تفسير سورة النساء الآيات ٧١-٧٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٧١-٧٣

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا ٧١ وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا ٧٢ وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا ٧٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الكلام من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  ﴾ في موضوع خاص وهو ما يكون بين الأهل والأقارب والأزواج واليتامى من المعاملات المالية والمصاهرة والإرث.

والآيات من قوله: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ  ﴾ الآية إلى هنا في مطالبة المؤمنين بالإخلاص في العبادة، وحسن المعاملة بين الأقربين واليتامى والمساكين والجيران والأصحاب والأرقاء وسائر الناس، وأحكام بعض العبادات وبيان ما فيها من تثبيت النفس على الصدق في المعاملة، وضرب لهم فيها مثل اليهود والذين كان لهم كتاب يهتدون به، ونهاهم أن يكونوا مثلهم وعلمهم كيف يعملون بأمرهم برد الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم، ورد ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله، وأكد أمر طاعة الرسول وبيّن حال المنافقين الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت.

ولا شك أن المسلمين إذا عملوا بهذه الأحكام صلح حالهم فيما بينهم، واستقامت أمورهم وصاروا متحدين متعاونين على الأعمال النافعة وحفظ الجامعة، ووثق بعضهم ببعض في التعاون على مصالحهم والدفاع عن حقيقتهم، فالغرض من هذه الوصايا انتظام شمل المسلمين وصلاح أمورهم الخاصة والعامة.

بعد بيان هذا أراد الله تعالى أن يوجه المسلمين إلى أمر آخر يلي اجتماعهم على عقيدة واحدة، ومصلحة واحدة، وانتظام شؤونهم وصلاح حالهم وهو ما يتم لهم به الأمن وحسن الحال بالنسبة إلى غيرهم، وذلك أنه كان للمسلمين عند التنزيل أعداء يناصبونهم ويفتنونهم في دينهم، والإنسان لا يتم له نظام في معيشته ولا هناء ولا راحة إلا بالأمنين كليهما: الأمن الداخلي والأمن الخارجي، فلما أرشدنا الله إلى ما به أمننا الداخلي أرشدنا إلى ما به أمننا مع الخارجين عنا المخالفين لنا في ديننا، وذلك إما بمعاهدات تكون بيننا وبينهم نطمئن بها على ديننا وأنفسنا ومصالحنا، وإما باتقاء شرهم بالقوة، وهذه الآيات في بيان ذلك وهي كثيرة كما يأتي.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ  ﴾ : الحذر، والحذر الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته، وإذا كان الأعداء متعددين فلابد في أخذ الحذر من معرفة ما بينهم من الوفاق والخلاف وان نعرف الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا، وأن يعمل بتلك الوسائل فهذه ثلاثة لا بد منها، وذلك أن العدو إذا أنس غرة هاجمنا وذا لم يهاجمنا بالفعل كنا دائمًا مهددين منه، فإن لم نهدد في نفس ديارنا كنا مهددين في أطرافها، فإذا أقمنا ديننا أو دعونا إليه عند حدود العدو فإنه لابد أن يعارضنا في ذلك، وإذا احتجنا إلى السفر إلى أرضه كنا على خطر، وكل هذا يدخل في قوله: ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ  ﴾ ، كما قال في آية أخرى ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ إلخ، وعلى النفوس المستعدة للفهم أن تبحث في كل ما يتوقف عليه امتثال الأمر من علم وعمل.

ويدخل في ذلك معرفة حل العدو معرفة أرضه وبلاده، طرقها ومضايقها وجبالها وأنهارها، فإننا إذا اضطررنا في تأديبه إلى دخول بلاده فدخلناها ونحن جاهلون لها كنا على خطر، وفي أمثال العرب "قتلت أرض جاهلها"، وتجب معرفة مثل ذلك من أرضنا بالأولى حتى إذا هاجمنا فيها لا يكون أعلم بها منا.

ويدخل في الاستعداد والحذر معرفة الأسلحة واتخاذها واستعمالها فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال فيجب تحصيل كل ذلك كما هو الشأن في هذه الأيام، ذلك أنه أطلق الحذر، أي ولا يتحقق الامتثال إلا بما تتحقق به الوقاية والاحتراز في كل زمن بحسبه.

وقد كان النبي  والصحابة  عارفين بأرض عدوهم وكان للنبي  عيون جواسيس في مكة يأتونه بالأخبار ولما أخبروه بنقض قريش العهد استعد فتح مكة.

ولما جاء أبو سفيان لتجديد العهد لظنه لم يعلموا بنكثهم لم يفلح وكان جواب النبي  والصحابة له واحدًا.

وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة: حاربهم بمثل ما يحاربونك به السيف بالسيف والرمح بالرمح، وهذه كلمة جليلة، فالقول وعمل النبي وأصحابه كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته.

﴿ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا  ﴾ : النفر مستعمل في الخروج إلى الحرب وثبات جماعات ولا تتقيد الجماعة بعدد معين.

وجميعًا يراد به جميع المؤمنين على الإطلاق وهذا على حسب حال العدو.

وإن أخذ الحذر ليشمل مع ما تقدم كيفية سوق الجيش وقيادته وهو النفر، ولما كان هذا مما قد يتساهل فيه خصه بالذكر فأمر به بهذا التفصيل ولو لم يصرح به لكان الاجتهاد في أخذ الحذر مما قد يقف دونه فلا يصل إليه، وهو أن النفر على حسب الحاجة إلى مقاومة العدو، وهو أن يرسل الجيش جماعات وفرقًا كما عليه العمل حتى الآن، فإذا احتيج في المقاومة إلى نفر جميع أفراد الأمة وخروجهم للجهاد وجب وهو قوله ﴿ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا  ﴾ وليس المراد أن يكون النفر على كيفيتين الأولى أن يقسم الجيش إلى فرق وسرايا والثانية أن يسير خميسًا واحدًا، وليس هذا هو المراد وإنما المراد الأول.

ويتوقف امتثال هذا الأمر على أن تكون الأمة كلها مستعدة دائمًا للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرنوا عليها بالعمل، فيظهر أن المعافاة من الخدمة العسكرية ليست شرفًا بل هي إباحة لترك ما أوجبه الله في كتابه.

﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ  ﴾ : أي يبطئ هو عن السير إبطاء الضعف في إيمانه، والإتيان بصيغة التشديد للمبالغة في الفعل وتكراره، وليس معناه أن يحمل غيره على البطء فإن الخطاب للمؤمنين وهذا لا يصدر عن مؤمن، ويقال في اللغة "بطأ" بالتشديد (لازم) بمعنى أبطأ وقد شح الله حال هذا القسم من الضعفاء توبيخًا لهم وإزعاجًا إلى تطهير نفوسهم وتزكيتها فقال: ﴿ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا  ﴾ فشكره لله على عدم شهوده لتلك الحرب دليل على إيمانه ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ  ﴾ كالظفر والغنيمة، ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا  ﴾ أي ليقولن قول من ليس منكم، ولا جمعته مودة بكم، يا ليتني كنت معهم فأفوز بذلك الفضل فوزهم، فهو قد نسي أنه كان أخًا لكم، وكان من شأنه أن يخرج معكم، وما منعه أن يخرج إلا ضعف إيمانه، ثم إن تمنيه بعد الظفر أو الغنيمة لو كان معكم دليل على ضعف عقله وكونه ممن يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وهم الذين تشير إليهم الآية التالية: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله