله لَكُمْ قياما ﴾ وقال في هذه: اللاتي واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد، وأما جمع الحيوان فليس كذلك، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات، فهذا هو الفرق، ومن العرب من يسوي بين البابين، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأول هو المختار.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ أي يفعلنها يقال: أتيت أمرا قبيحا، أي فعلته قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ وقال: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ وفي التعبير عن الاقدام على الفواحش بهذه العبارة لطيفة، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها، بل المكلف كأنه ذهب اليها من عند نفسه، واختارها بمجرد طبعه، فلهذه الفائدة يقال: إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب اليها، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة.
وفي قراءة ابن مسعود: يأتين بالفاحشة، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة وهي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل.
وأجمعوا على أن الفاحشة هاهنا الزنا، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.
فان قيل: الكفر أقبح منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يسمى ذلك فاحشة.
قلنا: السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الإنسان ثلاثة: القوة الناطقة، والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوة الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما أشبهها، وأخس هذه القوى الثلاثة: القوة الشهوانية، فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده.
المسألة الثالثة: في المراد بقوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ قولان: الأول: المراد منه الزنا، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا، فاذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلا، وهذا قول جمهور المفسرين.
والقول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد بقوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ السحاقات، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ أهل اللواط، وحدهما الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور: الزنا بين الرجل والمرأة، وحده في البكر الجلد، وفي المحصن الرجم، واحتج ابو مسلم عليه بوجوه: الأول: أن قوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ ﴾ مخصوص بالنسوان، وقوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ مخصوص بالرجال، لأن قوله: ﴿ واللذان ﴾ تثنية الذكور.
فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ واللذان ﴾ الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ المذكر.
قلنا: لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعد قوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ سقط هذا الاحتمال.
الثاني: هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات، بل يكون حكم كل واحدة منها باقيا مقرراً، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ، فكان هذا القول أولى.
والثالث: أن على الوجه الذي ذكرتم يكون قوله: ﴿ واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ في الزنا وقوله: ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يكون أيضا في الزنا، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى.
الرابع: أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ بالرجم والجلد والتغريب، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن.
قال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ وأما نحن فانا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح، ثم قال أبو مسلم: ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه: الأول: أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا.
والثاني: أنه روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: «قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد».
وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة.
الثالث: أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة.
والجواب عن الأول: أن هذا اجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد، وهو من أكابر المفسرين، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز.
والجواب عن الثاني: أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز.
والجواب عن الثالث: أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي؟
وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالاثبات، فلهذا لم يرجعوا إليها.
المسألة الرابعة: زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة، وقال أبو مُسْلِم: إنها غيرُ منسوخة، أما المفسرون: فقد بنوا هذا على أصلهم، وهو أن هذه الآية في بيان حكم الزنا، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين: فالأول: أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم» ثم ان هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي: لا ينسخ واحد منهما بالآخر.
والقول الثاني: أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجَلْد.
واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال: القول الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله: خذوا عني فائدة فوجب أن يكون قوله: خذوا عني متقدما على آية الجلد، وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد، فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر.
واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين: الأول: ما ذكره أبو سليمان الخطابي في معالم السنن فقال: لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث ألبتة، وذلك لأن قوله تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ يدل على أن امساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى» صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخا لها وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لاحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى، أولى من الحكم بوقوع النسخ مراراً، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فانه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو؟
فلابد لها من المبين، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية الحبس مخصصا لآية الجلد، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ثلاثة أوجه: الأول: آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم، فظهر أن الذي قلناه هو الحق الذي لا شك فيه.
الوجه الثاني: في دفع كلام الرازي: انك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية الجلد متقدمة على قوله: خذوا عني فلم قلت انه يجب أن تكون هذه الآية متأخرة عنه؟
ولم لا يجوز أن يقال: إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟
وتقديره أن قوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ مخصوص بالاجماع في حق الثيب المسلم، وتأخير بيان المخصص عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة، لما أنه يوهم التلبيس، واذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا لنزول قوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ وعلى هذا التقدير سقط قولك: ان الحديث كان متقدما على آية الجلد.
هذا كله تفريع على قول من يقول: هذه الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة، فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة، وأما على قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة والله أعلم.
المسألة الخامسة: القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم سؤالات: السؤال الأول: ما المراد من قوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ ﴾ ؟
الجواب فيه وجوه: أحدها: المراد، من زوجاتكم كقوله: ﴿ والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ .
وثانيها: من نسائكم، أي من الحرائر كقوله: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ والغرض بيان أنه لا حد على الاماء.
وثالثها: من نسائكم، أي من المؤمنات.
ورابعها: من نسائكم، أي من الثيبات دون الأبكار.
السؤال الثاني: ما معنى قوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ ؟
الجواب: فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، والحكمة فيه ان المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فاذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، وإذا استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا.
السؤال الثالث: ما معنى ﴿ يَتَوَفَّاهُنَّ الموت ﴾ والموت والتوفي بمعنى واحد، فصار في التقدير: أو يميتهن الموت؟
الجواب: يجوز أن يراد.
حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت ﴾ أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن.
السؤال الرابع: انكم تفسرون قوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ بالحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «قد جعل الله لهن سبيلا البكر تجلد والثيب ترجم» وهذا بعيد، لأن هذا السبيل عليها لا لها، فان الرجم لا شك أنه أغلظ من الحبس.
والجواب: أن النبي عليه الصلاة والسلام فسر السبيل بذلك فقال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ولما فسر الرسول صلى الله عليه وسلم السبيل بذلك وجب القطع بصحته، وأيضا: له وجه في اللغة فان المخلص من الشيء هو سبيل له، سواء كان أخف أو أثقل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ يرهقنها.
يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها بمعنى.
وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ يأتين بالفاحشة ﴾ .
والفاحشة: الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ قيل معناه: فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، وكان ذلك عقوبتهن في أول الإسلام.
ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿ الزانية والزانى...
﴾ الآية [النور: 2] ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذلك الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال ﴿ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح.
وقيل: السبيل هو الحد، لأنه لم يكن مشروعاً ذلك الوقت.
فإن قلت: ما معنى يتوفاهن الموت والتوفي والموت بمعنى واحد، كأنه قيل: حتى يميتهن الموت؟
قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ﴾ [النحل: 28] ﴿ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة ﴾ [النساء: 97] ، ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت ﴾ [السجدة: 11] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ واللذان يأتيانها مِنكُمْ ﴾ يريد الزاني والزانية ﴿ فَأاذُوهُمَا ﴾ فوبخوهما وذمّوهما وقولوا لهما: أما استحييتما، أما خفتما الله ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾ واقطعوا التوبيخ والمذمة، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب، ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود العاثرين على سرهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عنهما ولا تتعرضوا لهما.
وقيل: نزلت الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين.
وقرئ: ﴿ واللذانّ ﴾ بتشديد النون.
﴿ واللذأنِّ ﴾ : بالهمزة وتشديد النون.
<div class="verse-tafsir"
واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم أيْ يَفْعَلْنَها، يُقالُ: أتى الفاحِشَةَ وجاءَها وغَشِيَها ورَهِقَها إذا فَعَلَها، والفاحِشَةُ الزِّنا لِزِيادَةِ قُبْحِها وشَناعَتِها.
فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فاطْلُبُوا مِمَّنْ قَذَفَهُنَّ أرْبَعَةً مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ تَشْهَدُ عَلَيْهِنَّ.
فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ فاحْبِسُوهُنَّ في البُيُوتِ واجْعَلُوها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ.
حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ يَسْتَوْفِي أرْواحَهُنَّ المَوْتُ، أوْ يَتَوَفّاهُنَّ مَلائِكَةُ المَوْتِ.
قِيلَ: كانَ ذَلِكَ عُقُوبَتَهُنَّ في أوائِلِ الإسْلامِ فَنُسِخَ بِالحَدِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّوْصِيَةَ بِإمْساكِهِنَّ بَعْدَ أنْ يُجْلَدْنَ كَيْلا يَجْرِيَ عَلَيْهِنَّ ما جَرى بِسَبَبِ الخُرُوجِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّجالِ، لَمْ يَذْكُرِ الحَدَّ اسْتِغْناءً بِقَوْلِهِ تَعالى: الزّانِيَةُ والزّانِي أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا كَتَعْيِينِ الحَدِّ المُخَلِّصِ عَنِ الحَبْسِ، أوِ النِّكاحِ المُغْنِي عَنِ السِّفاحِ.
<div class="verse-tafsir"
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)
ثم خاطب الحكام فقال {واللاتي} هي جمع التي وموضعها رفع بالابتداء {يَأْتِينَ الفاحشة} أي الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح يقال أتى الفاحشة وجاءها ورهقها وغشيها بمعنى {مِّن نِّسَائِكُمُ} من للتبعيض والخبر {فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ} فاطلبوا الشهادة {أَرْبَعةً مّنْكُمْ} من المؤمنين {فَإِن شَهِدُواْ} بالزنا {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت} فاحبسوهن {حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت} أي ملائكة الموت كقوله الذين تتوفاهم الملائكة أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن {أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ} قيل أو بمعنى إلا أن {سبيلا} غيرهذه عن ابن عباس رضى الله عنهما السبيل للبكر جلد مائة وتغريب عام وللثيب الرجم لقوله عليه السلام خذوا عنى خذو عني قد
جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة
﴿ واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّجالِ والنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ، و( اللّاتِي ) جَمْعُ الَّتِي عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِيلَ: هي صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ، ومَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والفاحِشَةُ ما اشْتَدَّ قُبْحُهُ، واسْتُعْمِلَتْ كَثِيرًا في الزِّنا لِأنَّهُ مِن أقْبَحِ القَبائِحِ، وهو المُرادُ هُنا عَلى الصَّحِيحِ، والإتْيانُ في الأصْلِ المَجِيءُ، وفي «الصَّحّاحِ» يُقالُ: أتَيْتُهُ أتْيًا قالَ الشّاعِرُ: فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أتْيِ العَسْكَرِ وأتَوْتُهُ أتْوَةً لُغَةٌ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: كُنْتُ إذا أتَوْتُهُ مِن غَيْبِ وفِي «القامُوسِ» أتَوْتُهُ أتْوَةً وأتَيْتُهُ أتْيًا وإتْيانًا وإتْيانَةً بِكَسْرِهِما، ومَأْتاةً وإتِيًّا كَعِتِيٍّ، ويُكْسَرُ جِئْتُهُ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ كالمَجِيءِ والرَّهَقِ والغِشِيِّ عَنِ الفِعْلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وهو المُرادُ هُنا فالمَعْنى يَفْعَلْنَ الزِّنا أيْ يَزْنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّهْجِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( يَأْتِينَ ) بِالفاحِشَةِ - فالإتْيانُ عَلى أصْلِهِ المَشْهُورِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ( يَأْتِينَ ) والمُرادُ مِنَ النِّساءِ كَما قالَ السُّدِّيُّ وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ - النِّساءَ اللّاتِي قَدْ أُنْكِحْنَ وأُحْصِنَّ ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ﴿ فاسْتَشْهِدُوا ﴾ أيْ فاطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ ﴿ عَلَيْهِنَّ ﴾ بِإتْيانِهِنَّ الفاحِشَةَ ﴿ أرْبَعَةً مِنكُمْ ﴾ أيْ أرْبَعَةً مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ وأحْرارِهِمْ قالَ الزُّهْرِيُّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ والخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ أنْ لا تُقْبَلَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ»، واشْتَرَطَ الأرْبَعَةُ في الزِّنا تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقِيلَ: لِيَقُومَ نِصابُ الشَّهادَةِ كامِلًا عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الزّانِيَيْنِ كَسائِرِ الحُقُوقِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ مَزِيدَةٌ فِيهِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، وجازَ الإخْبارُ بِذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ صارَ في حُكْمِ الشَّرْطِ حَيْثُ وصَلَتِ اللّاتِي بِالفِعْلِ قالَهُ أبُو البَقاءِ وذَكَرَ أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْسُنِ النَّصْبُ عَلى الِاشْتِغالِ لِأنَّ تَقْدِيرَ الفِعْلِ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ، وتَقْدِيرُهُ بَعْدَ الصِّلَةِ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ غَيْرِ فاسْتَشْهِدُوا لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ النَّصْبُ في اللّاتِي، وذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الِابْتِداءِ وأجازَ قَوْمٌ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اقْصِدُوا اللّاتِي أوْ تَعَمَّدُوا، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ اللّاتِي، فالجارُّ والمَجْرُورُ هو الخَبَرُ وحُكْمٌ هو المُبْتَدَأُ فَحُذِفا لِدَلالَةِ فاسْتَشْهَدُوا لِأنَّهُ الحُكْمُ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْحُكّامِ، وقِيلَ: لِلْأزْواجِ.
﴿ فَإنْ شَهِدُوا ﴾ عَلَيْهِنَّ بِالإتْيانِ.
﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ ﴾ أيْ فاحْبِسُوهُنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ ﴿ فِي البُيُوتِ ﴾ واجْعَلُوها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ ﴿ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ ﴾ المُرادُ بِالتَّوَفِّي أصْلُ مَعْناهُ أيِ الِاسْتِيفاءُ وهو القَبْضُ تَقُولُ: تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ واسْتَوْفَيْتُهُ إذا قَبَضْتَهُ.
وإسْنادُهُ إلى المَوْتِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمَعْنى حَتّى يَقْبِضَ أرْواحَهُنَّ المَوْتُ ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ التَّوَفِّي مَعْناهُ المَشْهُورُ إذْ يَصِيرُ الكَلامُ بِمَنزِلَةِ حَتّى يُمِيتَهُنَّ المَوْتُ ولا مَعْنى لَهُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ يُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ أيْ مَلائِكَةُ المَوْتِ، أوْ يُجْعَلَ الإسْنادُ مَجازًا مِن إسْنادِ ما لِلْفاعِلِ الحَقِيقِيِّ إلى أثَرِ فِعْلِهِ.
﴿ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ أيْ مَخْرَجًا مِنَ الحَبْسِ بِما يَشْرَعُهُ مِنَ الحَدِّ لَهُنَّ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأخْرَجَ الإمامانِ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وارْبَدَّ وجْهُهُ»، وفي لَفْظٍ لِابْنِ جَرِيرٍ «يَأْخُذُهُ كَهَيْئَةِ الغِشِيِّ لِما يَجِدُ مِن ثِقَلِ ذَلِكَ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ذاتَ يَوْمٍ فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: ”خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ والبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ»“ ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ أوَّلَ الإسْلامِ إذا شَهِدَ عَلَيْها أرْبَعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ بِالزِّنا حُبِسَتْ في السَّجْنِ فَإنْ كانَ لَها زَوْجٌ أخَذَ المَهْرَ مِنها ولَكِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْها مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولَيْسَ عَلَيْها حَدٌّ ولا يُجامِعُها.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ كانَتِ المَرْأةُ في بَدْءِ الإسْلامِ إذا زَنَتْ حُبِسَتْ في البَيْتِ وأخَذَ زَوْجُها مَهْرَها حَتّى جاءَتِ الحُدُودُ فَنَسَخَتْها، وحِكايَةُ النَّسْخِ قَدْ ورَدَتْ في غَيْرِ ما طَرِيقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والنّاسِخُ عِنْدَ بَعْضِ آيَةِ الجَلَدِ عَلى ما في سُورَةِ النُّورِ وعِنْدَ آخَرِينَ إنَّ آيَةَ الحَبْسِ نُسِخَتْ بِالحَدِيثِ، والحَدِيثُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ الجَلَدِ، وآيَةُ الجَلَدِ بِدَلائِلِ الرَّجْمِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «مِنَ الجائِزِ أنْ لا تَكُونَ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِأنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، ويُوصِي بِإمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ بَعْدَ أنْ يَحْدُدْنَ صِيانَةً لَهُنَّ عَنْ مَثَلِ ما جَرى عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ الخُرُوجِ مِنَ البُيُوتِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّجالِ، ويَكُونُ السَّبِيلُ عَلى هَذا النِّكاحِ المُغْنِي عَنِ السِّفاحِ» وقالَ الشَّيْخُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ في «مَعالِمِ السُّنَنِ»: إنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ في الآيَةِ ولا في الحَدِيثِ وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ إمْساكَهُنَّ في البُيُوتِ مَمْدُودٌ إلى غايَةِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ سَبِيلًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السَّبِيلَ كانَ مُجْمَلًا فَلَمّا قالَ : «خُذُوا عَنِّي» إلى آخِرِ ما في الحَدِيثِ صارَ ذَلِكَ بَيانًا لِما في تِلْكَ الآيَةِ لا ناسِخًا لَهُ، وصارَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ آيَةِ الجَلْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ما يَنْفَعُكَ في تَحْقِيقِ هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ يعني الزنى وهي المرأة الثيب إذا زنت فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أي اطلبوا عليهن أَرْبَعَةً من الشهود مِنْكُمْ أي من أحراركم المسلمين عدولاً فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بالزنى فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ يعني: احبسوهن في السجن حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي حتى يمتن في السجن أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا يعني مخرجاً من الحبس، ثم نسخ فصار حدهن الرجم لما روي عن عبادة بن الصامت- - إن النبيّ قال: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالحِجَارَةِ» .
ثم ذكر في الآية حد البكر فقال: وَالَّذانِ لم يحصنا يَأْتِيانِها يعني الفاحشة مِنْكُمْ يعني من الأحرار المسلمين فَآذُوهُما باللسان، يعني بالتعيير بما فعلا ليندما على ما فعلا فَإِنْ تَابَا من بعد الزنى وَأَصْلَحا العمل فَأَعْرِضُوا عَنْهُما أي فلا تسمعوهما الأذى بعد التوبة إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً أي متجاوزاً رَحِيماً بهما.
ثم نسخ الحبس والأذى بالرجم والجلد، وإنما كان التعيير في ذلك الزمان لأن التعيير حل محل الجلد، وأما اليوم فلا ينفعهم التعيير.
وروي عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: واللاتى يأتين الفاحشة (من نسائكم) واللذان يأتيانها منكم كان ذلك في أول الأمر، ثم نسخ بالآية التي في سورة النور.
قرأ ابن كثير: (واللذان) بتشديد النون، لأن الأصل (اللذيان) .
فحذف الياء وأقيم التشديد مقامه، وقرأ الباقون بالتخفيف.
ثم قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ يعني قبول التوبة على الله ويقال: توفيقه على الله، ويقال: إنما التجاوز من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ قال ابن عباس : كل مؤمن يذنب فهو جاهل في فعله، ويقال: إنما الجهالة أنهم يختارون اللذة الفانية على اللذة الباقية، وذلك الجهل لا يسقط عنهم العذاب إلا أن يتوبوا.
قوله ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قال ابن عباس: كل من تاب قبل موته فهو قريب فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي يقبل توبتهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً يعني عليماً بأهل التوبة حكيماً حكم بالتوبة.
وقال مقاتل: نزلت الآية في رجل من قريش، سكر وذكر شعراً ذكر فيه اللات والعزى وأنكر البعث، فلما أصبح أخبر بذلك فندم على ذلك واسترجع، فنزلت الآية ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ يعني قبل الموت.
قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا أبو حفص، عن صالح المري، عن الحسن قال: مَنْ عيّر أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به.
وقال النبيّ : «إِنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يغَرْغِرْ» .
وقال الحسن: إن إبليس لما أهبط من الجنة، قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده.
قال الله تعالى: فبعزتي فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم يغرغر بنفسه.
قال أبو العالية الرياحي: نزلت أول الآية في المؤمنين، والوسطى في المنافقين، والأخرى في الكافرين.
فأما توبة المؤمنين فذكرها قد مضى.
وأما ذكر توبة المنافقين فقوله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الآية.
يعني ليس قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ أي الشرق والنزع وعاينه ملك الموت قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فليس لهذا توبة.
ثم ذكر توبة الكفار وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي وجيعاً دائما.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ووجوه المُضَارَّةِ كثيرةٌ مِنْ ذلك: أنْ يُقِرَّ بحَقٍّ ليس عليه، أو يُوصِيَ بأكْثَرَ من ثلثه، أو لوارِثِهِ.
قال ص: غَيْرَ مُضَارٍّ: منصوبٌ على الحالِ: أي: غَيْرَ مُضَارٍّ ورثَتَهُ.
انتهى.
قلت: وتقدير أبي «٢» حَيَّان: «وَرَثَتَهُ» يأباه فصاحَةُ ألفاظِ الآية إذ مقتضاها العمُوم، فلو قال: «غَيْرَ مُضَارٍّ وَرَثَةً، أو غَيْرَهم» ، لكان أحْسَنَ، لكن الغالبَ مُضَارَّة الورثة، فلهذا قَدَّرهم/.
وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ...
الآية: «تِلْكَ» : إشارةٌ إلى القِسْمة المتقدِّمة في المواريث، وباقي الآية بيّن.
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦)
وقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ...
الآية: الفَاحِشَةُ في هذا الموضِعِ: الزِّنَا، وقوله: مِنْ نِسائِكُمْ، إضافةٌ في معناها الإسلام، وجعل اللَّه الشهادة علَى الزِّنَا خاصَّة لا تَتِمُّ إلا بأربعةِ شُهَدَاءَ، تَغْلِيظاً على المُدَّعي، وسَتْراً على العبادِ.
قلت: ومن هذا المعنى اشتراط رُؤْية كَذَا في كَذَا كَالمِرْوَدِ في المُكْحُلَة.
قال ع «٣» : وكانَتْ أولُ عقوبة الزُّنَاةِ الإمْسَاكَ في البُيُوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذَى الَّذي بَعْده، ثم نُسِخَ ذلك بآية النُّور وبالرَّجْمِ في الثَّيِّب قاله عبادة بنُ الصَّامت وغيره «٤» ، وعن عِمْرَانَ بْنِ حصين أنه قال: كنّا عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ، وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقَالَ: «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» ، خرَّجه مُسْلِم «٥» ، وهو خَبَرٌ آحادٌ، ثم ورد في الخَبَر المتواتِرِ أنّ
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رَجَمَ، وَلَمْ يَجْلِدْ «١» ، فَمَنْ قال: إن السُّنَّة المتواترة تنسخ ...
..
..
..
..
..
..
القُرآن «١» ، جعَلَ رَجْمَ الرسول دُونَ جَلْدٍ ناسخاً لجَلْدِ الثيِّب، وهذا الذي عليه الأَمَّة أنَّ السُّنَّة المتواترة تَنْسَخُ القُرآن إذ هما جميعاً وحْيٌ من اللَّه سبحانَهُ، ويوجِبَانِ جميعاً العِلْم والعَمَل.
ويتَّجه عندي في هذه النَّازلة بعَيْنها أنْ يُقَالَ: إن الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْد هو القرآن المتَّفَقُ على رَفْعِ لفظه، وبقاءِ حُكْمه في قوله تعالى: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فارجموهما أَلْبَتَّةَ» ، وهذا نصٌّ في الرجم، وقد قَرَّره عمر على المِنْبر بمَحْضَر الصَّحابة، والحديثُ بكماله في مُسْلم، والسُّنَّةُ هي المبيِّنة، ولفظُ «البخاريِّ» : «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الرَّجْمُ لِلثَّيِّب، وَالجَلْدُ لِلْبِكْرِ» «٢» .
انتهى.
وقوله تعالى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ...
الآية: قال مجاهدٌ وغيره: الآيةُ الأولى في النساء عموماً، وهذه في الرِّجال، فعقوبةُ النِّساء الحَبْسُ، وعقوبةُ الرِّجَالِ الأذى «٣» ، وهذا قولٌ يقتضيه اللَّفْظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصنافَ الزُّنَاة عامَّة ويؤيِّده مِنْ جهة اللفظ قولُه في الأولى: مِنْ نِسائِكُمْ، وقوله في الثانية: مِنْكُمْ، وأجمع العلماءُ على أنَّ هاتين الآيتين منُسْوخَتَانِ كما تقدّم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "الَّتِي" تُجْمَعُ اللّاتِي واللَّواتِي.
قالَ الشّاعِرُ: مِنَ اللَّواتِي والَّتِي واللّاتِي زَعَمْنَ أنِّي كَبُرْتُ لِداتِي وَتُجْمَعُ اللّاتِي بِإثْباتِ التّاءِ وحَذْفِها.
قالَ الشّاعِرُ: مِنَ اللّاتِي لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبَةً ∗∗∗ ولَكِنْ لِيَقْتُلْنَ البَرِيءَ المُغَفَّلا والفاحِشَةُ: الزِّنى في قَوْلِ الجَماعَةِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ.
والثّانِي: خِطابٌ لِلْحُكّامِ، فالمَعْنى: اسْمَعُوا شَهادَةَ أرْبَعَةٍ مِنكم، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إنَّما جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الشُّهُورَ أرْبَعَةً سِتْرًا سَتْرَكم بِهِ دُونَ فَواحِشِكم.
ومَعْنى "مِنكُمْ": مِنَ المُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ المَرْأةُ إذا زَنَتْ، حُبِسَتْ في البَيْتِ حَتّى تَمُوتَ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وهو الجَلْدُ، أوِ الرَّجْمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أو يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ ﴿ واللَذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عنهُما إنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ قَوْلُهُ: "واللاتِي": اسْمُ جَمْعِ "الَّتِي"، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى اللَواتِي، ويُقالُ: اللائِي بِالياءِ، و"الفاحِشَةَ" في هَذا المَوْضِعِ: الزِنى وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فاحِشَةٍ، لَكِنَّ الألِفَ واللامَ هُنا لِلْعَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِالفاحِشَةِ" بِبِناءِ الجَرِّ وقَوْلُهُ: ﴿ مِن نِسائِكُمْ ﴾ إضافَةٌ في مَعْنى الإسْلامِ، لِأنَّ الكافِرَةَ قَدْ تَكُونُ مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ بِنَسَبٍ، ولا يَلْحَقُها هَذا الحُكْمُ، وجَعَلَ اللهُ الشَهادَةَ عَلى الزِنى خاصَّةً لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ شاهِدانِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزانِيَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وكانَتْ هَذِهِ أوَّلَ عُقُوباتِ الزُناةِ: الإمْساكُ في البُيُوتِ.
قالَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: حَتّى نُسِخَ بِالأذى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ النُورِ وبِالرَجْمِ في الثَيِّبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ الأذى هو الأوَّلَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالإمْساكِ، ولَكِنَّ التِلاوَةَ أخَّرَتْ وقَدَّمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ.
و"سَبِيلًا" مَعْناهُ: مَخْرَجًا بِأمْرٍ مِن أوامِرِ الشَرْعِ، ورَوى حِطّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيُّ عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَبِيِّ ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أقْلَعَ عنهُ ووَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقالَ: "قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ".» "واللَذانِ" تَثْنِيَةُ "الَّذِي"، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: اللَذَيانِ كَرَحَيانِ قالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَتِ الياءُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وبَيْنَ الأسْماءِ المُبْهَماتِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا إذْ قَدْ أُمِنَ مِنَ اللَبْسِ في "اللَذانِ"؛ لِأنَّ النُونَ لا تَنْحَذِفُ ونُونُ التَثْنِيَةِ في الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ قَدْ تَنْحَذِفُ مَعَ الإضافَةِ في رَحَياكَ ومُصْطَفَيا القَوْمِ، فَلَوْ حُذِفَتِ الياءُ لاشْتَبَهَ المُفْرَدُ بِالِاثْنَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اللَذانِّ" بِشَدِّ النُونِ، وتِلْكَ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَحْذُوفَةِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: "هَذانِّ"، و"فَذانِّكَ"، و"هاتَيَنِّ"، بِالتَشْدِيدِ في جَمِيعِها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِتَخْفِيفِ جَمِيعِ ذَلِكَ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو "فَذانِّكَ" وحْدَها ولَمْ يُشَدِّدْ غَيْرَها.
"واللَذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقِيلَ عَلى مَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللَذانِ.
واخْتُلِفَ في الأذى، فَقالَ عُبادَةُ والسُدِّيُّ: هو التَعْيِيرُ والتَوْبِيخُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السَبُّ والجَفاءُ دُونَ تَعْيِيرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَيْلُ بِاللِسانِ واليَدِ وضَرْبِ النِعالِ وما أشْبَهَهُ.
قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ عامَّةٌ لَهُنَّ، مُحْصَناتٍ وغَيْرِ مُحْصَناتٍ، والآيَةُ الثانِيَةُ في الرِجالِ، وبَيَّنَ بِلَفْظِ التَثْنِيَةِ صِنْفَيِ الرِجالِ مِمَّنْ أُحْصِنَ ومِمَّنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَعُقُوبَةُ النِساءِ الحَبْسُ، وعُقُوبَةُ الرِجالِ الأذى، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، ويَسْتَوْفِي نَصُّ الكَلامِ أصْنافَ الزُناةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ مِن جِهَةِ اللَفْظِ قَوْلُهُ في الأُولى: ﴿ مِن نِسائِكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ في الثانِيَةِ: "مِنكُمْ"، وقالَ السُدِّيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ المُحْصَناتِ، يُرِيدُ ويَدْخُلُ مَعَهُنَّ مَن أُحْصِنَ مِنَ الرِجالِ بِالمَعْنى، والآيَةُ الثانِيَةُ هي في الرَجُلِ والمَرْأةِ البِكْرَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَعْنى هَذا القَوْلِ تامٌّ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَقْلَقُ عنهُ، وقَدْ رَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "والَّذِينَ يَفْعَلُونَهُ مِنكُمْ".
وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِآيَةِ الجَلْدِ في سُورَةِ النُورِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، إلّا مَن قالَ: إنَّ الأذى والتَعْيِيرَ باقٍ مَعَ الجَلْدِ لِأنَّهُما لا يَتَعارَضانِ بَلْ يَتَحَمَّلانِ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ.
أمّا الحَبْسُ فَمَنسُوخٌ بِإجْماعٍ.
وآيَةُ الجَلْدِ عامَّةٌ في الزُناةِ مُحْصَنِهِمْ وغَيْرِ مُحْصَنِهِمْ، وكَذَلِكَ عَمَّمَهُ رَسُولُ اللهِ في حَدِيثِ حِطّانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيِّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ آنِفًا، وإنْ كانَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَهو خَبَرُ آحادٍ.
ثُمَّ ورَدَ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ رَجَمَ ولَمْ يَجْلِدْ،» فَمَن قالَ: إنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرْآنَ، جَعَلَ رَجْمَ الرَسُولِ دُونَ جَلْدٍ ناسِخًا لِجَلْدِ الثَيِّبِ، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الأئِمَّةُ؛ أنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرْآنَ، إذْ هُما جَمِيعًا وحْيٌ مِنَ اللهِ، ويُوجِبانِ جَمِيعًا العِلْمَ والعَمَلَ، وإنَّما اخْتَلَفا في أنَّ السُنَّةَ نَقَصَ مِنها الإعْجازُ، وصَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ في خَبَرِ ماعِزٍ، وفي حَدِيثِ الغامِدِيَّةِ، وفي حَدِيثَ المَرْأةِ الَّتِي بَعَثَ إلَيْها أُنَيْسَ.
ومَن قالَ: إنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ لا تَنْسَخُ القُرْآنَ قالَ: إنَّما يَكُونُ حُكْمُ القُرْآنِ مُوقَنًا، ثُمَّ تَأْتِي السُنَّةُ مُسْتَأْنِفَةً مِن غَيْرِ أنْ تَتَناوَلَ نَسْخًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَهَذا تَخَيُّلٌ لا يَسْتَقِيمُ لِأنّا نَجِدُ السُنَّةَ تَرْفَعُ بِحُكْمِها ما اسْتَقَرَّ مِن حُكْمِ القُرْآنِ عَلى حَدِّ النَسْخِ، ولا يَرُدُّ ذَلِكَ نَظَرٌ، ولا يَنْخَرِمُ مِنهُ أصْلٌ.
أمّا أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ بِعَيْنِها يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنْ يُقالَ فِيها: إنَّ الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْدِ هو القُرْآنُ المُتَّفَقُ عَلى رَفْعِ لَفْظِهِ وبَقاءِ حُكْمِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: "الشَيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ" وهَذا نَصٌّ في الرَجْمِ، وقَدْ قَرَّرَهُ عُمَرُ عَلى المِنبَرِ بِمَحْضَرِ الصَحابَةِ، وذَكَرَ أنَّهم قَرَؤُوهُ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ ، والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في مُسْلِمٍ.
وأيْضًا فَيُعَضِّدُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ الَّذِي قالَ لَهُ: «فاقْضِ بَيْنَنا يا رَسُولَ اللهِ بِكِتابِ اللهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللهِ، ثُمَّ أمَرَ أُنَيْسًا بِرَجْمِ المَرْأةِ إنْ هي اعْتَرَفَتْ،» فَدَلَّ هَذا الظاهِرُ عَلى أنَّ الرَجْمَ كانَ في القُرْآنِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى رَفْعِ لَفْظِهِ.
وهاتانِ الآيَتانِ أعْنِي الجَلْدَ والرَجْمَ لَوْ لَمْ يَقَعْ بَيانٌ مِنَ الرَسُولِ لَمْ يَجِبْ أنْ تَنْسَخَ إحْداهُما الأُخْرى، إذْ يَسُوغُ اجْتِماعُهُما عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، وحَدِيثُ عُبادَةَ المُتَقَدِّمُ يُقَوِّي جَمِيعَهُما، وقَدْ أخَذَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في شُراحَةَ: جَلَدَها ثُمَّ رَجَمَها، وقالَ: أجْلِدُها بِكِتابِ اللهِ وأرْجُمُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، ولَكِنْ لَمّا بَيَّنَ الرَسُولُ بِرَجْمِهِ دُونَ جَلْدٍ كانَ فِعْلُهُ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ: انْفُوا ولا تَجْلِدُوا فَيَكُونُ القُرْآنُ هو الناسِخَ والسُنَّةُ هي المُبَيِّنَةَ؛ ويَصِحُّ أنْ نَعْتَرِضَ مَن يَنْسَخُ بِالسُنَّةِ في هَذِهِ النازِلَةِ فَنَقُولَ: الناسِخُ مِن شُرُوطِهِ أنْ يَسْتَقِلَّ في البَيانِ بِنَفْسِهِ، وإذا لَمْ يَسْتَقِلَّ فَلَيْسَ بِناسِخٍ، وآيَةُ الرَجْمِ بَعْدَ أنْ يَسْلَمَ ثُبُوتُها لا تَسْتَقِلُّ في النَسْخِ بِنَفْسِها، بَلْ تَنْبَنِي مَعَ الجَلْدِ وتَجْتَمِعُ، كَما تَضَمَّنَ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، لَكِنَّ إسْقاطَ الرَسُولِ الجَلْدَ هو الناسِخُ، لِأنَّ فِعْلَهُ في ذَلِكَ هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: لا تَجْلِدُوا الثَيِّبَ، وأمّا البِكْرُ فَلا خِلافَ أنَّهُ يُجْلَدُ، واخْتُلِفَ في نَفْيِهِ، فَقالَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وابْنُ عُمَرَ ومالِكٌ والشافِعِيُّ وجَماعَةٌ: لا نَفْيَ اليَوْمِ، وقالَتْ جَماعَةٌ: يُنْفى، وقِيلَ: نَفْيُهُ سَجْنُهُ، ولا تُنْفى المَرْأةُ ولا العَبْدُ، هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ.
وقَوْلُهُ ﴿ فَأعْرِضُوا عنهُما ﴾ كانَتْ هَذِهِ العُقُوبَةُ مِنَ الإمْساكِ والأذى إرادَةَ أنْ يَتُوبَ الزُناةُ، وهو الرُجُوعُ عَنِ الزِنا والإصْرارِ عَلَيْهِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ إذا تابَ الزانِيانِ وأصْلَحا في سائِرِ أعْمالِهِما أنْ يُكَفَّ عنهُما الأذى، وجاءَ الأمْرُ بِهَذا الكَفِّ الَّذِي هو "أعْرِضُوا".
وفي قُوَّةِ اللَفْظِ غَضٌّ مِنَ الزُناةِ وإنْ تابُوا، لِأنَّ تَرْكَهم إنَّما هو إعْراضٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ ولَيْسَ الإعْراضُ في الآيَتَيْنِ أمْرًا بِهِجْرَةٍ، ولَكِنَّها مُتارَكَةُ مُعْرِضٍ، وفي ذَلِكَ احْتِقارٌ لَهم بِحَسَبِ المَعْصِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وبِحَسَبِ الجَهالَةِ في الآيَةِ الأُخْرى، واللهُ تَعالى تَوّابٌ، أيْ: راجِعٌ بِعِبادِهِ عَنِ المَعاصِي إلى تَرْكِها ولُزُومِ الطاعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
موقع هذه الآية في هذه السورة معضل، وافتتاحها بواو العطف أعضل، لاقتضائه اتّصالها بكلام قبلها.
وقد جاء حدّ الزنا في سورة النور، وهي نازلة في سنة ست بعد غزوة بني المطلق على الصحيح، والحكم الثابت في سورة النور أشدّ من العقوبة المذكورة هنا، ولا جائز أن يكون الحدّ الذي في سورة النور قد نسخ بما هنا لأنّه لا قائل به.
فإذا مضينا على معتادنا في اعتبار الآي نازلة على ترتيبها في القراءة في سورها، قلنا إنّ هذه الآية نزلت في سورة النساء عقب أحكام المواريث وحراسة أموال اليتامى، وجعلنا الواو عاطفة هذا الحكم على ما تقدّم من الآيات في أوّل السورة بما يتعلّق بمعاشرة النساء، كقوله: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ [النساء: 4] وجزمنا بأنّ أوّل هذه السورة نزل قبل أوّل سورة النور، وأنّ هذه العقوبة كانت مبدأ شرع العقوبة على الزنا فتكون هاته الآية منسوخة بآية سورة النور لا محالة، كما يدلّ عليه قوله: ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ قال ابن عطية: أجمع العلماء على أنّ هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور.
ا ه، وحكى ابن الفرس في ترتيب النسخ أقوالاً ثمانية لا نطيل بها.
فالواو عاطفة حكم تشريع عقب تشريع لمناسبة: هي الرجوع إلى أحكام النساء، فإنّ الله لمّا ذكر أحكاماً من النكاح إلى قوله: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة ﴾ وما النكاح إلاّ اجتماع الرجل والمرأة على معاشرة عمادها التأنّس والسكون إلى الأنثى، ناسب أن يعطف إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه المذكور فيه شرعاً، وهو الزنا المعبّر عنه بالفاحشة.
فالزنا هو أن يقع شيء من تلك المعاشرة على غير الحال المعروف المأذون فيه، فلا جرم أن كان يختلف باختلاف أحوال الأمم والقبائل في خرق القوانين المجعولة لإباحة اختصاص الرجل بالمرأة.
ففي الجاهلية كان طريق الاختصاص بالمرأة السبي أو الغَارة أو التعويض أو رغبة الرجل في مصاهرة قوم ورغبتهم فيه أو إذن الرجل امرأته بأن تستبضع من رجل ولداً كما تقدّم.
وفي الإسلام بطلت الغارة وبطل الاستبضاع، ولذلك تجد الزنا لا يقع إلاّ خفية لأنّه مخالفة لقوانين الناس في نظامهم وأخلاقهم.
وسمّي الزنا الفاحشة لأنّه تجاوز الحدّ في الفساد وأصل الفحش الأمر الشديد الكراهية والذمّ، من فعللٍ أو قوللٍ، أو حاللٍ ولم أقف على وقوع العمل بهاتين الآيتين قبل نسخهما.
ومعنى: ﴿ يأتين ﴾ يَفْعَلْن، وأصل الإتيان المجيء إلى شيء فاستعير هنا الإتيان لفعل شيء لأنّ فاعل شيء عن قصد يُشبه السائر إلى مكان حتّى يَصله، يقال: أتى الصلاة، أي صَلاها، وقال الأعشى: لِيَعْلَمَ كلُّ الورى أنّني *** أتَيْتُ ا لمُرُوءَةَ من بابها وربما قالوا: أَتى بفاحشة وبمكروه كأنّه جاء مُصَاحباً له.
وقوله: ﴿ من نسائكم ﴾ بيان للموصول وصلته.
والنساء اسم جمععِ امرأة، وهي الأنثى من الإنسان، وتطلق المرأة على الزوجة فلذلك يطلق النساء على الإناث مطلقاً، وعلى الزوجات خاصّة ويعرف المراد بالقرينة، قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ﴾ [الحجرات: 11] ثم قال ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ [الحجرات: 11] فقابل بالنساء القومَ.
والمراد الإناث كلهنّ، وقال تعالى: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين ﴾ [النساء: 11] الآية المتقدّمة آنفاً والمراد هنا مطلق النساء فيشمل العذارى العَزَبَاتتِ.
وضمير جمع المخاطبين في قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ والضمائر المُوالية له، عائدة إلى المسلمين على الإجمال، ويتعيّن للقيام بما خوطبوا به مَنْ لهم أهلية القيام بذلك.
فضمير ﴿ نسائكم ﴾ عامّ مراد به نساء المسلمين، وضمير ﴿ فاستشهدوا ﴾ مخصوص بمن يهمّه الأمر من الأزواج، وضمير ﴿ فأمسكوهن ﴾ مخصوص بولاة الأمور، لأنّ الإمساك المذكور سجن وهو حكم لا يتولاّه إلاّ القضاة، وهم الذين ينظرون في قبول الشهادة فهذه عمومها مراد به الخصوص.
وهذه الآية هي الأصل في اشتراط أربعة في الشهادة على الزنى، وقد تقرّر ذلك بآية سورة النور.
ويعتبر في الشهادة الموجبة للإمساك في البيوت ما يعتبر في شهادة الزنى لإقامةِ الحدّ سواء.
والمراد بالبيوت البيوت التي يعيّنها ولاة الأمور لذلك.
وليس المراد إمساكهن في بيوتهنّ بل يُخرجن من بيوتهنّ إلى بيوت أخرى إلاّ إذا حُوّلت بيت المسجونة إلى الوضع تحت نظر القاضي وحراسته، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى في آية سورة الطلاق عند ذكر العدّةِ ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ [الطلاق: 1].
ومعنى ﴿ يتوفاهن الموت ﴾ يتقاضاهن.
يقال: تَوَفَّى فلان حقَّه من فلان واستوفاه حقّه.
والعرب تتخيّل العمر مجزّءاً.
فالأيام والزمانُ والموتُ يستخلصه من صاحبه منجَّما إلى أن تتوفّاه.
قال طرفة: أرى العمر كَنزا ناقصا كلّ ليلة *** وما تَنْقُصْ الأيامُ والدهرُ ينفَدِ وقال أبو حيّة النميري: إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلة *** تَقاضاه شيء لا يَمَلُّ التقاضيا ولذلك يقولون تُوفيِّ فلان بالبناء للمجهول أي توفَّى عُمُرَهُ فجعل الله الموت هو المتقاضي لأعمار الناس على استعمالهم في التعبير، وإن كان الموت هو أثَرُ آخر أنفاس المرء، فالتوفيّ في هذه الآية وارِد على أصل معناه الحقيقي في اللغة.
ومعنى ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ أي حكماً آخر.
فالسبيل مستعار للأمر البيّن بمعنى العقاب المناسب تشبيها له بالطريق الجادّة.
وفي هذا إشارة إلى أنّ إمساكهنّ في البيوت زجر موقّت سيعقبه حكم شاف لما يَجده الناس في نفوسهم من السخط عليهنّ ممّا فَعَلْنَ.
ويشمل قوله: ﴿ والّاتي يأتين الفاحشة ﴾ جميع النساء اللائي يأتين الفاحشة من محصنات وغيرهنّ.
وأمّا قوله ﴿ والذان يأتيانها ﴾ فهو مقتض نوعين من الذكور فإنّه تثنية الذي وهو اسم موصول للمذكّر، وقد قوبل به اسمُ موصول النساء الذي في قوله: ﴿ واللاّتي يأتين الفاحشة ﴾ ولا شكّ أنّ المراد ب ﴿ اللذان ﴾ صنفان من الرجال: وهما صنف المحصنين، وصنف غير المحصنين منهم، وبذلك فسّره ابن عباس في رواية مجاهد، وهو الوجه في تفسير الآية، وبه يتقوّم معنى بيِّن غير متداخل ولا مُكَرّر.
ووجه الإشعار بصنفي الزناة من الرجال التحرّز من التماس العذر فيه لغير المحصنين.
ويجوز أن يكون أطلق على صنفين مختلفين أي الرجال والنساء على طريقة التغليب الذي يكثر في مثله، وهو تفسير السدّي وقتادة، فعلى الوجه الأول تكون الآية قد جعلت للنساء عقوبة واحدة على الزنى وهي عقوبة الحبس في البيوت، وللرجال عقوبة على الزنى، هي الأذى سواء كانوا محصنين بزوجات أم غير محصنين، وهم الأعزبون.
وعلى الوجه الثاني تكون قد جعلت للنساء عقوبتين: عقوبة خاصّة بهنّ وهي الحبس، وعقوبة لهنّ كعقوبة الرجال وهي الأذى، فيكون الحبس لهنّ مع عقوبة الأذى.
وعلى كلا الوجهين يستفاد استواء المحصن وغير المحصن من الصنفين في كلتا العقوبتين، فأمّا الرجال فبدلالة تثنية اسم الموصول المراد بها صنفان اثنان، وأمّا النساء فبدلالة عموم صيغة ﴿ نسائكم ﴾ .
وضمير النصب في قوله: ﴿ يأتيانها ﴾ عائد إلى الفاحشة المذكورة وهي الزنا.
ولا التفات لكلام من توهّم غير ذلك.
والإيذاء: الإيلام غير الشديد بالفعل كالضرب غير المبرح، والإيلام بالقول من شتم وتوبيخ، فهو أعمّ من الجلد، والآية أجملته، فهو موكول إلى اجتهاد الحاكم.
وقد اختلف أيمّة الإسلام في كيفية انتزاع هذين العقوبتين من هذه الآية: فقال ابن عباس، ومجاهد: اللاتي يأتين الفاحشة يعمّ النساء خاصّة فشمل كلّ امرأة في سائر الأحوال بكراً كانت أم ثيّبا، وقوله: ﴿ والذان ﴾ تثنية أريد بها نوعان من الرجال وهم المحصن والبكر، فيقتضي أنّ حكم الحبس في البيوت يختصّ بالزواني كلّهنّ، وحكم الأذى يختصّ بالزناة كلّهم، فاستفيد التعميم في الحالتين إلاّ أن استفادته في الأولى من صيغة العموم، وفي الثانية من انحصار النوعين، وقد كان يغني أن يقال: واللاتي يأتين، والذين يأتون، إلاّ أنّه سلك هذا الأسلوب ليحصل العموم بطريقين مع التنصيص على شمول النوعين.
وجُعل لفظ (اللاتى) للعموم ليستفاد العموم من صيغة الجمع فقط.
وجعل لفظ و ﴿ الذان ﴾ للنوعين لأنّ مفرده وهو الذي صالح للدلالة على النوع، إذ النوع يعبّر عنه بالمذكَّر مثل الشخص، ونحو ذلك، وحصل مع ذلك كلّه تفنّن بديع في العبارة فكانت بمجموع ذلك هاته الآية غاية في الإعجاز، وعلى هذا الوجه فالمراد من النساء معنى ما قابل الرجال وهذا هو الذي يجدر حمل معنى الآية عليه.
والأذى أريد به هنا غير الحبس لأنّه سبق تخصيصه بالنساء وغير الجلد، لأنّه لم يشرع بعدُ، فقيل: هو الكلام الغليظ والشتم والتعيير.
وقال ابن عباس: هو النيل باللسان واليد وضرب النعال، بناء على تأويله أنّ الآيةَ شرعت عقوبة للزنا قبل عقوبة الجلد.
واتّفق العلماء على أنّ هذا حكم منسوخ بالجلد المذكور في سورة النور، وبما ثبت في السنّة من رجم المحصنين وليس تحديد هذا الحكم بغايةِ قوله: ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بصارف معنى النسخ عن هذا الحكم كما توهّم ابن العربي، لأنّ الغاية جعلت مبهمة، فالمسلمون يترقّبون ورود حكم آخر، بعد هذا، لا غِنى لهم عن إعلامهم به.
واعلَمْ أنّ شأن النسخ في العقوبات على الجرائم التي لم تكن فيها عقوبة قبل الإسلام، أن تنسخ بأثقل منها، فشرع الحبس والأذى للزناة في هذه السورة، وشرع الجلد بآية سورة النور، والجلد أشدّ من الحبس ومن الأذى، وقد سوّي في الجلد بين المرأة والرجل، إذ التفرقة بينهما لا وجه لبقائها، إذ كلاهما قد خرق حكماً شرعياً تبعا لشهوة نفسية أو طاعة لغيره.
ثم إنّ الجلد المعيَّن شرع بآية سورة النور مطلقاً أو عامّا على الاختلاف في محمل التعريف في قوله: ﴿ الزانية والزاني ﴾ [النور: 2]؛ فإن كان قد وقع العمل به كذلك في الزناة والزواني: محصنين أو أبكاراً، فقد نسخه الرجم في خصوص المحصنين منهم، وهو ثابت بالعمل المتواتر، وإن كان الجلد لم يعمل به إلاّ في البكرين فقد قيّد أو خصّص بغير المحصنين، إذ جعل حكمهما الرجم.
والعلماء متّفقون على أنّ حكم المحصنين من الرجال والنساء الرجم.
والمحصن هو من تزوّج بعقد شرعي صحيح ووقع البناء بعد ذلك العقد بناء صحيحاً.
وحكم الرجم ثبت من قبل الإسلام في شريعة التوراة للمرأة إذا زنت وهي ذات زوج، فقد أخرج مالك، في «الموطأ»، ورجال الصحيح كلّهم، حديث عبد الله بن عمر: أنّ اليهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلاً وامرأة زنيا، فقال رسول الله " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم " فقالوا «نفضحهم ويجلدون» فقال عبد الله بن سلام «كذبتم إنّ فيها الرجم» فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام «ارفع يدك» فرفع يده فإذا فيها آية الرجم.
فقالوا: «صدق يا محمد فيها آية الرجم» فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجما وقد ذكر حكم الزنا في سفر التثنية (22) فقال " إذا وجد رجل مضطجعاً مع امرأة زوجةِ بعللٍ يُقتل الاثنان، وإذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فاضطجع معها فوُجدا، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضّة وتكون هي له زوجة ولا يقدر أن يطلّقها كلّ ايّامه ".
وقد ثبت الرجم في الإسلام بما رواه عبادة بن الصامت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خذوا عني خذوا عني.
قد جعل الله لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر ضرب مائة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم ".
ومقتضاه الجمع بين الرجم والجلد، ولا أحسبه إلاّ توهّما من الراوي عن عبادة أو اشتبه عليه، وأحسب أنّه لذلك لم يعمل به العلماء فلا يجمع بين الجلد والرجم.
ونسب ابن العربي إلى أحمد بن حنبل الجمع بين الرجم والجلد.
وهو خلاف المعروف من مذهبه.
وعن علي بن أبي طالب أنه جمع بين الجلد والرجم.
ولم يصحّ.
ثم ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء بالرجم ثلاثة أحاديث: أوّلها قضيّة ماعز بن مالك الأسلمي، أنّه جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه ثلاث مرّات ثم بعث إلى إهله فقال: به جنون؟
قالوا: لا، وأبكر هو أم ثيّب؟
قالوا: بل ثيِّب.
فأمر به فرجم.
الثاني: قضيّة الغامدية، أنّها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالزنا وهي حبلى فأمرها أن تذهب حتّى تضع، ثم حتّى ترضعه، فلمّا أتمّت رضاعه جاءت فأمر بها فرجمت.
الثالث: حديث أبي هريرة، وخالد الجهني، أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله.
وقال الآخر وهو أفقههما: أجَلْ يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله واذَنْ لي في أن أتكلّم؟
قال: تكَلَّمْ.
قال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إنّي سألت أهلَ العلم فأخبروني أنَمَّا على ابني جلدُ مائة وتغريب عام، وأخبروني أنّما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَا والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أمَّا غنمك وجاريتك فرَدٌّ عليك وجلَد ابنه مائة وغربه عاما واغْدُ يا أُنَيْسُ (هو أُنيْس بن الضَّحاك ويقال ابن مرثد الأَسلَمي) على زوجةِ هذا، فإن اعترفت فارجُمها، فاعترفت فرَجَمَها.
قال مالك والعسيف الأجير.
هذه الأحاديث مرسل منها اثنان في «الموطأ»، وهي مسندة في غيره، فثبت بها وبالعمل حكم الرجم للمحصنَيْن، قال ابن العربي: هو خبر متواتر نسخ القرآن.
يريد أنّه متواتر لدى الصحابة فلتواتره أجمعوا على العمل به.
وأمّا ما بلغ إلينا وإلى ابن العربي وإلى من قبله فهو أخبار آحاد لا تبلغ مبلغ متواتر، فالحقّ أنّ دليل رجم المحصنين هو ما نقل إلينا من إجماع الصحابة وسنتعرّض إلى ذلك في سورة النور، ولذلك قال بالرجم الشافعي مع أنّه لا يقول بنسخ القرآن بالسّنة.
والقائلون بأنّ حكم الرجم ناسخ لحكم الحبْس في البيوت قائلون بأنّ دليل النسخ هو حديث قد: ﴿ جعل الله لهن سبيلاً ﴾ وفيه (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) فتضمنّ الجلد، ونسب هذا القول للشافعي وجماعة، وأورد الجصّاص على الشافعي أنّه يلزمه أنّ القرآن نُسخ بالسنّة، وأنّ السنّة نسخت بالقرآن، وهو لا يرى الأمرين، وأجاب الخطابي بأنّ آية النساء مغياة، فالحديث بيَّن الغاية، وأنّ آية النور نزلت بعد ذلك، والحديث خصّصها من قبللِ نزولها.
قلت: وعلى هذا تكون آية النور نزلت تقريراً لبعض الحكم الذي في حديث الرجم، على أنّ قوله: إنّ آية النساء مغيّاة، لا يُجدي لأنّ الغاية المبهمة لمّا كان بيانها إبطالا لحكم المغيَّي فاعتبارُها اعتبارُ النسخ، وهل النسخ كلّه إلاّ إيذان بوصول غاية الحكم المرادة لله غير مذكورة في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ.
وقال بعضهم شُرع الأذى ثم نسخ بالحبس في البيوت وإن كان في القراءة متأخّرا.
وهذا قول لا ينبغي الالتفات إليه فلا مخلص من هذا الإشكال إلاّ بأن نجعل إجماع الصحابة على ترك الإمساك في البيوت، وعلى تعويضه بالحدّ في زمان النبوءة فيؤول إلى نسخ القرآن بالسنّة المتواترة، ويندفع ما أورده الجصَّاص على الشافعي، فإنّ مخالفة الإجماع للنصّ تتضمّن أنّ مستند الإجماع ناسخ للنصّ.
ويتعيّن أن يكون حكم الرجم للمحصَن شرع بعد الجلد، لأنّ الأحاديث المروية فيه تضمّنت التغريب مع الجَلد، ولا يتصوّر تغريب بعد الرجم، وهو زيادة لا محالة لم يذكرها القرآن، ولذلك أنكر أبو حنيفة التغريب لأنّه زيادة على النصّ فهو نسخ عنده.
قال ابن العربي في الأحكام: أجمع رأي خيار بني إسماعيل على أنّ من أحدث حدثا في الحرم يغرّب منه، وتمادى ذلك في الجاهلية فكان كلّ من أحدث حدثاً غرّب من بلده إلى أن جاء الإسلام فأقرّه في الزنا خاصَّة.
قلت: وكان في العرب الخَلع وهو أن يُخلع الرجل من قبيلته، ويشهدون بذلك في الموسم، فإن جرّ جريرة لا يطالب بها قومه، وإن اعتدي عليه لا يطلب قومه دية ولا نحوها، وقد قال امرؤ القيس: به الذيب يَعْوِي كالخَليع المُعَيَّلِ *** واتّفقوا على أنّ المرأة لا تغرّب لأنّ تغريبها ضيعة، وأنكر أبو حنيفة التغريب لأنّه نقْل ضرّ من مكان إلى آخر وعوّضه بالسجن ولا يعرف بين أهل العلم الجمع بين الرجم والضرب ولا يظنّ بشريعة الإسلام ذلك ورُوي أنّ عليّا جَلد شراحة الهمْدانية ورجمها بعد الجلد، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله.
وقرن بالفاء خبر الموصولين من قوله: ﴿ فاستشهدوا ﴾ وقوله ﴿ فآذوهما ﴾ لأنّ الموصول أشرب معنى الشرط تنبيها على أنّ صلة الموصول سبب في الحكم الدالّ عليه خبره، فصار خبر الموصول مثل جواب الشرط ويظهر لي أنّ ذلك عندما يكون الخبر جملة، وغير صالحة لمباشرة أدوات الشرط، بحيث لو كانت جزَاء للزم اقترانها بالفاء.
هكذا وجدنا من استقراء كلامهم، وهذا الأسلوب إنّما يقع في الصلات التي تُومِئ إلى وجه بناء الخبر، لأنّها التي تعطي رائحة التسبّب في الخبر الوارد بعدها.
ولك أن تجعل دخول الفاء علامة على كون الفاء نائبة عن (أَمَّا).
ومن البيّن أنّ إتيانَ النساء بالفاحشة هو الذي سبّب إمساكهن في البيوت، وإن كان قد بني نظم الكلام على جعل ﴿ فاستشهدوا عليهن ﴾ هو الخبر، لكنّه خبر صوري وإلاّ فإنّ الخبر هو ﴿ فأمسكوهن ﴾ ، لكنّه جيء به جواباً لشرط هو متفرّع على ﴿ فإن شهدوا ﴾ ففاء ﴿ فاستشهدوا ﴾ هي الفاء المشبّهة لفاء الجواب، وفاء ﴿ فإن شهدوا ﴾ تفريعية، وفاء ﴿ فأمسكوهن ﴾ جزائية، ولولا قصد الاهتمام بإعداد الشهادة قبل الحكم بالحبس في البيوت لقيل: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فأمسكوهنّ في البيوت إن شهد عليهنّ أربعة منكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ ﴾ يَعْنِي بِالفاحِشَةِ: الزِّنى.
﴿ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي بَيِّنَةً يَجِبُ بِها عَلَيْهِنَّ الحَدُّ.
﴿ فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ ﴾ اخْتَلَفُوا في إمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ هَلْ هو حَدٌّ أوْ مَوْعِدٌ بِالحَدِّ عَلى قَوْلَيْنِ: ﴿ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ يَعْنِي بِالسَّبِيلِ الحَدَّ، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ)» .
واخْتَلَفُوا في نَسْخِ الجَلْدِ مِن حَدِّ الثَّيِّبِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ ثابِتُ الحُكْمِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في البِكْرِ والثَّيِّبِ، واخْتُلِفَ في نَسْخِها عَلى حَسَبِ اخْتِلافِهِمْ فِيها هَلْ هو حَدٌّ أوْ مَوْعِدٌ بِالحَدِّ؟، فَمَن قالَ: هي حَدٌّ، جَعَلَها مَنسُوخَةً بِآيَةِ النُّورِ، ومَن قالَ: هي مَوْعِدٌ بِالحَدِّ، جَعَلَها ثابِتَةً.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الأبْكارِ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ في الأبْكارِ والثَّيِّبِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ.
واخْتُلِفَ في المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: الرَّجُلُ والمَرْأةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءٍ.
والثّانِي: البِكْرانِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
وَفي الأذى المَأْمُورِ بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ بِاللِّسانِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّعْيِيرُ بِاللِّسانِ، والضَّرْبُ بِالنِّعالِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مُجْمَلٌ أُخِذَ تَفْسِيرُهُ في البِكْرِ مِن آيَةِ النُّورِ، وفي الثَّيِّبِ مِنَ السُّنَّةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ تَرْتِيبُ الأذى بَعْدَ الحَبْسِ؟
فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأُولى، ثُمَّ أمَرَ أنْ تُوضَعَ في التِّلاوَةِ بَعْدَها، فَكانَ الأذى أوَّلًا، ثُمَّ الحَبْسُ، ثُمَّ الجَلْدُ أوِ الرَّجْمُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّ الأذى في البِكْرَيْنِ خاصَّةً، والحَبْسَ في الثَّيِّبَيْنِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
ثُمَّ اخْتُلِفَ في نَسْخِها عَلى حَسَبِ الِاخْتِلافِ في إجْمالِها وتَفْسِيرِها.
﴿ فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما ﴾ يَعْنِي تابا مِنَ الفاحِشَةِ وأصْلَحا دِينَهُما، فَأعْرِضُوا عَنْهُما بِالصَّفْحِ والكَفِّ عَنِ الأذى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبزار والطبراني من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة...
﴾ الآية.
قال: كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور ﴿ الزانية والزاني ﴾ [ النور: 2] فجعل الله لهنَّ سبيلاً، فمن عمل شيئاً جلد وأرسل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله بعد ذلك ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [ النور: 2] فإن كانا محصنين رجما.
فهذا السبيل الذي جعله الله لهما.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ وقوله: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ [ الطلاق: 1] وقوله: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ [ النساء: 19] قال: كان ذكر الفاحشة في هؤلاء الآيات قبل أن تنزل سورة النور بالجلد والرجم، فإن جاءت اليوم بفاحشة مبينة فإنها تخرج فترجم، فنسختها هذه الآية ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [ النور: 2] والسبيل الذي جعل الله لهن الجلد والرجم.
وأخرج أبو داود في سننه والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ إلى قوله: ﴿ سبيلاً ﴾ وذكر الرجل بعد المرأة ثم جمعهما جميعاً فقال: ﴿ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما...
﴾ [ النساء: 16] الآية.
ثم نسخ ذلك بآية الجلد فقال: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ [ النور: 2] .
وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ يعني الزنا كان أمر أن يحبس، ثم نسختها ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا ﴾ [ النور: 2] .
وأخرج آدم وأبو داود في سننه والبيهقي عن مجاهد قال: (السبيل) الحد.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة...
﴾ الآية.
قال: كان هذا بدء عقوبة الزنا، كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً، ويعيران بالقول وبالسب.
ثم إن الله أنزل بعد ذلك في سورة النور جعل الله لهن سبيلاً، فصارت السنة فيمن أحصن الرجم بالحجارة، وفيمن لم يحصن جلد مائة ونفي سنة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والنحاس عن قتادة في الآية قال: نسختها الحدود.
وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن في قوله: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة...
﴾ الآية.
قال: كان أول حدود النساء أن يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية التي في النور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة ﴾ يعني الزنا ﴿ من نسائكم ﴾ يعني المرأة الثيب من المسلمين ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾ يعني من المسلمين الأحرار ﴿ فإن شهدوا ﴾ يعني بالزنا ﴿ فأمسكوهن ﴾ يعني احبسوهن ﴿ في البيوت ﴾ يعني في السجون.
وكان هذا في أول الإسلام كانت المرأة إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن، فإن كان لها زوج أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق، وليس عليها حد ولا يجامعها، ولكن يحبسها في السجن ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ يعني حتى تموت المرأة وهي على تلك الحال ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ يعني مخرجاً من الحبس، والمخرج الحد.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: هؤلاء اللاتي قد أنكحن وأحصن إذا زنت المرأة كانت تحبس في البيوت، ويأخذ زوجها مهرها فهو له.
وذلك قوله: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً ﴾ [ البقرة: 229] ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ الزنا حتى جاءت الحدود فنسختها، فجلدت ورجمت، وكان مهرها ميراثاً، فكان السبيل هو الحد.
وأخرج عبد الرزاق والشافعي والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدرامي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن الجارود والطحاوي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان عن عبادة بن الصامت قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وترمَّد وجهه.
وفي لفظ لابن جرير: يأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك.
فأنزل الله عليه ذات يوم، فلما سري عنه قال: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة» .
وأخرج أحمد عن سلمة بن المحبق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» .
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما نزلت الفرائض في سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حبس بعد سورة النساء» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ﴾ الآية.
اللاتي جمع التي، وللعرب في جمع التي لغات، يقال: اللاتي، واللات، واللواتي، واللوات، واللوا، واللائي، واللاء، واللآت، واللاآت (١) (٢) فجمع بين ثلاثة أحرف للمبالغة في التوكيد، وكل واحد منها يكفي من الآخر.
والعرب قد تقول في جمع النساء: التي، فتقول: ما فعل الهندات التي أمرها كذا، وقال الآخر: اللَّات كالبِيض لَّما تَعْدُ أن دَرَسَتْ ...
صُفرُ الأَنَامل من قَرع القَوَاقِيزِ (٣) وقال آخر: من اللاء لم يَحجُجْن (٤) (٥) وقال آخر: أولئك أخْدانِي وأخلال شِيمَتي ...
وأخدانُك اللَّاآت زُّينَّ بالكَتمِ (٦) ﴿ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾ ، وقال في هذه الآية: ﴿ وَاللَّاتِي ﴾ .
والعِلّة في ذلك أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد.
وتأويله قوله: ﴿ أَمْوَالَكُمْ ﴾ التي (عدتكم (٧) (٨) (٩) (١٠) من اللَّواتي والّتي واللَّاتي (١١) وقوله تعالى: ﴿ يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ﴾ أي: يفعلنها، يقال: أتيت أمرًا قبيحًا، أي فعلته.
قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ ، وقال: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴾ (١٢) والفاحشة: الفِعلة القبيحة، وهي مصدر عند أهل اللغة؛ كالعافية والعاقبة، يقال: فَحَش الرجل يفحش فحشًا وفاحشةً، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل (١٣) (١٤) وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ﴾ .
أي: من المسلمين (١٦) ﴿ فَإِنْ شَهِدُوا ﴾ بالزنا (١٧) ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ﴾ : أي: فاحبسوهن في السجون (١٨) قال المفسرون: هذا أمر كانوا يستعملونه في أول الإسلام إذا كان الزانيان ثيبين حبسا ومنعا من مخالطة الناس، وإذا كانا بِكْريَن أُوذِيا بالتعنيف والتوبيخ، فيقال لهما: انتهكتما حُرماتِ الله وعصيتماه، واستهدفتما لعقابه، هذا وما أشبهه من الكلام، ثم نَسخ الله الحبس والأذى بِرَجْم الثيِّبين وجلد البِكرين (١٩) أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ﴾ الآية [النور: 2] (٢٦) قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن صالح (٢٧) (٢٨) ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ قال: كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير (٢٩) ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ، قال: وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله قال: فهو سبيلهما الذي جعله الله لهما يعني: قوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ (٣٠) قال أبو عبيد: حدثنا أبو النضر (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) : "خُذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البِكر يُجلد ويُنفى، والثيّب يُجلد ويُرجم" (٣٦) وخص النساء بالذكر في هذه الآية، والحد في الزنا على النساء والرجال واحد؛ لأن المرأة أحرص على الزنا من الرجل، فخصها بالذكر، كما قدم اسمها في آية الزنا، وهو قوله: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾ (٣٧) ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ من حيث كان الرجل أحرص على السرقة من المرأة (٣٨) قال المفسرون: بعض الآية منسوخ، وهو الإمساك في البيوت، وبعضها ثابت، وهو استشهاد الأربعة (٣٩) (٤٠) (٤١) وجلد الثيب منسوخ أيضًا، فعله رسول الله ، ثم تركه (٤٢) (١) انظر "مجاز القرآن" 1/ 119، "معانى الزجاج" 2/ 28، "الصحاح" 6/ 2479 (لتى)، "اللسان" 7/ 3994 - 3995 (لتا)، "الدر المصون" 3/ 616.
(٢) قائله غير معروف، ومعنى لداتي أي: أسناني.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 119، "معاني الزجاج" 2/ 28، "الصحاح" 6/ 2479، "اللسان" 7/ 3995 (لتا).
(٣) هذا البيت للأسود بن يعفر حسب ما في "اللسان" 7/ 3995 (لتا).
لكن فيه: اللأت كالبيض، قال: وُيروى: اللاء كالبيض، واللواتي، واللات بلا ياء، وقافيته في "اللسان": القوارير.
(٤) في (أ)، (د): (يحجن).
(٥) نسبه إلى عمر بن أبي ربيعة أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 119، 120، وهو في "معاني الزجاج" 2/ 28، "تهذيب اللغة" 1/ 415 (التى)، "زاد المسير" 2/ 34، بدون نسبة، ونسب في "زهر الآداب" 1/ 168، إلى الحارث المخزومي.
(٦) البيت في "اللسان" 7/ 3995، "الدر المصون" 3/ 617 بدون نسبة.
(٧) هكذا في (أ)، (د)، وقد تكون: من ربكم.
(٨) في (أ): (بالجميع).
(٩) هكذا في (أ)، وفي (د): (عدة)، ولم تظهر.
(١٠) لم أقف على كلام ابن الأنباري، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 401.
(١١) سبق قريبًا.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 258، "عمدة الحافظ" ص 7 (أتى).
(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2746، "الصحاح" 3/ 1014 (فحش).
(١٤) ليس في "معاني الزجاج" حول تفسير الآية، ولم يتبين مقصود المؤلف في إحالته هذه.
(١٥) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 138، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 116، "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 358، الطبري 4/ 291 - 292، "معاني الزجاج" 2/ 28، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب، البغوي 2/ 181، القرطبي 5/ 83، ابن كثير 1/ 503.
(١٦) "تفسير الطبري" 4/ 292، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب.
(١٧) "الكشف والبيان" 4/ 24 ب.
(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 292، "معاني الزجاج" 2/ 28، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 401 - 402، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب، "الدر المنثور" 2/ 229 - 230.
(١٩) هذا معنى قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والحسن وغيرهم.
انظر: "تفسير ابن عباس" ص 138، "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 358، الطبري 4/ 292، "الكشف والبيان" 4/ 24 ب.
(٢٠) هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القرشي النيسابوري، انظر: "العبر" 1/ 188.
(٢١) هو محمد بن محمد بن الحسن.
انظر: "الإكمال" 7/ 141 (٢٢) هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، حافظ صدوق، صنف "المُسند الكبير" وأخذا القراءات عن أبي عبيد وغيره، انتقل في آخر عمره إلى مكة حتى مات بها سنة 286 هـ وقيل بعدها بسنة.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 13/ 349، "غاية المنتهى" 1/ 549.
(٢٣) هو أبو محمد حجاج بن محمد المصيصي الأعور، أحد العلماء والرواة الثقات إلا أنه اختلط في آخر عمره لمّا قدم بغداد، وقد توفي -رحمه الله- بها سنة 206 هـ.
انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 464، "التقريب" ص 153 رقم (1135).
(٢٤) هو أبو مسعود عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ضعيف في رواية الحديث.
توفي -رحمه الله- سنة 55 هـ، وقيل قبلها.
انظر: "ميزان الاعتدال" 3/ 48.
(٢٥) عطاء بن أبي مسلم الخراساني، تقدمت ترجمته، وروايته عن ابن عباس مُرسلة.
(٢٦) في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 132 بنحوه مطولًا.
(٢٧) هو أبو صالح عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، كاتب الليث بن سعد، صاحب حديث وعلم صدوق في الرواية ثبت في الكتابة توفي -رحمه الله- سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين للهجرة انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 440 - 445، "التقريب" ص 308 رقم (3388).
(٢٨) هو أبو عمرو معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي، من مشاهير العلم والرواية، وقد وثقه غير واحد من الأئمة وحكم عليه ابن حجر بأنه صدوق.
ولي القضاء == وتوفي -رحمه الله- بمصر سنة 158 هـ، وقيل بعدها.
انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 284، "مشاهير علماء الأمصار" ص190، "التقريب" ص 538 رقم (6762).
(٢٩) في (د): (بالتغيير)، بالغين المعجمة.
(٣٠) من "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 132، 133، والأثر في "تفسير ابن عباس" ص 138، وأخرجه الطبري 4/ 292 - 293، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 167، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 230.
(٣١) هو هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي بالولاء، البغدادي -وكان من مفاخر بغداد- صاحب سنة ومتفق على توثيقه في الرواية وقد توفي -رحمه الله- سنة 207 هـ.
انظر "تاريخ الثقات" 2/ 323، "التقريب" ص 570 رقم (7256).
(٣٢) هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، الواسطي ثم البصري، ثقة حافظ قال عنه الثوري: أمير المؤمنين في الحديث من العلماء بالرجال ومن العباد الفضلاء، توفي -رحمه الله- سنة 160هـ انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 456، "مشاهير علماء الأمصار" ص 177، "التقريب" ص 266 رقم (2790).
(٣٣) في النسختين: (الحسين)، والتصويب من الطبري 4/ 293 - 294، والبغوي 2/ 181، وابن كثير 1/ 503.
(٣٤) هو حِطَّان بن عبد الله الرقاشي البصري، من التابعين الثقات وكان رجلاً صالحًا، توفي -رحمه الله- بعد السبعين للهجرة في ولاية بشر على العراق.
انظر "تاريخ الثقات" 1/ 308،"التقريب" رقم (1399).
(٣٥) هو أبو الوليد عُبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي من الصحابة الفضلاء، وقد شهد بدرًا والمشاهد بعدها وهو من النقباء في البيعة ليلة العقبة، كان من علماء الصحابة وله مناقب وقد ولي القضاء، توفي - - بالرملة سنة 34هـ، وقيل بعدها.
انظر: "تاريخ خليفة" ص 168، "الاستيعاب" 2/ 355، "الإصابة" 2/ 268.
(٣٦) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 133، وأخرجه الطبري 4/ 293 - 294.
(٣٧) الحكم على جنس المرأة بأنها أحرص على الزنا من الرجل فيه نظر، ولعل الأولى أن يقال إن تخصيص المرأة بالذكر هنا وتقديم اسمها في آية النور، لأن الزنا في حق المرآة أشد؛ إذ إن العار يلحقها مدى حياتها بخلاف الرجل، ولأن الفتنة في النساء أضر كما قال النبي : "ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء" أخرجه مسلم (2740) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: 26 أكثر أهل الجنة الفقراء ...
، وباب: الفتنة بالنساء 4/ 2097 (ح 97).
(٣٨) انظر "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 331.
(٣٩) انظر "الكشف والبيان" 4/ 25 ب.
(٤٠) ناسخ الوحي هنا هو قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .
(٤١) لعله يشير إلى حديث عبادة المتقدم.
(٤٢) حكى الطبري الإجماع على ذلك في "تفسير الطبري" 4/ 294، وقال البغوي: وعامة العلماء على أن الثيب لا يُجلد مع الرجم لأن النبي رجم ماعزًا والغامدية ولم يجلدهما "معالم التنزيل" 2/ 182، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 503.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المواريث وغيرها ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الآية: تعلق بها المعتزلة في قولهم: إن العصاة من المؤمنين يخلدون في النار، وتأولها الأشعرية على أنها في الكفار ﴿ يَأْتِينَ الفاحشة ﴾ هي هنا الزنا ﴿ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ أو من المسلمات؛ لأن المسلمة تحدّ حدّ الزنا، وأما الكافر أو الكافرة فاختلف، هل يحدّ أو يعاقب؟
﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ قيل: إنما جعل شهداء الزنا أربعة؛ تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقيل: ليكون شاهدان على كل واحد من الزانيين ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت ﴾ كانت عقوبة الزنا الإمساك في البيوت، ثم نسخ ذلك بالأذى المذكور بعد هذا، وهو السب والتوبيخ، وقيل: الإمساك للنساء، والأذى للرجال، فلا نسخ بينهما ورجحه ابن عطية بقوله: في الإمساك من نسائكم، وفي الأذى منكم، ثم نسخ الإمساك والأذى بالرجم للمحصن وبالجلد لغير المحصن، واستقر الأمر على ذلك، وأما الجلد فمذكور في سورة النور، وأما الرجم؛ فقد كان في القرآن ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وقد رجم صلى الله عليه وسلم ماعزاً الأسلمي وغيره ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ﴾ لما أمر بالأذى للزاني أمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو ترك الأذى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب.
﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.
الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.
الباقون: مبنياً للفاعل.
﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.
الباقون بالياء.
وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.
﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين ﴾ وأشباه ذلك.
وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.
الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.
وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.
الباقون كلها بالكسر.
الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.
﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.
﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.
﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.
﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.
أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.
واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.
أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.
فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.
والثاني المؤاخاة.
كان رسول الله يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.
والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.
والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.
روي "أن رسول الله ورث بنت حمزة من مولى لها" .
ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.
قال : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.
وإنما بدأ بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.
أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.
أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.
وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.
وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.
وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.
وأما الحكمة في أنه جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.
فيكف حال المرأة؟
وعن جعفر الصادق أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.
فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.
وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.
وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.
وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.
وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.
وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.
فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.
وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.
أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.
وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.
وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.
وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.
وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.
وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.
وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.
فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.
فقال لي رسول الله : ادع لي المرأة وصاحبها.
فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .
وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.
وأيضاً قال : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.
والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله : ﴿ يا بني آدم ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ .
وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.
واعلم أن عموم قوله ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.
ومنها أن القاتل لا يرث.
ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.
وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.
ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.
روي أن فاطمة ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.
وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.
وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟
وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.
أجابوا بأن فاطمة ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.
واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.
فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".
/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.
وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.
ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.
ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.
فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.
واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.
والباقي للأولاد بالسوية.
وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.
وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.
فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟
فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.
وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.
الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟
فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.
وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.
وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.
وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.
فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.
هذا عكس قوله : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.
فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.
وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.
وقال : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟
فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.
فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.
ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.
ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.
ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.
حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.
وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.
فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله .
عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول قضى بالدين قبل الوصية" .
والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.
وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.
ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.
ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.
وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.
فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.
يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.
وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.
فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.
وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.
فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.
وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.
وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.
﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.
قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.
وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.
هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.
وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.
فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.
ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.
ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.
وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.
ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.
وههنا مسألة.
قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.
ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.
وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.
وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.
واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.
الكلالة ما خلا الوالد والولد.
وعن عمر : الكلالة من لا ولد له فقط.
وعنه في رواية أخرى التوقف.
وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.
وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.
ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.
قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.
قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.
ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد ﴾ فاحتج عمر بذلك.
والجواب أنه حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.
ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.
وأيضاً إنه ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.
وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.
والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.
وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.
ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.
ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.
وقوله : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.
ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.
والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.
قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟
والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.
تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.
والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.
وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.
ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.
ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.
هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.
وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.
والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.
ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.
وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.
فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.
فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.
ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.
وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.
قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.
وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.
ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.
وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.
وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.
وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.
ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.
قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.
فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.
وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.
وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.
نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.
فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.
وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.
قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.
وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.
وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.
واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.
وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.
وقد يقال: اللاآت كاللامات.
قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.
ومن العرب من يلغي هذا الفرق.
والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.
وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.
قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.
ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.
﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.
والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.
قال الزهري: مضت السنة من رسول الله والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.
ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.
﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟
﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.
واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.
فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.
أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.
وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.
وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.
والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.
وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.
وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.
وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.
وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .
ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.
وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.
وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.
وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.
وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.
وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.
ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.
صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله عليم.
ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.
ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.
وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.
وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.
وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.
أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.
أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.
وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.
و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.
ومثله قوله : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.
أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.
قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.
وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟
وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟
وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟
فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.
وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.
ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.
ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.
أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.
﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.
قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.
لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.
وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.
/ قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.
وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.
فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.
النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.
وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.
وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.
قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.
قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.
ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.
ثم إنه استثناء مماذا؟
قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.
وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.
وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.
ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.
وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.
النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.
النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.
يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.
والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.
روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.
فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.
فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.
ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.
وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.
ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.
واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.
﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.
وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.
وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.
وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.
وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.
وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.
وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.
وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.
وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.
ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.
فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟
فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.
وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.
ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.
ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.
وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟
النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.
وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.
حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.
ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.
ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية ﴾ ولقوله : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.
وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ وبقوله : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.
وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.
سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟
قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.
وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.
ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.
والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.
سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.
قال محمد بن جرير الطبري.
سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.
لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟
سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.
وإذا كان منعقداً صحيحاً.
ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ وكقوله " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟
أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.
فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.
وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.
والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.
وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.
والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.
وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.
وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.
قالوا: إنه أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.
وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.
وروي "أنه بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.
حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.
قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.
فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.
﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله أعلم.
التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.
فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.
ومن هنا قال : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.
فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.
قال : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.
ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ ، ﴿ وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ قيل: كان هذا الحكمان في أول الإسلام: الأول منهما للمرأة، والثاني للرجل.
وقيل: إن آية الأذى كانت في الرجل والمرأة، وآية الحبس كانت في حبس المرأة.
ويحتمل أن تكون آية الآذى في البكر في الرجل والمرأة جميعاً، وآية الحبس في الثيب في الرجل والمرأة جميعاً.
ويحتمل أن تكون آية الأذى في الرجال خاصّة: فيما يأتي الذكرُ ذكراً؛ على ما كان من فعل قوم لوط، وآية الحبس في الرجال والنساء جميعاً.
فإن كانت آية الأذى في الرجال خاصّة؛ ففيها حجة لأبي حنيفة - - حيث لم يوجب على من عمل عمل قوم لوط الحدَّ؛ ولكن أوجب التعزير والأذى، وهو منسوخ إن كان في هذا، وإن كانت في الأول؛ فهي منسوخة.
ثم اختلف بما به نسخ: فقال قوم: نسخ بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .
لكن عندنا هذا يجوز أن يجمع بين حكميهما؛ فكيف يكون به النسخ؟!
ولكن نسخ عندنا بالخبر الذي روي عن رسول الله قال: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً: البِكْرُ بِالبِكْرِ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، البِكْرُ يُجْلَد ويُنْفَى، والثَّيِّبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ" ؛ ففيه دليل حكم نسخ القرآن بالسنة.
فإن قيل: في الآية دليل وعد النسخ بقوله: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ ؛ فإنما صار منسوخاً بما وعد [الله] في الآية من النسخ، لا بالسنة.
قيل: ما من آية أو سنة كان من حكم الله النسخ إلا والوعد فيه النسخ، وإن لم يكن مذكوراً؛ لأن الله - عز وجل - لا يجعل الحكم في الشيء للأبد ثم ينسخ؛ لأنه بدو، وذلك فعل البشر لا فعل الربوبية؛ فإذا كان ما ذكرنا فلا فرق بين أن ينسخه بوحي يكون قرآناً يتلى وبين أن ينسخه بوحي لا يكون قرآناً، وفيه أخبار كثيرة: روي أنه رجم ماعزاً لما أقرّ بالزنا ومراراً، ورجم - أيضاً - غيره: ما روي أن عسيف الرجل زنا بامرأته، وقال: سأقضي بينكما بكتاب الله ، وقال: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ هِيَ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" وعن عمر - - قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائله: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق إذا أحصن الرجل، وقامت البينة، أو اعترف، وقد قرأناها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله" ، رجم رسول الله ورجمنا بعده.
وقال قوم: الرجم بين اليهود والنصارى كهو بين المسلمين كالجلد بالآية، ولما روي عن رسول الله : "أنه رجم يهودَّيين" قيل: إنما رجم بحكم التوراة؛ ألا ترى أنه روي أنه دعا بالتوراة، ودعا علماءهم فأمرهم أن يقرءوا عليه؛ فوضعوا أيديهم على الموضع الذي فيه ذكر الرجم فقرءوا غيره؛ فقال ابن سلام: إنهم كتموه يا رسول الله، ثم قرأ هو؛ فأمر برجمهم، ولا شك أن القرآن نسخ حكم التوراة؛ لذلك لم يقم عليهم الرجم.
فإن قال قائل: إن الحد يقام على من عمل عمل قوم لوط بقوله - -: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .
قيل: لا يحتمل وجوب الحد عليه بذلك؛ لأنه مختلف حكم هذا من هذا في الحرمة، ووجوب المهر؛ وغير ذلك، فلا يحتمل أن يعرف حكم شيء لما يخالفه في جميع أحكامه وجميع الوجوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ -: في الآية دليل جواز القياس؛ لأنه ذكر الحكم في النساء، ولم يذكر في الرجال ذلك الحكم، وهما لا يختلفان في هذا الحكم؛ ما يلزم المرأة في ذلك الفعل يلزم الرجل مثله؛ دل أن ما ترك ذكره في المنصوص إنما ترك؛ للاستدلال عليه، والاستنباط من المنصوص والانتزاع منه.
وقال قوم: إن على الثيب الجلد والرجم جميعاً؛ ذهبوا في ذلك إلى ما روي عن عبادة ابن الصامت، عن النبي قال: "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي؛ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبَيلاً: البِكْرُ بالِبِكْرِ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ" : أوجب الجلد والرجم على الثيب.
أما عندنا: فإنه لا يوجب مع الرجم الجلد؛ لما روينا من الأخبار عن [رسول الله ] أنه رجم ماعزاً، ولم يذكر أنه جلده، وما روي عن رسول الله قال: "أغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" : لم يُذكر هنالك جلد، والأخبار كثيرة في هذا.
وروي أنه قال: "مَنْ أصَابَ مِنْ هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيْئاً فَلْيَسْتَتِرْ بِسَتْرِ اللهِ الَّذِي سَتَرَه عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقْمَنَا عَلَيْهِ حَدَّ اللهِ" ثم يحتمل قوله : "الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ يُجْلَدُ وَيَرْجَمُ" في اختلاف الأحوال: يجلد في حال، ويرجم في حال، أو يجلد ثيب ويرجم آخر؛ لأنه لا كل ثيب يرجم؛ لأنه إذا كان ثيباً غير محصن لا يرجم؛ دل أنه على ما ذكرنا.
أو يحتمل قوله : "البِكْرُ بِالبِكْرِ يُجْلَدُ وَيُنْفَى، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ" ، أي: البكر مع البكر، والثيب مع الثيب؛ فيكون ثيباً يجلد وثيباً آخر يرجم.
ثم اختلف أهل العلم في نفي البكر: قال قوم: النفي ثابت واجب.
وعندنا: إن كان فهو منسوخ، ودليل نسخه: ما روي في خبر زيد بن خالد، وكان الرجل بكراً، لم يذكر أنه نفي.
وما روي عن عمر بن الخطاب - - أنه نفى رجلا؛ فارتد ولحق بالروم؛ فقال: لا أنفي بعد هذا أبداً.
وما روي أنه قال: كفي بالنفي فتنة.
وإن كان فهو عقوبة وليس بحد؛ كحبس الدعارة وغيره.
والدليل على أن النفي ليس بحد أن الله - وتعالى - قال في الإماء ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ والأمة لا تنفي؛ لما روي عن رسول الله [أنه] قال: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ" : أمر بجلدها ولم يأمر بالنفي، ولو كان حدّاً لأمر به كما أمر بالجلد؛ دل أنه ليس بحدٍّ في الحر، ولأنه أوجب على الإماء نصف ما أوجب على الحرائر، ولا نصف للنفي؛ دل أنه ليس بحد، ولا يجب ذلك، أو إن كان فهو حبس، وفي الحبس نفي، فيحبسان أو ينفيان؛ لينسيا [ما أصابا؛ لأن كل من رآهما يذكر فعلهما؛ فينفيان لذلك، لا أنه حد؛ ولكن لينسيا] ذلك ولا يذكر.
وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ...
﴾ إلى قوله - -: ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ - يخرج على وجهين - لو كان الإتيان الزنا: أحدهما: أن يكون في جميع الإناث الحبس، وفي الذكور: الإيذاء؛ ولذلك جمع بين الجميع في الخبر الذي به النسخ؛ فارتفع الحبس والأذى جميعاً، وذلك معقول: تأديب الرجل به أزجر له، وحبس المرأة أقطع لوجوه الزنا.
أو أن تكون الآية الأولى: في المحصنات؛ على تضمن المحصنين بالمعنى، والآية الثانية: في الذكور؛ على تضمن الإناث بالمعنى، لكن جرى الذكر على ما ظهر من فضل صيانة الأبكار في الإناث: إما تديناً، أو حياء الافتضاح، أو بما الغالب عليهن الصون من المحارم، والحفظ عن قرب الذكور، ليس بشيء من ذلك في الذكور ولا في الثيبات من النساء، على أنه بعيد بلوغ النساء في قلة الحياء إلى أن يُعْلِنَّ حتى يشهده أربع، والغالب عليهن ألاَّ يخالطن هذا القدر من العدد.
ثم الدلالة على دخول الكل - قول رسول الله : "خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً..." : ذكر لهن؛ على ما جرى به الذكر في القرآن، ثم جمع في التفسير بين الكل؛ ثبت أن الذكر قد يضمن الكل، وذلك يبطل تأويل من يصرف الآية إلى الأبكار من الإناث والذكور، ومتى يحتمل وجود الكل مثل ذلك بعد النكاح على إثر خلوة الأزواج بهن والاطلاع على ما فيه المسبة الدائمة، والعار اللازم لهن، ثم كشف ذلك لجميع محارمها، ثم خوف الانتشار به ظاهراً، وكيف يحتمل في مثل تلك الحال إلى تمكن من ذكر بحضرة من ذكر دون أن ينضم إلى زوجها؟
فتأويل من وجَّهَ الآية إلى الأبكار خارج عن المعروف.
ثم المروي من السنة، ثم بما أجمع عليه أهل التأويل عمل صاحبه على هذا جهله بألا يجوز بيان نسخ حكم بينه الكتاب بالسنة، ويحكم على الله - - وعلى رسوله بحجر هذا النوع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ...
﴾ الآية، ومعلوم أن عقوبة الزناة يتولاها الأئمة، فكأن الخطاب عليهم خرج، ثم قد أثبت الفاحشة منهم، ولم يأذن في إقامة عقوبتها حتى يستحضر أربعة فيشهدون بها؛ فعلى هذا أن ليس للأئمة تولى حدّ الزناة بعلمهم حتى يكون ثَمَّ شهود، وفي ذلك لزوم حق الستر إلى أقصى ما ينتهي إليه من إعلان الفعل من الزناة؛ إذ ذلك أمر معلوم فيما يحل ألا يفعل إلا في أحوال الخلوات التي تعلم حقيقة ذلك بالولد يكون، فأما من حيث الكون دونه فإنما هو غالب الظن، فالذي لا يحل من ذلك أن يكون بحيث لا يعلم حقيقته أبداً؛ يدل على ذلك جميع الأمور التي منها المباح أو المحظور: أن المحظور منه أبعد من الظهور والعلم به من المباح؛ فعلى ذلك أمر هذا مع ما زيد هاهنا ما جعل فيه من حد الزاني وجهين: أحدهما: الزجر عن هتك هذا النوع من الستر حتى خرجت شهادة من رمى بذلك؛ بما هتك ستر الله.
والثاني: فحش الشين بفاعل ذلك، ولزوم المسبَّة في صاحب ذلك، وذلك غاية معنى لزوم الشين، وكذلك روي عن رسول الله أنه قال: "مَنْ أَصَابَ [مِنْ] هَذِهِ القَاذُورَاتِ شَيْئاً فَلْيَسْتَتِرْ [بِسَتْرِ الله]، فَإِنَّهُ مَنْ أَبدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدَّ الله" .
فإذا بلغ العمل الذي حده ما ذكرت [من العقوبة] من نهاية الستر النهاية من الإعلان حتى أظهر ذلك الجماعة بفعل من يشينه فعله ما ذكرت، استحق ما ذكرت من العقوبة بجرأته على ذلك بحله، وبقلة حيائه، حيث أظهر الذي ذلك حقه الستر عقوبة ذلك الفعل، فألزم من إليه ذلك القيام به لله، ثم جعل الله في ذلك الفعل عقوبات مختلفة على اختلاف أوقات الفعل وأهله، على ما علم من مصلحة الخلق بها، وزجرهم، وتكفيرهم بها.
ثم إن الله - وتعالى - جعل أول عقوبة الزنا في نوع من الخلق في الإسلام الحبس في البيوت، فهو - والله أعلم - مخرج على أوجه: أحدها: إنه كان الزنا في الابتداء في نوع ظاهر يكتسبون به عرض الدنيا في ذلك في الإماء حتى قال الله - -: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ...
﴾ الآية [النور: 33]، وحتى كانوا يدعون الأنساب في أولاد الزناة من الإماء، حتى بلغ من ظهور ذلك إلى أن يمازج به الحرائر في الطرق تعامياً عن حالهن؛ فنزل قوله - وتعالى -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ ﴾ وإن كان هذا حالهم في ذلك الوقت غلب عليهم خوف مواقعة الزنا، [وكذلك على] الحرائر؛ لكثرة ما يرين أو يسمعن، وذلك معنى يبعث من شَرِهَتْ نفسه، وقل تفكره في أمر عاقبته مما ينزل به أو يشينه، وقد ركبت هذه الشهوة في كل البشر، فخفف الله عقوبته في الابتداء أن جعل فيه الحبس والإمساك في البيوت، ثم صار ذلك إلى الضرب؛ لما أن تحرج الناس وعظم ذلك في أعينهم، وجعل في الشتم به الحدّ؛ ليعرفوا عظم موقعه عند الله وينتهوا عن فعله، وقد جعل في ذلك في بعض الأحوال الرجم، وهي الحال التي يزول فيها كل وجوه العذر، ويرتفع جميع معاني الشبه لعظيم أمره.
والثاني: أن السبب الباعث على ذلك قرب بعض لبعض، ومخالطة بعض ببعض على عظم الشهوة؛ فغلب عليهم الأمر، واستعدتهم الشهوة حتى واقعوا ذلك.
ثم في الحبس وجهان: أحدهما: الكف عن المعنى الذي يدعو إليه من الاختلاط وتلاقي الأبصار.
والثاني: ما فيه من فضل ضجر وتضييق الحال؛ إذ جعل ذلك إلى الموت، فيكون في ذلك عقوبة من حيث الضجر، ومعونة على الكف عنه بالحبس حتى لا يقع بصر ذكر على أنثى وأنثى على ذكر.
والثالث: أن يكون في الحبس ترغيب الأرحام في الحفظ وإلزام القرابة بعض ما يزجر عن تضييع حقوق الرحم، ويدعو إلى القيام بالكفاية؛ إذ ضيق على الفاعل ذلك، وذلك يوجب قبل المواقعة الاستعلام عن الأحوال والجهد في الحفظ؛ إذ في ذلك بعض عقوبة أهل الاتصال من تكليف الإمساك والقيام بالكفاية؛ فيكون أبلغ في العفاف، وأقرب إلى الصلاح، وعلى مثل ذلك جعل أمر المعاقل؛ ليقوم أهل الصلاح في كل قبيلة في كف أهل الفساد عن الفساد، والله أعلم.
ثم لما انقطعت العادة وقام الناس بالتعاهد، وتفرق الفريقان حتى لا يؤذن بالاجتماع، إلا أن يكون ثَمَّ مَنْ جُبِلَ على الإياس من ذلك وأنشىء على قطع الشهوة فيهن، فجعل في ذلك حد، وجعل في ذلك لهن سبيلا، وذلك - والله أعلم - يخرج على أوجه، يجب التأمل في الوجه الذي سمى ما نسخ به اللازم في ذلك، وذكر فيما ذكر حد مرة ورجم ثانياً، ومعلوم أن المجعول له السبيل، والرجم والحد أشد عليهم من الحبس، وقد رُوي عن نبي الرحمة أنه قال: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْريبُ عَامٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ" فهو - والله أعلم - أن بهذه الشريعة خلى سبيلهن، لا أن أوجب على المحبوسات إقامة ذلك بما قد حبس بالزنا، ولكن في هذا تخلية السبيل، على أنهن؛ إذا زنين فعل بهن ذلك على رفع الحبس عنهن إذا حبس بما لم يبين حد ذلك، فإذا بين زال ذلك ولا حد حتى يكون منها ذلك، فالسبيل المجعول لهن تخلية السبيل، ثم بين الحكم في الحادث.
ووجه آخر: أن السبيل في الحقيقة مجعول لمن كلف إمساكهن، وإن أضيف إليهن بما فيهن ضيق عليهم الأمر، وذلك كقوله - -: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ والإماء لا يؤتين الأجر، لكن بما بمعنى فيهن ذكر الأجر، فأضيف إليهن، وعلى نحو أضيف أهل القرى إلى القرى بالتسمية، فأخرجت على تسمية القرى، وإذا كان المراد أهل ذلك في حق تسمية الأهل التذكير والقرية التأنيث، فكأنه جعل للمأمورين بالإمساك سبيلا في أن يقيموا الحد، ويزول عنهم مؤنة الإمساك والقيام بالكفاية.
والثالث: أن يكون في طول الحبس ضجر [و] ضيق، وحيلولة بين المحبوس والشهوات كلها، وقطع [ما] بينه وبين الأحباب، وتحمل مثله بمرة أيسر على النفس وأهون من دوام الذل والقهر، ثم لا مخلص عن ذلك إلا بما في الأول يكون ثمرة؛ فلذلك سمي - والله أعلم - ذلك سبيلا لهن.
ثم دل الخبر الذي ذكرت على أمرين: أحدهما: أن الحبس - وإن كان مذكوراً في النساء خاصة - فهو في جميع الزناة؛ لأنه قال [رسول الله ]: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً" ثم ذكر ما به جعل لهن السبيل، في الذكور والإناث، في المحصنين وغيرهم جميعاً؛ ليعلم أن الحكم يجمع الكل وإن كان الذِّكْرُ فيهن، وذلك كما ذكر حد المماليك في الإماء، وحد الزناة في قذف المحصنات، والحكم يجمع الذكر والأنثى من حيث اتفاق المعنى الذي له جعل، فمثله فيما نحن فيه.
والثاني: بيان نسخ المذكور من الحكم في الكتاب بالسنة، وذلك لوجهين: أحدهما: أنه لم يوجد على الترتيب الذي ذكر في القرآن مع ما ذكر تخلية السبيل، وليس بمذكور في شيء من القرآن؛ ثبت أن ذلك كان بوحي غير القرآن.
والثاني: أنه - - قال: "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي" ثم أخبر عن جعل الله لهن السبيل؛ فدل قوله : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي" [أنه بيان الله]، وهكذا معنى النسخ أن بيان جعل الله مدة حكم الأوَّل بما يحدث فيه الحكم، وليس قول من يقول في هذا في القرآن وعد بقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ - معنى؛ لأن كل شيء في حكم الله أنه ينسخه، فالوعد في حكمه قائم، إلا أن يقول قائل: لا يصدق الرسول ببيان وعد الحكم، وإنما يصدق ببيان وعد الشرط؛ فيحتاج أن يحدث منه إيماناً، والله الموفق، مع ما إذا جاز أن يعد النسخ المذكور في القرآن حقيقة، لا فيه يجوز أن ينسخ المذكور حقيقته لا فيه.
وبعد، فإن من يقول هذا بعثه عليه جهله بمعنى النسخ: أنه البيان عن منتهي حكم المذكور من الوقت، ولا ريب أن لرسول الله بيان منتهي الحكم من النوع، فمثله الوقت.
ثم إذا كان هذا أول عقوبة في الإسلام؛ فثبت به نسخ الحكم بالتوراة والعمل إذا كان فيه الرجم، وقد ذكر أن رسول الله إنما رجم بحكم التوراة، وقال: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً أَمَاتُوهَا" .
وإذا ثبت أن ذلك حكم التوراة ثم ثبت نسخ حكمه، فلا يقام عليهم الرجم إلا بعد البيان مع ما جاء عن رسول الله أنه قال: "مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ" ، وأنه أخبر بالرجم في القرآن للمحصن.
وقال قوم: عقوبة الحبس في الإناث خاصة، وأما في الذكور ففيهم الأذى باللسان والتعزير بقوله - -: ﴿ وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا...
﴾ الآية، وهذا قريب من حيث كانت النساء مكانهن البيوت، وأمكن حفظهن عن الزنا، وتسليمهن إلى الأزواج مرة والمحارم ثانياً، والرجال إذا حبسوا تحولت مؤنهم إلى غيرهم، فتكون عقوبة فعلهم تلزم غيرهم، والراحة تكون لهم، وأمّا النساء فمؤنهنَّ في الأصل على غيرهنَّ، فليس في حبسهنَّ زيادة على غيرهن، فذلك عقوبة لهنَّ مع ما كان الرجال بحيث يمكن تعييرهم، وذلك أبلغ ما يزجر العقلاء، وقد يحتمل أن يكون ذلك في الرجال خاصة؛ إذ لا يذكر في عمل قوم لوط العقوبة، وقد علم الله - وتعالى - حاجة الناس إلى معرفة عقوبة ذلك؛ إذ قد جعل الله - - في إتيان النساء حقوقاً وحرمات وأحكاماً ليست في إتيان الذكور، عرف الخلائق تلك؛ فلم يحتمل أن يترك ذكر عقوبة للذكور في الزنا بعد أن فرق أحكام الأمرين؛ فيشبه أن تكون الآية على ذلك؛ وأيد ذلك عز وجل أنه - وتعالى - قال: ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ ﴾ ولم يذكر في ذلك جعل السبيل، وقد ذكر رسول الله ذلك في كل أقسام الزنا، ثبت أن ذلك فيما ذكر، فتكون عقوبة الأولى في ذلك أخف من الحدّ، فكذلك عقوبة الثانية مع ما يكون فيما يؤذيان بتفريق، وهو تعزير، وذلك هو الباقي أبداً إذا لم يظهر معنى النسخ، وأيد الذي ذكرت استواء الذكور والإناث في جميع عقوبات الزنا في قديم الدهر وحديثه من حدود المماليك والأحرار، والثيبات والأبكار، فعلى ذلك أمر تأويل الآية.
والنفي المذكور في الخبر يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذهب إليه الخصوم من جعله عقوبة، وأنَّه النفي من البلد، لكن الحدود إذا جعلت كفارات قد جعلن زواجر، وفي الزنا بخاصّة إذا أمر فيه بالحبس أريد قطع السبيل إليه، وفي الإشخاص والإخراج من البلدان تمكين، وذلك بعيد، والله أعلم.
فعلى ذلك لو كان عقوبة فهو على الحبس، فينتفي عن وجوه الاجتماع على ما كان من قبل، فينتفي ذلك العذر منه؛ لظهور خشوع التوبة.
وقد يحتمل أن يراد بالنفي قطع الذكر ورفع المسبَّة، فينفي؛ لينسى ذلك؛ فلا يعير بذلك، وكذلك في الإماء ولا في الكفر؛ إذ ما فيهم من الذل أعظم مع ما لا يجب بسبِّ من ذكرت حد؛ ليعلم عظيم موقع ذلك في الأحرار، ولو كان على العقوبة فهو منسوخ بما جرت السنة في الإماء بحدهن من غير ذكر الحبس، وقد قال الله وتعالى : ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ والمذكور في الثيب يحتمل: يجلد في حال ويرجم في حال؛ إذ لا كل ثيب يجلد، وإن كان ثم نسخ بما ذكر من خبر ماعز وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآذُوهُمَا ﴾ \[قيل: فآذوهما\] بالحدّ.
وقيل: فآذوهما بالتعيير ﴿ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ كُفُّوا عن ذلك.
وقيل: سبوهما، لكن ذا قبيح، والتعيير أقرب.
<div class="verse-tafsir"
واللاتي يرتكبن فاحشة الزنى من نسائكم محصنات وغير محصنات فاستشهدوا عليهن أربعة رجال مسلمين عدول، فإن شهدوا عليهن بارتكابها فاحبسوهن في البيوت عقوبة لهن، حتى تنقضي حياتهن بالموت، أو يجعل الله لهن طريقًا غير طريق الحبس.
ثم بَيّن الله السبيل لهم بعد ذلك، فشرع جلد البكر الزانية مئة جلدة وتغريب عام، ورجم المُحصَنة.
<div class="verse-tafsir" id="91.3myZ8"
اختلف المفسرون في الآيتين فالجمهور على أنهما في الزنا خاصة، ولأجل الفرار من التكرار قالوا: إن الآية الأولى في المحصنات أي الثيبات فهن اللواتي كان يحبسن في البيوت إذا زنين حتى يتوفاهن الموت، والثانية في غير المحصنين والمحصنات أي في الأبكار ولهذا كان العقاب فيها أخف، وعلى هذا يكون الزاني المحصن مسكوتا عنه.
والآيتان على هذا القول منسوختان بالحد المفروض في سورة النور وهو السبيل الذي جعله الله للنساء اللواتي يمسكن في البيوت.
ولكن يبقى في نظم الآية شيء وهو أن كلا من توفِّي الموت ومن جعل السبيل قد جعل غاية للإمساك في البيوت بعد وقوعه، فعلى هذا لا يصح تفسير السبيل بإنزال حكم جديد فيهن يكون المعني على هذا التفسير فامسكوهن في البيوت إلى أن يمتن أو ينزل الله فيهن حكمًا جديدًا.
وقد فسر السبيل بعضهم بالزواج كأن يسخر الله للمرأة المحبوسة رجلًا آخر يتزوجها، وقد وافق (الجلال) الجمهور في الأولى وخالفهم في الثانية فقال إنها في الزنا واللواط معا ثم رجح أنها في اللواط، فتكون الأولى منسوخة على رأيه، والثانية غير منسوخة.
وخالف الجمهور أبو مسلم في الآيتين فقال: إن الأولى في المساحقات، والثانية في اللواط فلا نسخ.
وحكمة حبس المساحقات على هذا القول هو أن المرأة التي تعتاد المساحقة تأبى الرجال وتكره قربهم -أي فلا ترضى أن تكون حرثًا للنسل- فتعاقب بالإمساك في البيت والمنع من مخالطة أمثالها من النساء إلى أن تموت أو تتزوج.
وفي إسناد جعل السبيل لها إلى الله تعالى إشارة إلى عسر النزوع عن هذه العادة الذميمة، والشفاء منها حتى بالترك الذي هو أثر الحبس فكأنها لا تزول إلا بعناية خاصة منه تعالى.
واعترض على أبي مسلم بأن تفسير الفاحشة في الآية الأولى لم يقل به أحد وبأن الصحابة اختلفوا في حد اللواط، فأجاب عن الأول بأن مجاهدًا قال به، وناهيك بمجاهد، وبأنه ثَبتَ في الأصول أنه يجوز للعالم أن يفسر القرآن ويفهم منه ما لم يكن مرويًا عن أحد بشرط أن لا يخرج بذلك عن مدلولات اللغة العربية في مفرداتها وأساليبها، وأجاب عن الثاني بأن الصحابة إنما اختلفوا في حد اللواط وهذا لا يمنع كون الآية نزلت في العقوبة عليه وهي لا حد فيها.
ومما يجاب به عن أبي مسلم أن الصحابة ما كانوا يجلسون لتفسير القرآن إلا عند الحاجة، وإنما كانوا يتدارسونه ويتدبرونه للاهتداء والاتعاظ وهم يفهمونه لأنه نزل بلغتهم فإذا سألهم سائل عن تفسير آية ذكروا له تفسيرها، وقد يسكتون عن حكم الشيء السنين الطوال لعدم وقوعه فإذا وقعت الواقعة ذكروا حكمها، فإذا جاء في القرآن حكم السحاق ولم نجد عندنا رواية عن الصحابة فيه ولا حكمًا منهم على امرأة بالحبس لأجله علمنا أن سبب هذا وذاك هو أنه لم يقع في زمنهم ويشهد به أربعة منهم، وإذا كان القرآن يضع عقابًا على فاحشة أو جريمة فيمتنع عنها أهل الإيمان فلا تقع، أو لا تظهر فيهم ولا تثبت على أحد، فهذا مما نحمد الله تعالى عليه ونحمد المؤمنين والمؤمنات، ولا نعده من المستحيلات، فالحق أن ما ذهب إليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين.
وبحثوا في جمع اللاتي يأتين الفاحشة وتثنية اللذين يأتيانها وعدوه مشكلًا، وما هو بمشكل، بل نكتته ظاهرة وهي أن النساء لما كن لا يجدن من العار في السحاق ما يجده الرجل في إتيان مثله كانت فاحشة السحاق مظنة الشيوع والإظهار بين النساء، وفاحشة اللواط مظنة الإخفاء حتى لا تكاد تتجاوز اللذين يأتيانها.
ففي التعبير بصيغة المثنى إشارة إلى ذلك وتقرير لكون فاحشة اللواط عارًا فاضحًا يتبرأ منه كل ذي فطرة سليمة، ويجوز أن يكون اختلاف التعبير بالجمع والتثنية من باب التنويع فذلك معهود في الكلام البليغ مع الأمن من الاشتباه.
<div class="verse-tafsir"