الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٧٢ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 89 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وإن منكم لمن ليبطئن ) قال مجاهد وغير واحد : نزلت في المنافقين ، وقال مقاتل بن حيان : ( ليبطئن ) أي : ليتخلفن عن الجهاد .
ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه ، ويبطئ غيره عن الجهاد ، كما كان عبد الله بن أبي ابن - قبحه الله - يفعل ، يتأخر عن الجهاد ، ويثبط الناس عن الخروج فيه .
وهذا قول ابن جريج وابن جرير ; ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد : ( فإن أصابتكم مصيبة ) أي : قتل وشهادة وغلب العدو لكم ، لما لله في ذلك من الحكمة ( قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ) أي : إذ لم أحضر معهم وقعة القتال ، يعد ذلك من نعم الله عليه ، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل .
القول في تأويل قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) قال أبو جعفر: وهذا نعت من الله تعالى ذكره للمنافقين، نعتهم لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه ووصفهم بصفتهم فقال: " وإن منكم "، أيها المؤمنون، يعني: من عِدَادكم وقومكم، ومن يتشَّبه بكم، ويظهر أنه من أهل دعوتكم ومِلَّتكم، وهو منافق يبطِّئ من أطاعه منكم عن جهاد عدوكم وقتالهم إذا أنتم نفرتم إليهم =" فإن أصابتكم مصيبة "، (34) يقول: فإن أصابتكم هزيمة، أو نالكم قتل أو جراح من عدوكم =" قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا "، فيصيبني جراح أو ألم أو قتل، وسَرَّه تخلّفه عنكم، شماتة بكم، لأنه من أهل الشك في وعد الله الذي وعد المؤمنين على ما نالهم في سبيله من الأجر والثواب، وفي وعيده.
فهو غيرُ راج ثوابًا، ولا خائف عقابًا.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 9935 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة " إلى قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ، ما بين ذلك في المنافقين.
9936 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
9937 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإن منكم لمن ليبطئن " عن الجهاد والغزو في سبيل الله =" فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا "، قال: هذا قول مكذِّب.
9938 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج: المنافق يبطِّئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، قال الله: " فإن أصابتكم مصيبة "، قال: بقتل العدو من المسلمين =" قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا "، قال: هذا قول الشامت.
9939 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فإن أصابتكم مصيبة "، قال: هزيمةٌ.
* * * ودخلت " اللام " في قوله: " لمن "، وفتحت، لأنها " اللام " التي تدخل توكيدًا للخبر مع " إنَّ"، كقول القائل: " إنّ في الدار لَمَن يكرمك ".
وأما " اللام " الثانية التي في" ليبطئن "، فدخلت لجواب القسم، كأن معنى الكلام: وإن منكم أيها القوم لمن والله ليبطئن.
(35) ------------------ الهوامش : (34) انظر تفسير"إصابة المصيبة" فيما سلف: 514.
(35) انظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء 1: 275 ، 276.
قوله تعالى : وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداقوله تعالى : وإن منكم لمن ليبطئن يعني المنافقين .
والتبطئة والإبطاء التأخر ، تقول : ما أبطأك عنا ؛ فهو لازم .
ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته ؛ فهو متعد .
والمعنيان مراد في الآية ؛ فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم .
والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم وممن أظهر إيمانه لكم .
فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم .
واللام في قوله ( لمن ) لام توكيد ، والثانية لام قسم ، ومن في موضع نصب ، وصلتها ليبطئن لأن فيه معنى اليمين ، والخبر منكم .
وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي " وإن منكم لمن ليبطئن " بالتخفيف ، والمعنى واحد .
وقيل : المراد بقوله وإن منكم لمن ليبطئن بعض المؤمنين ؛ لأن الله خاطبهم بقوله : وإن منكم وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله وما هم منكم وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره .
وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان .
هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، والله أعلم .
يدل عليه قوله :فإن أصابتكم مصيبة أي قتل وهزيمة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا يعني بالقعود ، وهذا لا يصدر إلا من منافق ؛ لا سيما في ذلك الزمان الكريم ، بعيد أن يقوله مؤمن .
وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إخبارا عن المنافقين إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا الحديث .
في رواية ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها يعني صلاة العشاء .
يقول : لو لاح شيء من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه .
ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد فقال: { وَإِنَّ مِنْكُمْ } أي: أيها المؤمنون { لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } أي: يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ضعفا وخورا وجبنا، هذا الصحيح.
وقيل معناه: ليبطئن غيرَه أي: يزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون، ولكن الأول أَولى لوجهين: أحدهما: قوله { مِنْكُمْ } والخطاب للمؤمنين.
والثاني: قوله في آخر الآية: { كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } فإن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة.
وأيضا فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد.
وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يقوى على الجهاد.
كما قال تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } إلى آخر الآيات.
ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين ونهاية مقاصدهم، وأن معظم قصدهم الدنيا وحطامها فقال: { فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } أي: هزيمة وقتل، وظفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال لما لله في ذلك من الحكم.
{ قَالَ } ذلك المتخلف { قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا } رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة.
ولم يدر أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران، ويحصل له فيها عظيم الثواب ورضا الكريم الوهاب.
وأما القعود فإنه وإن استراح قليلاً، فإنه يعقبه تعب طويل وآلام عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين.
قوله تعالى : ( وإن منكم لمن ليبطئن ) نزلت في المنافقين وإنما قال ( منكم ) لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسب وإظهار الإسلام ، لا في حقيقة الإيمان ، ( ليبطئن ) أي : ليتأخرن ، وليتثاقلن عن الجهاد ، وهو عبد الله بن أبي المنافق ، واللام في ( ليبطئن ) لام القسم ، والتبطئة : التأخر عن الأمر ، يقال : ما أبطأ بك؟
أي : ما أخرك عنا؟
ويقال : أبطأ إبطاء وبطأ يبطئ تبطئة .
( فإن أصابتكم مصيبة ) أي : قتل وهزيمة ، ( قال قد أنعم الله علي ) بالقعود ، ( إذ لم أكن معهم شهيدا ) أي : حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني ما أصابهم .
«وإنَّ منكم لمن ليبطئنَّ» ليتأخرن عن القتال كعبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه وجعله منهم من حيث الظاهر واللام في الفعل للقسم «فإن أصابتكم مصيبة» كقتل وهزيمة «قال قد أنعم الله علىَّ إذ لم أكن معهم شهيدا» حاضرا فأصاب.
وإنَّ منكم لنفرًا يتأخر عن الخروج لملاقاة الأعداء متثاقلا ويثبط غيره عن عمد وإصرار، فإن قُدِّر عليكم وأُصِبتم بقتل وهزيمة، قال مستبشرًا: قد حفظني الله، حين لم أكن حاضرًا مع أولئك الذين وقع لهم ما أكرهه لنفسي، وسرَّه تخلفه عنكم.
ثم كشف - سبحانه - عن فساد المنافقين وضعاف الإِيمان فقال : ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ) أى : ليتأخرن وليتثاقلن عن الجهاد .
من " بطأ " - بالتشديد - بمعنى أبطأ فهو فعل لازم .
وقد يستعمل أبطأ وبطأ - بالتشديد - متعديين ، وعليه يكون المفعول هنا محذوف أى : ليبطئن غيره ويثبطه عن الخروج للجهاد فى سبيل الله .وقد جمع المنافقون وضعاف الإِيمان بين الأمرين : فقد كانوا يتخلفون عن الجهاد فى سبيل الله وينتحلون المعاذير الكاذبة لتخلفهم ، ولا يكتفون بذلك بل يحاولون منع غيرهم عن الخروج للجهاد .والتعبير بقوله ( لَّيُبَطِّئَنَّ ) تعبير فى أسمى درجات البلاغة والروعة ، لأنه يصور الحركة النفسية للمنافقين وضعاف الإِيمان وهم يشدون أنفسهم شدا ، ويقدمون رجلا ويؤخرون أخرى عندما يدعوهم داعى الجهاد إلى الخروج من أجل إعلاء كلمة الله .وقد اشتملت الجملة الكريمة على جملة مؤكدات ، للاشعار بأن هؤلاء المنافقين لا يتركون فرصة تمردون أن يبثوا سمومهم بنشاط وإصرار ، وأنهم حريصون كل الحرص على توهين عزائم المجاهدين ، وحملهم على أن يكونوا مع القاعدين كما هو شأن المنافقين .والمراد بقوله ( مِنْكُمْ ) أى من جنسكم وممن يعيشون معكم ويساكنونكم ، ويرتبطون معكم برباط القرابة ، ويتظاهرون بالإِسلام ، فلقد كان المنافقون فى المدينة تربطهم روابط متعددة بالمؤمنين الصادقين ، كما هو معروف فى التاريخ الإِسلامى .فمثلا عبد الله بن أبى بن سلول - زعيم المنافين - كان أحد أبنائه من المؤمنين الصادقين .وقد وجه القرآن الخطاب إلى المؤمنين لكى يكشف لهم عن المنافقين المندسين فى صفوفهم لكى يحذروهم .قال صاحب الكشاف : واللام فى قوله ( لَمَن ) للابتداء بمنزلتها فى قوله ( إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وفى ( لَّيُبَطِّئَنَّ ) جواب قسم محذوف تقديره : وإن منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن وجوابه صلة من والضمير الراجع منها يعود إلى ما استكن فى ( لَّيُبَطِّئَنَّ ) .
والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم .وقوله ( فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ) بيان لما انطوت عليه نفوس المنافقين من فساد ، وما نطقت به ألسنتهم من سوء .أى : وإن من المتظاهرين بأنهم منكم - يا معشر المؤمنين - لمن يتثاقلون عن التقال ويعملون على أن يكون غيرهم مثلهم ، ( فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ ) يا معشر المؤمنين ( مُّصِيبَةٌ ) كهزيمة وقتية ، أو استشهاد جماعة منكم ( قَالَ ) هذا المنافق على سبيل الفرح والتشفى ( قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ ) أى : قد أكرمنى الله بالقعود ( إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ) أى حاضرا فى المعركة ، لأنى لو كنت حاضرا معهم لأصابنى ما أصابهم من القتل أو الجراح أو الآلام .فالآية الكريمة تحكى عن المنافقين أنهم يعتبرون قعودهم عن الجهاد نعمة ، وإذا ما أصاب المؤمنين مصيبة عند قتالهم لأعدائهم .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ ﴾ يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ واختلفوا على قولين: الأول: المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فان قيل: قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ تقديره: يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن، فاذا كان هذا المبطئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله: ﴿ وَإِن مّنكُمْ ﴾ .
والجواب من وجوه: الأول: أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط.
الثاني: أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان.
الثالث: كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر ﴾ .
القول الثاني: أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا: والتبطئة بمعنى الابطاء أيضاً، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه.
وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد، فاذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة، وإن أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين.
قال: وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثاقلتم إِلَى الأرض ﴾ قال: والذي يدل على أن المراد بقوله: ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ الابطاء منهم لا تثبيط غيرهم، ما حكاه تعالى من قولهم: ﴿ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ ﴾ عند الغنيمة، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى.
وطعن القاضي في هذا القول وقال: إنه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين: ﴿ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى، ومثل هذا الكلام انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ﴾ يعني الرسول: ﴿ مَّوَدَّةَ ﴾ فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين، وإنما يمكن حمله على المنافقين، ثم قال: فإن حمل على أنه من الابطاء والتثاقل صح في المنافقين، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم، فقد كان يثبطون كثيراً من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس، فكلا الوصفين موجود في المنافقين، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ، فجعلوا الأول لازما، والثاني متعدياً، كما يقال في أحب وحب، فان الأول لازم والثاني متعد.
المسألة الثانية: قال الزجاج: من في قوله: ﴿ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لك لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ يعني من القتل والانهزام وجهد من العيش.
يعني لم أكن معهم شهيداً حاضراً حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة ﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ من ظفر وغنيمة ليقولن: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ ﴾ بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة، والباقون بالياء لتقدم الفعل.
قال الواحدي: وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل.
قال: ﴿ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ ﴾ فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل.
المسألة الثانية: قرأ الحسن ﴿ لَّيَقُولَنَّ ﴾ بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى من لأن قوله: ﴿ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ في معنى الجماعة، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن من وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ، وجانب الافراد قد ترجح في قوله: ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ ﴾ وفي قوله: ﴿ ياليتنى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ .
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لو كان التنزيل هكذا: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا، فكيف وقع قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ في البين؟
وجوابه: أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم، ولو فازوا بغنيمة ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الإنسان إلا في حق الأجنبي العدو، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه، فأما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته الغنيمة، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ والمراد التعجب كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا، فهذا هو المراد من الكلام، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن.
<div class="verse-tafsir"
اللام في (لمنَ) للابتداء بمنزلتها في قوله: ﴿ إِنَّ الله لَغَفُورٌ ﴾ [النحل: 18] وفي ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ جواب قسم محذوف تقديره: وإنّ منكم لمن أقسم بالله ليبطئن، والقسم وجوابه صلة من، والضمير الراجع منها إليه ما استكن في ﴿ لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمبطئون منهم المنافقون لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقاً.
ومعنى (ليبطئن) ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطأ بمعنى: أبطأ كعتم بمعنى: أعتم، إذا أبطأ، وقرئ ﴿ ليبطئن ﴾ بالتخفيف يقال: بطأ عليّ فلان وأبطأ عليّ وبطؤ نحو: ثقل، ويقال: ما بطأ بك، فيعدى بالباء، ويجوز أن يكون منقولاً من بطؤ، نحو؟
ثقل من ثقل، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبيّ، وهو الذي ثبط الناس يوم أُحد ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ فَضْلٌ مِنَ اللهِ ﴾ من فتح أو غنيمة ﴿ لَّيَقُولَنَّ ﴾ وقرأ الحسن ﴿ ليقولون ﴾ بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى (من) لأن قوله: (لمن ليبطئن) في معنى الجماعة، وقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو (ليقولن) وبين مفعوله وهو ﴿ ياليتنى ﴾ والمعنى كأن لم تتقدم له معكم موادّة، لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن، والظاهر أنه تهكم لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم، فكيف يوصفون بالمودّة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم.
وقرئ: ﴿ فأفوز ﴾ بالرفع عطفاً على (كنت معهم) لينتظم الكون معهم، والفوز معنى التمني، فيكونا متمنيين جميعاً، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، بمعنى فأنا أفوز في ذلك الوقت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ تَيَقَّظُوا واسْتَعِدُّوا لِلْأعْداءِ، والحَذَرُ والحَذْرُ كالأثَرِ والأثْرِ.
وقِيلَ ما يُحَذَّرُ بِهِ كالحُزَمِ والسِّلاحِ.
﴿ فانْفِرُوا ﴾ فاخْرُجُوا إلى الجِهادِ.
﴿ ثُباتٍ ﴾ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً، جَمْعُ ثُبَةٍ مِن ثَبَيْتُ عَلى فُلانٍ تَثْبِيَةً إذا ذَكَرْتَ مُتَفَرِّقَ مَحاسِنِهِ ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى ثَبِينٍ جَبْرًا لِما حُذِفَ مِن عَجُزِهِ.
﴿ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ مُجْتَمِعِينَ كَوْكَبَةً واحِدَةً، والآيَةُ وإنْ نَزَلَتْ في الحَرْبِ لَكِنْ يَقْتَضِي إطْلاقُ لَفْظِها وُجُوبَ المُبادَرَةِ إلى الخَيْراتِ كُلِّها كَيْفَما أمْكَنَ قَبْلَ الفَواتِ.
﴿ وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ الخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ والمُبْطِئُونَ مُنافِقُوهم تَثاقَلُوا وتَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ، مَن بَطَّأ بِمَعْنى أبْطَأ وهو لازِمٌ أوْ ثَبَّطُوا غَيْرَهم كَما ثَبَّطَ ابْنُ أُبَيٍّ ناسًا يَوْمَ أُحُدٍ، مَن بَطَّأ مَنقُولًا مِن بَطُؤَ كَثَقَّلَ مِن ثَقُلَ واللّامُ الأُولى لِلِابْتِداءِ دَخَلَتِ اسْمَ إنَّ لِلْفَصْلِ بِالخَبَرِ، والثّانِيَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ والقَسَمُ بِجَوابِهِ صِلَةُ مِن والرّاجِعُ إلَيْهِ ما اسْتَكَنَّ في لَيُبَطِّئَنَّ والتَّقْدِيرُ: وإنْ مِنكم لَمَن أقْسَمَ بِاللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ.
﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ كَقَتْلٍ وهَزِيمَةٍ.
﴿ قالَ ﴾ أيِ المُبْطِئُ.
﴿ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا ﴾ حاضِرًا فَيُصِيبُنِي ما أصابَهم.
<div class="verse-tafsir"
واللام في {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن} للابتداء بمنزلتها فى إن الله لغفور ومن موصولة وفى {ليبطئن} اللام وجواب قسم محفوظ تقديره وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن والقسم وجوابه صلة من والضمير الراجع منها إليه ما استكنّ في لَّيُبَطّئَنَّ أي ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطؤ بمعنى أبطأ أي تأخرو يقال ما بطؤبك فيتعدى بالباء والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله منكم أي في الظاهر دون الباطن يعنى المنافقين يقولون لم تقتلون انفسكم تأتوا حتى يظهر الأمر {فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ} قتل أو هزيمة
قال المبطى {قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ معهم شهيدا} حاضرا فيصيبني مثل ما أصابهم
﴿ وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ ولَيَتَأخَّرَنَّ عَنِ الجِهادِ، مِن (بَطَّأ) بِمَعْنى أبْطَأ، كَعَتَّمَ بِمَعْنى أعْتَمَ، إذا أبْطَأ، والخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُؤْمِنِيهِمْ ومُنافِقِيهِمْ، والمُبَطِّئُونَ هُمُ المُنافِقُونَ مِنهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنقُولًا لَفْظًا ومَعْنًى مِن بَطُؤَ نَحْوُ ثَقُلَ مِن ثَقَّلَ، فَيُرادُ لَيُبَطِّئَنَّ غَيْرَهُ ولَيُثَبِّطَنَّهُ عَنِ الجِهادِ، كَما ثَبَّطَ ابْنُ أبِي ناسا يَوْمَ أُحُدٍ، والأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، واللّامُ الأُولى لامُ التَّأْكِيدِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ إنَّ أوِ اسْمِها إذا تَأخَّرَ، والثّانِيَةُ جَوابُ قَسَمٍ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ رابِطَةٌ في جُمْلَةِ القَسَمِ، كَما لا يَرِدُ أنَّها إنْشائِيَّةٌ فَتَقَعُ صِلَةً؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الجَوابُ وهو خَبَرِيٌّ فِيهِ عائِدٌ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ (أقْسَمَ) عَلى صِيغَةِ الماضِي لِيَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى المُبَطِّئِ، بَلْ هو خِلافُ الظّاهِرِ.
وجُوِّزَ في (مَن) أنْ تَكُونَ مَوْصُوفَةً، والكَلامُ في الصِّفَةِ كالكَلامِ في الصِّلَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقِيلَ: إنَّها مُعْتَرِضَةٌ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلْيُقاتِلْ ﴾ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ خُذُوا)، ﴾ وقُرِئَ (لَيُبْطِئْنَ) بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ مِنَ العَدُوِّ كَقَتْلٍ وهَزِيمَةٍ قالَ أيِ المُبَطِّئُ فَرِحًا بِما فَعَلَ وحامِدًا لِرَأْيِهِ ﴿ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ﴾ بِالقُعُودِ ﴿ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا ﴾ حاضِرًا مَعَهم في المَعْرَكَةِ، فَيُصِيبُنِي مِثْلُ الَّذِي أصابَهم مِنَ البَلاءِ والشِّدَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إذْ لَمْ أكُنْ مَعَ شُهَدائِهِمْ شَهِيدًا، أوْ لَمْ أكُنْ مَعَهم في مَعْرِضِ الشَّهادَةِ، فالإنْعامُ هو النَّجاةُ عَنِ القَتْلِ وخَوْفِهِ، عُبِّرَ عَنْهُ بِالشَّهادَةِ تَهَكُّمًا، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.
والفاءُ في الشَّرْطِيَّةِ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ ذِكْرَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، كَما أنَّ نَفْسَ التَّبْطِئَةِ مُسْتَدْعِيَةٌ لِشَيْءٍ يَنْتَظِرُ المُبَطِّئُ وُقُوعَهُ <div class="verse-tafsir"
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ قال في رواية الكلبي: نزلت الآية في شأن ثوبان مولى رسول الله ، وكان شديد الحب له، وكان قليل الصبر عنه حتى تغير لونه ونحل جسمه، فقال له رسول الله : «مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ» ؟
فقال: ما بي من مرض، ولكني إذا لم أرك استوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، وأذكر الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك.
فنزل قوله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ في الجنة.
وقال في رواية الضحاك: وذلك أن نفراً من أصحاب رسول الله قالوا: يا نبيَّ الله، وإن صرنا إلى الجنة فإنك تفضلنا في الدرجات، كما أنك تفضلنا بدرجات النبوة، فلا نراك.
فنزل فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الآية.
حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا جهضم، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله فقال: يا رسول الله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي وولدي وأهلي، فلولا أني آتيك فأراك لا ريب- أي لا شك- أني سوف أموت.
قال: وبكى الأنصاري.
فقال: «مَا أَبْكَاكَ؟» قال: ذكرت أنك تموت ونموت وترفع مع النبيين، ونكون نحن وإن دخلنا الجنة دونك، فلم يجبه بشيء، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ أي من المسلمين.
ثم قال: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً في الجنة، أي رفقاء كقوله تعالى: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: 5] أي أطفالاً، وكقوله كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون: 4] أي الأعداء ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ أي المنّ والعطية من فضل الله وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بالثواب في الآخرة.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ أي عدتكم من السلاح فَانْفِرُوا ثُباتٍ يعني عصباً سرايا أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً مع النبي بأجمعكم.
وقال عز وجل: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فاللام الأولى زيادة للتأكيد، واللام الثانية للقسم.
أي وإن منكم من يتثاقل ويتخلف عن الجهاد، يعني المنافقين، فهذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: إن فيكم منافقين يتثاقلون ويتخلفون عن الجهاد فَإِنْ أَصابَتْكُمْ معشر المسلمين مُصِيبَةٌ يعني نكبة وشدة وهزيمة من العدو قالَ ذلك المنافق الذي فيكم وتخلف عن الجهاد: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بالجلوس إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً أي حاضراً في تلك الغزوة.
قوله تعالى: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ يعني الفتح والغنيمة لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، أي معرفة ووداً في الدين يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ في تلك الغزوة فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً فأصيب غنائم كثيرة.
وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة في الدين ولا ولاية.
قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بالتاء لأن المودة مؤنثة، وقرأ الباقون بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي.
ثم أمر المنافقين بأن يقاتلوا لوجه الله تعالى، فقال عز وجل: <div class="verse-tafsir"
- الذي أُرِيَ الأَذَانَ-: يا رَسُولَ اللَّهِ، إذا مِتَّ، وَمِتْنَا، كُنْتَ في عِلِّيِّينَ، فَلاَ نَرَاكَ، ولا نَجْتَمِعُ بِكَ، وذكَر حُزْنَهُ على ذلك، فنزلَتْ هذه الآية «١» .
قال ع «٢» : ومعنى أنهم مَعَهُمْ: في دارٍ واحدةٍ، ومُتَنَعَّمٍ واحدٍ، وكلُّ مَنْ فيها قَدْ رُزِقَ الرِّضَا بحالِهِ، وذهب عنه أنْ يعتقد أنه/ مفضُولٌ، وإن كنا نَحْنُ قد عَلِمْنَا من الشريعةِ أنَّ أهل الجَنَّة تختلفُ مراتبهم على قَدْر أعمالهم، وعلى قَدْر فَضْل اللَّه على مَنْ يشاء، والصِّدِّيقُ: فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ، وقيل: من الصَّدَقَةِ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصِّدِّيقُونَ المُتَصَدِّقُونَ» .
ولفظ الشهداءِ في هذه الآية: يَعُمُّ أنواعَ الشهداءِ.
قال ص: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فيه معنى التعجُّب كأنَّه قال: وَمَا أَحْسَنَ أولئِكَ رفيقاً، وقد قدَّمنا في كلام ابْنِ الحَاجِّ ما يدلُّ على أنَّ التعجُّب لازمٌ ل «فَعُلَ» المستعْمَلِ للمدحِ والذمِّ، على كلِّ حالٍ، سواءٌ استعملت استعمال نِعْمَ أو لا.
انتهى.
وقوله تعالى: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذَلِكَ» إلى كون المُطِيعِينَ مع المنعم عليهم.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ...
الآية: هذا خطابٌ للمُخْلِصِينَ من أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وأمْر لهم بجهادِ الكفَّارِ، والخُرُوجِ فِي سَبيلِ الله، وحماية الإسلام، وخُذُوا حِذْرَكُمْ: أي: احزموا واستعدّوا بأنواع الاستعداد، وانْفِرُوا:
معناه: اخرجوا، وثُباتٍ: معناه جماعاتٍ متفرِّقات، وهي السَّرَايَا، والثُّبَةُ: حُكِيَ أنها فوق العشرة، وجَمِيعاً: معناه: الجيش الكثير مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هكذا قال ابنُ عبَّاس وغيره «٣» .
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ إيجابٌ، والخطابُ لجماعةِ المؤمنين، والمراد ب «من» :
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها في المُنافِقِينَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأصْحابِهِ كانُوا يَتَثاقَلُونَ عَنِ الجِهادِ، فَإنْ لَقِيَتِ السَّرِيَّةُ نَكْبَةً، قالَ مَن أبْطَأ مِنهُمْ: لَقَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وإنْ لَقُوا غَنِيمَةً، قالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم.
هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَلَّتْ عُلُومُهم بِأحْكامِ الدِّينِ، فَتَثَبَّطُوا لِقِلَّةِ العِلْمِ، لا لِضَعْفِ الدَّيْنِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وغَيْرُهُ.
فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ إضافَتُهم إلى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ "مِنكُمْ" لِمَوْضِعِ نُطْقِهِمْ بِالإسْلامِ، وجَرَيانِ أحْكامِهِ عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ الإضافَةُ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اللّامُ في "لِمَن" لامُ تَأْكِيدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: واللّامُ في "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ مِنكم لَمَن أحْلَفَ بِاللَّهِ لِيُبْطِّئَنَّ، يُقالُ: "أبْطَأ الرَّجُلُ" و"بَطُؤَ" .
فَمَعْنى "أبْطَأ": تَأخَّرَ، ومَعْنى "بَطُؤَ": ثَقُلَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "لَيُبَطِّئَنَّ" بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وفي مَعْنى "لَيُبَطِّئَنَّ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَيُبَطِّئَنَّ هو بِنَفْسِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لَيُبَطِّئَنَّ غَيْرَهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و"المُصِيبَةُ": النَّكْبَةُ.
و"الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ": الفَتْحُ والغَنِيمَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ( كَأنَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ، لِأنَّ الفاعِلَ المُسْنَدَ إلَيْهِ مُؤَنَّثٌ في اللَّفْظِ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: يَكُنْ بِالياءِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى أنْ يُجاهِدَ مَعَكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُعْتَرِضًا بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لِيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ، قالَ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ.
فَيَكُونُ مَعْنى "المَوَدَّةِ" أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ ﴿ وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ.
و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا.
و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا.
وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.
والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنكُمْ ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ.
و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ولَئِنْ ظَفِرْتُمْ وغَنِمْتُمْ وكُلُّ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ، نَدِمَ المُنافِقُ أنْ لَمْ يَحْضُرْ ويُصِبِ الغَنِيمَةَ، وقالَ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ مُتَمَنِّيًا شَيْئًا قَدْ كانَ عاهَدَ أنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ غَدَرَ في عَهْدِهِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إنَّما يَتَمَنّى مِثْلَ هَذا إذا كانَ المانِعُ لَهُ مِنَ الحُضُورِ عُذْرًا واضِحًا، وأمْرًا لا قُدْرَةَ لَهُ مَعَهُ، فَهو يَتَأسَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى فَواتِ الخَيْرِ، والمُنافِقُ يُعاطِي المُؤْمِنِينَ المَوَدَّةَ، ويُعاهِدُ عَلى التِزامِ كُلَفِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ نِفاقًا وشَكًّا وكُفْرًا بِاللهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ يَتَمَنّى عِنْدَ ما يَكْشِفُ الغَيْبُ الظَفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ التِفاتَةً بَلِيغَةً، واعْتِراضًا بَيْنَ القائِلِ والمَقُولِ بِلَفْظٍ يُظْهِرُ زِيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِمْ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُما كانا يَتَأوَّلانِ قَوْلَ المُنافِقِ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ ﴾ عَلى مَعْنى الحَسَدِ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في نَيْلِ رَغِيبَةٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "لَيَقُولُنَّ" بِضَمِّ اللامِ عَلى مَعْنى "مَن"، وضَمُّ اللامِ لِتَدُلَّ عَلى الواوِ المَحْذُوفَةِ.
ويَدُلُّ مَجْمُوعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ عَلى أنَّ خارِجَ المُنافِقِينَ فَإنَّما كانَ يَقْصِدُ الغَنِيمَةَ، ومُتَخَلِّفَهم إنَّما كانَ يَقْصِدُ الشَكَّ وتَرَبُّصَ الدَوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ.
و"كَأنْ" مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَشْبِيهِ، ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ، وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَكُنْ" بِتاءٍ، وقَرَأ غَيْرُهُما: "يَكُنْ" بِياءٍ، وذَلِكَ حَسَنٌ لِلْفَصْلِ الواقِعِ بَيْنَ الفِعْلِ والفاعِلِ.
وَقَوْلُهُ: "فَأفُوزَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ التَمَنِّي، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَزِيدٌ النَحْوِيُّ: "فَأفُوزُ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، التَقْدِيرُ: فَأنا أفُوزُ، قالَ رُوحٌ: لَمْ يَجْعَلْ لِلَيْتَ جَوابًا، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ مُؤَخَّرٌ، وإنَّما مَوْضِعُهُ: ﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يُفْسِدُ فَصاحَةَ الكَلامِ..
<div class="verse-tafsir"
استئناف وانتقال إلى التحريض على الجهاد بمناسبة لطيفة، فإنّه انتقل من طاعة الرسول إلى ذكر أشدّ التكاليف، ثمّ ذكر الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وكان الحال أدعى إلى التنويه بشأن الشهادة دون بقية الخلال المذكورة معها الممكنة النوال.
وهذه الآية تشير لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين، وليس في كلام السلففِ ذكر سبب نزولها، ولا شكّ أنّها لم تكن أوّل غزوة لأنّ غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه السورة، وكذلك غزوة أحد التي نزلت فيها سورة آل عمران، وليست نازلة في غزوة الأحزاب لأنّ قوله: ﴿ فانفِروا ثبات ﴾ يقتضي أنّهم غازون لا مغزوّون، ولعلّها نزلت لمجرّد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدوّ، والتحذير من العدوّ الكاشح، ومن العدوّ الكائد، ولعلّها إعداد لغزوة الفتح، فإنّ هذه السورة نزلت في سنة ستّ، وكان فتح مكة في سنة ثمان، ولا شكّ أنّ تلك المدّة كانت مدّة اشتداد التألّب من العرب كلّهم لنصرة مشركي قريش والذبّ عن آلهتهم، ويدلّ لذلك قوله بعد ﴿ ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ [النساء: 75] الخ، وقوله: ﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ [النساء: 141] فإنّ اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله: ﴿ فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً ﴾ [الفتح: 27].
وابتدأ بالأمر بأخذ الحذر.
وهي أكبر قواعد القتال لاتّقاء خدع الأعداء.
والحِذْرُ: هو توقّي المكروه.
ومعنى ذلك أن لا يغترّوا بما بيَّنهم وبين العدوّ من هدنة صلح الحديبية، فإنّ العدوّ وأنصاره يتربّصون بهم الدوائر، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة أولياء، وهم الذين عنوا بقوله: ﴿ وإنَّ منكم لمن ليُبطئنّ ﴾ إلى ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ .
ولفظ ﴿ خذوا ﴾ استعارة لمعنى شدّة الحذر وملازمته، لأنّ حقيقة الأخذ تناول الشيء الذي كان بعيداً عنك.
ولما كان النسيان والغفلة يشبهان البعد والإلقاء كان التذكّر والتيقّظ يشبهان أخذ الشيء بعد إلقائه، كقوله: ﴿ خذ العفو ﴾ [الأعراف: 199]، وقولهم: أخذ عليه عهداً وميثاقاً.
وليس الحذر مجازاً في السلاح كما توهمّه كثير، فإنّ الله تعالى قال في الآية الأخرى ﴿ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴾ [النساء: 102].
فعطف السلاح عليه.
وقوله: ﴿ فانفروا ثُبات أو انفروا جميعاً ﴾ تفريع عن أخذ الحذر لأنّهم إذا أخذوا حذرهم تخيّروا أساليب القتال بحسب حال العدّو.
و ﴿ انفروا ﴾ بمعنى أخرجوا للحرب، ومصدره النفَّر، بخلاف نفر ينفُر بضمّ العين في المضارع فمصدره النفور.
و (ثُباتٍ) بضمّ الثاء جمع ثُبة بضمّ الثاء أيضاً وهي الجماعة، وأصلها ثُبَية أو ثُبَوَة بالياء أو بالواو، والأظهر أنّها بالواو، لأنّ الكلمات التي بقي من أصولها حرفان وفي آخرها هاء للتأنيث أصلها الواو نحو عِزة وعضة فوزنها فعة، وأمّا ثُبة الحوض، وهي وسطه الذي يجتمع فيه الماء فهي من ثَاب يثوب إذا رجع، وأصلها ثُوَبَة فخفّفت فصارت بوزن فُلة، واستدلّوا على ذلك بأنّها تصغّر على ثويبة، وأنّ الثبة بمعنى الجماعة تصغّر على ثُبَيَّة.
قال النحّاس: «ربّما توهّم الضعيف في اللغة أنّهما واحد مع أنّ بينهما فرقا» ومع هذا فقد جعلهما صاحب «القاموس» من واد واحد وهو حَسَن، إذ قد تكون ثبة الحوض مأخوذة من الاجتماع إلاّ إذا ثبت اختلاف التصغير بسماع صحيح.
وانتصب ﴿ ثُبات ﴾ على الحال، لأنّه في تأويل: متفرّقين، ومعنى ﴿ جميعاً ﴾ جيشاً واحداً.
وقوله: ﴿ وإنَّ مِنكم لمن ليبطّئنّ ﴾ أي من جماعتكم وعدادكم، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنَّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول: «قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً»، فهؤلاء منافقون، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله: ﴿ بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً ﴾ إلى قوله: ﴿ الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ﴾ [النساء: 138 141].
وعلى كون المراد ب ﴿ من ليبطّئنّ ﴾ المنافقين حمَل الآية مجاهد، وقتادة، وابن جريج.
وقيل: أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر.
قال الفخر «وهذا اختيار جماعة من المفسرين» وعلى هذا فمعنى و ﴿ منكم ﴾ أي من أهل دينكم.
وعلى كلا القولين فقد أكّد الخبر بأقوى المؤكّدات لأنّ هذا الخبر من شأنه أن يتلقى بالاستغراب.
وبَطَّأ بالتضعيف قاصر، بمعنى تثاقل في نفسه عن أمر، وهو الإبطاء عن الخروج إبطاء بداعي النفاق أو الجبْن.
والإخبار بذلك يستتبع الإنكار عليه، والتعريض به، مع كون الخبر باقياً على حقيقته لأنّ مستتبعات التراكيب لا توصف بالمجاز.
وقوله: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ تفريع عن ﴿ ليَبطّئنّ ﴾ ، إذ هذا الإبطاء تارة يجرّ له الابتهاج بالسلامة، وتارة يجرّ له الحسرة والندامة.
و (المصيبَة) اسم لما أصاب الإنسان من شرّ، والمراد هنا مصيبة الحرب أعني الهزيمة من قتل وأسر.
ومعنى ﴿ أنعم الله عليّ ﴾ الإنعام بالسلامة: فإن كان من المنافقين فوصف ذلك بالنعمة ظاهر؛ لأنّ القتل عندهم مصيبة محْضة إذ لا يرجون منه ثواباً؛ وإن كان من ضعفة المؤمنين فهو قد عَدَّ نعمة البقاء أولى من نعمة فضل الشهادة لشدّة الجبن، وهذا من تغليب الداعي الجبليّ على الداعي الشرعي.
والشهيد على الوجه الأوّل: إمّا بمعنى الحاضر المشاهد للقتال، وإمّا تهكّم منه على المؤمنين مثل قوله: ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على مَنْ عندَ رسول الله ﴾ [المنافقون: 7]؛ وعلى الوجه الثاني الشهيد بمعناه الشرعي وهو القتيل في الجهاد.
وأكّد قوله: ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ليَقولنّ ﴾ ، باللام الموطّئة للقسم وبلام جواب القسم وبنون التوكيد، تنبيهاً على غريب حالته حتّى ينزَّل سامعها منزلة المنكر لوقوع ذلك منه.
والمراد من الفضل الفتح والغنيمة.
وهذا المبطّئ يتمنّى أن لو كان مع الجيش ليفوز فوزاً عظيماً، وهو الفوز بالغنيمة والفوْز بأجر الجهاد، حيث وقعت السلامة والفوز برضا الرسول، ولذلك أتبع ﴿ أفوز ﴾ بالمصدر والوصف بعظيم.
ووجه غريب حاله أنّه أصبح متلهّفاً على ما فاته بنفسه، وأنّه يودّ أن تجري المقادير على وفق مراده، فإذا قعَد عن الخروج لا يصيبُ المسلمين فضل من الله.
وجملة ﴿ كَأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة ﴾ معترضة بين فعل القول ومَقُولِه.
والمودّة الصحبة والمحبّة؛ وإمّا أن يكون إطلاق المودّة على سبيل الاستعارة الصورية إن كان المراد به المنافق، وإمّا أن تكون حقيقة إن أريد ضعفة المؤمنين.
وشبّه حالهم في حين هذا القول بحال من لم تسبق بينه وبين المخاطبين مودّة حقيقية أو صوريّة، فاقتضى التشبيه أنّه كان بينه وبينهم مودّة من قبل هذا القول.
ووجه هذا التشبيه أنّه لمّا تمنّى أن لو كان معهم وتحسّر على فوات فوزه لو حضر معهم، كان حاله في تفريطه رفقتهم يشبه حال من لم يكن له اتّصال بهم بحيث لا يشهد ما أزمَعوا عليه من الخروج للجهاد، فهذا التشبيه مسوق مساق زيادة تنديمه وتحسيره، أي أنّه الذي أضاع على نفسه سببَ الانتفاع بما حصل لرفقته من الخير، أي أنّه قد كان له من الخلطة مع الغانمين ما شأنه أن يكون سبباً في خروجه معهم، وانتفاعه بثواب النصر وفخره ونعمة الغنيمة.
وقرأ الجمهور ﴿ لم يكن ﴾ بياء الغيبة وهو طريقة في إسناد الفعل لما لفظه مؤنّث غير حقيقيّ التأنيث، مثل لفظ ﴿ مودَّة ﴾ هنا، ولا سيما إذا كان فصْل بين الفعل وفاعله.
وقرأ ابن كثير، وحفص، ورويس عن يعقوب بالتاء الفوقية علامة المضارع المسند إلى المؤنّث اعتباراً بتأنيث لفظ مودّة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي احْذَرُوا عَدُوَّكم.
والثّانِي: مَعْناهُ خُذُوا سِلاحَكم فَسَمّاهُ حِذْرًا لِأنَّهُ بِهِ يَتَّقِي الحَذِرُ.
﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ والثُّباتُ: جَمْعُ ثُبَةٍ، والثُّبَةُ العُصْبَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَقَدْ أغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرامٍ نَشاوى واجِدِينَ لِما نَشاءُ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: فانْفِرُوا عُصَبًا وفِرَقًا أوْ جَمِيعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي يَبِيعُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ البَيْعِ بِالشِّراءِ.
﴿ وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ فَإنْ قِيلَ: فالوَعْدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى القِتالِ فَكَيْفَ جُعِلَ عَلى القَتْلِ أوِ الغَلَبَةِ؟
قِيلَ: لِأنَّ القِتالَ يُفْضِي غالِبًا إلى القَتْلِ فَصارَ الوَعْدُ عَلى القِتالِ وعْدًا عَلى مَن يُفْضِي إلَيْهِ، والقِتالُ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الوَعْدِ إذا أفْضى إلى القَتْلِ والغَلَبَةِ أعْظَمُ، وهَكَذا أخْبَرَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ خذوا حذركم ﴾ قال: عدتكم من السلاح.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: عصباً يعني سرايا متفرقين ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ يعني كلكم.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: عشرة فما فوق ذلك.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت عمرو بن كلثوم التغلبي وهو يقول: فأما يوم خشيتنا عليهم ** فتصبح خلينا عصباً ثباتا وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس قي سورة النساء ﴿ خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً ﴾ عصباً وفرقاً.
قال: نسخها ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ [ الأنعام: 141] الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ثبات ﴾ قال: فرقاً قليلاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: هي العصبة وهي الثبة ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ إلى قوله: ﴿ فسوف يؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافق.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ قال: هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ﴿ ليبطئن ﴾ قال: ليتخلفن عن الجهاد ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من العدو وجهد من العيش ﴿ قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ يعني فتحاً وغنيمة وسعة في الرزق ﴿ ليقولن ﴾ المنافق وهو نادم في التخلف ﴿ كأن لم يكن بينكم وبينه مودة ﴾ يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة فهذا من التقديم ﴿ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ يعني آخذ من الغنيمة نصيباً وافراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ عن الجهاد وعن الغزو في سبيل الله ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ قال: هذا قول مكذب ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن...
﴾ الآية.
قال: هذا قول حاسد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ قال: المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ قال: بقتل العدو من المسلمين ﴿ قال قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ قال: هذا قول الشامت ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ ظهر المسلمون على عدوهم وأصابوا منهم غنيمة ﴿ ليقولن...
﴾ الآية.
قال: قول الحاسد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فليقاتل ﴾ يعني يقاتل المشركين ﴿ في سبيل الله ﴾ قال: في طاعة الله ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ يعني يقتله العدو ﴿ أو يغلب ﴾ يعني يغلب العدو من المشركين ﴿ فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ يعني جزاء وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ قال: وسبيل المستضعفين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: المستضعفون.
أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها.
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله: ﴿ ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ﴾ قال: مكة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة ﴿ واجعل لنا من لدنك نصيراً ﴾ قالا: حجة ثابتة.
وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ يقول: في سبيل الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ قال مجاهد: كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة.
فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ .
قال المفسرون: نزلت الآية في عبد الله بن أبيّ (١) إذا خرج لغزو (٢) ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ ﴾ والمعنى كان من المنافقين يحتمل وجهين: أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، والمراد: وإن من دخلائكم، أو من عدادكم، فحذف المضاف.
والثاني: أنه جعل المُبطِّئ منهم في الحال الظاهرة من حكم الشريعة وهو حقن الدم والموارثة والمواكلة ونحو ذلك، وجعله منهم من حين الجنس والنسب (٣) وقال الزجاج: أي ممن أظهر الإيمان (٤) ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ (٥) وقوله: ﴿ لَمَن ﴾ اللام فيه لام الابتداء، وإنما دخلت مكان إن، كما تقول: إن فيها لأخاك (٦) قال الفراء: دخلت اللام في: ﴿ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين، كما تقول في الكلام: هذا الذي ليقومن، وأرى رجلاً ليفعلن ما يريد (٧) وقال الزجاج: (من) في هذه الآية موصولة بالجالب للقسم، كأن هذا لو كان كلامًا لقلت: إن منكم لمن أحلف والله ليبطئن (٨) وهذا الذي قاله الزجاج معنى قول الفراء: وهي صلة لمن على إضمار شبيه باليمين.
قال (٩) (١٠) وبيان هذا: أنه يجوز أن تقول: مررت بمن تضربه، ولا يجوز: مررت بمن أضربه؛ لأن الخبر يصح أن يكون صلة والأمر والنهي لا يكونان صلة لموصول، والفرق بينهما أن الخبر يوضح الموصول كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه؛ لأنه قد خصصه وقوع الإكرام به في المستقبل، وليس ذلك الأمر في قولك: مررت برجل اضربه؛ لأنه لا يتخصص بالضرب في الأمر كما يتخصص في الخبر، فلذلك جاز أن يعرف بالضرب في الخبر ولم يجز في الأمر.
وأما معنى التبطئة في اللغة فقال الفراء في كتاب المصادر: بطؤ بطأ مثل قبح قبحًا، وأبطأ بطأ وأبطأ فيه يبطئ إبطاء، بمعنى واحد.
وقال الليث: البطء الإبطاء (١١) فأما التَّبطئة فأكثرهم على أنه يعني الإبطاء أيضًا (١٢) ومعناها التأخر، والتشديد فيه على تكرار الفعل منه (١٣) وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا (١٤) وإدخالهم الباء يدل على أنه مطاوع (١٥) (١٦) وكلام المفسرين يدل على الوجهين فيه، فإن جعلته مطاوعًا لم يقتض مفعولًا وإن جعلته واقعًا اقتضى مفعولًا، وهو محذوف، والتقدير فيه: ليُبطئن غيره، أو ليبطئن بغيره، إن كان المعنى أنه يحبس غيره عن القتال (١٧) وأكثر المفسرين على أن المراد أنه يحتبس بنفسه ويتأخر بقعوده عن الغزو (١٨) ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ ليتخلفن عن الجهاد (١٩) وقال الكلبي: وإن منكم لمن يتثاقل (٢٠) وقال قتادة: ﴿ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ عن الجهاد والغزو في سبيل الله (٢١) وهذا يحتمل أن يكون معناه ليبطئن غيره عن الجهاد.
وجماعة من المفسرين فسروا التبطئة ههنا بالتثبيط، وذلك يدل على أنه واقع (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد من القتل (٢٣) وقال مقاتل (٢٤) ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ من العدو، وجهد من العيش.
وقال الكلبي: نكبة (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ﴾ .
أي قال هذا المبطئ قد أنعم الله علي بالقعود.
﴿ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ يريد: حيث لم أحضر فيصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة.
قال (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال الزجاج: أي إذ لم أشركهم في مصيبتهم (٢٩) وقال أهل المعاني: هذا القول من هذا المنافق على إظهار الشماتة بالمؤمنين، إذا أصابهم قتل وهزيمة (٣٠) (١) هو أبو الحباب عبد الله بن أبي بن مالك الخزرجي المشهور بابن سلول (وهي جدته، نسب إليها، رأس المنافقين، وكان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، توفي قبحه الله سنة 9 هـ.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 354، "الأعلام" 4/ 65.
(٢) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 327، وأورده الثعلبي 4/ 86 أ، والبغوي 2/ 248، وابن كثير 1/ 575.
والقول بأنها نازلة في المنافقين لعموم المفسرين.
انظر: "تفسير الطبري" 165 - 166 "بحر العلوم" 1/ 267، "الكشف والبيان" 4/ 86 أ، "معالم التنزيل" 2/ 248، "زاد المسير" 2/ 130.
(٣) انظر: "الوسيط" 2/ 617، "المحرر الوجيز" 4/ 129، "التفسير الكبير" 10/ 178.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 75.
(٥) انظر تفسير الآية.
(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 275، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 450، الطبري 5/ 166، "معاني الزجاج" 2/ 75، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب.
(٧) "معاني القرآن" 1/ 275.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 75، وانظر: "زاد المسير" 2/ 130، "التفسير" 10/ 179، "الدر المصون" 4/ 29.
(٩) أي الزجاج.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 75، 76.
(١١) " العين" 7/ 462، "تهذيب اللغة" 1/ 352.
(١٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 75، و"التفسير الكبير" 10/ 178، والقرطبي 5/ 275.
(١٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 75، و"بحر العلوم" 1/ 367، و"التفسير الكبير" 10/ 178، والقرطبي 5/ 275.
(١٤) "العين" 7/ 462، "تهذيب اللغة" 1/ 352، "الصحاح" 1/ 36 (بطؤ).
(١٥) أي: لازم لا يتعدى إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 179، "الدر المصون" 4/ 29.
(١٦) أي: متعديًا إلى مفعول، كما سيأتي من كلام المؤلف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 178، 179، "الدر المصون" 4/ 29.
(١٧) انظر: الطبري 5/ 165، "الكشف والبيان" 4/ 86 أ، "زاد المسير" 2/ 130، "التفسير الكبير" 10/ 179، القرطبي 5/ 275، "الدر المصون" 4/ 29.
(١٨) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 75، "بحر العلوم" 1/ 367، "الكشف والبيان" 4/ 86/ أ، "معالم التنزيل" 2/ 248، "زاد المسير" 2/ 130.
(١٩) ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 327، وانظر: "الوسيط" 2/ 617.
(٢٠) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (89)، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 86 أ، "معالم التنزيل" 2/ 248.
(٢١) أخرجه الطبري 5/ 166، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.
(٢٢) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 179.
(٢٣) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89، وأخرج الطبري 5/ 166 نحوه عن ابن جريج.
(٢٤) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.
(٢٥) لم أقف عليه عن الكلبي، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 130، عن ابن عباس.
(٢٦) هكذا، والصواب: "قاله".
انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.
(٢٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.
(٢٨) هو ابن حيان، وأخرج الأثر عنه ابن المنذر وابن أبي حاتم.
انظر: "الدر المنثور" 2/ 327.
(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 76.
(٣٠) انظر: الطبري 5/ 165 - 166، "الدر المنثور" 2/ 327.
وكأن في كلام المؤلف سقطًا وذلك أن التعبير يحتاج إلى كلمة: "يدل" في أول كلام أهل المعاني، أو في أثنائه، قبل: "على إظهار ...
".
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلك الفضل ﴾ الإشارة إلى الثواب على الطاعة بمرافقة من ذكر في الجنة، والفضل صفة أو خبر ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ أي تحرزوا من عدوّكم واستعدّوا له ﴿ فانفروا ثُبَاتٍ ﴾ أي اخرجوا للجهاد جماعات متفرقين وذلك كناية عن السرايا، وقيل إنّ الثبتة ما فوق العشرة، ووزنها فعلة بفعح العين ولامها محذوفة ﴿ أَوِ انفروا جَمِيعاً ﴾ أي مجتمعين في الجيش الكثيف فخيرهم في الخروج إلى الغزو في قلة أو كثرة ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ الخطاب للمؤمنين، والمراد بمن المنافقين وعبر عنهم بمنكم إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، ويقولون آمنا، واللام في لمن للتأكيد، وفي ليبطئن جواب قسم محذوف، ومعناه يبطئ غيره يثبطه عن الجهاد ويحمله على التخلف عن الغزو، وقيل: يبطئ يتخلف هو عن الغزو ويتثاقل ﴿ فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ ﴾ أي قتلٌ وهزيمة والمعنى ان المنافق تسره غيبته عن المؤمنين إذاهزموا وشهيدا معناه حاضراً معهم ﴿ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ أي نصر وغنيمة، والمعنى: أنّ المنافق يندم على ترك الغزو معهم إاذ غنموا فيتمنى أن يكون معهم ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ جملة اعتراض بين العامل ومعموله فلا يجوز الوقف عليها، وهذه المودة في ظاهر المنافق لا في اعتقاده.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ليبطئن ﴾ ونحوه مثل ﴿ فلننبئن ﴾ و ﴿ لنبوّئنهم ﴾ بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.
﴿ كأن لم تكن ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ويعقوب.
الباقون بياء الغيبة ﴿ يغلب فسوف ﴾ وبابه نحو ﴿ إن تعجب فعجب ﴾ ﴿ اذهب فمن تبعك ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام.
﴿ ولا يظلمون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
الباقون بتاء الخطاب ﴿ بيت طائفة ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة.
الوقوف: ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ ليبطئن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ شهيداً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ بالآخرة ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ أهلها ﴾ ج ﴿ ولياً ﴾ كذلك للتفصيل بين الدعوات ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج للفصل بين القصتين المتضادتين ﴿ أولياء الشيطان ﴾ ج لاحتمال الابتداء وتقدير الفاء واللام.
﴿ ضعيفاً ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ط لأنّ جواب "فلما" منتظر ولكن التعجب في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ واقع على قوله: ﴿ إذا فريق منهم يخشون ﴾ .
﴿ خشية ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ القتال ﴾ ج لأنّ "لولا" أي "هلاّ" استفهام / آخر مع اتحاد المعمول.
﴿ قريب ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ج للفصل بين وصف الدارين.
﴿ فتيلا ﴾ ه ﴿ مشيدة ﴾ ط للعدول لفظاً ومعنى.
﴿ من عند الله ﴾ ط للفصل بين النقيضين ﴿ من عندك ﴾ ج.
﴿ من عند الله ﴾ ط.
﴿ حديثاً ﴾ ه.
﴿ فمن الله ﴾ ز فصلاً بين النقيضين ﴿ فمن نفسك ﴾ ط.
﴿ رسولاً ﴾ ه.
﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ أطاع الله ﴾ ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر ﴿ حفيظاً ﴾ ط لاستئناف الفعل بعدها ﴿ طاعة ﴾ ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم بعد.
﴿ يقول ﴾ ط ﴿ يبيتون ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما يبيتون فأعرض ولا تهتم.
﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل والمثل.
يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه.
والمعنى احذروا واحترزوا من العدو و لاتمكنوه من أنفسكم.
وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه ممايتقي به ويحذر.
فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم فضل؟
قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قدّر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضاً بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر.
﴿ فانفروا ﴾ إلى قتال عدوّكم انهضوا لذلك قال : "وإذا استنفرتم فانفروا" .
﴿ ثبات ﴾ جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة.
والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته.
﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مجتمعين كركبة واحدة وهذا قريب مما قاله الشاعر: طاروا إليه زرافات ووحداناً *** والغرض النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة.
﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ اللام الأولى هي الداخلة في خبر "إنّ" والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول محذوفاً أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن أبي ثبَّط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا / المعنى أوفق بقوله: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ فتح أو غنيمة ليقولن (قوله) ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو ﴿ ليقولن ﴾ وبين مفعوله وهو ﴿ يا ليتني ﴾ والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني.
وجوّز أبو علي إدخال حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي.
﴿ كنت معهم فأفوز ﴾ منصوب بإضمار أن أي ليت لي كوناً معهم فافوز.
والخطاب في قوله: ﴿ وإن منكم ﴾ للمذكورين في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ والأظهر أن هذا المبطىء سواء جعل لازماً أو متعدياً كان منافقاً فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان.
والمراد يا أيها المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن.
وقال جمع من المفسرين: إنّ هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين.
وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ألبتة لأنّ المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: { ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ﴾ ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ﴾ ومعناه يشترون أو يبيعون.
وعلى الأول فهم المنافقون المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا يختاروا الدنيا على المعاد.
وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا لأجل الآخرة.
والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون.
وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضاً لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله أريد اشتغل بالقتال وترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال.
﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ﴾ وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ.
وقوله: ﴿ والمستضعفين ﴾ إما مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف / عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديداً، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح.
والولدان جمع ولد كخربان في خرب.
وقيل: الرجال والنساء الأحرار والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلاّ أنه خص الولدان بالذكر تغليباً كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضاً.
وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء.
والظالم صفة للقرية إلاّ أنه مسند إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل.
والأهل يذكر ويؤنث، ولو أنّث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز.
وإنما اشترك الولدان في الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم إرغاماً لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء.
﴿ واجعل لنا من لدنك وليّاً ﴾ أي كن أنت لنا ولياً وناصراً وولّ علينا رجلاً يوالينا ويقوم بمصالحنا.
فاستجاب الله دعاءهم لأنّ النبي لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم فكان الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا.
قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة.
ثم شجع المؤمنين تشجيعاً بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليّهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلاّ الشيطان وإن كيده أوهن شيء وأضعفه.
والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال.
وفائدة إدخال "كان" أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفاً بالضعف والذلة.
ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟
قول : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ فيه قولان: الأول أنها نزلت / في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله : ائذن لنا في قتال هؤلاء.
فيقول لهم : "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم.
فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم" .
الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" فنزلت.
وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين ايضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا.
واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، وكانوا يعترضون على الله بقولهم: ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة.
والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ في شأنهم بلا اختلاف.
وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله.
وإذا في ﴿ إذا فريق ﴾ للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم.
وقوله: ﴿ كخشية الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.
ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: ﴿ أو أشد ﴾ ثم نصب ﴿ خشية ﴾ على التمييز فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل الله.
نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلاّ أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وعلى هذا يجوز أن يكون محل ﴿ أشد ﴾ مجروراً عطفاً على خشية الله أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها.
وكلمة "أو" ليست للشك ههنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساوياً أو أزيد، فبيَّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساوياً أو أزيد فهذا لا يوجب كونه شاكاً فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين.
أو هذا نظر قوله ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام.
﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضاً على الله ولكن جزعاً من الموت وحباً للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالاً إلى وقت آخر كقوله: ﴿ لولا أخرتني إلى / أجل قريب فأصدق ﴾ وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه.
ومعنى ﴿ لولا أخرتنا ﴾ هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ﴾ لا لكل الناس بل ﴿ لن اتقى ﴾ فإن للكافر والفاسق هنالك نيراناً وأهوالاً ومن هنا قال : " "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها.
ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة.
والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المراة إذا أظهرت محاسنها.
والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى.
قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم.
فقوله : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ .
وقال قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة.
وقال أهل التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة.
فإن كان منتفعاً به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعاً به في الآخرة فهو الطاعة.
فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟
ولهذا تعجب من حالهم وقال: ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلاً عن الفقه والفهم.
قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله لم يبق لهذا التعجب معنى ألبة أنه ما خلقها.
والجواب: أنه لا يسأل عما يفعل.
وأيضاً المعارضة بالعلم والداعي.
وقالت المعتزلة أيضاً: الحديث "فعيل" بمعنى "مفعول" والمراد به الآيات المذكورة في هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثاً.
والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في الكلام النفسي.
قوله عز من قائل: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ قال أبو علي الجبائي: السيئة تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية.
ثم إنه أضاف السيئة إلى نفسه على الآية الأولى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿ وما أصابك ﴾ أي يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ من سيئة فمن نفسك ﴾ فلا بد من التوفيق وإزالة التناقض، وما ذاك إلاّ بأن يجعل هناك بمعنى البلية وههنا بمعنى المعصية.
قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأنّ الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها.
وقال في الكشاف: ﴿ وما أصابك من حسنة ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فمن الله ﴾ تفضلاً منه وأحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن عندك ﴾ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما روي عن عائشة: " "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر منه " .
وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه.
لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله .
والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما يروى أنه قرىء ﴿ فمن نفسك ﴾ بصريح الاستفهام.
ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله قوله بعد ذلك: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما / تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله.
قال علماء المعاني: قوله ﴿ رسولاً ﴾ حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و ﴿ للناس ﴾ صفة ﴿ رسولاً ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلناك ﴾ وإلاّ لقيل إلى الناس.
فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً.
وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق.
والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ﴾ ولقوله: "بعثت إلى الخلق كافة" والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة.
وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه مبعوث إلى الثقلين لقوله : ﴿ وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن ﴾ الآية.
فتعين حمل اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصيل موجبة كلية وينفى نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ليس مبعوثاً إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن مسكوتاً عنهم بالنسبة إلى هذه الآية.
فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثاً إلى الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من الخاصية من غير تعرض للجن.
ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول أوجب طاعته بقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لأنّ طاعة الرسول لكونه رسولاً فيما هو رسول لا تكون إلاّ طاعة لله.
قال مقاتل في هذه الآية: إنّ النبي كان يقول: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون: لقد قارف الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله هذه الآية.
وهي من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه وفي أفعاله وإلاّ لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله.
﴿ ومن تولى ﴾ قيل: هو التولي بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرّض لها.
وقيل هو التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولّي.
﴿ فما أرسلناك ﴾ لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضلّه الله لم يقدر أحد على إرشاده.
والمعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ ثم نسخ بآية الجهاد.
ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: / ﴿ ويقولون ﴾ أي حين ما أمرتهم بشيء ﴿ طاعة ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فلهذا لم يقرأ بغيره ﴿ فإذا بروزا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة.
قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت.
وفي اشتقاقه وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصي تبييتاً..
الثاني قال الاخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي الفكر البليغ تبييتاً، فاشتقاقه من أبيات الشعر.
ثم إنه خص طائفة من المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفرهونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم.
وثانيهما أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا فلا جرم لم يذكروا.
قلت: ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار.
﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ في شأنهم فإنّ الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعزت أنصاره.
قال بعضهم: الأمر بالإعراض منسوخ بآية الجهاد.
والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى التزام النسخ والله أعلم.
التأويل: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وهو ذكر الله ﴿ فانفروا ثبات ﴾ جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة وهو عالم الحيوانية ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية إلى عالم الوحدة ﴿ وإن منكم ﴾ أيها الصدّيقون ﴿ لمن ليبطئن ﴾ من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب عليها بالظفر فتسلم على مدة.
﴿ والمستضعفين من الرجال ﴾ أي الأرواح الضعيفة استضعفتها النفوس باستيلائها عليها ﴿ والنساء ﴾ أي القلوب فإنّ القلب للروح كالزوجة للزوج لتصرف الروح والقلب كتصرف الزوج في الزوجة.
﴿ والولدان ﴾ الصفات الحميدة المتولّدة بين الروح والقلب ﴿ من هذه القرية ﴾ قرية البدن ﴿ الظالم أهلها ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ نصيراً ﴾ شيخاً مربياً ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ من أهل السلامة ﴿ كفوا أيديكم ﴾ من الاعتصام بحبل أهل الملامة ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب / الغرام من أهل الملام ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ ويخافون لومة الناس ولو كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم.
﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فنموت بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة.
فيا أيها البطلة في زي الطلبة الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أجسام قوية مجسمة ﴿ وإن تصبهم ﴾ يعني أهل البطالة ﴿ حسنة ﴾ من فتوحات غيبية ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ لا يرون للشيخ فيما عليهم حقاً ﴿ وإن تصبهم سيّئة ﴾ من الرياضات والمجاهدات ﴿ يقولوا ﴾ للشيخ ﴿ هذه من عندك ﴾ أي بسببك وسعيك ﴿ قل كل من عند الله ﴾ القبض والبسط والفرح والترح ﴿ ما أصابك ﴾ من فتح وموهبة ﴿ فمن الله ﴾ فضلاً وكرماً ﴿ وما أصابك من سيّئة ﴾ بلاء وعناء ﴿ فمن ﴾ شؤم صفات ﴿ نفسك ﴾ الأمارة.
والتحقيق فيه أن للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله ، والكسب والفعل وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى فافهم.
﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة.
﴿ فإذا برزوا من عندك ﴾ وهبت عليهم رياح الهوى عاد الطبع المشؤوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من مشايخهم والله يكتب بغير عليهم ﴿ ما يبيتون ﴾ لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ واصبر معهم ﴿ وتوكّل على الله ﴾ فلعل الله يصلح بالهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ .
قيل: خذوا عدتكم من السلاح.
وقيل: قوله: ﴿ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ من جميع ما يحترز به العدو؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 60]، وكقوله - -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ أمر الله - عز وجل - بالاستعداد للعدو، والإعداد له، وألا يوكل الأمر في ذلك إلى الله دون الإعداد للعدو.
وقيل: لقاؤه، وإن كان يقدر [على] نصر أوليائه وقهر عدوه من غير الأمر بالقتال معهم؛ إذ في ذلك محنة امتحنهم بها؛ فعلى ذلك أمرهم بالإعداد للعدو، وأخذ الحذر لهم، وذلك أسباب تعد قبل لقائهم أياه.
وفيه دلالة تعلم آداب الحرب قبل لقاء العدو؛ ليحترس منه.
وفيه دلالة إباحة الكسب؛ لأنه فرض عليهم الجهاد، وأمر بالإعداد له؛ ليحترس من العدو، ولا يوصل إلى ذلك إلا بالكسب، والله أعلم.
وفي قوله - أيضاً -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ ﴾ أي: ما تحذرون به عدوكم، وما تحذرونه وجوه: منها: الأسلحة، ومنها: البنيان، ومنها: النُّكْر عند الالتقاء، والثبات، وذكر الله - عز وجل - كما قال: ﴿ فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً ﴾ .
وفي هذا الأمر بالإعداد للعدو قبل اللقاء، وأيد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ فيكون الأمر بالإعداد قبل وقت الحاجة دليل جواز الكسب لحاجات تجددت، وأن الاستعداد للحاجات ليس برغبة في الدنيا؛ إذ لم يكن الإعداد فشل ولا ترك التوكل، على أن الجوع وحاجات النفس تعين وتلقى العدو، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ قيل: الثبات: هو السرايا ﴿ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ يعني: عسكراً.
وقيل: ﴿ ثُبَاتٍ ﴾ يعني: فرقاً، ﴿ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ مجموعاً.
وقيل: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ ﴾ أي: عصباً، ﴿ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ .
وعن ابن عباس - - قال: زحفاً.
وقيل الثبات: الأثبات، والثبة في كلام العرب الجمع الكثير، ومعناه: انفروا كثيراً أو قليلا، وفي ذلك دلالة الأمر بالخروج إلى العدو فرادى وجماعة، وفرقاً وجماعة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ ﴾ أي: إذا استنفرتم فانفروا ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ ومعلوم أن عليهم الدفع، فيحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ ٱنْفِرُواْ ﴾ إذا أَزُّوا؛ أي: على ما استنفرتم من جميع أو بعض؛ فيكون في ذلك دلالة قيام البعض عن الكل على غير الإشارة إلى ذلك، وقد يجب فرض في مجهول على كل القيام حتى يعلم الكفاية [بمن خرج، وهو كفرائض] تعرف لا تعرف بعينها، أو حرمات تظهر لا يعرف المحرم بعينه، فعلى من حرم عليه الإيفاء والقيام بجميع الفرائض؛ ليخرج عما عليه، ثم إذا غلب عليهم في التدبير الكفاية بمن خرج سقط عن الباقين، ولو لم يكن يسقط لم يكن للإمام استنفار البعض؛ يدل على ذلك قوله - -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 122]، وقوله - -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ ﴾ وأصله أنه فرض لعله لا يجوز بقاؤه، وقد زالت العلة، على أن خروج الجميع من جهة إبداء للعورة من جهات؛ فلذلك لم يحتمل تكليفه بخروج الجميع من جهة استنفر منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ قوله: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ يحتمل وجوهاً.
يحتمل: في الظاهر منكم.
ويحتمل: في الحكم منكم.
ويحتمل: في الدعوى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة للمؤمنين، وإن كانوا - في الحقيقة - لم يكونوا.
وقوله - - ﴿ لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ قيل: إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد ويتخلفون؛ كقوله - -: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ كانوا يسرون ذلك ويضمرونه، فأطلع الله - عز وجل - نبيه على ذلك؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله .
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ...
﴾ على التقديم والتأخير [يسرّ ويفرح] إذا أصابتكم مصيبة كأن لم يكن بينكم وبينه مودة؛ لأن [كل] من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن عليه ويتألم، فأخبر الله - عز وجل - أن هؤلاء المنافقين إذا أصابت المؤمنين نكبة يسرون بذلك ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله ﴾ يعني: الغنيمة والفتح، [يقولون:] ﴿ يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ أي: يأخذ من الغنيمة نصيباً وافراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ هذا قول المكذب الشامت: ﴿ وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله...
﴾ الآية، هو قول الحاسد؛ وهو قول قتادة.
وقوله - -: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ﴾ يعني: ليتخلفن عن النفير: ﴿ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ يعني: شدة وبلاء من العيش والعدو، ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴾ فيصيبني ما أصابهم: ﴿ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ دل أن فرض الجهاد فرض كفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين؛ لأنه قال: ﴿ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنْفِرُواْ جَمِيعاً ﴾ أمر بنفير الثبات، فلو كان لا يسقط بقيامهم عن الباقين لم يكن للأمر به معنى، وتأويله - والله أعلم -: إذا قيل لكم، انفروا، فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً.
<div class="verse-tafsir"
وإنَّ منكم - أيها المسلمون - أقوامًا يتباطؤون عن الخروج لقتال أعدائكم لجبنهم، ويبطِّئون غيرهم، وهم المنافقون وضعيفو الإيمان، فإن نالكم قتل أو هزيمة قال أحدهم فرحًا بسلامته: قد تفضل الله علي فلم أحضر القتال معهم فيصيبني ما أصابهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.eA3bK"
الكلام من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ في موضوع خاص وهو ما يكون بين الأهل والأقارب والأزواج واليتامى من المعاملات المالية والمصاهرة والإرث.
والآيات من قوله: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ الآية إلى هنا في مطالبة المؤمنين بالإخلاص في العبادة، وحسن المعاملة بين الأقربين واليتامى والمساكين والجيران والأصحاب والأرقاء وسائر الناس، وأحكام بعض العبادات وبيان ما فيها من تثبيت النفس على الصدق في المعاملة، وضرب لهم فيها مثل اليهود والذين كان لهم كتاب يهتدون به، ونهاهم أن يكونوا مثلهم وعلمهم كيف يعملون بأمرهم برد الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم، ورد ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله، وأكد أمر طاعة الرسول وبيّن حال المنافقين الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت.
ولا شك أن المسلمين إذا عملوا بهذه الأحكام صلح حالهم فيما بينهم، واستقامت أمورهم وصاروا متحدين متعاونين على الأعمال النافعة وحفظ الجامعة، ووثق بعضهم ببعض في التعاون على مصالحهم والدفاع عن حقيقتهم، فالغرض من هذه الوصايا انتظام شمل المسلمين وصلاح أمورهم الخاصة والعامة.
بعد بيان هذا أراد الله تعالى أن يوجه المسلمين إلى أمر آخر يلي اجتماعهم على عقيدة واحدة، ومصلحة واحدة، وانتظام شؤونهم وصلاح حالهم وهو ما يتم لهم به الأمن وحسن الحال بالنسبة إلى غيرهم، وذلك أنه كان للمسلمين عند التنزيل أعداء يناصبونهم ويفتنونهم في دينهم، والإنسان لا يتم له نظام في معيشته ولا هناء ولا راحة إلا بالأمنين كليهما: الأمن الداخلي والأمن الخارجي، فلما أرشدنا الله إلى ما به أمننا الداخلي أرشدنا إلى ما به أمننا مع الخارجين عنا المخالفين لنا في ديننا، وذلك إما بمعاهدات تكون بيننا وبينهم نطمئن بها على ديننا وأنفسنا ومصالحنا، وإما باتقاء شرهم بالقوة، وهذه الآيات في بيان ذلك وهي كثيرة كما يأتي.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ : الحذر، والحذر الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته، وإذا كان الأعداء متعددين فلابد في أخذ الحذر من معرفة ما بينهم من الوفاق والخلاف وان نعرف الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا، وأن يعمل بتلك الوسائل فهذه ثلاثة لا بد منها، وذلك أن العدو إذا أنس غرة هاجمنا وذا لم يهاجمنا بالفعل كنا دائمًا مهددين منه، فإن لم نهدد في نفس ديارنا كنا مهددين في أطرافها، فإذا أقمنا ديننا أو دعونا إليه عند حدود العدو فإنه لابد أن يعارضنا في ذلك، وإذا احتجنا إلى السفر إلى أرضه كنا على خطر، وكل هذا يدخل في قوله: ﴿ خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ ، كما قال في آية أخرى ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ إلخ، وعلى النفوس المستعدة للفهم أن تبحث في كل ما يتوقف عليه امتثال الأمر من علم وعمل.
ويدخل في ذلك معرفة حل العدو معرفة أرضه وبلاده، طرقها ومضايقها وجبالها وأنهارها، فإننا إذا اضطررنا في تأديبه إلى دخول بلاده فدخلناها ونحن جاهلون لها كنا على خطر، وفي أمثال العرب "قتلت أرض جاهلها"، وتجب معرفة مثل ذلك من أرضنا بالأولى حتى إذا هاجمنا فيها لا يكون أعلم بها منا.
ويدخل في الاستعداد والحذر معرفة الأسلحة واتخاذها واستعمالها فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال فيجب تحصيل كل ذلك كما هو الشأن في هذه الأيام، ذلك أنه أطلق الحذر، أي ولا يتحقق الامتثال إلا بما تتحقق به الوقاية والاحتراز في كل زمن بحسبه.
وقد كان النبي والصحابة عارفين بأرض عدوهم وكان للنبي عيون جواسيس في مكة يأتونه بالأخبار ولما أخبروه بنقض قريش العهد استعد فتح مكة.
ولما جاء أبو سفيان لتجديد العهد لظنه لم يعلموا بنكثهم لم يفلح وكان جواب النبي والصحابة له واحدًا.
وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة: حاربهم بمثل ما يحاربونك به السيف بالسيف والرمح بالرمح، وهذه كلمة جليلة، فالقول وعمل النبي وأصحابه كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته.
﴿ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ : النفر مستعمل في الخروج إلى الحرب وثبات جماعات ولا تتقيد الجماعة بعدد معين.
وجميعًا يراد به جميع المؤمنين على الإطلاق وهذا على حسب حال العدو.
وإن أخذ الحذر ليشمل مع ما تقدم كيفية سوق الجيش وقيادته وهو النفر، ولما كان هذا مما قد يتساهل فيه خصه بالذكر فأمر به بهذا التفصيل ولو لم يصرح به لكان الاجتهاد في أخذ الحذر مما قد يقف دونه فلا يصل إليه، وهو أن النفر على حسب الحاجة إلى مقاومة العدو، وهو أن يرسل الجيش جماعات وفرقًا كما عليه العمل حتى الآن، فإذا احتيج في المقاومة إلى نفر جميع أفراد الأمة وخروجهم للجهاد وجب وهو قوله ﴿ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ وليس المراد أن يكون النفر على كيفيتين الأولى أن يقسم الجيش إلى فرق وسرايا والثانية أن يسير خميسًا واحدًا، وليس هذا هو المراد وإنما المراد الأول.
ويتوقف امتثال هذا الأمر على أن تكون الأمة كلها مستعدة دائمًا للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرنوا عليها بالعمل، فيظهر أن المعافاة من الخدمة العسكرية ليست شرفًا بل هي إباحة لترك ما أوجبه الله في كتابه.
﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ : أي يبطئ هو عن السير إبطاء الضعف في إيمانه، والإتيان بصيغة التشديد للمبالغة في الفعل وتكراره، وليس معناه أن يحمل غيره على البطء فإن الخطاب للمؤمنين وهذا لا يصدر عن مؤمن، ويقال في اللغة "بطأ" بالتشديد (لازم) بمعنى أبطأ وقد شح الله حال هذا القسم من الضعفاء توبيخًا لهم وإزعاجًا إلى تطهير نفوسهم وتزكيتها فقال: ﴿ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ فشكره لله على عدم شهوده لتلك الحرب دليل على إيمانه ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ كالظفر والغنيمة، ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ أي ليقولن قول من ليس منكم، ولا جمعته مودة بكم، يا ليتني كنت معهم فأفوز بذلك الفضل فوزهم، فهو قد نسي أنه كان أخًا لكم، وكان من شأنه أن يخرج معكم، وما منعه أن يخرج إلا ضعف إيمانه، ثم إن تمنيه بعد الظفر أو الغنيمة لو كان معكم دليل على ضعف عقله وكونه ممن يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، وهم الذين تشير إليهم الآية التالية: <div class="verse-tafsir"