تفسير سورة النساء الآيات ٢-٤ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٢-٤

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا ٢ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟ ٣ وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قلنا إن الكلام في أوائل هذه السورة في الأهل والأقارب والأزواج وهو يتسلسل في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ الآية، ولذلك افتتحها بالتذكير بالقرابة والأخوة العامة، وهي كون الأمة من نفس واحدة ثم طفق يبين حقوق الضعفاء من الناس كاليتامى، والنساء، والسفهاء، ويأمر بالتزامها فقال: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ واليتيم لغة من مات أبوه مطلقًا، وفي عرف الفقهاء من مات أبوه وهو صغير فمتى بلغ زال يتمه، إلا إذا بلغ سفيهًا فإنه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر.

ومعنى إيتاء اليتامى أموالهم هو جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل، أي أنفقوا عليهم من أموالهم حتى يزول يتمهم بالرشد كما يأتي في آية ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى  ﴾ فعند ذلك يدفع إليهم ما بقي لهم بعد النفقة عليهم في زمن اليتم والقصور.

فهذه الآية في إعطاء اليتامى أموالهم في حالتي اليتم والرشد، كل حالة بحسبها، وتلك خاصة بحال الرشد، وليس في هذه تجوز كما قالوا فإن نفقة ولي اليتيم عليه من ماله يصدق عليه أنه إيتاء مال اليتيم لليتيم.

والمقصود من هذه الآية ظاهر وهو المحافظة على مال اليتيم وجعله له خاصة وعدم هضم شيء منه لأن اليتيم ضعيف لا يقدر على حفظه والدفاع عنه ولذلك قال: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ  ﴾ المراد بالخبيث الحرام، وبالطيب الحلال، أي لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والأحوال التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم.

يعني أن الإنسان إنما يباح له التمتع بمال نفسه في الطرق المشروعة فإذا عرض له استمتاع فعليه أن يجعله من مال نفسه لا من مال اليتيم الذي هو قيم ووصي عليه، فإذا استمتع بمال اليتيم فقد جعل مال اليتيم في هذا الوضع بدلًا من ماله، وبهذا يظهر معني التبدل والاستبدال.

وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  ﴾ أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، وهذا صريح فيما إذا كان للولي مال يضم مال اليتيم إليه، ويمكن أن يقال إن أكله مفردًا غير مضموم إلى مال الولي أولى بالتحريم وهو داخل في عموم قوله: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ وقيل يفهم من هذا القيد جواز أكل الوصي الفقير الذي لا مال له شيئًا من مال اليتيم.

وسيأتي التصريح بذلك في الآية السادسة.

﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا  ﴾ أي إن أكل مال اليتيم، أو تبدل الخبيث بالطيب منه، أو ما ذكر من مجموع الأمرين، وكانت تفعله الجاهلية، كان في حكم الله حوبًا كبيرًا أي إثمًا عظيمًا.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ .

جاء ذكر تعدد الزوجات في سياق الكلام على اليتامى، والنهي عن أكل أموالهم ولو بواسطة الزوجية، فقال إن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم أن لا تتزوجوا بها فإن الله تعالى جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن إلى أربع نسوة، ولكن إن خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجات، أو الزوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط، والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه بل يصدق بتوهمه أيضًا، ولكن الشرع قد يغتفر الوهم لأنه قلما يخلو منه علم بمثل هذه الأمور فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه، أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفًا.

ولما قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً  ﴾ علله بقوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب من عدم الجور والظلم فجعل البعد من الجور سببًا في التشريع، وهذا مؤكد لاشتراط العدل ووجوب تحريه، ومنبه إلى أن العدل عزيز.

وقد قال تعالى في آية أخرى من هذه السورة ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  ﴾ وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجًا عدم جواز التعدد بوجه ما، ولما كان يظهر وجه قوله بعد ما تقدم من الآية ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ  ﴾ والله يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه، وقد كان النبي  يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه ولكنه لا يخصها بشيء دونهن، أي بغير رضاهن وإذنهن، وكان يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك".

أي من ميل القلب.

فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت ومن البيوت إلى الأمة.

كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى به العصبية، ولم يكن له من الضرر مثل ما له الآن لأن الدين كان متمكنًا في نفوس النساء والرجال، وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها، أما اليوم فإن الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها إلى والده إلى سائر أقاربه فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء، تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه فيدب الفساد في العائلة كلها، ولو شئت تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين فمنها السرقة، والزنا، والكذب، والخيانة، والجبن، والتزوير بل منها القتل حتى قتل الولد والده، والوالد ولده، والزوجة زوجها، والزوج زوجته، كل ذلك واقع ثابت في المحاكم.

وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد، وهي جاهلة بنفسها وجاهلة بدينها، لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها، يتبرأ منها كل كتاب منزل وكل نبي مرسل، فلو تربي النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما كان يكون ضرره قاصرًا عليهن في الغالب.

أما والأمر على ما نرى ونسمع فلا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة، خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم، فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعًا عند الخوف من عدم العدل.

تقدم أن إباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى عن كثرة الأزواج، وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلًا أو فاسدًا، فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد فقد يخاف الظلم وقد يظلم ثم يتوب فيعدل فيعيش عيشة حلالًا.

أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿ فَوَاحِدَةً  ﴾ أي فالزموا زوجًا واحدة وأمسكوا زوجًا واحدة مع العدل -وهذا فيمن كان متزوجًا كثيرات- أو الزموا ما ملكت أيمانكم واكتفوا بالتسري بهن بغير شرط، ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب إلى عدم العول وهو الجور، فإن العدل بين الإماء في الفراش غير واجب إذ لا حق لهن فيه وإنما لهن الحق في الكفاية بالمعروف، وهذا لا يفيد حل ما جرى عليه المسلمون منذ قرون كثيرة من الإسراف في التمتع بالجواري المملوكات بحق أو بغير حق مهما ترتب على ذلك من المفاسد، كما شوهد ولا يزال يشاهد في بعض البلاد إلى الآن.

﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً  ﴾ الصدقات جمع صدقة بضم الدال وفيه لغات منها الصداق وهو ما يعطى للمرأة قبل الدخول عن طيب نفس، وينبغي أن يلاحظ في هذا العطاء معنى أعلى من المعنى الذي لاحظه الذين يسمون أنفسهم الفقهاء من أن الصداق والمهر بمعنى العوض عن البضع والثمن له، كلا إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال "نحلة"، فالذي ينبغي أن يلاحظ هو أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري والمستأجر، وترى عرف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه الزوج بالهدايا والتحف.

﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا  ﴾ لا يجوز للرجل أن يأكل شيئًا من مال امرأته إلا إذا علم أن نفسها طيبة به، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى على أحد، وإن كان اللابسون لباس الصالحين المتحلين بعقود السبح الذين يحركون شفاههم ويلوكون ألسنتهم بما يسمونه ذكرًا يستحلون أكل أموال نسائهم إذا أعطينها، أو أجزن أخذها بالترهيب أو الخداع أو الخجل، ويقولون إنهن أعطيننا ولنا الظاهر والله يتولى السرائر.

وقد قال تعالى في آية آتية ﴿ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  ﴾ فإذا شدد هذا التشديد في طور المفارقة فكيف يكون الحكم في طور الاجتماع والمعاشرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله