الآية ٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٤ من سورة النساء

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا ٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 170 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : النحلة : المهر .

وقال محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : نحلة : فريضة .

وقال مقاتل وقتادة وابن جريج : نحلة : أي فريضة .

زاد ابن جريج : مسماه .

وقال ابن زيد : النحلة في كلام العرب : الواجب ، يقول : لا تنكحها إلا بشيء واجب لها ، وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب ، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبا بغير حق .

ومضمون كلامهم : أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتما ، وأن يكون طيب النفس بذلك ، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبا بها ، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك ، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبا; ولهذا قال [ تعالى ] ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن السدي ، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة ، عن علي قال : إذا اشتكى أحدكم شيئا ، فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك ، فليبتع بها عسلا ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئا مريئا شفاء مباركا .

وقال هشيم ، عن سيار ، عن أبي صالح قال : كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها ، فنهاهم الله عن ذلك ، ونزل : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا وكيع ، عن سفيان عن عمير الخثعمي ، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي ، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) قالوا : يا رسول الله ، فما العلائق بينهم ؟

قال : " ما تراضى عليه أهلوهم " .

وقد روى ابن مردويه من طريق حجاج بن أرطاة ، عن عبد الملك بن المغيرة ، عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمر بن الخطاب قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أنكحوا الأيامى " ثلاثا ، فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، ما العلائق بينهم ؟

قال : " ما تراضى عليه أهلوهم " .

ابن البيلماني ضعيف ، ثم فيه انقطاع أيضا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: وأعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، (80) وفريضة لازمة.

* * * يقال منه: " نَحَل فلان فلانًا كذا فهو يَنْحَله نِحْلة ونُحْلا "، (81) كما:- 8506 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا &; 7-553 &; سعيد، عن قتادة قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، يقول: فريضة.

8507 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، أخبرني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، يعني بـ" النحلة "، المهر.

8508 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، قال: فريضة مسماة.

8509 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، قال: " النحلة " في كلام العرب، الواجب= يقول: لا ينكحها إلا بشيء واجب لها، صدقة يسميها لها واجبة، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة، بعد النبي صلى الله عليه وسلم ،إلا بصداقٍ واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق.

* * * وقال آخرون: بل عنى بقوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "، أولياء النساء، وذلك أنهم كانوا يأخذون صَدقاتهن.

* ذكر من قال ذلك : 8510 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن سيار، عن أبي صالح قال، كان الرجل إذا زوج أيِّمه أخذ صداقها دونها، (82) فنهاهم الله تبارك وتعالى عن ذلك، ونـزلت: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " .

* * * وقال آخرون: بل كان ذلك من أولياء النساء، بأن يعطى الرجل أخته لرجل، على أن يعطيه الآخر أخته، على أن لا كثير مهر بينهما، فنهوا عن ذلك.

(83) * ذكر من قال ذلك: 8511 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن أناسًا كانوا يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثير مهر، فقال الله تبارك وتعالى: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك، التأويل الذي قلناه.

وذلك أن الله تبارك وتعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنّ والجور عليهن، وعرّفهم سبيلَ النجاة من ظلمهنّ.

ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم.

فإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ، هم الذين قيل لهم: " وآتوا النساء صدقاتهن "= وأن معناه: وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال في أوّل [الآية]: (84) فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، ولم يقل: " فأنكحوا "، فيكون قوله: " وآتوا النساء صدقاتهن "، مصروفًا إلى أنه معنيّ به أولياء النساء دون أزواجهن.

وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق.

* * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن وهب لكم، أيها الرجال، نساؤكم شيئًا من صدقاتهن، طيبة بذلك أنفسهن، فكلوه هنيئًا مريئًا، كما:- 8512 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا عمارة، عن عكرمة: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: المهر.

8513 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني حَرَميّ بن عمارة قال، حدثنا شعبة، عن عمارة، عن عكرمة، [عن عمارة] في قوله الله تبارك وتعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: الصدقات.

(85) 8514 - حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " قال: الأزواج.

8515 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عبيدة قال، قال لي إبراهيم: أكلتَ من الهنيء المريء!

قلت: ما ذاك؟

قال: امرأتك أعطتك من صَداقها.

8516 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: دخل رجل على علقمة وهو يأكل من طعام بين يديه، من شيء أعطته امرأته من صداقها أو غيره، فقال له علقمة: ادْنُ فكل من الهنيء المريء!

8517 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا "، يقول: إذا كان غيرَ إضرار ولا خديعة، فهو هنيء مريء، كما قال الله جل ثناؤه.

8518 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: الصداق،" فكلوه هنيئًا مريئًا ".

8519 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " بعد أن توجبوه لهنّ وتُحُّلوه، =" فكلوه هنيئًا مريئًا ".

(86) .

8520 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن أناسًا كانوا يتأثمون أن يُراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته، (87) فقال الله تبارك وتعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا ".

8521 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا "، يقول: ما طابت به نفسًا في غير كَرْه أو هوان، (88) فقد أحلّ الله لك ذلك أن تأكله هنيئًا مريئًا.

* * * وقال آخرون: بل عنى بهذا القول أولياء النساء، فقيل لهم: إن طابت أنفس النساء اللواتي إليكم عصمة نكاحهن، بصدقاتهن نفسًا، فكلوه هنيئًا مريئًا.

* ذكر من قال ذلك: 8522 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا سيار، عن أبي صالح في قوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، قال: كان الرجل إذا زوّج ابنته، عمد إلى صداقها فأخذه، قال: فنـزلت هذه الآية في الأولياء: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا ".

* * * قال أبو جعفر وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويلُ الذي قلنا= وأن الآية مخاطب بها الأزواج.

لأن افتتاح الآية مبتدأ بذكرهم، وقوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " في سياقه.

* * * وإن قال قائل: فكيف قيل: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا "، وقد علمت أنّ معنى الكلام: فإن طابت لكم أنفسهن بشيء؟

وكيف وُحِّدت " النفس "، والمعنى للجميع؟

وذلك أنه تعالى ذكره قال: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً .

قيل: أما نقل فعل النفوس إلى أصحاب النفوس، فإن ذلك المستفيض في كلام العرب.

من كلامها المعروف: " ضِقت بهذا الأمر ذراعًا وذرعًا "=" وقررت بهذا الأمر عينًا "، والمعنى!

ضاق به ذرعي، وقرّت به عيني، كما قال الشاعر: (89) إِذَا التَيَّــازُ ذُو العَضَــلاتِ قُلْنَــا: إلَيْـكَ إلَيْـكَ !

ضَـاقَ بِهـا ذِرَاعَـا (90) فنقل صفة " الذراع " إلى " رب الذراع "، ثم أخرج " الذراع " مفسِّرة لموقع الفعل.

وكذلك وحد " النفس " في قوله: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " إذ كانت " النفس " مفسِّرة لموقع الخبر.

(91) * * * وأما توحيد " النفس " من النفوس، لأنه إنما أراد " الهوى "، و " الهوى " يكون جماعة، كما قال الشاعر: (92) بهَـا جِـيَفُ الحَسْـرَى، فَأَمَّـا عِظَامُهَا فَبِيــضٌ، وأمّــا جِلْدُهَـا فَصَلِيـب (93) وكما قال الآخر: (94) فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينَا (95) وقال بعض نحويي الكوفة: جائز في" النفس " في هذا الموضع الجمع والتوحيد،" فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا " و " أنفسًا "، و " ضقت به ذراعًا " و " ذَرْعًا " و " أذْرُعًا "، لأنه منسوب إليك وإلى من تخبر عنه، فاكتفى بالواحد عن الجمع لذلك، ولم يذهب الوهم إلى أنه ليس بمعنى جمع، لأن قبله جمعًا.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن " النفس " وقع موقع الأسماء التي تأتي بلفظ الواحد، مؤدِّيةً معناه إذا ذكر بلفظ الواحد، وأنه بمعنى الجمع عن الجميع.

* * * وأما قوله: " هنيئًا "، فإنه مأخوذ من: " هنأت البعير بالقَطِران "، إذا جَرِب فعُولج به، كما قال الشاعر: (96) مُتَبَــــذِّلا تَبْـــدُو مَحَاسِـــنُهُ يَضَــعُ الهِنَــاء مَــوَاضِعَ النُّقْـبِ (97) فكأنّ معنى قوله: " فكلوه هنيئًا مريئًا "، فكلوه دواء شافيًا.

* * * يقال منه: " هنأني الطعام ومرَأني"، أي صار لي دواء وعلاجًا شافيًا،" وهنِئني ومرِئني" بالكسر، وهي قليلة.

والذين يقولون هذا القول، يقولون: " يهنَأني ويمرَأني"، والذين يقولون: " هَنَأني" يقولون: " يَهْنِيني وَيمْريني".

فإذا أفردوا قالوا: " قد أمرأني هذا الطعام إمراء ".

ويقال: " هَنَأت القوم " إذا عُلتهم، سمع من العرب من يقول: " إنما سميت هانئًا لتهنأ "، بمعنى: لتعول وتكفي.

------------------------- الهوامش : (80) في المخطوطة: "عليه واجبة" ، ووضع على"عليه" حرف"ط" ، دلالة على الخطأ.

والصواب ما كان في المطبوعة.

(81) "نحلة" (بكسر النون وسكون الحاء) مصدر مثل"حكمة".

و"نحلا" (بضم النون وسكون الحاء) مصدر أيضًا مثل"حكم" (بضم الحاء).

(82) في المطبوعة: "إذا زوج أيمة" بالتاء في آخره ، وهو خطأ.

يقال ، "امرأة أيم ، ورجل أيم: ".

وهي من النساء التي لا زوج لها ، بكرًا كانت أو ثيبًا= ومن الرجال ، الذي لا امرأة له.

(83) وذلك هو"الشغار" شغار المتناكحين بغير مهر ، إلا بضع وليته أو أيمه.

وكان ذلك من نكاح الجاهلية ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.

(84) في المخطوطة ، أسقط ذكر"الآية" التي وضعتها بين القوسين ، وفي المطبوعة جعلها"في الأول" ، والسياق يقتضي الزيادة كما أثبتها.

(85) الأثر: 8513-"حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي".

أبو روح ، روى عن شعبة.

قال أحمد: "صدوق ، كانت فيه غفلة" ، مترجم في التهذيب.

و"عمارة" الراوي عن عكرمة ، هو أبو"حرمي بن عمارة" هذا ، وهو"عمارة بن أبي حفصة العتكي".

ثقة.

مترجم في التهذيب.

أما قوله"عكرمة ، عن عمارة" فلم أعرف فيمن روى عنه عكرمة من يسمى"عمارة" وظني أنه خطأ من الناسخ ، إما أن يكون كرر"عمارة" ، أو يكون صوابه"عن ابن عباس" ، فسها وكتب"عن عمارة".

ولذلك وضعتها بين قوسين.

(86) في المطبوعة: "سمعت ابن زيد يقول في قوله: فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا" ، وهو كلام غير تام ، لم يذكر إلا نص الآية ، وأثبت ما في المخطوطة ، وإن كان سقط من الناسخ"فكلوه" ، فأثبتها.

(87) في المطبوعة: "أن يرجع أحدهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(88) في المخطوطة: "في غير ذكره أو هوان" ، والصواب ما في المطبوعة.

(89) هو القطامي.

(90) ديوانه: 44 ، معاني القرآن للفراء 1: 256 ، واللسان (تيز) ، ثم ج 20: 319 ، وقد استشهدت به فيما سلف 1: 446 ، تعليق: 6 ، فانظره ، من قصيدته التي مجد فيها زفر بن الحارث ، وهذا البيت في صفة ناقته التي أحسن القيام عليها حتى اشتدت وسمنت وامتلأت نشاطًا ، وقبله: فَلَمَّــا أن جَــرَى سِــمَنٌ عَلَيْهَـا كمــا بَطَّنْــتَ بــالفَدَن السَّـيَاعَا أَمَــرْتُ بِهَــا الرِّجَـالَ ليأخُذُوهَـا وَنَحْــنُ نَظُــنُّ أَنْ لَـنْ تُسْـتَطَاعَا "السياع" الطين ، و"الفدن" القصر.

وقلب الكلام ، وأصله: كما بطنت الفدن بالسياع ، فصار أملس.

يصف سمنها حتى امتلأت واشتدت كأنها قصر مشيد.

و"التياز": الكثير اللحم الغليظ الشديد.

وقوله: "إليك ، إليك" ، أي خذها.

يقول له: خذها واضبطها ، ولكنه لم يقو عليها ، وضاق بها ذراعًا.

وقد رد ابن بري تفسير"إليك إليك" بمعنى: خذها لتركبها وتروضها ، وقال ، "هذا فيه إشكال ، لأن سيبويه وجميع البصريين ذهبوا إلى أن"إليك" بمعنى: تنح ، وأنها غير متعدية إلى مفعول ، وعلى ما فسروه في البيت ، يقتضي أنها متعدية ، لأنهم جعلوها بمعنى: خذها.

ورواه أبو عمرو الشيباني: "لديك لديك" ، عوضًا من"إليك إليك".

قال: وهذا أشبه بكلام العرب وقول النحويين ، لأن"لديك" بمعنى"عندك" و"عندك" في الإغراء تكون متعدية".

وعندي أن شرح الشراح في"إليك" صواب جيد ، وقد استدرك ابن بري اجتهاده ، ولم يصب فيما استدرك.

(91) "التفسير ، والمفسر": التمييز والمميز ، اصلاح الكوفيين ، انظر ما سلف في فهرس المصطلحات.

وانظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 256.

(92) هو علقمة بن عبدة (علقمة الفحل).

(93) ديوانه: 27 ، وشرح المفضليات: 777 ، وسيبويه 1: 107 وسيأتي في التفسير 17: 10 (بولاق) ، من قصيدته في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني ، حين أسر أخاه شأسًا ، فرحل إليه علقمة يطلب فكه.

وقوله: "بها جيف الحسري" ، الضمير عائد إلى"العلوب" في البيت السابق ، وهي آثار الطريق في متان الأرض ، و"الحسري" المعيية ، يتركها أصحابها فتموت ، و"الصليب": الودك الذي يسيل من جلودها إذا مضى على موتها زمن ، وهي تحت الشمس ووقدتها.

يقول: ماتت وتقادم بها العهد ، فابيضت عظامها ، وتفانى جلدها فلم يبق منه على أرض الطريق سوى آثار الودك الذي سال من جلودها.

والسياق: وأما جلدها ، فلا جلد ، إنما هو الصليب وحده.

والشاهد في البيت"جلدها" وقد أراد"جلودها".

(94) هو المسيب بن زيد مناة الغنوي.

(95) سيبويه 1: 107 ، وشرح المفضليات: 778 ، واللسان (شجا) ، وقبله: لا تُنْكِــرُوا القَتْــل وَقَــدْ سُـبِينَا يذكر قومًا سبوا من قومه ، فجاء قومه فقتلوا منهم ، فقال لهم: لا تنكروا قتلنا لكم ، وقد وقع علينا السباء؛ فإن نكن قتلنا منكم حتى صار القتل في حلوقكم كالعظم اعترض في مجراها ، ففي حلوقنا نحن أيضًا شجا قد اعترض ، هو سباؤكم من سبيتم منا.

يقول: هذه بهذه.

والشاهد قوله: "في حلقكم" ، وقد أراد"حلوقكم".

(96) هو دريد بن الصمة.

(97) الشعر والشعراء 302 ، والأغاني 10: 22 ، واللسان (نقب) ، وغيرها ، من أبياته التي قالها حين مر بالخنساء بنت عمرو بن الشريد ، وهي تهنأ بعيرًا لها ، وقد تبذلت حتى فرغت منه ، ثم نضت عنها ثيابها فاغتسلت ، ودريد يراها وهي لا تشعر به ، فأعجبته ، فانصرف إلى رحله يقول: حَــيُّوا تُمَـاضِرَ وَارْبعُــوا صَحْـبى وَقِفُــوا، فَــإِنَّ وُقُــوفَكُمْ حَسْـبى أَخُنَــاسَ، قَــدْ هَـامَ الفُـؤَادُ بكُـمْ وأصابَـــهُ تَبْــلٌ مِــنَ الحُــبِّ مَــا إِنْ رَأَيْــتُ وَلا سَــمِعْتُ بِـه كــاليَوْمَ طَــالِيَ أَيْنــقٍ جُــرْبِ مُتَبَــــــذِّلا ...

...

...

...

...

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

مُتَحَسِّــرًا نَضَــحَ الهِنَــاءُ بِــه نَضْــحَ العَبِــيرِ برَيْطَـةِ العَصْـبِ فَسَـــلِيهِمُ عَنِّـــي خُنَــاسَ، إِذَا عَـضَّ الجَـمِيعَ الخَـطْبُ: مَا خَطْبي? ثم خطبها إلى أبيها فردته ، فهجاها ، وزعم أنها ردته لأنه شيخ كبير ، فقيل للخنساء: ألا تجيبينه؟

فقالت: لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه.

و"النقب": (بضم النون وسكون القاف) و"النقب" (بضم ففتح) جمع نقبة: أول الجرب حين يبدو.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئافيه عشرة مسائل :الأولى : قوله تعالى : وآتوا النساء صدقاتهن الصدقات جمع ، الواحدة صدقة .

قال الأخفش : وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات ، وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت .

قال المازني : يقال صداق المرأة بالكسر ، ولا يقال بالفتح .

وحكى يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح ، عن النحاس .

والخطاب في هذه الآية للأزواج ؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج .

أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم .

وقيل : الخطاب للأولياء ؛ قاله أبو صالح .

وكان الولي يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا ، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهن .

قال في رواية الكلبي : أن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معه في العشرة لم يعطها من مهرها كثيرا ولا قليلا ، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير ؛ فنزل : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة .

وقال المعتمر بن سليمان ، عن أبيه : زعم حضرمي أن المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى ، فأمروا أن يضربوا المهور .

والأول أظهر ؛ فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد ؛ لأنه قال : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى إلى قوله : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة .

وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأول فيها هو الآخر .الثانية : هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة ، وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض أهل العلم من أهل العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق ؛ وليس بشيء ؛ لقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فعم .

وقال : فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف .

وأجمع العلماء أيضا أنه لا حد لكثيره ، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله : وآتيتم إحداهن قنطارا .

وقرأ [ ص: 23 ] الجمهور " صدقاتهن " بفتح الصاد وضم الدال .

وقرأ قتادة " صدقاتهن " بضم الصاد وسكون الدال .

وقرأ النخعي وابن وثاب بضمهما والتوحيد " صدقتهن "الثالثة : قوله تعالى : نحلة النحلة والنحلة ، بكسر النون وضمها لغتان .

وأصلها من العطاء ؛ نحلت فلانا شيئا أعطيته .

فالصداق عطية من الله تعالى للمرأة .

وقيل : نحلة أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع .

وقال قتادة : معنى نحلة فريضة واجبة .

ابن جريج وابن زيد : فريضة مسماة .

قال أبو عبيد : ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة .

وقال الزجاج : نحلة تدينا .

والنحلة الديانة والملة .

يقال .

هذا نحلته أي دينه .

وهذا يحسن مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية ، حتى قال بعض النساء في زوجها :لا يأخذ الحلوان من بناتناتقول : لا يفعل ما يفعله غيره .

فانتزعه الله منهم وأمر به للنساء .

و " نحلة " منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار فعل من لفظها تقديره أنحلوهن نحلة .

وقيل : هي نصب وقيل على التفسير .

وقيل : هي مصدر على غير الصدر في موضع الحال .الرابعة : قوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا مخاطبة للأزواج ، ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة ؛ وبه قال جمهور الفقهاء .

ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي مع أن الملك لها .

وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء ؛ لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا ، فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة .

والقول الأول أصح ؛ لأنه لم يتقدم للأولياء ذكر ، والضمير في منه عائد على الصداق .

وكذلك قال عكرمة وغيره .

وسبب الآية فيما ذكر أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت فإن طبن لكم .الخامسة : واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها ، ولا رجوع لها فيه .

إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه ، واحتج بقوله : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفسا .

قال ابن العربي : وهذا باطل ؛ لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها ؛ إذ ليس المراد صورة الأكل ، وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال ، وهذا بين .السادسة : فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يتزوج عليها ، وحطت عنه لذلك شيئا [ ص: 24 ] من صداقها ، ثم تزوج عليها فلا شيء لها عليه في رواية ابن القاسم ؛ لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه .

كما اشترط أهل بريرة أن تعتقها عائشة والولاء لبائعها ، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم العقد وأبطل الشرط .

كذلك هاهنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل الزيجة .

قال ابن عبد الحكم : إن كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع عليه بشيء ، وإن كانت وضعت عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها ؛ لأنه شرط على نفسه شرطا وأخذ عنه عوضا كان لها واجبا أخذه منه ، فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام : المؤمنون عند شروطهم .وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا ؛ لأنه ليس بمال ؛ إذ لا يمكن للمرأة هبته ولا الزوج أكله .

وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ومحمد والشافعي .

وقال أحمد بن حنبل وإسحاق ويعقوب : يكون صداقا ولا مهر لها غير العتق ؛ على حديث صفية - رواه الأئمة - أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها وجعل عتقها صداقها .

وروي عن أنس أنه فعله ، وهو راوي حديث صفية .

وأجاب الأولون بأن قالوا : لا حجة في حديث صفية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا في النكاح بأن يتزوج بغير صداق ، وقد أراد زينب فحرمت على زيد فدخل عليها بغير ولي ولا صداق .

فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا ؛ والله أعلم .الثامنة : قوله تعالى : نفسا قيل : هو منصوب على البيان .

ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون أن يتقدم ما كان منصوبا على البيان ، وأجاز ذلك المازني وأبو العباس المبرد إذا كان العامل فعلا .

وأنشد :وما كان نفسا بالفراق تطيبوفي التنزيل خشعا أبصارهم يخرجون فعلى هذا يجوز " شحما تفقأت .

ووجها حسنت " .

وقال أصحاب سيبويه : إن نفسا منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفسا ، وليست منصوبة على التمييز ؛ وإذا كان هذا فلا حجة فيه .

وقال الزجاج .

الرواية :وما كان نفسي .

.

.واتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم المميز إذا كان العامل غير متصرف كعشرين درهما .التاسعة : قوله تعالى : فكلوه ليس المقصود صورة الأكل ، وإنما المراد به الاستباحة [ ص: 25 ] بأي طريق كان ، وهو المعني بقوله في الآية التي بعدها إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .

وليس المراد نفس الأكل ؛ إلا أن الأكل لما كان أوفى أنواع التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالأكل .

ونظيره قوله تعالى : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع يعلم أن صورة البيع غير مقصودة ، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النكاح وغيره ؛ ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى .العاشرة : قوله تعالى : هنيئا مريئا منصوب على الحال من الهاء في كلوه وقيل : نعت لمصدر محذوف ، أي أكلا هنيئا بطيب الأنفس .

هنأه الطعام والشراب يهنؤه ، وما كان هنيئا ؛ ولقد هنؤ ، والمصدر الهنء .

وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنيء .

وهنيء اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف .

وهنئ يهنأ فهو هنئ على فعل كزمن .

وهنأني الطعام ومرأني على الإتباع ؛ فإذا لم يذكر " هنأني " قلت : أمرأني الطعام بالألف ، أي انهضم .

قال أبو علي : وهذا كما جاء في الحديث ارجعن مأزورات غير مأجورات .

فقلبوا الواو من ( موزورات ) ألفا إتباعا للفظ مأجورات .

وقال أبو العباس عن ابن الأعرابي : يقال هنيء وهنأني ومرأني وأمرأني ولا يقال مرئني ؛ حكاه الهروي .

وحكى القشيري أنه يقال : هنئني ومرئني بالكسر يهنأني ويمرأني ، وهو قليل .

وقيل : هنيئا لا إثم فيه ، ومريئا لا داء فيه .

قال كثير :هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلتودخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئا وهبته امرأته من مهرها فقال له : كل من الهنيء المريء .

وقيل : الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء ، والمريء المحمود العاقبة ، التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي .

يقول : لا تخافون في الدنيا به مطالبة ، ولا في الآخرة تبعة .

يدل عليه ما روى ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن هذه الآية فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه فقال : إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان ، ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ( إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته درهما من صداقها ثم ليشتر به عسلا فليشربه بماء السماء ؛ فيجمع الله عز وجل له الهنيء والمريء والماء المبارك ) .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضمونـهن حقوقهن، خصوصا الصداق الذي يكون شيئا كثيرًا، ودفعة واحدة، يشق دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء النساء { صَدُقَاتِهِنَّ } أي: مهورهن { نِحْلَةً } أي: عن طيب نفس، وحال طمأنينة، فلا تمطلوهن أو تبخسوا منه شيئا.

وفيه: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنـها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك.

{ فَإِنْ طِبْنَ لَكُم عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ } أي: من الصداق { نَفْسًا } بأن سمحن لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو تأخيره أو المعاوضة عنه.

{ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } أي: لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة.

وفيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها -ولو بالتبرع- إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به.

وفي قوله: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } وقال: { وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) قال الكلبي ومجاهد : هذا الخطاب للأولياء ، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا ، وإن كان زوجها غريبا حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك .

فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله .

[ قال الحضرمي : كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته ، ولا مهر بينهما ، فنهوا عن ذلك وأمروا بتسمية المهر في العقد .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن الشغار " .

والشغار : أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوج الرجل الآخر ابنته ، وليس بينهما صداق " وقال الآخرون : الخطاب للأزواج أمروا بإيتاء نسائهم الصداق ، وهذا أصح ، لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين ، والصدقات : المهور ، واحدها صدقة ( نحلة ) قال قتادة : فريضة ، وقال ابن جريج : فريضة مسماة ، قال أبو عبيدة : ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة ، وقال الكلبي : عطية وهبة ، وقال أبو عبيدة : عن طيب نفس ] ، وقال الزجاج : تدينا .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا الليث ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " .

( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ) يعني : فإن طابت نفوسهن بشيء من ذلك فوهبن منكم ، فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرا ، فلذلك وحد النفس ، كما قال الله تعالى : " وضاق بهم ذرعا " ( هود - 77 ) ( العنكبوت - 33 ) " وقري عينا " ( مريم - 26 ) وقيل : لفظها واحد ومعناها جمع ، ( فكلوه هنيئا مريئا ) سائغا طيبا ، يقال هنأ في الطعام يهنأ بفتح النون في الماضي وكسرها في الباقي ، وقيل : الهنأ : الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء ، والمريء : المحمود العاقبة التام الهضم الذي لا يضر ، قرأ أبو جعفر ( هنيا مريا ) بتشديد الياء فيهما من غير همز ، وكذلك " بري " ، " وبريون " ، " وبريا " " وكهية " والآخرون يهمزونها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وآتوا» أعطوا «النساء صدقاتهن» جمع صدقة مهورهن «نِحلة» مصدر عطية عن طيب نفس «فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا» تمييز محول عن الفاعل، أي طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق فوهبنه لكم «فكلوه هنيئا» طيبا «مريئا» محمود العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة نزلت ردا على كره ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأعطوا النساء مهورهن، عطية واجبة وفريضة لازمة عن طيب نفس منكم.

فإن طابت أنفسهن لكم عن شيء من المهر فوهَبْنه لكم فخذوه، وتصرَّفوا فيه، فهو حلال طيب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله تعالى الرجال أن يعطوا النساء مهورهن كاملة عن رضا وسماحة نفس ، وألا يطمعوا فى شيء مما أعطاه الله لهن فقال - تعالى - : ( وَآتُواْ النسآء .

.

.

) .وقوله ( صَدُقَاتِهِنَّ ) جمع صدقة - بضم الدال - وهى ما يعطى للزوجة من المهر .

وقوله ( نِحْلَةً ) أى عطية واجبة وفريضة لازمة .

إذ النحلة فى الأصل : العطية على سبيل التبرع .

يقال : نحله كذا نحلة ونحلا ، إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا مقابلة عوض .والمعنى : وأعطوا النساء مهورهن عطية عن طيب نفس منكم ، لأن هذه المهور قد فرضها الله لهن ، فلا يجوز أن يطمع فيها طامع ، أويغتالها مغتال ، والخطاب للأزواج .

قالوا : لأن الرجل كان يتزوج المرأة بلا مهر ويقول لها : أرثك وترثيننى؟

فتقول : نعم .

فأمروا أن يسرعوا إلى إعطاء المهور .وقيل : الخطاب لأولياء النساء ، وذلك لأن العرب فى الجاهلية كانت لا عطى النساء من مهورهن شيئا ، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا لك النافجة .

أى هنيئا لك هذه البنت التى تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أى تزيده وتكثره .وقد رجح ابن جرير كون الخطاب للأزواج فقال : " وذلك لأن الله - تعالى - ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء ، ونهاهم عن ظلمهن .

ولا دلالة فى الآية على أن الخطاب قد صرف عنهم إلى غيرهم .

فإذا كان ذلك كذلك؛ فمعلوم أن الذين قيل لهم : ( فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) هم الذين قيل لهم : ( وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ ) وأن معناه : وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهم نحلة ، لأنه قال فى الأول : ( فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء ) ولم يقل " فأنحكوا " حتى يكون قوله : ( وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ ) مصروفا إلى أنه معنى به أولياء النساء دون أزواجهن .

وهذا أمر من الله لأزواج النساء المسمى لهن الصداق أن يؤتوهن صدقاتهن والذي نراه أن الخطاب فى الآية الكريمة يتناول كل من له علاقة بالنساء من الأزواج أو الأولياء وغيرهم من الاحكام الذين اليهم المرجع في رد الحقوق إلى ذويها ، والضرب على أيدى المعتدين والطامعين فى حقوق النساء ، وذلك لأن الخطاب من أول السورة موجبة إلى الأولياء والأزواج فناسب أن يكون الخطاب هنا شاملا لكليهما فإن أعطوهن عن رضا كان حسنا وإلا أجبرهم الحكام على ذلك .وقوله : ( نِحْلَةً ) منصوب على الحالية من قوله ( صَدُقَاتِهِنَّ ) أي : منحولة معطاة عن طيب نفس .

أو منصوب على الحالية من المخاطبين .

أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبى النفوس بالإعطاء .وفي التعبير عن إيتاء المهور بالنحلة مع كونها واجبة الأداء .

لإفادة معنى الإيتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر دون أن يكون لهذه النحلة مقابل .وقوله - تعالى - ( فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ) بيان للحكم فيما إذا تنازل النساء عن شيء مما أعطوا عن طيب خاطر منهن أى عليكم أيها الرجال أن تدفعوا للنساء مهورهن مناولة أو التزاما .فإن حدث وتنازل لكم النساء عن شئ من هذه المهور بسماحة ورضا نفس ، فكلوه أكلا سائغا ، حميد المغبة ، حلال الطعمة ، خاليا من شائبة الحرام والشبهات :والضمير المجرور في قوله ( مِّنْهُ ) يعود إلى الصدقات أي المهور .وجئ به مفرداً مذكرا ، لجريانه مجرى اسم الاشارة كأنه قيل : فإن طابت أنفسهن لكم عن شئ من ذلك المذكور وهو الصدقات فكلوه .قال صاحب الكشاف : وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشطر على طيب النفس فقيل : فإن طبن ولم يقل فإن وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافى نفسها عن الموهوب عن طيب خاطر .والمعنى : فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ، وتجافت عنه نفوسهن طيبات لا لحياء عرض لهن منكم أو من غيركم ، ولا لاضطرارهن إلى الذل من شكاسة أخلاقكم ، وسوء معاشرتكم فكلوه هنيئا مريئا .وقوله ( نَفْساً ) منصوب على التمييز من الضمير وهو نون النسوة في قوله ( طِبْنَ ) .

.

وهو محول عن الفاعل والأصل فان طابت أنفسهن عن شئ منه فكلوه .وجئ به مفرداً لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه كقولك : عندى عشرون درهما .

والمراد بالأكل في قوله ( فَكُلُوهُ ) مطلق التصرف والانتفاع .وإنما خص الأكل بالذكر ، لأنه معظم وجوده التصرفات المالية .وقوله ( هَنِيئاً مَّرِيئاً ) حالان من الضمير المنصوب في قوله ( فَكُلُوهُ ) أو منصوبان على أنهما نعت لمصدر محذوف .

أي فكلوه أكلا هنيئا مريئا .

وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ .

يقال : هنؤ الطعام وهنئ هناءة .

إذا كان سائغا لاتنغيص فيه .

وقيل الهنئ ما أناك بلا مشقة ولا تبعة .ويقال مرأ الطعام - بتثليث الراء - مراءة فهو مرئ ، إذا كان حميد المغبة والمراد المبالغة في تحليل ما يأتيهم من نسائهم عن طيب خاطر منهن ، فقد كانوا يتأنمون من أخذ شئ من مهور نسائهم ، فقال الله - تعالى - لهم : إن طابت نفوسهن بالتنازل عن شئ من مهورهن لكم فكلوه هنيئا مريئا ، لأنه حلال خالص من الشوائب .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أنه لا بد في النكاح من صداق يعطى للمرأة سواء أسمى ذلك في العقد أم لم يسم .

قال القرطبي : وهو مجمع عليه ولا خلاف عليه .ومنها : أن هذا الصداق ملك لها ، ومن حقها أن تتصرف فيه بما شاءت .

ولم تفصل الآية بين أن تقبضه أولا .

ولذا قال بعض الفقهاء .

لها أن تبيع مهرها قبل أن تقبضه لأنه ملك بلا عوض وقال آخرون : ليس لها أن تبيعه حتى تقبضه لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض .ومنها أنه يجوز للمرأة أن تعطى زوجها - برضها واختيارها - مهرها أو جزاءاً منه سواء أكان مقبوضا معينا أم كان في الذمة .فشمل ذلك الهبة والإبراء .

وأنه ليس من حقها الرجوع فيما أعطت لأنها قد طابت نفسها بذلك .

وهذا رأى جمهور العلماء .

ويرى بعض العلماء أن من حقها الرجوع فيما أعطت .قال الفخر الرازى : قال بعض العلماء : إن وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفسا .

وعن الشعبى : أن أمرأة جاءت مع زوجها الى شريح القاضى فى عطية أعطتها إياه .

وهي تطلب الرجوع .

فقال شريحك رد عليها عطيتها .

فقال الرجل : أليس قد قال الله - تعالى - : ( فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ ) ؟

فقال شريح : لو طابت نفسها لما رجعت فيه .وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى قضائه .

أن النساء يعطين رغبة ورهبة .

فأيما امرأة اعطت ثم ارادت أن ترجع فذلك لها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَءاتُواْ النساء ﴾ خطاب لمن؟

فيه قولان: أحدهما: ان هذا خطاب لأولياء النساء، وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها الى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه، وقال ابن الأعرابي: النافجة يأخذه الرجل من الحلوان اذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بدفع الحق الى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

القول الثاني: ان الخطاب للأزواج.

أمروا بايتاء النساء مهورهن، وهذا قول: علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج، قال لأنه لا ذكر للأولياء هاهنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج.

المسألة الثانية: قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون المراد من الايتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد الالتزام، قال تعالى: ﴿ حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ  ﴾ والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها، فعلى هذا الوجه الأول كأن المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن، وعلى التقدير الثاني: كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم سواء سمي ذلك أو لم يسم، إلا ما خص به الرسول صلى الله عليه وسلم في الموهوبة، ثم قال رحمه الله: ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: ﴿ صدقاتهن ﴾ مهورهن، وفي حديث شريح: قضى ابن عباس لها بالصدقة وقرأ ﴿ صدقاتهن ﴾ بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن و ﴿ صدقاتهن ﴾ بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة، وقرئ ﴿ صدقاتهن ﴾ بضم الصاد والدال على التوحيد وهو مثقل صدقة كقوله في ظلمة: ظلمة، قال الواحدي: موضوع (ص د ق) على هذا الترتيب للكمال والصحة، فسمي المهر صداقاً وصدقة لأن عقد النكاح به يتم ويكمل.

المسألة الرابعة: في تفسير النحلة وجوه: الأول: قال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد: فريضة، وإنما فسروا النحلة بالفريضة، لأن النحلة في اللغة معناها الديانة والملة والشرعة والمذهب، يقال: فلان ينتحل كذا إذا كان يتدين به، ونحلته كذا أي دينه ومذهبه، فقوله: ﴿ آتَوْا النساء صدقاتهن نِحْلَةً ﴾ أي آتوهن مهورهن، فانها نحلة أي شريعة ودين ومذهب وما هو دين ومذهب فهو فريضة.

الثاني: قال الكلبي: نحلة أي عطية وهبة، يقال: نحلت فلانا شيئاً أنحله نحلة ونحلا، قال القفال: وأصله إضافة الشيء إلى غير من هوله، يقال: هذا شعر منحول، أي مضاف إلى غير قائله، وانتحلت كذا إذا ادعيته وأضفته إلى نفسك، وعلى هذا القول فالمهر عطية ممن؟

فيه احتمالان: أحدهما: أنه عطية من الزوج، وذلك لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله، فالزوج أعطاها المهر ولم يأخذ منها عوضا يملكه، فكان في معنى النحلة التي ليس بازائها بدل، وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا الملك، وقال آخرون إن الله تعالى جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركا بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر فكان ذلك عطية من الله ابتداء.

والقول الثالث: في تفسير النحلة قال أبو عبيدة: معنى قوله: ﴿ نِحْلَةً ﴾ أي عن طيب نفس، وذلك لأن النحلة في اللغة العطية من غير أخذ عوض، كما ينحل الرجل لولده شيئاً من ماله، وما أعطى من غير طلب عوض لا يكون إلا عن طيب النفس، فأمر الله باعطاء مهور النساء من غير مطالبة منهن ولا مخاصمة، لأن ما يؤخذ بالمحاكمة لا يقال له نحلة.

المسألة الخامسة: إن حملنا النحلة على الديانة ففي انتصابها وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولا له، والمعنى آتوهن مهورهن ديانة.

والثاني: أن يكون حالا من الصدقات أي دينا من الله شرعه وفرضه، وأما إن حملنا النحلة على العطية ففي انتصابها أيضاً وجهان: أحدهما: أنه نصب على المصدر، وذلك لأن النحلة والايتاء بمعنى الاعطاء، فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم.

والثاني: أنها نصب على الحال، ثم فيه وجهان: أحدهما: على الحال من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالاعطاء.

والثاني: على الحال من الصدقات، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس.

المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: الخلوة الصحيحة تقرر المهر، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا تقرره احتج أبو حنيفة على صحة قوله بهذه الآية، وذلك لأن هذا النص يقتضي إيجاب إيتاء المهر بالكلية مطلقا، ترك العمل به فيما إذا لم يحصل المسيس ولا الخلوة، فعند حصولهما وجب البقاء على مقتضى الآية.

أجاب أصحابنا بأن هذه عامة وقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ يدل على أنه لا يجب فيها إلا نصف المهر، وهذه الآية خاصة ولا شك أن الخاص مقدم على العام.

قوله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما أمرهم بايتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز قبول إبرائها وهبتها له، لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها بتركه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: نفسا: نصب على التمييز والمعنى: طابت أنفسهن لكم عن شيء من الصداق بنقل الفعل من الأنفس إليهن، فخرجت النفس مفسرة كما قالوا: أنت حسن وجها، والفعل في الأصل للوجه، فلما حول إلى صاحب الوجه خرج الوجه مفسراً لموقع الفعل، ومثله: قررت به عيناً وضقت به ذرعا.

المسألة الثانية: إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما.

قال الفراء: لو جمعت كان صوابا كقوله: ﴿ الأخسرين أعمالا  ﴾ .

المسألة الثالثة: من: في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ ليس للتبعيض، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  ﴾ وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية.

المسألة الرابعة: منه: أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم  ﴾ بعد ذكر الشهوات.

وروي أنه لما قال رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق فقيل له: الضمير في قوله كأنه ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول: كأنها، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول: كأنهما، فقال: أردت كأن ذاك، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت: وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا، وفيه وجه ثالث: وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق.

المسألة الخامسة: معنى الآية: فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن، فكلوه وأنفقوه، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب، ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: ﴿ فَإِن طِبْنَ ﴾ ولم يقل: فان وهبن أو سمحن، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة.

المسألة السادسة: الهنيء والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل: الهنئ ما يستلذه الآكل، والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وقيل: لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه.

وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران، فالهنيء شفاء من الجرب، قال المفسرون: المعنى انهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل، والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة.

المسألة السابعة: قوله: ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ وصف للمصدر، أي أكلا هنيئا مريئا، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على قوله: ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ ثم يبتدأ بقوله: ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هنأ مرأ.

المسألة الثامنة: دلت هذه الآية على أمور: منها: ان المهر لها ولا حق للولي فيه، ومنها جواز هبتها المهر للزوج، وجواز أن يأخذه الزوج، لأن قوله: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ يدل على المعنيين، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين.

وههنا بحث وهو أن قوله: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ يتناول ما إذ كان المهر عينا، أما إذا كان دينا فالآية غير متناولة له، فانه لا يقال لما في الذمة: كله هنيئاً مريئاً.

قلنا: المراد بقوله: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ ليس نفس الأكل، بل المراد منه حل التصرفات، وإنما خص الأكل بالذكر لأن معظم المقصود من المال إنما هو الأكل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ وقال: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل  ﴾ .

المسألة التاسعة: قال بعض العلماء: ان وهبت ثم طلبت بعد الهبة علم أنها لم تطب عنه نفساً، وعن الشعبي: أن امرأة جاءت مع زوجها شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب الرجوع فقال شريح: رد عليها، فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيء ﴾ فقال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.

وروي عنه أيضا: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله لأنهن يخدعن، وحكي أن رجلا من آل أبي معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة به نفسها، فقال عبد الملك: فان الآية التي بعدها ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ اردد عليها.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى قضاته: ان النساء يعطين رغبة ورهبة، فايما امرأة أعطته ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ صدقاتهن ﴾ مهورهن، وفي حديث شريح: قضى ابن عباس لها بالصدقة.

وقرئ: ﴿ صدقاتهن ﴾ بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن.

و ﴿ صدقاتهن ﴾ بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة.

وقرئ: ﴿ صدقتهن ﴾ ، بضم الصاد والدال على التوحيد، وهو تثقيل صدقة، كقولك في ظلمة: ظُلُمَه.

﴿ نِحْلَةً ﴾ من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً.

ومنه حديث أبي بكر رضي الله عنه: إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً بالعالية.

وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه قيل: وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة، أي أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين، أي آتوهنّ صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس.

وقيل: نحلة من الله عطية من عنده وتفضلاً منه عليهن، وقيل: النحلة الملة، ونحلة الإسلام خير النحل.

وفلان ينتحل كذا: أي يدين به.

والمعنى: آتوهن مهورهن ديانة، على أنها مفعول لها.

ويجوز أن يكون حالاً من الصدقات، أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

والخطاب للأزواج.

وقيل: للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم، وكانوا يقولون: هنيئاً لك النافجة، لمن تولد له بنت، يعنون: تأخذ مهرها فتنفج به مالك أي تعظمه.

الضمير في (منه) جار مجرى اسم الإشارة كأنه قيل عن شيء من ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم ﴾ [آل عمران: 15] بعد ذكر الشهوات، ومن الحجج المسموعة من أفواه العرب ما روى عن رؤبة أنه قيل له في قوله: كَأَنَّهُ فِي الْجِلدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ فقال: أردت كأن ذاك.

أو يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات وهو الصداق، لأنك لو قلت: وآتوا النساء صداقهن، لم تخل بالمعنى، فهو نحو قوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين ﴾ [المنافقون: 12] كأنه قيل: أصدّق.

و ﴿ نَفْساً ﴾ تمييز، وتوحيدها لأنّ الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه.

والمعنى: فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم ﴿ فَكُلُوهُ ﴾ فأنفقوه.

قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفساً، وعن الشعبي: أن رجلاً أتى مع امرأته شريحاً في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح: ردّ عليها.

فقال الرجل: أليس قد قال الله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ قال: لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه.

وعنه: أقيلها فيما وهبت ولا أقيله، لأنهنّ يُخدعن.

وحكي أن رجلاً من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقاً كان لها عليه، فلبث شهراً ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، فقال الرجل: أعطتني طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك: فأين الآية التي بعدها فلا تأخذوا منه شيئاً؟

اردد عليها.

وعن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى قضاته: إن النساء يعطين رغبة ورهبة.

فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، وعن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال: «إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة» .

وروي: أن أناساً كانوا يتأثمون أن يرجع أحد منهم في شيء مما ساق إلى امرأته، فقال الله تعالى إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه سائغاً هنيئاً.

وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل: فإن طبن، ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن، إعلاماً بأنَّ المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة.

وقيل: إن طبن لكم عن شيء منه.

ولم يقل: فإن طبن لكم عنها، بعثا لهن على تقليل الموهوب.

وعن الليث بن سعد: لا يجوز تبرعها إلا باليسير.

وعن الأوزاعي: لا يجوز تبرعها ما لم تلد أو تقم في بيت زوجها سنة.

ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد، فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهره هبة الصداق كله، لأنّ بعض الصدقات واحدة منها فصاعدا.

الهنيء، والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء: ما يلذه الآكل.

والمريء ما يحمد عاقبته.

وقيل هو ما ينساغ في مجراه.

وقيل لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة (المريء) لمروء الطعام فيه وهو انسياغه، وهما وصف للمصدر، أي أكلاً هنيئاً مريئاً، أو حال من الضمير، أي كلوه وهو هنيء مريء، وقد يوقف على فكلوه ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدُّعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل: هنأ مرأ.

وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ مُهُورَهُنَّ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ عَلى التَّخْفِيفِ، وبِضَمِّ الصّادِ وَسُكُونِ الدّالِ، جَمْعُ صَدَقَةٍ كَغُرْفَةٍ، وبِضَمِّهِما عَلى التَّوْحِيدِ وهو تَثْقِيلُ صَدَقَةٍ كَظُلْمَةٍ في ظُلْمَةٍ.

﴿ نِحْلَةً ﴾ أيْ عَطِيَّةً يُقالُ نَحَلَهُ كَذا نِحْلَةً ونَحْلًا إذا أعْطاهُ إيّاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِلا تَوَقُّعِ عِوَضٍ، ومَن فَسَّرَها بِالفَرِيضَةِ ونَحْوِها نَظَرَ إلى مَفْهُومِ الآيَةِ لا إلى مَوْضُوعِ اللَّفْظِ، ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ لِأنَّها في مَعْنى الإيتاءِ أوِ الحالِ مِنَ الواوِ، أوِ الصَّدَقاتِ أيْ آتُوهُنَّ صَدَقاتِهِنَّ ناحِلِينَ أوْ مَنحُولَةً.

وقِيلَ المَعْنى نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ وتَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِنَّ فَتَكُونُ حالًا مِنَ الصَّدَقاتِ.

وقِيلَ دِيانَةً مِن قَوْلِهِمُ انْتَحَلَ فُلانٌ كَذا إذا دانَ بِهِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ حالٌ مِنَ الصَّدَقاتِ أيْ دَيْنًا مِنَ اللَّهِ تَعالى شَرَعَهُ، والخِطابُ لِلْأزْواجِ، وقِيلَ لِلْأوْلِياءِ لِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ مُهُورَ مُوَلِّياتِهِمْ.

﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّداقِ حَمْلًا عَلى المَعْنى أوْ مَجْرِيٌّ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: كَأنَّهُ في الجِلْدِ ∗∗∗ تَوْلِيعُ البُهَقِ إذْ سُئِلَ فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذاكَ.

وقِيلَ لِلْإيتاءِ، ونَفْسًا تَمْيِيزٌ لِبَيانِ الجِنْسِ ولِذَلِكَ وحَّدَ، والمَعْنى فَإنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًا مِنَ الصَّداقِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، لَكِنْ جَعَلَ العُمْدَةَ طَيِّبَ النَّفْسِ لِلْمُبالَغَةِ وعَدّاهُ بِعْنَ لِتَضَمُّنِ مَعْنى التَّجافِي والتَّجاوُزِ، وقالَ مِنهُ بَعْثًا لَهُنَّ عَلى تَقْلِيلِ المَوْهُوبِ، ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ فَخُذُوهُ وأنْفِقُوهُ حَلالًا بِلا تَبِعَةٍ.

والهَنِيءُ والمَرِيءُ صِفَتانِ مِن هَنَأ الطَّعامُ ومَرَأ إذا ساغَ مِن غَيْرِ غَصَصٍ، أُقِيمَتا مَقامَ مَصْدَرَيْهِما أوْ وُصِفَ بِهِما المَصْدَرُ أوْ جُعِلَتا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ.

وقِيلَ الهَنِيءُ ما يُلِذُّهُ الإنْسانُ، والمَرِيءُ ما تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ.

رُوِيَ: «أنَّ ناسًا كانُوا يَتَأثَّمُونَ أنْ يَقْبَلَ أحَدُهم مِن زَوْجَتِهِ شَيْئًا مِمّا ساقَ إلَيْها.

فَنَزَلَتْ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآتوا النساء صدقاتهن} مهورهن {نِحْلَةً} من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلاً وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنلا الإعطاء فكأنه قال وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم أو على الحال من المخاطبين أي

آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبى النفوس والإعطاء أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيبة الأنفس وقيل نحلة من الله تعالى عطية من

النساء (٤ _ ٦)

عنده وتفضلاً منه عليهن وقيل النحلة الملة وفلان ينتحل كذا أي يدين به يعني وآتوهن مهورهن ديانة على أنها مفعول لها والخطاب للأزواج وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ} للأزواج {عَن شيء منه} أى من الصداق اذهو في معنى الصدقات {نَفْساً} تمييز وتوحيدها لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصدقات وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إليه الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً ولم يقل فإن وهبن لكم إعلاماً بأن المراعي هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة {فَكُلُوهُ} الهاء يعود على شيء {هَنِيئَاً} لا إثم فيه {مَّرِيئاً} لا داء فيه فسرهما النبي عليه السلام أو هنيئاً في الدنيا بلا مطالبة مريئا فى العقبى لا تبعة وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه وهما وصف مصدر أي أكلاً هنيئاً مريئاً أو حال من الضمير أى كلوه وهو هنى مرئ وهذه عبارة عن المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة هنياً مرياً بغير همز يزيد وكذا حمزة في الوقف وهمزهما الباقون وعن علي رضى الله عنه إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم ليشتر بها عسلاً فليشر به بماء السماء فيجمع الله له هنيئاً ومريئاً وشفاء ومباركا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآتُوا النِّساءَ ﴾ أيْ أعْطُوا النِّساءَ اللّاتِي أُمِرَ بِنِكاحِهِنَّ ﴿ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ جَمْعُ صَدَقَةٍ بِفَتْحِ الصّادِ وضَمَّ الدّالِ، وهي كالصَّداقِ بِمَعْنى المَهْرِ، وقُرِئَ صَدَقاتِهِنَّ بِفَتْحِ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ، وأصْلُها بِضَمِّ الدّالِ فَخُفِّفَتْ بِالتَّسْكِينِ، وصُدْقاتِهِنَّ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ جَمْعُ صُدْقَةٍ بِوَزْنِ غُرْفَةٍ، وقُرِئَ صُدُقَتَهُنَّ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ عَلى التَّوْحِيدِ، وأصْلُهُ صُدْقَةٌ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ فَضُمَّتِ الدّالُ اتِّباعًا لِضَمِّ الأوَّلِ كَما يُقالُ: ظُلُمَةٌ وظُلْمَةٌ.

﴿ نِحْلَةً ﴾ أيْ فَرِيضَةً قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدَقاتِ أيْ أعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ حالَ كَوْنِها فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُنَّ.

وقالَ الزَّجّاجُ، وابْنُ خالَوَيْهِ: تَدَيُّنًا فانْتِصابُها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ أعْطُوهُنَّ دِيانَةً وشِرْعَةً، وقالَ الكَلْبِيُّ: هِبَةً وعَطِيَّةً مِنَ اللَّهِ وتَفَضُّلًا مِنهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ فانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الصَّدَقاتِ أيْضًا، وقِيلَ عَطِيَّةً مِنَ الأزْواجِ لَهُنَّ فانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ آتُوا أوْ مِنَ النِّساءِ أوْ مِن صَدُقاتِهِنَّ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ الحالَ قَيْدٌ لِلْعامِلِ فَيَلْزَمُ هُنا كَوْنُ الإيتاءِ قَيْدًا لِلْإيتاءِ والشَّيْءُ لا يَكُونُ قَيْدًا لِنَفْسِهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ النِّحْلَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَ الإيتاءِ بَلْ هي نَوْعٌ مِنهُ، وهو الإيتاءُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فالمَعْنى أعْطُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِالإعْطاءِ، أوْ مُعاطاةً عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وعَلَيْهِ فالمَصْدَرُ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ.

فَإنْ قُلْتَ إنَّ النِّحْلَةَ أُخِذَ في مَفْهُومِها أيْضًا عَدَمُ العِوَضِ فَكَيْفَ يَكُونُ المَهْرُ بِلا عِوَضٍ وهو في مُقابَلَةِ البُضْعِ والتَّمَتُّعِ بِهِ؟

أُجِيبُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ لِلزَّوْجَةِ في الجِماعِ مِثْلُ ما لِلزَّوْجِ أوْ أزْيَدُ وتَزِيدُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ كانَ المَهْرُ مَجّانًا لِمُقابَلَةِ التَّمَتُّعِ بِتَمَتُّعٍ أكْثَرَ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّداقَ كانَ في شَرْعِ مَن قَبْلَنا لِلْأوْلِياءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ ﴾ إلَخْ، ثُمَّ نُسِخَ فَصارَ ذَلِكَ عَطِيَّةً اقْتَطَعَتْ لَهُنَّ فَسُمِّيَ نِحْلَةً، وأيَّدَ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَ الكَلْبِيِّ: بِأنَّ ما وُضِعَ لَهُ لَفْظُ النِّحْلَةِ هو العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ عِوَضٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهُمُ الرُّمّانِيُّ، وجُعِلَ مِن ذَلِكَ النِّحْلَةُ لِلدِّيانَةِ لِأنَّها كالنِّحْلَةِ الَّتِي هي عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى والنَّحْلِ لِلدَّبْرِ لِما يُعْطِي مِنَ العَسَلِ، والنّاحِلُ لِلْمَهْزُولِ لِأنَّهُ يَأْخُذُ لَحْمَهُ حالًا بَعْدَ حالٍ كَأنَّهُ المُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ، والمَنحُولُ مِنَ الشِّعْرِ لِأنَّهُ نِحْلَةُ الشّاعِرِ ما لَيْسَ لَهُ، وحِينَئِذٍ فَمَن فَسَّرَ النِّحْلَةَ بِالفَرِيضَةِ نَظَرَ إلى أنَّ هَذِهِ العَطِيَّةَ فَرِيضَةٌ، والخِطابُ عَلى ما هو المُتَبادَرُ لِلْأزْواجِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ والجُبّائِيُّ وغَيْرُهُما قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِلا مَهْرٍ يَقُولُ: أرِثُكِ وتَرِثِينِي؟

فَتَقُولُ: نَعَمْ، فَأمَرُوا أنْ يُسْرِعُوا إلى إعْطاءِ المُهُورِ، وقِيلَ: الخُطّابُ لِأوْلِياءِ النِّساءِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا زُوِّجَ أيِّمًا أخَذَ صَداقَها دُونَها فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ ونَزَلَتْ ﴿ وآتُوا النِّساءَ ﴾ إلَخْ، ورَوى ذَلِكَ الجارُودُ مِنَ الإمامِيَّةِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهَذِهِ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ اليَوْمَ، وهو حَرامٌ كَأكْلِ الأزْواجِ شَيْئًا مِن مُهُورِ النِّساءِ بِغَيْرِ رِضاهُنَّ.

﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّدُقاتِ وتَذْكِيرُهُ لِإجْرائِهِ مَجْرى ذَلِكَ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُشارُ بِهِ إلى المُتَعَدِّدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّهَواتِ المَعْدُودَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِرُؤْبَةَ في قَوْلِهِ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ: فَقُلْ كَأنَّها، وإنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَلَقَ فَقُلْ كَأنَّهُما، فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ ويْلُكَ، أوْ لِلصَّداقِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ صَدُقاتُهُنَّ كَأنَّهُ قِيلَ: وآتُوا النِّساءَ صَداقَهُنَّ، والحَمْلُ عَلى المَعْنى كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ ﴾ حَيْثُ عُطِفَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ووَقَعَ مَوْقِعَهُ، أوْ لِلصَّداقِ الَّذِي في ضِمْنِ الجَمْعِ لِأنَّ المَعْنى آتُوا كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ صَداقًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإيتاءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا أُرِيدَ بِهِ المَأْتِيَّ، ورُجُوعُ ضَمِيرٍ إلى مَصْدَرٍ مَفْهُومٌ، ثُمَّ تَأْوِيلُ ذَلِكَ المَصْدَرِ بِمَعْنى المَفْعُولِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ وكَذا عَنْ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّجافِي والتَّباعُدِ، وإلّا فَأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى لِمِثْلِ ذَلِكَ بِالباءِ كَقَوْلِهِ: وما كادَ نَفْسًا بِالفِراقِ تَطِيبُ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِشَيْءٍ أيْ كائِنٌ مِنَ الصَّداقِ، وفِيهِ بَعْثٌ لَهُنَّ عَلى تَقْلِيلِ المَوْهُوبِ حَتّى نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ أنَّهُ لا يَجُوزُ تَبَرُّعُهُنَّ إلّا بِاليَسِيرِ ولا فَرْقَ بَيْنَ المَقْبُوضِ وما في الذِّمَّةِ إلّا أنَّ الأوَّلَ هِبَةٌ والثّانِيَ إبْراءٌ، ولِذَلِكَ تَعامَلَ النّاسُ عَلى التَّعْوِيضِ فِيهِ لِيَرْتَفِعَ الخِلافُ.

﴿ نَفْسًا ﴾ تَمْيِيزٌ لِبَيانِ الجِنْسِ ولِذا وُحِّدَ، وتَوْضِيحُ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّمْيِيزَ كَما قالَهُ النُّحاةُ إنِ اتَّحَدَ مَعْناهُ بِالمُمَيَّزِ وجَبَتِ المُطابَقَةُ نَحْوَ كَرُمَ الزَّيْدُونَ رِجالًا كالخَبَرِ والصِّفَةِ والحالِ، وإلّا فَإنْ كانَ مُفْرَدًا غَيْرَ مُتَعَدِّدٍ وجَبَ إفْرادُهُ نَحْوَ كَرُمَ بَنُو فُلانٍ أبًا إذِ المُرادُ أنَّ أصْلَهم واحِدٌ مُتَّصِفٌ بِالكَرَمِ فَإنْ تَعَدَّدَ وألْبَسَ وجَبَ خَلْفُهُ بِظاهِرٍ نَحْوَ كَرُمَ الزَّيْدُونَ آباءًا إذا أُرِيدَ أنَّ لِكُلٍّ مِنهم أبًا كَرِيمًا إذْ لَوْ أُفْرِدَ تُوُهِّمَ أنَّهم مِن أبٍ واحِدٍ، والغَرَضُ خِلافُهُ وإنْ لَمْ يَلْبَسْ جازَ الأمْرانِ، ومُصَحِّحُ الإفْرادِ عَدَمُ الإلْباسِ كَما هُنا لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ أنَّ لَهُنَّ نَفْسًا واحِدَةً ومُرَجِّحُهُ أنَّهُ الأصْلُ مَعَ خِفَّتِهِ ومُطابَقَتِهِ لِضَمِيرِ ( مِنهُ )، وهو اسْمُ جِنْسٍ والغَرَضُ هُنا بَيانُ الجِنْسِ، والواحِدُ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، والمَعْنى فَإنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًا مِنَ الصَّداقِ مُتَجافِيًا عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ طَيِّباتٍ غَيْرَ مُخْبِثاتٍ بِما يَضْطَرُّهُنَّ إلى البَذْلِ مِن شَكاسَةِ أخْلاقِكم وسُوءِ مُعامَلَتِكم، وإنَّما أُوثِرَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ دُونَ فَإنْ وهَبْنَ لَكم شَيْئًا مِنهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ إيذانًا بِأنَّ العُمْدَةَ في الأمْرِ طِيبُ النَّفْسِ وتَجافِيها عَنِ المَوْهُوبِ بِالمَرَّةِ حَيْثُ جُعِلَ ذَلِكَ مُبْتَدَأً ورُكْنًا مِنَ الكَلامِ لا فَضْلَةً كَما في التَّرْكِيبِ المَفْرُوضِ.

﴿ فَكُلُوهُ ﴾ أيْ فَكُلُوا ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي طابَتْ لَكم عَنْهُ نُفُوسُهُنَّ وتَصَرَّفُوا فِيهِ تَمَلُّكًا، وتَخْصِيصُ الأكْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ وُجُوهِ التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ.

﴿ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ صِفَتانِ مِن هَنُؤَ الطَّعامُ يَهْنُؤُ هَناءَةً ومَرُؤَ يَمْرُؤُ مَراءَةً إذا لَمْ يَثْقُلْ عَلى المَعِدَةِ وانْحَدَرَ عَنْها طَيِّبًا.

وفي «الصَّحّاحِ» نَقْلًا عَنِ الأخْفَشِ يُقالُ: هَنُؤَ وهَنِئَ.

ومَرُؤَ ومَرِئَ، كَما يُقالُ: فَقُهَ وفَقِهَ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّها ويُقالُ: هَنَأنِي الطَّعامُ يُهَنِّئُنِي ويَهْنَأنِي ولا نَظِيرَ لَهُ في المَهْمُوزِ هَنَأ وهَنُأ، وتَقُولُ: هَنِئْتُ الطَّعامَ أيْ تَهَنَّأْتُ بِهِ وكَذا يُقالُ: مَرَأنِي الطَّعامُ يَمْرَأُ مَرْءًا، وقالَ بَعْضُهم: أمْرَأنِي، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: هَنَأنِي الطَّعامُ ومَرَأنِي بِغَيْرِ ألِفٍ فَإذا أفْرَدُوها عَنْ هَنَأنِي قالُوا: أمْرَأنِي، وقِيلَ الهَنِيءُ الَّذِي يَلَذُّهُ الآكِلُ، والمَرِيءُ ما تُحْمَدُ عاقِبَتُهُ، وقِيلَ: ما يَنْساغُ في مَجْراهُ الَّذِي هو المَرِيءُ كَأمِيرٍ وهو رَأْسُ المَعِدَةِ، والكِرْشُ اللّاصِقُ بِالحُلْقُومِ سُمِّيَ بِهِ لِمُرُورِ الطَّعامِ فِيهِ أيِ انْسِياغُهُ، وانْتِصابُهُما كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْمَصْدَرِ أيْ أكْلًا هَنِيئًا مَرِيئًا ووُصِفَ المَصْدَرُ بِهِما كَما قالَ السَّعْدُ: عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ إذِ الهَنِيءُ حَقِيقَةً هو المَأْكُولُ أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ أيْ كُلُوهُ وهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ، وقَدْ يُوقَفُ عَلى كُلُوهُ ويُبْتَدَأُ هَنِيئًا مَرِيئًا عَلى الدُّعاءِ وعَلى أنَّهُما صِفَتانِ أُقِيمَتا مَقامَ المَصْدَرَيْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَنَأ مَرَأ، وأوْرَدَ عَلى ذَلِكَ مَعَ أنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَتّى أوَّلُوهُ أنَّهُ تَحْرِيفٌ لِكَلامِ النُّحاةِ ومُخالَفَةٌ لَهم، فَإنَّهم يَجْعَلُونَ انْتِصابَ ( ﴿ هَنِيئًا ﴾ ) عَلى الحالِ، و( ﴿ مَرِيئًا ﴾ ) إمّا عَلى الحالِ، وإمّا عَلى الوَصْفِ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِ ما خَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وصِحَّةِ قَوْلِ النُّحاةِ ارْتِفاعُ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بَعْدَ ﴿ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ ، ولَوْ كانا مُنْتَصِبَيْنِ انْتِصابَ المَصادِرِ المُرادِ بِها الدُّعاءُ لَما جازَ ذَلِكَ فِيها كَما لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: في سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا سُقْيا اللَّهِ تَعالى لَكَ ورُعْيا اللَّهِ لَكَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا في فِعْلِهِ، والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ رَفْعِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بَعْدَهُما قَوْلُ كَثِيرٍ: ” هَنِيئًا مَرِيئًا“ غَيْرَ داءِ مُخامِرٍ ∗∗∗ لِعَزَّةَ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتِ فَإنَّ ”ما“ مَرْفُوعَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن ( هَنِيئًا ) أوْ ( مَرِيئًا ) عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، وجازَ الإعْمالُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما رابِطُ عَطْفٍ لِكَوْنِ مَرِيئًا في الغالِبِ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا تابِعًا لَهَنِيئًا فَصارا كَأنَّهُما مُرْتَبِطانِ لِذَلِكَ ورُدَّ بِأنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: هَنِيئًا مَرِيئًا صِفَتانِ نَصْبُهُما نَصْبَ المَصادِرِ المَدْعُوِّ بِها بِالفِعْلِ غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ إظْهارُهُ المُخْتَزَلِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِاحْتِمالِ أنَّهُ أرادَ أنَّهُما صِفَتانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِما فِعْلٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ كالمَصادِرِ المَدْعُوِّ بِها في أنَّها مَعْمُولَةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ كَأنَّهم قالُوا: ثَبَتَ ذَلِكَ هَنِيئًا فَإنَّ هَذا مِمّا يُقالُ: عَلى تَقْدِيرِ إقامَتِهِما مَقامَ المَصْدَرِ، ومِن هُنا قالَ السَّفاقِسِيُّ: إنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُما حالٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا لِقِيامِهِما مَقامَهُ كَقَوْلِكَ: أقائِمًا وقَدْ قَعَدَ النّاسُ، واعْتُرِضَ بِهَذا عَلى ما تَقَدَّمَ مِنِ احْتِمالِ جَعْلِهِما حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”كُلُوهُ“ إذْ عَلَيْهِ يَكُونانِ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى لا تَعَلُّقَ لَهُما بِكُلُوا مِن حَيْثُ الإعْرابُ.

واعْتُرِضَ أيْضًا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالبَيْتِ عَلى رَفْعِ الظّاهِرِ بِهِما بِأنَّهُ لا يَتِمُّ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ ولِعِزَّةِ خَبَرِهِ، أوْ مَرْفُوعَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وكَيْفَما كانَ الأمْرُ يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنِ التَّحْلِيلِ والمُبالَغَةِ في الإباحَةِ وإزالَةِ التَّبِعَةِ، وفي «كِتابِ العَيّاشِيِّ» مِنَ الإمامِيَّةِ مَرْفُوعًا إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ في بَطْنِي وجَعًا فَقالَ: ألَكَ زَوْجَةٌ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: اسْتَوْهِبَ مِنها شَيْئًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُها مِن مالِها ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ عَسَلًا ثُمَّ اسْكُبْ عَلَيْهِ مِن ماءِ السَّماءِ ثُمَّ اشْرَبْهُ فَإنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ ﴾ وقالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ فَإذا اجْتَمَعَتِ البَرَكَةُ والشِّفاءُ والهَنِيءُ والمَرِيءُ شُفِيَتْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فَشُفِيَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِنا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ما يَقْرُبُ مِن هَذا بِلَفْظِ: إذا اشْتَكى أحَدُكم فَلْيَسْألِ امْرَأتَهُ ثَلاثَةَ دَراهِمَ أوْ نَحْوَها فَلْيَشْتَرِ بِها عَسَلًا ولْيَأْخُذْ مِن ماءِ السَّماءِ فَيُجْمَعُ هَنِيًا مَرِيئًا وشِفاءً ومُبارَكًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّ أُناسًا كانُوا يَتَأثَّمُونَ أنْ يَرْجِعَ أحَدُهم في شَيْءٍ مِمّا ساقَهُ إلى امْرَأتِهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى ضِيقِ المَسْلَكِ في ذَلِكَ ووُجُوبِ الِاحْتِياطِ حَيْثُ بُنِيَ الشَّرْطُ عَلى طِيبِ النَّفْسِ وقَلَّما يَتَحَقَّقُ، ولِهَذا كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى قُضاتِهِ أنَّ النِّساءَ تُعْطِينَ رَغْبَةً ورَهْبَةً فَأيُّما امْرَأةٍ أعْطَتْ ثُمَّ أرادَتْ أنْ تَرْجِعَ فَذَلِكَ لَها.

وحَكى الشَّعْبِيُّ أنَّ رَجُلًا أتى مَعَ امْرَأتِهِ شُرَيْحًا في عَطِيَّةٍ أعْطَتْها إيّاهُ وهي تَطْلُبُ أنْ تَرْجِعَ فَقالَ شُرَيْحٌ: رُدَّها عَلَيْها، فَقالَ الرَّجُلُ: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ ﴾ قالَ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها عَنْهُ لَما رَجَعَتْ فِيهِ، وعَنْهُ أقِيلُها فِيما وهَبَتْ ولا أقِيلُهُ لِأنَّهُنَّ يُخْدَعْنَ والَّذِي عَلَيْهِ الحَنَفِيُّونَ أنَّ الزَّوْجَةَ إذا وهَبَتْ شَيْئًا لِلزَّوْجِ لَيْسَ لَها الرُّجُوعُ فِيهِ بَلْ ذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفاقَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الرُّجُوعُ فِيما وهَبَ لِصاحِبِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً يعني أعطوا النساء مهورهن فريضة.

ويقال: ديانة كما يقال: فلان ينتحل إلى مذهب كذا، أي يدين بكذا.

ويقال نحلة أي صدقة وهبة، لأن المهر نحلة من الله تعالى للنساء حيث لم يوجب عليهن وأوجب لهن.

وقال في رواية الكلبي: إن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلاً ولا كثيراً، وإن كانت غريبة حملوها على بعير إلى زوجها، ولا يعطوها مهرها غير ذلك البعير شيئاً، فنزل قوله تعالى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً يعني به الأولياء، يعني أعطوهن مهورهن نحلة.

يقول: عطية لهن.

وقال في رواية مقاتل: كان الرجل يتزوج بغير مهر، ويقول: أرثك وترثيني، فنزلت الآية وَآتُوا النِّساءَ يعني الأزواج صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أي مهور النساء نحلة يعني فريضة فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ يا معشر الأزواج أي أحللن لكم ووهبن لكم، قال في رواية الكلبي: يعني الأولياء إذا وهبت المرأة المهر للولي فذلك قوله فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً أي طيباً لا إثم فيه مَرِيئاً أي لا داء فيه، ويقال: هنيئاً مريئاً يعني حلالاً طيباً.

وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا كان أحدكم مريضاً فليسأل من امرأته درهمين من مهرها، حتى تهب له بطيبة نفسها، فيشتري بذلك عسلاً فيشربه مع ماء المطر، فحينئذٍ قد اجتمع الهنيء والمريء، والشفاء والماء المبارك، يعني أن الله سبحانه تعالى سمى المهر هنيئاً مريئاً إذا وهبت، وسمى العسل شفاء، وسمى ماء المطر مباركاً، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى له الشفاء.

ثم قال تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ يعني النساء والأولاد الصغار، يعني لا يجعل الرجل ماله في يدي امرأته وأولاده، ثم يجعل نفسه محتاجاً إليهم فلا يدفع إليه عند حاجته.

ويقال: لا تدفعوا أموالكم مضاربة، ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة.

وروي عن عمر  أنه قال: مَنْ لَمْ يتفقه فلا يتجر في سوقنا.

فذلك قوله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ يعني الجهال بالأحكام.

ويقال: لا تدفعوا إلى الكفار، ولهذا كره علماؤنا أن يوكل المسلم ذمياً بالبيع والشراء، أو يدفع إليه مضاربة ثم قال تعالى: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً يعني الأموال التي جعل الله قواماً لمعاشكم.

ثم قال: وَارْزُقُوهُمْ فِيها يعني الأولاد الصغار أطعموهم وَاكْسُوهُمْ من أموالكم، وكونوا أنتم القوام على أموالكم وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني إذا طلبوا منكم النفقة ولم يكن عندكم في ذلك الوقت شيء، فعدوا لهم عدة حسنة، أي سأفعل ذلك.

ثم قال: وَابْتَلُوا الْيَتامى يعني اختبروا اليتامى وجربوا عقولهم، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ يعني الحلم ويقال: مبلغ الرجال فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً يقول: إذا رأيتم منهم رشداً، وصلاحاً في دينهم، وحفظاً لأموالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي معكم وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً في غير حق وَبِداراً يعني مبادرة في أكله أَنْ يَكْبَرُوا يعني مخافة أن يكبروا فيأخذوا أموالهم منكم.

ثم قال: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وقد اختلف الناس في تأويل هذه الآية، وقالوا فيها ثلاثة أقوال.

قال بعضهم: يجوز للمعسر أن يأكل على قدر قيامه عليه.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يأكل إلا على وجه القرض، ويرد عليه إذا كبر.

وقال بعضهم: لا يجوز في الأحوال كلها.

فأما من قال إنه يجوز أكله على قدر قيامه فإنه احتج بما روي عن عمر بن الخطاب  أنه قال: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم- المراد منه بيت المال- فمن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف.

وروي عن ابن عباس  إن رجلاً سأله فقال: يا ابن عباس أتي إليّ بمواشي أيتام فهل عليَّ جناح إن أصبت من رسل مواشيهم؟

قال ابن عباس: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حياضها ولا تفرط لها يوم وردها، فلا جناح عليك إن أصبت من رسلها.

وقال مجاهد: كان يقول من أدركت من أصحاب رسول الله  إن للوصي أن يأكل بالمعروف مع اليتيم، فإنه يحلب غنمه ويقوم على ماله ويحفظه، وأما من قال إنه يجوز أكله على وجه القرض احتج بما روي عن محمد بن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال: هو قرض ثم يرد عليه إذا كبر.

فقال: ألا ترى أنه قال في سياق الآية فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ؟

وقال أبو العالية: ما أكل فهو دين عليه.

وقال الشعبي: مثله.

وأما من قال إنه لا يجوز أكله، فلأن الله تعالى قال إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: 10] وتلك الآية محكمة وهذه من المتشابهة، لأنه يحتمل التأويل أنهم يأكلون على وجه القرض أو على وجه الإباحة، فيرد حكم المتشابه إلى المحكم.

وقد قيل أن هذه الآية منسوخة بتلك الآية.

قال الفقيه رحمه الله: إذا كان الوصي فقيراً، فأكل من مال اليتيم مقدار قيامه عليه، أرجو أن لا بأس به، لأن كثيراً من العلماء أجازوا ذلك والاحتراز عنه أفضل.

قرأ نافع وابن عامر الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً بكسر القاف ونصب الياء بغير ألف، والباقون بالألف ومعناهما قريب.

وقال أهل اللغة: قياماً وقواماً وقيماً بمعنى واحد.

وقوله تعالى فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يعني إذا أدرك اليتامى ودفعتم إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ على ذلك، وإنما الإشهاد على معنى الاستحباب لنفي التهمة عن نفسه، ولو لم يشهد على ذلك لجاز كقوله تعالى وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ثم قال: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أي شهيداً في أمر الآخرة، وأما في أمر الدنيا ينبغي أن يشهد العدول على ذلك لدفع القال عن نفسه، لأن الله تعالى لا يشهد له في الدنيا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

- عليه السلام-: «حتى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» «١» ، وهي المعاهِدَةُ المُبَايِعَة.

قال ابن العَرَبِيِّ «٢» : قال علماؤُنَا: وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ مِلْكَ اليمينِ لا حَقَّ له في الوَطْءِ والقَسْمِ «٣» لأنَّ المعنى: فَإنْ خفتم ألاَّ تعدِلُوا في القَسْم، فواحدةٌ، أو ما مَلَكَتْ أيمانكم، فجعل سبحانه مِلْكَ اليمينِ كلَّه بمنزلةِ الوَاحِدَة، فانتفى بذلك أنْ يكون للأَمَةِ حَقٌّ في وَطْءٍ أوْ قَسْم.

انتهى من «الأحكام» .

وقوله: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا، أدنى: معناه: أقرب ألاَّ تعولُوا، أيْ: ألاَّ تميلوا، قاله ابن عباس وغيره «٤» ، وقالَتْ فرقة: معناه: أدنى ألاَّ يكثر عِيَالُكُمْ «٥» ، وقَدَحَ في هذا الزَّجَّاج وغيره.

وقوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ...

الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الآيةُ خطابٌ للأزواج «٦» وقال أبو صَالِحٍ: هي خطابٌ لأوليَاءِ النِّسَاءِ لأنَّ عادَةَ بَعْض العرب

كانَتْ أنْ يأكل وليُّ المرأة مَهْرها، فرفَعَ اللَّه ذلكَ بالإسْلام «١» ، وقيل: إن الآية في المتشاغِرِينَ «٢» الذين يتزوَّجون امرأةً بأخرى، فُأمِرُوا أنْ يضربوا المهور.

..

..

قال ع «١» : والآية تتناوَلُ هذه التأويلاتِ الثَّلاثَ، ونِحْلَةَ، أي: عطيَّة منْكم لهُنَّ، وقيل: نِحْلَة: معناه: شِرْعَة مأخوذٌ من النِّحَل، وقيل: التقديرُ: نِحْلَةً مِنَ اللَّه لَهُنَّ قال ابنُ العَرَبِيِّ: وذلك أنَّ النحلة في اللُّغة: العطيَّةُ عنْ غَيْرِ عِوَضٍ.

انتهى.

وقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً ...

الآية: الخطابُ حَسْبَما تقدَّم مِنَ الاختلاف، والمعنى: إنْ وَهَبْنَ غيْرَ مكرَهَاتٍ، طيِّبةً نفوسُهنَّ، والضميرُ في «مِنهُ» يعود علَى الصَّدَاقِ قاله عكرمةُ وغيره «٢» ، «ومَنْ» : تتضمَّن الجنس هاهنا ولذلك يجوزُ أنْ تهب المَهْر كلَّه.

وقوله تعالى: هَنِيئاً مَرِيئاً: قال اللغويُّون: الطعامُ الهَنِيءُ هو السَّائِغُ المستحسَنُ الحميدُ المَغَّبةِ: وكذلك المريءُ.

وقوله سبحانه: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ، قال أبو موسَى الأشعريُّ وغيره:

نَزَلَتْ في كلِّ مَنِ اقتضى الصِّفَة الَّتي شرط اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ، كان من كان «٣» ، وقولُه:

أَمْوالَكُمُ، يريد: أموالَ المخاطَبِينَ قاله أبو مُوسَى الأشعريُّ، وابنُ عبَّاس، والحَسَنُ، وغيرهم «٤» ، وقال ابنُ جُبَيْر: يريدُ أموالَ السُّفَهاء، وأضافها إلى المخاطَبِينَ، إذ هى كأموالهم، وقِياماً جمع قِيمَة «٥» .

وقوله تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيها ...

الآية: قيل: معناه: فيمن تلزم الرّجل نفقته،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأزْواجُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الخِطابَ لِلنّاكِحِينَ قَدْ تَقَدَّمَ، وهَذا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِلا مَهْرٍ، فَيَقُولُ: أرِثُكِ وتَرِثِينِي، فَتَقُولُ المَرْأةُ: نَعَمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأوْلِياءِ ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

.

أحَدُهُما: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا زَوَّجَ أيِّمَةً جازَ صِداقَها دُونَها، فَنُهُوا بِهَذِهِ الآَيَةِ، هَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُعْطِي الرَّجُلَ أُخْتَهُ ويَأْخُذُ أُخْتَهُ مَكانَها مِن غَيْرِ مَهْرٍ، فَنُهُوا عَنْ هَذا بِهَذِهِ الآَيَةِ، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ التَّيْمِيُّ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والصَّدُقاتُ: المُهُورُ، وأحَدُها: صَدُقَةٌ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ نِحْلَةً ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى: الفَرِيضَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها الهِبَةُ والعَطِيَّةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ لا تُعْطِي النِّساءَ شَيْئًا مِن مُهُورِهِنَّ، فَلَمّا فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ المَهْرَ، كانَ نِحْلَةً مِنَ اللَّهِ، أيْ: هِبَةً لِلنِّساءِ، فَرْضًا عَلى الرِّجالِ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: هو هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلنِّساءِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ المَهْرُ نِحْلَةً، لِأنَّ الزَّوْجَ لا يَمْلِكُ بَدَلَهُ شَيْئًا، لِأنَّ البُضْعَ بَعْدَ النِّكاحِ في مِلْكِ المَرْأةِ، ألا تَرى أنَّها لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، كانَ المَهْرُ لَها دُونَ الزَّوْجِ، وإنَّما الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ الِاسْتِباحَةَ، لا المِلْكَ.

وَأنَّها العَطِيَّةُ بِطِيبِ نَفْسٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُعْطُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ وأنْتُمْ كارِهُونَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى "النِّحْلَةُ" الدِّيانَةُ، فَتَقْدِيرُهُ: وآتَوْهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ دِيانَةً، يُقالُ: فُلانٌ يَنْتَحِلُ كَذا، أيْ: يَدِينُ بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي: النِّساءُ المَنكُوحاتُ.

وفي "لَكُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي: الأزْواجُ.

والثّانِي: الأوْلِياءُ.

و"الهاءُ" في "مِنهُ" كِنايَةٌ عَنِ الصَّداقِ، قالَ الزَّجّاجُ: و"مِنهُ" هاهُنا: لِلْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ ﴾ مَعْناهُ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلُوا الشَّيْءَ الَّذِي هو مَهْرٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَسْألَ الرَّجُلُ المَهْرَ كُلَّهُ.

و"نَفْسًا": مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

فالمَعْنى: فَإنْ طابَتْ أنْفُسُهُنَّ لَكم بِذَلِكَ، فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا، وفي الهَنِيءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما تُؤْمَنُ عاقِبَتُهُ.

والثّانِي: ما أعْقَبَ نَفْعًا وشِفاءً.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ.

وأمّا "المَرِيءُ" فَيُقالُ: مَرِئَ الطَّعامُ: إذا انْهَضَمَ، وحُمِدَتْ عاقِبَتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا  ﴾ ﴿ وَآتُوا النِساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عن شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكم قِيامًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ .

"أدْنى" أقْرَبُ، وهو مِنَ الدُنُوِّ، ومَوْضِعُ أنَّ مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ بِإسْقاطِ الخافِضِ، والناصِبُ أرْيَحِيَّةُ الفِعْلِ الَّذِي في "أدْنى"، التَقْدِيرُ: ذَلِكَ أدْنى إلى ألّا تَعُولُوا.

و"تَعُولُوا" مَعْناهُ: تَمِيلُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ وأبُو مالِكٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، يُقالُ: عالَ الرَجُلُ يَعُولُ: إذا مالَ وجارَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ في شِعْرِهِ في النَبِيِّ  : بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِسُّ شُعَيْرَةً ووِزانِ صِدْقٍ وزْنُهُ غَيْرُ عائِلِ يُرِيدُ غَيْرُ مائِلٍ.

ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ لِأهْلِ الكُوفَةِ حِينَ كَتَبَ إلَيْهِمْ: إنِّي لَسْتُ بِمِيزانٍ لا أعُولُ.

ويُرْوى بَيْتُ أبِي طالِبٍ: "لَهُ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ"، وعالَ يُعِيلُ، مَعْناهُ: افْتَقَرَ فَصارَ عالَةً.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ زَيْدٍ والشافِعِيُّ: مَعْناهُ: ذَلِكَ أدْنى ألّا يَكْثُرَ عِيالُكم.

وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: عالَ الرَجُلُ يَعُولُ إذا كَثُرَ عِيالُهُ، وقَدَحَ في هَذا الزَجّاجُ وغَيْرُهُ، بِأنَّ اللهَ قَدْ أباحَ كَثْرَةَ السَرارِي، وفي ذَلِكَ تَكْثِيرُ العِيالِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أقْرَبَ إلى ألّا يُكْثِرَ؟!.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَدْحُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ السَرارِيَ إنَّما هُنَّ مالٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالبَيْعِ، وإنَّما العِيالُ الفادِحُ الحَرائِرُ ذَواتُ الحُقُوقِ الواجِبَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَآتُوا النِساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأزْواجِ، أمَرَهُمُ اللهُ أنْ يَتَبَرَّعُوا بِإعْطاءِ المُهُورِ نِحْلَةً مِنهم لِأزْواجِهِمْ.

وقالَ أبُو صالِحٍ: الخِطابُ لِأولِياءِ النِساءِ، لِأنَّ عادَةَ بَعْضِ العَرَبِ كانَتْ أنْ يَأْكُلَ ولِيُّ المَرْأةِ مَهْرَها، فَرَفَعَ اللهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ وأمَرَ بِأنْ يُدْفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ.

وقالَ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُتَشاغِرُونَ الَّذِينَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ امْرَأةً بِأُخْرى، فَأُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوا المُهُورَ..

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَناوَلُ هَذِهِ الفِرَقَ الثَلاثَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ والسَبْعَةُ: "صَدُقاتِهِنَّ" بِفَتْحِ الصادِ وضَمِّ الدالِ، وقَرَأ مُوسى بْنُ الزُبَيْرِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ وغَيْرُهُمْ: "صُدُقاتِهِنَّ" بِضَمِّ الصادِ والدالِ، وقَرَأ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: "صُدْقاتِهِنَّ" بِضَمِّ الصادِ وسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والنَخْعِيُّ "صُدُقَتَهُنَّ" بِالإفْرادِ وضَمِّ الصادِ وضَمِّ الدالِ.

والإفْرادُ مِن هَذا كُلِّهِ: صَدُقَةٍ، وصُدُقَةٍ.

و"نِحْلَةً": مَعْناهُ: نِحْلَةً مِنكم لَهُنَّ، أيْ: عَطِيَّةً، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُنَّ، وذَلِكَ لِأنَّ اللهَ جَعَلَ الصَداقَ عَلى الرِجالِ ولَمْ يَجْعَلْ عَلى النِساءِ شَيْئًا، وقِيلَ: نِحْلَةً مَعْناهُ: شِرْعَةً، مَأْخُوذٌ مِنَ النَحْلِ تَقُولُ: فُلانٌ يَنْتَحِلُ دِينَ كَذا، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ لِلْأولِياءِ، ويَتَّجِهُ مَعَ سِواهُ، ونَصْبُها عَلى أنَّها مِنَ الأزْواجِ بِإضْمارِ فِعْلٍ مِن لَفْظِها، تَقْدِيرُهُ: انْحَلُوهُنَّ نِحْلَةً، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ الفِعْلُ الظاهِرُ وإنْ كانَ مِن غَيْرِ اللَفْظِ لِأنَّهُ مُناسِبٌ لِلنِّحْلَةِ في المَعْنى، ونَصْبُها عَلى أنَّها مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ اللَفْظِ، لا يَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى أنَّها شَرِيعَةٌ هي أيْضًا مِنَ اللهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عن شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ الخِطابُ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِنَ الاخْتِلافِ في الأزْواجِ والأولِياءِ، والمَعْنى: إنْ وهَبْنَ غَيْرَ مُكْرَهاتٍ طَيِّبَةً نُفُوسُهُنَّ.

والضَمِيرُ فِي: "مِنهُ" راجِعٌ عَلى الصَداقِ، وكَذَلِكَ قالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ، أو عَلى الإيتاءِ.

وقالَ حَضْرَمِيٌّ: سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا تَحَرَّجُوا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ مِمّا دَفَعُوا إلى الزَوْجاتِ.

"نَفْسًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، ولا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلى العامِلِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ مَعَ تَصَرُّفِ العامِلِ، وإجازَةِ غَيْرِهِ في الكَلامِ.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..........................

∗∗∗ وما كانَ نَفْسًا بِالفِراقِ تَطِيبُ وَ "مِن": تَتَضَمَّنُ الجِنْسَ هاهُنا، ولِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَهَبَ المَهْرَ كُلَّهُ، ولَوْ وُقِفَتْ "مِن" عَلى التَبْعِيضِ لَما جازَ ذَلِكَ.

وقُرِئَ "هَنِيًّا مَرِيًّا" دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ والزُهْرِيِّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: ومِن هَناءِ البَعِيرِ أنْ يُعْطِيَ الشِفاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وإنَّما قالَ اللُغَوِيُّونَ: الطَعامُ الهَنِيءُ هو السائِغُ المُسْتَحْسَنُ الحَمِيدُ المَغَبَّةِ، وكَذَلِكَ المَرِيءُ، قالَ اللُغَوِيُّونَ: يَقُولُونَ هَنَأنِي الطَعامُ ومَرَأنِي عَلى الإتْباعِ، فَإذا أفْرَدُوا قالُوا: أمْرَأنِي عَلى وزْنِ أفْعَلَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما جاءَ في الحَدِيثِ « "ارْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ"،» فَإنَّما اعْتَلَّتِ الواوُ مِن مَوْزُوراتٍ إتْباعًا لِلَفْظِ مَأْجُوراتٍ، فَكَذَلِكَ مَرَأنِي إتْباعًا لِهَنَأنِي.

ودَخَلَ رَجُلٌ عَلى عَلْقَمَةَ وهو يَأْكُلُ شَيْئًا مِمّا وهَبَتْهُ امْرَأتُهُ مِن مَهْرِها، فَقالَ لَهُ: كُلْ مِنَ الهَنِيءِ المَرِيءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هَنِيئًا مَرِيئًا صِفَتانِ نَصَبُوهُما نَصْبَ المَصادِرِ المَدْعُوِّ بِها بِالفِعْلِ غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ إظْهارُهُ، المُخْتَزَلِ لِلدَّلالَةِ الَّتِي في الكَلامِ عَلَيْهِ، كَأنَّهم قالُوا: ثَبَتَ ذَلِكَ هَنِيئًا مَرِيئًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُفَهاءَ ﴾ ...

الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "السُفَهاءَ"؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والسُدِّيُّ والضَحّاكُ والحَسَنُ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ في ولَدِ الرَجُلِ الصِغارِ وامْرَأتِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ في المَحْجُورِينَ السُفَهاءِ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في النِساءِ خاصَّةً، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ مَرَّتْ بِهِ امْرَأةٌ لَها شارَةٌ فَقالَ لَها: ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُفَهاءَ أمْوالَكُمُ ﴾ ...

الآيَةَ.

وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في كُلِّ مَنِ اقْتَضى الصِفَةَ الَّتِي شَرَطَ اللهُ مِنَ السَفَهِ كانَ مَن كانَ، وقَوْلُ مَن خَصَّها بِالنِساءِ يَضْعُفُ مِن جِهَةِ الجَمْعِ، فَإنَّ العَرَبَ إنَّما تَجْمَعُ فَعَيْلَةً عَلى فَعائِلَ أو فَعِيلاتٍ.

وقَوْلُهُ: "أمْوالَكُمُ" يُرِيدُ أمْوالَ المُخاطَبِينَ، هَذا قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُرِيدُ أمْوالَ السُفَهاءِ، وأضافَها إلى المُخاطَبِينَ تَغْبِيطًا بِالأمْوالِ، أيْ: هي لَهم إذا احْتاجُوا، كَأمْوالِكم لَكُمُ الَّتِي تَقِي أعْراضَكُمْ، وتَصُونُكم وتُعَظِّمُ أقْدارَكُمْ، ومِن مِثْلِ هَذا: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ وما جَرى مَجْراهُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ والنَخْعِيُّ: "اللاتِي"، والأمْوالُ: جَمْعٌ لِما لا يَعْقِلُ، فالأصْوَبُ فِيهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ.

و"قِيامًا" جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيمَةٍ ودِيَمٍ، ولَكِنْ شَذَّتْ في الرَدِّ إلى الياءِ كَما شَذَّ قَوْلُهُمْ: جِيادٌ في جَمْعِ جَوادٍ، وكَما قالَتْ بَنُوضَبَّةَ: طَوِيلٌ وطِيالٌ، ونَحْوُ هَذا، وقِوْمًا وقِوامًا وقِيامًا مَعْناهُ: ثَباتًا في صَلاحِ الحالِ ودَوامًا في ذَلِكَ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "قِيَمًا" بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ أنَّ أبا عَمْرٍو فَتَحَ القافَ مِن قَوْلِهِ: "قَوامًا، وقَيامًا" كانَ أصْلُهُ قِوامًا، فَرَدَّتْ كَسْرَةُ القافِ الواوَ ياءً لِلتَّناسُبِ.

ذَكَرَها ابْنُ مُجاهِدٍ ولَمْ يَنْسُبْها، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والحَسَنِ، وقَرَأ الباقُونَ: "قِيامًا" وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "قِوامًا".

وقَوْلُهُ: ﴿ وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: فِيمَن يَلْزَمُ الرَجُلَ نَفَقَتُهُ وكُسْوَتُهُ مِن زَوْجِهِ وبَنِيهِ الأصاغِرِ، وقِيلَ: في المَحْجُورِينَ مِن أمْوالِهِمْ، و: "مَعْرُوفًا" قِيلَ: مَعْناهُ: ادْعُوا لَهُمْ: بارَكَ اللهُ فِيكم وحاطَكم وصَنَعَ لَكُمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: عِدُوهم وعْدًا حَسَنًا، أيْ: إنْ رَشَدْتُمْ دَفَعْنا إلَيْكم أمْوالَكُمْ، ومَعْنى اللَفْظِ: كُلُّ كَلامٍ تَعْرِفُهُ النُفُوسُ وتَأْنَسُ إلَيْهِ ويَقْتَضِيهِ الشَرْعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جانبان مُسْتَضْعَفَان في الجاهلية: اليتيم، والمرأة.

وحقّان مغبون فيهما أصحابهما: مال الأيتام، ومال النساء، فلذلك حرسهما القرآن أشدّ الحراسة فابتدأ بالوصاية بحق مال اليتيم، وثنّى بالوصاية بحقّ المرأة في مال ينجرّ إليها لا محالة، وكان توسّط حكم النكاح بين الوصايتين أحسن مناسبة تهَيّئ لعطف هذا الكلام.

فقوله: ﴿ وآتوا النساء ﴾ عطف على قوله: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2] والقول في معنى الإيتاء فيه سواء.

وزاده اتّصالاً بالكلام السابق أنّ ما قبله جرى على وجوب القسط في يتامى النساء، فكان ذلك مناسبة الانتقال.

والمخاطَب بالأمر في أمثال هذا كلّ من له نصيب في العمل بذلك، فهو خطاب لعموم الأمّة على معنى تناوله لكلّ من له فيه يد من الأزواج والأولياء ثم ولاة الأمور الذين إليهم المرجع في الضرب على أيدي ظلمة الحقوق أربابَها.

والمقصود بالخطاب ابتداء هم الأزواج، لكيلا يتذرّعوا بحياء النساء وضعفهنّ وطلبهنّ مرضاتَهم إلى غمص حقوقهنّ في أكل مهورهنّ، أو يجعلوا حاجتهنّ للتزوّج لأجل إيجاد كافل لهنّ ذريعة لإسقاط المهر في النكاح، فهذا ما يمكن في أكل مهورهنّ، وإلاّ فلهنّ أولياء يطالبون الأزواج بتعيين المهور، ولكن دون الوصول إلى ولاة الأمور متاعب وكلف قد يملّها صاحب الحقّ فيترك طلبه، وخاصّة النساء ذوات الأزواج.

وإلى كون الخطاب للأزواج ذهب ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وابن جريج، فالآية على هذا قرّرت دفع المهور وجعلته شرعاً، فصار المهر ركناً من أركان النكاح في الإسلام، وقد تقرّر في عدّة آيات كقوله: ﴿ فآتوهن أجورهن فريضة وغير ذلك ﴾ [النساء: 24].

والمهر علامة معروفة للتفرقة بين النكاح وبين المخادنة، لكنّهم في الجاهلية كان الزوج يعطي مالاً لولي المرأة ويسمّونه حلواناً بضم الحاء ولا تأخذ المرأة شيئاً، فأبطل الله ذلك في الإسلام بأن جعل المال للمرأة بقوله: ﴿ وآتوا النساء صداقتهن ﴾ .

وقال جماعة: الخطاب للأولياء، ونقل ذلك عن أبي صالح قال: لأنّ عادة بعض العرب أن يأكل وليّ المرأة مهرها فرفع الله ذلك بالإسلام.

وعن الحضرمي: خاطبتْ الآية المتشاغرين الذين كانوا يتزوّجون امرأة بأخرى، ولعلّ هذا أخذ بدلالة الإشارة وليس صريحَ اللفظ، وكل ذلك ممّا يحتمله عموم النساء وعموم الصدقات.

والصدُقات جمع صدُقة بضمّ الدال والصدُقة: مهر المرأة، مشتقّة من الصدق لأنّها عطية يسبقها الوعد بها فيصدقه المعطي.

والنِّحلة بكسر النون العطيّة بلا قصد عوض، ويقال: نُحْل بضم فسكون.

وانتصب نحلة على الحال من «صدقاتهنّ»، وإنّما صحّ مجيء الحال مفردة وصاحبها جمع لأنّ المراد بهذا المفرد الجنس الصالح للأفراد كلّها، ويجوز أن يكون نِحلة منصوباً على المصدرية لآتوا لبيان النوع من الإيتاء أي إعطاءَ كرامة.

وسمّيت الصدُقات نحلة إبعاداً للصدقات عن أنواع الأعواض، وتقريباً بها إلى الهدية، إذ ليس الصداق عوضاً عن منافع المرأة عند التحقيق، فإنّ النكاح عقد بين الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة، وإيجاد آصرة عظيمة، وتبادل حقوق بين الزوجين، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي، ولو جعل لكان عوضُها جزيلاً ومتجدّداً بتجدّد المنافع، وامتداد أزمانها، شأن الأعواض كلّها، ولكنّ الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراماً لزوجاتهم، وإنّما أوجبه الله لأنّه تقرّر أنّه الفارق بين النكاح وبين المخادنة والسفاح، إذ كان أصل النكاح في البشر اختصاص الرجل بامرأة تكون له دون غيره، فكان هذا الاختصاص يُنال بالقُوّة، ثمّ اعتاض الناس عن القوّة بذْل الأثمان لأولياء النساء ببيعهم بناتهم ومَوْلَيَاتِهم، ثمّ ارتقى التشريع وكمُل عقد النكاح، وصارت المرأة حليلة الرجل شريكته في شؤونه وبقيت الصدُقات أمارات على ذلك الاختصاص القديم تميّز عقد النكاح عن بقية أنواع المعاشرة المذمومة شرعاً وعادة، وكانت المعاشرة على غير وجه النكاح خالية عن بذل المال للأولياء إذ كانت تنشأ عن الحبّ أو الشهوة من الرجل للمرأة على انفراد وخفية من أهلها، فمن ذلك الزنى الموقّت، ومنه المخادنة، فهي زنا مستمرّ، وأشار إليها القرآن في قوله: ﴿ محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ﴾ [النساء: 25] ودون ذلك البغاء وهو الزنا بالإماء بأجور معيّنة، وهو الذي ذكر الله النهي عنه بقوله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ﴾ [النور: 33] وهنالك معاشرات أخرى، مثل الضماد وهو أن تتّخذ ذات الزوج رجلاً خليلاً لها في سنة القحط لينفق عليها مع نفقة زوجها.

فلأجل ذلك سمّى الله الصداق نِحلة، فأبعد الذين فسّروها بلازم معناها فجعلوها كناية عن طيب نفس الأزواج أو الأولياء بإيتاء الصدقات، والذين فسروها بأنّها عطية من الله للنساء فرضها لهنّ، والذين فسّروها بمعنى الشرع الذي يُنتحل أي يُتَّبع.

وقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً ﴾ الآية أي فإن طابت أنفسهنّ لكم بشيء منه أي المذكور.

وأفرد ضمير «منه» لتأويله بالمذكور حملاً على اسم الإشارة كما قال رؤبة: فيها خُطوط من سواد وبلَق *** كأنَّه في الجِلد توليع البَهَق فقال له أبو عبيدة: إمّا أن تقول: كأنّها إن أردت الخطوط، وإما أن تقول: كأنّهما إن أردت السواد والبلَق فقال: أردْتُ كأنّ ذلك، ويْلَك أي أجرى الضمير كما يُجرى اسم الإشارة.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ في سورة البقرة (68).

وسيأتي الكلام على ضمير (مثله) عند قوله تعالى: ﴿ ومثله معه ليفتدوا به ﴾ في سورة العقود (36).

وجيء بلفظ نفساً مفرداً مع أنّه تمييز نسبة ﴿ طبن ﴾ إلى ضمير جماعة النساء لأنّ التمييز اسم جنس نكرة يستوي فيه المفرد والجمع.

وأسند الطيب إلى ذوات النساء ابتداء ثم جيء بالتمييز للدلالة على قوّة هذا الطيب على ما هو مقرّر في علم المعاني: من الفرق بين واشتعل الرأس شيباً وبين اشتعل شيب رأسي، ليعلم أنه طيب نفس لا يشوبه شيء من الضغط والإلجاء.

وحقيقة فعل (طاب) اتّصاف الشيء بالملاءمة للنفس، وأصله طيب الرائحة لحسن مشمومها، وطيب الريح موافقتها للسائر في البحر: ﴿ وجرين بهم بريح طيّبة ﴾ [يونس: 22]، ومنه أيضاً ما ترضى به النفس كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ [البقرة: 168] ثم استعير لما يزكو بين جنسه كقوله: ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ [النساء: 2] ومنه فعل ﴿ طبن لكم عن شيء منه نفساً ﴾ هنا أي رضين بإعطائه دون حرج ولا عسف، فهو استعارة.

وقوله: ﴿ فكلوه ﴾ استعمل الأكل هنا في معنى الانتفاع الذي لا رجوع فيه لصاحب الشيء المنتفع به، أي في معنى تمام التملّك.

وأصل الأكل في كلامهم يستعار للاستيلاء على مال الغير استيلاء لا رجوع فيه، لأنّ الأكل أشدّ أنواع الانتفاع حائلاً بين الشيء وبين رجوعه إلى مستحقّه.

ولكنّه أطلق هنا على الانتفاع لأجل المشاكلة مع قوله السابق: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [النساء: 2] فتلك محسّن الاستعارة.

و ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ حالان من الضمير المنصوب وهما صفتان مشبّهتان من هنَا وهَنِيء بفتح النون وكسرها بمعنى ساغ ولم يعقب نغصاً.

والمريء من مُرو الطعام مثلث الراء بمعنى هنئ، فهو تأكيد يُشبه الاتباع.

وقيل: الهنيء الذي يلذّه الآكل والمريء ما تحمد عاقبته.

وهذان الوصفان يجوز كونهما ترشيحاً لاستعارة ﴿ كلوه ﴾ بمعنى خذوه أخذ ملك، ويجوز كونهما مستعملين في انتفاء التبعة عن الأزواج في أخذ ما طابت لهم به نفوس أزواجهم، أي حلالاً مباحاً، أو حلالاً لا غرم فيه.

وإنّما قال: ﴿ عن شيء منه ﴾ فجيء بحرف التبعيض إشارة إلى أن الشأن أنّ لا يَعرى العقد عن الصداق، فلا تسقطه كلّه إلاّ؛ أنّ الفقهاء لمّا تأوّلوا ظاهر الآية من التبعيض، وجعلوا هبة جميع الصداق كهبته كلّه أخذاً بأصل العطايا، لأنّها لمّا قبضته فقد تقرّر ملكها إيّاه، ولم يأخذ علماء المالكية في هذا بالتهمة لأنّ مبنى النكاح على المكارمة، وإلاّ فإنّهم قالوا في مسائل البيع: إنّ الخارج من اليد ثم الراجع إليها يعتبر كأنّه لم يخرج، وهذا عندنا في المالكات أمر أنفسهنّ دون المحجورات تخصيصاً للآية بغيرها من أدلّة الحجر فإنّ الصغيرات غير داخلات هنا بالإجماع.

فدخل التخصيص للآية.

وقال جمهور الفقهاء: ذلك للثيّب والبكر، تمسّكاً بالعموم.

وهو ضعيف في حمل الآدلّة بعضها على بعض.

واختلف الفقهاء في رجوع المرأة في هبتها بعضَ صداقها: فقال الجمهور: لا رجوع لها، وقال شريح، وعبد الملك بن مروان: لها الرجوع، لأنّها لو طابت نفسها لما رجعت.

ورووا أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى قضاته «إنّ النساء يعطين رغبة ورهبة فأيّما امرأة أعطته، ثمّ أرادت أن ترجع فذلك لها» وهذا يظهر إذا كان ما بين العطيّة وبين الرجوع قريباً، وحدث من معاملة الزوج بعد العطيّة خلاف ما يؤذن حسن المعاشرة السابق للعطيّة.

وحكم هذه الآية ممّا أشار إليه قوله تعالى: ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ [النساء: 1].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الحَرامُ بِالحَلالِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: هو أنْ يَجْعَلَ الزّائِفَ بَدَلَ الجَيِّدِ، والمَهْزُولَ بَدَلَ السَّمِينِ ويَقُولَ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ، وشاةٌ بِشاةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ والزُّهْرِيِّ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: هو اسْتِعْجالُ أكْلِ الحَرامِ قَبْلَ إتْيانِ الحَلالِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ والنِّساءَ ويَأْخُذُهُ الرَّجُلُ الأكْبَرُ، فَكانَ يَسْتَبْدِلُ الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ لِأنَّ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ طَيِّبٌ، وأخْذَهُ الكُلَّ خَبِيثٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ أيْ مَعَ أمْوالِكم، وهو أنْ يَخْلِطُوها بِأمْوالِهِمْ لِتَصِيرَ في ذِمَّتِهِمْ فَيَأْكُلُوا رِبْحَها.

﴿ إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ والحُوبُ: الإثْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: تَحَوَّبَ فُلانٌ مِن كَذا، إذا تَوَقّى، قالَ الشّاعِرُ: فَإنَّ مُهاجِرَيْنِ تَكَنَّفاهُ غَداةَ إذٍ لَقَدْ خَطِئا وحابا قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْوالِ اليَتامى كَرِهُوا أنْ يُخالِطُوهم وجَعَلَ ولِيُّ اليَتِيمِ يَعْزِلُ مالَهُ عَنْ مالِهِ فَشَكُوا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ ﴾ » [البَقَرَةِ: ٢٢٠] أيْ فَخالِطُوهم واتَّقُوا إثْمَهُ.

﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في نِكاحِ اليَتامى، فانْكِحُوا ما حَلَّ لَكم مِن غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَخافُونَ ألّا يَعْدِلُوا في أمْوالِ اليَتامى، ولا يَخافُونَ أنْ لا يَعْدِلُوا في النِّساءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، يُرِيدُ كَما خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في أمْوالِ اليَتامى، فَهَكَذا خافُوا ألّا تَعْدِلُوا في النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيِّ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّوْنَ أمْوالَ اليَتامى ولا يَتَوَقَّوْنَ الزِّنى، فَقالَ: كَما خِفْتُمْ في أمْوالِ اليَتامى، فَخافُوا الزِّنى، وانْحِكُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها، أنَّ قُرَيْشًا في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ تُكْثِرُ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ عَدَدٍ مَحْصُورٍ، فَإذا كَثُرَ عَلى الواحِدِ مِنهم مُؤَنُ زَوْجاتِهِ، وقَلَّ مالُهُ، مَدَّ يَدَهُ إلى ما عِنْدَهُ مِن أمْوالِ الأيْتامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى النِّساءِ وتَقْدِيرُهُ: فانْحِكُوا مِنَ النِّساءِ ما حَلَّ.

وَهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى النِّكاحِ وتَقْدِيرُهُ: فانْحِكُوا النِّساءَ نِكاحًا طَيِّبًا.

وَهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ تَقْدِيرًا لِعَدَدِهِنَّ وحَصْرًا لِمَن أُبِيحَ نِكاحُهُ مِنهُنَّ وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ اثْنَيْنِ وثَلاثٍ وأرْبَعٍ، وكَذَلِكَ أُحادُ ومَوْحَدُ، وثُناءُ ومَثْنى، وثُلاثُ ومَثْلَثُ، ورُباعُ ومَرْبَعُ، وهو اسْمٌ لِلْعَدَدِ مَعْرِفَةٌ، وقَدْ جاءَ الشِّعْرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، قالَ تَمِيمُ بْنُ أبِي مُقْبِلٍ: تَرى العَثَراتِ الزُّرْقَ تَحْتَ لَبانِهِ ∗∗∗ أُحادَ ومَثْنى أضْعَفَتْها كَواهِلُهُ وَقالَ آخَرُ: قَتَلْنا بِهِ مِن بَيْنِ مَثْنى ومَوْحَدٍ ∗∗∗ بِأرْبَعَةٍ مِنكم وآخَرَ خامِسِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ولَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ صَرْفُ ما جاوَزَ الرُّباعَ والمَرْبَعَ عَنْ جِهَتِهِ إلّا في بَيْتٍ لِلْكُمَيْتِ، فَإنَّهُ قالَ في العَشَرَةِ عُشارُ وهو قَوْلُهُ فَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حَتّى رَمِدْ ∗∗∗ تَ فَوْقَ الرِّجالِ خِصالًا عُشارا وَقالَ أبُو حاتِمٍ: بَلْ قَدْ جاءَ في كَلامِهِمْ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ضَرَبْتُ خُماسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ ∗∗∗ أدارَ سُداسَ ألّا يَسْتَقِيما ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا ﴾ يَعْنِي في الأرْبَعِ، ( فَواحِدَةً ) يَعْنِي مِنَ النِّساءِ.

﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يَعْنِي في الإماءِ.

﴿ ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألّا يَكْثُرَ مَن تَعُولُونَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ ألّا تَضِلُّوا، وهو قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ، ورَواهُ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: ألّا تَمِيلُوا عَنِ الحَقِّ وتَجُورُوا وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ.

وَأصْلُ العَوْلِ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ ومِنهُ عَوْلُ الفَرائِضِ لِخُرُوجِها عَنْ حَدِّ السِّهامِ المُسَمّاةِ، وأنْشَدَ عِكْرِمَةُ بَيْتًا لِأبِي طالِبٍ: بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِيسُ شَعِيرَةً ∗∗∗ ووازِنِ صِدْقٍ وزْنُهُ غَيْرُ عائِلِ أيْ غَيْرُ مائِلٍ.

وَكَتَبَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى أهْلِ الكُوفَةِ في شَيْءٍ عاتَبُوهُ فِيهِ: إنِّي لَسْتُ بِمِيزانِ قِسْطٍ لا أعُولُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ هَذا الخِطابُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأزْواجِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأوْلِياءِ، لِأنَّهم كانُوا يَتَمَلَّكُونَ في الجاهِلِيَّةِ صَداقَ المَرْأةِ، فَأمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ صَدُقاتِهِنَّ إلَيْهِنَّ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

وَأمّا النِّحْلَةُ فَهي العَطِيَّةُ مِن غَيْرِ بَدَلٍ، وسُمِّيَ الدِّينُ نِحْلَةً، لِأنَّهُ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وفي تَسْمِيَهِ النَّحْلِ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ نَحْلًا لِما يُعْطِي مِنَ العَسَلِ.

والثّانِي: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَحَلَهُ عِبادَهُ.

وَفي المُرادِ بِالنِّحْلَةِ في الصَّداقِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فَرِيضَةً مُسَمّاةً، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ نِحْلَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُنَّ بَعْدَ أنْ كانَ مِلْكًا لِلْأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَهْيٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن خِطْبَةِ الشِّغارِ، والنِّكاحِ بِغَيْرِ صَداقٍ، وهو قَوْلُ سُلَيْمانَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي المُعْتَمِرِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ أنْ يَطِيبُوا نَفْسًا بِدَفْعِهِ، كَما يَطِيبُونَ نَفْسًا بِالنَّحْلِ والهِبَةِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا ﴾ يَعْنِي الزَّوْجاتِ إنْ طِبْنَ نَفْسًا عَنْ شَيْءٍ مِن صَداقِهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ في قَوْلِ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلْأزْواجِ، ولِأوْلِيائِهِنَّ في قَوْلِ مَن جَعَلَهُ خِطابًا لِلْأوْلِياءِ.

﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾ الهَنِيءُ ما أعْقَبَ نَفْعًا وشِفاءً، ومِنهُ هَنَأ البَعِيرُ لِلشِّفاءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ مُتَبَدِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ ∗∗∗ يَضَعُ الهَناءَ مَواضِعَ النُّقُبِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوّج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناساً كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كبير مهر.

فقال الله: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ وآتوا النساء ﴾ يقول: أعطوا النساء ﴿ صدقاتهن ﴾ يقول: مهورهن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ نحلة ﴾ قال: يعني بالنحلة المهر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة ﴿ نحلة ﴾ قالت واجبة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جرير ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ قال: فريضة مسماة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: ﴿ النحلة ﴾ في كلام الواجب، يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ نحلة ﴾ قال: فريضة.

وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يديه طعاماً كانت له حلالاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي لبيبة عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استحل بدرهم فقد استحل» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة «أن رجلاً تزوج على نعلين فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم نكاحه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من نكح امرأة وهو يريد أن يذهب بمهرها فهو عند الله زان يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة وأم سلمة قالتا: ليس شيء أشد من مهر امرأة وأجر أجير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فإن طبن لكم ﴾ قال: هي للأزواج.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه ﴾ قال: من الصداق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ يقول: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله.

وأخرج ابن جرير عن حضرمي، أن ناساً كانوا يتأثمون أن يراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته فقال الله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلاً، وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنيئاً مريئاً وشفاء ومباركاً.

وأخرج ابن سعد عن علقمة أنه كان يقول لامرأته: أطعمينا من ذلك الهنيء المريء، يتأوّل هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَآتُواْ النسآء صدقاتهن ﴾ خطاب للأزواج، وقيل: للأولياء، لأن بعضهم كان يأكل صداق وليته، وقيل: نهي عن الشغار ﴿ نِحْلَةً ﴾ أي عطية منكم لهن، أو عطية من الله، وقيل: معنى نحلة أي؛ شرعة وديانة، وانتصابه على المصدر من معنى آتوهن أو على الحال من ضمير المخاطبين ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ الآية: إباحة للأزواج والأولياء على ما تقدم من الخلاف أن يأخذوا ما دفعوا للنساء من صدقاتهن عن طيب أنفسهن، والضمير في منه يعود على الصداق أو على الإيتاء ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ عبارة عن التحليل ومبالغة في الإباحة، وهما صفتان من قولك هَنُؤَ الطعام ومَرْؤَ: إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه، وهما وصف للمصدر: أي أكلا هنيئاً أو حال من ضمير الفاعل، وقيل: يوقف على فكلوه ويبدأ ﴿ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ على الدعاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ .

عن ابن عباس -  -: نحلة - قال -: المهر.

وقيل: النحلة: الفريضة، أي: آتوهن فريضتهن.

وقيل: نحلة؛ أي: عطية، أي: تُعْطَى هي لا وليها؛ وهو من النُّحْلَى.

وقيل: نحلة: من نحلة الدَّين، أي: من الدين أن تؤتوا النساء صدقاتهن؛ ليس على ما كانوا يفعلون في الجاهلية: يتزوجون النساء بغير مهورهن؛ ففيه أن لأهل الكفر النكاح بغير مهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ .

وفي الآية دلالة جواز هبة المرأة من زوجها، وفساد قول من لا يجيز هبة المرأة بمالها حتى تلد أو تبقى في بيته سنة؛ فيجوز أمرها.

وفي الآية - أيضاً -: دليل أن المهر لها؛ حيث أضاف الإحلال والهبة إليهن بقوله: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ .

وفيه دليل - أيضاً -: أن هبة الديون والبراءة منها جائزة؛ كما جازت هبة المرأة مهرها وهو دين.

وقيل: فيه وجه آخر، وهو أن الآباء في الجاهلية والأولياء كانوا يأخذون مهور نسائهم؛ فأمرهم - عز وجل - ألاَّ يأخذوا ذلك، وحكم بأن المهر للمرأة دون وليها، إلا أن تهبه لوليها؛ فيحل حينئذ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً ﴾ : لا داء فيه، و ﴿ مَّرِيئاً ﴾ : لا إثم فيه.

وقيل: الهنيء: هو اللذيذ الشهي، الذي يلذ عند تناوله ويسر.

والمريء: الذي عاقبته.

ثم الحكمة في ذكر الهنيء والمريء هنا وجهان: أحدهما: ما ذكر في الآيات من الوعيد بأخذه منها: يقول - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً...

﴾ إلى قوله: ﴿ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ  ﴾ ؛ لئلا يمتنعوا عن قبول ذلك للوعيد الذي ذكر في الآيات.

والثاني: إن الامتناع عن قبول ما بذلت الزوجة يحمل على حدوث المكروه، ويورث الضغائن؛ وذلك يسبب قطع الزوجية فيما بينهما.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ ، يعني: بطيبة أنفسكم: يقول: لا تعطوهن مهورهن وأنتم كارهون، ولكن آتوهن وأنفسكم بها طيبة؛ إذ كان المهور لهن دونكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ ، أي: ما طابت به أنفسهن من غير كره فهو حلال.

وعن علقمة أنه قال لامرأته: أطعميني من الهنيء المريء.

وعن علي -  -: قال: إذا اشتكى أحدكم شيئاً فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، ثم يشتري بها عسلاً، ثم يشربه بماء السماء، فيجمع الله -  - الهنيء المريء والشفاء والماء المبارك.

وفي قوله - أيضاً، عز وجل -" ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ أن النفقة - وإن كانت عليه - فهي إذا قامت بها في نفسها لا يحرج هو؛ لأن نفقتها عليها ليست بأعظم من نفقته من مالها إذا تطيبت، ووصف بالهنيء المريء بما ربما يستثقل الطبع عن مالها؛ كراهة الامتنان، أو بما كان عليه كفايتها، أو بما جرى من الوعيد الشديد في منع مهرها، أو بما قد تحتشمه فتبذل له، أو بما يوهم الطمع في مالها، والرغبة في النكاح لذلك؛ فطيبه الله -  - حتى وصفه بغاية ما يحتمل المال من الطيب.

وفيه بيان جواز معروفها، وترغيب في حسن المعاشرة بينهما حتى أبقى ذلك بعد الفراق بقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ...

﴾ الآية [البقرة: 237]، وذلك أحد ما يورث المحبة والمودة، أو يديمها؛ إذ جعل الله بينهما بقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا  ﴾ .

مسألة: في العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين: روي عن عبد الله بن عتبة -  - [أنه] قال: قال عمر بن الخطاب -  -: "ينكح العبد اثنتين، ويطلق اثنتين، وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تحض فشهر ونصف".

وعن علي -  - أنه قال: "لا يحل للعبد أن ينكح فوق اثنتين".

وعن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: "يتزوج العبد اثنتين".

وعن عمر -  - أنه قال لابن مسعود -  -: "ما يحل للعبد من النساء؟" قال: "اثنتين"، قال عمر -  -: "ذلك أرى".

وعن الحكم قال: اجتمع أصحاب رسول الله  على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين؛ فهؤلاء ستة نفر من أصحاب رسول الله  ، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي، وابن مسعود، والفضل بن العباس، والأنصاري - رضوان الله عليهم أجمعين - اتفقوا على أن العبد يتزوج اثنتين، ولا يتزوج أكثر من ذلك.

وأيضاً عن ابن عمر -  - قال: قال رسول الله  : "طَلاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ" وعن عائشة -  ا - قالت: قال رسول الله  : "الأَمَةُ تُطَلَّقُ تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ" فإن احتج محتج بعموم الآية أن الله -  - قال: ﴿ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ ، ولم يذكر عبداً ولا حرّاً؛ فهو على عمومه.

قيل: في الآية دليل أن الخطاب للأحرار، وهو قوله -  -: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ ؛ فهو على من له النكاح بنفسه، والعبد يكون له النكاح بغيره بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ : فكان المخاطب بنكاح العبيد مواليهم، ليس له أن ينكح المرأة إلا بإذن مولاه؛ ومولاه يزوجه إذا شاء بغير أمره، فإنما الخطاب لمن له أن يتزوج إذا شاء؛ والعبد من ذلك خارج؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ ؟!

والعبد لا يملك ملك اليمين؛ فدل أن الخطاب راجع إلى الأحرار دون العبيد.

فإن قيل: قد جعلتم للعبد أن يطلق الحرة ثلاثاً، فجعلتم له من الطلاق مثل الذي جعلتموه للحر؛ فيجب أن تجعلوا له مِنْ تزوج النساء مثل الذي يجوز للحر.

قيل: الفرق بينهما أن الطلاق عندنا بالنساء؛ لأن الحر يطلق امرأته الأمة تطليقتين؛ فتحرم عليه؛ والتزويج بالرجال لا ينظر فيه إلى النساء، فللعبد أن يتزوج النصف من تزويج الحر، كما أن عدة الأمة وطلاقها على النصف من عدة الحرة، على ما روينا من الخبر عن رسول الله  : "حَتَّى يَكُونَ لِلْعَبْدِ في امْرَأَتَيْنِ شَيءٌ نِصْفُ مَا لِلْحُرِّ مِنَ الأرْبَعِ" ؛ وروي عن الحسن أنه قال في قوله -  -: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ [يعني: الكفار.

وقيل: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ ]؛ فيكونوا قياماً عليكم، ولكن كونوا أنتم قياماً عليهم.

وقيل: لا تؤتوهم أموالكم؛ فيكونوا أرباباً عليكم، وكونوا أرباباً بأموالكم عليهم.

ومن صرف التأويل إلى اليتامى جعل معنى قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْوَالَكُمُ ﴾ - كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ : يريد من ترونه في البيوت؛ فعلى ذلك إضافة أموال اليتامى إلى الأولياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ الآية [النساء: 5].

فالسفيه - في الحقيقة - من يعمل عمل الجهال، كان جاهلا في الحقيقة أو لا؛ لما قد يلقب العالم به؛ إذا ضيع الحدود، وتعاطي الأفعال الذميمة؛ وعلى ذلك ما جاء [من] الكتاب بتسفيه علماء أهل الكتاب.

ثم قد يسمى الجهال به؛ لما [أن] الجهل هو السبب الباعث على فعل السفه؛ فقوله -  -: ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ يحتمل ذلك الوجهين.

وأي الأمرين كان ففيه التحذير للمعنى الذي بين من قوله: ﴿ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً ﴾ : فإما إذا كانت قياماً للمعاش أو للمعاد أو لهما، وطريق الإنفاق في الوجهين والإمساك لهما التدبر، ومراعاة الشرع، وتعاهد الأسباب، والوجهان جميعاً يمنعان الوفاء بما جعلت له الأموال؛ فحذر من أنعم بها عن تضييع ذلك بالتسليم إلى من ذكر، مع ما يكون في ذلك أن اتباع من يستحق أن يكون متبوعاً لمن حقه أن يجعل تابعاً، وذلك خارج عن حد الحكمة، وما يحمده العقل.

ثم قد صرفت الآية إلى النساء بما جعل من إليه التدبير وهو الذي أنشأهن تحت أيدي الرجال في الأمور، مع وصف الرجال أنهم قوامون على النساء.

وصرفت - أيضاً - إلى الصغار بما ضمن حفظ أموال مثلهم الكبار، وجعلوا مكفولين عند البالغين؛ فأموال البالغين أحق بذلك، وحقيقة السفه ما ذكرت.

وجائز أن يكون المقصود بالذكر - من ذكر الصغار والنساء بما خاطب من حذر بالدفع إلى من ذكر - رزق أولئك وكسوتهم، ولا يجب رزق الجهال والسفهاء في الأفعال على غيرهم؛ فيكون ما ذكروا أولى بمراد الآية، وإن كان للمعنى الذي قصد بالآية التي ذكرتهم - قد استحقوا.

ولما غلبت تلك الأحوال على هؤلاء جعل من ذكرت قواماً عليهم، وقد ذكرت عن الحسن: أنه صرف الآية إلى الكفار؛ فكأنه تأول في القيام - القيام بأمر الدين؛ والكفار لا يجوز الاستعانة بهم فيه؛ وله جعل المال عنده مع ما كره العلماء تسليط الكفار العقوبة؛ لجهلهم بحق شرع الإسلام فيها؛ فمثله دفع الأموال إليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً ﴾ .

عن ابن عباس -  -: ﴿ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰماً ﴾ ، يعني: قوام أمركم ومعيشتكم، وهو هكذا جعل الله هذه الأموال أغذية للخلق، بها يقوم دينهم وأبدانهم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ ﴾ .

يقول: لا تؤتوهم، ولكن ارزقوهم أنتم واكسوهم.

وقيل: يقول: أنفقوا عليهم منها، وأطعموهم.

وقيل: لما أضاف الأموال إلى الدافعين لا إلى المدفوعة إليهم؛ دل على وجوب نفقة الولد وكسوته على الرجل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

قيل: عِدَةٌ حسنة جميلة: سأفعل وسأكسو.

وقيل: مروهم بالمعروف، وانهوا عن المنكر.

وقيل: علموهم الأدب والدين، وقولوا لهم كلام البر واللين واللطف.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأعطوا النساء مهورهن عطية واجبة، فإن طابت نفوسهن بشيء من المهر لكم بلا إكراه؛ فكلوه سائغًا لا تنغيص فيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.ME1ld"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قلنا إن الكلام في أوائل هذه السورة في الأهل والأقارب والأزواج وهو يتسلسل في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ الآية، ولذلك افتتحها بالتذكير بالقرابة والأخوة العامة، وهي كون الأمة من نفس واحدة ثم طفق يبين حقوق الضعفاء من الناس كاليتامى، والنساء، والسفهاء، ويأمر بالتزامها فقال: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ واليتيم لغة من مات أبوه مطلقًا، وفي عرف الفقهاء من مات أبوه وهو صغير فمتى بلغ زال يتمه، إلا إذا بلغ سفيهًا فإنه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر.

ومعنى إيتاء اليتامى أموالهم هو جعلها لهم خاصة وعدم أكل شيء منها بالباطل، أي أنفقوا عليهم من أموالهم حتى يزول يتمهم بالرشد كما يأتي في آية ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى  ﴾ فعند ذلك يدفع إليهم ما بقي لهم بعد النفقة عليهم في زمن اليتم والقصور.

فهذه الآية في إعطاء اليتامى أموالهم في حالتي اليتم والرشد، كل حالة بحسبها، وتلك خاصة بحال الرشد، وليس في هذه تجوز كما قالوا فإن نفقة ولي اليتيم عليه من ماله يصدق عليه أنه إيتاء مال اليتيم لليتيم.

والمقصود من هذه الآية ظاهر وهو المحافظة على مال اليتيم وجعله له خاصة وعدم هضم شيء منه لأن اليتيم ضعيف لا يقدر على حفظه والدفاع عنه ولذلك قال: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ  ﴾ المراد بالخبيث الحرام، وبالطيب الحلال، أي لا تتمتعوا بمال اليتيم في المواضع والأحوال التي من شأنكم أن تتمتعوا فيها بأموالكم.

يعني أن الإنسان إنما يباح له التمتع بمال نفسه في الطرق المشروعة فإذا عرض له استمتاع فعليه أن يجعله من مال نفسه لا من مال اليتيم الذي هو قيم ووصي عليه، فإذا استمتع بمال اليتيم فقد جعل مال اليتيم في هذا الوضع بدلًا من ماله، وبهذا يظهر معني التبدل والاستبدال.

وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  ﴾ أي لا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم، وهذا صريح فيما إذا كان للولي مال يضم مال اليتيم إليه، ويمكن أن يقال إن أكله مفردًا غير مضموم إلى مال الولي أولى بالتحريم وهو داخل في عموم قوله: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ  ﴾ وقيل يفهم من هذا القيد جواز أكل الوصي الفقير الذي لا مال له شيئًا من مال اليتيم.

وسيأتي التصريح بذلك في الآية السادسة.

﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا  ﴾ أي إن أكل مال اليتيم، أو تبدل الخبيث بالطيب منه، أو ما ذكر من مجموع الأمرين، وكانت تفعله الجاهلية، كان في حكم الله حوبًا كبيرًا أي إثمًا عظيمًا.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ .

جاء ذكر تعدد الزوجات في سياق الكلام على اليتامى، والنهي عن أكل أموالهم ولو بواسطة الزوجية، فقال إن أحسستم من أنفسكم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة فعليكم أن لا تتزوجوا بها فإن الله تعالى جعل لكم مندوحة عن اليتامى بما أباحه لكم من التزوج بغيرهن إلى أربع نسوة، ولكن إن خفتم أن لا تعدلوا بين الزوجات، أو الزوجتين فعليكم أن تلتزموا واحدة فقط، والخوف من عدم العدل يصدق بالظن والشك فيه بل يصدق بتوهمه أيضًا، ولكن الشرع قد يغتفر الوهم لأنه قلما يخلو منه علم بمثل هذه الأمور فالذي يباح له أن يتزوج ثانية أو أكثر هو الذي يثق من نفسه بالعدل بحيث لا يتردد فيه، أو يظن ذلك ويكون التردد فيه ضعيفًا.

ولما قال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً  ﴾ علله بقوله: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب من عدم الجور والظلم فجعل البعد من الجور سببًا في التشريع، وهذا مؤكد لاشتراط العدل ووجوب تحريه، ومنبه إلى أن العدل عزيز.

وقد قال تعالى في آية أخرى من هذه السورة ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ  ﴾ وقد يحمل هذا على العدل في ميل القلب ولولا ذلك لكان مجموع الآيتين منتجًا عدم جواز التعدد بوجه ما، ولما كان يظهر وجه قوله بعد ما تقدم من الآية ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ  ﴾ والله يغفر للعبد ما لا يدخل تحت طاقته من ميل قلبه، وقد كان النبي  يميل في آخر عهده إلى عائشة أكثر من سائر نسائه ولكنه لا يخصها بشيء دونهن، أي بغير رضاهن وإذنهن، وكان يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك".

أي من ميل القلب.

فمن تأمل الآيتين علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت ومن البيوت إلى الأمة.

كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى به العصبية، ولم يكن له من الضرر مثل ما له الآن لأن الدين كان متمكنًا في نفوس النساء والرجال، وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها، أما اليوم فإن الضرر ينتقل من كل ضرة إلى ولدها إلى والده إلى سائر أقاربه فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء، تغري ولدها بعداوة إخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه فيدب الفساد في العائلة كلها، ولو شئت تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من تعدد الزوجات لأتيت بما تقشعر منه جلود المؤمنين فمنها السرقة، والزنا، والكذب، والخيانة، والجبن، والتزوير بل منها القتل حتى قتل الولد والده، والوالد ولده، والزوجة زوجها، والزوج زوجته، كل ذلك واقع ثابت في المحاكم.

وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد، وهي جاهلة بنفسها وجاهلة بدينها، لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها، يتبرأ منها كل كتاب منزل وكل نبي مرسل، فلو تربي النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما كان يكون ضرره قاصرًا عليهن في الغالب.

أما والأمر على ما نرى ونسمع فلا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة، خصوصًا الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم، فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وأن من أصوله منع الضرر والضرار، فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة يعني على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعًا عند الخوف من عدم العدل.

تقدم أن إباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى عن كثرة الأزواج، وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلًا أو فاسدًا، فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد فقد يخاف الظلم وقد يظلم ثم يتوب فيعدل فيعيش عيشة حلالًا.

أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  ﴾ فهو معطوف على قوله: ﴿ فَوَاحِدَةً  ﴾ أي فالزموا زوجًا واحدة وأمسكوا زوجًا واحدة مع العدل -وهذا فيمن كان متزوجًا كثيرات- أو الزموا ما ملكت أيمانكم واكتفوا بالتسري بهن بغير شرط، ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا  ﴾ أي أقرب إلى عدم العول وهو الجور، فإن العدل بين الإماء في الفراش غير واجب إذ لا حق لهن فيه وإنما لهن الحق في الكفاية بالمعروف، وهذا لا يفيد حل ما جرى عليه المسلمون منذ قرون كثيرة من الإسراف في التمتع بالجواري المملوكات بحق أو بغير حق مهما ترتب على ذلك من المفاسد، كما شوهد ولا يزال يشاهد في بعض البلاد إلى الآن.

﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً  ﴾ الصدقات جمع صدقة بضم الدال وفيه لغات منها الصداق وهو ما يعطى للمرأة قبل الدخول عن طيب نفس، وينبغي أن يلاحظ في هذا العطاء معنى أعلى من المعنى الذي لاحظه الذين يسمون أنفسهم الفقهاء من أن الصداق والمهر بمعنى العوض عن البضع والثمن له، كلا إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال "نحلة"، فالذي ينبغي أن يلاحظ هو أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري والمستأجر، وترى عرف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه الزوج بالهدايا والتحف.

﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا  ﴾ لا يجوز للرجل أن يأكل شيئًا من مال امرأته إلا إذا علم أن نفسها طيبة به، فإذا طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى على أحد، وإن كان اللابسون لباس الصالحين المتحلين بعقود السبح الذين يحركون شفاههم ويلوكون ألسنتهم بما يسمونه ذكرًا يستحلون أكل أموال نسائهم إذا أعطينها، أو أجزن أخذها بالترهيب أو الخداع أو الخجل، ويقولون إنهن أعطيننا ولنا الظاهر والله يتولى السرائر.

وقد قال تعالى في آية آتية ﴿ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  ﴾ فإذا شدد هذا التشديد في طور المفارقة فكيف يكون الحكم في طور الاجتماع والمعاشرة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله