تفسير الآية ٣٦ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٣٦ من سورة يونس

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ٣٦

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣٦ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلا ولا برهانا ، وإنما هو ظن منهم ، أي : توهم وتخيل ، وذلك لا يغني عنهم شيئا ، ( إن الله عليم بما يفعلون ) تهديد لهم ، ووعيد شديد ؛ لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين إلا ظنا، يقول: إلا ما لا علم لهم بحقيقته وصحته، بل هم منه في شكٍّ وريبة (8) ، (إن الظن لا يغني من الحق شيئًا ) ، يقول: إن الشك لا يغني من اليقين شيئًا ، ولا يقوم في شيء مقامَه، ولا ينتفع به حيث يُحتاج إلى اليقين (9) ، (إن الله عليم بما يفعلون) ، يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بما يفعل هؤلاء المشركون ، من اتباعهم الظن ، وتكذيبهم الحق اليقين، وهو لهم بالمرصاد، حيث لا يُغني عنهم ظنّهم من الله شيئًا .

(10) ----------------------- الهوامش : (8) انظر تفسير " الظن " فيما سلف من فهارس اللغة ( ظنن ) .

(9) انظر تفسير " أغنى " فيما سلف 14 : 179 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(10) انظر تفسير " عليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( علم ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلونقوله تعالى وما يتبع أكثرهم إلا ظنا يريد الرؤساء منهم ; أي ما يتبعون إلا حدسا وتخريصا في أنها آلهة تشفع ، ولا حجة معهم .

وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدا .إن الظن لا يغني من الحق شيئا أي من عذاب الله ; فالحق هو الله .

وقيل الحق هنا اليقين ; أي ليس الظن كاليقين .

وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد .إن الله عليم بما يفعلون من الكفر والتكذيب ، خرجت مخرج التهديد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فإذا تبين أنه ليس في آلهتهم التي يعبدون مع الله أوصافا معنوية، ولا أوصافا فعلية، تقتضي أن تعبد مع الله، بل هي متصفة بالنقائص الموجبة لبطلان إلهيتها، فلأي شيء جعلت مع الله آلهة‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن هذا من تزيين الشيطان للإنسان، أقبح البهتان، وأضل الضلال، حتى اعتقد ذلك وألفه، وظنه حقًا، وهو لا شيء‏.‏ ولهذا قال‏:‏ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء أي‏:‏ ما يتبعون في الحقيقة شركاء لله، فإنه ليس لله شريك أصلا عقلًا ولا نقلاً، وإنما يتبعون الظن و‏{‏إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا‏}‏ فسموها آلهة، وعبدوها مع الله، ‏{‏إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ‏}‏ ‏.‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ‏}‏ وسيجازيهم على ذلك بالعقوبة البليغة‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ( وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ) منهم ، يقولون : إن الأصنام آلهة ، وإنها تشفع لهم في الآخرة ظنا منهم ، لم يرد به كتاب ولا رسول ، وأراد بالأكثر : جميع من يقول ذلك ، ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) أي : لا يدفع عنهم من عذاب الله شيئا .

وقيل : لا يقوم مقام العلم ، ( إن الله عليم بما يفعلون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما يتبع أكثرهم» في عبادة الأصنام «إلا ظنا» حيث قلدوا فيه آباءهم «إن الظن لا يُغني من الحق شيئا» فيما المطلوب منه العلم «إن الله عليم بما يفعلون» فيجازيهم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين في جعلهم الأصنام آلهة واعتقادهم بأنها تقرِّب إلى الله إلا تخرصًا وظنًا، وهو لا يغني من اليقين شيئًا.

إن الله عليم بما يفعل هؤلاء المشركون من الكفر والتكذيب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً .

.

.

) توبيخ آخر لهم على انقيادهم للأوهام والظنون ، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من إساءات .أى : إن هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوتك يا محمد ، لا يتبعون فى عقائدهم وعبادتهم لغير خالقهم سوى الظنون والأوهام التي ورثها الأبناء عن الآباء .وخص أكثرهم بالذكر ، لأن هناك قلة منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم ، ولكنهم لا يتبعونه عنادا وجحودا وحسدا ، كما قال - تعالى - ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ ) ويجوز أن يكون - سبحانه - خص أكثرهم بالذكر ، للإِشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق ، وستتبعه فى الوقت الذى يريده الله - تعالى .والتنكير فى قوله ( ظنا ) للتنويع ، أي لا يتبع أكثرهم إلا نوعا من الظن الواهي الذى لا يستند إلى دليل أو برهان .وقوله : ( إِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً ) استئناف مسوق لبيان شأن الظن وبطلانه .والمراد بالظن هنا : ما يخالف العلم واليقين ، والمراد بالحق : العلم والاعتقاد الصحيح المطابق للواقع .أى : إن الظن الفاسد المبنى على الأوهام لا يغني صاحبه شيئا من الإِغناء ، عن الحق الثابت الذى لاريب فى ثبوته وصحته .وقوله ( شيئا ) مفعول مطلق أى : لا يغني شيئا من الإِغناء ، ويجوز أن يكون مفعولا به على جعل يغني بمعنى يدفع .وقوله : ( إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ) تذييل قصد به التهديد والوعيد .أى : إن الله - تعالى - عليم بأقوالهم وأفعالهم ، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة ، وسينالهون ما يستحقونه من عقاب بسبب أقوالهم الباطلة .

وأفعالهم الفاسدة .قال صاحب المنار ما ملخصه : " استدل العلماء بهذه الآية على أن العلم اليقيني واجب فى الاعتقاديات ، ويدخل فى الاعتقاديات الإِيمان بأركان الإِسلام وغيرها من الفرائض والواجبات القطعية ، والإِيمان بتحريم المحظورات القطعية كذلك .

.

.أما ما دون العلم اليقيني مما لا يفيد إلا الظن فلا يؤخذ به فى الاعتقاد وهو متروك للاجتهاد فى الأعمال ، كاجتهاد الأفراد فى الأعمال الشخصية ، واجتهاد أولى الأمر فى الإدارة والسياسة ، مع التقيد بالشورى وتحري العدل .

.

" .وبعد أن ساقت السورة الكريمة ألوانا من البراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - ، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله تعالى ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن القرآن الكريم ، فتحدت أعداءه أن يأتوا بسورة مثله ، ووصفتهم بالجهالة وسفاهة الرأي ، وصورت أحوالهم ومواقفهم من دعوة الحق تصويرا بليغا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو الحجة الثالثة، واعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولاً، ثم بالهداية ثانياً، عادة مطردة في القرآن، فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ  ﴾ وعن موسى عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال: ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وأمر محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى  ٱلَّذِى خَلَقَ فَسَوَّىٰ  وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ  ﴾ وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وله روح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فهاهنا أيضاً لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى، وهو قوله: ﴿ أمَّنْ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ  ﴾ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية.

واعلم أن المقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى: ﴿ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ وهذا كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم، وأيضاً فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة، أما الأحوال الروحانية والمعارف الإلهية، فإنها كمالات باقية أبد الآباد مصونة عن الكون والفساد، فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى- حصول الهداية.

إذا ثبت هذا فنقول: العقول مضطربة والحق صعب، والأفكار مختلطة، ولم يسلم من الغلط إلا الأقلون، فوجب أن الهداية وإدراك الحق لا يكون إلا بإعانة الله سبحانه وتعالى وهدايته وإرشاده، ولصعوبة هذا الأمر قال الكليم عليه السلام بعد استماع الكلام القديم ﴿ رَبّ اشرح لِى صَدْرِى  ﴾ وكل الخلق يطلبون الهداية ويحترزون عن الضلالة، مع أن الأكثرين وقعوا في الضلالة، وكل ذلك يدل على أن حصول الهداية والعلم والمعرفة ليس إلا من الله تعالى.

إذا عرفت هذا فنقول: الهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، وإما أن تكون عبارة عن تحصيل تلك المعرفة وعلى التقديرين فقد دللنا على أنها أشرف المراتب البشرية وأعلى السعادات الحقيقية، ودللنا على أنها ليست إلا من الله تعالى.

وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك كان الاشتغال بعبادتها جهلاً محضاً وسفهاً صرفاً، فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال.

المسألة الثانية: قال الزجاج: يقال هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله: ﴿ قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق ﴾ .

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّى ﴾ ست قراءات: الأول: قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع ﴿ يَهْدِى ﴾ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء.

الثانية: قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها، فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في ﴿ يَخِصّمُونَ  ﴾ قال علي بن عيسى وهو غلط على نافع.

الثالثة: قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختياراً للتخفيف، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع.

الرابعة: قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فراراً من التقاء الساكنين، والجزم يحرك بالكسر.

الخامسة: قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع الكسرة للكسرة.

وقيل: هو لغة من قرأ ﴿ نستعين ونعبد ﴾ السادسة: قرأ حمزة والكسائي ﴿ مَّن يَهْدِى ﴾ ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي والعرب تقول: يهدي، بمعنى يهتدي يقال: هديته فهدى أي اهتدى.

المسألة الرابعة: في لفظ الآية إشكال، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية، فقوله: ﴿ أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يَهْدِي ﴾ لا يليق بها.

والجواب من وجوه: الأول: لا يبعد أن يكون المراد من قوله: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ هو الأصنام.

والمراد من قوله: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق ﴾ رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها.

والدليل عليه قوله سبحانه: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ  ﴾ والمراد أن الله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية.

وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى، فكان التمسك بدين الله تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال.

الوجه الثاني: في الجواب أن يقال: إن القوم لما اتخذوها آلهة، لا جرم عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ مع أنها جمادات وقال: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ  ﴾ فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم فكذا هاهنا وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل، وإن لم يكن الأمر كذلك.

الثالث: أنا نحمل ذلك على التقدير، يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال.

الرابع: أن البنية عندنا ليست شرطاً لصحة الحياة والعقل، فتلك الأصنام حال كونها خشباً وحجراً قابلة للحياة والعقل، وعلى هذا التقدير فيصح من الله تعالى أن يجعلها حية عاقلة ثم إنها تشتغل بهداية الغير.

الخامس: أن الهدى عبارة عن النقل والحركة يقال: هديت المرأة إلى زوجها هدى، إذا نقلت إليه والهدي ما يهدى إلى الحرم من النعم، وسميت الهدية هدية لانتقالها من رجل إلى غيره، وجاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله.

إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿ أَم مَّنْ لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يَهْدِى ﴾ يحتمل أن يكون معناه أنه لا ينتقل إلى مكان إلا إذا نقل إليه، وعلى هذا التقدير فالمراد الإشارة إلى كون هذه الأصنام جمادات خالية عن الحياة والقدرة.

واعلم أنه تعالى لما قرر على الكفار هذه الحجة الظاهرة قال: ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ يعجب من مذهبهم الفاسد ومقالتهم الباطلة أرباب العقول.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا ﴾ وفيه وجهان: الأول: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظناً، لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم، بل سمعوه من أسلافهم.

الثاني: وما يتبع أكثرهم في قولهم الأصنام آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن والقول الأول أقوى، لأنا في القول الثاني نحتاج إلى أن نفسر الأكثر بالكل.

ثم قال تعالى: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تمسك نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: العمل بالقياس عمل بالظن، فوجب أن لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ .

أجاب مثبتو القياس، فقالوا: الدليل الذي دل على وجوب العمل بالقياس دليل قاطع، فكان وجوب العمل بالقياس معلوماً، فلم يكن العمل بالقياس مظنوناً بل كان معلوماً.

أجاب المستدل عن هذا السؤال، فقال: لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه حكماً لله تعالى لكان ترك العمل به كفراً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون  ﴾ ولما لم يكن كذلك، بطل العمل به وقد يعدون عن هذه الحجة بأنهم قالوا: الحكم المستفاد من القياس إما أن يعلم كونه حكماً لله تعالى أو يظن أو لا يعلم ولا يظن والأول باطل وإلا لكان من لم يحكم به كافراً لقوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون  ﴾ وبالاتفاق ليس كذلك.

والثاني: باطل، لأن العمل بالظن لا يجوز لقوله تعالى: ﴿ إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا ﴾ والثالث: باطل، لأنه إذا لم يكن ذلك الحكم معلوماً ولا مظنوناً، كان مجرد التشهي، فكان باطلاً لقوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات  ﴾ .

وأجاب مثبتو القياس: بأن حاصل هذا الدليل يرجع إلى التمسك بالعمومات، والتمسك بالعمومات لا يفيد إلا الظن.

فلما كانت هذه العمومات دالة على المنع من التمسك بالظن، لزم كونها دالة على المنع من التمسك بها، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان متروكاً.

المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن كل من كان ظاناً في مسائل الأصول، وما كان قاطعاً، فإنه لا يكون مؤمناً.

فإن قيل: فقول أهل السنة أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم الكفر.

قلنا: هذا ضعيف من وجوه: الأول: مذهب الشافعي رحمه الله: أن الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، والشك حاصل في أن هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله تعالى؟

والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية.

الثاني: أن الغرض من قوله إن شاء الله بقاء الإيمان عند الخاتمة.

الثالث: الغرض منه هضم النفس وكسرها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ﴾ في قرارهم بالله ﴿ إِلاَّ ظَنّا ﴾ لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم ﴿ إَنَّ الظن ﴾ في معرفة الله ﴿ لاَ يُغْنِى مِنَ الحق ﴾ وهو العلم ﴿ شَيْئاً ﴾ وقيل: وما يتبع أكثرهم في قولهم للأصنام أنها آلهة وأنَّها شفعاء عند الله إلاّ الظنّ.

والمراد بالأكثر: الجميع ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ ﴾ وعيد على ما يفعلون من اتباع الظنّ وتقليد الآباء.

وقرئ: ﴿ تفعلون ﴾ بالتاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ، وهَدى كَما يُعَدّى بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ يُعَدّى بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةُ الهِدايَةِ وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ نَحْوَهُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ ولِذَلِكَ عَدّى بِها ما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى ﴾ أمِ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى مِن قَوْلِهِمْ: هُدِيَ بِنَفْسِهِ إذا اهْتَدى، أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ إلّا أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ وهَذا حالُ أشْرافِ شُرَكائِهِمْ كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ ﴿ يَهْدِي ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ.

ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ والأصْلُ يَهْتَدِي فَأُدْغِمَ وفَتَحَتِ الهاءُ بِحَرَكَةِ التّاءِ أوْ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ ﴿ يَهْدِي ﴾ بِإتْباعِ الياءِ الهاءَ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالإدْغامِ المُجَرَّدِ ولَمْ يُبالِ بِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ لِأنَّ المُدْغَمَ في حُكْمِ المُتَحَرِّكِ.

وعَنْ نافِعٍ بِرِوايَةِ قالُونَ مِثْلُهُ وقُرِئَ « إلّا أنْ يَهْدِيَ» لِلْمُبالَغَةِ ﴿ فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ بِما يَقْتَضِي صَرِيحُ العَقْلِ بُطْلانَهُ.

﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ ﴾ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ.

﴿ إلا ظَنًّا ﴾ مَسْتَنِدًا إلى خَيالاتٍ فارِغَةٍ وأقْيِسَةٍ فاسِدَةٍ كَقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ والخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ بِأدْنى مُشارَكَةٍ مَوْهُومَةٍ، والمُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ أوْ مَن يَنْتَمِي مِنهم إلى تَمْيِيزٍ ونَظَرٍ ولا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ الصِّرْفِ.

﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ ﴾ مِنَ العِلْمِ والِاعْتِقادِ الحِقِّ.

﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الإغْناءِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ و ﴿ مِنَ الحَقِّ ﴾ حالًا مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ في الأُصُولِ واجِبٌ والِاكْتِفاءَ بِالتَّقْلِيدِ والظَّنِّ غَيْرُ جائِزٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى اتِّباعِهِمْ لِلظَّنِّ وإعْراضِهِمْ عَنِ البُرْهانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ} في قولهم للأصنام إنها آلهة وإنها شفعاء عند الله والمراد بالأكثر الجميع {إِلاَّ ظَنّا} بغير دليل وهو اقتداؤهم بأسلافهم ظناً منهم إنهم مصيبون {إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق} وهو العلم {شَيْئاً} في موضع المصدر أي إغناء {إِنَّ الله عليم بما يفعلون} من اتباع

يونس (٣٧ _ ٣٩)

الظن وترك الحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ الأمْرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ سُوءِ إدْراكِهِمْ وعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِ ما أفْحَمَهم مِنَ البَراهِينِ النَّيِّرَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ أيْ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ إلّا ظَنًّا واهِيًا مُسْتَنِدًا إلى خَيالاتٍ فارِغَةٍ وأقْيِسَةٍ باطِلَةٍ كَقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ وقِياسِ الخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ بِأدْنى مُشارَكَةٍ مَوْهُومَةٍ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْلُكُوا مَسالِكَ الأدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ فَيَفْهَمُوا مَضْمُونَها ويَقِفُوا عَلى صِحَّتِها وبَطَلانِ ما يُخالِفُها فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ مُطْلَقُ الِانْقِيادِ الشّامِلِ لِما يُقارِنُ القَبُولَ والِانْقِيادَ وما لا يُقارِنُهُ وبِالقَصْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهم في أثْنائِهِ اتِّباعٌ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ والتِفاتٌ إلَيْهِ وتَنْكِيرُ ﴿ ظَنًّا ﴾ لِلنَّوْعِيَّةِ وفي تَخْصِيصِ هَذا الِاتِّباعِ بِالأكْثَرِ الإشارَةُ إلى أنَّ مِنهم مَن قَدْ يَتَّبِعُ فَيَقِفُ عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ لَكِنْ لا يَقْبَلُهُ مُكابَرَةً وعِنادًا ومُقْتَضى ما ذَكَرُوهُ في وجْهِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ بِأنْ يَنُوبَ عَنْهم في الجَوابِ مِن أنَّهُ الإشارَةُ إلى أنَّ لَجاجَهم وعِنادَهم يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ أنَّ فِيهِمْ مَن عَلِمَ وكانَ مُعانِدًا ولَعَلَّ النِّيابَةَ حِينَئِذٍ عَنِ الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ هَذا البَعْضِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم مُدَّةَ عُمْرِهِ إلّا ظَنًّا ولا يَتْرُكُونَهُ أبَدًا فَإنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدّاخِلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ بِحَسَبِ المَقامِ فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ هو الإذْعانُ والِانْقِيادُ والقَصْرُ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ وفي التَّخْصِيصِ تَلْوِيحٌ بِما سَيَكُونُ مِن بَعْضِهِمْ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ والتَّوْبَةِ وقِيلَ: المَعْنى وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ظَنًّا لِأنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلى بُرْهانٍ عِنْدَهم وقِيلَ: المَعْنى وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ إنَّها آلِهَةٌ وإنَّها شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا الظَّنُّ والأكْثَرُ بِمَعْنى الجَمِيعِ وهَذا كَما ورَدَ القَلِيلُ بِمَعْنى العَدَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ وفي قَوْلِهِ: قَلِيلُ التَّشَكِّي في المُصِيباتِ حافِظٌ مِنَ اليَوْمِ أعْقابَ الأحادِيثِ في غَدِ وحَمَلَ النَّقِيضَ عَلى النَّقِيضِ حُسْنٌ وطَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَمْلُ الأكْثَرِ عَلى الجَمِيعِ بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ أيْضًا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿ أكْثَرُهُمْ ﴾ لِلنّاسِ وحِينَئِذٍ يَجِبُ الحَمْلُ عَلى المُتَبادَرِ بِلا كُلْفَةٍ ﴿ إنَّ الظَّنَّ ﴾ مُطْلَقًا ﴿ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ فَكَيْفَ الظَّنُّ الفاسِدُ والمُرادُ مِنَ الحَقِّ العِلْمُ والِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ (وشَيْئًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ إغْناءٍ ما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ وفِيهِ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ في الِاعْتِقادِيّاتِ واجِبٌ وإنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ غَيْرُ صَحِيحٍ وإنَّما لَمْ يُؤْخَذْ عامًّا لِلْعَمَلِيّاتِ لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ التَّقْلِيدِ والِاكْتِفاءِ بِالظَّنِّ فِيها كَما قُرِّرَ في مَوْضِعِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ 36﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ ويَنْدَرِجُ فِيها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ البَراهِينِ القاطِعَةِ واتِّباعِ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا وقُرِئَ (تَفْعَلُونَ) بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، يعني: أصنامكم التي تعبدونها، هل يقدرون أن يخلقوا خلقاً من غير شيء، ثم يبعثونهم في الآخرة كما يفعل الله تعالى؟

فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، يعني: إن معبودكم لا يستطيع ذلك.

فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، يعني: من أين تكذبون؟

قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، يقول: هل يقدر أحد من آلهتكم أن يهدي إلى الحق، يقول: يدعو الخلق إلى الإسلام؟

فإن قالوا: لا.

قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، يعني: يدعو الخلق إلى الإسلام، ويوفق من كان أهلاً لذلك أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ، يقول: من يدعو إلى الحق أحق أن يعمل بأمره ويعبد؟

أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي طريقاً ولا يهتدي إِلَّا أَنْ يُهْدى، يعني: يمشي بنفسه إلا أن يحمل من مكان إلى مكان؟

قرأ نافع وأبو عمرو أَمَّنْ لاَّ يَهِدِّي بجزم الهاء وتشديد الدال، لأن أصله في اللغة: يهتدي، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه.

وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع في رواية ورش يهدي بنصب الهاء وتشديد الدال، لأن حركة التاء وقعت على الهاء وقرأ عاصم في رواية حفص يَهْدِى بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، لأنه لما اجتمع الساكنان حرك أحدهما بالكسر، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر يَهْدِى بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، فأتبع الكسرة الكسرة.

وقرأ حمزة والكسائي يَهْدِى بجزم الهاء وتخفيف الدال، ويكون معناه: لا يهتدي.

قال الكسائي: قوم من العرب يقول: هديت الطريق بمعنى اهتديت، فهذه خمس من القراءات في هذه الآية.

ثم قال: فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟

يعني: كيف تقضون لأنفسكم؟

يعني: تقولون قولاً ثم ترجعون عنه.

ويقال: فَما لَكُمْ كلام تام، فكأنه قيل لهم: فأي شيء لكم في عبادة الأوثان، ثم قيل لهم كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي على أي حال تحكمون؟

ويقال: معناه، كيف تعبدون آلهتكم بلا حجة، ولا تعبدون الله ولا توحّدونه بعد هذا البيان لكم؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ ...

الآية: يقول: فهذا الذي هذه صفاته ربُّكم الحَقُّ، أي: المستوجِبُ للعبادةِ والألوهيَّة، وإِذا كان كذلك، فتشريكُ غيره ضَلاَلٌ وغيرُ حقٍّ.

قال ع «١» : وعبارة القُرآن في سوق هذه المَعاني تفُوتُ كلَّ تفسيرٍ براعةً وإِيجازاً ووضوحاً، وحَكَمَتْ هذه الآيةُ بأنه ليس بَيْنَ الحَقِّ والضلال منزلةٌ ثالثةٌ في هذه المسألة التي هي توحيدُ اللَّه تعالَى، وكذلك هو الأمر في نظائرها مِنْ مسائل الأصول التي الحَقُّ فيها في طَرَفٍ واحدٍ لأن الكلام فيها إِنما في تقرير وجودِ ذاتٍ كَيْفَ هِيَ، وذلك بخلافِ مسائِلِ الفُرُوع التي قال اللَّه تعالَى فيها: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨] .

وقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ: تقرير كما قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التكوير: ٢٦] ثم قال: كَذلِكَ حَقَّتْ أي: كما كانَتْ صفاتُ اللَّه كما وَصَفَ، وعبادته واجبة كما تقرَّر، وانصراف هؤلاء كما قَدَّرَ عليهم، كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ...

الآية، وقرأ أبو عَمْرٍو «٢» وغيره: «كَلِمَةُ» على الإِفراد الذي يُرَادُ به الجَمْع كما يقال للقصيدة «كَلِمَةٌ» فَعَبَّر عن وعيدِ اللَّه تعالى ب «كلمة» .

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...

الآية توقيفٌ على قصور الأصنامِ وعَجْزِها، وتنبيهٌ على قدرة اللَّه عزَّ وجلّ، وتُؤْفَكُونَ: معناه:

تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، وأرضٌ مَأْفُوكَةٌ إِذا لم يصبها مطر، فهي بمعنى الخيبة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ ﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿ إلا ظَنًّا ﴾ أيْ: ما يَسْتَيْقِنُونَ أنَّها آلِهَةٌ، بَلْ يَظُنُّونَ شَيْئًا فَيَتَّبِعُونَهُ.

﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ أيْ: لَيْسَ هو كاليَقِينِ، ولا يَقُومُ مَقامَ الحَقِّ وقالَ مُقاتِلٌ: ظَنُّهم بِأنَّها آلِهَةٌ لا يَدْفَعُ عَنْهم مِنَ العَذابِ شَيْئًا، وقالَ غَيْرُهُ: ظَنُّهم أنَّها تَشْفَعُ لَهم لا يُغْنِي عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهْدِي إلا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا إنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ أيْضًا عَلى قُصُورِ الأصْنامِ وعَجْزِها، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَدْءِ الخَلْقِ يُرِيدُ بِهِ إنْشاءَ الإنْسانِ في أوَّلِ أمْرِهِ، وإعادَتُهُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ.

و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: "أرْضٌ مَأْفُوكَةٌ" إذا لَمْ يَصِبْها مَطَرٌ فَهي بِمَعْنى الخَيْبَةِ والقَلْبِ، كَما قالَ: ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي ﴾ الآيَةُ، ﴿ يَهْدِي إلى الحَقِّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ: يُبَيِّنُ طُرُقَ الصَوابِ ويَدْعُو إلى العَدْلِ ويُفْصِحُ بِالآياتِ ونَحْوِ هَذا.

ووَصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ، فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامَلَ -فِي العِبارَةِ عنها- مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مُجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "أمَّنْ لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ"، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: "أمَّنْ لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى" فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزُ كَثِيرٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هي عِبارَةٌ عن أنَّها لا تَنْتَقِلُ إلّا أنْ تُنْقَلَ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في اهْتِدائِها إلى مُناكَرَةِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما مَضى في هَذِهِ السُورَةِ.

وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ هي "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وَأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَهْدِّي" بِسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَهَدِّي" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وهَذِهِ أفْصَحُ القِراءاتِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ تاءِ "يَهْتَدِي" إلى الهاءِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ورْشٍ عن نافِعٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَهِدِّي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، أتْبَعَ الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يِهِدِّي" بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذا أيْضًا إتْباعٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: اللهُ يَهْدِي مِنَ الأوثانِ وغَيْرِها ما شاءَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَمارِيُّ: "إلّا أنْ يَهَدِّي" بِفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، ووَقَفَ القُرّاءُ عَلى: "فَما لَكُمْ"، ثُمَّ يَبْدَأُ "كَيْفَ تَحْكُمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ ﴾ إخْبارٌ عن فَسادِ طَرائِقِهِمْ وضَعْفِ نَظَرِهِمْ وأنَّهُ ظَنٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَةَ الظَنِّ مِنَ المَعارِفِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ.

والظَنُّ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَلى بابِهِ في أنَّهُ مُعْتَقَدُ أحَدِ جائِزَيْنِ لَكِنْ ثَمَّ مَيْلٌ إلى أحَدِهِما دُونَ حُجَّةٍ تُبْطِلُ الآخَرَ، وجَوازُ ما اعْتَقَدَهُ هَؤُلاءِ إنَّما هو بِزَعْمِهِمْ لا في نَفْسِهِ.

بَلْ ظَنُّهم مُحالٌ في ذاتِهِ.

والحَقُّ أيْضًا عَلى بابِهِ في أنَّهُ مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ.

وبِهَذِهِ الشُرُوطِ لا يُغْنِي الظَنُّ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.

وأمّا في طَرِيقِ الأحْكامِ الَّتِي تَعَبَّدَ الناسُ بِظَواهِرِها فَيُغْنِي الظَنُّ في تِلْكَ الحَقائِقِ ويُصْرَفُ مِن طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ.

والشَهادَةُ إنَّما هي مَظْنُونَةٌ.

وكَذَلِكَ التُهَمُ في الشَهاداتِ تُغْنِي.

ولَيْسَ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا النَمَطُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَفْعَلُونَ".

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ﴾ [يونس: 35] باعتبار عطف تلك على نظيرتيها المذكورتين قبلَها، فبعد أن أمر الله رسولَه بأن يحجهم فيما جعلوهم آلهة وهي لا تصرف ولا تدبير ولا هداية لها، أعقب ذلك بأن عبادتهم إياها اتّباع لظن باطل، أي لوهَم ليس فيه شبهة حق.

والضمير في قوله: ﴿ أكثرهم ﴾ عائد إلى أصحاب ضمير ﴿ شركائكم ﴾ [يونس: 35] وضمير ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ [يونس: 35].

وإنما عَمَّهم في ضمائر ﴿ شركائِكم وما لَكم كيف تحكمون ﴾ ، وخصّ بالحكم في اتِّباعهم الظن أكثرَهم، لأن جميع المشركين اتفقوا في اتباع عبادة الأصنام.

وبين هنا أنهم ليسوا سواء في الاعتقاد الباعث لهم على عبادتها إيماء إلى أن من بينهم عُقَلاء قليلين ارتقت مدارك أفهامهم فوق أن يعتقدوا أن للأصنام تصرفاً ولكنهم أظهروا عبادتها تبعاً للهوَى وحفظاً للسيادة بين قومهم.

والمقصود من هذا ليس هو تبرئة للذين عبدوا الأصنام عن غير ظن بإلهيتها فإنهم شر من الذين عبدوها عن تَخيل، ولكن المقصود هو زيادة الاستدلال على بطلان عبادتها حتى أن من عُبَّادها فريقاً ليسوا مطمئنين لتحقق إلهيتها.

وبالتأمل يظهر أن هؤلاء هم خاصة القوم وأهل الأحلام منهم لأن المقام مقام تخطئة ذلك الظن.

ففيه إيقاظ لجمهورهم، وفيه زيادة موعظة لخاصتهم ليقلعوا عن الاستمرار في عبادة ما لا تطْمئن إليه قلوبهم.

وهذا كقوله الآتي: ﴿ ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به ﴾ [يونس: 40].

والظن: يطلق على مراتب الإدراك، فيطلق على الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك، كما في قوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ﴾ [البقرة: 45، 46]؛ ويطلق على الاعتقاد المشوب بشك.

ويظهر أنه حقيقة في هذا الثاني وأنه مجاز في الأول لكنه في الأول شائع فصار كالمشترك.

وقد تقدم في سورة البقرة عند الكلام على الآية المذكورة.

ومنه قوله تعالى: ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ في سورة [الأعراف: 66]، وقوله: ﴿ وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ﴾ في سورة [براءة: 118].

وقد أطلق مجازاً على الاعتقاد المخطئ، كما في قوله تعالى: ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ [الحجرات: 12] وقول النبي عليه الصلاة والسلام إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث.

والظن كثر إطلاقه في القرآن والسنة على العلم المخطئ أو الجهل المركب والتخيلات الباطلة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وقد يطلق على الظن الحصيبي كقوله تعالى: ﴿ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ﴾ [النور: 12] وقوله تعالى: ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ [الحجرات: 12].

وهذا المعنى هو المصطلح عليه عند علماء أصول الدين وأصول الفقه.

وهو العلم المستند إلى دليل راجح مع احتمال الخطإ احتمالاً ضعيفاً.

وهذا الظن هو مناط التكليف بفروع الشريعة.

فوجه الجمع بين هذه المتعارضات إعمال كل في مورده اللائق به بحسب مقامات الكلام وسياقه، فمحمل قوله هنا: ﴿ إن الظن لا يغني مِن الحق شيئاً ﴾ أن العلم المشوب بشك لا يغني شيئاً في إثبات الحق المطلوب وذلك ما يطلب فيه الجزم واليقينُ من العلوم الحاصلة بالدليل العقلي لأن الجزم فيها ممكن لمن أعمل رأيه إعمالاً صائباً إذ الأدلة العقلية يحصل منها اليقين، فأما ما طريق تحصيله الأدلة الظاهرة التي لا يتأتى اليقين بها في جميع الأحوال فذلك يكتفي فيه بالظن الراجح بعد إعمال النظر وهو ما يسمى بالاجتهاد.

و ﴿ ظناً ﴾ منصوب على المفعولية به ل ﴿ يتبع ﴾ .

ولما كان الظن يقتضي مظنوناً كان اتباع الظن اتباعاً للمظنون أي يتبعون شيئاً لا دليل عليه إلا الظن، أي الاعتقاد الباطل.

وتنكير ﴿ ظناً ﴾ للتحقير، أي ظناً واهياً.

ودلت صيغة القصر على أنهم ليسوا في عقائدهم المنافية للتوحيد على شيء من الحق رداً على اعتقادهم أنهم على الحق.

وجملة: ﴿ إن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ تعليل لما دل عليه القصر من كونهم ليسوا على شيء من الحق فكيف يزعمون أنهم على الحق.

والحق: هو الثابت في نفس الأمر.

والمراد به هنا معرفة الله وصفاته مما دل عليها الدليل العقلي مثل وجوده وحياته، وما دل عليها فعل الله مثلُ العلم والقدرة والإرادة.

و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، أي لا يغني شيئاً من الإغناء.

و ﴿ مِن ﴾ للبدلية، أي عوضاً عن الحق.

وجملة: ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ استئناف للتهديد بالوعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا ﴾ هم رُؤَساؤُهم.

﴿ إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ في الظَّنِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَنزِلَةٌ بَيْنَ اليَقِينِ والشَّكِّ، ولَيْسَتْ يَقِينًا ولَيْسَتْ شَكًّا.

الثّانِي: إنَّ الظَّنَّ ما تَرَدَّدَ بَيْنَ الشَّكِّ واليَقِينِ وكانَ مَرَّةً يَقِينًا ومَرَّةً شَكًّا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كذلك حقت كلمة ربك ﴾ يقول: سبقت كلمة ربك.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ كذلك حقت ﴾ يقول: صدقت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: هم الرؤساء، وأما السفلة فلا يعلمون شيئًا إلا ما قالت (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا ظَنًّا ﴾ يعني: ما يستيقنون أنها آلهة.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ قيل: لا يغني من عذاب الله شيئاً، ولا يدفع شيئًا من العذاب (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ ، قال (٥) (٦) (١) في (ح): (قال).

(٢) لم أقف عليه.

(٣) هذا قول مقاتل في "تفسيره" 140 ب بمعناه، وابن عباس في رواية الكلبي كما في "تنوير المقباس" ص 213.

(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 547، عن عطاء.

(٥) يعني ابن عباس، وانظر القول في "تنوير المقباس" ص 213 بمعناه.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ الآية: احتجاج على الكفار، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق، وهم لا يعترفون بها؟

فالجواب، أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على الابتداء ولا على الإعادة، وفي ذلك إبطال لربوبيتهم، وأيضاً فوضعت الإعادة موضع المتفق عليه لظهور برهانها ﴿ أَمَّن لاَّ يهدي ﴾ بتشديد الدال معناه: لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره، وقرئ بالتخفيف بمعنى يهدي غيره والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج ﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ ما استفهامية معناها تقرير وتوبيخ ولكم خبرها ويوقف عليه ﴿ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أي تحكمون بالباطل في عبادتكم لغير الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يمكرون ﴾ بياء الغيبة: سهل وروح.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ ينشركم ﴾ النون: ابن عامر ويزيد.

الباقون ﴿ يسيركم ﴾ من التسيير ﴿ متاع ﴾ بالنصب: حفص والمفضل.

الباقون بالرفع ﴿ قطعاً ﴾ بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب.

والآخرون بفتحها ﴿ تتلو ﴾ بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿ نبلو ﴾ بالنون ثم الباء الموحدة.

﴿ كل نفس ﴾ بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ﴿ كل ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ مكراً ﴾ ط، ﴿ تمكرون ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ في الفلك ﴾ ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، ﴿ أحيط بهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ دعوا ﴾ بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿ دعوا ﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه.

﴿ الدين ﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ط.

﴿ على أنفسكم ﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ ﴿ بغيكم ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ بالأمس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ السلام ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وزيادة ﴾ ط ﴿ ولا ذلة ﴾ ط، ﴿ الجنة ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بمثلها ﴾ لا لأن قوله ﴿ وترهقهم ﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة.

﴿ عاصم ﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ ﴿ عاصم ﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿ مظلماً ﴾ ط ﴿ أصحاب النار ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ وشركاؤكم ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغافلين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: ﴿ وإذا أذقنا ﴾ روي أنه  سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة.

وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة.

وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه.

قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.

وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد.

و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله: ﴿ إذا هم يسخطون  ﴾ وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال  ﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة  ﴾ .

واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر  ﴾ إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس.

ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ ينشركم ﴾ فكقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض  ﴾ قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله  وتعالى ، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار.

والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله  ، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: ﴿ والفلك التي تجري في البحر  ﴾ قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.

وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك على أنها جمع كما مر.

وثالثها فرحهم بها.

والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها ﴿ جاءتها ﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح.

وثانيها ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.

وثالثها ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك.

وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك.

وقرىء ﴿ في الفلكي ﴾ والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه.

قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: ﴿ وجرين بهم ﴾ إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله: ﴿ إياك نعبد  ﴾ دليل الرضا والتقريب.

قلت: هذا وجه حسن.

أما قوله: ﴿ دعوا الله مخلصين ﴾ فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.

وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.

وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله.

وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق  : ما الدليل على إثبات الصانع؟

فقال: أخبرني عن حرفتك.

فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟

فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.

قال جعفر الصادق  : هل وجدت في قلبك تضرعاً؟

فقال: نعم.

قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.

﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الشدة كما مر في الأنعام ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله  ببني قريظة.

قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا.

ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: ﴿ على أنفسكم ﴾ صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال  : "أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" وروي "اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين" .

وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.

قال  : ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثم ﴾ إلى ما وعدنا من المجازاة ﴿ مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت.

ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن ﴿ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ﴾ أي اشتبك بسبب هذا الماء ﴿ نبات الأرض ﴾ فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف.

﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر.

﴿ وازينت ﴾ أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل.

وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها ﴿ وظن أهلها ﴾ أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ متمكنون من تحصيل ريعها.

﴿ أتاها أمرنا ﴾ بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات.

﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ﴿ فجعلناها ﴾ أي زرعها ﴿ حصيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله.

﴿ كأن لم تغن ﴾ أي كأن الشأن لم يلبث زرعها ﴿ بالأمس ﴾ أي في زمان قريب.

يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به.

والأمس مثل في الوقت القريب.

هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب.

قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه.

وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت.

وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.

ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ في أحوال الآفاق والأنفس.

ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ ومثله ما روي عن النبي  أنه قال: "سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد  " وعنه  : "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية.

فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه  لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله  لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً.

وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم ﴿ تحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم  ﴾ ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله  وإرادته.

وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم.

وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى.

وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها.

وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله  لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية.

وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله  بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة.

أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة.

لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه.

والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة.

وعن علي  : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.

وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان.

وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.

هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ﴿ ولا يرهق ﴾ أي لا يغشى ﴿ وجوههم قتر ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ ولا ذلة ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.

ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ﴿ والذين ﴾ أي وجزاء الذين ﴿ كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ﴾ أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها.

ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي  : كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده *** قد أتاه الله بالفرج ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين.

والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: ﴿ كأنما أغشيت ﴾ أي ألبست ﴿ وجوههم قطعاً من الليل ﴾ من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و ﴿ مظلماً ﴾ صفته.

ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في ﴿ من الليل ﴾ أو ﴿ أغشيت ﴾ لأن قوله: ﴿ من الليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قطعاً ﴾ فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف.

واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة  ﴾ ولقوله بعدها ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والضمير عائد إلى ﴿ هؤلاء ﴾ .

ثم إنه وصفهم بالشرك.

وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة.

ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس.

وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق.

قال في الكشاف: ﴿ مكانكم ﴾ أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم.

وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب.

و ﴿ أنتم ﴾ لتأكيد الضمير في ﴿ مكانكم ﴾ لسده مسد قوله: "الزموا".

﴿ وشركاؤكم ﴾ عطف عليه.

﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا.

قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول.

وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد.

وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم.

ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: ﴿ مكانكم ﴾ ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء.

وقيل: هم الملائكة لقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ وقيل: كل من عبد من دون الله.

وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين.

وكيف تنطق هذه الأصنام؟

وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق.

ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟

الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط.

وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟

قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه.

وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل.

أما قول الشركاء ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: ﴿ فكفى بالله شهيداً ﴾ الآية.

ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور.

وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين.

وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم.

وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال.

و ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان.

﴿ تبلوا كل نفس ﴾ تختبر وتذوق ﴿ ما أسلفت ﴾ من العمل.

ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر.

ومن قرأ ﴿ تتلو ﴾ بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.

أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر.

﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الصادق ربوبيته ﴿ وضل عنهم ﴾ وضاع عنهم ﴿ ما كانوا ﴾ يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة.

والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك.

التأويل: ﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿ من بعد ضراء ﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول.

﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿ حتى إذا كنتم ﴾ في فلك جذبات العناية ﴿ وجرين بهم ﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿ وفرحوا ﴾ بالوصول والوصال ﴿ جاءتها ﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿ وجاءهم ﴾ موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ فلما أنجاهم ﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿ كماء أنزلناه ﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿ فاختلط به ﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿ أتاها ﴾ حكمنا الأزلي ﴿ ليلاً ﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿ أو نهاراً ﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة.

﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ بجذبات العناية ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله.

﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ...

﴾ الآية: يحاجهم يعني: أهل مكة في التوحيد [والربوبية وكأن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة في التوحيد] لأنها مكية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: من ينزل لكم الرزق من السماء، ومن يستخرج لكم الرزق من الأرض.

والثاني: من يرزقكم من السماء والأرض أي ومن يدبر الرزق في السماء، ومن يدبر الرزق في الأرض، لا أحد يملك استنزال الرزق من السماء، واستخراج الرزق من الأرض؛ وكذلك لا أحد يملك تدبيره في السماء والأرض سواه، ولا أحد يملك إنشاء السمع والبصر، ولا أحد أيضاً يملك إخراج الحي من الميت ولا إخراج الميت من الحي ولا تدبير الأمر، لا يعرفون حقيقة ماهية السمع والبصر ولا كيفيتهما، فكيف يملكون إنشاء السمع والبصر ونصبهما، ولا [يملك أحد] سواه إصلاح ما ذكر إذا فسد ذلك، فأقروا له أنه لا يملك أحد سوى الله ذلك، وهو قولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ \[يقول: والله أعلم -: إذا عرفتم وأقررتم أنه لا يملك ما ذكر سواه وعرفتم أن له السلطان والقدرة على ذلك أفلا تتقون\] بوائقه ونقمته، [أو يقول: أفلا تتقون عبادة غيره دونه، وإشراك غيره في ألوهيته وربوبيته]، أو يقول: أفلا تتقون صرف شكره إلى غيره وقد أقررتم أنه هو المنعم عليكم بهذه النعم لا من تعبدون دونه.

أو يقول - والله أعلم -: إذا عرفتم ذلك أفلا تتقون مخالفته وعصيانه، فإذا أقروا أن الذي يملك تدبير ما بين السماء والأرض هو الذي له السماوات والأرض عرفوا الذي يستحق العبادة والقيام بشكره، فإذا ضيعوا ذلك جمعهم على اسم الضلال؛ فذلك قوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ ﴾ .

وقوله  : ﴿ فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: ذلكم الذي ذكر ربكم بالحجج والبراهين، فماذا بعد الحق الذي هو حق بالحجج والبراهين إلا الضلال؟!

لأن ما لا حجج له ولا براهين فهو ضلال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ﴾ : عن عبادته إلى عبادة غيره، أو فأنى تصرفون عن شكر المنعم، إلى شكر غير المنعم.

أو يقول: فأنى تعدلون من لا يملك ما ذكر بمن يملك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ حقت: وجبت، وقيل: كذلك حقت كلمة ربك على الذين ختموا بالفسق أنهم لا يؤمنون، أي: لا ينتفعون بإيمانهم بعد ذلك.

وقوله: ﴿ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ تحتمل وجهين: تحتمل كلمة ربك [مواعيد ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون فإن كان على هذا فهو في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.

ويحتمل كلمة ربك] حجج ربك وبراهينه على الذين فسقوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ثم يعيده: البعث بعد الموت، أي: لا أحد من شركائكم الذين تعبدون يملك بدء الخلق ولا بعثه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل البعث؛ لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، فلا يحتمل الاحتجاج عليهم بذلك، ولكن قوله: ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ما سوى البشر؛ لأنهم إنما ينكرون إعادة البشر، فأما إعادة غيره من الأشياء لا ينكرونه؛ نحو إعادة الليل والنهار، وإعادة الإنزال والنبات، ونحو الأشياء التي يشاهدونها، أي: ثم يعيد مثله: الليل ليلا مثله، والنهار نهارا مثله؛ وكذلك الخلائق تفنى ثم يعيد مثله، فإذا ثبت في غير البشر ثبت في البشر.

ويحتمل الأمرين جميعاً عندنا البعث وأشياء مثله؛ لأنه تعليم منه لهم، ألا ترى أنه قال: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ قيل: تكذبون بتوحيد الله، وقد عرفتم أنه هو بدأ الخلق ثم هو يعيده، لا أحد يملك ذلك، ألا ترى أنه احتج عليهم ما يلزمهم ذلك بقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [البقرة: 28].

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ يدعو إلى الحق فإذا كان هؤلاء الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، فلا يملكون الضر والنفع، ومن الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو [إلى] نفع، فهؤلاء دون الخلائق جميعاً؛ إذ لا يملكون الدعاء، فكيف يملكون [الضرّ والنفع]؟!

يبين عز وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام؛ لعلمهم أنهم لا يملكون نفعاً ولا ضرّاً.

ويحتمل قوله: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يبين ويقيم الدلائل والبراهين على [عدم] استحقاق العبادة لهم، فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم، فكيف يملكون نصب الدلائل والحجج على استحقاق العبادة؟!

﴿ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ : أخبر أن الله هو الذي يهدي للحق.

ثم يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا: هو يملك الدعاء إلى الحق ويقيموا الدلائل والحجج على ما دعا إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية.

﴿ أَفَمَن يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ ﴾ : الذي يبين البراهين والحجج، ﴿ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ ﴾ أي: لا يبين، ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ ، فإن قيل: ما معنى الاستثناء وهو وإن هدي لا يهتدي؟

قيل: يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ  ﴾ ينطقهم الله - عز وجل - يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم يأمروهم بالعبادة لهم ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لما أن يجعلهم الله بحيث يهتدون إذا هدوا ويجيبون إذا دعوا.

﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ : بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيۤ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ قال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء وإن هدي، ولكن المراد منه الإنسان.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ ﴾ إلا أن يحمل الصنم ويوضع، فأما أن يهتدي هو بنفسه فلا، لكن يحتمل ما ذكرنا أنه إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق وأذن له في النطق احتمل الإجابة والاهتداء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ قال بعضهم: هذا في الأئمة والرؤساء منهم حيث عبدوا الأصنام والأوثان وقالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك من القول؛ يقول: ما يتبع أكثرهم في عبادتهم الأصنام بأنهم يكونون لهم شفعاء عند الله إلا ظنا ظنوه.

وقال بعضهم: هذا في الأتباع والعوام ليس في الأئمة؛ ذلك أن الأئمة قد عرفوا البراهين والحجج التي قامت عليهم والآيات التي جاء بها رسول الله  ، لكن ما قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ونحو ذلك من الكلام، أرادوا أن يلبسوا على العوام ويشبهوا عليهم، فاتبع العوام الأئمة فيما قالوا وأنه كذا وصدقوهم؛ يقول: وما يتبع أكثرهم الأئمة في ذلك إلا ظنّاً ظنوا.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ﴾ يعني: أهل مكة [أي ما يتبع أكثر أهل مكة] الأوائل والأسلاف في عبادة الأصنام والأوثان.

﴿ إِلاَّ ظَنّاً ﴾ لأنهم عبدوا الأصنام ويقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 23] وآباؤنا كذلك يفعلون، ثم أخبر أن الظن لا يغني من الحق شيئاً، أي: الظن لا يدرك به الحق إنما يدرك الحق باليقين، ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ وهو حرف وعيد ليكونوا أبدا على حذر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما يتبع معظم المشركين إلا ما لا علم لهم به، فما يتبعون إلا وهمًا وشكًّا، إن الشك لا يقوم مقام العلم، ولا يغني عنه، إن الله عليم بما يفعلونه، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، وسيجازيهم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.1rN5Y"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد