الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٧ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٧ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزل إليهم من القرآن العظيم على رسوله الكريم : ( ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ) أي : زاجر عن الفواحش ، ( وشفاء لما في الصدور ) أي : من الشبه والشكوك ، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس ، ( وهدى ورحمة ) أي : محصل لها الهداية والرحمة من الله تعالى .
وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه ، كما قال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] ، وقال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) [ فصلت : 44 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لخلقه: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم) ، يعني : ذكرى تذكركم عقابَ الله وتخوّفكم وعيده (4) ، (من ربكم)، يقول: من عند ربكم ، لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يفتعلها أحد، فتقولوا: لا نأمن أن تكون لا صحةَ لها.
وإنما يعني بذلك جلّ ثناؤه القرآن، وهو الموعظة من الله.
وقوله: (وشفاء لما في الصدور)، يقول: ودواءٌ لما في الصدور من الجهل، يشفي به الله جهلَ الجهال، فيبرئ به داءهم ، ويهدي به من خلقه من أراد هدايته به ، (وهدى)، يقول: وهو بيان لحلال الله وحرامه، ودليلٌ على طاعته ومعصيته ، (ورحمة)، يرحم بها من شاء من خلقه، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى، وينجيه به من الهلاك والردى.
وجعله تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين به دون الكافرين به، لأن من كفر به فهو عليه عمًى، وفي الآخرة جزاؤه على الكفر به الخلودُ في لظًى.
---------------------- الهوامش : (4) انظر تفسير " الموعظة " فيما سلف 8 : 528 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنينقوله تعالى يا أيها الناس يعني قريشا قد جاءتكم موعظة أي وعظ .من ربكم يعني القرآن ، فيه مواعظ وحكم وشفاء لما في الصدور أي من الشك والنفاق والخلاف ، والشقاق وهدى أي ورشدا لمن اتبعه .ورحمة أي نعمة .
للمؤمنين خصهم لأنهم المنتفعون بالإيمان ; والكل صفات القرآن ، والعطف لتأكيد المدح .
قال الشاعر :إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
يقول تعالى ـ مرغبًا للخلق في الإقبال على هذا الكتاب الكريم، بذكر أوصافه الحسنة الضرورية للعباد فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: تعظكم، وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله، المقتضية لعقابه وتحذركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها. {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} وهو هذا القرآن، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة. وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن، أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه. وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرفها الله غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين. وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} فالهدى هو العلم بالحق والعمل به. والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين. وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور.
قوله تعالى : ( ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة ) تذكرة ، ( من ربكم وشفاء لما في الصدور ) أي : دواء للجهل ، لما في الصدور .
أي : شفاء لعمى القلوب ، والصدر : موضع القلب ، وهو أعز موضع في الإنسان لجوار القلب ، ( وهدى ) من الضلالة ، ( ورحمة للمؤمنين ) والرحمة هي النعمة على المحتاج ، فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا لا يقال قد رحمه ، وإن كان ذلك نعمة لأنه لم يضعها في محتاج .
«يا أيها الناس» أي أهل مكة «قد جاءتكم موعظة من ربكم» كتاب فيه ما لكم وما عليكم وهو القرآن «وشفاء» دواء «لما في الصدور» من العقائد الفاسدة والشكوك «وهدى» من الضلال «ورحمة للمؤمنين» به.
يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم تذكِّركم عقاب الله وتخوفكم وعيده، وهي القرآن وما اشتمل عليه من الآيات والعظات لإصلاح أخلاقكم وأعمالكم، وفيه دواء لما في القلوب من الجهل والشرك وسائر الأمراض، ورشد لمن اتبعه من الخلق فينجيه من الهلاك، جعله سبحانه وتعالى نعمة ورحمة للمؤمنين، وخصَّهم بذلك؛ لأنهم المنتفعون بالإيمان، وأما الكافرون فهو عليهم عَمَى.
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس ، أمرهم فيه بالانتفاع بما اشتمل عليه القرآن الكريم ، من خيرات وبركات فقال - تعالى - : ( ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ) .والموعظة معناها : التذكير بالتزام الحق والخير ، واجتناب الباطل والشر ، بأسلوب يلين القلوب ، ويرقق النفوس .والشفاء : هو الدواء الشافي من كل ما يؤذى ، ويجمع على أشفيه .والهدى : هو الإِرشاد والدلالة بلطف إلى ما يوصل إلى المقصد والبغية ، والرحمة معناها الإِحسان ، أن إرادة الإِحسان .والمعنى : يا أيها الناس قد جاءكم من الله - تعالى - كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من موعظة حسنة ترق لها القلوب ، وتخشع لها النفوس .
وتصلح بها الأخلاق ومن شفاء لأمراض صدوركم .
ومن هداية لكل إلى طريق الحق والخير ، ومن رحمة للمؤمنين ترفعهم إلى أعلى الدرجات وتكفر ما حدث منهم من سيئات .وجاء هذا الإِرشاد والتوجيه عن طريق النداء ، استمالة لهم إلى الحق بألطف أسلوب ، وأكمل بيان ، حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويتنبهوا من غفلتهم .ووصفت الموعظة بأنها من ربكم ، لتذكيرهم بما يزيدهم تعظيما وقبولا ، لأنها لم تصدر عن مخلوق تحتمل توجيهاته الخطأ والصواب ، وإنما هي صادرة من خالق النفوس ومربيها ، العليم بما يصلحها ويشفيها .وقيد الرحمة بأنها للمؤمنين ، لأنهم هم المستحقون لها ، بسبب إيمانهم وتقواهم .قال الآلوسى ما ملخصه : " واستدل بالآية على أن القرآن يشفى من الأمراض البدنية كما يشفى من الأمراض القلبية ، فقد أخرج ابن مردوية عن أبى سعيد الخدرى قال : " جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إنى اشتكى صدرى ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : " اقرأ القرآن ، يقول الله - تعالى - شفاء لما فى الصدور " " .وأخرج البيهقي في الشعب عن وائلة بن الأسقع أن رجلا شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وجع حلقه ، فقال له : " عليك بقراءة القرآن " .وأنت تعلم أن الاستدلال بهذه الآية على ذلك مما لا يكاد يسلم ، والخبر الثانى لا يدل عليه ، إذ ليس فيه أكثر من أمره - صلى الله عليه وسلم - الشاكى بقراءة القرآن إرشادا له إلى ما ينفعه ويزول به وجعه .ونحن لا ننكر أن لقراءة بركة ، قد يذهب الله بسببها الأمراض والأوجاع ، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك .والخبر الأول وإن كان ظاهرا فى المقصود ، لكن ينبغى تأويله ، كأن يقال : لعله - صلى الله عليه وسلم - اطعل على أن فى صدر الرجل مرضا معنويا قلبيا ، قد صار سببا للمرض الحسي والبدني ، فأمره - صلى الله عليه وسلم - بقراءة القرآن ليزول عنه الأول فيزول الثاني .والحسن البصري ينكر كون القرآن شفاء للأمراض ، فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال : " إن الله - تعالى - جعل القرآن شفاء لما فى الصدور ، ولم يجعله شفاء لأمراضكم ، والحق ما ذكرناه " .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء عليهم السلام أمران: الأول: أن نقول إن هذا الشخص قد ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك، فهو رسول من عند الله حقاً وصدقاً، وهذا الطريق مما قد ذكره الله تعالى في هذه السورة وقرره على أحسن الوجوه في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ وقد ذكرنا في تفسير هذه الآية ما يقوي الدين ويورث اليقين ويزيل الشكوك والشبهات ويبطل الجهالات والضلالات.
وأما الطريق الثاني فهو أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو؟
فكل من جاء ودعا الخلق إليهم وحملهم عليه وكانت لنفسه قوة قوية في نقل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الاعتقاد الباطل إلى الاعتقاد الحق، ومن الأعمال الداعية إلى الدنيا إلى الأعمال الداعية إلى الآخرة فهو النبي الحق الصادق المصدق، وتقريره: أن نفوس الخلق قد استولى عليها أنواع النقص والجهل وحب الدنيا، ونحن نعلم بعقولنا أن سعادة الإنسان لا تحصل إلا بالاعتقاد الحق والعمل الصالح، وحاصله يرجع إلى حرف واحد وهو أن كل ما قوى نفرتك عن الدنيا ورغبتك في الآخرة فهو العمل الصالح وكل ما كان بالضد من ذلك فهو العمل الباطل والمعصية، وإذا كان الأمر كذلك كانوا محتاجين إلى إنسان كامل، قوي النفس، مشرق الروح، علوي الطبيعة، ويكون بحيث يقوى على نقل هؤلاء الناقصين من مقام النقصان إلى مقام الكمال، وذلك هو النبي.
فالحاصل أن الناس أقسام ثلاثة: الناقصون والكاملون الذين لا يقدرون على تكميل الناقصين، والقسم الثالث هو الكامل الذي يقدر على تكميل الناقصين، فالقسم الأول هو عامة الخلق، والقسم الثاني هم الأولياء، والقسم الثالث هم الأنبياء، ولما كانت القدرة على نقل الناقصين من درجة النقصان إلى درجة الكمال مراتبها مختلفة ودرجاتها متفاوتة، لا جرم كانت درجات الأنبياء في قوة النبوة مختلفة.
ولهذا السر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل».
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنه تعالى لما بين صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بطريق المعجزة، ففي هذه الآية بين صحة نبوته بالطريق الثاني، وهذا الطريق طريق كاشف عن حقيقة النبوة معرف لماهيتها، فالاستدلال بالمعجز هو الذي يسميه المنطقيون برهان الآن، وهذا الطريق هو الطريق الذي يسمونه برهان اللم، وهو أشرف وأعلى وأكمل وأفضل.
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف القرآن في هذه الآية بصفات أربعة: أولها: كونه موعظة من عند الله.
وثانيها: كونه شفاء لما في الصدور.
وثالثها: كونه هدى.
ورابعها: كونه رحمة للمؤمنين.
ولا بد لكل واحد من هذه الصفات من فائدة مخصوصة فنقول: إن الأرواح لما تعلقت بالأجساد كان ذلك التعلق بسبب عشق طبيعي وجب للروح على الجسد، ثم إن جوهر الروح التذ بمشتهيات هذا العالم الجسداني وطيباته بواسطة الحواس الخمس وتمرن على ذلك وألف هذه الطريقة واعتادها.
ومن المعلوم أن نور العقل إنما يحصل في آخر الدرجة، حيث قويت العلائق الحسية والحوادث الجسدانية، فصار ذلك الاستغراق سبباً لحصول العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة في جوهر الروح، وهذه الأحوال تجري مجرى الأمراض الشديدة لجوهر الروح، فلابد لها من طبيب حاذق، فإن من وقع في المرض الشديد، فإن لم يتفق له طبيب حاذق يعالجه بالعلاجات الصائبة مات لا محالة، وإن اتفق أن صادفه مثل هذا الطبيب، وكان هذا البدن قابلاً للعلاجات الصائبة فربما حصلت الصحة وزال السقم.
إذا عرفت هذا فنقول: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كالطبيب الحاذق، وهذا القرآن عبارة عن مجموع أدويته التي بتركيبها تعالج القلوب المريضة.
ثم إن الطبيب إذا وصل إلى المريض فله معه مراتب أربعة: المرتبة الأولى: أن ينهاه عن تناول ما لا ينبغي ويأمره بالاحتراز عن تلك الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض، وهذا هو الموعظة فإنه لا معنى للوعظ إلا الزجر عن كل ما يبعد عن رضوان الله تعالى، والمنع عن كل ما يشغل القلب بغير الله.
المرتبة الثانية: الشفاء وهو أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة الموجبة للمرض، فكذلك الأنبياء عليهم السلام إذا منعوا الخلق عن فعل المحظورات صارت ظواهرهم مطهرة عن فعل ما لا ينبغي فحينئذ يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة، وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى ﴾ وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض، فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهراً عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت.
والمرتبة الثالثة: حصول الهدى، وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد المرتبة الثانية، لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها».
وأيضاً فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل في حق الحق ممتنع، فالمنع في حقه ممتنع، فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية، إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة، وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور، فإذا زالت تلك الأحوال، فقد زال العائق فلابد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية، ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى، فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت، وأول هذه المرتبة هو قوله: ﴿ يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة ارجعى إلى رَبّكِ ﴾ وأوسطها قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّواْ إِلَى الله ﴾ وآخرها قوله: ﴿ قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾ ومجموعها قوله: ﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والارض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الامر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى، وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه: ﴿ وهدى ﴾ .
وأما المرتبة الرابعة: فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى، لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام، لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس هو الذي يكون وجهه مقابلاً لوجه الشمس، فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه، فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين، لم تنتفع بأنوارهم، ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة، وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس، فلا جرم يبقى خالص الظلمة، فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها، وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة، والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات، وأبعد النهايات، فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة، فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره ولا تقديم ما تأخر ذكره، ولما نبه الله تعالى في هذه الآية على هذه الأسرار العالية الآلهية قال: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ والمقصود منه الإشارة إلى ما قرره حكماء الإسلام من أن السعادات الروحانية أفضل من السعادات الجسمانية وقد سبق في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبالغة في تقرير هذا المعنى فلا فائدة في الإعادة انتهى.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ وتقديره: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم يقول مرة أخرى: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ والتكرير للتأكيد.
وأيضاً قوله: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يفيد الحصر، يعني يجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك.
واعلم أن هذا الكلام يدل على أمرين: أحدهما: أنه يجب أن لا يفرح الإنسان بشيء من الأحوال الجسمانية، ويدل عليه وجوه: الأول: أن جماعة من المحققين قالوا: لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق أن يفرح به.
والثاني: أن بتقدير أن تكون هذه اللذات صفات ثبوتية، لكنها معنوية من وجوه: الأول: أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها ألا ترى أن أقوى اللذات الجسمانية لذة الوقاع، ولا شك أن الالتذاذ بها أقل مرتبة من الاستضرار بألم القولنج وسائر الآلام القوية.
والثاني: أن مداخل اللذات الجسمانية قليلة، فإنه لا سبيل إلى تحصيل اللذات الجسمانية إلا بهذين الطريقين أعني لذة البطن والفرج.
وأما الآلام: فإن كل جزء من أجزاء بدن الإنسان معه نوع آخر من الآلام، ولكل نوع منها خاصية ليست للنوع الآخر.
والثالث: أن اللذات الجسمانية لا تكون خالصة ألبتة بل تكون ممزوجة بأنواع من المكاره، فلو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب النفس في مقدماتها وفي لواحقها لكفى.
الرابع: أن اللذات الجسمانية لا تكون باقية، فكلما كان الالتذاذ بها أكثر كانت الحسرات الحاصلة من خوف فواتها أكثر وأشد، ولذلك قال المعري: إن حزنا في ساعة الموت أضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فمن المعلوم أن الفرح الحاصل عند حدوث الولد لا يعادل الحزن الحاصل عند موته.
الخامس: أن اللذات الجسمانية حال حصولها تكون ممتنعة البقاء، لأن لذة الأكل لا تبقى بحالها، بل كما زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ولا يمكن استبقاء تلك اللذة.
السادس: أن اللذات الجسمانية التذاذ بأشياء خسيسة، فإنها التذاذ بكيفيات حاصلة في أجسام رخوة سريعة الفساد مستعدة للتغير، فأما اللذات الروحانية فإنها بالضد في جميع هذه الجهات، فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل، وأما الفرح الكامل فهو الفرح بالروحانيات والجواهر المقدسة وعالم الجلال ونور الكبرياء.
والبحث الثاني: من مباحث هذه الآية أنه إذا حصلت اللذات الروحانية فإنه يجب على العاقل أن لا يفرح بها من حيث هي هي، بل يجب أن يفرح بها من حيث إنها من الله تعالى وبفضل الله وبرحمته، فلهذا السبب قال الصديقون: من فرح بنعمة الله من حيث إنها تلك النعمة فهو مشرك، أما من فرح بنعمة الله من حيث إنها من الله كان فرحه بالله، وذلك هو غاية الكمال ونهاية السعادة فقوله سبحانه: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يعني فليفرحوا بتلك النعم لا من حيث هي هي، بل من حيث إنها بفضل الله وبرحمة الله، فهذه أسرار عالية اشتملت عليها هذه الألفاظ التي ظهرت من عالم الوحي والتنزيل، هذا ما تلخص عندنا في هذا الباب، أما المفسرون فقالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن.
وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله.
المسألة الرابعة: قرئ ﴿ فلتفرحوا ﴾ بالتاء، قال الفراء: وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال: معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي ﴿ فَبِذَلِكَ فافرحوا ﴾ والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضاً وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلاً فجعله عيباً إلا أن ذلك هو الأصل، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بعض المشاهد: لتأخذوا مصافكم يريد به خذوا، هذا كله كلام الفراء.
وقرئ ﴿ تجمعون ﴾ بالتاء ووجهه أنه تعالى عنى المخاطبين والغائبين إلا أنه غلب المخاطب على الغائب كما يغلب التذكير على التأنيث، فكأنه أراد المؤمنين هكذا قاله أهل اللغة وفيه دقيقة عقلية وهو أن الإنسان حصل فيه معنى يدعوه إلى خدمة الله تعالى وإلى الاتصال بعالم الغيب ومعارج الروحانيات، وفيه معنى آخر يدعوه إلى عالم الحس والجسم واللذات الجسدانية، وما دام الروح متعلقاً بهذا الجسد، فإنه لا ينفك عن حب الجسد، وعن طلب اللذات الجسمانية، فكأنه تعالى خاطب الصديقين العارفين، وقال: حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل الله ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل الله ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ ﴾ أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد ﴿ و ﴾ هو ﴿ شِفَآء ﴾ أي دواء ﴿ لِّمَا فِي ﴾ صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به منكم.
وأصل الكلام: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط؛ كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما.
ويجوز أن يراد: بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا.
ويجوز أن يراد: قد جاءتكم موعطة بفضل الله وبرحمته، فبذلك: فبمجيئها فليفرحوا.
وقرئ: ﴿ فلتفرحوا ﴾ بالتاء وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي.
وعنه: «لتأخذوا مصافكم» قالها في بعض الغزوات.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ فافرحوا ﴾ ﴿ هُوَ ﴾ راجع إلى ذلك.
وقرئ: ﴿ مما تجمعون ﴾ بالياء والتاء.
وعن أبيّ بن كعب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ فقال: «بكتاب الله والإسلام» وقيل: (فضله) الإسلام (ورحمته) ما وعد عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِلْحِكْمَةِ العَمَلِيَّةِ الكاشِفَةِ عَنْ مَحاسِنِ الأعْمالِ ومَقابِحِها المُرَغِّبَةِ في المَحاسِنِ والزّاجِرَةِ عَنِ المَقابِحِ، والحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ الَّتِي هي شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الشُّكُوكِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ وهُدًى إلى الحَقِّ واليَقِينِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ فَنَجَوْا بِها مِن ظُلُماتِ الضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ، وتَبَدَّلَتْ مَقاعِدُهم مِن طَبَقاتِ النِّيرانِ بِمَصاعِدَ مِن دَرَجاتِ الجِنانِ، والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ.
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ بِإنْزالِ القُرْآنِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ تَقْدِيرُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَعْتَنُوا أوْ فَلْيَفْرَحُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والبَيانُ بَعْدَ الإجْمالِ وإيجابُ اخْتِصاصِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ بِالفَرَحِ أوْ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ قَدْ جاءَتْكُمْ ﴾ ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِهِ أيْ فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا والفاءُ بِمَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فِيهِما فَلْيَفْرَحُوا أوْ لِلرَّبْطِ بِما قَبْلَها، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الكِتابِ الجامِعِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ مُوجِبٌ لِلْفَرَحِ وتَكْرِيرُها لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: وَإذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فاجْزَعِي وعَنْ يَعْقُوبَ « فَلْتَفْرَحُوا» بِالتّاءِ عَلى الأصْلِ المَرْفُوضِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « فافْرَحُوا» .
﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا فَإنَّها إلى الزَّوالِ قَرِيبٌ وهو ضَمِيرُ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَجْمَعُونَ بِالتّاءِ عَلى مَعْنى فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ فَهو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَهُ أيُّها المُخاطَبُونَ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الناس قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ} أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد والموعظة التى تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب فما في القرآن من الأوامر والنواهي داع إلى كل مرغوب وزاجر عن كل مرهوب إذ الامر يقتضى حسن الأمور به فيكون مرغوبا وهو يقتضي النهي عن ضده وهو قبيح وعلى هذا فى النهى {وشفاء لما في الصدور} اة صدوركم من العقائد الفاسدة {وهدى} من الضلالة {ورحمة} المؤمنين لمن آمن به منكم
﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ التِفاتٌ ورُجُوعٌ إلى اسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِهِ واتِّباعِهِ غَبَّ تَحْذِيرِهِمْ مِن غَوائِلِ الضَّلالِ بِما تَلا عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ وإيذانٌ بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِمَصالِحِهِمْ وهَذا وجْهُ الرَّبْطِ بِما تَقَدَّمَ وقالَ أبُو حِبّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الأدِلَّةَ عَلى الأُلُوهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والطَّرِيقَ المُؤَدِّيَ إلَيْها وهو المُتَّصِفُ بِهَذِهِ الأوْصافِ والأوَّلُ أوْلى ولا يَأْباهُ عُمُومُ الخِطابِ كَما هو الظّاهِرُ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ خِلافًا لِمَن جَعَلَهُ خاصًّا بِقُرَيْشٍ والمَوْعِظَةُ كالوَعْظِ والعِظَةُ تَذْكِيرُ ما يُلَيِّنُ القَلْبَ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وقِيلَ: زَجْرٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ والشِّفاءُ الدَّواءُ ويُجْمَعُ عَلى أشْفِيَةٍ وجَمْعُ الجَمْعِ أشافِيُّ والهُدى مَعْلُومٌ مِمّا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ والرَّحْمَةُ الإحْسانُ أوْ إرادَتُهُ أوْ صِفَةُ غَيْرِهِما لائِقَةٌ بِمَن قامَتْ بِهِ و ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْعِظَةٌ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مَوْعِظَةٍ مِن مَواعِظِ رَبِّكم و ﴿ لِما ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ واللّامُ مُقَوِّيَةٌ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لَهُ وكَذا يُقالُ عَلى ما قِيلَ فِيما بَعْدُ والمُرادُ قَدْ جاءَكم كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ والمَنافِعِ كاشِفٌ عَنْ أحْوالِ الأعْمالِ حَسَناتِها وسَيِّئاتِها مُرَغِّبٌ في الأُولى ورادِعٌ عَنِ الأُخْرى ومُبَيِّنٌ لِلْمَعارِفِ الحَقَّةِ المُزِيلَةِ لِأدْواءِ الشُّكُوكِ وسُوءِ مِزاجِ الِاعْتِقادِ وهادٍ إلى طَرِيقِ الحَقِّ واليَقِينِ بِالإرْشادِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ نَجَوْا بِهِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ وتَخَلَّصُوا مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ وارْتَقَوْا إلى دَرَجاتِ الجِنانِ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ مَراتِبَ كَمالٍ مَن تَمَسَّكَ بِالقُرْآنِ فازَ بِها أحَدُها تَهْذِيبُ الظّاهِرِ عَنْ فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي وإلْيِهِ الإشارَةُ (بِالمَوْعِظَةِ) بِناءً عَلى أنَّ فِيها الزَّجْرَ عَنِ المَعاصِي وثانِيها تَهْذِيبُ الباطِنِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمَلَكاتِ الرِّدْيَةِ وإلَيْهِ الإشارَةُ (بِشِفاءٍ لِما في الصُّدُورِ) وثالِثُها تَحَلِّي النَّفْسِ بِالعَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلّا بِالهُدى ورابِعُها تَجَلِّي أنْوارِ الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ وتَخْتَصُّ بِالنُّفُوسِ الكامِلَةِ المُسْتَعِدَّةِ بِما حَصَلَ لَها مِنَ الكَمالِ الظّاهِرِ والباطِنِ لِذَلِكَ وقالَ الإمامُ: المَوْعِظَةُ إشارَةٌ إلى تَطَهُّرِ ظَواهِرِ الخَلْقِ عَمّا لا يَنْبَغِي وهو الشَّرِيعَةُ والشِّفاءُ إلى تَطَهُّرِ الأرْواحِ عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ وهو الطَّرِيقَةُ والهُدى إلى ظُهُورِ الحَقِّ في قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ وهو الحَقِيقَةُ والرَّحْمَةُ إلى بُلُوغِ الكَمالِ والإشْراقِ حَتّى يُكْمِلَ غَيْرَهُ ويُفِيضَ عَلَيْهِ وهو النُّبُوَّةُ والخِلافَةُ فَهَذِهِ دَرَجاتٌ لا يُمْكِنُ فِيها تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ ولا يَخْفى أنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا والَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ كَوْنُ المَذْكُوراتِ أوْصافًا لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ سَبَبًا وآلَةً لَها وجُعِلَتْ عَيْنَهُ مُبالَغَةً وبَيْنَها تَلازُمٌ في الجُمْلَةِ والتَّنْكِيرُ فِيها لِلتَّفْخِيمِ والهِدايَةُ إنْ أُخِذَتْ بِمَعْنى الدَّلالَةِ مُطْلَقًا فَعامَّةٌ أوْ بِمَعْنى الدَّلالَةِ المَوْصُولَةِ فَخاصَّةٌ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ﴿ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قَيْدُ الأمْرَيْنِ ويُؤَيِّدُ تَقْيِيدَ الهُدى بِذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فالقُرْآنُ واعِظٌ بِما فِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ أوْ بِما فِيهِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ المَعاصِي كَيْفَما كانَتِ المُقْتَرَنَ بِالتَّخْوِيفِ فَقَطْ بِناءً عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلْمَوْعِظَةِ وشافٍ لِما في الصُّدُورِ مِنَ الأدْواءِ المُفْضِيَةِ إلى الهَلاكِ كالجَهْلِ والشَّكِّ والشِّرْكِ والنِّفاقِ وغَيْرِها ومُرْشِدٌ بِبَيانِ ما يَلِيقُ وما لا يَلِيقُ إلى ما فِيهِ النَّجاةُ والفَوْزُ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ أوْ مُوَصِّلٌ إلى ذَلِكَ وسَبَبُ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وامْتَثَلُوا ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ وأمّا إذا ارْتُكِبَ خِلافُ الظّاهِرِ فَيُقالُ غَيْرُ ما قِيلَ أيْضًا مِمّا سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في بابِ الإشارَةِ واسْتُدِلَّ كَما قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يَشْفِي مِنَ الأمْراضِ البَدَنِيَّةِ كَما يَشْفِي مِنَ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اقْرَأِ القُرْآنَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَعَ حَلْقِهِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ» .
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِها عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَسْلَمُ والخَبَرُ الثّانِي لا يَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشّاكِيَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ إرْشادًا لَهُ إلى ما يَنْفَعُهُ ويَزُولُ بِهِ وجَعُهُ ونَحْنُ لا نُنْكِرُ أنَّ لِقِراءَةِ القُرْآنِ بَرَكَةً قَدْ يَذْهَبُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِها الأمْراضَ والأوْجاعَ وإنَّما نُنْكِرُ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ذَلِكَ والخَبَرُ الأوَّلُ وإنْ كانَ ظاهِرًا في المَقْصُودِ لَكِنْ يَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ كَأنْ يُقالَ: لَعَلَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اطَّلَعَ عَلى أنَّ في صَدْرِ الرَّجُلِ مَرَضًا مَعْنَوِيًّا قَلْبِيًّا قَدْ صارَ سَبَبًا لِلْمَرَضِ الحِسِّيَّ البَدَنِيِّ فَأمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِراءَةِ القُرْآنِ لِيَزُولَ عَنْهُ الأوَّلُ فَيَزُولُ الثّانِي ولا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُ بَعْضِ الأمْراضِ القَلْبِيَّةِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِبَعْضِ الأمْراضِ القالَبِيَّةِ فَإنّا نَرى أنَّ نَحْوَ الحَسَدِ والحِقْدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ ومِن كَلامِهِمْ لِلَّهِ تَعالى دَرُّ الحَسَدِ ما أعْدَلَهُ بَدَأ بِصاحِبِهِ فَقَتَلَهُ: وهَذا أوْلى مِن إخْراجِ الكَلامِ مَخْرَجَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ يُنْكِرُ كَوْنَ القُرْآنِ شِفاءً لِلْأمْراضِ فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم والحَقُّ ما ذَكَرْنا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكَّة، ويقال: جميع النَّاس، قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: نهياً من ربِّكم عن الشِّرك على لسان نبيّكم ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ يعني: القرآن شفاء للقلوب من الشِّرك.
ويقال: شفاء من العمى، لأن فيه بيان الحلال والحرام وَهُدىً من الضلالة، ويقال: صواباً، وبياناً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني: القرآن نعمة من الله تعالى على المؤمنين، يمنع العذاب عمّن آمن، وعمل بما فيه.
قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ، يعني: قل يا مُحمَّد للمؤمنين: بفضل الله والإسلام وَبِرَحْمَتِهِ القرآن.
وروي عن ابن عباس: «أنه بِفَضْلِ اللَّهِ يعني القرآن، وَبِرَحْمَتِهِ الإسلام» ، يعني: بنعمته عليكم إذ أكرمكم بالإسلام والقرآن، وهكذا قال أبو سعيد الخِدْرِيّ.
وقال الضَّحَّاك، ومجاهد: بفضل القرآن، وبرحمته الإسلام.
وقال مقاتل: بفضل الله الإسلام، وبرحمته القرآن.
وعن الحسن مثله وقال القُتَبِيّ مثله.
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا يعني: بالقرآن والإيمان هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الأموال.
قرأ ابن عامر: فبذلك فلتفرحوا هو خير ممّا تجمعون بالتاء كلاهما على معنى المخاطبة وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ: هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى اتباع شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى/ الآية: قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس: بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل: كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله: لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠] وفي قوله: لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] .
قيل: إِن الفرح إِذا ورد مقيَّداً في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّداً في شرٍّ، أو مطلقاً لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه.
وقوله: مِمَّا يَجْمَعُونَ: يريد: مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المردي في الآخرة.
وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ...
الآية.
قال ص: أَرَأَيْتُمْ: مضمَّن معنى: أَخْبِروني، و «ما» موصولة.
قال ع «٢» : هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله: أَنْزَلَ: لفظةً فيها تجوّز.
وقوله: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ آية وعيدٍ- لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها أنهم مفترون على اللَّه- عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ الافتراء، أي: ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع الافتراء والعصيان إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تعمّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي قُرَيْشًا.
﴿ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ وَشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ ﴾ أيْ: دَواءٌ لِداءِ الجَهْلِ.
﴿ وَهُدًى ﴾ أيْ: بَيانٌ مِنَ الضَّلالَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةٌ خُوطِبَ بِها جَمِيعُ العالَمِ، والمَوْعِظَةُ: القُرْآنُ لِأنَّ الوَعْظَ إنَّما هو بِقَوْلٍ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَزْجُرُ ويُرَقِّقُ ويُوعِدُ ويَعِدُ، وهَذِهِ صِفَةُ الكِتابِ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ يُرِيدُ: لَمْ يَخْتَلِقْها مُحَمَّدٌ ولا غَيْرُهُ، بَلْ هي مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و ﴿ لِما في الصُدُورِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجَهْلَ والعُتُوَّ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ونَحْوِ هَذا مِمّا يُدافِعُ الإيمانَ، وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ الناسِ جَمِيعًا، وجَعْلُهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ، وهَذا تَفْسِيرٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تُؤُمِّلَ بانَ وجْهُهُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ اسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَهُدًى ورَحْمَةٌ ﴾ .
قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ وهو هِلالُ بْنُ يَسافَ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: الإسْلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَضْلُ: مُحَمَّدٌ ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ عِنْدِي لِشَيْءٍ مِن هَذا التَخْصِيصِ إلّا أنْ يَسْتَنِدَ مِنهُ شَيْءٌ إلى النَبِيِّ ، وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللهِ تَعالى إلى دِينِهِ، والتَوْفِيقُ إلى اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرَحْمَةُ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى التَشَرُّعِ بِالإسْلامِ والإيمانِ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ الناسِ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكُمْ، لا بِأُمُورِ الدُنْيا وما يَجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهُمْ: فَلْتَفْرَحُوا، وهم مُتَلَبِّسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُحَصِّلُونَ لِفَضْلِ اللهِ مُنْتَظِرُونَ الرَحْمَةَ.
والكافِرُونَ يُقالُ لَهُمْ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْتَفْرَحُوا، عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكُمْ، أو لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ القَعْقاعِ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ -عَلى ما زَعَمَ هارُونُ- ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ : "فَلْتَفْرَحُوا"، و"تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ كَبِيرَةٍ، وعن أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما.
وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ- وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ في الأُولى وبِالتاءِ في الآخِرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ بِالياءِ في الأُولى وفي الآخِرَةِ، ورُوِيَتْ عن أبِي التَيّاحِ.
وإذا تَأمَّلْتَ وُجُوهَ ذَلِكَ بانَتْ عَلى مَهِيعِ الفَصِيحِ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ الخِلافُ مِن كُلِّ قارِئٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا"، وأمّا مَن قَرَأ: "فَلْتَفْرَحُوا"، فَأدْخَلَ اللامَ في أمْرِ المُخاطَبِ فَذَلِكَ عَلى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ: الأصْلُ في كُلِّ أمْرٍ إدْخالُ اللامِ إذا كانَ النَهْيُ بِحَرْفٍ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ إذا كانَ أمْرًا لِغائِبٍ بِلامٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: إلّا أنَّ العَرَبَ رَفَضَتْ إدْخالَ اللامِ في أمْرِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ تَرْدادِهِ.
وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، والحَسَنُ بِكَسْرِ اللامِ مِن "فَلْتَفْرَحُوا"، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ اللهُ بِالفَرَحِ في هَذِهِ الآيَةِ؟
وقَدْ ورَدَ ذَمُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّ الفَرَحَ إذا ورَدَ مُقَيَّدًا في خَيْرٍ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ورَدَ مُقَيَّدًا في شَرٍّ أو مُطْلَقًا لَحِقَهُ ذَمٌّ إذْ لَيْسَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ عَلى الإنْسانِ حُزْنُهُ عَلى ذَنْبِهِ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يُرِيدُ: مِن مالِ الدُنْيا وحُطامِها الفانِي المُؤْذِي في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف أو اعتراض، يجوز أن يكون لابتداء غرض جديد وهو خطاب جميع الناس بالتعريف بشأن القرآن وهديه، بعد أن كان الكلام في جدال المشركين والاحتجاج عليهم بإعجاز القرآن على أنه من عند الله وأن الآتي به صادق فيما جاء به من تهديدهم وتخويفهم من عاقبة تكذيب الأمم رُسلَها، وما ذيل به ذلك من الوعيد وتحقيق ما توعدوا به، فالكلام الآن منعطف إلى الغرض المفتتح بقوله: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله إلى قوله: ولو كانوا لا يبصرون ﴾ [يونس: 37 43].
فعاد الكلام إلى خطاب جميع الناس لما في القرآن من المنافع الصالحة لهم، والإشارة إلى اختلافهم في مقدار الانتفاع به، ولذلك كان الخطاب هنا عاماً لجميع الناس ولم يأت فيه ما يقتضي توجيهه لخصوص المشركين من ضمائر تعود إليهم أو أوصاف لهم أو صلات موصول.
وعلى هذا الوجه فليس في الخطاب ب ﴿ يأيّها الناس ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمعنى أن القرآن موعظة لجميع الناس وإنما انتفع بموعظته المؤمنون فاهتدوا وكان لهم رحمة.
ويجوز أن يكون خطاباً للمشركين بناء على الأكثر في خطاب القرآن ب ﴿ يأيها الناس ﴾ فيكون ذكر الثناء على القرآن بأنه هدًى ورحمة للمؤمنين إدماجاً وتسجيلاً على المشركين بأنهم حَرموا أنفسهم الانتفاع بموعظة القرآن وشفائه لما في الصدور، فانتفع المؤمنون بذلك.
وافتتاح الكلام ب ﴿ قد ﴾ لتأكيده، لأن في المخاطبين كثيراً ممن ينكر هذه الأوصاف للقرآن.
والمجيء: مستعمل مجازاً في الإعلام بالشيء، كما استعمل للبلوغ أيضاً، إلا أن البلوغ أشهر في هذا وأكثر، يُقال: بلغني خبر كذا، ويقال أيضاً: جاءني خبر كذا أو أتاني خبر كذا.
وإطلاق المجيء عليه في هذه الآية أعز.
والمراد بما جاءهم وبلغهم هو ما أنزل من القرآن وقرئ عليهم، وقد عبر عنه بأربع صفات هي أصول كماله وخصائصه وهي: أنه موعظة، وأنه شفاء لما في الصدور، وأنه هدى، وأنه رحمةٌ للمؤمنين.
والموعظة: الوعظ، وهو كلام فيه نصح وتحذير مما يضر.
وقد مضى الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ في سورة [النساء: 63]، وعند قوله تعالى: ﴿ موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ في سورة [الأعراف: 145].
ووصفها ب من ربكم } للتنبيه على أنها بالغة غاية كمال أمثالها.
والشفاء تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ويشف صدور قوم مؤمنين ﴾ في سورة [براءة: 14].
وحقيقته: زوال المرض والألم، ومجازه: زوال النقائص والضلالات وما فيه حرج على النفس، وهذا هو المراد هنا.
والمراد بالصدور النفوس كما هو شائع في الاستعمال.
والهدى تقدم في قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ في طالع سورة [البقرة: 2]، وأصله: الدالة على الطريق الموصل إلى المقصود.
ومجازه: بيان وسائل الحصول على المنافع الحقة.
والرحمة تقدمت في تفسير البسملة.
وقد أومأ وصف القرآن بالشفاء إلى تمثيل حال النفوس بالنسبة إلى القرآن، وإلى ما جاء به بحال المعتل السقيم الذي تغير نظام مزاجه عن حالة الاستقامة فأصبح مضطرب الأحوال خائر القوى فهو يترقب الطبيب الذي يدبر له بالشفاء، ولا بد للطبيب من موعظة للمريض يحذره بها مما هو سبب نشء علته ودوامها، ثم ينعت له الدواء الذي به شفاؤه من العلة، ثم يصف له النظام الذي ينبغي له سلوكه لتدوم له الصحة والسلامة ولا ينتكسَ له المرض، فإن هو انتصح بنصائح الطبيب أصبح معافى سليماً وحيي حياة طيبة لا يعتوره ألم ولا يشتكي وَصَبَا، وقد كان هذا التمثيل لكماله قابلاً لتفريق تشبيه أجزاء الهيئة المشبَّهة بأجزاء الهيئة المشبَّه بها، فزواجرُ القرآن ومواعظه يُشبَّه بنصح الطبيب على وجه المكنية، وإبطالُه العقائد الضالة يشبه بنعت الدواء للشفاء من المضار على وجه التصريحية، وتعاليمُه الدينية وآدابه تشبَّه بقواعد حفظ الصحة على وجه المكنية، وعبر عنها بالهَدى، ورحمتُه للعالمين تشبه بالعيش في سلامة على وجه المكنية.
ومعلوم أن ألفاظ المكنية يصح أن تكون مستعملة في حقائق معانيها كما هنا، ويصح أن تجعل تخييلاً كأظفار المنية.
ثم إن ذلك يتضمن تشبيه شأن باعث القرآن بالطبيب العليم بالأدواء وأدويتها، ويقوم من ذلك تشبيه هيئة تلقي الناس للقرآن وانتفاعهم به ومعالجة الرسول إياهم بتكرير النصح والإرشاد بهيئة المرضى بين يدي الطبيب وهو يصف لهم ما فيه برؤهم وصلاح أمزجتهم فمنهم القابل المنتفع ومنهم المتعاصي الممتنع.
فالأوصاف الثلاثة الأُول؛ ثابتة للقرآن في ذاته سواء في ذلك مَن قَبِلها وعمل بها، ومن أعرض عنها ونبذها، إلا أن وصفه بكونه هدًى لمَّا كان وصفاً بالمصدر المقتضي للمبالغة بحيث كأنه نفس الهدى كان الأنسب أن يراد به حصول الهدى به بالفعل فيكون في قران الوصف الرابع.
والوصف الرابع وهو الرحمة، خاص بمن عمل بمقتضى الأوصاف الثلاثة الأُول، فانتفع بها فكان القرآن رحمة له في الدنيا والآخرة.
وهو ينظر إلى قوله تعالى: ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ [الإسراء: 82].
فقَيْد ﴿ للمؤمنين ﴾ متعلق ب ﴿ رحمة ﴾ بلا شبهة وقد خصه به جمهور المفسرين.
ومن المحققين من جعله قيداً ل ﴿ هدى ورحمة ﴾ ناظراً إلى قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2] فإنه لم يجعله هدى لغير المتقين وهم المؤمنون.
والوجه أن كونه موعظة وصف ذاتي له، لأن الموعظة هي الكلام المحذّر من الضر ولهذا عقبت بقوله: ﴿ من ربكم ﴾ فكانت عامة لمن خوطب ب ﴿ يأيُّها الناس ﴾ .
وأما كونه شفاء فهو في ذاته صالح للشفاء لكن الشفاء بالدواء لا يحصل إلا لمن استعمله.
وأما كونه هدى ورحمة فإن تمام وصف القرآن بهما يكون بالنسبة لمن حَصَلت له حقيقتُهما، وأما لمن لم تحصل له آثارهما، فوصف القرآن بهما بمعنى صلاحيته لذلك، وهو الوصف بالقوة في اصطلاح أهل المنطق.
وقد وقع التصريح في الآية الأخرى بأنه ﴿ شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾ [الإسراء: 82]، وصرح في آية [البقرة: 2] بأنه ﴿ هدى للمتقين، ﴾ فالأظهر أن قيد للمؤمنين راجع إلى ﴿ هدى ورحمة ﴾ معاً إلى قاعدة القيد الوارد بعد مفردات، وأما رجوعه إلى ﴿ شفاء ﴾ فمحتمل، لأن وصف ﴿ شفاء ﴾ قد عُقب بقيد ﴿ لما في الصدور ﴾ فانقطع عن الوصفين اللذين بعده، ولأن تعريف ﴿ الصدور ﴾ باللام يقتضي العموم، فليحمل الشفاء على معنى الدواء الذي هو صالح للشفاء للذي يتناوله.
وهو إطلاق كثير.
وصَدَّر به في «اللسان» و«القاموس»، وجعلوا منه قوله تعالى في شأن العسل ﴿ فيه شفاء للناس ﴾ [النحل: 69].
وأما تعليق فعل المجيء بضمير الناس في قوله: ﴿ قد جاءتكم ﴾ فباعتبار كونهم المقصود بإنزال القرآن في الجملة.
ثم وقع التفصيل بالنسبة لما اختلفت فيه أحوال تلقيهم وانتفاعهم، كما دل عليه قوله بعده: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ﴾ [يونس: 58] أي المؤمنون.
وعبر عن الهدى بالفضل في قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً ﴾ [النساء: 174، 175] فعمم في مجيء البرهان وإنزال النور جميع الناس، وخصص في الرحمة والفضل والهداية المؤمنين، وهذا منتهى البلاغة وصحة التقسيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْل اللَّه وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، ورَحْمَتَهُ تَوْفِيقُهُ.
الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ والتَّوْفِيقِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِالإسْلامِ والقُرْآنِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ.
وَفِيهِ ثالِثٌ: فَلْتَفْرَحْ قُرَيْشٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.
رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وعَلَّمَهُ القُرْآنَ ثُمَّ شَكا الفاقَةَ كَتَبَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني وأبو الشيخ عن أبي الأحوص قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أخي يشتكي بطنه.
فوصف له الخمر فقال: سبحان الله...
!
ما جعل الله في رجس شفاء، إنما الشفاء في شيئين: القرآن والعسل، فيهما شفاء لما في الصدور وشفاء للناس.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: إن الله سبحانه وتعالى جعل القرآن شفاء لما في الصدور ولم يجعله شفاء لأمراضكم.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أني أشتكي صدري.
فقال: اقرأ القرآن، يقول الله تعالى: شفاء لما في الصدور» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.
«أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه.
فقال: عليك بقراءة القرآن» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: في القرآن شفاءان القرآن والعسل، فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء.
وأخرج البيهقي عن طلحة بن مصرف كان يقال: إن المريض إذا قرئ عنده القرآن وجد له خفة.
فدخلت على خيثمة وهو مريض فقلت: إني أراك اليوم صالحاً.
قال: إنه قرئ عندي القرآن.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ يعني قريشًا (١) وقوله تعالى: ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ أي: دواء لداء الجهل، وذلك أن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، فالمزيل له أجلّ شفاء وأعظمه موقعًا، والقرآن بحمد الله مزيل للجهل، وكاشف لعمى القلب ﴿ وَهُدًى ﴾ وبيان من الضلالة ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: ونعمة من الله لأصحاب محمد (٢) (٣) (١) هذا التخصيص من رواية ابن عباس التي اعتمدها المؤلف.
انظر: "الوسيط" 2/ 550، "زاد المسير" 4/ 40، وقد ذهب إلى هذا التخصيص == أيضًا السمرقندي 2/ 102، والقرطبي 8/ 353، والأصل بقاء الخطاب على عمومه، وإلى ذلك ذهب ابن جرير 11/ 124، وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 167: هذه آية خوطب بها جميع العالم.
(٢) القرآن نعمة لأصحاب محمد ولمن جاء بعدهم مؤمنًا إلى يوم القيامة، فلا وجه لهذا الحصر والتخصيص، وقد أشار الفراء في "معاني القرآن" 1/ 469 إلى هذا التخصيص تفسيرًا لقراءة زيد بن ثابت (فبذلك فلتفرحوا) بالتاء، وسيأتي.
(٣) "الوسيط" 2/ 550.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور ﴾ أي يشفي ما فيها من الجهل والشك ﴿ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فبذلك فَلْيَفْرَحُواْ ﴾ يتعلق بفضل بقوله: فليفرحوا، وكرر الباء في قوله فبذلك تأكيداً، والمعنى: الأمر أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما، والفضل والرحمة عموم، وقد قيل: الفضل الإسلام، والرحمة القرآن ﴿ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي فضل الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.
وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.
والباقون على الغيبة فيهما.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.
التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.
قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي بخلاف النظر.
فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.
ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.
وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .
والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.
ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.
فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.
وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.
وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.
ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.
قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.
وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.
والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.
وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.
قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!
وفيه شهادة من الله على خسرانهم.
وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.
ثم سلى رسوله فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.
وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.
ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.
ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.
وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.
ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.
فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.
وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.
ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.
﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.
و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟
أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟
وقيل: الضمير في "منه" لله وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.
وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.
﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟
أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.
وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟
وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.
وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟
وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.
وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.
ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.
فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.
ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.
والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.
ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".
وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.
أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.
والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.
وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.
ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.
وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.
وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.
وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.
ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.
والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.
الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.
الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.
الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.
وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.
والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.
ولما أرشد إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.
والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.
وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.
ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.
ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.
وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.
وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.
ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.
ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.
وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وغير ذلك.
﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.
وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.
ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.
ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟
وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.
التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.
﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.
﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.
﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.
﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.
﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.
ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: إن ما في السماوات والأرض كلهم عبيده [وإماؤه وملكه]، لا لمن [تعبدون دونه] من الأصنام والأوثان، فمن عند من يملك الدنيا والآخرة اطلبوا ذلك منه؛ لا من عند من لا يملك يبين سفههم في طلبهم الدنيا من عند من يعلمون أنه لا يملك ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : في كل وعد ووعيد أنه كائن لا محالة عذابا أو رحمة.
﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بعلمهم، فنفى عنهم العلم وإن علموا؛ لما لم ينتفعوا به.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لم يكتسبوا سبب العلم، [وهو التأويل والنظر في آياته وحججه.
ويحتمل نفي العلم عنهم لما أعطوا أسباب العلم] فلم يعلموا، فإن كان على هذا فيكونون معذورين، وإن كان على الوجهين الأولين فلا عذر لهم في ذلك.
وفي قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة إثبات البعث من وجهين: أحدهما: فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما [بغلظهما وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما]، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر وتوهمهم، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم.
والثاني: يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما، والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء، وأن كل شيء منها قد وضع مواضعها، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئاً عبثاً باطلا ولو كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجاً عن الحكمة، فظهر أنه خلقهم لأمر أراد بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: تعلمون أنه هو أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضاً وهو كقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولاً بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : وهو هذا القرآن قال بعضهم: الموعظة: النهي كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا.
وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقال بعضهم [العظة] هي [التي] تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق.
وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي الصدور المظلمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ : إن للدين آفات وداء تضر به وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان [المؤرقة] المريضة؛ فعلى ذلك جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدين وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ قيل: هدى من الضلالة، ورحمة من عذابه.
أو يقول: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ هدى أي: يدعوا إلى كل خير ويهدي [إليه]، ورحمة: لمن اتبعه، هو هدى ورحمة لمن اتبعه وتمسك به، وعمى وضلال لمن خالفه وترك اتباعه وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، وقال: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ أي: زاد للمؤمنين إيماناً إلى إيمانهم، و ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ أي: زاد للكافرين رجساً إلى رجسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : قال بعضهم: فضل الله ورحمته القرآن.
وقال قائلون: فضل الله القرآن، ورحمته الإيمان، وفيه أنه بإنزال القرآن متفضل إذ له ألا ينزل، وفيه أن أهل الفترة يؤاخذون في حال فترتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: فرحكم بما ذكر [هو] خير مما تجمعون من الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : إنما خاطب المؤمنين بقول: قل للمؤمنين بفضل الله: الإسلام، وبرحمته: يعني القرآن فبذلك يعني فبهذا الفضل والرحمة فليفرحوا يعني المؤمنين، هو خير مما يجمعون يعني مما يجمع الكفار من الأموال من الذهب والفضة وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ .
[يحتمل ﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ ] أضاف إنزاله إلى السماء، وإن كانت الأرزاق إنما تخرج من الأرض لما كانت أسبابها متعلقة بالسماء، يكون نضج الأنزال وينع الأعناب وإصلاح الأشياء كلها أعني أسباب الأرزاق من نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات وبه يخرج جميع أنواع الخارج مما يكون فيه غذاء البشر والدواب، ومن نحو الشمس التي [ينضج بها] الأنزال وبها تينع الأعناب وجميع الفواكه ونحوه أضاف ذلك إلى السماء لما ذكرنا.
وكذلك قوله: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: أسباب ذلك في السماء؛ لا أن عين ذلك في السماء.
ويحتمل قوله: ﴿ قُمَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ أي: ما خلق الله لكم؛ وكذلك جميع ما يضاف إلى الله إنما يضاف إليه بحق الخلق أي خلقه منزلا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ونحو ذلك، أي: خلق لكم مما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً ﴾ : قال بعضهم: ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما ذكر في سورة الأنعام والمائدة.
وقال بعضهم: ما حرموا الآلهة التي كانوا عبدوها، أي: جعلوها للأصنام وهو ما ذكر في الأنعام، وهو قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً...
﴾ الآية [الأنعام: 136] نحو ما ذكرنا في الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ أي: آلله أذن لكم في تحريم ما حرمتم وتحليل ما أحللتم أم على الله تفترون: [بل على الله تفترون] وذلك أن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل والكتب، وإنما يوصل إلى معرفة [المحرم والمحلل] بالرسل والكتب والخبر عن الله، وهم لم يكونوا مؤمنين بواحد مما ذكرنا، فكيف جعلتم منه حراماً وحلالا وأنتم لا تؤمنون بما به يعرف الحلال من الحرام، فكيف حرمتم ما أحل لكم أو أحللتم ما حرم عليكم؟!
يخبر عن سفههم وعنادهم وافترائهم على الله، فإذا اجترءوا أن يفتروا على الله فعلى غيره أجرأ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : فإن قيل كيف أوعدوا بيوم القيامة وهم كانوا لا يؤمنون بالبعث؟!
قيل: قد ألزمهم الحجة بكون البعث بما أظهر من كذبهم وافترائهم على الله في التحريم والتحليل، فذلك يظهر كذبهم بتكذيبهم البعث.
وبعد فإنه قد يوعد المرء بما لا يتيقن به ويتخوف عليه ويحذر وإن لم يحط علمه به، فكذلك هذا.
وبعد فإنه قد جعل في عقولهم ما يلزمهم الإيمان بالبعث والجزاء للأعمال؛ إذ ليس من الحكمة خلق الخلق للفناء خاصة.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقول: وما ظن الذين يفترون على الله الكذب لو خرج الأمر حقّاً، وكان صدقاً على ما أخبر رسول الله وقاله من البعث والجزاء لما اكتسبوا؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ : هو ذو فضل على جميع الناس من [جهة ما ساق] إلى الكل من الرزق كافرهم ومؤمنهم وأنواع النعم، وما أخر عنهم العذاب إلى وقت، أو لما بعث إليهم الرسل والكتب من غير أن كان منهم إلى الله سابقة صنع يستوجبون به ذلك ومنه خصوص فضل على المؤمنين ليس ذلك على الكافرين، ولكن أكثرهم لا يشكرون لفضله وما أنعم عليهم.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الناس، قد جاءكم القرآن فيه تذكير وترغيب وترهيب، وهو شفاء لما في القلوب من مرض الشك والارتياب، وإرشاد لطريق الحق، وفيه رحمة للمؤمنين، فهم المنتفعون به.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZYAMK"