تفسير سورة النساء الآية ٨٣ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآية ٨٣

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٨٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ  ﴾ أي أنهم من الطيش والخفة بحيث يستفزهم كل خبر عن العدو يصل إليهم فيطلق ألسنتهم بالكلام فيه وإذاعته بين الناس.

وما كان ينبغي أن تشيع في العامة أخبار الحرب وأسرارها ولا أن تخوض العامة في السياسة فإن ذلك يشغلها بما يضر ولا ينفع - يضرهم أنفسهم بما يشغلهم عن شؤونهم الخاصة، ويضر الأمة والدولة بما يفسد عليها من أمر المصلحة العامة-.

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  ﴾ : فالمعنى لو أن أولئك المذيعين ردوا ذلك الأمر، إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلًا عنده وعند بعض أولي الأمر، وهم الذي يستنبطون مثله ويستخرجون خفاياه بدقة نظرهم، فهو إذن من الأمور التي لا يكتنه سرها كل فرد من أفراد أولي الأمر، وإنما يدرك غوره بعضهم لأن لكل طائفة منهم استعدادًا للإحاطة ببعض المسائل المتعلقة بسياسة الأمة وإدارتها دون بعض، فهذا يرجح رأيه في المسائل الحربية، وهذا يرجح رأيه في المسائل المالية، وهذا يرجح رأيه في المسائل القضائية، وكل المسائل تكون شورى بينهم، فإذا كان مثل هذا لا يستنبطه إلا بعض أولي الأمر دون بعض فكيف يصح أن يجعل شَرْعًا بين العامة يذيعون به؟

هذا وجه.

والوجه الثاني: أن المستنبطين هم بعض الذين يردون الأمر إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أي لو ردوا ذلك الأمر إليهم وطلبوا العلم به من ناحيتهم لعلمه من يقدر أن يستفيد العلم به من الرسول ومن أولي الأمر منهم، فإن الرسول وأولي الأمر هم العارفون به، وما كل من يرجع إليهم فيه يقدر أن يستنبط من معرفتهم ما يحب أن يعرف، بل ذلك مما يقدر عليه بعض الناس دون بعض.

والمختار الوجه الأول، فالواجب على الجميع تفويض ذلك إلى الرسول وإلى أولي الأمر في زمنه  وإليهم دون غيرهم من بعده لأن جميع المصالح العامة توكل إليهم ومن أمكنه أن يعلم بهذا التفويض شيئًا يستنبطه منهم فليقف عنده، ولا يتعده، فإن مثل هذا من حقهم، والناس فيه تبع لهم، ولذلك وجبت فيه طاعتهم.

لا غضاضة في هذا على فرد من أفراد المسلمين، ولا خدشًا لحريته واستقلاله، ولا نيلًا من عزة نفسه، فحسبه أنه حر مستقل في خويصة نفسه، لم يكلف أن يقلد أحدًا في عقيدته ولا في عبادته، ولا غير ذلك من شؤونه الخاصة به، وليس من الحكمة ولا من العدل ولا المصلحة أن يسمح له بالتصرف في شؤون الأمة ومصالحها، وأن يفتات عليها في أمورها العامة، وإنما الحكمة والعدل في أن تكون الأمة في مجموعها حرة مستقلة في شؤونها كالأفراد في خاصة أنفسهم، فلا يتصرف في هذه الشؤون العامة إلا من تثق بهم من أهل الحل والعقد، المعبر عنهم في كتاب الله بأولي الأمر، لأن تصرفهم وقد وثقت بهم الأمة هو عين تصرفها، وذلك منتهى ما يمكن أن تكون به سلطتها من نفسها.

وزعم الرازي وغيره أن في هذه الآية دليلًا على حجية القياس الأصولي، وإنما تعلق الأصوليون في هذا بكلمة "يستنبطونه" وهي من مصطلحاتهم الفنية ولم تستعمل في القرآن بهذا المعنى فقولهم مردود.

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا  ﴾ وفسر بعض المفسرين الفضل والرحمة بالقرآن وبعثة النبي  والقليل المستثنى بمثل قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة النبي  وهو تفسير نختاره ونوافقهم عليه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد