تفسير سورة النساء الآيات ٦٠-٦٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٦٠-٦٣

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًۭا ٦٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا ٦١ فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًۭا وَتَوْفِيقًا ٦٢ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا ٦٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر أن اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت إلخ، وذكر من سوء حالهم ووعيدهم ما ذكر، ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين أهدى سبيلًا من المؤمنين، وأمرهم بطاعة الله ورسوله في كل شيء، وطاعة أولي الأمر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطر عليهم فيه، وبرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به وبالجبت واتباعهم للهوى.

وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم لمنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا ومن مقتضى الإيمان امتثال ما أمر به المؤمنين في الآيتين السابقتين، ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ  ﴾ وقد ذكر المفسرون أسبابًا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت رواياتها أن نجزم بواحدة معينة منها وإنما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول  ، وقد تقدم أن "الطاغوت" مصدر الطغيان وهو يصدق على كل ما جاءت الروايات في سبب نزول الآية بالتحاكم إليهم.

ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب إليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت، ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق، وكل من يتحاكم إليه من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل، وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير، ويدخل في هذا ما يقع كثيرًا من تحاكم الخصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدّعي الكشف، ويخرج المحكم في الصلح وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف.

﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا  ﴾ أي أن الشيطان الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان يريد أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرًا لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.

يسأل أحدكم: فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين؟

وأقول: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  ﴾ فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلي بهذه القوانين ومنفذيها، فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ومنها المخالف له؟

ونحن الآن مكرهون إلى التحاكم إلى هذه القوانين فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه أي في أهله ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان  ﴾ الآية.

وانظر إلى ما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية، والعبادات، والمعاملات بين الوالدين ولأولاد والأزواج الزوجات، فهل نرجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟

إذا تنازع عالمان منا في مسألة فهل يردّانها إلى الله ورسوله أن يردّانها إلى قيل وقال، فهذا يقول قال "الجمل"، وهذا يقول قال "الصاوي"، وفلان وفلان.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا  ﴾ إن الحامل لهم على هذا الصدود هو إتباع شهواتهم وألفتهم للباطل، وعدو الحق يعرض عنه إعراضًا شديدًا.

ثم أراد تعالى أن يبيّن سخافتهم وجهلهم وعدم طاقتهم بالثبات على هذا الصدود فقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ  ﴾ إلخ، أي لو عقلوا لالتزموا ما أظهروا قبوله من الإسلام وعملوا بمقتضى ما ادعوه من الإيمان ليتم لهم الاستفادة منه، لن العاقل يعلم أن تلك الحال التي اختاروا فيها التحاكم إلى الطاغوت لا تدوم لهم وأنه يوشك أن ينتقلوا منها فيقعوا في مصاب يضطرهم إلى الرجوع إلى النبي  ليكشفه عنهم وأن يعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانًا وتوفيقًا، كأنه يقول فكيف يفعلون إذ أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله والتحاكم إليك وتبينّ أن عملهم يكذب دعواهم الإيمان؟

إنهم إذًا يستحقون العقوبة والإذلال ليكونوا عبرة لغيرهم.

وذهب أبو مسلم إلى أن في الآية بشارة بأن المنافقين سيقعون في مصيبة تفضح أمرهم، وتكشف سرهم، وهل يتوبون حينئذ ويجيئونك أم لا؟

ويقول غيره ليس المراد بذلك البشارة بشيء سيقع، وإنما هو بيان ناجز لأمرهم، وإيذان بمؤاخذاتهم وإذلالهم، وإراءتهم أنهم سفهاء الأحلام، مستحقون لما يعاقبهم به النبي  .

فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين أو حالهم وحال أمثالهم، أو كيف يكون الشأن في أمرهم إذا أصابتهم مصيبة يسبب ما قدمت أيديهم أي ما عملوا من السيئات بباعث النفاق الظاهر، والخبث الباطن، فإن الأعمال السيئة تترتب عليها آثار سيئة، وتكون لها عواقب ضارة لا يمكن كتمانها، ولا يستغني صاحبها عن الاستعانة فيها بقومه وأولياء أمره، فالآية تنذر جميع المنافقين الذين يستخفون من النار بأعمال النفاق مبينة أن هذه الأعمال لابد أن يترتب عليها بعض المصائب التي تفضح أمرهم، وتضطرهم إلى الرجوع إلى النبي والاعتذار له، والحلف على ذلك ليصدقه، فإنهم يشعرون بأنهم متهمون بالكذب.

أو كيف تعاملهم في هذه الشدة أيها الرسول بعد علمك بما كان من صدودهم عنك، في وقت الاستغناء عنك، هل تعطف عليهم وتقبل قولهم إذا أصابتهم المصيبة التي يستحقونها بارتكاب أسبابها ﴿ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا  ﴾ أي يخادعونك بالحلف بالله إنهم ما أرادوا بما علموا من الصدود أو من الأعمال المنكرة والمعاصي التي ترتبت عليها المصيبة إلا إحسانًا في للمعاملة وتوفيقًا بينهم وبين خصمهم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين، وقالوا نحن نعلم أنك لا تحكم إلا بِمُرِّ الحق لا تراعي فيه أحدًا فلم نر ضررًا في استمالة خصومنا بقبول حكم طواغيتهم والتوفيق بين منفعتنا ومنفعتهم.

سأل العليم الحكيم كيف تكون المعاملة في هذه الحال تمهيدًا لبيان ما يجب العمل به وهو قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ من الكفر والحقد والكيد وتربص الدوائر بالمؤمنين ليظهروا عداوتهم.

والعبارة تدل على تعظيم الأمر أي فظاعته وكبره، ولا يزال مثلها مستعملًا فيما يعظم شأنه من خير وشر ومسرة وحزن، يقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك، ويقول في العدو الماكر المخادع الله يعلم ما في قلبه.

والمعنى إن ما في قلوب هؤلاء المنافقين كبير جدًا لا يعرفه كما هو إلا الله تعالى ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ  ﴾ أي أصرف وجهك عنهم ولا تقبل عليهم بالبشاشة والتكريم ﴿ وَعِظْهُمْ  ﴾ ببيان سوء حالهم لهم إذا هم أصروا على ما هم عليه ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا  ﴾ يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد أن تحدثه فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله