الآية ٢١ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢١ من سورة يونس

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم ، كالرخاء بعد الشدة ، والخصب بعد الجدب ، والمطر بعد القحط ونحو ذلك ( إذا لهم مكر في آياتنا ) .

قال مجاهد : استهزاء وتكذيب .

كما قال : ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) [ يونس : 12 ] ، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح على أثر سماء - مطر - أصابهم من الليل ثم قال : " هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة ؟

" قالوا الله ورسوله أعلم .

قال : " قال : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب " .

وقوله : ( قل الله أسرع مكرا ) أي : أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب ، وإنما هو في مهلة ، ثم يؤخذ على غرة منه ، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ، ويحصونه عليه ، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة ، فيجازيه على الحقير والجليل والنقير والقطمير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإذا رزقنا المشركين بالله فرجًا بعد كرب ، ورخاء بعد شدّة أصابتهم.

وقيل: عنى به المطر بعد القحط، و " الضراء " : وهي الشدة، و " الرحمة " : هي الفرج.

يقول: (إذا لهم مكر في آياتنا) ، استهزاء وتكذيبٌ ، (1) كما:- 17592- حدثنا المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إذا لهم مكر في آياتنا) قال: استهزاء وتكذيب.

17593-.

.

.

قال: حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

17594- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

* * * وقوله: (قل الله أسرع مكرًا) يقول تعالى ذكره: : (قل) لهؤلاء المشركين المستهزئين من حججنا وأدلتنا ، يا محمد ، ( الله أسرع مكرًا)، أي : أسرع مِحَالا بكم ، (2) واستدراجًا لكم وعقوبةً، منكم ، من المكر في آيات الله.

* * * والعرب تكتفي ب " إذا " من " فعلت " و " فعلوا "، فلذلك حُذِف الفعل معها.

(3) وإنما معنى الكلام: ( وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم ) ، مكروا في آياتنا فاكتفى من " مكروا "، ب " إذا لهم مكر ".

* * * ، ( إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) ، يقول: إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم ، أيها الناس ، يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا.

----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الذوق " فيما سلف 14 : 230 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " الضراء " فيما سلف 12 : 573 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " المس " فيما سلف ص : 36 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

، وتفسير " المكر " فيما سلف 13 : 502 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(2) " المحال " ( بكسر الميم ) : الكيد والمكر .

(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 459 ، 460 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون يريد كفار مكة .رحمة من بعد ضراء مستهم قيل : رخاء بعد شدة ، وخصب بعد جدب .

إذا لهم مكر في آياتنا أي استهزاء وتكذيب .

وجواب قوله : وإذا أذقنا : إذا لهم على قول الخليل وسيبويه .قل الله أسرع ابتداء وخبر .

مكرا على البيان ; أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم ، أي أن ما يأتيهم من العذاب أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر .إن رسلنا يكتبون ما تمكرون يعني بالرسل الحفظة .

وقراءة العامة تمكرون بالتاء خطابا .

وقرأ يعقوب في رواية رويس وأبو عمرو في رواية هارون العتكي " يمكرون " بالياء ; لقوله : إذا لهم مكر في آياتنا قيل : قال أبو سفيان قحطنا بدعائك فإن سقيتنا صدقناك ; فسقوا باستسقائه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا ، فهذا مكرهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ‏}‏ كالصحة بعد المرض، والغنى بعد الفقر، والأمن بعد الخوف، نسوا ما أصابهم من الضراء، ولم يشكروا الله على الرخاء والرحمة، بل استمروا في طغيانهم ومكرهم‏.‏ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا‏}‏ أي يسعون بالباطل، ليبطلوا به الحق‏.‏ ‏{‏قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا‏}‏ فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، فمقصودهم منعكس عليهم، ولم يسلموا من التبعة، بل تكتب الملائكة عليهم ما يعملون، ويحصيه الله عليهم، ثم يجازيهم ‏[‏الله‏]‏ عليه أوفر الجزاء‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذا أذقنا الناس ) يعني : الكفار ، ( رحمة من بعد ضراء ) أي : راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء .

وقيل : القطر بعد القحط ، ( مستهم ) أي : أصابتهم ، ( إذا لهم مكر في آياتنا ) قال مجاهد : تكذيب واستهزاء .

وقال مقاتل بن حيان : لا يقولون : هذا من رزق الله ، إنما يقولون : سقينا بنوء كذا ، وهو قوله : " وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " ( الواقعة - 82 ) .

( قل الله أسرع مكرا ) أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على الجزاء ، يريد : عذابه في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق ، ( إن رسلنا ) حفظتنا ، ( يكتبون ما تمكرون ) وقرأ يعقوب : " يمكرون " بالياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا أذقنا الناس» أي كفار مكة «رحمة» مطرا وخصبا «من بعد ضراء» بؤس وجدب «مستهم إذا لهم مكر في آياتنا» بالاستهزاء والتكذيب «قل» لهم «الله أسرع مكراً» مجازاة «إن رسلنا» الحفظة «يكتبون ما تمكرون» بالتاء والياء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا أذقنا المشركين يسرًا وفرجًا ورخاءً بعد عسر وشدة وكرب أصابهم، إذا هم يكذِّبون، ويستهزئون بآيات الله، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين المستهزئين: الله أسرع مكرًا واستدراجًا وعقوبة لكم.

إن حَفَظَتَنا الذين نرسلهم إليكم يكتبون عليكم ما تمكرون في آياتنا، ثم نحاسبكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله ( أَذَقْنَا ) من الذوق وحقيقته إدراك الطعام ونحوه بالذوق باللسان واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إدراك ما يسر وما يؤلم من المعنويات كالرحمة والضراء .قال الآلوسى " والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل ، لما روى من أن الله - تعالى - سلط عليهم القحط سبع سنين ، حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه أن يدعو لهم بالخصب ، ووعدوه بالإِيمان ، فلما دعا لهم ورحمهم الله - تعالى - بالمطر ، طفقوا يطعنون وفى آياته - تعالى - ويعاندون نبيه - صلى الله عليه وسلم - .وقيل : " إن الناس عام لجميع الكفار " .والضراء من الضر ، وهو ما يصيب الإِنسان وفى نفسه من أمراض وأسقام .والمكر : هو التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يتوقعه من مضرة وكيد .والمعنى : وإذا أذقنا الناس منا رحمة كأن منحناهم الصحة والسعادة والغني من بعد ضراء أصابتهم وفى أنفسهم أو فيمن يحبون ، ما كان منهم إلا بالمبادرة إلى الطعن وفى آياتنا الدالة على قدرتنا ، والاستهزاء بها والتهوين من شأنها .وأسند إذاقته الرحمة إلى ضمير الجلالة ، وأسند المساس إلى الضراء ، رعاية للأدب مع الله - تعالى - ، لأنه وإن كان كل شيء من عنده ، إلا أن الأدب معه - سبحانه - يقتضي إسناد الخير إليه والشر إلى غيره كما وفى قوله - تعالى - : ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) وفى الحديث : " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك " .وإذا الأولى شرطية ، والثانية فجائية والجملة بعدها جواب الشرط .وجاء التعبير بإذا الفجائية فى الجواب ، للإِشارة إلى توغلهم وفى الجحود والكنود فهم بمجرد أن حلت النعمة بهم محل النقمة ، عادوا إلى عنادهم وجهلهم ، ونسبوا كل خير إلى غيره - تعالى - .قال الرازي : " واعلم أنه - تعالى - ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة وفى قوله - تعالى - ( وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ .

.

.

) إلا أنه - تعالى - زاد وفى هذه الآية التى نحن بصدد تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها وفى تلك الآية ، وتلك الدقيقة هى أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة .وفى الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر .وقوله : ( قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يبطل مكرهم .أى : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الذين يسرعون بالمكر وفى مقام الشكر ، إن الله - تعالى - أسرع مكراً منكم؛ لأنه لا يخفى عليه بشيء من مكركم ، ولأن الحفظة من الملائكة يسجلون عليكم أقوالكم وأفعالكم ، التي ستحاسبون عليها وفى يوم القيامة حساباً عسيراً ، وسترون أن مكركم السيء لا يحيق إلا بكم .وقوله : ( أَسْرَعُ ) أفعل تفضيل من الفعل الثلاثي سرع - كضخم وحسن - ، أو من الفعل الرباعي " أسرع " عند من يرى ذلك .والجملة الكريمة تحقيق للانتقام منهم .

وتنبيه على أن مكرهم الخفي غير خاف الحفظة من الملائكة فضلا عن الخالق - عز وجل - الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء .وسمى - سبحانه - إنكارهم لآياته واستهزاءهم بها مكراً ، لأنهم كانوا كثيراً ما يتجمعون سراً ، ليتشاوروا وفى المؤامرات التي يعرقولن بها سير الدعوة الإِسلامية ، وفى الشبهات التي يوجهونها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آية أخرى سوى القرآن، وأجاب الجواب الذي قررناه وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا الغيب للَّهِ  ﴾ ذكر جواباً آخر وهو المذكور في هذه الآية، وتقريره من وجهين: الوجه الأول: أنه تعالى بين في هذه الآية أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد وعدم الإنصاف، وإذا كانوا كذلك فبتقدير أن يعطوا ما سألوه من إنزال معجزات أخرى، فإنهم لا يؤمنون بل يبقون على كفرهم وجهلهم، فنفتقر هاهنا إلى بيان أمرين: إلى بيان أن عادة هؤلاء الأقوام المكر واللجاج والعناد، ثم إلى بيان أنه متى كان الأمر كذلك لم يكن في إظهار سائر المعجزات فائدة.

أما المقام الأول: فتقريره أنه روي أن الله تعالى سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم، وأنزل الأمطار النافعة على أراضيهم، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع الجليلة إلى الأصنام وإلى الأنواء، وعلى التقديرين فهو مقابلة للنعمة بالكفران.

فقوله: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً ﴾ المراد منه تلك الأمطار النافعة.

وقوله: ﴿ مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ ﴾ المراد منه ذلك القحط الشديد.

وقوله: ﴿ إِذَا لهم مكر في آياتنا ﴾ المراد منه إضافتهم تلك المنافع الجليلة إلى الأنواء والكواكب أو إلى الأصنام.

واعلم أنه تعالى ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضرّ مسها  ﴾ إلا أنه تعالى زاد في هذه الآية التي نحن في تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها في تلك الآية، وتلك الدقيقة هي أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة، ويطلبون الغوائل، وفي الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة، فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر وطلب الغوائل.

وأما المقام الثاني: وهو بيان أنه متى كان الأمر كذلك فلا فائدة في إظهار سائر الآيات، لأنه تعالى لو أظهر لهم جميع ما طلبوه من المعجزات الظاهرة فإنهم لا يقبلونها، لأنه ليس غرضهم من هذه الاقتراحات التشدد في طلب الدين، وإنما غرضهم الدفع والمنع والمبالغة في صون مناصبهم الدنيوية، والامتناع من المتابعة للغير، والدليل عليه أنه تعالى لما شدد الأمر عليهم وسلط البلاء عليهم، ثم أزالها عنهم وأبدل تلك البليات بالخيرات، فهم مع ذلك استمروا على التكذيب والجحود، فدل ذلك على أنه تعالى لو أنزل عليهم الآيات التي طلبوها لم يلتفتوا إليها، فظهر بما ذكرنا أن هذا الكلام جواب قاطع عن السؤال المتقدم.

الوجه الثاني: في تقرير هذا الجواب: أن أهل مكة قد حصل لهم أسباب الرفاهية وطيب العيش، ومن كان كذلك تمرد وتكبر كما قال تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ وقرر تعالى هذا المعنى بالمثال المذكور، فإقدامهم على طلب الآيات الزائدة والاقتراحات الفاسدة، إنما كان لأجل ما هم فيه من النعم الكثيرة والخيرات المتوالية، وقوله: ﴿ قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ كالتنبيه على أنه تعالى يزيل عنهم تلك النعم، ويجعلهم منقادين للرسول مطيعين له، تاركين لهذه الاعتراضات الفاسدة، والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً ﴾ كلام ورد على سبيل المبالغة، والمراد منه إيصال الرحمة إليهم.

واعلم أن رحمة الله تعالى لا تذاق بالفم، وإنما تذاق بالعقل، وذلك يدل على أن القول بوجود السعادات الروحانية حق.

المسألة الثالثة: قال الزجاج ﴿ إِذَا ﴾ في قوله: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً ﴾ للشرط و ﴿ إِذَا ﴾ في قوله: ﴿ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ ﴾ جواب الشرط وهو كقوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ والمعنى: إذا أذقنا الناس رحمة مكروا وإن تصبهم سيئة قنطوا.

واعلم أن ﴿ إِذَا ﴾ في قوله: ﴿ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ ﴾ تفيد المفاجأة، معناه أنهم في الحال أقدموا على المكر وسارعوا إليه.

المسألة الرابعة: سمي تكذيبهم بآيات الله مكراً، لأن المكر عبارة عن صرف الشيء عن وجهه الظاهر بطريق الحيلة، وهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأمور الفاسدة.

قال مقاتل: المراد من هذا المكر هو أن هؤلاء لا يقولون هذا رزق الله، بل يقولون سقينا بنوء كذا.

أما قوله تعالى: ﴿ قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ فالمعنى أن هؤلاء الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر، فالله سبحانه وتعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك، وهو من وجهين: الأول: ما أعد لهم يوم القيامة من العذاب الشديد، وفي الدنيا من الفضيحة والخزي والنكال.

والثاني: أن رسل الله يكتبون مكرهم ويحفظونه، وتعرض عليهم ما في بواطنهم الخبيثة يوم القيامة، ويكون ذلك سبباً للفضيحة التامة والخزي والنكال نعوذ بالله تعالى منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

سلط الله القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون، ثم رحمهم بالحيا، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدونه، و (إذا) الأولى للشرط، والآخرة جوابها وهي للمفاجأة، والمكر: إخفاء الكيد وطيه، من الجارية الممكورة المطوية الخلق.

ومعنى ﴿ مَسَّتْهُمْ ﴾ خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.

فإن قلت: ما وصفهم بسرعة المكر، فكيف صحّ قوله: ﴿ أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ ؟

قلت: بلى دلت على ذلك كلمة المفاجأة، كأنه قال: وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجئوا وقوع المكر منهم، وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مسّ الضرّاء، ولم يتلبثوا ريثما يسيغون غصتهم.

والمعنى: أنّ الله تعالى دبر عقابكم وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف تعملون في إطفاء نور الإسلام ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ ﴾ إعلام بأنّ ما تظنونه خافياً مطوياً لا يخفى على الله، وهو منتقم منكم.

وقرئ: ﴿ يمكرون ﴾ ، بالتاء والياء.

وقيل: مكرهم قولهم: سقينا بنوء كذا.

وعن أبي هريرة: إنّ الله ليُصَبِّح القوم بالنعمة ويُمَسِّيهم بها، فتصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ صِحَّةً وسِعَةً.

﴿ مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ كَقَحْطٍ ومَرَضٍ.

﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ بِالطَّعْنِ فِيها والِاحْتِيالِ في دَفْعِها.

قِيلَ قَحِطَ أهْلُ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى كادُوا يَهْلَكُونَ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِالحَيا فَطَفِقُوا يَقْدَحُونَ في آياتِ اللَّهِ ويَكِيدُونَ رَسُولَهُ.

﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ مِنكم قَدْ دَبَّرَ عِقابَكم قَبْلَ أنْ تُدَبِّرُوا كَيْدَكم، وإنَّما دَلَّ عَلى سُرْعَتِهِمُ المُفَضَّلِ عَلَيْها كَلِمَةُ المُفاجَأةِ الواقِعَةُ جَوابًا لِإذا الشَّرْطِيَّةِ والمَكْرُ إخْفاءُ الكَيْدِ، وهو مِنَ اللَّهِ تَعالى إمّا الِاسْتِدْراجُ أوِ الجَزاءُ عَلى المَكْرِ.

﴿ إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ﴾ تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ لَمْ يَخْفَ عَلى الحَفَظَةِ فَضْلًا أنْ يَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَنْ يَعْقُوبَ يَمْكُرُونَ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا أَذَقْنَا الناس} أهل مكة {رَحْمَةً} خصباً وسعة {مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ} يعني القحط والجوع {إذا لهم مكر في آياتنا} أي مكروا بآياتنا بدفعها وإنكارها رُوي أنه تعالى سلط القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم بالحيا فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدونه فإذا الاولى للشرط والثاينة جوابها وهي للمفاجأة وهو كقوله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ أي وإن تصبهم سيئة قنطوا وإذا أذقنا الناس رحمة مكروا

والمكر إخفاء الكيد وطيه من الجارية الممكورة المطوية الخلق ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوءأثرها فيهم وإنما قال {قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا} ولم يصفهم بسرعة المكر لأن كلمة المفاجأة دلت على ذلك كأنه قال وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجؤا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رءوسهم من مس الضراء {إِنَّ رُسُلَنَا} يعني الحفظة {يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} إعلام بأن ما تظنونه خافياً لا يخفى على الله وهو منتقم منكم وبالياء سهل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ كالصِّحَّةِ والسَّعَةِ ﴿ مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ أيْ خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ وإسْنادُ المِساسِ إلى الضَّرّاءِ بَعْدَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ الآدابِ القُرْآنِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ ونَظائِرِهِ ويَنْبَغِي التَّأدُّبُ في ذَلِكَ فَفي الخَبَرِ: اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ بِيَدَيْكَ والشَّرَّ لَيْسَ إلَيْكَ.

والمُرادُ بِالنّاسِ كُفّارُ مَكَّةَ عَلى ما قِيلَ لِما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمُ القَحْطَ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى كادُوا يَهْلِكُونَ فَطَلَبُوا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ لَهم بِالخِصْبِ ووَعَدُوهُ بِالإيمانِ فَلَمّا دَعا لَهم ورَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالحَياءِ طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِهِ تَعالى ويُعانِدُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكِيدُونَهُ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ أيْ بِالطَّعْنِ فِيها وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها والِاحْتِيالِ في دَفْعِها والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ وقِيلَ: المُرادُ بِها الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ كَإنْزالِ الحَياءِ ومَكْرُهم فِيها إضافَتُها إلى الأصْنامِ والكَواكِبِ وقِيلَ: إنَّ ﴿ النّاسَ ﴾ عامٌّ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى ما يَشْمَلُ العُصاةَ كَما لا يَخْفى وكانَتِ العَرَبُ تُضِيفُ الأمْطارَ وكَذا الرِّياحُ والحَرُّ والبَرْدُ إلى الأنْواءِ وهو جَمِيعُ نَوْءٍ مَصْدَرُ ناءَ يَنُوءُ إذا نَهَضَ بِجَهْدٍ ومَشَقَّةٍ ويُقالُ ذَلِكَ أيْضًا إذا سَقَطَ فَهو مِنَ الأضْدادِ ويُطْلَقُ عَلى النَّجْمِ الَّذِي هو أحَدُ المَنازِلِ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ الَّتِي ذَكَّرْناها فِيما سَبَقَ وهو المُرادُ في كَلامِهِمْ إلّا أنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ سُقُوطِهِ مَعَ الفَجْرِ وغُرُوبِهِ كَما هو المَشْهُورُ أوْ بِاعْتِبارِ طُلُوعِهِ ذَلِكَ الوَقْتَ كَما قالَ الأصْمَعِيُّ وقَدْ عُدَّ القائِلُ بِتَأْثِيرِ الأنْواءِ كافِرًا فَقَدْ رَوى الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ وكافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي ومُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ».

ولَعَلَّ كَوْنَ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ أنَّ لِلْكَواكِبِ تَأْثِيرًا اخْتِيارِيًّا ذاتِيًّا في ذَلِكَ وإلّا فاعْتِقادُ أنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها كَما هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ في سائِرِ الأسْبابِ لَيْسَ بِكُفْرٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ وكَذا اعْتِقادُ أنَّ التَّأْثِيرَ بِها عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ فِيها قُوَّةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِهِ فَمَتى شاءَ سُبْحانَهُ أثَّرَتْ ومَتى لَمْ يَشَأْ لَمْ تُؤَثِّرْ كَما هو مَذْهَبُ السَّلَفِ في الأسْبابِ عَلى ما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في مَسْلَكِ السَّدادِ ولَوْ كانَ نِسْبَةُ التَّأْثِيرِ مُطْلَقًا إلى الأنْواءِ ونَحْوِها مِنَ العَلَوِيّاتِ كُفْرًا لاتَسْعَ الخَرْقُ ولَزِمَ إكْفارُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ حَتّى أفاضِلِهِمْ لِقَوْلِهِمْ بِنِسْبَةِ الكَثِيرِ مِن عالِمِ الكَوْنِ والفَسادِ إلى العُلْوِيّاتِ ويُسَمُّونَها بِالآباءِ العُلْوِيَّةِ وقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ بِأنَّ لِلْكَواكِبِ السَّيّاراتِ وغَيْرِها تَأْثِيرًا في هَذا العالِمِ إلّا أنَّ الوُقُوفَ عَلى تَعْيِينِ جُزْئِيّاتِهِ مِمّا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا أرْبابُ الكَشْفِ والأرْصادِ القَلْبِيَّةِ ولَيْسَ مُرادُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ وكَذا مُرادُ مَن أطْلَقَ التَّأْثِيرَ إلّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ في الأسْبابِ وحاشا ثُمَّ حاشا أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الأفاضِلُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أنَّ في الوُجُودِ مُؤَثِّرًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى بَلْ مَن وقَفَ عَلى حَقِيقَةِ كَلامِ الحُكَماءِ الَّذِينَ هم بِمَعْزِلٍ عَنِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ وجَدَهم مُتَّفِقِينَ عَلى أنَّ الوُجُودَ مَعْلُولٌ لَهُ تَعالى عَلى الإطْلاقِ وقالَ بِهْمِنيارُ في التَّحْصِيلِ فَإنْ سُئِلَتِ الحَقَّ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عِلَّةُ الوُجُودِ إلّا ما هو بَرِيءٌ مِن كُلِّ وجْهٍ مِن مَعْنى ما بِالقُوَّةِ وهَذا هو المَبْدَأُ الأوَّلُ لا غَيْرُ وما نُقِلَ عَنْ أفْلاطُونَ مِن قَوْلِهِ: إنَّ العالَمَ كُرَةٌ والأرْضَ مَرْكَزٌ والإنْسانَ هَدَفٌ والأفْلاكَ قِسِيٌّ والحَوادِثَ سِهامٌ واللَّهُ تَعالى هو الرّامِي فَأيْنَ المَفَرُّ يُشْعِرُ بِذَلِكَ أيْضً (نَعَمْ) إنَّهم قالُوا بِالشَّرائِطِ العَقْلِيَّةِ وهي المُرادُ بِالوَسائِطِ في كَلامِ بَعْضِهِمْ وهو خِلافُ المَذْهَبِ الحَقِّ وبِالجُمْلَةِ لا يَكْفُرُ مَن قالَ: إنَّ الكَواكِبَ مُؤَثِّرَةٌ عَلى مَعْنى أنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها أوْ بِها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَن قالَ: إنَّ النّارَ مُحْرِقَةٌ والماءَ مُرْوٍ مَثَلًا ولا فَرْقَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ إلّا بِما عَسى أنْ يُقالَ: إنَّ التَّأْثِيرَ في نَحْوِ النّارِ والماءِ أمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشاهَدٌ والتَّأْثِيرَ في الكَواكِبِ لَيْسَ كَذَلِكَ والقَوْلُ بِهِ رَجْمٌ بِالغَيْبِ لَكِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لا يُوجِبُ كَوْنَ أحَدِ القَوْلَيْنِ كُفْرًا دُونَ الآخَرِ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ ومَعَ هَذا الأحْوَطُ عَدَمُ إطْلاقِ نِسْبَةِ التَّأْثِيرِ إلى الكَواكِبِ والتَّجَنُّبُ عَنِ التَّلَفُّظِ بِنَحْوِ ما أكْفَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ المُتَلَفِّظَ بِهِ هَذا (وإذا) الأُولى شَرْطِيَّةٌ والثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ وتَنْكِيرُ ﴿ مَكْرٌ ﴾ لِلتَّفْخِيمِ و(فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ ﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ أيْ مِنكم فَأسْرَعُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ وهو مَأْخُوذٌ إما مِن سَرَعَ الثُّلاثِيِّ كَما حَكاهُ الفارِسِيُّ أوْ مِن أسْرَعَ المَزِيدِ إلّا أنَّ في أخْذِ أفْعَلَ مِنَ المَزِيدِ خِلافًا فَمِنهم مَن مَنَعَهُ مُطْلَقًا ومِنهم مَن جَوَّزَهُ مُطْلَقًا ومِنهم مَن قالَ: إنْ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ امْتَنَعَ وإلّا جازَ ومِثْلُهُ في ذَلِكَ بِناءُ التَّعَجُّبِ ووَصْفُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِالسُّرْعَةِ دَلَّ عَلَيْهِ المُفاجَأةُ عَلى أنَّ صِحَّةَ اسْتِعْمالِ أسْرَعَ في ذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى دَلالَةِ الكَلامِ عَلى ما ذُكِرَ خِلافًا لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وأصْلُ المَكْرِ إخْفاءُ الكَيْدِ والمَضَرَّةِ والمُرادُ بِهِ الجَزاءُ والعُقُوبَةُ عَلى المَكْرِ مَجازًا مُرْسَلًا أوْ مُشاكَلَةً وهي لا تُنافِيهِ كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ وقَدْ شاعَ أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ تَعالى إلّا عَلى سَبِيلِ المُشاكَلَةِ ولَيْسَ بِذاكَ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿ إنَّ رُسُلَنا ﴾ الحَفَظَةَ مِن قِبَلِنا عَلى أعْمالِكم ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ 21﴾ أيْ مَكْرَكم أوْ ما تَمْكُرُونَهُ وكَيْفِيَّةَ كِتابَةِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلْزَمُ العِلْمُ بِهِ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مَجازًا عَنِ العِلْمِ وهَذا تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ مِنهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ غَيْرُ خافٍ عَلى الكَتَبَةِ فَضْلًا عَنْ مُنْزِلِ الكِتابِ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ وفي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ لَهم كَما لا يَخْفى والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً في الكَلامِ المُلَقَّنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ وهي تَعْلِيلٌ لِأسْرَعِيَّةِ مَكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في ذَلِكَ وفي ﴿ إنَّ رُسُلَنا ﴾ التِفاتًا إذْ لَوْ أُجْرِيَ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ لَقِيلَ: إنَّ رُسُلَهُ فَلا إشْكالَ فِيهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا وجْهَ لِأمْرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ: إنَّ رُسُلَنا إذِ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى لا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ رُسُلِ رَبِّنا أوْ بِالإضافَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَما قِيلَ وقالَ بَعْضُهم في الجَوابِ: إنَّهُ حِكايَةُ ما قالَ اللَّهُ تَعالى عَلى كَوْنِ المُرادِ أداءَ هَذا المَعْنى لا بِهَذِهِ العِبارَةِ وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ (يَمْكُرُونَ) عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ نافِعٍ ويَعْقُوبَ وفِيهِ الجَرْيُ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (مَسَّتْهُمْ) و(لَهُمْ) والمُناسِبُ الخِطابِ كَما قَرَأ الباقُونَ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ داخِلَةً في حَيِّزِ القَوْلِ إذِ المَعْنى قُلْ لَهم ومُناسَبَةُ الخِطابِ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ وفِيهِ أيْضًا مُبالَغَةٌ في الإعْلامِ بِمَكْرِهِمْ وجَعَلَها بَعْضُ المُحَقِّقِينَ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ وعَدَمِ دُخُولِها في حَيِّزِ القَوْلِ تَعْلِيلًا لِلْأسْرَعِيَّةِ أوْ لِلْأمْرِ المَذْكُورِ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، وذلك حين قال عبد الله بن أمية: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90] وسألته قريش أن يأتيهم بآية، فقال الله تعالى لمحمد  : فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي: نزول الآية من عند الله تعالى: فَانْتَظِرُوا نزولها.

إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لنزولها، ويقال: فانتظروا بي الموت إني معكم من المنتظرين لهلاككم.

قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ، يعني: أصبنا الناس رَحْمَةً، يعني: المطر، ويقال: العافية مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ من بعد القحط ويقال: من بعد الشدة والبلاء أصابتهم إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا، يعني: تكذيباً بالقرآن، ويقال: تكذيباً بنعمة الله تعالى، ويقولون: سقينا بنوء كذا ولا يقولون: هذا من رزق الله تعالى، وقال القتبي: إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا يعني: قولهم بالطعن والحيلة ليجعلوا لتلك الرحمة سبباً آخر قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً، يعني: أشد عذاباً وأشد أخذاً.

إِنَّ رُسُلَنا الحفظة يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ، يعني: ما تقولون من التكذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ: استفهام وتقريرٌ، أي: لا أحد أظلم ممَّن افترى على اللَّه كذباً، أو ممَّن كذَّب بآياته بَعْد بيانها، والضمير في يَعْبُدُونَ لكفَّار قريش، وقولهم:

هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ: هذا قول النبلاء منهم، ثم أمر سبحانه نبيَّه أن يقرِّرهم ويوبِّخهم بقوله: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وذكر السموات لأن من العرب من يعبد الملائكَةَ والشِّعْرَى، وبحسب هذا حَسُنَ أن يقول:

هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا، وقيل: ذلك على تجوُّز في الأصنام التي لا تَعْقِلُ.

وقوله سبحانه: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا قالت فرقة: المراد آدم كان أُمة وحده، ثم اختلف الناس بعده، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه مِنْ لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخَرَ، ويحتمل أن يريد: كان الناس صِنْفاً واحداً بالفِطْرة معدًّا للاهتداء، وقد تقدَّم الكلام علَى هذا في قوله سبحانه: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [البقرة: ٢١٣] .

وقوله سبحانه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يريد: قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقَّتة، ويحتمل أنْ يريد: الكَلِمَةَ في أمر القيامة، وأنَّ العقابَ والثوابَ إِنما يكونُ حينئذٍ.

وقوله: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي: إِنْ شاء فَعَلَ، وإِن شاء لَمْ يَفْعَلْ.

وقوله: فَانْتَظِرُوا: وعيدٌ.

وقوله سبحانه: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ...

الآية: هذه الآية في الكفَّار، وهي بعْدُ تتناول من العُصَاةِ مَنْ لا يؤدي شكر اللَّه عند زوال المَكْروه عنه، ولا يرتدعُ بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثيرٌ، والرحمة هنا بعد الضرَّاء كالمطر بعد القَحْط، والأمن بعد الخَوْف ونحو هذا ممَّا لا ينحصر، والمَكْر: الاستهزاء والطَّعْن عليها مِن الكُفَّار واطراح الشكر والخوف من العصاة.

وقال أبو عليٍّ: أَسْرَعُ من «سَرُعَ» لا من «أَسْرَعَ يُسْرِعُ» ، إِذ لو كان من «أَسْرَعَ» ، لكان شاذًّا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِالجَدْبِ فَقُحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، أتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ادْعُ لَنا بِالخِصْبِ، فَإنْ أُخْصِبْنا صَدَّقْناكَ، فَدَعا لَهم فَسُقُوا، ولَمْ يُؤْمِنُوا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا: الكُفّارُ.

وفي المُرادِ بِالرَّحْمَةِ والضَّرّاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ الرَّحْمَةَ: العافِيَةُ والسُّرُورُ، والضَّرّاءَ: الفَقْرُ والبَلاءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الرَّحْمَةُ: الإسْلامُ، والضَّرّاءُ: الكُفْرُ، وهَذا في حَقِّ المُنافِقِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: الرَّحْمَةُ: الخِصْبُ، والضَّرّاءُ: الجَدْبُ قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي المُرادِ بِالمَكْرِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها أنَّهُ الِاسْتِهْزاءُ والتَّكْذِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الجُحُودُ والرَّدُّ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إضافَةُ النِّعَمِ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فَيَقُولُونَ: سُقِينا بِنَوْءِ كَذا، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والرّابِعُ: أنَّ المَكْرَ: النِّفاقُ، لِأنَّهُ إظْهارُ الإيمانِ وإبِطانُ الكُفْرِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ أيْ: جَزاءً عَلى المَكْرِ " إنَّ رُسُلَنا " يَعْنِي الحَفَظَةَ " يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ " أيْ: يَحْفَظُونَ ذَلِكَ لِمُجازاتِكم عَلَيْهِ.

وقَرَأيَعْقُوبُ إلّا رُوَيْسًا وأبا حاتِمٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " يَمْكُرُونَ " بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ ﴾ ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ، كانَ أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدُ، وفي أمْرِ بَنِيهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ نَسَمُ بَنِيهِ إذِ اسْتَخْرَجَهُمُ اللهُ مِن ظَهْرِهِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ وبَنُوهُ مِن لَدُنْ نُزُولِهِ إلى قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما كانَ الناسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً في الضَلالَةِ والجَهْلِ بِاللهِ، فاخْتَلَفُوا فِرَقًا في ذَلِكَ بِحَسَبِ الجَهالَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ الناسُ صِنْفًا واحِدًا مُعَدًّا لِلِاهْتِداءِ، واسْتِيفاءُ القَوْلِ في هَذا مُتَقَدِّمٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً  ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَمْرٍو: "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "لَقَضى" بِفَتْحِهِما عَلى الفِعْلِ الماضِي.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ يُرِيدُ قَضاءَهُ وتَقْدِيرَهُ لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُوَقَّتَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ وأنَّ العِقابَ والثَوابَ إنَّما كانَ حِينَئِذٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ آيَةً تَضْطَرُّ الناسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا هي مُعْجِزاتٌ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ وعِيدٌ وقَدْ صَدَّقَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا  ، قالَ الطَبَرِيُّ: في بَدْرٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ، وهي بَعْدُ تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عنهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عن مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في الناسِ كَثِيرٌ.

والرَحْمَةُ هُنا بَعْدَ الضَرّاءِ كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ والصِحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ ونَحْوِ هَذا مِمّا لا يَنْحَصِرُ، والمَكْرُ: الِاسْتِهْزاءُ والطَعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ واطِّراحُ الشُكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ، ووَصْفُ مَكْرِ اللهِ بِالسُرْعَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِدْراجُ بِمَهْلِهِمْ لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الناسُ: "إنَّ رُسُلَنا" بِضَمِّ السِينِ، وخَفَّفَ السِينَ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو عَمْرٍو.

ويُقالُ: "أسْرَعُ" مِن سَرُعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ  في نارِ جَهَنَّمَ: "لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"» وما حُفِظَ لِلنَّبِيِّ  فَلَيْسَ بِشاذٍّ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: "تَمْكُرُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، وشِبْلٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وأيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ، [وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ ] ورُوِيَتْ أيْضًا عن نافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَمْكُرُونَ" عَلى الغَيْبَةِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ: في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ أسْرَعُ مَكْرًا وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما حكى تمرد المشركين بيّن هنا أنهم في ذلك لاهون ببطرهم وازدهائهم بالنعمة والدَّعة فأنساهم ما هم فيه من النعمة أن يتوقعوا حدوث ضده فتفننوا في التكذيب بوعيد الله أفانين الاستهزاء، كما قال تعالى: ﴿ وذرني والمكذبين أولي النّعمة ومهِّلهم قليلاً ﴾ [المزمل: 11].

وجاء الكلام على طريقة الحكاية عن حالهم، والمُلقَى إليه الكلام هو النبي صلى الله عليه وسلم والمُؤمنون.

وفيه تعريض بتذكير الكفار بحال حلول المصائب بهم لعلهم يتذكرون، فيعدوا عدة الخوف من حلول النقمة التي أنذرهم بها في قوله ﴿ فانتظروا ﴾ [يونس: 20] كما في الحديث: «تَعَرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة» فالمراد ب ﴿ الناس ﴾ الناس المعهودون المتحدث عنهم بقرينة السياق على الوجهين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿ وإذا مَس الإنسان الضر دعانا لجنبه ﴾ [يونس: 12].

وقد قيل: إن الآية تشير إلى ما أصاب قريشاً من القحط سبعَ سنين بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ثم كَشف الله عنهم القحط وأنزل عليهم المطر، فلما حيوا طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدون له.

والقحط الذي أصاب قريشاً هو المذكور في سورة الدخان.

وقد أنذروا فيها بالبطشة الكبرى.

وقال ابن عباس: هي بطشة يوم بدر.

فتكون هذه الآية قد نزلت بعد انقراض السبع السنين التي هي كسني يوسف وبعد أن حيُوا، فتكون قد نزلت بعد سنة عشر من البعثة أو سنة إحدى عشرة.

والإذاقة: مستعملة في مطلق الإدراك استعارةً أو مجازاً، كما تقدم في قوله: ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ في سورة [العقود: 95].

والرحمة: هنا مطلقة على أثر الرحمة، وهو النعمة والنفع، كقوله: ﴿ وينشر رحمته ﴾ [الشورى: 28].

والضراء: الضر.

والمس: مستعمل في الإصابة.

والمعنى إذا نالت الناس نعمة بعد الضر، كالمطر بعد القحط، والأمن بعد الخوف، والصحة بعد المرض.

و (إذا) في قوله: ﴿ إذا لهم مكرٌ ﴾ للمفاجأة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية لوقوعه جملة اسمية وهي لا تصلح للاتصال بإذا الشرطية التي تلازمها الأفعال إن وقعت ظرفاً ثم إن وقعت شرطاً فلا تصلح لأن تكون جواباً لها، فلذلك أدخل على جملة الجواب حرف (إذا) الفجائية، لأن حرف المفاجأة يدل على البِدار والإسراع بمضمون الجملة، فيُفيد مُفاد فاء التعقيب التي يؤتى بها الربط جواب الشرط بشرطه، فإذا جاء حرف المفاجأة أغنى عنها.

والمكرُ: حقيقته إخفاء الإضرار وإبرَازه في صورة المسألة، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾ في سورة [آل عمران: 54].

و (في) من قوله: في آياتنا} للظرفية المجازية المرادُ منها الملابسة، أي مكرهم المصاحب لآياتنا.

ومعنى مكرهم في الآيات أنهم يمكرون مكراً يتعلق بها، وذلك أنهم يوهمون أن آيات القرآن غير دالة على صدق الرسول ويزعمون أنه لو أنزلت عليه آية أخرى لآمنوا بها وهم كاذبون في ذلك وإنما هم يكذبونه عناداً ومكابرة وحفاظاً على دينهم في الشرك.

ولما كان الكلام متضمناً التعريض بإنذارهم، أمر الرسول أن يعظهم بأن الله أسرع مكراً، أي منكم، فجعل مكر الله بهم أسرع من مكرهم بآيات الله.

ودل اسم التفضيل على أن مكر الكافرين سريع أيضاً، وذلك لما دل عليه حرف المفاجأة من المبادرة وهي إسراع.

والمعنى أن الله أعجل مكراً بكم منكم بمكرمكم بآيات الله.

وأسرعُ: مأخوذ من أسرع المزيدِ على غير قياس، أو من سَرع المجرد بناء على وجوده في الكلام فيما حكاه الفارسي.

وأطلق على تأجيل الله عذابهم اسم المكر على وجه الاستعارة التمثيلية لأن هيئة ذلك التأجيل في خفائه عنهم كهيئة فعل الماكر، وحسنته المشاكلة كما تقدم في آية آل عمران.

وجملة: ﴿ إنّ رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ استئناف خطاب للمشركين مباشرة تهديداً من الله، فلذلك فصلت على التي قبلها لاختلاف المخاطب.

وتأكيد الجملة لكون المخاطبين يعتقدون خلاف ذلك، إذ كانوا يحسبون أنهم يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن مكرهم يتمشى عليه ولا يشعر به فأعلمهم الله بأن الملائكة الموكلين بإحصاء الأعمال يكتبون ذلك.

والمقصود من هذا أن ذلك محصي معدود عليهم لا يهمل، وهو إنذار بالعذاب عليه، وهذا يستلزم علم الله تعالى بذلك.

وعبر بالمضارع في ﴿ يكتبون ﴾ و ﴿ يمكرون ﴾ للدلالة على التكرر، أي تتكرر كتابتهم كلما يتكرر مكرهم، فليس في قوله: ﴿ ما تمكرون ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب لاختلاف معادي الضميرين.

وقرأه الجمهور ﴿ ما تمكرون ﴾ بتاء الخطاب.

وقرأه روح عن يعقوب ﴿ ما يمكرون ﴾ بياء الغائب، والضمير ل ﴿ الناس ﴾ في قوله: ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة ﴾ .

وعلى هذه القراءة فالكلام موجه للنبيء صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رَخاءٌ بَعْدَ شِدَّةٍ.

الثّانِي: عافِيَةٌ بَعْدَ سَقَمٍ.

الثّالِثُ: خِصْبًا بَعْدَ جَدْبٍ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

الرّابِعُ: إسْلامًا بَعْدَ كُفْرٍ وهو المُنافِقُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَكْرَ ها هُنا الكُفْرُ والجُحُودُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِهْزاءُ والتَّكْذِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ المَكْرُ ها هُنا النِّفاقَ لِأنَّهُ يُظْهِرُ الإيمانَ ويُبْطِنُ الكُفْرَ.

﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ يَعْنِي أسْرَعَ جَزاءً عَلى المَكْرِ.

وَقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِالجَدْبِ فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، أتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ دَعَوْتَ بِالجَدْبِ فَأجْدَبْنا فادْعُ اللَّهَ لَنا بِالخِصْبِ فَإنْ أجابَكَ وأخْصَبْنا صَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ، فَدَعا لَهم واسْتَسْقى فَسُقُوا وأُخْصِبُوا، فَنَقَضُوا ما قالُوهُ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ»، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ قال: استهزاء وتكذيب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: كل مكر في القرآن فهو عمل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ ﴾ ، قال ابن عباس وغيره: يعني كفار مكة (١) ﴿ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ يعني مطرًا وخصبًا وغنى من بعد قحط وبؤس وفقر، قال أهل المعاني: قيل: أذقناهم رحمة، على طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة (٢) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ﴾ ، قال عطاء وابن عباس: (قول بالتكذيب في آياتنا) (٣) وقال مجاهد: (استهزاء وتكذيب) (٤) (٥) وقال مقاتل (٦) قال أبو إسحاق: قوله تعالى: ﴿ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ ﴾ جواب الجزاء، وهذا كقوله: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ المعنى: وإن تصبهم سيئة قنطوا، ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ ﴾ (٧) (٨) (٩) بينما هن بالأراك معًا ...

إذ أتى راكب على جمله قال: وأكثر الكلام في هذا الموضع أن تطرح (إذ) كقوله (١٠) بينا تَبغّيه العشاء وطوفه ...

سقط العشاء به على سرحان (١١) وهذا الفصل يأتي مشروحًا في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ في سورة الروم إن شاء الله (١٢) وقوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ ، قال عطاء: أسرع نقمة (١٣) ﴿ أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ أن ما يأتيهم من العقاب (١٤) (١٥) (١٦)  وإبطال ما أتى به.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ وعيد لهم على المجازاة وبه (١٧) (١) رواه عن ابن عباس بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 221، وهو قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" 136 ب، وبه قال الثعلبي 7/ 10 أ، والبغوي 4/ 127، والنحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 284، وغيرهم، لكنهم لم يخصوا كفار مكة، بل قال أبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 136: وهذه وإن كانت في الكفار فهي تتناول من العاصين من لا يؤدي شكر الله عند زوال المكروه عنه، ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثير.

وسبقه إلى ذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 123.

(٢) لم أقف عليه.

(٣) رواه عن ابن عباس بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 221، ولم أعثر على مصدر قول عطاء، لكنّ أبا حيان قال في "البحر المحيط" 5/ 136: قاله جماعة.

(٤) رواه ابن جرير 11/ 99، وابن أبي حاتم 6/ 1938، والثعلبي 7/ 10 ب، والبغوي 4/ 127، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 542.

(٥) هكذا في جميع النسخ بالتذكير.

(٦) هو: ابن حيان كما في "تفسير الثعلبي" 7/ 10 ب، وابن الجوزي 4/ 18.

(٧) ألحق محقق "معاني القرآن" بالجملة قوله تعالى: ﴿ رَحْمَةً ﴾ وأشار إلى أنها زيادة يقتضيها السياق، وليست بالنسخ الخطية للكتاب.

(٨) اهـ.

كلام الزجاج، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 12.

(٩) هو: جميل بن معمر العذري، انظر: "ديوانه" ص 85، و"شرح شواهد المغني" 2/ 722، و"الأغاني" 8/ 99، و"خزانة الأدب" 8/ 58، 10/ 23، و"مغني اللبيب" ص 410، و"القاموس المحيط" (ما).

(١٠) هو: عبد الله بن عثمة الضبي كما في "الأيام والليالي والشهور" للفراء ص 62، "لسان العرب" (قمر) 6/ 3736، "شرح أبيات معاني القرآن" ص 377، ولصدر البيت رواية أخرى هي: أبلغ عثيمة أن راعي إبله ...

سقط ................

إلخ (١١) اهـ.

كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 459.

(١٢) اقتصر في هذا الموضع ما نصه: وإن تصبهم سيئة يعني شدة وبلاء، وبما قدمت أيديهم، أي بما عملوا من السيئات، إذا هم يقنطون (إذا) جواب الشرط، وهو مما يجاب به الشرط، قوله: (إذا هم يقنطون) في موضح قنطوا.

(١٣) لم أعثر على مصدر قوله.

(١٤) في (ى): (العذاب).

(١٥) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 542، ولعل القول لمقاتل بن حيان؛ إذ ليس موجودًا في "تفسير مقاتل بن سليمان".

(١٦) في (ح) و (ز): (في)، وهو خطأ.

(١٧) في (ى): (له).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ ﴾ هذه الآية من الكفار وتضمنت النهي لمن كان كذلك من غيرهم، والمكر هنا الطعن في آيات الله وترك شكره ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم سماه مكراً مشاكلة لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يمكرون ﴾ بياء الغيبة: سهل وروح.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ ينشركم ﴾ النون: ابن عامر ويزيد.

الباقون ﴿ يسيركم ﴾ من التسيير ﴿ متاع ﴾ بالنصب: حفص والمفضل.

الباقون بالرفع ﴿ قطعاً ﴾ بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب.

والآخرون بفتحها ﴿ تتلو ﴾ بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿ نبلو ﴾ بالنون ثم الباء الموحدة.

﴿ كل نفس ﴾ بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ﴿ كل ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ مكراً ﴾ ط، ﴿ تمكرون ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ في الفلك ﴾ ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، ﴿ أحيط بهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ دعوا ﴾ بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿ دعوا ﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه.

﴿ الدين ﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ط.

﴿ على أنفسكم ﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ ﴿ بغيكم ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ بالأمس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ السلام ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وزيادة ﴾ ط ﴿ ولا ذلة ﴾ ط، ﴿ الجنة ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بمثلها ﴾ لا لأن قوله ﴿ وترهقهم ﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة.

﴿ عاصم ﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ ﴿ عاصم ﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿ مظلماً ﴾ ط ﴿ أصحاب النار ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ وشركاؤكم ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغافلين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: ﴿ وإذا أذقنا ﴾ روي أنه  سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة.

وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة.

وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه.

قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.

وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد.

و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله: ﴿ إذا هم يسخطون  ﴾ وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال  ﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة  ﴾ .

واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر  ﴾ إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس.

ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ ينشركم ﴾ فكقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض  ﴾ قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله  وتعالى ، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار.

والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله  ، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: ﴿ والفلك التي تجري في البحر  ﴾ قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.

وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك على أنها جمع كما مر.

وثالثها فرحهم بها.

والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها ﴿ جاءتها ﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح.

وثانيها ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.

وثالثها ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك.

وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك.

وقرىء ﴿ في الفلكي ﴾ والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه.

قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: ﴿ وجرين بهم ﴾ إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله: ﴿ إياك نعبد  ﴾ دليل الرضا والتقريب.

قلت: هذا وجه حسن.

أما قوله: ﴿ دعوا الله مخلصين ﴾ فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.

وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.

وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله.

وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق  : ما الدليل على إثبات الصانع؟

فقال: أخبرني عن حرفتك.

فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟

فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.

قال جعفر الصادق  : هل وجدت في قلبك تضرعاً؟

فقال: نعم.

قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.

﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الشدة كما مر في الأنعام ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله  ببني قريظة.

قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا.

ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: ﴿ على أنفسكم ﴾ صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال  : "أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" وروي "اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين" .

وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.

قال  : ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثم ﴾ إلى ما وعدنا من المجازاة ﴿ مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت.

ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن ﴿ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ﴾ أي اشتبك بسبب هذا الماء ﴿ نبات الأرض ﴾ فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف.

﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر.

﴿ وازينت ﴾ أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل.

وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها ﴿ وظن أهلها ﴾ أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ متمكنون من تحصيل ريعها.

﴿ أتاها أمرنا ﴾ بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات.

﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ﴿ فجعلناها ﴾ أي زرعها ﴿ حصيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله.

﴿ كأن لم تغن ﴾ أي كأن الشأن لم يلبث زرعها ﴿ بالأمس ﴾ أي في زمان قريب.

يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به.

والأمس مثل في الوقت القريب.

هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب.

قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه.

وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت.

وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.

ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ في أحوال الآفاق والأنفس.

ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ ومثله ما روي عن النبي  أنه قال: "سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد  " وعنه  : "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية.

فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه  لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله  لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً.

وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم ﴿ تحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم  ﴾ ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله  وإرادته.

وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم.

وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى.

وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها.

وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله  لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية.

وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله  بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة.

أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة.

لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه.

والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة.

وعن علي  : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.

وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان.

وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.

هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ﴿ ولا يرهق ﴾ أي لا يغشى ﴿ وجوههم قتر ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ ولا ذلة ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.

ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ﴿ والذين ﴾ أي وجزاء الذين ﴿ كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ﴾ أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها.

ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي  : كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده *** قد أتاه الله بالفرج ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين.

والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: ﴿ كأنما أغشيت ﴾ أي ألبست ﴿ وجوههم قطعاً من الليل ﴾ من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و ﴿ مظلماً ﴾ صفته.

ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في ﴿ من الليل ﴾ أو ﴿ أغشيت ﴾ لأن قوله: ﴿ من الليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قطعاً ﴾ فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف.

واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة  ﴾ ولقوله بعدها ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والضمير عائد إلى ﴿ هؤلاء ﴾ .

ثم إنه وصفهم بالشرك.

وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة.

ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس.

وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق.

قال في الكشاف: ﴿ مكانكم ﴾ أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم.

وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب.

و ﴿ أنتم ﴾ لتأكيد الضمير في ﴿ مكانكم ﴾ لسده مسد قوله: "الزموا".

﴿ وشركاؤكم ﴾ عطف عليه.

﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا.

قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول.

وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد.

وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم.

ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: ﴿ مكانكم ﴾ ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء.

وقيل: هم الملائكة لقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ وقيل: كل من عبد من دون الله.

وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين.

وكيف تنطق هذه الأصنام؟

وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق.

ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟

الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط.

وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟

قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه.

وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل.

أما قول الشركاء ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: ﴿ فكفى بالله شهيداً ﴾ الآية.

ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور.

وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين.

وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم.

وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال.

و ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان.

﴿ تبلوا كل نفس ﴾ تختبر وتذوق ﴿ ما أسلفت ﴾ من العمل.

ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر.

ومن قرأ ﴿ تتلو ﴾ بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.

أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر.

﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الصادق ربوبيته ﴿ وضل عنهم ﴾ وضاع عنهم ﴿ ما كانوا ﴾ يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة.

والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك.

التأويل: ﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿ من بعد ضراء ﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول.

﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿ حتى إذا كنتم ﴾ في فلك جذبات العناية ﴿ وجرين بهم ﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿ وفرحوا ﴾ بالوصول والوصال ﴿ جاءتها ﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿ وجاءهم ﴾ موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ فلما أنجاهم ﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿ كماء أنزلناه ﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿ فاختلط به ﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿ أتاها ﴾ حكمنا الأزلي ﴿ ليلاً ﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿ أو نهاراً ﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة.

﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ بجذبات العناية ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله.

﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: أهل مكة إذا أصابهم سعة وفرح ونجاة مما يخافون عادوا إلى ما كانوا من التكذيب وعبادة الأصنام، ولكن أهل مكة وغيرهم أنهم إذا أيسوا عما يعبدون من الأصنام والأوثان، فزعوا إلى الله ويخلصون له الدين؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ الآية [العنكبوت: 65]، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً...

﴾ الآية [يونس: 12]، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ...

﴾ الآية [الروم: 33]، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها، كانت عادتهم الفزع إلى الله عند إصابتهم الشدائد والبلايا؛ لعلمهم أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لا يدفعون عنهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ : المكر في الآيات تكذيبها وردها، فيشبه أن تكون الآية هاهنا محمدا، كان هو من أول أمره إلى آخره آية، فمكروا به لما هموا بقتله غير مرة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، ويحتمل سائر الآيات والحجج مكروا فيها، أي: كذبوها وردوها.

﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾ : المكر الأخذ من غير أن يعلم هو به، يقول: الله أسرع أخذاً يأخذكم وأنتم لا تعلمون به، ولا تقدرون أن تأخذوا رسول الله وتمكروا به إلا وهو يعلم بذلك، فهو أسرع أخذا منكم.

﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ : فهم الحفظة.

ويحتمل قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾ أي: أسرع لجزاء المكر منكم، أو أسرع أخذاً من حيث لا تعلمون أنتم.

وقال بعض أهل اللغة: المكر بالآيات هو الرد والجحود لها.

وقال بعضهم: استهزاء بها؛ فهو واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ﴾ أي: هو الذي سخر لكم ما به تسيرون في البر والبحر، وهو الدواب والسفن التي يقطع بها البراري والبحار، وهو كقوله: ﴿ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ  ﴾ .

وقيل: قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ أي: سخر لكم البر والبحر وهما مكانا الخوف والهلاك، أي: حفظكم فيهما حتى قضيتم فيهما حوائجكم، وليس في وسع الخلق حفظ البراري والبحار عما فيهما من الأهوال، فتولى الله بفضله حفظ السائرين فيهما، حتى قضوا فيهما حوائجهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر من أنواع المنافع، فلولا أن الله سخر لهم ذلك وحفظهم فيه، وإلا لم يكن في وسعهم القيام بذلك وحفظ أنفسهم فيه من الأهوال التي فيه، يذكرهم نعمه ومننه التي أنعمها عليهم ليوجهوا شكر نعمه إليه.

ثم قوله: ﴿ يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ يحتمل يخلق وينشئ سيركم في البر والبحر؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ...

﴾ الآية [سبأ: 18]، والتقدير هو التخليق والمقدر المخلوق، ففيه دلالة خلق أفعال الخلق؛ لأن السير هو فعل الخلق أضافه إلى نفسه؛ دل أنه منشئ فعلهم، والله أعلم.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ لم [يرد] به البر والبحر نفسه، ولكنه أراد تذكير نعمه عليهم في كل حال وكل وقت ليشكروا له في كل حال؛ وهو كقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ لم يرد به البر والبحر أنفسهما، ولكن أراد المكان الذي فيه المياه والمكان الذي لا مياه فيه، أي: ظهر الفساد في الأماكن كلها؛ فعلى ذلك الأول يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم في الأماكن كلها والأحوال جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: ركبتم الفلك، ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ أي: تجري بهم السفن بريح طيبة.

يخبر أن السفن ليست تجري في البحار بجريان الماء؛ لأن ماءها [راكد] في الظاهر، ولكن الريح هي التي تجريها وتسيرها؛ وكذلك الأمواج التي تكون فيها ليست لشدة جريان الماء، ولكن الريح هي التي تهيج [الأمواج وتزعجها لا بنفس الماء ﴿ وَفَرِحُواْ بِهَا ﴾ قيل: فرحوا بها: سروا بها.

ويحتمل فرحوا بها، أي: بطروا بها وأشروا.

وقوله: ﴿ جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ ]، أخبر أن من الريح ما هي طيبة تجرى بها السفن، ومنها ما هي عاصفة قاصفة تكسر وتفرق السفن وتهلك أهلها؛ ليعلم أن الأشياء تصلح تارة وتفسد تارة لا لأنفسها، ولكن لحفظ الحدود فيها، وكذلك النار تحرق مرة وتفسد ومرة تصلح وذلك لحفظ الحدود فيها، وكذلك الماء مرة يصلح ومرة يفسد، وذلك إذا حفظ فيه الحد أصلح، وإن لم يحفظ أفسده، وإلا لا يحتمل الشيء الواحد لنفسه يصلح مرة ويفسد تارة، ولكن لحفظ الحدود فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ قيل: أيقنوا أنهم مهلكون، ولكن الإيقان بالشيء الذي يصيب به في حادث الأوقات إنما يكون بالخبر لأنه لا يدري لعل الله يصرف ذلك عنهم، فلا يقع به الإيقان، ولكن جعل غالب الظن فيه في كثير من الأشياء كالإيقان به ألا ترى أن الله أباح الميتة في حال الضرورة لغالب الظن؛ إذ قد يجوز ألا يهلك بذلك، وكذلك ما أبيح للمكره بالقتل أن يجري كلمة الكفر على لسانه لغالب الظن، وإلا ليس يعلم بالإحاطة أنه يقتله لا محالة، لكن جعل لغالب الظن في بعض المواضع حكم اليقين والإحاطة فعلى ذلك قولهم أيقنوا أنهم أحيط بهم لغالب الظن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : أنهم لما أيسوا عن الأصنام التي عبدوها في دفع ما حل بهم عنهم، فزعوا إلى الله، وأخلصوا الدعاء له، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، ثم أخبر عن سفههم بعودهم إلى ما كانوا من قبل، ﴿ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ ، وهكذا كانت عادتهم كانوا يفزعون إلى الله عند خوف الهلاك والإياس عن آلهتهم التي عبدوها، ويخلصون الدعاء له، فإذا كشف ذلك الكرب عنهم ودفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل.

والبغي في الأرض هو الفساد فيها.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: بعضكم على بعض.

ويحتمل: ﴿ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: حاصل بغيكم يرجع على أنفسكم.

والبغي هو الظلم؛ فإن كان التأويل: من أنفسكم بعضكم على بعض؛ فيكون الوعيد في قوله: ﴿ ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ما قد ذكرنا، وهو حرف وعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا أذقنا المشركين نعمة من مطر وخصب بعد جدب وبؤس أصابهم، إذا لهم استهزاء وتكذيب بآياتنا، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: الله أعجل مكرًا، وأسرع استدراجًا لكم وعقوبة، إن الحفظة من الملائكة يكتبون ما تُدَبِّرون من مكر، لا يفوتهم منه شيء، فكيف يفوت خالقَهم؟!

وسيجازيكم الله على مكركم.

<div class="verse-tafsir" id="91.B4qKk"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل